← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ: ١٩ - اسْتَحَبَّ الأَْئِمَّةُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ (١) . وَأَنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. وَفِي حَدِيثٍ لأَِنَسٍ فَرَفَعَ الرَّسُول ﷺ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ حَدِيثًا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ. وَذَكَرَ الأَْئِمَّةُ: أَنَّهُ يَدْعُو سِرًّا وَجَهْرًا، فَإِذَا دَعَا سِرًّا دَعَا النَّاسُ سِرًّا، فَيَكُونُ أَبْلَغُ فِي الْبُعْدِ عَنِ الرِّيَاءِ. وَإِذَا دَعَا جَهْرًا أَمَّنَ النَّاسُ عَلَى دُعَاءِ الإِْمَامِ (٢) . وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بَعْضَ الدُّعَاءِ سِرًّا، وَبَعْضَهُ جَهْرًا، وَيَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ فِي دُعَائِهِ مُتَضَرِّعًا خَاشِعًا مُتَذَلِّلاً تَائِبًا. الاِسْتِسْقَاءُ بِالصَّالِحِينَ: ٢٠ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الاِسْتِسْقَاءِ بِأَقَارِبِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِالصَّالِحِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالتَّقْوَى وَالاِسْتِقَامَةِ، لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَال: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا قَحَطْنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّل بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ (٣) .

стр. 1962

وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَسْقَى بِيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ فَقَال: " اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ. يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ مِنَ الْمَغْرِبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَلاَّ يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ (١) . التَّوَسُّل بِالْعَمَل الصَّالِحِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَسَّل كُلٌّ فِي نَفْسِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ. وَاسْتَدَل عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ، وَهُمُ الثَّلاَثَةُ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى الْغَارِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَتَوَسَّل كُل وَاحِدٍ بِصَالِحِ عَمَلِهِ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الصَّخْرَةَ، وَقَشَعَ الْغُمَّةَ، وَخَرَجُوا يَمْشُونَ (٢) . تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ: ٢١ - قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ (٣) : يُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ، لِفِعْل الرَّسُول ﷺ لَهُ، وَلأَِنَّ مَا فَعَلَهُ الرَّسُول ﷺ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَقَدْ

стр. 1963

عُقِل الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَهُوَ التَّفَاؤُل بِقَلْبِ الرِّدَاءِ، لِيَقْلِبَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ. وَهُوَ خَاصٌّ بِالرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ: إِنَّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالإِْمَامِ فَقَطْ دُونَ الْمَأْمُومِ؛ لأَِنَّهُ نُقِل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أَصْحَابِهِ (١) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُسَنُّ تَقْلِيبُ الرِّدَاءِ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ فَلاَ يُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِيهِ، كَسَائِرِ الأَْدْعِيَةِ (٢) . كَيْفِيَّةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ: ٢٢ - قَال الْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ (٣) : يَقْلِبُ الْمُسْتَسْقُونَ أَرْدِيَتَهُمْ، فَيَجْعَلُونَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ، وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَوَّل رِدَاءَهُ، وَجَعَل عِطَافَهُ الأَْيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ، وَجَعَل عِطَافَهُ الأَْيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْمَنِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ نَقَل تَحْوِيل الرِّدَاءِ جَمَاعَةٌ، كُلُّهُمْ نَقَلُوهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَل أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي

стр. 1964

الرَّأْيِ الرَّاجِحِ (١) : إِنْ كَانَ الرِّدَاءُ مُدَوَّرًا بِأَنْ كَانَ جُبَّةً يَجْعَل الأَْيْمَنَ عَلَى الأَْيْسَرِ، وَالأَْيْسَرَ عَلَى الأَْيْمَنِ، وَإِنْ كَانَ الرِّدَاءُ مُرَبَّعًا يَجْعَل أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ، وَأَسْفَلَهُ أَعْلاَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَل أَسْفَلَهَا أَعْلاَهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ جَعَل الْعِطَافَ الَّذِي فِي الأَْيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْمَنِ، وَاَلَّذِي عَلَى الأَْيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ، وَيَبْدَأُ بِتَحْوِيل الرِّدَاءِ عِنْدَ الْبَدْءِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (٢) . الْمُسْتَسْقُونَ ٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى، أَنَّ السُّنَّةَ خُرُوجُ الإِْمَامِ لِلاِسْتِسْقَاءِ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا تَخَلَّفَ فَقَدْ أَسَاءَ بِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ. تَخَلُّفُ الإِْمَامِ عَنْ الاِسْتِسْقَاءِ: ٢٤ - فِي مَسْأَلَةِ تَخَلُّفِ الإِْمَامِ رَأْيَانِ: الرَّأْيُ الأَْوَّل: وَهُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: إِذَا تَخَلَّفَ الإِْمَامُ عَنْ الاِسْتِسْقَاءِ أَنَابَ عَنْهُ. فَإِذَا لَمْ يُنِبْ لَمْ يَتْرُكِ النَّاسُ الاِسْتِسْقَاءَ، وَقَدَّمُوا أَحَدَهُمْ لِلصَّلاَةِ، كَمَا إِذَا خَلَتِ الأَْمْصَارُ مِنَ الْوُلاَةِ قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ، كَمَا قَدَّمَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حِينَ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عُمَرَ وَبَنِيَّ عَوْفٍ، وَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ حِينَ تَأَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 1965

لِحَاجَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ (١) . قَال الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا جَازَ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى. الرَّأْيُ الثَّانِي: لاَ يُسْتَحَبُّ الاِسْتِسْقَاءُ بِالصَّلاَةِ إِلاَّ بِخُرُوجِ الإِْمَامِ، أَوْ رَجُلٍ مِنْ قِبَلِهِ. وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، فَإِذَا خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ دَعَوْا وَانْصَرَفُوا بِلاَ صَلاَةٍ وَلاَ خُطْبَةٍ (٢) . مَنْ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ، وَمَنْ يَجُوزُ، وَمَنْ يُكْرَهُ: ٢٥ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ خُرُوجُ الشُّيُوخِ وَالضُّعَفَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَجَزَةِ وَغَيْرِ ذَاتِ الْهَيْئَةِ مِنَ النِّسَاءِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بِخُرُوجِ مَنْ يَعْقِل مِنَ الصِّبْيَانِ، أَمَّا مَنْ لاَ يَعْقِل فَيُكْرَهُ خُرُوجُهُمْ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِلصَّلاَةِ. وَاسْتَدَلُّوا لِخُرُوجِ مَنْ ذُكِرَ بِقَوْل الرَّسُول ﵊: هَل تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ. (٣) إِخْرَاجُ الدَّوَابِّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ: ٢٦ - فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ: الأَْوَّل: يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الدَّوَابِّ؛ لأَِنَّهُ قَدْ تَكُونُ السُّقْيَا بِسَبَبِهِمْ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ؛ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَوْلاَ عِبَادٌ لِلَّهِ

стр. 1966

رُكَّعٌ، وَصِبْيَانٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا، ثُمَّ رُصَّ رَصًّا. وَلِمَا رَوَى الإِْمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ " خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهِمَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقَال: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْل هَذِهِ النَّمْلَةِ (١) " وَقَال أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ: إِذَا أُقِيمَتْ فِي الْمَسْجِدِ، أُوقِفَتِ الدَّوَابُّ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ. الثَّانِي: لاَ يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْبَهَائِمِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَرَأْيٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ (٢) . الثَّالِثُ: لاَ يُسْتَحَبُّ وَلاَ يُكْرَهُ، وَهُوَ رَأْيٌ ثَالِثٌ لِلشَّافِعِيَّةِ (٣) . خُرُوجُ الْكُفَّارِ وَأَهْل الذِّمَّةِ: ٢٧ - فِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُ الْكُفَّارِ وَأَهْل الذِّمَّةِ، بَل يُكْرَهُ، وَلَكِنْ إِذَا خَرَجُوا مَعَ النَّاسِ فِي يَوْمِهِمْ، وَانْفَرَدُوا فِي مَكَانٍ وَحْدَهُمْ لَمْ يُمْنَعُوا. وَجُمْلَةُ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ أَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ أَهْل الذِّمَّةِ وَالْكُفَّارِ؛ لأَِنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنَ الإِْجَابَةِ. وَإِنْ أُغِيثَ الْمُسْلِمُونَ

стр. 1967

فَرُبَّمَا قَالُوا: هَذَا حَصَل بِدُعَائِنَا وَإِجَابَتِنَا، وَإِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا؛ لأَِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ فَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ قَدْ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَكِنْ يُؤْمَرُونَ بِالاِنْفِرَادِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِعَذَابٍ فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَهُمْ. وَلاَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهُمْ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَتَّفِقَ نُزُول الْغَيْثِ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ فِتْنَةً لَهُمْ، وَرُبَّمَا افْتُتِنَ غَيْرُهُمْ (١) . الرَّأْيُ الثَّانِي: وَهُوَ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، قَال بِهِ أَشْهَبُ وَابْنُ حَبِيبٍ: لاَ يَحْضُرُ الذِّمِّيُّ وَالْكَافِرُ الاِسْتِسْقَاءَ، وَلاَ يَخْرُجُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِدُعَائِهِ. وَالاِسْتِسْقَاءُ لاِسْتِنْزَال الرَّحْمَةِ، وَهِيَ لاَ تَنْزِل عَلَيْهِمْ، وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْخُرُوجِ؛ لاِحْتِمَال أَنْ يُسْقَوْا فَتَفْتَتِنَ بِهِ الضُّعَفَاءُ وَالْعَوَامُّ (٢) . اسْتِسْلاَمٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِسْلاَمُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ لِلْغَيْرِ (٣) .

