Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
د - وَأَلاَّ يَسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ، وَلاَ بِحَقِّ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ بِحَقِّ اللَّهِ أَنْ تُعِيرَنِي كَذَا، لِمَا فِيهِ مِنِ اتِّخَاذِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى آلَةً. (١) قَال ﵊: لاَ يُسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ (٢) وَقَال: مَلْعُونٌ مَنْ سَأَل بِوَجْهِ اللَّهِ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى (إِعَارَةٌ) .
اسْتِعَانَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِعَانَةُ مَصْدَرُ اسْتَعَانَ، وَهِيَ: طَلَبُ الْعَوْنِ، يُقَال: اسْتَعَنْتُهُ وَاسْتَعَنْتُ بِهِ فَأَعَانَنِي (٤)
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. стр. 2032
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - تَنْقَسِمُ الاِسْتِعَانَةُ إِلَى اسْتِعَانَةٍ بِاَللَّهِ، وَاسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ.
فَالاِسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ مَطْلُوبَةٌ فِي كُل شَيْءٍ: مَادِّيٍّ مِثْل قَضَاءِ الْحَاجَاتِ، كَالتَّوَسُّعِ فِي الرِّزْقِ، وَمَعْنَوِيٍّ مِثْل تَفْرِيجِ الْكُرُوبِ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (٢) .
وَتَكُونُ الاِسْتِعَانَةُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ، كَمَا تَكُونُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ تَعَالَى بِفِعْل الطَّاعَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٣)
٣ - أَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالإِْنْسِ أَوْ بِالْجِنِّ.
فَإِنْ كَانَتْ الاِسْتِعَانَةُ بِالْجِنِّ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ شِرْكًا وَكُفْرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِْنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤)
٤ - وَأَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِالإِْنْسِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ стр. 2033
وَالْعُدْوَانِ﴾ (١)
وَقَدْ يَعْتَرِيهَا الْوُجُوبُ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ، كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي تَهْلُكَةٍ وَتَعَيَّنَتْ الاِسْتِعَانَةُ طَرِيقًا لِلنَّجَاةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)
اسْتِعَانَةُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي الْقِتَال:
٥ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ اسْتِعَانَةَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِهِ فِي الْقِتَال عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ بِشُرُوطٍ، وَالْمَالِكِيَّةُ بِشَرْطِ رِضَاهُ (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (جِهَادٌ)
الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ الْقِتَال:
٦ - تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي غَيْرِ الْقُرُبَاتِ، كَتَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ وَالشِّعْرِ الْمُبَاحِ، وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِيمَا لاَ يُمْنَعُ مِنْ مُزَاوَلَتِهِ شَرْعًا. وَلاَ تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْقُرُبَاتِ كَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَفِي الأُْمُورِ الَّتِي يُمْنَعُ مِنْ مُزَاوَلَتِهَا شَرْعًا، كَاِتِّخَاذِهِ فِي وِلاَيَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهِمْ.
وَقَدْ تُبَاحُ الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الْكِتَابِ، دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ فِي بَعْضِ الأُْمُورِ، مِثْل الصَّيْدِ وَالذَّبْحِ، أَمَّا الْمُشْرِكُ وَالْمَجُوسِيُّ стр. 2034
فَلاَ يَتَوَلَّى الاِصْطِيَادَ وَالذَّبْحَ لِمُسْلِمٍ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَةٌ) (وَصَيْدٌ) (وَذَبَائِحُ) (وَأَطْعِمَةٌ) (وَوَكَالَةٌ) . (١)
الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الْبَغْيِ، وَعَلَيْهِمْ:
٧ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الْبَغْيِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُجِزْ الاِسْتِعَانَةَ بِالْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ إِلاَّ الْحَنَفِيَّةُ.
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ إِلَى مُصْطَلَحِ (بُغَاةٌ) (٢)
الاِسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ فِي الْعِبَادَةِ:
٨ - الاِسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَةِ جَائِزَةٌ، وَلَكِنْ هَل يُعْتَبَرُ ذَلِكَ قُدْرَةً مُلْزَمَةً لِمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الأَْدَاءَ إِلاَّ بِهَا؟
قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُعْتَبَرُ الإِْنْسَانُ قَادِرًا، إِذَا وَجَدَ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، مِثْل الْوُضُوءِ، أَوِ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَصِيرُ قَادِرًا بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ، لأَِنَّ الْمَعُونَةَ تُعْتَبَرُ لَهُ نَافِلَةً. (٣) стр. 2035
اسْتِعْطَاء
اُنْظُرْ: (عَطَاءٌ) ، (عَطِيَّةٌ) .
اسْتِعْلاَءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِعْلاَءُ فِي اللُّغَةِ: اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ السُّمُوُّ وَالاِرْتِفَاعُ. وَالْمُسْتَعْلِي مِنَ الْحُرُوفِ: الْمُفَخَّمُ مِنْهَا، وَمَعْنَى اسْتِعْلاَئِهَا: أَنَّهَا تَتَصَعَّدُ فِي الْحَنَكِ الأَْعْلَى، وَاسْتَعْلَى عَلَى النَّاسِ: غَلَبَهُمْ وَقَهَرَهُمْ وَعَلاَهُمْ. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ عُلَمَاءِ الأُْصُول يُسْتَعْمَل الاِسْتِعْلاَءُ بِمَعْنَى إِظْهَارِ الْعُلُوِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ عُلُوٌّ فِي الْوَاقِعِ أَمْ لاَ (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَمْرٌ)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - التَّكَبُّرُ: هُوَ إِظْهَارُ الْكِبْرِ أَيِ الْعَظَمَةِ.
وَتَعْرِيفُهُ شَرْعًا: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. (٣) стр. 2036
وَهُوَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَدْحٌ، لأَِنَّ شَأْنَهُ عَظِيمٌ، وَفِي صِفَاتِنَا ذَمٌّ، لأَِنَّ شَأْنَنَا صَغِيرٌ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْعَظَمَةِ وَلَسْنَا بِأَهْلٍ لَهَا (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَرَى جُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّ الاِسْتِعْلاَءَ شَرْطٌ فِي الأَْمْرِ، وَذَلِكَ احْتِرَازًا عَنِ الدُّعَاءِ وَالاِلْتِمَاسِ. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - الاِسْتِعْلاَءُ كَشَرْطٍ فِي الأَْمْرِ يَبْحَثُهُ الأُْصُولِيُّونَ فِي مَسْأَلَةِ الأَْمْرِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ شُرُوطِهِ، وَدَلاَلَةُ حَرْفِ " عَلَى " عَلَى الاِسْتِعْلاَءِ يُبْحَثُ فِي مَسَائِل حُرُوفِ الْجَرِّ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ حَرْفِ الْجَرِّ " عَلَى " وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُصْطَلَحِ الأُْصُولِيِّ.
