Полный текст (31 949 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
الْقِيَامِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ، وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الاِسْتِطَاعَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحَقُّقِ شَرْطِ التَّكْلِيفِ بِهِ:
فَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَعْتَبِرُونَ الْمُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ مُكَلَّفًا بِمُقْتَضَى هَذِهِ الاِسْتِطَاعَةِ، ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ يُعْتَبَرُ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمُسْتَطِيعُ بِغَيْرِهِ عَاجِزٌ وَغَيْرُ مُسْتَطِيعٌ؛ لأَِنَّ الْعَبْدِ يُكَلَّفُ بِقُدْرَةِ نَفْسِهِ لاَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ يُعَدُّ قَادِرًا إِذَا اخْتُصَّ بِحَالَةٍ تُهَيِّئُ لَهُ الْفِعْل مَتَى أَرَادَ، وَهَذَا لاَ يَتَحَقَّقُ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ.
وَيَسْتَثْنِي أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ:
الْحَالَةَ الأُْولَى: مَا إِذَا وَجَدَ مَنْ كَانَتْ إِعَانَتُهُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، كَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ.
الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ: مَا إِذَا وَجَدَ مَنْ إِذَا اسْتَعَانَ بِهِ أَعَانَهُ مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ، كَزَوْجَتِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ هَؤُلاَءِ (١) .
وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا، وَمِنْهَا:
الْعَاجِزُ عَنِ الْوُضُوءِ إِذَا وَجَدَ مَنْ يُعِينُهُ.
وَالْعَاجِزُ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ إِذَا وَجَدَ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَيْهَا.
وَالأَْعْمَى إِذَا وَجَدَ مَنْ يَقُودُهُ إِلَى صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. стр. 1997
وَالأَْعْمَى وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا وَجَدَا مَنْ يُعِينُهُمَا عَلَى أَدَاءِ أَفْعَال الْحَجِّ.
التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ لِلْحَنَفِيَّةِ - اسْتِطَاعَةٌ مُمْكِنَةٌ، وَاسْتِطَاعَةٌ مُيَسِّرَةٌ:
١٠ - الاِسْتِطَاعَةُ الْمُمْكِنَةُ مُفَسَّرَةٌ بِسَلاَمَةِ الآْلاَتِ وَصِحَّةِ الأَْسْبَابِ، وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، إِذْ عَدِيمُ الرِّجْلَيْنِ لاَ يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ، وَمَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ لاَ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَهَكَذَا.
وَالاِسْتِطَاعَةُ الْمُمْكِنَةُ شَرْطٌ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَيْنًا، فَإِنْ فَاتَتْ لاَ يَسْقُطُ الْوَاجِبُ عَنِ الذِّمَّةِ بِفَوَاتِهَا.
وَلاَ يُشْتَرَطُ تَوَفُّرُهَا فِي قَضَاءِ الْوَاجِبِ؛ لأَِنَّ اشْتِرَاطَهَا لِتَحَقُّقِ التَّكْلِيفِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَإِذَا لَمْ يَتَكَرَّرِ الْوُجُوبُ لاَ يَجِبُ تَكَرُّرُ الاِسْتِطَاعَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ الْوُجُوبِ.
١١ - أَمَّا الاِسْتِطَاعَةُ الْمُيَسِّرَةُ، فَهِيَ قُدْرَةُ الإِْنْسَانِ عَلَى الْفِعْل بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ.
وَالاِسْتِطَاعَةُ الْمُيَسِّرَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِهَا، حَتَّى لَوْ فَاتَتْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ سَقَطَ الْوَاجِبُ عَنِ الذِّمَّةِ. فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ، وَمِنْ وُجُوهِ الْيُسْرِ فِيهَا: أَنَّهَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَتُؤَدَّى مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْحَوْل، وَلِهَذَا التَّيْسِيرِ سَقَطَ وُجُوبُهَا بِهَلاَكِ النِّصَابِ، إِذْ لَوْ وَجَبَتْ مَعَ الْهَلاَكِ انْقَلَبَ الْيُسْرُ عُسْرًا (١) .
اخْتِلاَفُ الاِسْتِطَاعَةِ مِنْ شَخْصٍ لآِخَرَ، وَمِنْ عَمَلٍ لآِخَرَ:
١٢ - الاِسْتِطَاعَةُ تَخْتَلِفُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، فَتُجَاهَ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ قَدْ يَكُونُ شَخْصٌ مُسْتَطِيعًا стр. 1998
لَهُ، وَشَخْصٌ آخَرُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لَهُ، كَالْمَرَضِ بِأَنْوَاعِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ أَثَرُهَا عَلَى الْقُدْرَةِ.
كَمَا تَخْتَلِفُ الاِسْتِطَاعَةُ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ، فَالأَْعْرَجُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلْجِهَادِ بِالنَّفْسِ، وَلَكِنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لِلْجِهَادِ بِالْمَال، وَمُسْتَطِيعٌ لأَِدَاءِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَهَكَذَا.
اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ
التَّعْرِيفُ:
١ - اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَشْيُهُ، وَكَثْرَةُ خُرُوجِ مَا فِيهِ (١) .
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ: اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ هُوَ: جَرَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ الْغَائِطِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ مِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ الْعِبَادَةَ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ. وَشُرُوطُ اعْتِبَارِهِ عُذْرًا هُوَ: أَنْ يَسْتَوْعِبَ وُجُودُهُ تَمَامَ وَقْتِ صَلاَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُعْتَبَرُ عُذْرًا إِنْ لاَزَمَ الْحَدَثُ كُل الْوَقْتِ، أَوْ أَغْلَبَهُ، أَوْ نِصْفَهُ. وَيَخْتَلِفُ الْمَالِكِيَّةُ فِي стр. 1999
الْمَقْصُودِ بِالْوَقْتِ، هَل هُوَ وَقْتُ الصَّلاَةِ أَوِ الْوَقْتِ مُطْلَقًا؟ أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ وَقْتَ صَلاَةٍ، فَيَشْمَل مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالزَّوَال عَلَى قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ وَقْتُ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ غَيْرَ وَقْتِ الصَّلاَةِ لاَ عِبْرَةَ بِمُفَارَقَتِهِ وَمُلاَزَمَتِهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ مُخَاطَبًا حِينَئِذٍ بِالصَّلاَةِ (١) .