стр. 1968

وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ " اسْتِسْلاَمٍ " بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا (١) . وَيُعَبِّرُونَ أَيْضًا عَنْ الاِسْتِسْلاَمِ بِ " النُّزُول عَلَى الْحُكْمِ وَقَبُول الْجِزْيَةِ ". الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - أ - اسْتِسْلاَمُ الْعَدُوِّ سَوَاءٌ أَكَانَ كَافِرًا - مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ - أَمْ مُسْلِمًا بَاغِيًا مُوجِبٌ لِلْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِ (٢) . وَقَدْ أَفَاضَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَفِي كِتَابِ الْبُغَاةِ. ٣ - ب - لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِعَدُوِّهِ الظَّالِمِ - سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا - إِلاَّ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلاَ يَجِدُ حِيلَةً لِلْحِفَاظِ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالاِسْتِسْلاَمِ، فَيَجُوزُ لَهُ الاِسْتِسْلاَمُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ الاِسْتِسْلاَمُ لِعَدُوِّهِمْ فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ إِلاَّ بِهَذَا الشَّرْطِ (٣) . وَذَكَرُوا فِي كِتَابِ الصِّيَال: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَصُول عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلصَّائِل إِلاَّ بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا (٤) . وَذَكَرُوا فِي كِتَابِ الإِْكْرَاهِ: أَنَّ الإِْكْرَاهَ عَلَى بَعْضِ الأَْفْعَال، لاَ تَتَرَتَّبُ آثَارُهُ إِلاَّ إِذَا كَانَ الاِسْتِسْلاَمُ لِلْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) بِهَذَا الشَّرْطِ (٥) .

стр. 1969

اسْتِشَارَةٌ اُنْظُرْ: شُورَى اسْتِشْرَافٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِشْرَافُ فِي اللُّغَةِ: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْحَاجِبِ لِلنَّظَرِ، كَاَلَّذِي يَسْتَظِل مِنَ الشَّمْسِ حَتَّى يَسْتَبِينَ الشَّيْءَ. وَأَصْلُهُ مِنَ الشَّرَفِ: الْعُلُوُّ، وَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ بِالأَْلِفِ: اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ (١) . وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى: التَّطَلُّعِ إِلَى الشَّيْءِ، كَمَا فِي اسْتِشْرَافِ الأُْضْحِيَّةِ (٢) . وَهُوَ فِي الأَْمْوَال بِأَنْ يَقُول: سَيَبْعَثُ إِلَيَّ فُلاَنٌ، أَوْ لَعَلَّهُ يَبْعَثُ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَل. وَقَال أَحْمَدُ: الاِسْتِشْرَافُ بِالْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ، قِيل لَهُ: إِنَّ هَذَا شَدِيدٌ، قَال: وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فَهُوَ هَكَذَا، قِيل لَهُ: فَإِنْ كَانَ الرَّجُل لَمْ يَوَدَّ فِي أَنْ يُرْسِل إِلَيَّ شَيْئًا، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ عَرَضَ بِقَلْبِي، فَقُلْتُ: عَسَى أَنْ يَبْعَثَ إِلَيَّ، قَال: هَذَا إِشْرَافٌ،

стр. 1970

فَإِذَا جَاءَكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحِسَّهُ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِكَ، فَهَذَا الآْنَ لَيْسَ فِيهِ إِشْرَافٌ (١) . وَقَال الْبَعْضُ: الاِسْتِشْرَافُ هُوَ: التَّعَرُّضُ لِلسُّؤَال (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - يَنْبَغِي اسْتِشْرَافُ الأُْضْحِيَّةِ لِتُعْرَفَ سَلاَمَتُهَا مِنَ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنَ الإِْجْزَاءِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُْذُنَ، وَإِلاَّ نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ، وَلاَ مُدَابَرَةٍ، وَلاَ شَرْقَاءَ، وَلاَ خَرْقَاءَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣) . ٣ - أَمَّا الاِسْتِشْرَافُ فِي الأَْمْوَال: فَإِنْ كَانَ بِالْقَلْبِ فَلاَ يُؤَاخَذُ الإِْنْسَانُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الأُْمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا، مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانٌ أَوْ تَعْمَلْهُ جَارِحَةٌ، وَمَا اعْتَقَدَهُ الْقَلْبُ مِنَ الْمَعَاصِي - غَيْرِ الْكُفْرِ - فَلَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَعْمَل بِهِ، وَخَطِرَاتُ النَّفْسِ مُتَجَاوَزٌ عَنْهَا بِالإِْجْمَاعِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ: الاِسْتِشْرَافُ بِالْقَلْبِ كَالتَّعَرُّضِ بِاللِّسَانِ (٤) . وَلِلْعُلَمَاءِ فِي قَبُول الْمَال دُونَ اسْتِشْرَافٍ - بِمَعْنَى

стр. 1971

التَّحَدُّثِ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ - ثَلاَثَةُ آرَاءٍ: ٤ - أ - جَوَازُ الْقَبُول وَعَدَمُهُ، غَيْرَ أَنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ لِمَنْ مَلَكَ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، وَقَال قَوْمٌ: إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِعَطِيَّةِ غَيْرِ السُّلْطَانِ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتَهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتَهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَال: يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَال حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافٍ لَمْ يُبَارَكْ فِيهِ، وَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُل وَلاَ يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. قَال حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ (١) أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَل مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢) . ٥ - ب وُجُوبُ الآْخِذِ، وَحُرْمَةُ الرَّدِّ، لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُول: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَال وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلاَ

стр. 1972

مُشْرِفٍ فَخُذْهُ، وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ، قَال: فَكَانَ سَالِمٌ لاَ يَسْأَل أَحَدًا شَيْئًا، وَلاَ يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١) . ٦ - ج - اسْتِحْبَابُ الأَْخْذِ، وَحَمْل النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ لِلْوُجُوبِ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، غَيْرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى عَطِيَّةِ غَيْرِ السُّلْطَانِ. جَاءَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: " الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: يُسْتَحَبُّ الْقَبُول فِي غَيْرِ عَطِيَّةِ السُّلْطَانِ، وَأَمَّا عَطِيَّةُ السُّلْطَانِ فَحَرَّمَهَا قَوْمٌ، وَأَبَاحَهَا قَوْمٌ، وَكَرِهَهَا قَوْمٌ، قَال: وَالصَّحِيحُ إِنْ غَلَبَ الْحَرَامُ فِيمَا فِي يَدِ السُّلْطَانِ حُرِّمَتْ، وَإِلاَّ أُبِيحَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَابِضِ مَانِعٌ مِنْ الاِسْتِحْقَاقِ (٢) ". ٧ - وَالاِسْتِشْرَافُ بِمَعْنَى التَّعَرُّضِ لِلسُّؤَال، لاَ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ عَنْ أَحْكَامِ السُّؤَال. (ر: سُؤَال) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٨ - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْ الاِسْتِشْرَافِ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَفِي الأُْضْحِيَّةِ، وَفِي الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ. اسْتِشْهَادٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِشْهَادُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الشَّهَادَةِ مِنَ الشُّهُودِ، فَيُقَال: اسْتَشْهَدَهُ: إِذَا سَأَلَهُ تَحَمُّل أَوْ