اسْتِعْمَال
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِعْمَال فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الْعَمَل، أَوْ تَوْلِيَتُهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ: عَمِل بِهِ، وَاسْتُعْمِل فُلاَنٌ: وَلِيَ عَمَلاً مِنْ أَعْمَال السُّلْطَةِ، وَحَبْلٌ مُسْتَعْمَلٌ: قَدْ عُمِل بِهِ وَمُهِنَ. (٣) стр. 2037
وَالاِسْتِعْمَال فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، حَيْثُ عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ عَنْهُ بِمَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي التَّعْرِيفِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَل
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
اسْتِئْجَار:
٢ - الاِسْتِئْجَارُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الإِْجَارَةِ، وَاسْتَأْجَرَهُ: اتَّخَذَهُ أَخِيرًا عَلَى الْعَمَل بِأَجْرٍ (١) . فَالاِسْتِعْمَال أَعَمُّ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِأَجْرٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ أَجْرٍ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِعْمَال بِحَسَبِ نَوْعِهِ، وَلِلاِسْتِعْمَال أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ: وَمِنْهَا اسْتِعْمَال الآْلاَتِ، وَاسْتِعْمَال الْمَوَادِّ، وَمِنْهَا اسْتِعْمَال الأَْشْخَاصِ.
اسْتِعْمَال الْمَوَادِّ، وَمِنْ صُوَرِهِ:
أ - اسْتِعْمَال الْمَاءِ:
٤ - إِذَا اُسْتُعْمِل الْمَاءُ الْمُطْلَقُ لِلطَّهَارَةِ مِنْ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ امْتَنَعَ إِطْلاَقُ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ دُونَ قَيْدٍ، وَصَارَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ مِنْ حَيْثُ الطَّهُورِيَّةُ. فَيُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ، وَخَالَفَ فِي هَذَا الْمَالِكِيَّةُ، حَيْثُ أَجَازُوا التَّطَهُّرَ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ إِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ كَرَاهَةَ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. (٢) стр. 2038
ب - اسْتِعْمَال الطِّيبِ:
٥ - اسْتِعْمَال الطِّيبِ مُسْتَحَبٌّ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ فِي الإِْحْرَامِ، أَوِ الإِْحْدَادِ، أَوْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبُيُوتِ.
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِحْرَامٌ) (وَإِحْدَادٌ) . (١)
ج - اسْتِعْمَال جُلُودِ الْمَيْتَةِ:
٦ - اسْتِعْمَال جُلُودِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَبْل الدَّبْغِ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ بَعْدَ قَطْعِ الرُّطُوبَةِ بِالتَّشْمِيسِ أَوِ التَّتْرِيبِ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (دِبَاغَةٌ) . (٢)
د - اسْتِعْمَال أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
٧ - مَنَعَ الْعُلَمَاءُ اسْتِعْمَال أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الأَْكْل وَالشُّرْبِ، لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ نُصُوصٍ مِنْهَا: قَوْل الرَّسُول ﷺ : لاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآْخِرَةِ (٣) .
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (آنِيَةٌ) . (٤) стр. 2039
الاِسْتِعْمَال الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ:
٨ - قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ اسْتِعْمَال الْمَرْهُونِ وَالْوَدِيعَةِ يُعْتَبَرُ تَعَدِّيًا يَضْمَنُ بِمُوجَبِهِ، لأَِنَّ التَّعَدِّي سَبَبٌ لِلضَّمَانِ مُطْلَقًا، وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (رَهْنٌ) (وَوَدِيعَةٌ) (وَضَمَانٌ) . (١)
اسْتِعْمَال الإِْنْسَانِ:
٩ - يَجُوزُ اسْتِعْمَال الإِْنْسَانِ مُتَطَوِّعًا وَبِأَجْرٍ، مِثْل الاِسْتِعْمَال عَلَى الإِْمَامَةِ وَالْقَضَاءِ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ، يُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهَا إِلَى الْوِلاَيَةِ وَالإِْمَامَةِ وَالْقَضَاءِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. (٢)
وَكَذَا اسْتِعْمَال الإِْنْسَانِ فِي الصِّنَاعَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالتِّجَارَةِ. وَمِنْهُ قَوْل الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ فِي صُنْعِ الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ: " فَذَهَبَ أَبِي، فَقَطَعَ عِيدَانَ الْمِنْبَرِ مِنَ الْغَابَةِ، قَال: فَمَا أَدْرِي عَمِلَهَا أَبِي أَوِ اسْتَعْمَلَهَا ". (٣)
وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحِ (اسْتِصْنَاعٌ) (وَإِجَارَةٌ) (وَوَكَالَةٌ) (٤) стр. 2040
اسْتِغَاثَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِغَاثَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْغَوْثِ وَالنَّصْرِ. (١)
وَالاِسْتِغَاثَةُ شَرْعًا: لاَ تَخْرُجُ فِي الْمَعْنَى عَنِ التَّعْرِيفِ اللُّغَوِيِّ، حَيْثُ تَكُونُ لِلْعَوْنِ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُوبِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِسْتِخَارَةُ:
٢ - الاِسْتِخَارَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْخِيَرَةِ فِي الشَّيْءِ.
وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّهِ، وَالأَْوْلَى بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ. (٢) فَالاِسْتِخَارَةُ أَخَصُّ، لأَِنَّهَا لاَ تُطْلَبُ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ.
