Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
الاِسْتِغْفَارُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَ التَّوْبَةِ ، وَسَتَأْتِي صِلَتُهُ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّوْبَةُ:
٢ - الاِسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رُجُوعٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، كَذَلِكَ يَشْتَرِكَانِ فِي طَلَبِ إِزَالَةِ مَا لاَ يَنْبَغِي، إِلاَّ أَنَّ الاِسْتِغْفَارَ طَلَبٌ مِنَ اللَّهِ لإِِزَالَتِهِ. وَالتَّوْبَةُ سَعْيٌ مِنَ الإِْنْسَانِ فِي إِزَالَتِهِ. (١)
وَعِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَدْخُل كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مُسَمَّى الآْخَرِ، وَعِنْدَ اقْتِرَانِهِمَا يَكُونُ الاِسْتِغْفَارُ طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا مَضَى وَالتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ وَطَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا يَخَافُهُ فِي الْمُسْتَقْبَل مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِ، فَفِي التَّوْبَةِ أَمْرَانِ لاَ بُدَّ مِنْهُمَا: مُفَارَقَةُ شَيْءٍ، وَالرُّجُوعُ إِلَى غَيْرِهِ، فَخُصَّتِ التَّوْبَةُ بِالرُّجُوعِ وَالاِسْتِغْفَارُ بِالْمُفَارَقَةِ، وَعِنْدَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا يَتَنَاوَل كُلٌّ مِنْهُمَا الآْخَرَ. (٢)
وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ يَكُونُ الاِسْتِغْفَارُ الْمَقْرُونُ بِالتَّوْبَةِ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ بِاللِّسَانِ، وَالتَّوْبَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الإِْقْلاَعِ عَنِ الذَّنْبِ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ. (٣)
ب - الدُّعَاءُ:
٣ - كُل دُعَاءٍ فِيهِ سُؤَال الْغُفْرَانِ فَهُوَ اسْتِغْفَارٌ. (٤) إِلاَّ أَنَّ بَيْنَ الاِسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ стр. 2067
وَجْهٍ، يَجْتَمِعَانِ فِي طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَيَنْفَرِدُ الاِسْتِغْفَارُ إِنْ كَانَ بِالْفِعْل لاَ بِالْقَوْل، كَمَا يَنْفَرِدُ الدُّعَاءُ إِنْ كَانَ بِطَلَبِ غَيْرِ الْمَغْفِرَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِسْتِغْفَارِ:
٤ - الأَْصْل فِي الاِسْتِغْفَارِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، (١) لِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) يُحْمَل عَلَى النَّدْبِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، لَكِنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ عَنِ النَّدْبِ إِلَى الْوُجُوبِ (٣) كَاسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَالاِسْتِغْفَارِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ (٤) .
وَقَدْ يَخْرُجُ إِلَى الْكَرَاهَةِ كَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمَيِّتِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ.
وَقَدْ يَخْرُجُ إِلَى الْحُرْمَةِ، كَالاِسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ (٥) .