стр. 1973

أَدَاءَ الشَّهَادَةِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) وَاسْتُعْمِل فِي الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّهِ، فَيُقَال: اسْتُشْهِدَ: قُتِل فِي سَبِيل اللَّهِ (٢) . وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُهُمْ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ (٣) . وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ فِي الْغَالِبِ لَفْظَةَ إِشْهَادٍ، وَيُرَادُ بِهَا: الاِسْتِشْهَادُ عَلَى حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ (٤) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - الاِسْتِشْهَادُ - بِمَعْنَى طَلَبِ الشَّهَادَةِ - يَخْتَلِفُ مِنْ حَقٍّ إِلَى حَقٍّ؛ لِذَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ تَبَعًا لِلْمَوَاطِنِ، وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ: الاِسْتِشْهَادُ فِي الرَّجْعَةِ، فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٥) ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٦) ، وَوَاجِبٌ فِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٧) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الاِسْتِشْهَادِ بِالنِّسْبَةِ لِكُل مَسْأَلَةٍ فِي مَوْضِعِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ: النِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالزِّنَا، وَاللُّقَطَةُ، وَاللَّقِيطُ،

стр. 1974

وَكِتَابُ الْقَاضِي لِلْقَاضِي، وَغَيْرُهَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ الاِسْتِشْهَادِ، أَوِ الإِْشْهَادِ فِيهَا. ٤ - أَمَّا الاِسْتِعْمَال الثَّانِي - بِمَعْنَى الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّهِ - فَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى الْجَنَائِزِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ غُسْل الْمَيِّتِ وَعَدَمِ غُسْلِهِ. وَالْجِهَادِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ فَضْل الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّهِ. اسْتِصْبَاحٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِصْبَاحُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَصْبَحَ بِمَعْنَى: أَوْقَدَ الْمِصْبَاحَ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَعِل مِنْهُ الضَّوْءُ. وَاسْتَصْبَحَ بِالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ: أَيْ أَمَدَّ بِهِ مِصْبَاحَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي السُّؤَال عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ. . وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ: أَيْ يُشْعِلُونَ بِهَا سُرُجَهُمْ (١) " وَلَمْ يَخْرُجِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) ، فَقَدْ وَرَدَ فِي طِلْبَةِ الطَّلَبَةِ (٣) الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ: إِيقَادُ الْمِصْبَاحِ، وَهُوَ السِّرَاجُ. وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ (٤) اسْتَصْبَحْتُ بِالْمِصْبَاحِ، وَاسْتَصْبَحْتُ بِالدُّهْنِ: نَوَّرْتُ بِهِ الْمِصْبَاحَ.

стр. 1975

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِقْتِبَاسُ: ٢ - الاِقْتِبَاسُ لَهُ مَعَانٍ عِدَّةٌ أَهَمُّهَا: طَلَبُ الْقَبَسِ، وَهُوَ الشُّعْلَةُ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا كَانَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ يَخْتَلِفُ عَنْ الاِسْتِصْبَاحِ، كَمَا ظَهَرَ مِنَ التَّعْرِيفِ. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ بَيْنَ طَلَبِ الشُّعْلَةِ، وَإِيقَادِ الشَّيْءِ لِتَتَكَوَّنَ لَنَا شُعْلَةٌ، فَالإِْيقَادُ سَابِقٌ لِطَلَبِ الشُّعْلَةِ (١) . أَمَّا كَوْنُ الاِقْتِبَاسِ بِمَعْنَى تَضْمِينِ الْمُتَكَلِّمِ كَلاَمَهُ - شِعْرًا كَانَ أَوْ نَثْرًا - شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، أَوِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، عَلَى وَجْهٍ لاَ يَكُونُ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ، فَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ مَعْنَى الاِسْتِصْبَاحِ. ب - الاِسْتِضَاءَةُ: ٣ - الاِسْتِضَاءَةُ مَصْدَرُ: اسْتَضَاءَ. وَالاِسْتِضَاءَةُ: طَلَبُ الضَّوْءِ. يُقَال: اسْتَضَاءَ بِالنَّارِ: أَيِ اسْتَنَارَ بِهَا، أَيِ انْتَفَعَ بِضَوْئِهَا (٢) ، فَإِيقَادُ السِّرَاجِ غَيْرُ الاِنْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ، إِذْ أَنَّهُ يَكُونُ سَابِقًا لِلاِسْتِضَاءَةِ (٣) . حُكْمُ الاِسْتِصْبَاحِ: ٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِصْبَاحِ بِاخْتِلاَفِ مَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَالْمَكَانُ الَّذِي يُسْتَصْبَحُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ طَاهِرًا فَبِهَا، وَإِلاَّ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُوَ نَجِسٌ وَمَا هُوَ مُتَنَجِّسٌ، وَمَا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِهِ. أ - فَإِنْ كَانَ مَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ نَجَسًا بِعَيْنِهِ، كَشَحْمِ

стр. 1976

الْخِنْزِيرِ، أَوْ شَحْمِ الْمَيْتَةِ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى حُرْمَةِ الاِسْتِصْبَاحِ بِهِ (١) ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِلأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ: أَوَّلاً: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُئِل عَنْ الاِنْتِفَاعِ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ بِاسْتِصْبَاحٍ وَغَيْرِهِ قَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ. (٢) ثَانِيًا: وَقَوْلُهُ ﷺ : لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ. (٣) ثَالِثًا: وَلأَِنَّهُ مَظِنَّةُ التَّلَوُّثِ بِهِ، وَلِكَرَاهَةِ دُخَانِ النَّجَاسَةِ (٤) . ب - وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا، أَيْ أَنَّ الْوَقُودَ طَاهِرٌ فِي الأَْصْل، وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ، فَإِنْ كَانَ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ (٥) . أَمَّا إِنْ كَانَ الاِسْتِصْبَاحُ بِالْمُتَنَجِّسِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، فَيَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٦) ، لأَِنَّ الْوَقُودَ

стр. 1977

يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَجَازَ كَالطَّاهِرِ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَجِينِ الَّذِي عُجِنَ بِمَاءٍ مِنْ آبَارِ ثَمُودَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ (١) (الإِْبِل الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا) وَهَذَا الْوَقُودُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، وَلاَ هُوَ مِنْ شُحُومِهَا فَيَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ (٢) . حُكْمُ اسْتِعْمَال مُخَلَّفَاتِهِمَا: ٥ - إِذَا اسْتُصْبِحَ بِالْمُتَنَجِّسِ، أَوِ النَّجَسِ فَلاَ بَأْسَ بِدُخَانِهِ أَوْ رَمَادِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَقُ بِالثِّيَابِ، وَذَلِكَ لاِضْمِحْلاَل النَّجَاسَةِ بِالنَّارِ، وَزَوَال أَثَرِهَا، فَمُجَرَّدُ الْمُلاَقَاةِ لاَ يُنَجِّسُ، بَل يُنَجِّسُ إِذَا عَلِقَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُلُوقِ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ، أَمَّا مُجَرَّدُ الرَّائِحَةِ فَلاَ. وَكَذَلِكَ يَرَوْنَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ هِيَ التَّغَيُّرُ وَانْقِلاَبُ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ يُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى (٣) . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُتَنَجِّسَ كَالنَّجَسِ (٤) ؛ لأَِنَّهُ جُزْءٌ يَسْتَحِيل مِنْهُ، وَالاِسْتِحَالَةُ لاَ تَطْهُرُ، فَإِنْ عَلِقَ شَيْءٌ وَكَانَ يَسِيرًا عُفِيَ عَنْهُ (٥) ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَأَشْبَهَ دَمَ الْبَرَاغِيثِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ. وَقِيل أَيْضًا بِأَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ نَجَسٌ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ مَا يَنْفَصِل مِنَ

стр. 1978

الدُّخَانِ يُؤَثِّرُ فِي الْحِيطَانِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَنْجِيسِهَا فَلاَ يَجُوزُ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذَا فِي (نَجَاسَة) . آدَابُ الاِسْتِصْبَاحِ: ٦ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِطْفَاءُ الْمِصْبَاحِ عِنْدَ النَّوْمِ، خَوْفًا مِنَ الْحَرِيقِ الْمُحْتَمَل بِالْغَفْلَةِ، فَإِنْ وُجِدَتِ الْغَفْلَةُ حَصَل النَّهْيُ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لِلرَّسُول ﷺ تَدُل عَلَى هَذَا، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : خَمِّرُوا الآْنِيَةَ أَيْ غَطُّوهَا وَأَجِيفُوا الأَْبْوَابَ أَيْ أَغْلِقُوهَا وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ، فَأَحْرَقَتْ أَهْل الْبَيْتِ. (٢) قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يُسْتَحَبُّ إِطْفَاءُ النَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ؛ لأَِنَّهَا عَدُوٌّ مَزْمُومٌ بِزِمَامٍ لاَ يُؤْمَنُ لَهَبُهَا فِي حَالَةِ نَوْمِ الإِْنْسَانِ. أَمَّا إِنْ جَعَل الْمِصْبَاحَ فِي شَيْءٍ مُعَلَّقٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ لاَ يُمْكِنُ الْفَوَاسِقُ وَالْهَوَامُّ التَّسَلُّقَ إِلَيْهِ فَلاَ أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا (٣) . اسْتِصْحَابٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِصْحَابُ فِي اللُّغَةِ: الْمُلاَزَمَةُ، يُقَال: اسْتَصْحَبْتُ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ: حَمَلْتُهُ بِصُحْبَتِي (٤) .