وَالْوُضُوءُ وَاجِبٌ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُل صَلاَةٍ. (٢)
وَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَيُنْتَقَضُ عِنْدَ زُفَرَ بِدُخُول الْوَقْتِ. وَبِأَيِّهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْوُضُوءَ لاَ يُنْتَقَضُ، وَهُوَ (أَيِ الْوُضُوءُ) غَيْرُ وَاجِبٍ وَلاَ مُسْتَحَبٍّ لِمَنْ لاَزَمَهُ الْحَدَثُ كُل الْوَقْتِ، وَمُسْتَحَبٌّ فَقَطْ لِمَنْ لاَزَمَهُ الْحَدَثُ أَكْثَرَ الْوَقْتِ أَوْ نِصْفَهُ، وَقِيل: إِنْ لاَزَمَهُ نِصْفَهُ وَجَبَ الْوُضُوءُ لِكُل صَلاَةٍ (٣) . стр. 2000
اسْتِظْلاَلٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الاِسْتِظْلاَل فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الظِّل، وَالظِّل هُوَ: كُل مَا لَمْ تَصِل إِلَيْهِ الشَّمْسُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ قَصْدُ الاِنْتِفَاعِ بِالظِّل (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الاِسْتِظْلاَل عُمُومًا - سَوَاءٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ سَقْفٍ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ - مُبَاحٌ لِكُل مُسْلِمٍ مُحْرِمٍ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ اتِّفَاقًا. أَمَّا الاِسْتِظْلاَل لِلْمُحْرِمِ فِي الْمَحْمَل خَاصَّةً - وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ - فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ (٣) ، وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ أَلاَّ يُصِيبَ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ، وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ (٤) . . .، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (٥) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - الاِسْتِظْلاَل فِي الإِْحْرَامِ مَوْطِنُهُ مَبْحَثُ الْحَجِّ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْمُحْرِمِ: مَا يَجُوزُ لَهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ. стр. 2001
وَالإِْجَارَةُ عَلَى الاِسْتِظْلاَل ذَكَرُوهَا فِي الإِْجَارَةِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ شُرُوطِهَا. وَالْجُلُوسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّل ذُكِرَ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْمَجَالِسِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ النَّوْمِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّل. وَالنَّذْرُ بِتَرْكِ الاِسْتِظْلاَل ذُكِرَ فِي النَّذْرِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ النَّذْرِ الْمُبَاحِ.
اسْتِظْهَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - ذَكَرَ صَاحِبُ اللِّسَانِ لِلاِسْتِظْهَارِ ثَلاَثَةَ مَعَانٍ:
أ - أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: الاِسْتِعَانَةِ، أَيْ طَلَبِ الْعَوْنِ. قَال: " اسْتَظْهَرَ بِهِ أَيِ اسْتَعَانَهُ، وَظَهَرْتُ عَلَيْهِ: أَعَنْتُهُ، وَظَاهَرَ فُلاَنًا: أَعَانَهُ ". وَقَال أَيْضًا: " اسْتَظْهَرَهُ: اسْتَعَانَهُ "، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْفِعْل مِمَّا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِالْبَاءِ.
ب - وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، قَال: " قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِي أَيْ: قَرَأْتُهُ مِنْ حِفْظِي، وَقَدْ قَرَأَهُ ظَاهِرًا وَاسْتَظْهَرَهُ أَيْ: حَفِظَهُ وَقَرَأَهُ ظَاهِرًا (١) ".
وَفِي الْقَامُوسِ " اسْتَظْهَرَهُ: قَرَأَهُ مِنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ، أَيْ حِفْظًا بِلاَ كِتَابٍ ".
ج - وَيَكُونُ بِمَعْنَى الاِحْتِيَاطِ، قَال صَاحِبُ اللِّسَانِ: " فِي كَلاَمِ أَهْل الْمَدِينَةِ إِذَا اسْتُحِيضَتْ стр. 2002
الْمَرْأَةُ، وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تَقْعُدُ أَيَّامَهَا لِلْحَيْضِ، فَإِذَا انْقَضَتِ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، تَقْعُدُ فِيهَا لِلْحَيْضِ وَلاَ تُصَلِّي، ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي. قَال الأَْزْهَرِيُّ: وَمَعْنَى الاِسْتِظْهَارِ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا: الاِحْتِيَاطُ وَالاِسْتِيثَاقُ (١) ".
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الاِسْتِظْهَارَ بِالْمَعَانِي الثَّلاَثَةِ السَّابِقَةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
اسْتِظْهَارُ الْقُرْآنِ:
٢ - فِي كَوْنِ اسْتِظْهَارِ الْقُرْآنِ أَفْضَل مِنْ قِرَاءَتِهِ مِنَ الْمُصْحَفِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ:
أَوَّلُهَا: أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَل مِنِ اسْتِظْهَارِهِ، وَنَسَبَهُ النَّوَوِيُّ إِلَى الشَّافِعِيَّةِ، وَقَال: إِنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنِ السَّلَفِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ. وَاحْتَجَّ لَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ بِرِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ بِسَنَدِهِ مَرْفُوعًا: فَضْل قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ نَظَرًا عَلَى مَنْ يَقْرَؤُهُ ظَاهِرًا كَفَضْل الْفَرِيضَةِ عَلَى النَّافِلَةِ. قَال السُّيُوطِيُّ: سَنَدُهُ صَحِيحٌ (٢) . стр. 2003
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ أَفْضَل، وَنُسِبَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ.
وَثَالِثُهَا: وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ، إِنَّ الْقَارِئَ مَنْ حَفِظَهُ إِنْ كَانَ يَحْصُل لَهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَجَمْعِ الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُل لَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ فَالْقِرَاءَةُ مِنَ الْحِفْظِ أَفْضَل، وَإِنِ اسْتَوَيَا فَمِنَ الْمُصْحَفِ أَفْضَل.
وَبَقِيَّةُ مَبَاحِثِ الاِسْتِظْهَارِ تُنْظَرُ تَحْتَ عِنْوَانِ (تِلاَوَة) .
يَمِينُ الاِسْتِظْهَارِ:
٣ - ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَمِينَ الاِسْتِظْهَارِ، وَفَسَّرَهَا الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ بِأَنَّهَا مُقَوِّيَةٌ لِلْحُكْمِ فَقَطْ، فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِدُونِهَا (١) . وَأَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فَهُوَ يَمِينُ الْقَضَاءِ، أَوْ يَمِينُ الاِسْتِبْرَاءِ. وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي يَمِينَ الاِسْتِظْهَارِ إِذَا ادَّعَى عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِالْحَقِّ (٢) .
فَمِنْ يَمِينِ الاِسْتِظْهَارِ مَا قَال الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ: أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى مَنْ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ مِمَّنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْبُغَاةُ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى الْبُغَاةِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ بِلاَ يَمِينٍ لِبِنَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَيُنْدَبُ الاِسْتِظْهَارُ بِيَمِينِهِ عَلَى صِدْقِهِ إِذَا اتُّهِمَ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهَا (٣) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَرْأَةِ تُرِيدُ الْفِرَاقَ مِنْ زَوْجِهَا الْغَائِبِ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً стр. 2004
أَجَّلَهَا الْقَاضِي بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بِالْيَمِينِ (١) .
وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ ذَكَرُوا اسْتِحْلاَفَ الْمُدَّعِي إِذَا ادَّعَى عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً (٢) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ يَمِينَ الاِسْتِظْهَارِ فِي مَبَاحِثِ стр. 2005
الدَّعْوَى، وَمَبَاحِثِ الْقَضَاءِ، وَالْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
وَأَمَّا الاِسْتِظْهَارُ - بِمَعْنَى الاِسْتِعَانَةِ - فَتُذْكَرُ أَحْكَامُهُ تَحْتَ عِنْوَانِ: (اسْتِعَانَة) . وَيُذْكَرُ الاِسْتِظْهَارُ - بِمَعْنَى الاِحْتِيَاطِ - فِي مَبَاحِثِ الْحَيْضِ، وَانْظُرْ (احْتِيَاط) .
стр. 2006
اسْتِعَاذَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِعَاذَةُ لُغَةً: الاِلْتِجَاءُ، وَقَدْ عَاذَ بِهِ يَعُوذُ: لاَذَ بِهِ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ، وَاعْتَصَمَ بِهِ، وَعُذْتُ بِفُلاَنٍ وَاسْتَعَذْتُ بِهِ: أَيْ لَجَأْتُ إِلَيْهِ. وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهَا اصْطِلاَحًا عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) ، فَقَدْ عَرَّفَهَا الْبَيْجُورِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا: الاِسْتِجَارَةُ إِلَى ذِي مَنَعَةٍ عَلَى جِهَةِ الاِعْتِصَامِ بِهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ (٢) . وَقَوْل الْقَائِل: أَعُوذُ بِاَللَّهِ. . خَبَرٌ لَفْظًا دُعَاءٌ مَعْنًى (٣) .
وَلَكِنْ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، وَلاَ سِيَّمَا عِنْدَ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ أَوِ الصَّلاَةِ تَنْصَرِفُ إِلَى قَوْل: (أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَمَا بِمَنْزِلَتِهَا كَمَا سَيَأْتِي.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدُّعَاءُ:
٢ - الدُّعَاءُ أَعَمُّ مِنْ الاِسْتِعَاذَةِ، فَهُوَ لِجَلْبِ الْخَيْرِ أَوْ стр. 2007
دَفْعِ الشَّرِّ وَالاِسْتِعَاذَةُ دُعَاءٌ لِدَفْعِ الشَّرِّ (١) .
صِفَتُهَا (حُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ) :
٣ - الاِسْتِعَاذَةُ سُنَّةٌ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ، وَقَال الْبَعْضُ بِوُجُوبِهَا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْخَوْفِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْحُكْمِ فِي كُل مَوْطِنٍ عَلَى حِدَةٍ (٢) .
حِكْمَةُ تَشْرِيعِهَا:
٤ - طَلَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ كُل مَا فِيهِ شَرٌّ، وَشَرَعَهَا سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْقِيَامِ بِبَعْضِ الأَْعْمَال، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ وَخَارِجَهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَاسْتَعَاذَ الرَّسُول ﷺ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، (٣) بَل إِنَّهُ اسْتَعَاذَ مِمَّا عُوفِيَ مِنْهُ وَعُصِمَ، إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ، وَتَعْلِيمًا لأُِمَّتِهِ. (٤) стр. 2008
مَوَاطِنُ الاِسْتِعَاذَةِ .
أَوَّلاً: الاِسْتِعَاذَةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:
٥ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلَكِنَّهَا تُطْلَبُ لِقِرَاءَتِهِ، لأَِنَّ قِرَاءَتَهُ مِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ، وَسَعْيُ الشَّيْطَانِ لِلصَّدِّ عَنْهَا أَبْلَغُ. وَأَيْضًا: الْقَارِئُ يُنَاجِي رَبَّهُ بِكَلاَمِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْقَارِئَ الْحَسَنَ التِّلاَوَةِ وَيَسْتَمِعُ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ الْقَارِئَ بِالاِسْتِعَاذَةِ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ اسْتِمَاعِ اللَّهِ لَهُ. (١)
حُكْمُهَا:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ﴾ (٢) وَلِمُوَاظَبَتِهِ ﵊، وَلأَِنَّهَا تَدْرَأُ شَرَّ الشَّيْطَانِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (٣) .
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الأَْمْرَ لِلنَّدْبِ، وَصَرَفَهُ عَنِ الْوُجُوبِ إِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى سُنِّيَّتِهِ (٤) ، وَلِمَا رُوِيَ стр. 2009
مِنْ تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا، (١) وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَفَى صَارِفًا. (٢)
مَحَلُّهَا:
٧ - لِلْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي مَحَل الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْقِرَاءَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا قَبْل الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَنَفَى صِحَّةَ الْقَوْل بِخِلاَفِهِ. (٣) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَئِمَّةُ الْقُرَّاءِ مُسْنَدًا عَنْ نَافِعٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُول قَبْل الْقِرَاءَةِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٤) . دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيمَ هُوَ السُّنَّةُ، فَبَقِيَ سَبَبِيَّةُ الْقِرَاءَةِ لَهَا، وَالْفَاءُ فِي " فَاسْتَعِذْ " دَلَّتْ عَلَى السَّبَبِيَّةِ، فَلْتُقَدَّرِ " الإِْرَادَةُ " لِيَصِحَّ. وَأَيْضًا الْفَرَاغُ مِنَ الْعَمَل لاَ يُنَاسِبُ الاِسْتِعَاذَةَ.
الثَّانِي: أَنَّهَا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى حَمْزَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَنُقِل عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ стр. 2010
وَابْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، عَمَلاً بِظَاهِرِ الآْيَةِ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ﴾ . فَدَل عَلَى أَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَالْفَاءُ هُنَا لِلتَّعْقِيبِ. وَرَدَّ صَاحِبُ كِتَابِ النَّشْرِ صِحَّةَ هَذَا النَّقْل عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُمْ. (١)
الثَّالِثُ: الاِسْتِعَاذَةُ قَبْل الْقِرَاءَةِ وَبَعْدَهَا، ذَكَرَهُ الإِْمَامُ الرَّازِيَّ، وَنَفَى ابْنُ الْجَزَرِيِّ الصِّحَّةَ عَمَّنْ نُقِل عَنْهُ أَيْضًا. (٢)
الْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ بِهَا:
٨ - لِلْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ فِي الْجَهْرِ بِالاِسْتِعَاذَةِ، أَوِ الإِْسْرَارِ بِهَا آرَاءٌ:
أَوَّلُهَا: اسْتِحْبَابُ الْجَهْرِ بِهَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، (٣) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٤) ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلاَّ حَمْزَةُ وَمَنْ وَافَقَهُ، قَال الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي جَامِعِهِ: لاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا فِي الْجَهْرِ بِالاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ ابْتِدَاءِ كُل قَارِئٍ بِعَرْضٍ، أَوْ دَرْسٍ، أَوْ تَلْقِينٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، إِلاَّ مَا جَاءَ عَنْ نَافِعٍ وَحَمْزَةَ (٥) . وَقَيَّدَ الإِْمَامُ أَبُو شَامَةَ إطْلاَقَ اخْتِيَارِ الْجَهْرِ بِمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ مَنْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ، لأَِنَّ الْجَهْرَ بِالتَّعَوُّذِ إِظْهَارٌ стр. 2011
لِشَعَائِرِ الْقِرَاءَةِ كَالْجَهْرِ بِالتَّلْبِيَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّ السَّامِعَ يُنْصِتُ لِلْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهَا لاَ يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِذَا أَخْفَى التَّعَوُّذَ لَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ بِالْقِرَاءَةِ إلاَّ بَعْدَ أَنْ يَفُوتَهُ مِنَ الْمَقْرُوءِ شَيْءٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلاَةِ وَفِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ الْمُخْتَارَ فِي الصَّلاَةِ الإِْخْفَاءُ، لأَِنَّ الْمَأْمُومَ مُنْصِتٌ مِنْ أَوَّل الإِْحْرَامِ بِالصَّلاَةِ. (١)
الثَّانِي: التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَكِنَّهُ يَتَّبِعُ إِمَامَهُ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَهُمْ يَجْهَرُونَ بِهَا إِلاَّ حَمْزَةَ فَإِنَّهُ يُخْفِيهَا، (٢) وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ. (٣)
الثَّالِثُ: الإِْخْفَاءُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ، (٤) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ حَمْزَةَ (٥) .