الاِسْتِغْفَارُ الْمَطْلُوبُ:
٥ - الاِسْتِغْفَارُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي يُحِل عُقْدَةَ الإِْصْرَارِ، وَيَثْبُتُ مَعْنَاهُ فِي الْجَنَانِ، لاَ التَّلَفُّظُ стр. 2068
بِاللِّسَانِ، فَإِنْ كَانَ بِاللِّسَانِ - وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ - فَإِنَّهُ ذَنْبٌ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ (١) . كَمَا رُوِيَ: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ، وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ (٢)
وَيُطْلَبُ لِلْمُسْتَغْفِرِ بِلِسَانِهِ أَنْ يَكُونَ مُلاَحِظًا لِهَذِهِ الْمَعَانِي بِجِنَانِهِ، لِيَفُوزَ بِنَتَائِجِ الاِسْتِغْفَارِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ فَيَسْتَغْفِرُ بِلِسَانِهِ، وَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى مَا هُنَالِكَ، فَالْمَيْسُورُ لاَ يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ (٣) . فَإِنِ انْتَفَى الإِْصْرَارُ، وَكَانَ الاِسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ مَعَ غَفْلَةِ الْقَلْبِ، فَفِيهِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: وَصْفُهُ بِأَنَّهُ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ جَعَلُوهُ مَعْصِيَةً لاَحِقَةً بِالْكَبَائِرِ، وَقَال الآْخَرُونَ: بِأَنَّهُ لاَ جَدْوَى مِنْهُ فَقَطْ. (٤)
الثَّانِي: اعْتِبَارُهُ حَسَنَةً وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّ الاِسْتِغْفَارَ عَنْ غَفْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الصَّمْتِ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى اسْتِغْفَارٍ، لأَِنَّ اللِّسَانَ إِذَا أَلِفَ ذِكْرًا يُوشِكُ أَنْ يَأْلَفَهُ الْقَلْبُ فَيُوَافِقُهُ стр. 2069
عَلَيْهِ، وَتَرْكُ الْعَمَل لِلْخَوْفِ مِنْهُ مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ. (١)
صِيَغُ الاِسْتِغْفَارِ:
٦ - وَرَدَ الاِسْتِغْفَارُ بِصِيَغٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْمُخْتَارُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. (٢)
٧ - وَمِنْ أَفْضَل أَنْوَاعِ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُول الْعَبْدُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. (٣) وَهَذَا عَلَى سَبِيل الْمِثَال وَلَيْسَ الْحَصْرِ كَمَا стр. 2070
أَنَّ بَعْضَ الأَْوْقَاتِ وَبَعْضَ الْعِبَادَاتِ تَخْتَصُّ بِصِيَغٍ مَأْثُورَةٍ تَكُونُ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهَا وَيَنْبَغِي التَّقَيُّدُ بِأَلْفَاظِهَا، وَمَوْطِنُ بَيَانِهَا غَالِبًا كُتُبُ السُّنَّةِ وَالأَْذْكَارِ وَالآْدَابِ، فِي أَبْوَابِ الدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ صِيَغُ الاِسْتِغْفَارِ السَّابِقَةِ مَطْلُوبَةً فَإِنَّ بَعْضَ صِيَغِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، (١) فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ (٢)
اسْتِغْفَارُ النَّبِيِّ ﷺ :
٨ - اسْتِغْفَارُ النَّبِيِّ ﵊ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَالْمُفَسِّرُونَ وُجُوهًا عَدِيدَةً فِي اسْتِغْفَارِهِ ﷺ مِنْهَا: أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مِنْ سَهْوٍ أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ ذَنْبٍ، وَإِنَّمَا كَانَ لِتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ، وَرَأْيُ السُّبْكِيِّ: أَنَّ اسْتِغْفَارَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ يَحْتَمِل إِلاَّ وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ: تَشْرِيفُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَنْبٌ، لأَِنَّهُ ﷺ стр. 2071
لاَ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. (١)
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ سَبْعِينَ مَرَّةً، وَمِائَةَ مَرَّةٍ، (٢) بَل كَانَ أَصْحَابُهُ يَعُدُّونَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ قَبْل أَنْ يَقُومَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ مِائَةَ مَرَّةٍ. (٣)
الاِسْتِغْفَارُ فِي الطَّهَارَةِ:
أَوَّلاً: الاِسْتِغْفَارُ عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلاَءِ:
٩ - يُنْدَبُ الاِسْتِغْفَارُ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلاَءِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ قَال: غُفْرَانَكَ. (٤) وَوَجْهُ سُؤَال الْمَغْفِرَةِ هُنَا كَمَا قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ - هُوَ стр. 2072
الْعَجْزُ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ فِي تَيْسِيرِ الْغِذَاءِ، وَإِيصَال مَنْفَعَتِهِ، وَإِخْرَاجِ فَضْلَتِهِ. (١)
ثَانِيًا: الاِسْتِغْفَارُ بَعْدَ الْوُضُوءِ:
١٠ - يُسَنُّ الاِسْتِغْفَارُ ضِمْنَ الذِّكْرِ الْوَارِدِ عِنْدَ إِتْمَامِ الْوُضُوءِ (٢) رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ تَوَضَّأَ فَقَال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، كُتِبَ فِي رَقٍّ، ثُمَّ جُعِل فِي طَابَعٍ، فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٣)
وَقَدْ وَرَدَتْ صِيَغٌ أُخْرَى تَتَضَمَّنُ الاِسْتِغْفَارَ عَقِبَ الاِنْتِهَاءِ مِنَ الْوُضُوءِ وَأَثْنَاءَهُ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ.