стр. 1979

وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ، فَقَدْ عُرِّفَ بِعِدَّةِ تَعْرِيفَاتٍ مِنْهَا مَا عَرَّفَهُ بِهِ الإِْسْنَوِيُّ بِقَوْلِهِ: الاِسْتِصْحَابُ عِبَارَةٌ عَنِ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ أَمْرٍ فِي الزَّمَنِ الآْتِي، بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الزَّمَنِ الأَْوَّل (١) . وَمِثَالُهُ: أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ بِيَقِينٍ يَبْقَى عَلَى وُضُوئِهِ وَإِنْ شَكَّ فِي نَقْضِ طَهَارَتِهِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الإِْبَاحَةُ: ٢ - الإِْبَاحَةُ الأَْصْلِيَّةُ - بِمَعْنَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ - نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الاِسْتِصْحَابِ ، وَهِيَ مَا يُسَمَّى بِاسْتِصْحَابِ الْعَدَمِ الأَْصْلِيِّ (٢) . وَأَمَّا الإِْبَاحَةُ الَّتِي هِيَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ، فَهِيَ مُغَايِرَةٌ لِلاِسْتِصْحَابِ، إِذِ الاِسْتِصْحَابُ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ - نَوْعٌ مِنَ الأَْدِلَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الإِْبَاحَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْحْكَامِ. أَنْوَاعُ الاِسْتِصْحَابِ: ٣ - لِلاِسْتِصْحَابِ أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، هِيَ (٣) : أ - اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الأَْصْلِيِّ، كَنَفْيِ وُجُوبِ صَلاَةٍ سَادِسَةٍ، وَنَفْيِ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ. ب - اسْتِصْحَابُ الْعُمُومِ إِلَى أَنْ يَرِدَ الْمُخَصِّصُ، كَبَقَاءِ الْعُمُومِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤) ، وَاسْتِصْحَابُ النَّصِّ إِلَى أَنْ يَرِدَ نَاسِخٌ،

стр. 1980

كَوُجُوبِ جَلْدِ كُل قَاذِفٍ زَوْجًا أَوْ غَيْرَهُ، إِلَى أَنْ وَرَدَ النَّاسِخُ الْجُزْئِيُّ، بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجِ دُونَ غَيْرِهِ. ج - اسْتِصْحَابُ حُكْمٍ دَل الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ، كَالْمِلْكِ عِنْدَ جَرَيَانِ الْعَقْدِ الَّذِي يُفِيدُ التَّمْلِيكَ، وَكَشَغْل الذِّمَّةِ عِنْدَ جَرَيَانِ إِتْلاَفٍ أَوْ إِلْزَامٍ، فَيَبْقَى الْمِلْكُ وَالدَّيْنُ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ زَوَالُهُمَا بِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ. وَهُنَاكَ نَوْعَانِ آخَرَانِ لِلاِسْتِصْحَابِ مُخْتَلَفٌ فِي حُجِّيَّتِهِ مَا، وَمَوْضِعُ تَفْصِيلِهِمَا الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. حُجِّيَّتُهُ: ٤ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي حُجِّيَّةِ الاِسْتِصْحَابِ عَلَى أَقْوَالٍ أَشْهُرُهَا (١) : أ - قَال الْمَالِكِيَّةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةُ بِحُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا، أَيْ فِي النَّفْيِ وَالإِْثْبَاتِ. ب - وَقَال أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِعَدَمِ حُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا. ج - وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِحُجِّيَّتِهِ فِي النَّفْيِ دُونَ الإِْثْبَاتِ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى مَوْضِعُهَا وَتَفْصِيلُهَا فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. مَرْتَبَتُهُ فِي الْحُجِّيَّةِ: ٥ - الاِسْتِصْحَابُ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِحُجِّيَّتِهِ - هُوَ آخِرُ دَلِيلٍ يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ، لِمَعْرِفَةِ حُكْمِ مَا يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّهُ آخِرُ مَدَارِ الْفَتْوَى (٢) ،

стр. 1981

وَعَلَيْهِ ثَبَتَتِ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ: (الأَْصْل بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيل عَلَى خِلاَفِهِ) وَالْقَاعِدَةُ: (مَا ثَبَتَ بِالْيَقِينِ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ (١)) . اسْتِصْلاَحٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِصْلاَحُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الاِسْتِفْسَادِ (٢) . وَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: اسْتِنْبَاطُ الْحُكْمِ فِي وَاقِعَةٍ لاَ نَصَّ فِيهَا وَلاَ إِجْمَاعَ، بِنَاءً عَلَى مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لاَ دَلِيل عَلَى اعْتِبَارِهَا وَلاَ إِلْغَائِهَا. وَيُعَبَّرُ عَنْهُ أَيْضًا بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ. ٢ - وَالْمَصْلَحَةُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْمَفْسَدَةِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرْعِ الْخَمْسَةِ (٣) . ٣ - وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ: مَا لاَ يَشْهَدُ لَهَا أَصْلٌ بِالاِعْتِبَارِ وَلاَ بِالإِْلْغَاءِ، لاَ بِالنَّصِّ وَلاَ بِالإِْجْمَاعِ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ (٤) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِسْتِحْسَانُ: ٤ - عَرَّفَهُ الأُْصُولِيُّونَ بِتَعَارِيفَ كَثِيرَةٍ، الْمُخْتَارُ مِنْهَا: الْعُدُول إِلَى خِلاَفِ النَّظِيرِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ،

стр. 1982

كَدُخُول الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَانِ مُكْثٍ، وَلاَ مِقْدَارِ مَاءٍ، لِدَلِيل الْعُرْفِ (١) . وَعَلَى ذَلِكَ فَالاِسْتِحْسَانُ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ قِيَاسٍ بِقِيَاسٍ، أَوْ بِمُقَابَلَةِ نَصٍّ بِقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَالاِسْتِصْلاَحُ لَيْسَ كَذَلِكَ. ب - الْقِيَاسُ: ٥ - وَهُوَ مُسَاوَاةُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ (٢) . فَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِسْتِصْلاَحِ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ لِلْقِيَاسِ أَصْلاً يُقَاسُ الْفَرْعُ عَلَيْهِ، فِي حِينِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلاِسْتِصْلاَحِ هَذَا الأَْصْل. أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ الْمُرْسَل: ٦ - الْمُنَاسِبُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الاِسْتِصْلاَحُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: أ - إِمَّا أَنْ يَعْتَبِرَهُ الشَّارِعُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الاِعْتِبَارَاتِ. ب - وَإِمَّا أَنْ يُلْغِيَهُ. ج - وَإِمَّا أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ. وَالأَْخِيرُ هُوَ الاِسْتِصْلاَحُ (٣) . حُجِّيَّةُ الاِسْتِصْلاَحِ: ٧ - اخْتُلِفَ فِي حُجِّيَّتِهِ عَلَى مَذَاهِبَ كَثِيرَةٍ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَا مِنْ مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ إِلاَّ يَأْخُذُ بِهِ إِجْمَالاً،

стр. 1983

وَقَدْ وَضَعَ بَعْضُهُمْ قُيُودًا لِجَوَازِ الأَْخْذِ بِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ (١) . اسْتِصْنَاعٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِصْنَاعُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَصْنَعَ الشَّيْءَ: أَيْ دَعَا إِلَى صُنْعِهِ، وَيُقَال: اصْطَنَعَ فُلاَنٌ بَابًا: إِذَا سَأَل رَجُلاً أَنْ يَصْنَعَ لَهُ بَابًا، كَمَا يُقَال: اكْتَتَبَ أَيْ أَمَرَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ. (٢) وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ عَلَى مَا عَرَّفَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: عَقْدٌ عَلَى مَبِيعٍ فِي الذِّمَّةِ شُرِطَ فِيهِ الْعَمَل (٣) . فَإِذَا قَال شَخْصٌ لآِخَرَ مِنْ أَهْل الصَّنَائِعِ: اصْنَعْ لِي الشَّيْءَ الْفُلاَنِيَّ بِكَذَا دِرْهَمًا، وَقَبِل الصَّانِعُ ذَلِكَ، انْعَقَدَ اسْتِصْنَاعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٤) ، وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، حَيْثُ يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّ الاِسْتِصْنَاعَ: بَيْعُ سِلْعَةٍ لَيْسَتْ عِنْدَهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّلَمِ، فَيُرْجَعُ فِي هَذَا كُلِّهِ عِنْدَهُمْ