الرَّابِعُ: الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ فِي أَوَّل الْفَاتِحَةِ فَقَطْ، وَالإِْخْفَاءُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ حَمْزَةَ (٦) .
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رَأْيِ الْمَالِكِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الاِسْتِعَاذَةِ خَارِجَ الصَّلاَةِ، لَكِنْ يُسْتَأْنَسُ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سُئِل عَنِ اسْتِعَاذَةِ أَهْل الْمَدِينَةِ أَيَجْهَرُونَ стр. 2012
بِهَا أَمْ يُخْفُونَهَا؟ قَال: مَا كُنَّا نَجْهَرُ وَلاَ نُخْفِي، مَا كُنَّا نَسْتَعِيذُ أَلْبَتَّةَ. (١)
بَعْضُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الإِْسْرَارُ:
٩ - ذَكَرَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ بَعْضَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الإِْسْرَارُ بِالاِسْتِعَاذَةِ، مِنْهَا مَا إِذَا قَرَأَ خَالِيًا، سَوَاءٌ أَقَرَأَ جَهْرًا أَمْ سِرًّا، وَمِنْهَا مَا إِذَا قَرَأَ سِرًّا، وَمِنْهَا مَا إِذَا قَرَأَ فِي الدُّورِ وَلَمْ يَكُنْ فِي قِرَاءَتِهِ مُبْتَدِئًا يُسِرُّ بِالتَّعَوُّذِ، لِتَتَّصِل الْقِرَاءَةُ، وَلاَ يَتَخَلَّلُهَا أَجْنَبِيٌّ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ اُسْتُحِبَّ الْجَهْرُ - وَهُوَ الإِْنْصَاتُ - فُقِدَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. (٢)
الْمُرَادُ بِالإِْخْفَاءِ:
١٠ - ذَكَرَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ اخْتِلاَفَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْمُرَادِ بِالإِْخْفَاءِ، فَقَال: إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ قَالُوا: هُوَ الْكِتْمَانُ، وَعَلَيْهِ حَمَل كَلاَمَ الشَّاطِبِيِّ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، فَعَلَى هَذَا يَكْفِي فِيهِ الذِّكْرُ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ. وَقَال الْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِهِ الإِْسْرَارُ وَعَلَيْهِ حَمَل الْجَعْبَرِيُّ كَلاَمَ الشَّاطِبِيِّ، فَلاَ يَكْفِي فِيهِ إِلاَّ التَّلَفُّظُ وَإِسْمَاعُ نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، لأَِنَّ نُصُوصَ الْمُتَقَدِّمِينَ كُلَّهَا عَلَى جَعْلِهِ ضِدًّا لِلْجَهْرِ، وَكَوْنُهُ ضِدًّا لِلْجَهْرِ يَقْتَضِي الإِْسْرَارَ بِهِ. (٣) стр. 2013
صِيَغُ الاِسْتِعَاذَةِ وَأَفْضَلُهَا:
١١ - وَرَدَتْ صِيغَتَانِ لِلاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ، إِحْدَاهُمَا: " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " كَمَا وَرَدَ فِي سُورَةِ النَّحْل مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) . وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ ﵏. قَال ابْنُ الْجَزَرِيِّ: إِنَّهُ الْمُخْتَارُ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَقَال أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ (جَمَال الْقُرَّاءِ) : إِنَّ إِجْمَاعَ الأُْمَّةِ عَلَيْهِ. قَال فِي النَّشْرِ: وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ التَّعَوُّذُ بِهِ لِلْقِرَاءَةِ وَلِسَائِرِ تَعَوُّذَاتِهِ، وَقَال أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ. (٢)
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا قَوْلُهُ ﷺ فِي إِذْهَابِ الْغَضَبِ: لَوْ قَال: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ (٣) وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ أَمَامَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَال: أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَال: قُل: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهَكَذَا أَخَذْتُهُ عَنْ جِبْرِيل عَنْ مِيكَائِيل عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (٤) .
الثَّانِيَةُ " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ стр. 2014
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "، حُكِيَ عَنْ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَنَقَلَهُ الرَّازِيَّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَحْمَدَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ نَافِعٍ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيِّ (٢) .
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُول: " أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ كَمَا فِي النَّشْرِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ كَمَا فِي النَّشْرِ.
وَهُنَاكَ صِيَغٌ أُخْرَى أَوْرَدَهَا صَاحِبُ النَّشْرِ.
الْوَقْفُ عَلَى الاِسْتِعَاذَةِ:
١٢ - يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَالاِبْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهَا، بَسْمَلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، وَيَجُوزُ وَصْلُهَا بِمَا بَعْدَهَا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الدَّانِيِّ أَنَّ الأَْوْلَى وَصْلُهَا بِالْبَسْمَلَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِيطَا وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ سِوَى وَصْل الاِسْتِعَاذَةِ بِالْبَسْمَلَةِ.
فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُسَمِّ فَالأَْشْبَهُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا، وَيَجُوزُ وَصْلُهَا. (٣)
إِعَادَةُ الاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ قَطْعِ الْقِرَاءَةِ:
١٣ - إِذَا قَطَعَ الْقَارِئُ الْقِرَاءَةَ لِعُذْرٍ، مِنْ سُؤَالٍ أَوْ كَلاَمٍ يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَةِ، لَمْ يُعِدْ التَّعَوُّذَ لأَِنَّهَا قِرَاءَةٌ стр. 2015
وَاحِدَةٌ (١) . وَفِي (مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى) : الْعَزْمُ عَلَى الإِْتْمَامِ بَعْدَ زَوَال الْعُذْرِ شَرْطٌ لِعَدَمِ الاِسْتِعَاذَةِ. (٢)
أَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلاَمُ أَجْنَبِيًّا، أَوْ كَانَ الْقَطْعُ قَطْعَ تَرْكٍ وَإِهْمَالٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ التَّعَوُّذَ (٣) ، قَال النَّوَوِيُّ: يُعْتَبَرُ السُّكُوتُ وَالْكَلاَمُ الطَّوِيل سَبَبًا لِلإِْعَادَةِ (٤) .