الاِسْتِعَانَةُ:
٣ - الاِسْتِعَانَةُ: طَلَبُ الْعَوْنِ. اسْتَعَنْتُ بِفُلاَنٍ طَلَبْتُ مَعُونَتَهُ فَأَعَانَنِي، وَعَاوَنَنِي (٣) . وَتَكُونُ مِنَ الْعِبَادِ فِيمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَمِنَ اللَّهِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤) فَالْفَرْقُ أَنَّ الاِسْتِغَاثَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي الشِّدَّةِ. стр. 2041
حُكْمُ الاِسْتِغَاثَةِ:
٤ - لِلاِسْتِغَاثَةِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ:
الأَْوَّل: الإِْبَاحَةُ، وَذَلِكَ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنَ الأَْحْيَاءِ، إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا - وَمِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءُ فَإِنَّهُ يُبَاحُ طَلَبُهُ مِنْ كُل مُسْلِمٍ، بَل يَحْسُنُ ذَلِكَ - فَلَهُ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِالْمَخْلُوقِينَ أَوْ لاَ يَسْتَغِيثَ، وَلَكِنْ لاَ يَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ السُّؤَال وَالذُّل وَالْخُضُوعِ وَالتَّضَرُّعِ لَهُمْ كَمَا يَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى، لأَِنَّ مَسْأَلَةَ الْمَخْلُوقِينَ فِي الأَْصْل مُحَرَّمَةٌ، وَلَكِنَّهَا أُبِيحَتْ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَالأَْفْضَل الاِسْتِعْفَافُ عَنْهَا (١) إِلاَّ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِ الاِسْتِغَاثَةِ هَلاَكٌ، أَوْ حَدٌّ، أَوْ ضَمَانٌ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ بِالاِسْتِغَاثَةِ أَوَّلاً. فَإِنْ لَمْ يَفْعَل أَثِمَ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ سَبْقُ ضَمَانٍ لِلدِّمَاءِ وَالْحُقُوقِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي.
الثَّانِي: النَّدْبُ، وَذَلِكَ إِذَا اسْتَغَاثَ بِاَللَّهِ، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ فِي الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ . (٢)
الثَّالِثُ: الْوُجُوبُ، وَذَلِكَ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِ الاِسْتِغَاثَةِ هَلاَكٌ أَوْ ضَمَانٌ، فَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ وُجُوبِهِ أَثِمَ.
الرَّابِعُ: التَّحْرِيمُ، وَذَلِكَ إِذَا اسْتَغَاثَ بِمَنْ لاَ يَمْلِكُ فِي الأُْمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِالْقُوَّةِ أَوِ التَّأْثِيرِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ إِنْسَانًا، أَوْ جِنًّا، أَوْ مَلَكًا، أَوْ نَبِيًّا، فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ . (٣) стр. 2042
الاِسْتِغَاثَةُ بِاَللَّهِ:
٥ - (أ) فِي الأُْمُورِ الْعَادِيَةِ:
أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الأُْمَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الاِسْتِغَاثَةِ بِاَللَّهِ ﵎، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قِتَال عَدُوٍّ أَمِ اتِّقَاءِ سَبُعٍ أَمْ نَحْوِهِ. لاِسْتِغَاثَةِ الرَّسُول ﷺ بِاَللَّهِ فِي مَوْقِعَةِ بَدْرٍ (١) ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا الْقُرْآنُ بِذَلِكَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢) ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ نَزَل مَنْزِلاً ثُمَّ قَال: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِل مِنْ مَنْزِلِهِ. (٣) стр. 2043
(ب) وَتُسْتَحَبُّ أَيْضًا الاِسْتِغَاثَةُ بِاَللَّهِ فِي الأُْمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِالْقُوَّةِ وَالتَّأْثِيرِ، وَفِيمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلاَّ اللَّهُ . مِثْل إِنْزَال الْمَطَرِ، وَكَشْفِ الضُّرِّ، وَشِفَاءِ الْمَرَضِ، وَطَلَبِ الرِّزْقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلاَّ اللَّهُ ﵎، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ . (٢)
وَيُسْتَغَاثُ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَال: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ (٣)
الاِسْتِغَاثَةُ بِالرَّسُول ﷺ .
٦ - الاِسْتِغَاثَةُ بِالرَّسُول أَقْسَامٌ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: الاِسْتِغَاثَةُ بِالرَّسُول فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الاِسْتِغَاثَةِ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَبِكُل مَخْلُوقٍ حَال حَيَاتِهِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ стр. 2044
النَّصْرُ﴾ (١) وَلِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) وَهِيَ مِنْ قَبِيل الْعَوْنِ وَالنَّجْدَةِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٣)
الْقِسْمُ الثَّانِي: الاِسْتِغَاثَةُ بِالرَّسُول ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَيْهَا وَالْخِلاَفُ فِيهَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَغِيثَ الْعَبْدُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبًا بِرَسُولِهِ ﷺ ، كَأَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَجَّهُ إلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ تَفْعَل كَذَا كَمَا سَيَأْتِي.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الاِسْتِغَاثَةُ بِذَاتِ الرَّسُول ﷺ كَمَا سَيَأْتِي.
أَنْوَاعُ الاِسْتِغَاثَةِ بِالْخَلْقِ:
٧ - وَالاِسْتِغَاثَةُ بِالْخَلْقِ - فِيمَا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ - تَكُونُ عَلَى أَرْبَعِ صُوَرٍ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَسْأَل اللَّهَ بِالْمُتَوَسَّل بِهِ تَفْرِيجَ الْكُرْبَةِ، وَلاَ يَسْأَل الْمُتَوَسَّل بِهِ شَيْئًا، كَقَوْل الْقَائِل: اللَّهُمَّ بِجَاهِ رَسُولِكَ فَرِّجْ كُرْبَتِي. وَهُوَ عَلَى هَذَا سَائِلٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَمُسْتَغِيثٌ بِهِ، وَلَيْسَ مُسْتَغِيثًا بِالْمُتَوَسَّل بِهِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ شِرْكًا، لأَِنَّهَا اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ ﵎، وَلَيْسَتِ اسْتِغَاثَةً بِالْمُتَوَسَّل بِهِ؛ وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْحِل وَالْحُرْمَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: стр. 2045
٨ - الْقَوْل الأَْوَّل: جَوَازُ التَّوَسُّل بِالأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ حَال حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ. قَال بِهِ مَالِكٌ، وَالسُّبْكِيُّ، وَالْكَرْمَانِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ، وَالْقَسْطَلاَّنِيُّ، وَالسَّمْهُودِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِّ، وَابْنُ الْجَزَرِيِّ (١) .