الاِسْتِغْفَارُ عِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ:
١١ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، الاِسْتِغْفَارُ عِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ стр. 2073
مِنْهُ (١) . لِمَا وَرَدَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ إِذَا دَخَل الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَال: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَال: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ (٢)
وَالْوَارِدُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُول عِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَعِنْدَ خُرُوجِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ (٣)
الاِسْتِغْفَارُ فِي الصَّلاَةِ:
أَوَّلاً - الاِسْتِغْفَارُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلاَةِ:
١٢ - جَاءَ الاِسْتِغْفَارُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي دُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ فِي الصَّلاَةِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ مُطْلَقًا، وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي صَلاَةِ اللَّيْل، (٤) مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ стр. 2074
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. (١)
وَيُكْرَهُ الاِفْتِتَاحُ فِي الْمَكْتُوبَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢)
وَمَحَل الاِسْتِغْفَارِ فِي دُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي سُنَنِ الصَّلاَةِ، أَوْ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ.
ثَانِيًا: الاِسْتِغْفَارُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ:
١٣ يُسَنُّ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ فِي الرُّكُوعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُول فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي (٣) يَتَأَوَّل الْقُرْآنَ، أَيْ يُحَقِّقُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ لِلْمُنْفَرِدِ، وَلإِِمَامِ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَضُوا بِالتَّطْوِيل. وَلاَ يَأْتِي بِغَيْرِ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُجِيزُونَ الاِسْتِغْفَارَ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ (٥) . стр. 2075
١٤ - وَفِي السُّجُودِ يُنْدَبُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ (١) . .
١٥ - وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ يُسَنُّ الاِسْتِغْفَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالأَْصْل فِي هَذَا مَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَقُول بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي. (٢)
وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الاِسْتِغْفَارُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ صَلاَتَهُ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ قَوْل إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ، وَأَقَلُّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَقَل الْكَمَال ثَلاَثٌ، وَالْكَمَال لِلْمُنْفَرِدِ مَا لاَ يُخْرِجُهُ إِلَى السَّهْوِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ: مَا لاَ يَشُقُّ عَلَى الْمُصَلِّينَ. (٣)
الاِسْتِغْفَارُ فِي الْقُنُوتِ:
١٦ - جَاءَ الاِسْتِغْفَارُ فِي أَلْفَاظِ الْقُنُوتِ، قُنُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وَقُنُوتِ عُمَرَ، وَأَلْفَاظُهُ كَبَقِيَّةِ الأَْلْفَاظِ الْوَارِدَةِ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى أَمْرٍ يَخُصُّهُ، إِلاَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ стр. 2076
وَالْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالْمَغْفِرَةِ يَقُومُ مَقَامَ الْقُنُوتِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ (١) .
الاِسْتِغْفَارُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ:
١٧ - يُنْدَبُ الاِسْتِغْفَارُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ (٢) ، وَرَدَ فِي السُّنَّةِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. كَذَلِكَ وَرَدَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ (٤)
الاِسْتِغْفَارُ عَقِبَ الصَّلاَةِ:
١٨ - يُسَنُّ الاِسْتِغْفَارُ عَقِبَ الصَّلاَةِ ثَلاَثًا، (٥) لِمَا стр. 2077
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: مَنْ قَال أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَدِ الْبَحْرِ (١) وَوَرَدَتْ رِوَايَاتٌ أُخْرَى يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي الذِّكْرِ الْوَارِدِ عَقِبَ الصَّلاَةِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : مَنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي دُبُرِ كُل صَلاَةٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَقَال: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ (٢)
الاِسْتِغْفَارُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ:
١٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْصُل الاِسْتِسْقَاءُ بِالاِسْتِغْفَارِ وَحْدَهُ (٣) . غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ стр. 2078
يُقْصِرُهُ عَلَى ذَلِكَ (١) ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٢) لأَِنَّ الآْيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الاِسْتِغْفَارَ وَسِيلَةٌ لِلسُّقْيَا. بِدَلِيل ﴿يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ وَلَمْ تَزِدِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الاِسْتِغْفَارِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الاِسْتِسْقَاءِ وَلَمْ يُصَل بِجَمَاعَةٍ، بَل صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: مَا اسْتَسْقَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَال: لَقَدِ اسْتَسْقَيْتُ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي بِهَا يُسْتَنْزَل الْغَيْثُ (٣) .