стр. 1984

إِلَى الْبَيْعِ وَشُرُوطِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْبَيْعِ بِالصَّنْعَةِ (١) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: فَقَدْ أَلْحَقُوهُ بِالسَّلَمِ، فَيُؤْخَذُ تَعْرِيفُهُ وَأَحْكَامُهُ مِنَ السَّلَمِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ السَّلَفِ فِي الشَّيْءِ الْمُسْلَّمِ لِلْغَيْرِ مِنَ الصِّنَاعَاتِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الإِْجَارَةُ (عَلَى الصُّنْعِ) : ٢ - الإِْجَارَةُ عَلَى الصُّنْعِ هِيَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: بَيْعُ عَمَلٍ تَكُونُ الْعَيْنُ فِيهِ تَبَعًا (٣) . فَالإِْجَارَةُ عَلَى الصُّنْعِ تَتَّفِقُ مَعَ الاِسْتِصْنَاعِ فِي كَوْنِ الْعَمَل عَلَى الْعَامِل، وَهُوَ الصَّانِعُ فِي الاِسْتِصْنَاعِ، وَالأَْجِيرُ فِي الإِْجَارَةِ عَلَى الصُّنْعِ. وَيَفْتَرِقَانِ فِي مَحَل الْبَيْعِ. فَفِي الإِْجَارَةِ عَلَى الصُّنْعِ: الْمَحَل هُوَ الْعَمَل، أَمَّا فِي الاِسْتِصْنَاعِ: فَهُوَ الْعَيْنُ الْمَوْصُوفَةُ فِي الذِّمَّةِ، لاَ بَيْعُ الْعَمَل (٤) . وَفَرْقٌ آخَرُ هُوَ أَنَّ الإِْجَارَةَ عَلَى الصُّنْعِ تَكُونُ بِشَرْطِ: أَنْ يُقَدِّمَ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْعَامِل " الْمَادَّةَ "، فَالْعَمَل عَلَى الْعَامِل، وَالْمَادَّةُ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ، أَمَّا فِي الاِسْتِصْنَاعِ: فَالْمَادَّةُ وَالْعَمَل مِنَ الصَّانِعِ.

стр. 1985

ب - السَّلَمُ (فِي الصِّنَاعَاتِ) : ٣ - السَّلَمُ فِي الصِّنَاعَاتِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ السَّلَمِ، إِذْ أَنَّ السَّلَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالصِّنَاعَاتِ أَوْ بِالْمَزْرُوعَاتِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالسَّلَمُ هُوَ: " شِرَاءُ آجِلٍ بِعَاجِلٍ (١) " فَالاِسْتِصْنَاعُ يَتَّفِقُ مَعَ السَّلَمِ بِصُورَةٍ كَبِيرَةٍ، فَالآْجِل الَّذِي فِي السَّلَمِ هُوَ مَا وُصِفَ فِي الذِّمَّةِ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا جَعْل الْحَنَفِيَّةِ مَبْحَثَ الاِسْتِصْنَاعِ ضِمْنَ مَبْحَثِ السَّلَمِ، وَهُوَ مَا فَعَلَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّ السَّلَمَ عَامٌّ لِلْمَصْنُوعِ وَغَيْرِهِ، وَالاِسْتِصْنَاعُ خَاصٌّ بِمَا اشْتُرِطَ فِيهِ الصُّنْعُ، وَالسَّلَمُ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعْجِيل الثَّمَنِ، فِي حِينِ أَنَّ الاِسْتِصْنَاعَ التَّعْجِيل - فِيهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ - لَيْسَ بِشَرْطٍ (٢) . ج - الْجَعَالَةُ: ٤ - الْجَعَالَةُ هِيَ: الْتِزَامُ عِوَضٍ مَعْلُومٍ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَجْهُولٍ عَسِرَ عَمَلُهُ، وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ (٣) . فَالْجَعَالَةُ تَتَّفِقُ مَعَ الاِسْتِصْنَاعِ فِي أَنَّهُمَا عَقْدَانِ شُرِطَ فِيهِمَا الْعَمَل. وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْجَعَالَةَ عَامَّةٌ فِي الصِّنَاعَاتِ وَغَيْرِهَا، إِلاَّ أَنَّ الاِسْتِصْنَاعَ خَاصٌّ فِي الصِّنَاعَاتِ، كَمَا أَنَّ الْجَعَالَةَ الْعَمَل فِيهَا قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا، وَقَدْ يَكُونُ مَجْهُولاً، فِي حِينِ أَنَّ الاِسْتِصْنَاعَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا. مَعْنَى الاِسْتِصْنَاعِ: ٥ - اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ مُوَاعَدَةٌ وَلَيْسَ بِبَيْعٍ. وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ بَيْعٌ لَكِنْ

стр. 1986

لِلْمُشْتَرِي فِيهِ خِيَارٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، بِدَلِيل أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ ذَكَرَ فِي جَوَازِهِ الْقِيَاسَ وَالاِسْتِحْسَانَ، وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ فِي الْعِدَّاتِ. وَكَذَا أَثْبَتَ فِيهِ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ، وَأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْبِيَاعَاتِ. وَكَذَا يَجْرِي فِيهِ التَّقَاضِي، وَأَنَّ مَا يُتَقَاضَى فِيهِ الْوَاجِبُ، لاَ الْمَوْعُودُ (١) . وَهُنَاكَ رَأْيٌ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ وَعْدٌ (٢) ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الصَّانِعَ لَهُ أَلاَّ يَعْمَل، وَبِذَلِكَ كَانَ ارْتِبَاطُهُ مَعَ الْمُسْتَصْنِعِ ارْتِبَاطَ وَعْدٍ لاَ عَقْدٍ؛ لأَِنَّ كُل مَا لاَ يَلْزَمُ بِهِ الصَّانِعُ مَعَ إِلْزَامِ نَفْسِهِ بِهِ يَكُونُ وَعْدًا لاَ عَقْدًا، لأَِنَّ الصَّانِعَ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الْعَمَل بِخِلاَفِ السَّلَمِ، فَإِنَّهُ مُجْبَرٌ بِمَا الْتَزَمَ بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمُسْتَصْنِعَ لَهُ الْحَقُّ فِي عَدَمِ تَقَبُّل مَا يَأْتِي بِهِ الصَّانِعُ مِنْ مَصْنُوعٍ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَمَّا اسْتَصْنَعَهُ قَبْل تَمَامِهِ وَرُؤْيَتِهِ، وَهَذَا عَلاَمَةُ أَنَّهُ وَعْدٌ لاَ عَقْدٌ (٣) . الاِسْتِصْنَاعُ بَيْعٌ أَمْ إِجَارَةٌ: ٦ - يَرَى أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ الاِسْتِصْنَاعَ بَيْعٌ. فَقَدْ عَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْوَاعَ الْبُيُوعِ، وَذَكَرُوا مِنْهَا الاِسْتِصْنَاعَ، عَلَى أَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ شُرِطَ فِيهِ الْعَمَل (٤) ، أَوْ هُوَ بَيْعٌ لَكِنْ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ (٥) ، فَهُوَ بَيْعٌ إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ، فَخَالَفَ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَمَل فِي الاِسْتِصْنَاعِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْبَيْعَ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَمَل. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الاِسْتِصْنَاعَ إِجَارَةٌ

стр. 1987

مَحْضَةٌ (١) ، وَقِيل: إِنَّهُ إِجَارَةٌ ابْتِدَاءً، بَيْعٌ انْتِهَاءً (٢) . صِفَةُ الاِسْتِصْنَاعِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٧ - الاِسْتِصْنَاعُ - بِاعْتِبَارِهِ عَقْدًا مُسْتَقِلًّا - مَشْرُوعٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْسَانِ (٣) ، وَمَنَعَهُ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَخْذًا بِالْقِيَاسِ؛ لأَِنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ (٤) . وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: اسْتِصْنَاعُ الرَّسُول ﷺ الْخَاتَمَ (٥) ، وَالإِْجْمَاعُ مِنْ لَدُنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ دُونَ نَكِيرٍ (٦) ، وَتَعَامُل النَّاسِ بِهَذَا الْعَقْدِ وَالْحَاجَةُ الْمَاسَّةُ إِلَيْهِ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اسْتِصْنَاعُ سِلْعَةٍ، لأَِنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ عَلَى وَجْهِ غَيْرِ السَّلَمِ، وَقِيل: يَصِحُّ بَيْعُهُ إِلَى الْمُشْتَرِي إِنْ صَحَّ جَمْعٌ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ مِنْهُ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَمٌ (٧) . حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الاِسْتِصْنَاعِ: ٨ - الاِسْتِصْنَاعُ شُرِعَ لِسَدِّ حَاجَاتِ النَّاسِ وَمُتَطَلَّبَاتِهِمْ؛ نَظَرًا لِتَطَوُّرِ الصِّنَاعَاتِ تَطَوُّرًا كَبِيرًا،