٩ - وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الاِسْتِغَاثَةِ بِالأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا مَا وَرَدَ مِنَ الأَْدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْل أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا إِلَيْكَ (٢) ".
وَمِنْهَا مَا قَالَهُ الرَّسُول ﷺ فِي الدُّعَاءِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أُسْدٍ اغْفِرْ لأُِمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أُسْدٍ، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا، بِحَقِّ نَبِيِّك وَالأَْنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي، стр. 2046
فَإِنَّك أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. (١)
وَمِنَ الأَْدِلَّةِ حَدِيثُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي (٢) .
وَمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى مُوسَى وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ وَالصَّلاَةُ تَسْتَدْعِي حَيَاةَ الْبَدَنِ. (٣)
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿ стр. 2047
وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) أَنَّهُ قَال: كَانَ أَهْل خَيْبَرَ تُقَاتِل غَطَفَانَ، كُلَّمَا الْتَقَتَا هَزَمَتْ غَطَفَانُ الْيَهُودَ، فَدَعَتِ الْيَهُودُ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِحَقِّ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَنْ تُخْرِجَهُ لَنَا إِلاَّ نَصَرْتَنَا عَلَيْهِمْ. فَكَانُوا إِذَا الْتَقَوْا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَتَهْزِمُ الْيَهُودُ غَطَفَانَ (٢) .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٣) . وَهَذَا تَفْخِيمٌ لِلرَّسُول ﷺ وَتَعْظِيمُهُ ﷺ لاَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. (٤)
وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ الأَْعْمَى الْمُتَوَسِّل بِرَسُول اللَّهِ فِي رَدِّ بَصَرِهِ. (٥) стр. 2048
١٠ - الْقَوْل الثَّانِي: أَجَازَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ (١) وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ الاِسْتِغَاثَةَ بِاَللَّهِ مُتَوَسِّلاً بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالصَّالِحِينَ حَال حَيَاتِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحْدَهُ. وَاسْتَشْهَدَ لِهَذَا بِحَدِيثِ الأَْعْمَى الَّذِي دَعَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُتَوَسِّلاً بِرَسُول اللَّهِ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ.
فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلاً ضَرِيرًا أَتَاهُ ﵊. فَقَال: اُدْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَال ﷺ : إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتَ وَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتَ. فَقَال: اُدْعُ قَال: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ فِي حَاجَتِي لِتُقْضَى. اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ (٢) وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَزَادَ: فَقَامَ، وَقَدْ أَبْصَرَ.
١١ - الْقَوْل الثَّالِثُ: عَدَمُ جَوَازِ الاِسْتِغَاثَةِ إِلاَّ بِاَللَّهِ ، وَمُنِعَ التَّوَسُّل فِي تِلْكَ الاِسْتِغَاثَةِ بِالأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، أَحْيَاءً كَانُوا أَوْ أَمْوَاتًا. стр. 2049
وَصَاحِبُ هَذَا الرَّأْيِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (١) ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَل مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (٢) .
وَبِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُ لاَ يُسْتَغَاثُ بِي وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ (٣) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ:
١٢ - اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ وَاسْتِغَاثَةٌ بِالشَّفِيعِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُ: وَهُوَ أَنْ يَسْأَل اللَّهَ، وَيَسْأَل الْمُتَوَسَّل بِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ، كَمَا كَانَ يَفْعَل الصَّحَابَةُ، وَيَسْتَغِيثُونَ وَيَتَوَسَّلُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ (٤) ، وَيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ الْجُرَشِيِّ ﵄، فَهُوَ اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ، وَاسْتِغَاثَةٌ بِالشَّفِيعِ أَنْ стр. 2050
يَسْأَل اللَّهَ لَهُ. فَهُوَ مُتَوَسِّلٌ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ فِي حَيَاةِ الشَّفِيعِ، وَلاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ. (١)
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْل الْجَنَّةِ، كُل ضَعِيفٍ مُسْتَضْعَفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأََبَرَّهُ (٢) قَال الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى اللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا لأََوْقَعَ مَطْلُوبَهُ، فَيَبَرُّ بِقَسَمِهِ إِكْرَامًا لَهُ، لِعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ. (٣)
فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ خَصَّهُ اللَّهُ بِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسْأَل فَيَدْعُوَ لِلْمُسْتَغِيثِ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ عَنِ الرَّسُول ﷺ وَالصَّحَابَةِ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: اسْتِغَاثَةٌ فِي سُؤَال اللَّهِ:
١٣ - وَهِيَ أَنْ يَسْتَغِيثَ الإِْنْسَانُ بِغَيْرِهِ فِي سُؤَال اللَّهِ لَهُ تَفْرِيجَ الْكَرْبِ، وَلاَ يَسْأَل اللَّهَ هُوَ لِنَفْسِهِ. وَهَذَا جَائِزٌ لاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ.
وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : وَهَل تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ (٤) أَيْ بِدُعَائِهِمْ، وَصَلاَتِهِمْ، стр. 2051
وَاسْتِغْفَارِهِمْ.
وَمِنْ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ (١) . أَيْ يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ. فَالاِسْتِنْصَارُ وَالاِسْتِرْزَاقُ يَكُونُ بِالْمُؤْمِنِينَ بِدُعَائِهِمْ، مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْضَل مِنْهُمْ. لَكِنَّ دُعَاءَهُمْ وَصَلاَتَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الأَْسْبَابِ، وَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَنْصِرِ بِهِ وَالْمُسْتَرْزِقِ بِهِ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأََبَرَّهُ. مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ (٢) .
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يُسْتَغْفَرَ لَكَ فَافْعَل (٣) وَقَوْل الرَّسُول стр. 2052
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ لَمَّا وَدَّعَهُ لِلْعُمْرَةِ: لاَ تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِكَ (١) .