٢٠ - وَبَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْقَائِلُونَ بِنَدْبِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ وَالْخُطْبَتَيْنِ، أَوِ الْخُطْبَةِ الْوَاحِدَةِ، يُسَنُّ عِنْدَهُمْ الإِْكْثَارُ مِنْ الاِسْتِغْفَارِ فِي الْخُطْبَةِ، وَتُبَدَّل تَكْبِيرَاتُ الاِفْتِتَاحِ الَّتِي فِي خُطْبَتَيِ الْعِيدَيْنِ بِالاِسْتِغْفَارِ فِي خُطْبَتَيْ الاِسْتِسْقَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَصِيغَتُهُ كَمَا أَوْرَدَهَا النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ " أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ (٤) ".
وَيُكَبَّرُ كَخُطْبَتَيِ الْعِيدَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٥) ، وَنَفَى стр. 2079
الْحَنَفِيَّةُ التَّكْبِيرَ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلاِسْتِغْفَارِ فِي الْخُطْبَةِ (١) .
الاِسْتِغْفَارُ لِلأَْمْوَاتِ:
٢١ - الاِسْتِغْفَارُ عِبَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ يَصِحُّ فِعْلُهَا لِلْمَيِّتِ (٢) . وَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ الاِسْتِغْفَارُ لِلأَْمْوَاتِ، فَفِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَرَدَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ، لَكِنْ لاَ يُسْتَغْفَرُ لِصَبِيٍّ وَنَحْوِهِ (٣) .
وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ.
وَعَقِبَ الدَّفْنِ يُنْدَبُ أَنْ يَقِفَ جَمَاعَةٌ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمَيِّتِ، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ فِي سُؤَال مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُثْمَانَ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَفَنَ الرَّجُل وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَال: اسْتَغْفِرُوا لأَِخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثَبُّتَ فَإِنَّهُ الآْنَ يُسْأَل (٤) وَصَرَّحَ بِذَلِكَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٥) .
٢٢ - وَمِنْ آدَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، стр. 2080
وَالشَّافِعِيَّةِ، الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لأَِهْلِهَا عَقِبَ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ (١) .
٢٣ - وَهَذَا كُلُّهُ يَخُصُّ الْمُؤْمِنَ، أَمَّا الْكَافِرُ الْمَيِّتُ فَيَحْرُمُ الاِسْتِغْفَارُ لَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالإِْجْمَاعِ (٢) .
الاِسْتِغْفَارُ عَنِ الْغِيبَةِ:
٢٤ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِّ الَّذِي اغْتَابَ، هَل يَلْزَمُهُ اسْتِحْلاَل مَنِ اُغْتِيبَ، مَعَ الاِسْتِغْفَارِ لَهُ، أَمْ يَكْفِيهِ الاِسْتِغْفَارُ؟ .
الأَْوَّل: إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَنِ اُغْتِيبَ فَيَكْفِي الاِسْتِغْفَارُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَلأَِنَّ إِعْلاَمَهُ رُبَّمَا يَجُرُّ فِتْنَةً، وَفِي إِعْلاَمِهِ إِدْخَال غَمٍّ عَلَيْهِ. لِمَا رَوَى الْخَلاَّل بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا كَفَّارَةُ مَنِ اُغْتِيبَ أَنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ (٣) . فَإِنْ عَلِمَ فَلاَ بُدَّ مِنِ اسْتِحْلاَلِهِ مَعَ الاِسْتِغْفَارِ لَهُ.