стр. 1988

فَالصَّانِعُ يَحْصُل لَهُ الاِرْتِفَاقُ بِبَيْعِ مَا يَبْتَكِرُ مِنْ صِنَاعَةٍ هِيَ وَفْقُ الشُّرُوطِ الَّتِي وَضَعَ عَلَيْهَا الْمُسْتَصْنِعُ فِي الْمُوَاصَفَاتِ وَالْمُقَايَسَاتِ، وَالْمُسْتَصْنِعُ يَحْصُل لَهُ الاِرْتِفَاقُ بِسَدِّ حَاجِيَّاتِهِ وَفْقَ مَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا لِنَفْسِهِ وَبَدَنِهِ وَمَالِهِ، أَمَّا الْمَوْجُودُ فِي السُّوقِ مِنَ الْمَصْنُوعَاتِ السَّابِقَةِ الصُّنْعِ فَقَدْ لاَ تَسُدُّ حَاجَاتِ الإِْنْسَانِ. فَلاَ بُدَّ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى مَنْ لَدَيْهِ الْخِبْرَةُ وَالاِبْتِكَارُ. أَرْكَانُ الاِسْتِصْنَاعِ: أَرْكَانُ الاِسْتِصْنَاعِ هِيَ: الْعَاقِدَانِ، وَالْمَحَل، وَالصِّيغَةُ. ٩ - أَمَّا الصِّيغَةُ، أَوِ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول فَهِيَ: كُل مَا يَدُل عَلَى رِضَا الْجَانِبَيْنِ " الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (١) " وَمِثَالُهَا هُنَا: اصْنَعْ لِي كَذَا، وَنَحْوِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَفْظًا أَوْ كِتَابَةً. ١٠ - وَأَمَّا مَحَل الاِسْتِصْنَاعِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ، هَل هُوَ الْعَيْنُ أَوِ الْعَمَل؟ فَجُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَوِ اسْتَصْنَعَ رَجُلٌ فِي عَيْنٍ يُسَلِّمُهَا لَهُ الصَّانِعُ بَعْدَ اسْتِكْمَال مَا يَطْلُبُهُ الْمُسْتَصْنِعُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصَّنْعَةُ قَدْ تَمَّتْ بِفِعْل الصَّانِعِ أَمْ بِفِعْل غَيْرِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ، وَلاَ تُرَدُّ الْعَيْنُ لِصَانِعِهَا إِلاَّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ. فَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ وَارِدًا عَلَى صَنْعَةِ الصَّانِعِ أَيْ " عَمَلِهِ " لَمَا صَحَّ الْعَقْدُ إِذَا تَمَّتِ الصَّنْعَةُ بِصُنْعِ غَيْرِهِ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَيْنِ

стр. 1989

لاَ عَلَى الصَّنْعَةِ (١) . وَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ أَنَّ الاِسْتِصْنَاعَ ثَبَتَ فِيهِ لِلْمُسْتَصْنِعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْعَيْنُ لاَ الصَّنْعَةُ (٢) . وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الاِسْتِصْنَاعِ هُوَ الْعَمَل (٣) ، وَذَلِكَ لأَِنَّ عَقْدَ الاِسْتِصْنَاعِ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ، فَالاِسْتِصْنَاعُ طَلَبُ الْعَمَل لُغَةً، وَالأَْشْيَاءُ الَّتِي تُسْتَصْنَعُ بِمَنْزِلَةِ الآْلَةِ لِلْعَمَل (٤) ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَقْدُ الاِسْتِصْنَاعِ عَقْدَ عَمَلٍ لَمَا جَازَ أَنْ يُفْرَدَ بِالتَّسْمِيَةِ. الشُّرُوطُ الْخَاصَّةُ لِلاِسْتِصْنَاعِ: ١١ - لِلاِسْتِصْنَاعِ شُرُوطٌ هِيَ: أ - أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَصْنَعُ فِيهِ مَعْلُومًا، وَذَلِكَ بِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْقَدْرِ. وَالاِسْتِصْنَاعُ يَسْتَلْزِمُ شَيْئَيْنِ هُمَا: الْعَيْنُ وَالْعَمَل، وَكِلاَهُمَا يُطْلَبُ مِنَ الصَّانِعِ. ب - أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ التَّعَامُل بَيْنَ النَّاسِ؛ لأَِنَّ مَا لاَ تَعَامُل فِيهِ يُرْجَعُ فِيهِ لِلْقِيَاسِ فَيُحْمَل عَلَى السَّلَمِ وَيَأْخُذُ أَحْكَامَهُ (٥) . ج - عَدَمُ ضَرْبِ الأَْجَل: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الشَّرْطِ، فَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ

стр. 1990

الاِسْتِصْنَاعِ خُلُوُّهُ مِنَ الأَْجَل، فَإِذَا ذُكِرَ الأَْجَل فِي الاِسْتِصْنَاعِ صَارَ سَلَمًا، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ شَرَائِطُ السَّلَمِ (١) . وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ عَدَمِ ضَرْبِ الأَْجَل فِي الاِسْتِصْنَاعِ: بِأَنَّ السَّلَمَ عَقْدٌ عَلَى مَبِيعٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلاً. فَإِذَا مَا ضُرِبَ فِي الاِسْتِصْنَاعِ أَجَلٌ صَارَ بِمَعْنَى السَّلَمِ وَلَوْ كَانَتِ الصِّيغَةُ اسْتِصْنَاعًا (٢) . وَبِأَنَّ التَّأْجِيل يَخْتَصُّ بِالدُّيُونِ؛ لأَِنَّهُ وُضِعَ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ، وَتَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي عَقْدٍ فِيهِ مُطَالَبَةٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ فِي السَّلَمِ، إِذْ لاَ دَيْنَ فِي الاِسْتِصْنَاعِ (٣) . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، إِذْ أَنَّ الْعُرْفَ عِنْدَهُمَا جَرَى بِضَرْبِ الأَْجَل فِي الاِسْتِصْنَاعِ، وَالاِسْتِصْنَاعُ إِنَّمَا جَازَ لِلتَّعَامُل، وَمِنْ مُرَاعَاةِ التَّعَامُل بَيْنَ النَّاسِ رَأَى الصَّاحِبَانِ: أَنَّ. الاِسْتِصْنَاعَ قَدْ تُعُورِفَ فِيهِ عَلَى ضَرْبِ الأَْجَل، فَلاَ يَتَحَوَّل إِلَى السَّلَمِ بِوُجُودِ الأَْجَل (٤) . وَعِنْدَهُمَا: أَنَّ الاِسْتِصْنَاعَ إِذَا أُرِيدَ يُحْمَل عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَإِنَّ كَلاَمَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُحْمَل عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالأَْجَل يُحْمَل عَلَى الاِسْتِعْجَال لاَ الاِسْتِمْهَال، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ أَبِي حَنِيفَةَ (٥) . الآْثَارُ الْعَامَّةُ لِلاِسْتِصْنَاعِ: ١٢ - الاِسْتِصْنَاعُ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ، سَوَاءٌ تَمَّ أَمْ لَمْ يَتِمَّ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مُوَافِقًا لِلصِّفَاتِ

стр. 1991

الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَمْ غَيْرَ مُوَافِقٍ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَمَّ صُنْعُهُ - وَكَانَ مُطَابِقًا لِلأَْوْصَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا - يَكُونُ عَقْدًا لاَزِمًا، وَأَمَّا إِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَابِقٍ لَهَا فَهُوَ غَيْرُ لاَزِمٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ؛ لِثُبُوتِ خِيَارِ فَوَاتِ الْوَصْفِ (١) . مَا يَنْتَهِي بِهِ عَقْدُ الاِسْتِصْنَاعِ: ١٣ - يَنْتَهِي الاِسْتِصْنَاعُ بِتَمَامِ الصُّنْعِ، وَتَسْلِيمِ الْعَيْنِ، وَقَبُولِهَا، وَقَبْضِ الثَّمَنِ. كَذَلِكَ يَنْتَهِي الاِسْتِصْنَاعُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ؛ لِشِبْهِهِ بِالإِْجَارَةِ (٢) . اسْتِطَابَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الطَّيِّبُ لُغَةً: خِلاَفُ الْخُبْثِ، يُقَال: شَيْءٌ طَيِّبٌ: أَيْ طَاهِرٌ نَظِيفٌ (٣) . وَالاِسْتِطَابَةُ: مَصْدَرُ اسْتَطَابَ، بِمَعْنَى: رَآهُ طَيِّبًا، وَمِنْ مَعَانِيهَا: الاِسْتِنْجَاءُ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يُطَهِّرُ الْمَكَانَ وَيُنَظِّفُهُ مِنَ النَّجَسِ، فَتَطِيبُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ (٤) .