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ:
١٤ - أَنْ يَسْأَل الْمُسْتَغَاثَ بِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَسْأَل اللَّهَتَبَارَكَ وَتَعَالَى، كَأَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ أَنْ يُفَرِّجَ الْكَرْبَ عَنْهُ، أَوْ يَأْتِيَ لَهُ بِالرِّزْقِ. فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ وَقَدْ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الشِّرْكِ، (٢) " لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَال: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ (٤) ؟ فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ لَكَ стр. 2053
مِنَ الأَْمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) فَإِذَا نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ مَا لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
الاِسْتِغَاثَةُ بِالْمَلاَئِكَةِ:
١٥ - الاِسْتِغَاثَةُ بِهِمُ اسْتِغَاثَةٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُل اسْتِغَاثَةٍ بِغَيْرِ اللَّهِ مَمْنُوعَةٌ، لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . إِنَّهُ لاَ يُسْتَغَاثُ بِي، وَلَكِنْ يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ (٢) وَلِحَدِيثِهِ أَيْضًا ﵇ لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ اعْتَرَضَهُ جِبْرِيل، فَقَال لَهُ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَقَال: أَمَّا إِلَيْكَ فَلاَ (٣) стр. 2054
الاِسْتِغَاثَةُ بِالْجِنِّ:
١٦ - الاِسْتِغَاثَةُ بِالْجِنِّ مُحَرَّمَةٌ، لأَِنَّهَا اسْتِغَاثَةٌ بِمَنْ لاَ يَمْلِكُ، وَتُؤَدِّي إِلَى ضَلاَلٍ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِْنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (١) وَيُعْتَبَرُ هَذَا مِنَ السِّحْرِ.
الْمُسْتَغِيثُ وَأَنْوَاعُهُ:
١٧ - إِذَا اسْتَغَاثَ الْمُسْلِمُ لِدَفْعِ شَرٍّ وَجَبَتْ إِغَاثَتُهُ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ وَتَهْدُوا الضَّال (٢) وَقَوْلِهِ ﵇ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٣) وَهَذَا إِذَا لَمْ يَخْشَ الْمُغِيثُ عَلَى نَفْسِهِ ضَرًّا، لأَِنَّ لَهُ الإِْيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤) . أَمَّا الإِْمَامُ وَنُوَّابُهُ فَإِنَّهُ стр. 2055
يَجِبُ عَلَيْهِمُ الإِْغَاثَةُ، وَلَوْ مَعَ الْخَشْيَةِ عَلَى النَّفْسِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى وَظَائِفِهِمْ (١) .
١٨ - وَإِذَا اسْتَغَاثَ الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يُغَاثُ لأَِنَّهُ آدَمِيٌّ، وَلأَِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنِ الْغَيْرِ إِذَا كَانَ آدَمِيًّا مُحْتَرَمًا، وَلَمْ يَخْشَ الْمُغِيثُ عَلَى نَفْسِهِ هَلاَكًا، لأَِنَّ لَهُ الإِْيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ (٢) وَلِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِيٍّ (٤) . وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْكَافِرُ حَرْبِيًّا وَاسْتَغَاثَ، فَإِنَّهُ يُجَابُ إِلَى طَلَبِهِ، لَعَلَّهُ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللَّهِ، أَوْ يَرْجِعُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ مِنْ شَرٍّ وَيَأْسِرُهُ الْمَعْرُوفُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٥) " أَيْ فَأَجِرْهُ، وَأَمِّنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَمْوَالِهِ، فَإِنِ اهْتَدَى وَآمَنَ عَنْ عِلْمٍ وَاقْتِنَاعٍ فَذَاكَ، وَإِلاَّ стр. 2056
فَالْوَاجِبُ أَنْ تُبْلِغَهُ الْمَكَانَ الَّذِي يَأْمَنُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَكُونُ حُرًّا فِي عَقِيدَتِهِ. (١)
الاِسْتِعَانَةُ بِالْكَافِرِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ:
١٩ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِغَاثَةَ لِدَفْعِ شَرٍّ، أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ الْمَخْلُوقُ تَجُوزُ بِالْمَخْلُوقِينَ مُطْلَقًا، فَيُسْتَغَاثُ بِالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، كَمَا يُسْتَغَاثُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَيُسْتَنْصَرُ بِهِ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُل الْفَاجِرِ (٢) " فَلَمْ تَكُنِ الإِْغَاثَةُ مِنْ خَصَائِصِ الْمُؤْمِنِينَ فَضْلاً عَنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّينَ أَوِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنَّمَا هِيَ وَصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الآْدَمِيِّينَ. (٣)
اسْتِغَاثَةُ الْحَيَوَانِ:
٢٠ - يَجِبُ إِغَاثَةُ الْحَيَوَانِ، لِمَا رُوِيَ مِنَ الأَْحَادِيثِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَنَّ رَجُلاً دَنَا إِلَى بِئْرٍ فَنَزَل، فَشَرِبَ مِنْهَا وَعَلَى الْبِئْرِ كَلْبٌ يَلْهَثُ، فَرَحِمَهُ، فَنَزَعَ أَحَدَ خُفَّيْهِ فَسَقَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ (٤) стр. 2057
حَالَةُ الْمُسْتَغِيثِ:
٢١ - إِذَا كَانَ الْمُسْتَغِيثُ عَلَى حَقٍّ وَجَبَتْ إِغَاثَتُهُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ إِغَاثَةِ الْمُسْلِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) " أَيْ إِنِ اسْتَنْقَذُوكُمْ فَأَعِينُوهُمْ بِنَفِيرٍ أَوْ مَالٍ، فَذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْكُمْ، فَلاَ تَخْذُلُوهُمْ إِلاَّ أَنْ يَسْتَنْصِرُوكُمْ عَلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَلاَ تَنْصُرُوهُمْ عَلَيْهِمْ. إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا أَسْرَى مُسْتَضْعَفِينَ، فَإِنَّ الْوِلاَيَةَ مَعَهُمْ قَائِمَةٌ، وَالنُّصْرَةَ لَهُمْ وَاجِبَةٌ، حَتَّى لاَ تَبْقَى مِنَّا عَيْنٌ تَطْرُفُ، حَتَّى نَخْرُجَ إِلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ إِنْ كَانَ عَدَدُنَا يَحْتَمِل ذَلِكَ، أَوْ نَبْذُل جَمِيعَ أَمْوَالِنَا فِي اسْتِخْرَاجِهِمْ حَتَّى لاَ يَبْقَى لأَِحَدٍ دِرْهَمٌ، كَذَلِكَ قَال مَالِكٌ وَجَمِيعُ الْعُلَمَاءِ (٢)
وَلِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ أُذِل عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ، أَذَلَّهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (٣)
٢٢ - أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُسْتَغِيثُ عَلَى بَاطِلٍ، فَإِنْ أَرَادَ النُّزُوعَ عَنْهُ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ اُسْتُنْقِذَ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ стр. 2058
الْبَقَاءَ عَلَى بَاطِلِهِ فَلاَ. وَكَذَلِكَ كُل ظَالِمٍ فَإِنَّ نُصْرَتَهُ مُحَرَّمَةٌ، لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَثَل الَّذِي يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ كَمَثَل بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَهُوَ يَنْزِعُ بِذَنَبِهِ (١) . وَقَوْلُهُ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مُلْكِهِ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ لاَ يَعْلَمُ أَحَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ (٢) .
وَقَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا اسْتَغَاثَ الظَّالِمُ وَطَلَبَ شَرْبَةَ مَاءٍ فَأَعْطَيْتَهُ إِيَّاهَا كَانَ ذَلِكَ إِعَانَةً لَهُ عَلَى ظُلْمِهِ (٣) .
ضَمَانُ هَلاَكِ الْمُسْتَغِيثِ:
٢٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْعَ الْمُسْتَغِيثِ عَمَّا يُنْقِذُ حَيَاتَهُ - مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِغَاثَتِهِ بِلاَ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، وَالْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَمُوتُ إِنْ لَمْ يُغِثْهُ - يَسْتَوْجِبُ الْقِصَاصَ، وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ قَتْلَهُ بِيَدِهِ. стр. 2059
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ فِيهِ الضَّمَانَ (الدِّيَةَ) ، وَسَوَّى أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَ طَلَبِ الْغَوْثِ، أَوْ رُؤْيَةِ مَنْ يَحْتَاجُ لِلْغَوْثِ بِلاَ طَلَبٍ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ ضَمَانَ، لأَِنَّهُ لَمْ يُبَاشِرِ الْفِعْل الْقَاتِل (١) .
حُكْمُ مَنْ أَحْجَمَ عَنْ إِجَابَةِ الْمُسْتَغِيثِ .
الاِسْتِغَاثَةُ عِنْدَ الإِْشْرَافِ عَلَى الْهَلاَكِ:
٢٤ - إِذَا اسْتَغَاثَ الْمُشْرِفُ عَلَى الْهَلاَكِ مِنَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ وَجَبَتْ إِغَاثَتُهُ، فَإِنْ مُنِعَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاَكِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ: لِلْمُسْتَغِيثِ أَنْ يُقَاتِل بِالسِّلاَحِ، إِنْ كَانَ الْمَاءُ غَيْرَ مُحَرَّزٍ فِي إِنَاءٍ، لِمَا وَرَدَ عَنْ الْهَيْثَمِ أَنَّ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً فَسَأَلُوا أَهْلَهُ وَاسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى بِئْرٍ فَأَبَوْا، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا فَأَبَوْا، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ أَنْ تُقْطَعَ، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁، فَقَال لَهُمْ عُمَرُ: فَهَلاَّ وَضَعْتُمْ فِيهِمُ السِّلاَحَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ فِي الْمَاءِ حَقُّ الشَّفَةِ. فَإِذَا مَنَعَ الْمُسْتَغَاثُ بِهِمْ حَقَّ الْمُسْتَغِيثِينَ بِقَصْدِ إِتْلاَفِهِمْ كَانَ لِلْمُسْتَغِيثِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ مُحَرَّزًا، فَلَيْسَ لِلَّذِي يَخَافُ الْهَلاَكَ مِنَ الْعَطَشِ أَنْ يُقَاتِل صَاحِبَ الْمَاءِ بِالسِّلاَحِ، بَل لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِغَيْرِ سِلاَحٍ، وَكَذَلِكَ فِي стр. 2060
الطَّعَامِ، لأَِنَّهُ مِلْكٌ مُحَرَّزٌ لِصَاحِبِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الآْخِذُ ضَامِنًا (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُقَاتِل بِالسِّلاَحِ، وَيَكُونُ دَمُ الْمَانِعِ هَدَرًا (٢) .
الاِسْتِغَاثَةُ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ:
٢٥ - لإِِغَاثَةِ مَنْ سَيَتَعَرَّضُ لِلْحَدِّ حَالَتَانِ:
الأُْولَى: قَبْل أَنْ يَصِل أَمْرُهُ إِلَى الإِْمَامِ، أَوِ الْحَاكِمِ، يُسْتَحَبُّ إِغَاثَتُهُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ وَالشَّفَاعَةِ لَهُ عِنْدَ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَعَدَمِ رَفْعِ أَمْرِهِ لِلْحَاكِمِ (٣) .
لِمَا رُوِيَ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رَجُلاً سَرَقَ بُرْدَهُ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، قَال: فَلَوْلاَ كَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ يَا أَبَا وَهْبٍ فَقَطَعَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٤) .
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا وَصَل أَمْرُهُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَلاَ إِغَاثَةَ وَلاَ شَفَاعَةَ. لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةَ حِبُّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَل مَنْ كَانَ стр. 2061
قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا (١) .
الاِسْتِغَاثَةُ عِنْدَ الْغَصْبِ:
٢٦ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ وَالْمَسْرُوقَ مِنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغِيثَ أَوَّلاً، وَأَنْ يَدْفَعَ الصَّائِل أَوِ السَّارِقَ بِغَيْرِ الْقَتْل. فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ، أَوْ كَانَ لَيْلاً، أَوْ لَمْ يُغِثْهُ أَحَدٌ، أَوْ مَنَعَهُ الصَّائِل، أَوِ السَّارِقُ مِنْ الاِسْتِغَاثَةِ، أَوْ عَاجَلَهُ، فَلَهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ - وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً - وَلَوْ بِالْقَتْل، لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ عِرْضِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ (٢) وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى لِصًّا فَأَصْلَتَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَال: فَلَوْ تَرَكْنَاهُ لَقَتَلَهُ. وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ فَقَال: لِصٌّ دَخَل بَيْتِي وَمَعَهُ حَدِيدَةٌ، أَقْتُلُهُ؟ قَال: стр. 2062
نَعَمْ بِأَيِّ شَيْءٍ قَدَرْتَ.