الثَّانِي: يَكْفِي الاِسْتِغْفَارُ سَوَاءٌ عَلِمَ الَّذِي اُغْتِيبَ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلاَ يَجِبُ اسْتِحْلاَلُهُ، وَهُوَ قَوْل الطَّحَاوِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِحْلاَل الْمُغْتَابِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَوْ أَحَدًا مِنْ وَرَثَتِهِ стр. 2081
رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَل فَقَدْ خَانَهُمْ (١)
الاِسْتِغْفَارُ لِلْكَافِرِ:
٢٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِغْفَارَ لِلْكَافِرِ مَحْظُورٌ، بَل بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَقَال: إِنَّ الاِسْتِغْفَارَ لِلْكَافِرِ يَقْتَضِي كُفْرَ مَنْ فَعَلَهُ، لأَِنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ الَّتِي تَدُل عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّارِ.
٢٧ - وَأَمَّا مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْكَافِرِ الْحَيِّ رَجَاءَ أَنْ يُؤْمِنَ فَيُغْفَرَ لَهُ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ، وَجَوَّزَ الْحَنَابِلَةُ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ، وَلاَ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَذَلِكَ اسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الدُّعَاءِ لأَِطْفَال الْكُفَّارِ بِالْمَغْفِرَةِ، لأَِنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الآْخِرَةِ (٢) .
تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِالاِسْتِغْفَارِ:
٢٨ - الاِسْتِغْفَارُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى التَّوْبَةِ فَإِنَّهُ يُرْجَى أَنْ стр. 2082
يُكَفَّرَ بِهِ الذُّنُوبُ إِنْ تَوَافَرَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّوْبَةِ، يَقُول اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) وَيَقُول ﷺ رَسُول اللَّهِ: مَنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي دُبُرِ كُل صَلاَةٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَقَال: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ (٢) وَقَدْ قِيل: لاَ صَغِيرَةَ مَعَ الإِْصْرَارِ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ الاِسْتِغْفَارِ فَالْمُرَادُ بِالاِسْتِغْفَارِ هُنَا التَّوْبَةُ. (٣)
٢٩ - فَإِنْ كَانَ الاِسْتِغْفَارُ عَلَى وَجْهِ الاِفْتِقَارِ وَالاِنْكِسَارِ دُونَ تَحَقُّقِ التَّوْبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: إِنَّهُ يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ دُونَ الْكَبَائِرِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ تُغْفَرُ بِهِ الذُّنُوبُ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، وَهُوَ مَا صَرَّحَتْ بِهِ بَعْضُ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ. (٤) لِقَوْلِهِ ﷺ : الاِسْتِغْفَارُ مِمْحَاةٌ لِلذُّنُوبِ (٥) . стр. 2083
الاِسْتِغْفَارُ عِنْدَ النَّوْمِ:
٣٠ - يُسْتَحَبُّ الاِسْتِغْفَارُ عِنْدَ النَّوْمِ مَعَ بَعْضِ الأَْدْعِيَةِ الأُْخْرَى، لِيَكُونَ الاِسْتِغْفَارُ خَاتِمَةَ عَمَلِهِ إِذَا رُفِعَتْ رُوحُهُ، (١) رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: مَنْ قَال حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَدِ الْبَحْرِ (٢) .
الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْمُشَمِّتِ:
٣١ - يُسَنُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَدْعُوَ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَنْ شَمَّتَهُ بِقَوْلِهِ: " يَرْحَمُكَ اللَّهُ " فَيَقُول لَهُ الْعَاطِسُ: " يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ " أَوْ يَقُول لَهُ: " يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ (٣) " أَوْ يَقُول: " يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ "، لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا عَطَسَ فَقِيل لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَال: يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ (٤) . стр. 2084
اخْتِتَامُ الأَْعْمَال بِالاِسْتِغْفَارِ:
٣٢ - الْمُتَتَبِّعُ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالأَْذْكَارِ النَّبَوِيَّةِ يَجِدُ اخْتِتَامَ كَثِيرٍ مِنَ الأَْعْمَال بِالاِسْتِغْفَارِ، فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ بِالاِسْتِغْفَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١) .
٣٣ - وَفِي اخْتِتَامِ الصَّلاَةِ، وَتَمَامِ الْوُضُوءِ يُنْدَبُ الاِسْتِغْفَارُ كَمَا تَقَدَّمَ (٢) .