стр. 1992

وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الاِسْتِطَابَةَ عَلَى الاِسْتِنْجَاءِ، وَيَجْعَلُونَ الْكَلِمَتَيْنِ مُتَرَادِفَتَيْنِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: " الاِسْتِطَابَةُ هِيَ: الاِسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَوِ الأَْحْجَارِ، سُمِّيَ اسْتِطَابَةً؛ لأَِنَّهُ يُطَيِّبُ جَسَدَهُ بِإِزَالَةِ الْخَبَثِ عَنْهُ ". وَقَدْ وَرَدَتِ اسْتِطَابَةٌ بِمَعْنَى حَلْقِ الْعَانَةِ فِي حَدِيثِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ لَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ أَنَّهُ قَال لاِمْرَأَةِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: " ابْغِنِي حَدِيدَةً أَسْتَطِيبُ بِهَا ". ٢ - وَلأَِحْكَامِ الاِسْتِطَابَةِ بِمَعْنَى الاِسْتِنْجَاءِ (ر: اسْتِنْجَاء) . وَلأَِحْكَامِهَا بِمَعْنَى حَلْقِ الْعَانَةِ (ر: اسْتِحْدَاد) . اسْتِطَاعَةٌ التَّعْرِيفُ ١ - الاِسْتِطَاعَةُ فِي اللُّغَةِ: الْقُدْرَةُ عَلَى الشَّيْءِ. وَالْقُدْرَةُ: هِيَ صِفَةٌ بِهَا إِنْ شَاءَ فَعَل، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَل. وَهِيَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَذَلِكَ، فَهُمْ يَقُولُونَ مَثَلاً: الاِسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ.

стр. 1993

وَإِذَا كَانَتِ الاِسْتِطَاعَةُ وَالْقُدْرَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نُنَوِّهَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ كِلْتَا الْكَلِمَتَيْنِ: (اسْتِطَاعَةٌ، قُدْرَةٌ) . وَأَنَّ الأُْصُولِيِّينَ يَسْتَعْمِلُونَ كَلِمَةَ: (قُدْرَةٌ) . قَال فِي فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ شَرْحِ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: اعْلَمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْفِعْل، الْمُسْتَجْمِعَةَ لِجَمِيعِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يُوجَدُ الْفِعْل بِهَا، أَوْ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهَا، تُسَمَّى: (اسْتِطَاعَةً) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الإِْطَاقَةُ ٢ - لاَ خِلاَفَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ اسْتِطَاعَةٍ وَإِطَاقَةٍ، إِذْ أَنَّ كُل كَلِمَةٍ مِنْهُمَا تَدُل عَلَى غَايَةِ مَقْدُورِ الْقَادِرِ، وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ فِي الْمَقْدُورِ. إِلاَّ أَنَّ مَا يُفَرِّقهُمَا عَنِ (الْقُدْرَةِ) فِي الاِسْتِعْمَال اللُّغَوِيِّ هُوَ: أَنَّ الْقُدْرَةَ لَيْسَتْ لِغَايَةِ الْمَقْدُورِ، وَلِذَلِكَ يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَادِرِ وَلاَ يُوصَفُ بِالْمُطِيقِ أَوِ الْمُسْتَطِيعِ. الاِسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِطَاعَةَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ، فَلاَ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِمَا لاَ يُسْتَطَاعُ عَادَةً، دَل عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، وَقَال ﷺ : إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ

стр. 1994

فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ. (١) وَقَدْ حَكَى فِي عُمْدَةِ الْقَارِي عِنْدَ كَلاَمِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الاِتِّفَاقَ عَلَى تَحْرِيمِ التَّكْلِيفِ بِغَيْرِ الْمُسْتَطَاعِ (٢) . وَإِذَا صَدَرَ التَّكْلِيفُ حِينَ الاِسْتِطَاعَةِ، ثُمَّ فُقِدَتْ هَذِهِ الاِسْتِطَاعَةُ حِينَ الأَْدَاءِ، أُوقِفَ هَذَا التَّكْلِيفُ إِلَى حِينِ الاِسْتِطَاعَةِ (٣) . فَقَدْ كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَرَادَ الصَّلاَةَ بِالْوُضُوءِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْهُ سَقَطَ عَنْهُ الْوُضُوءُ، وَصُيِّرَ إِلَى الْبَدَل، وَهُوَ التَّيَمُّمُ. وَكَلَّفَ الْحَانِثَ فِي يَمِينِهِ بِكَفَّارَةِ الإِْطْعَامِ أَوِ الْكِسْوَةِ أَوِ الإِْعْتَاقِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وَاحِدًا مِنْهَا حِينَ الأَْدَاءِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَصِيرَ إِلَى الْبَدَل، وَهُوَ الصِّيَامُ. وَكَلَّفَ الْمُسْلِمَ بِالْحَجِّ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْهُ حِينَ الأَْدَاءِ لِمَرَضٍ، أَوْ فَقْدِ نَفَقَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، سَقَطَ هَذَا التَّكْلِيفُ إِلَى حِينِ الاِسْتِطَاعَةِ. وَتَجِدُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَبْوَابِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَفِي مَبْحَثِ الْحُكْمِ مِنْ كُتُبِ الأُْصُول. شَرْطُ الاِسْتِطَاعَةِ: ٤ - وَشَرْطُ تَحَقُّقِ الاِسْتِطَاعَةِ: وُجُودُهَا حَقِيقَةً لاَ حُكْمًا. وَمَعْنَى وُجُودِهَا حَقِيقَةً وُجُودُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْل مِنْ غَيْرِ تَعَسُّرٍ (٤) ، وَمَعْنَى وُجُودِهَا حُكْمًا الْقُدْرَةُ عَلَى الأَْدَاءِ بِتَعَسُّرٍ.

стр. 1995

أَنْوَاعُ الاِسْتِطَاعَةِ: ٥ - يُمْكِنُ تَقْسِيمُ الاِسْتِطَاعَةِ إِلَى عِدَّةِ تَقْسِيمَاتٍ بِحَسَبِ أَنْوَاعِهَا: التَّقْسِيمُ الأَْوَّل: اسْتِطَاعَةٌ مَالِيَّةٌ، وَاسْتِطَاعَةٌ بَدَنِيَّةٌ . ٦ - الاِسْتِطَاعَةُ الْمَالِيَّةُ: يُشْتَرَطُ تَوَافُرُهَا فِيمَا يَلِي: أَوَّلاً: فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ، كَالزَّكَاةِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَالْهَدْيِ فِي الْحَجِّ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالْكَفَّارَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَالنَّذْرِ الْمَالِيِّ، وَالْكَفَالَةِ بِالْمَال، وَنَحْوِ ذَلِكَ. ثَانِيًا: فِي الْوَاجِبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ الْقِيَامُ بِهَا عَلَى الاِسْتِطَاعَةِ الْمَالِيَّةِ، كَقُدْرَةِ فَاقِدِ الْمَاءِ عَلَى شِرَائِهِ بِثَمَنِ الْمِثْل لِلْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل، وَقُدْرَةِ فَاقِدِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ عَلَى شِرَاءِ ثَوْبٍ بِثَمَنِ الْمِثْل لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَقُدْرَةِ مُرِيدِ الْحَجِّ عَلَى تَوْفِيرِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَنَفَقَةِ الْعِيَال، وَقَدْ فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ. ٧ - أَمَّا الاِسْتِطَاعَةُ الْبَدَنِيَّةُ. فَإِنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ فِي وُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ، وَأَدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى الْوَجْهِ الأَْكْمَل، وَفِي الصَّوْمِ، وَفِي الْحَجِّ، وَفِي النَّذْرِ الْبَدَنِيِّ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَفِي الْكَفَّارَاتِ الْبَدَنِيَّةِ كَالصِّيَامِ، وَفِي النِّكَاحِ، وَفِي الْحَضَانَةِ، وَفِي الْجِهَادِ، وَقَدْ فُصِّلَتْ أَحْكَامُ ذَلِكَ فِي الأَْبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. التَّقْسِيمُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةٌ بِالنَّفْسِ، وَاسْتِطَاعَةٌ بِالْغَيْرِ . ٨ - الاِسْتِطَاعَةُ بِالنَّفْسِ: تَكُونُ بِقُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى غَيْرِهِ. ٩ - وَالاِسْتِطَاعَةُ بِالْغَيْرِ: هِيَ قُدْرَةُ الْمُكَلَّفِ عَلَى