الاِسْتِعَاذَةُ لِدُخُول الْخَلاَءِ:
١٤ - تُسْتَحَبُّ الاِسْتِعَاذَةُ عِنْدَ دُخُول الْخَلاَءِ، وَيُجْمَعُ مَعَهَا التَّسْمِيَةُ، وَيُبْدَأُ بِالتَّسْمِيَةِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ.
أَمَّا بَعْدَ الدُّخُول فَلاَ يَقُولُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُوَافِقُهُمُ الْمَالِكِيَّةُ إِنْ كَانَ الْمَحَل مُعَدًّا لِذَلِكَ. وَقِيل يَتَعَوَّذُ وَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِذَلِكَ. وَنَسَبَهُ الْعَيْنِيُّ إِلَى مَالِكٍ (٥) .
صِيَغُ الاِسْتِعَاذَةِ لِدُخُول الْخَلاَءِ:
١٥ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ стр. 2016
عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - (١) أَنَّ صِيغَةَ الاِسْتِعَاذَةِ لِدُخُول الْخَلاَءِ هِيَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَل الْخَلاَءَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ (٢) .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَقُول الرَّجُل إِذَا دَخَل الْخَلاَءَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّسْمِيَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (٣)
وَزَادَ الْغَزَالِيُّ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا دَخَل مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٤) . стр. 2017
وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْبَاءِ: ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ، وَالْخَبَائِثُ: إِنَاثُهُمْ، وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: الْخُبْثُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ: الشَّرُّ، وَالْخَبَائِثُ: الشَّيَاطِينُ (١) .
قَال الْحَطَّابُ: وَخُصَّ هَذَا الْمَوْضِعُ بِالاِسْتِعَاذَةِ لِوَجْهَيْنِ. الأَْوَّل: بِأَنَّهُ خَلاَءٌ، وَلِلشَّيَاطِينِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَسَلُّطٌ بِالْخَلاَءِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِي الْمَلأَِ.
الثَّانِي: أَنَّ مَوْضِعَ الْخَلاَءِ قَذِرٌ يُنَزَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَنْ جَرَيَانِهِ عَلَى اللِّسَانِ، فَيَغْتَنِمُ الشَّيْطَانُ عَدَمَ ذِكْرِهِ، لأَِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَطْرُدُهُ، فَأُمِرَ بِالاِسْتِعَاذَةِ قَبْل ذَلِكَ لِيَعْقِدَهَا عِصْمَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يَخْرُجَ. (٢)
الاِسْتِعَاذَةُ لِلتَّطَهُّرِ:
١٦ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، قَال الطَّحَاوِيُّ: يَأْتِي بِهَا قَبْل التَّسْمِيَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُوَضِّحْ حُكْمَهَا. (٣)
وَتُسْتَحَبُّ الاِسْتِعَاذَةُ لِلْوُضُوءِ سِرًّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَبْل التَّسْمِيَةِ، قَال الشِّرْوَانِيُّ: وَأَنْ يَزِيدَ بَعْدَهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَل الْمَاءَ طَهُورًا، وَالإِْسْلاَمَ نُورًا، ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونَ﴾ (٤) .
وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ الأَْذْكَارِ فِي الْوُضُوءِ إِلاَّ стр. 2018
التَّشَهُّدَانِ آخِرَهُ، وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلَهُ. (١) وَلَمْ نَقِفْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهَا.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْفُقَهَاءُ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ لِلاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ الْغُسْل وَالتَّيَمُّمِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ قَبْل الْغُسْل مَنْدُوبٌ، فَيَجْرِي عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحْكَامِ الاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ. وَمَا أَحْسَنَ مَا جَاءَ فِي الْفُرُوعِ لاِبْنِ مُفْلِحٍ: أَنَّ التَّعَوُّذَ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ كُل قُرْبَةٍ (٢) فَيَدْخُل فِيهَا هَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ.
الاِسْتِعَاذَةُ عِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ:
١٧ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى نَدْبِ الاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَقَدْ وَرَدَتْ صِيغَةُ الاِسْتِعَاذَةِ لِدُخُول الْمَسْجِدِ فِيمَا وَرَدَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣) الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ صَل وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، ثُمَّ يَقُول: بِاسْمِ اللَّهِ، وَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُول، وَيُقَدِّمُ الْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ وَيَقُول جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ إِلاَّ أَنَّهُ يَقُول: أَبْوَابَ فَضْلِكَ بَدَل رَحْمَتِكَ. (٤)
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ نَقِفْ لَهُمْ عَلَى قَوْلٍ فِي ذَلِكَ. стр. 2019
أَمَّا عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى نَدْبِ الاِسْتِعَاذَةِ حِينَئِذٍ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَسْتَعِيذُ بِمَا اسْتَعَاذَ بِهِ عِنْدَ الدُّخُول، وَقَدْ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ (١) .
وَلَمْ يُوقَفْ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ ذَكَرُوا الاِسْتِعَاذَةَ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٢) .
الاِسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلاَةِ
حُكْمُهَا:
١٨ - الاِسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلاَةِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ وَاجِبٌ. (٤)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّهَا جَائِزَةٌ فِي النَّفْل، مَكْرُوهَةٌ فِي الْفَرْضِ. (٥)
وَيُكْتَفَى فِي الاِسْتِدْلاَل عَلَى هَذِهِ الأَْقْوَال بِمَا تَقَدَّمَ فِي الاِسْتِدْلاَل عَلَى أَحْكَامِهَا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فِيمَا عَدَا دَلِيل الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ стр. 2020
الشَّيْطَانَ يُدْبِرُ عِنْدَ الأَْذَانِ وَالتَّكْبِيرِ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَال: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (١) (٢)
مَحَل الاِسْتِعَاذَةِ فِي الصَّلاَةِ:
١٩ - تَكُونُ الاِسْتِعَاذَةُ قَبْل الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، (٣) وَالشَّافِعِيَّةِ، (٤) وَالْحَنَابِلَةِ، (٥) وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ مَحَلُّهَا بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ، كَمَا فِي الْمَجْمُوعَةِ (٦) . وَيُسْتَدَل عَلَى ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي مَحَل الاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (ف ٧) .