٣٤ - وَالاِسْتِغْفَارُ فِي نِهَايَةِ الْمَجْلِسِ كَفَّارَةٌ لِمَا يَقَعُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ لَغَطٍ، رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَال قَبْل أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ (٣) .
٣٥ - وَمِنْ آكِدِ أَوْقَاتِ الاِسْتِغْفَارِ: السَّحَرُ (آخَرُ اللَّيْل) (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبِالأَْسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٥) وَلِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: يَنْزِل رَبُّنَا ﵎ كُل لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ стр. 2085
اللَّيْل الأَْخِيرِ، فَيَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ . (١)
اسْتِغْلاَل
اُنْظُرْ: اسْتِثْمَار
اسْتِفَاضَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِفَاضَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَفَاضَ. يُقَال: اسْتَفَاضَ الْحَدِيثُ وَالْخَبَرُ وَفَاضَ بِمَعْنَى: ذَاعَ وَانْتَشَرَ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الاِسْتِفَاضَةُ مُسْتَنَدٌ لِلشَّهَادَةِ، يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا الشَّاهِدُ فِي شَهَادَتِهِ، فَتَقُومُ مَقَامَ الْمُعَايَنَةِ فِي أُمُورٍ стр. 2086
مُعَيَّنَةٍ يَأْتِي بَيَانُهَا. وَلِذَلِكَ يُطْلِقُ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ " الشَّهَادَةَ بِالاِسْتِفَاضَةِ " وَيُطْلِقُونَ عَلَيْهَا أَيْضًا " الشَّهَادَةَ بِالسَّمَاعِ " أَوْ بِالتَّسَامُعِ، أَوْ بِالشُّهْرَةِ، أَوْ بِالاِشْتِهَارِ، وَهُمْ فِي كُل ذَلِكَ يَقْصِدُونَ الشَّهَادَةَ بِسَمَاعِ مَا شَاعَ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ النَّاسِ.
وَيَقُول عَنْهَا ابْنُ عَرَفَةَ الْمَالِكِيُّ: " شَهَادَةُ السَّمَاعِ " لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ فِيهِ بِإِسْنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ (١) . وَيَقُول عَنْهَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الشُّهْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ (٢) .
٣ - هَذَا وَإِنَّ شَهَادَةَ الاِسْتِفَاضَةِ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى الاِشْتِهَارِ، كَالْمَوْتِ، وَالنِّكَاحِ، وَالنَّسَبِ، لأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ غَالِبًا بِدُونِ الاِسْتِفَاضَةِ، وَلأَِنَّهُ يَخْتَصُّ بِمُعَايَنَةِ أَسْبَابِهَا خَوَاصُّ مِنَ النَّاسِ، فَلَوْ لَمْ تُقْبَل فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ لأََدَّى إِلَى الْحَرَجِ وَتَعْطِيل الأَْحْكَامِ، كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ.
٤ - وَالْفُقَهَاءُ جَمِيعًا مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِالاِسْتِفَاضَةِ (٣) . إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي أُمُورٍ:
٥ - أ - شَرْطُ التَّسَامُعِ. وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ مِنْ جَمَاعَةٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقِيل: يَكْفِي رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَهُوَ قَوْل الْخَصَّافِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (٤) . مَعَ стр. 2087
تَفْصِيلٍ لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي (شَهَادَة) .
٦ - ب - الأُْمُورُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ فِي جَوَازِهَا: فِي الْمَوْتِ، وَالنِّكَاحِ، وَالنَّسَبِ، وَعَدَّ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَشَرَةَ أُمُورٍ تَجُوزُ فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالاِسْتِفَاضَةِ، وَفِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَمِثْلُهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَقَدْ تَوَسَّعَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَعَدُّوا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً تَثْبُتُ بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي، كَالْمِلْكِ، وَالْوَقْفِ، وَعَزْل الْقَاضِي، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيل، وَالْكُفْرِ، وَالإِْسْلاَمِ، وَالسَّفَهِ، وَالرُّشْدِ، وَالْهَيْئَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوِلاَدَةِ، وَالْحِرَابَةِ (١) . وَغَيْرِ ذَلِكَ (ر: شَهَادَةٌ) .