٢٧ - فَإِذَا قَتَل الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ، أَوِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ السَّارِقَ بِدُونِ اسْتِغَاثَةٍ وَاسْتِعَانَةٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَإِمْكَانِ دَفْعِهِ بِمَا هُوَ دُونَ الْقَتْل، فَفِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ: يَجِبُ الْقَوَدُ.
الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَضْمَنُ الْقَاتِل، لأَِنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ الْقَتْل، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُ فَإِذَا انْدَفَعَ بِقَلِيلٍ فَلاَ يَلْزَمُ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَإِنْ ذَهَبَ مُوَلِّيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ كَأَهْل الْبَغْيِ. فَإِنْ فَعَل غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ مُتَعَدِّيًا (١) .
الاِسْتِغَاثَةُ فِي الإِْكْرَاهِ عَلَى الْفَاحِشَةِ:
٢٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِغَاثَةَ عِنْدَ الْفَاحِشَةِ عَلاَمَةٌ مِنْ عَلاَمَاتِ الإِْكْرَاهِ الَّتِي تُسْقِطُ الْحَدَّ عَنِ الْمُكْرَهَةِ الأُْنْثَى (٢) ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٣) . стр. 2063
اسْتِغْرَاق
.
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِغْرَاقُ لُغَةً: الاِسْتِيعَابُ وَالشُّمُول (١) وَاصْطِلاَحًا: هُوَ اسْتِيفَاءُ شَيْءٍ بِتَمَامِ أَجْزَائِهِ وَأَفْرَادِهِ.
٢ - وَقَدْ قَسَّمَ صَاحِبُ دُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ اسْتِغْرَاقَ اللَّفْظِ إِلَى: اسْتِغْرَاقٍ حَقِيقِيٍّ، وَاسْتِغْرَاقٍ عُرْفِيٍّ.
أ - فَالاِسْتِغْرَاقُ الْحَقِيقِيُّ: هُوَ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ كُل فَرْدٍ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، أَوِ الشَّرْعِ، أَوِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ، (٢) مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٣) .
ب - وَالاِسْتِغْرَاقُ الْعُرْفِيُّ: هُوَ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ كُل فَرْدٍ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ بِحَسَبِ مُتَفَاهَمِ الْعُرْفِ، مِثْل جَمَعَ الأَْمِيرُ الصَّاغَةَ، أَيْ كُل صَاغَةِ بَلَدِهِ. (٤)
٣ - أَمَّا الْكَفَوِيُّ (أَبُو الْبَقَاءِ) فَقَدْ قَسَّمَهُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أ - اسْتِغْرَاقٌ جِنْسِيٌّ مِثْل: لاَ رَجُل فِي الدَّارِ.
ب - اسْتِغْرَاقٌ فَرْدِيٌّ مِثْل: لاَ رَجُلٌ فِي الدَّارِ.
ج - اسْتِغْرَاقٌ عُرْفِيٌّ: وَهُوَ مَا يَكُونُ الْمَرْجِعُ فِي стр. 2064
شُمُولِهِ وَإِحَاطَتِهِ إِلَى حُكْمِ الْعُرْفِ مِثْل: جَمَعَ الأَْمِيرُ الصَّاغَةَ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الاِسْتِغْرَاقَ أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَلَى تَعْرِيفِ الْعَامِّ، فَقَالُوا: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ، أَيْ يَتَنَاوَلُهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ (٢) . وَاعْتِبَارُ الاِسْتِغْرَاقِ فِي الْعَامِّ إِنَّمَا هُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا عِنْدَ عَامَّتِهِمْ فَيَكْفِي فِي الْعُمُومِ انْتِظَامُ جَمْعٍ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرُهُ. (٣)
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الاِسْتِغْرَاقُ أَشْمَل مِنَ الْعُمُومِ. فَلَفْظُ الأَْسَدِ يَصْدُقُ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ، وَلَيْسَ بِعَامٍّ. (٤)
الأَْلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الاِسْتِغْرَاقِ:
٥ - هُنَاكَ بَعْضُ الأَْلْفَاظِ تَدُل عَلَى الاِسْتِغْرَاقِ، كَلَفْظِ كُلٍّ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ أَفْرَادِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمُنَكَّرِ، مِثْل ﴿كُل نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٥) كَمَا أَنَّهَا تُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ أَجْزَاءِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمُفْرَدِ الْمَعْرِفَةِ، نَحْوُ: كُل زَيْدٍ حَسَنٌ، أَيْ كُل أَجْزَائِهِ. (٦) كَذَلِكَ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِالأَْلِفِ وَاللاَّمِ يُفِيدُ الاِسْتِغْرَاقَ: نَحْوُ: ﴿ стр. 2065
مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا (١) .
٦ - وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي الْعُمُومِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
٧ - أَمَّا الْفُقَهَاءُ فَيَسْتَعْمِلُونَ الاِسْتِغْرَاقَ أَيْضًا بِمَعْنَى الاِسْتِيعَابِ وَالشُّمُول.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الزَّكَاةِ: اسْتِغْرَاقُ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي صَرْفِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ بَابُ الزَّكَاةِ.