تَبَعِيَّةُ الاِسْتِعَاذَةِ فِي الصَّلاَةِ:
٢٠ - الاِسْتِعَاذَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ (الثَّنَاءِ) أَوْ لِلْقِرَاءَةِ، وَتَبَعِيَّتُهَا لِلْقِرَاءَةِ قَال بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فَيَأْتِي بِهَا كُل قَارِئٍ، لأَِنَّهَا شُرِعَتْ صِيَانَةً عَنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ стр. 2021
فِي الْقِرَاءَةِ (١) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّهَا تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ، لأَِنَّهَا لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ فِي الصَّلاَةِ مُطْلَقًا.
وَلَيْسَ لِلْخِلاَفِ ثَمَرَةٌ إِلاَّ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبَيْنَ أَبِي يُوسُفَ، وَتَظْهَرُ فِي مَسَائِل مِنْهَا: أَنَّهُ لاَ يَأْتِي بِهَا الْمُقْتَدِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لأَِنَّهُ لاَ قِرَاءَةَ عَلَيْهِ، وَيَأْتِي بِهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لأَِنَّهُ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ وَهِيَ تَابِعَةٌ لَهُ. (٢)
فَوَاتُ التَّعَوُّذِ:
٢١ - يَفُوتُ التَّعَوُّذُ بِالشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، (٣) وَذَلِكَ لِفَوَاتِ الْمَحَل، وَتَرْكُ الْفَرْضِ لأَِجْل السُّنَّةِ مَرْفُوضٌ.
وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ فِي النَّفْل، فَهِيَ سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ لاَ يَعُودُ إِلَيْهَا. (٤)
الإِْسْرَارُ وَالْجَهْرُ بِالاِسْتِعَاذَةِ فِي الصَّلاَةِ:
٢٢ - لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: اسْتِحْبَابُ الإِْسْرَارِ، وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، (٥) وَمَعَهُمْ فِي стр. 2022
هَذَا الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ مَا اسْتَثْنَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ (١) ، وَعَلَى هَذَا أَيْضًا الْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ، (٢) وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٣)
وَالدَّلِيل عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْسْرَارِ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الإِْمَامُ، وَذَكَرَ مِنْهَا: التَّعَوُّذَ وَالتَّسْمِيَةَ وَآمِينَ (٤) ، وَلأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْجَهْرُ. (٥)
الرَّأْيُ الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ الْجَهْرِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَيَجْهَرُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ فِي الْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُطْلَبُ الإِْسْرَارُ فِيهِ تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ، وَلأَِجْل التَّأْلِيفِ، وَاسْتَحَبَّهَا ابْنُ قُدَامَةَ وَقَال: اخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. وَقَال فِي الْفُرُوعِ: إنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ (٦) ، وَسَنَدُهُمْ فِي الْجَهْرِ قِيَاسُ الاِسْتِعَاذَةِ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَآمِينَ.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: التَّخْيِيرُ بَيْنَ الإِْسْرَارِ وَالْجَهْرِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، جَاءَ فِي الأُْمِّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَتَعَوَّذُ فِي نَفْسِهِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَجْهَرُ بِهِ. (٧) стр. 2023
تَكْرَارُ الاِسْتِعَاذَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ:
٢٣ - الاِسْتِعَاذَةُ مَشْرُوعَةٌ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى بِاتِّفَاقٍ، أَمَّا تَكْرَارُهَا فِي بَقِيَّةِ الرَّكَعَاتِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ عَلَى رَأْيَيْنِ:
الأَْوَّل: اسْتِحْبَابُ التَّكْرَارِ فِي كُل رَكْعَةٍ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ خَالَفَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ صَحَّحَهَا صَاحِبُ الإِْنْصَافِ بَل قَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. (١)
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) وَقَدْ وَقَعَ الْفَصْل بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ خَارِجَ الصَّلاَةِ بِشُغْلٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّعَوُّذُ، وَلأَِنَّ الأَْمْرَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣) وَأَيْضًا إِنْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي غَيْرِهَا مِنَ الرَّكَعَاتِ قِيَاسًا، لِلاِشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ.
الثَّانِي: كَرَاهِيَةُ تَكْرَارِ الاِسْتِعَاذَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (٤) وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ كَمَا لَوْ سَجَدَ لِلتِّلاَوَةِ فِي قِرَاءَتِهِ ثُمَّ стр. 2024
عَادَ إِلَيْهَا لاَ يُعِيدُ التَّعَوُّذَ، وَكَأَنَّ رَابِطَةَ الصَّلاَةِ تَجْعَل الْكُل قِرَاءَةً وَاحِدَةً، غَيْرَ أَنَّ الْمَسْبُوقَ إِذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ يَتَعَوَّذُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (١) .
صِيغَةُ الاِسْتِعَاذَةِ فِي الصَّلاَةِ:
٢٤ - تَحْصُل الاِسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلاَةِ بِكُل مَا اشْتَمَل عَلَى التَّعَوُّذِ مِنَ الشَّيْطَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَيَّدَهُ الْبَيْجُورِيُّ بِمَا إِذَا كَانَ وَارِدًا. وَعَلَى هَذَا الْحَنَابِلَةُ، فَكَيْفَمَا تَعَوَّذَ مِنَ الذِّكْرِ الْوَارِدِ فَحَسَنٌ. (٢) وَاقْتَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى " أَعُوذُ " أَوْ " أَسْتَعِيذُ ". (٣)
وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَفْضَل الصِّيَغِ عَلَى الإِْطْلاَقِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " (٤) وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْل الأَْكْثَرِ مِنَ الأَْصْحَابِ مِنْهُمْ وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ الْمَنْقُول مِنِ اسْتِعَاذَتِهِ ﵊، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُول قَبْل الْقِرَاءَةِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وَجَاءَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَقُول: " أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " (٥) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ стр. 2025
فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ.
وَنَقَل حَنْبَلٌ عَنْهُ أَنَّهُ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ " إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " (١) .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ " إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " (٢) .
اسْتِعَاذَةُ الْمَأْمُومِ:
٢٥ - لاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِعَاذَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ عَمَّا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا.
أَمَّا الْمَأْمُومُ فَتُسْتَحَبُّ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٣) سَوَاءٌ أَكَانَتْ الصَّلاَةُ سِرِّيَّةً أَمْ جَهْرِيَّةً، وَمَعَهُمْ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، (٤) لأَِنَّ التَّعَوُّذَ لِلثَّنَاءِ عِنْدَهُ، وَهُوَ إِحْدَى رِوَايَاتٍ ثَلاَثٍ عَنْ أَحْمَدَ (٥) .
وَتُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ تَحْرِيمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْقِرَاءَةِ، وَلاَ قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، لَكِنْ لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ إِذَا اسْتَعَاذَ فِي الأَْصَحِّ (٦) ، وَعَلَى هَذَا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ، أَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْهُ فَهِيَ إِنْ سَمِعَ الإِْمَامَ كُرِهَتْ وَإِلاَّ فَلاَ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِهَا لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي النَّفْل. أَمَّا فِي الْفَرْضِ فَمَكْرُوهَةٌ لَهُمَا كَمَا سَبَقَ. стр. 2026
الاِسْتِعَاذَةُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ:
٢٦ - مِنْ سُنَنِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يَسْتَعِيذَ فِي الْخُطْبَةِ الأُْولَى فِي نَفْسِهِ سِرًّا (١) قَبْل الْحَمْدِ. وَيُسْتَدَل لَهُمْ بِمَا قَال سُوَيْدٌ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ يَقُول عَلَى الْمِنْبَرِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٢) . وَلَمْ نَجِدْ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ كَلاَمًا فِي ذَلِكَ.
مَحَل الاِسْتِعَاذَةِ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ:
٢٧ - يَسْتَعِيذُ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وَهُوَ قَوْلٌ عَنْ أَحْمَدَ، لأَِنَّهَا تَبَعٌ لِلْقِرَاءَةِ. (٣)
وَتَكُونُ قَبْل تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّهَا تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ (٤) .
حُكْمُهَا، وَمَحَلُّهَا فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ:
٢٨ - لاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِعَاذَةِ فِي الْجِنَازَةِ عَنْ حُكْمِهَا فِي الصَّلاَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَيَجْرِي فِيهَا الْخِلاَفُ الَّذِي جَرَى فِي الصَّلاَةِ الْمُطْلَقَةِ. (٥) стр. 2027
الْمُسْتَعَاذُ بِهِ:
٢٩ - الاِسْتِعَاذَةُ تَكُونُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَأَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ (١) ، وَقَال الْبَعْضُ: لاَ بُدَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ لِلتَّعَوُّذِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُتَعَوَّذُ بِهِ، لاَ نَحْوَ آيَةِ الدَّيْنِ. (٢)
وَيَجُوزُ الاِسْتِعَاذَةُ بِالإِْنْسَانِ فِيمَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ الْحَادِثَةِ، كَأَنْ يَسْتَجِيرَ بِهِ مِنْ حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ، أَوْ مِنْ إِنْسَانٍ يُرِيدُ الْفَتْكَ بِهِ.
وَيَحْرُمُ الاِسْتِعَاذَةُ بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ مَنِ اسْتَعَاذَ بِهِمْ زَادُوهُ رَهَقًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِْنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٣)
الْمُسْتَعَاذُ مِنْهُ:
٣٠ - يَصْعُبُ ذِكْرُ الْمُسْتَعَاذِ مِنْهُ تَفْصِيلاً، وَقَدْ عُنِيَتْ كُتُبُ التَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ، وَالأَْذْكَارِ بِكَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ، وَتَكْفِي الإِْشَارَةُ إِلَى بَعْضِ أَنْوَاعِ الْمُسْتَعَاذِ مِنْهُ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل.
مِنْ ذَلِكَ: الاِسْتِعَاذَةُ مِنْ بَعْضِ صِفَاتِ اللَّهِ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ.
وَمِنْهُ الاِسْتِعَاذَةُ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ - شَرِّ النَّفْسِ وَالْحَوَاسِّ، وَالأَْمَاكِنِ وَالرِّيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ: الاِسْتِعَاذَةُ مِنَ الْهَرَمِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَمِنَ الشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الأَْخْلاَقِ، وَمِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْل. стр. 2028
إجَابَةُ الْمُسْتَعِيذِ:
٣١ - يُنْدَبُ لِلإِْنْسَانِ إِجَابَةُ مَنِ اسْتَعَاذَ بِهِ فِي أَمْرٍ مَقْدُورٍ لَهُ، وَقَدْ تَكُونُ الإِْعَاذَةُ وَاجِبًا كِفَائِيًّا أَوْ عَيْنِيًّا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ (١) إِلَخْ (٢) .
وَقَدْ يَكُونُ الْمُسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مُسْتَغِيثًا، فَيَكُونُ تَفْصِيل الْحُكْمِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِغَاثَة) أَوْلَى.
تَعْلِيقُ التَّعْوِيذَاتِ:
يُرْجَعُ فِي حُكْمِ تَعْلِيقِ التَّعْوِيذَاتِ إِلَى مُصْطَلَحِ (تَمِيمَة) .
اسْتِعَارَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِعَارَةُ هِيَ: طَلَبُ الإِْعَارَةِ، وَالإِْعَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِلاَ عِوَضٍ (٣)
(صِفَتُهَا) حُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - الأَْصْل أَنَّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ أُبِيحَ لَهُ طَلَبُهُ، стр. 2029
وَمَنْ لاَ فَلاَ.
وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِحَسَبِ الْحَالَةِ الَّتِي يَتِمُّ فِيهَا الطَّلَبُ.
فَقَدْ تَكُونُ الاِسْتِعَارَةُ وَاجِبَةً إِذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهَا إِحْيَاءُ نَفْسٍ، أَوْ حِفْظُ عِرْضٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الضَّرُورِيَّةِ، لأَِنَّ سَدَّ الضَّرُورَاتِ وَاجِبٌ لاَ يَجُوزُ التَّسَاهُل فِيهِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (١) .
وَقَدْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْخَيْرِ كَاسْتِعَارَةِ الْكُتُبِ النَّافِعَةِ.
وَتَكُونُ الاِسْتِعَارَةُ مَكْرُوهَةً، عِنْدَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنَّةٌ، وَلِحَاجَةٍ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهَا، وَقَدْ عَدَّ الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِعَارَةُ الْفَرْعِ أَصْلَهُ لِخِدْمَتِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ذُل الْخِدْمَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْهَا الآْبَاءُ. (٢)
وَقَدْ تَكُونُ الاِسْتِعَارَةُ مُحَرَّمَةً، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَتَعَاطَى بِهِ تَصَرُّفًا مُحَرَّمًا، كَاسْتِعَارَتِهِ سِلاَحًا لِيَقْتُل بِهِ بَرِيئًا، أَوْ آلَةَ لَهْوٍ لِيَجْمَعَ عَلَيْهَا الْفُسَّاقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. (٣)
آدَابُ الاِسْتِعَارَةِ:
٣ - مِنْ آدَابِهَا:
أ - أَلاَّ يُذِل نَفْسَهُ، بَل إِنِ اسْتَعَارَ اسْتَعَارَ بِعِزٍّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِسْتِعَارَةِ وَالاِسْتِجْدَاءِ: أَنَّ الاِسْتِجْدَاءَ стр. 2030
يَكُونُ مَعَ الذُّل، وَالاِسْتِعَارَةُ تَكُونُ مَعَ الْعِزِّ (١) ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الاِسْتِعَارَةَ مِمَّنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ طَالَمَا لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
ب - وَأَلاَّ يُلْحِفَ فِي طَلَبِ الإِْعَارَةِ، وَالإِْلْحَافُ هُوَ إِعَادَةُ السُّؤَال بَعْدَ الرَّدِّ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْمُلْحِفِينَ بِالسُّؤَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٢) وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لأَِنَّ هَذَا الإِْلْحَافَ قَدْ يُخْرِجُ الْمُعِيرَ عَنْ طَوْرِهِ، فَيَقَعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، كَالْكَلاَمِ الْبَذِيءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَذًى يُنْزِلُهُ الْمُسْتَعِيرُ بِالْمُعِيرِ، (٣) قَال ﵊: لاَ تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ (٤) .