٧ - ج - وَهَل إِذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ بَنَى شَهَادَتَهُ عَلَى السَّمَاعِ تُقْبَل أَوْ تُرَدُّ؟ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَة) كَذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الْمُسْتَفِيضُ
٨ - الْحَدِيثُ الْمُسْتَفِيضُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْحَدِيثِ (الْمَشْهُورِ) وَهُوَ مِنَ الآْحَادِ، إِلاَّ أَنَّهُ مِمَّا يُقَيَّدُ بِهِ الْمُطْلَقُ، يُخَصَّصُ بِهِ الْعَامُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَتَعْرِيفُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوْ يَرْوِيهِ عَنِ الصَّحَابِيِّ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ، ثُمَّ يَنْتَشِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَرْوِيهِ قَوْمٌ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ. وَيُفِيدُ الْيَقِينَ، وَلَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِمَّا لاَ يُفِيدُهُ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ.
وَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ: كُل حَدِيثٍ لاَ يَقِل عَدَدُ رُوَاتِهِ عَنْ ثَلاَثَةٍ فِي أَيِّ طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ السَّنَدِ، وَلَمْ стр. 2088
يَبْلُغْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ (١) .
٩ - وَأَمَّا ذُيُوعُ الْحَدَثِ، كَرُؤْيَةِ الْهِلاَل فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لُزُومُ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ، وَوُجُوبُ الْفِطْرِ فِي أَوَّل شَوَّالٍ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوْطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
١٠ - مَوَاطِنُ الْبَحْثِ فِي الاِسْتِفَاضَةِ يُنْظَرُ فِي الشَّهَادَةِ بِالاِسْتِفَاضَةِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَفِي الصَّوْمِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلاَل، وَيُرْجَعُ إِلَى الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ الْمُسْتَفِيضِ.
اسْتِفْتَاء
اُنْظُرْ: فَتْوَى
اسْتِفْتَاح
التَّعْرِيفُ:
الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ:
١ - الاِسْتِفْتَاحُ: طَلَبُ الْفَتْحِ، وَالْفَتْحُ نَقِيضُ الإِْغْلاَقِ. وَمِنْهُ فَتَحَ الْبَابَ، وَاسْتَفْتَحَهُ: إِذَا طَرَقَهُ لِيُفْتَحَ لَهُ. стр. 2089
وَيَكُونُ الْفَتْحُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (١) ﴾ .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ حَتَّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُول لِزَوْجِهَا: تَعَال أُفَاتِحْكَ، أَيْ أُحَاكِمْكَ (٢) . وَالاِسْتِفْتَاحُ طَلَبُ الْقَضَاءِ.
وَيَكُونُ الْفَتْحُ بِمَعْنَى النَّصْرِ، وَاسْتَفْتَحَ: طَلَبَ النَّصْرَ. وَمِنْهُ الآْيَةُ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ . (٣)
وَفِي تَاجِ الْعَرُوسِ: فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى مَا قَالَهُ الْفَيْرُوزَ آبَادِيُّ: إِنَّ فَتَحَ عَلَيْهِ يَكُونُ بِمَعْنَى عَرَّفَهُ وَعَلَّمَهُ. قَال: وَقَدْ فُسِّرَ بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ (٤)
الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ:
٢ - يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الاِسْتِفْتَاحَ بِمَعَانٍ:
الأَْوَّل: اسْتِفْتَاحُ الصَّلاَةِ، وَهُوَ الذِّكْرُ стр. 2090
الَّذِي تُبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ.
وَقَدْ يُقَال لَهُ: دُعَاءُ الاِسْتِفْتَاحِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ أَوَّل مَا يَقُولُهُ الْمُصَلِّي بَعْدَ التَّكْبِيرِ، فَهُوَ يَفْتَتِحُ بِهِ صَلاَتَهُ، أَيْ يَبْدَؤُهَا بِهِ.
الثَّانِي: اسْتِفْتَاحُ الْقَارِئِ إِذَا اُرْتُجَّ عَلَيْهِ، أَيْ اُسْتُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُ الْقِرَاءَةِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا، فَهُوَ يُعِيدُ الآْيَةَ وَيُكَرِّرُهَا لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُهُ.
الثَّالِثُ: طَلَبُ النُّصْرَةِ.