اسْتِغْفَار
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِغْفَارُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ بِالْمَقَال وَالْفِعَال. (٢)
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: سُؤَال الْمَغْفِرَةِ كَذَلِكَ، وَالْمَغْفِرَةُ فِي الأَْصْل: السَّتْرُ، وَيُرَادُ بِهَا التَّجَاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ وَعَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، وَأَضَافَ بَعْضُهُمْ: إِمَّا بِتَرْكِ التَّوْبِيخِ وَالْعِقَابِ رَأْسًا، أَوْ بَعْدَ التَّقْرِيرِ بِهِ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ. (٣)
وَيَأْتِي الاِسْتِغْفَارُ بِمَعْنَى الإِْسْلاَمِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) أَيْ يُسْلِمُونَ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ. كَذَلِكَ يَأْتِي стр. 2066
الاِسْتِغْفَارُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَ التَّوْبَةِ ، وَسَتَأْتِي صِلَتُهُ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّوْبَةُ:
٢ - الاِسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رُجُوعٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، كَذَلِكَ يَشْتَرِكَانِ فِي طَلَبِ إِزَالَةِ مَا لاَ يَنْبَغِي، إِلاَّ أَنَّ الاِسْتِغْفَارَ طَلَبٌ مِنَ اللَّهِ لإِِزَالَتِهِ. وَالتَّوْبَةُ سَعْيٌ مِنَ الإِْنْسَانِ فِي إِزَالَتِهِ. (١)
وَعِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَدْخُل كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مُسَمَّى الآْخَرِ، وَعِنْدَ اقْتِرَانِهِمَا يَكُونُ الاِسْتِغْفَارُ طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا مَضَى وَالتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ وَطَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا يَخَافُهُ فِي الْمُسْتَقْبَل مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِ، فَفِي التَّوْبَةِ أَمْرَانِ لاَ بُدَّ مِنْهُمَا: مُفَارَقَةُ شَيْءٍ، وَالرُّجُوعُ إِلَى غَيْرِهِ، فَخُصَّتِ التَّوْبَةُ بِالرُّجُوعِ وَالاِسْتِغْفَارُ بِالْمُفَارَقَةِ، وَعِنْدَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا يَتَنَاوَل كُلٌّ مِنْهُمَا الآْخَرَ. (٢)
وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ يَكُونُ الاِسْتِغْفَارُ الْمَقْرُونُ بِالتَّوْبَةِ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ بِاللِّسَانِ، وَالتَّوْبَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الإِْقْلاَعِ عَنِ الذَّنْبِ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ. (٣)
ب - الدُّعَاءُ:
٣ - كُل دُعَاءٍ فِيهِ سُؤَال الْغُفْرَانِ فَهُوَ اسْتِغْفَارٌ. (٤) إِلاَّ أَنَّ بَيْنَ الاِسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ стр. 2067
وَجْهٍ، يَجْتَمِعَانِ فِي طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَيَنْفَرِدُ الاِسْتِغْفَارُ إِنْ كَانَ بِالْفِعْل لاَ بِالْقَوْل، كَمَا يَنْفَرِدُ الدُّعَاءُ إِنْ كَانَ بِطَلَبِ غَيْرِ الْمَغْفِرَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِسْتِغْفَارِ:
٤ - الأَْصْل فِي الاِسْتِغْفَارِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، (١) لِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) يُحْمَل عَلَى النَّدْبِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، لَكِنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ عَنِ النَّدْبِ إِلَى الْوُجُوبِ (٣) كَاسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَالاِسْتِغْفَارِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ (٤) .
وَقَدْ يَخْرُجُ إِلَى الْكَرَاهَةِ كَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمَيِّتِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ.
وَقَدْ يَخْرُجُ إِلَى الْحُرْمَةِ، كَالاِسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ (٥) .
الاِسْتِغْفَارُ الْمَطْلُوبُ:
٥ - الاِسْتِغْفَارُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي يُحِل عُقْدَةَ الإِْصْرَارِ، وَيَثْبُتُ مَعْنَاهُ فِي الْجَنَانِ، لاَ التَّلَفُّظُ стр. 2068
بِاللِّسَانِ، فَإِنْ كَانَ بِاللِّسَانِ - وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ - فَإِنَّهُ ذَنْبٌ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ (١) . كَمَا رُوِيَ: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ، وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ (٢)
وَيُطْلَبُ لِلْمُسْتَغْفِرِ بِلِسَانِهِ أَنْ يَكُونَ مُلاَحِظًا لِهَذِهِ الْمَعَانِي بِجِنَانِهِ، لِيَفُوزَ بِنَتَائِجِ الاِسْتِغْفَارِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ فَيَسْتَغْفِرُ بِلِسَانِهِ، وَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى مَا هُنَالِكَ، فَالْمَيْسُورُ لاَ يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ (٣) . فَإِنِ انْتَفَى الإِْصْرَارُ، وَكَانَ الاِسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ مَعَ غَفْلَةِ الْقَلْبِ، فَفِيهِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: وَصْفُهُ بِأَنَّهُ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ جَعَلُوهُ مَعْصِيَةً لاَحِقَةً بِالْكَبَائِرِ، وَقَال الآْخَرُونَ: بِأَنَّهُ لاَ جَدْوَى مِنْهُ فَقَطْ. (٤)
الثَّانِي: اعْتِبَارُهُ حَسَنَةً وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّ الاِسْتِغْفَارَ عَنْ غَفْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الصَّمْتِ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى اسْتِغْفَارٍ، لأَِنَّ اللِّسَانَ إِذَا أَلِفَ ذِكْرًا يُوشِكُ أَنْ يَأْلَفَهُ الْقَلْبُ فَيُوَافِقُهُ стр. 2069
عَلَيْهِ، وَتَرْكُ الْعَمَل لِلْخَوْفِ مِنْهُ مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ. (١)
صِيَغُ الاِسْتِغْفَارِ:
٦ - وَرَدَ الاِسْتِغْفَارُ بِصِيَغٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْمُخْتَارُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. (٢)
٧ - وَمِنْ أَفْضَل أَنْوَاعِ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُول الْعَبْدُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. (٣) وَهَذَا عَلَى سَبِيل الْمِثَال وَلَيْسَ الْحَصْرِ كَمَا стр. 2070
أَنَّ بَعْضَ الأَْوْقَاتِ وَبَعْضَ الْعِبَادَاتِ تَخْتَصُّ بِصِيَغٍ مَأْثُورَةٍ تَكُونُ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهَا وَيَنْبَغِي التَّقَيُّدُ بِأَلْفَاظِهَا، وَمَوْطِنُ بَيَانِهَا غَالِبًا كُتُبُ السُّنَّةِ وَالأَْذْكَارِ وَالآْدَابِ، فِي أَبْوَابِ الدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ صِيَغُ الاِسْتِغْفَارِ السَّابِقَةِ مَطْلُوبَةً فَإِنَّ بَعْضَ صِيَغِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، (١) فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ (٢)
اسْتِغْفَارُ النَّبِيِّ ﷺ :
٨ - اسْتِغْفَارُ النَّبِيِّ ﵊ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَالْمُفَسِّرُونَ وُجُوهًا عَدِيدَةً فِي اسْتِغْفَارِهِ ﷺ مِنْهَا: أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مِنْ سَهْوٍ أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ ذَنْبٍ، وَإِنَّمَا كَانَ لِتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ، وَرَأْيُ السُّبْكِيِّ: أَنَّ اسْتِغْفَارَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ يَحْتَمِل إِلاَّ وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ: تَشْرِيفُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَنْبٌ، لأَِنَّهُ ﷺ следующие страницы →