стр. 1996

الْقِيَامِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ، وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الاِسْتِطَاعَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحَقُّقِ شَرْطِ التَّكْلِيفِ بِهِ: فَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَعْتَبِرُونَ الْمُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ مُكَلَّفًا بِمُقْتَضَى هَذِهِ الاِسْتِطَاعَةِ، ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ يُعْتَبَرُ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمُسْتَطِيعُ بِغَيْرِهِ عَاجِزٌ وَغَيْرُ مُسْتَطِيعٌ؛ لأَِنَّ الْعَبْدِ يُكَلَّفُ بِقُدْرَةِ نَفْسِهِ لاَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ يُعَدُّ قَادِرًا إِذَا اخْتُصَّ بِحَالَةٍ تُهَيِّئُ لَهُ الْفِعْل مَتَى أَرَادَ، وَهَذَا لاَ يَتَحَقَّقُ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ. وَيَسْتَثْنِي أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ: الْحَالَةَ الأُْولَى: مَا إِذَا وَجَدَ مَنْ كَانَتْ إِعَانَتُهُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، كَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ. الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ: مَا إِذَا وَجَدَ مَنْ إِذَا اسْتَعَانَ بِهِ أَعَانَهُ مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ، كَزَوْجَتِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ هَؤُلاَءِ (١) . وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا، وَمِنْهَا: الْعَاجِزُ عَنِ الْوُضُوءِ إِذَا وَجَدَ مَنْ يُعِينُهُ. وَالْعَاجِزُ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ إِذَا وَجَدَ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَيْهَا. وَالأَْعْمَى إِذَا وَجَدَ مَنْ يَقُودُهُ إِلَى صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ.

стр. 1997

وَالأَْعْمَى وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا وَجَدَا مَنْ يُعِينُهُمَا عَلَى أَدَاءِ أَفْعَال الْحَجِّ. التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ لِلْحَنَفِيَّةِ - اسْتِطَاعَةٌ مُمْكِنَةٌ، وَاسْتِطَاعَةٌ مُيَسِّرَةٌ: ١٠ - الاِسْتِطَاعَةُ الْمُمْكِنَةُ مُفَسَّرَةٌ بِسَلاَمَةِ الآْلاَتِ وَصِحَّةِ الأَْسْبَابِ، وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، إِذْ عَدِيمُ الرِّجْلَيْنِ لاَ يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ، وَمَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ لاَ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَهَكَذَا. وَالاِسْتِطَاعَةُ الْمُمْكِنَةُ شَرْطٌ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَيْنًا، فَإِنْ فَاتَتْ لاَ يَسْقُطُ الْوَاجِبُ عَنِ الذِّمَّةِ بِفَوَاتِهَا. وَلاَ يُشْتَرَطُ تَوَفُّرُهَا فِي قَضَاءِ الْوَاجِبِ؛ لأَِنَّ اشْتِرَاطَهَا لِتَحَقُّقِ التَّكْلِيفِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَإِذَا لَمْ يَتَكَرَّرِ الْوُجُوبُ لاَ يَجِبُ تَكَرُّرُ الاِسْتِطَاعَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ الْوُجُوبِ. ١١ - أَمَّا الاِسْتِطَاعَةُ الْمُيَسِّرَةُ، فَهِيَ قُدْرَةُ الإِْنْسَانِ عَلَى الْفِعْل بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ. وَالاِسْتِطَاعَةُ الْمُيَسِّرَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِهَا، حَتَّى لَوْ فَاتَتْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ سَقَطَ الْوَاجِبُ عَنِ الذِّمَّةِ. فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ، وَمِنْ وُجُوهِ الْيُسْرِ فِيهَا: أَنَّهَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَتُؤَدَّى مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْحَوْل، وَلِهَذَا التَّيْسِيرِ سَقَطَ وُجُوبُهَا بِهَلاَكِ النِّصَابِ، إِذْ لَوْ وَجَبَتْ مَعَ الْهَلاَكِ انْقَلَبَ الْيُسْرُ عُسْرًا (١) . اخْتِلاَفُ الاِسْتِطَاعَةِ مِنْ شَخْصٍ لآِخَرَ، وَمِنْ عَمَلٍ لآِخَرَ: ١٢ - الاِسْتِطَاعَةُ تَخْتَلِفُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، فَتُجَاهَ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ قَدْ يَكُونُ شَخْصٌ مُسْتَطِيعًا

стр. 1998

لَهُ، وَشَخْصٌ آخَرُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لَهُ، كَالْمَرَضِ بِأَنْوَاعِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ أَثَرُهَا عَلَى الْقُدْرَةِ. كَمَا تَخْتَلِفُ الاِسْتِطَاعَةُ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ، فَالأَْعْرَجُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلْجِهَادِ بِالنَّفْسِ، وَلَكِنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لِلْجِهَادِ بِالْمَال، وَمُسْتَطِيعٌ لأَِدَاءِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَهَكَذَا. اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ التَّعْرِيفُ: ١ - اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَشْيُهُ، وَكَثْرَةُ خُرُوجِ مَا فِيهِ (١) . وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ: اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ هُوَ: جَرَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ الْغَائِطِ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ مِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ الْعِبَادَةَ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ. وَشُرُوطُ اعْتِبَارِهِ عُذْرًا هُوَ: أَنْ يَسْتَوْعِبَ وُجُودُهُ تَمَامَ وَقْتِ صَلاَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُعْتَبَرُ عُذْرًا إِنْ لاَزَمَ الْحَدَثُ كُل الْوَقْتِ، أَوْ أَغْلَبَهُ، أَوْ نِصْفَهُ. وَيَخْتَلِفُ الْمَالِكِيَّةُ فِي

стр. 1999

الْمَقْصُودِ بِالْوَقْتِ، هَل هُوَ وَقْتُ الصَّلاَةِ أَوِ الْوَقْتِ مُطْلَقًا؟ أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ وَقْتَ صَلاَةٍ، فَيَشْمَل مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالزَّوَال عَلَى قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ وَقْتُ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ غَيْرَ وَقْتِ الصَّلاَةِ لاَ عِبْرَةَ بِمُفَارَقَتِهِ وَمُلاَزَمَتِهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ مُخَاطَبًا حِينَئِذٍ بِالصَّلاَةِ (١) . وَالْوُضُوءُ وَاجِبٌ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُل صَلاَةٍ. (٢) وَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَيُنْتَقَضُ عِنْدَ زُفَرَ بِدُخُول الْوَقْتِ. وَبِأَيِّهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْوُضُوءَ لاَ يُنْتَقَضُ، وَهُوَ (أَيِ الْوُضُوءُ) غَيْرُ وَاجِبٍ وَلاَ مُسْتَحَبٍّ لِمَنْ لاَزَمَهُ الْحَدَثُ كُل الْوَقْتِ، وَمُسْتَحَبٌّ فَقَطْ لِمَنْ لاَزَمَهُ الْحَدَثُ أَكْثَرَ الْوَقْتِ أَوْ نِصْفَهُ، وَقِيل: إِنْ لاَزَمَهُ نِصْفَهُ وَجَبَ الْوُضُوءُ لِكُل صَلاَةٍ (٣) .

стр. 2000

اسْتِظْلاَلٌ التَّعْرِيفُ ١ - الاِسْتِظْلاَل فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الظِّل، وَالظِّل هُوَ: كُل مَا لَمْ تَصِل إِلَيْهِ الشَّمْسُ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ قَصْدُ الاِنْتِفَاعِ بِالظِّل (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - الاِسْتِظْلاَل عُمُومًا - سَوَاءٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ سَقْفٍ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ - مُبَاحٌ لِكُل مُسْلِمٍ مُحْرِمٍ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ اتِّفَاقًا. أَمَّا الاِسْتِظْلاَل لِلْمُحْرِمِ فِي الْمَحْمَل خَاصَّةً - وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ - فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ (٣) ، وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ أَلاَّ يُصِيبَ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ، وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ (٤) . . .، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (٥) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - الاِسْتِظْلاَل فِي الإِْحْرَامِ مَوْطِنُهُ مَبْحَثُ الْحَجِّ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْمُحْرِمِ: مَا يَجُوزُ لَهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ.
следующие страницы →