وَلَكِنْ يَجُوزُ التَّكْرَارُ لِبَيَانِ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى الاِسْتِعَارَةِ. (٥)
ج - وَأَنْ يُقَدِّمَ الاِسْتِعَارَةَ مِنَ الرَّجُل الصَّالِحِ عَلَى الاِسْتِعَارَةِ مِنْ غَيْرِهِ، لِمَا يَتَحَرَّاهُ الصَّالِحُونَ مِنَ الْمَال الْحَلاَل، وَلِمَا يَحْمِلُونَهُ مِنْ نُفُوسٍ طَيِّبَةٍ تَجُودُ بِالْخَيْرِ. قَال النَّبِيُّ ﵊: إِنْ كُنْتَ سَائِلاً لاَ بُدَّ فَاسْأَل الصَّالِحِينَ. (٦) стр. 2031
د - وَأَلاَّ يَسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ، وَلاَ بِحَقِّ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ بِحَقِّ اللَّهِ أَنْ تُعِيرَنِي كَذَا، لِمَا فِيهِ مِنِ اتِّخَاذِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى آلَةً. (١) قَال ﵊: لاَ يُسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ (٢) وَقَال: مَلْعُونٌ مَنْ سَأَل بِوَجْهِ اللَّهِ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى (إِعَارَةٌ) .
اسْتِعَانَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِعَانَةُ مَصْدَرُ اسْتَعَانَ، وَهِيَ: طَلَبُ الْعَوْنِ، يُقَال: اسْتَعَنْتُهُ وَاسْتَعَنْتُ بِهِ فَأَعَانَنِي (٤)
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. стр. 2032
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - تَنْقَسِمُ الاِسْتِعَانَةُ إِلَى اسْتِعَانَةٍ بِاَللَّهِ، وَاسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ.
فَالاِسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ مَطْلُوبَةٌ فِي كُل شَيْءٍ: مَادِّيٍّ مِثْل قَضَاءِ الْحَاجَاتِ، كَالتَّوَسُّعِ فِي الرِّزْقِ، وَمَعْنَوِيٍّ مِثْل تَفْرِيجِ الْكُرُوبِ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (٢) .
وَتَكُونُ الاِسْتِعَانَةُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ، كَمَا تَكُونُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ تَعَالَى بِفِعْل الطَّاعَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٣)
٣ - أَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالإِْنْسِ أَوْ بِالْجِنِّ.
فَإِنْ كَانَتْ الاِسْتِعَانَةُ بِالْجِنِّ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ شِرْكًا وَكُفْرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِْنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤)
٤ - وَأَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِالإِْنْسِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ стр. 2033
وَالْعُدْوَانِ﴾ (١)
وَقَدْ يَعْتَرِيهَا الْوُجُوبُ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ، كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي تَهْلُكَةٍ وَتَعَيَّنَتْ الاِسْتِعَانَةُ طَرِيقًا لِلنَّجَاةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)
اسْتِعَانَةُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي الْقِتَال:
٥ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ اسْتِعَانَةَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِهِ فِي الْقِتَال عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ بِشُرُوطٍ، وَالْمَالِكِيَّةُ بِشَرْطِ رِضَاهُ (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (جِهَادٌ)
الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ الْقِتَال:
٦ - تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي غَيْرِ الْقُرُبَاتِ، كَتَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ وَالشِّعْرِ الْمُبَاحِ، وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِيمَا لاَ يُمْنَعُ مِنْ مُزَاوَلَتِهِ شَرْعًا. وَلاَ تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْقُرُبَاتِ كَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَفِي الأُْمُورِ الَّتِي يُمْنَعُ مِنْ مُزَاوَلَتِهَا شَرْعًا، كَاِتِّخَاذِهِ فِي وِلاَيَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهِمْ.
وَقَدْ تُبَاحُ الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الْكِتَابِ، دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ فِي بَعْضِ الأُْمُورِ، مِثْل الصَّيْدِ وَالذَّبْحِ، أَمَّا الْمُشْرِكُ وَالْمَجُوسِيُّ стр. 2034
فَلاَ يَتَوَلَّى الاِصْطِيَادَ وَالذَّبْحَ لِمُسْلِمٍ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَةٌ) (وَصَيْدٌ) (وَذَبَائِحُ) (وَأَطْعِمَةٌ) (وَوَكَالَةٌ) . (١)
الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الْبَغْيِ، وَعَلَيْهِمْ:
٧ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الْبَغْيِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُجِزْ الاِسْتِعَانَةَ بِالْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ إِلاَّ الْحَنَفِيَّةُ.
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ إِلَى مُصْطَلَحِ (بُغَاةٌ) (٢)
الاِسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ فِي الْعِبَادَةِ:
٨ - الاِسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَةِ جَائِزَةٌ، وَلَكِنْ هَل يُعْتَبَرُ ذَلِكَ قُدْرَةً مُلْزَمَةً لِمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الأَْدَاءَ إِلاَّ بِهَا؟
قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُعْتَبَرُ الإِْنْسَانُ قَادِرًا، إِذَا وَجَدَ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، مِثْل الْوُضُوءِ، أَوِ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَصِيرُ قَادِرًا بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ، لأَِنَّ الْمَعُونَةَ تُعْتَبَرُ لَهُ نَافِلَةً. (٣) стр. 2035
اسْتِعْطَاء
اُنْظُرْ: (عَطَاءٌ) ، (عَطِيَّةٌ) .
اسْتِعْلاَءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِعْلاَءُ فِي اللُّغَةِ: اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ السُّمُوُّ وَالاِرْتِفَاعُ. وَالْمُسْتَعْلِي مِنَ الْحُرُوفِ: الْمُفَخَّمُ مِنْهَا، وَمَعْنَى اسْتِعْلاَئِهَا: أَنَّهَا تَتَصَعَّدُ فِي الْحَنَكِ الأَْعْلَى، وَاسْتَعْلَى عَلَى النَّاسِ: غَلَبَهُمْ وَقَهَرَهُمْ وَعَلاَهُمْ. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ عُلَمَاءِ الأُْصُول يُسْتَعْمَل الاِسْتِعْلاَءُ بِمَعْنَى إِظْهَارِ الْعُلُوِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ عُلُوٌّ فِي الْوَاقِعِ أَمْ لاَ (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَمْرٌ)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - التَّكَبُّرُ: هُوَ إِظْهَارُ الْكِبْرِ أَيِ الْعَظَمَةِ.
وَتَعْرِيفُهُ شَرْعًا: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. (٣) следующие страницы →