اسْتِفْتَاحُ الصَّلاَةِ:
٣ - يُعَبِّرُ عَنْهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ، وَبِالاِفْتِتَاحِ، وَبِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ. إِلاَّ أَنَّ الأَْكْثَرَ يَقُولُونَ: الاِسْتِفْتَاحُ. وَاسْتَفْتَحَ: أَيْ قَال الذِّكْرَ الْوَارِدَ فِي مَوْضِعِهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الثَّنَاءُ:
٤ - الثَّنَاءُ لُغَةً: الْمَدْحُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَصْفًا لَهُ بِأَوْصَافِهِ الْحَمِيدَةِ، وَشُكْرًا لَهُ عَلَى نِعَمِهِ الْجَلِيلَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِالصِّيغَةِ الْوَارِدَةِ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . إِلَخْ "، أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يَدُل عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ. أَمَّا الدُّعَاءُ فَلَيْسَ ثَنَاءً. وَهَذَا هُوَ الْجَارِي مَعَ الاِسْتِعْمَال اللُّغَوِيِّ.
وَفِي اصْطِلاَحٍ آخَرَ: الثَّنَاءُ لِكُل مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ وَلَوْ كَانَ دُعَاءً. قَال الإِْمَامُ الرَّافِعِيُّ: وَكُل وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ، أَعْنِي " وَجَّهْتُ وَجْهِي. . . " стр. 2091
وَسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ. . . " يُسَمَّى دُعَاءَ الاِسْتِفْتَاحِ وَثَنَاءَهُ (١) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَالاِسْتِفْتَاحُ أَخَصُّ مِنَ الثَّنَاءِ.
حُكْمُ الاِسْتِفْتَاحِ:
٥ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الاِسْتِفْتَاحُ سُنَّةٌ، لِمَا وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ الَّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي الصِّيَغِ الْمَأْثُورَةِ فِي الاِسْتِفْتَاحِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ إِلَى وُجُوبِ الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ ثَنَاءٌ، كَالاِسْتِفْتَاحِ بِنَحْوِ " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . " وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ بَطَّةَ وَغَيْرِهِ، وَذُكِرَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ (٢) .
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: كَانَ مَالِكٌ لاَ يَرَى هَذَا الَّذِي يَقُول النَّاسُ " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ ". وَكَانَ لاَ يَعْرِفُهُ. ثُمَّ نَقَل مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِسَنَدِهِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣) : قَال: وَقَال مَالِكٌ: مَنْ كَانَ وَرَاءَ الإِْمَامِ، وَمَنْ هُوَ وَحْدَهُ، وَمَنْ كَانَ إِمَامًا فَلاَ يَقُل: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ. . . إِلَخْ ". وَلَكِنْ يُكَبِّرُونَ ثُمَّ стр. 2092
يَبْتَدِئُونَ الْقِرَاءَةَ (١) .
وَقَدْ صَرَّحَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْحُكْمَ كَرَاهَةُ الْفَصْل بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِدُعَاءٍ. سَوَاءٌ أَكَانَ دُعَاءَ الاِسْتِفْتَاحِ أَوْ غَيْرَهُ. إِلاَّ أَنَّ فِي كِفَايَةِ الطَّالِبِ: أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ قَال: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ الْفَصْل بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . إِلَخْ ". وَقَال الْعَدَوِيُّ مُعَلِّقًا عَلَى ذَلِكَ: فِي قَوْلِهِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْل لِمَالِكٍ " إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ مَشْهُورًا عَنْهُ (٢) .
ثُمَّ قَدْ جَاءَ فِي جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل تَعْلِيقًا عَلَى قَوْل خَلِيلٍ بِالْكَرَاهَةِ: أَيْ يُكْرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِلْعَمَل، وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِهِ - يَعْنِي مَا قَالَهُ الدُّسُوقِيُّ: لأَِنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلٌ - ثُمَّ قَال: وَعَنْ مَالِكٍ نَدْبُ قَوْلِهِ قَبْلَهَا - أَيْ قَبْل تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ -: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . إِلَخْ، وَجَّهْتُ وَجْهِي. . . إِلَخْ، اللَّهُمَّ بَاعِدْ. . . إِلَخْ. قَال ابْنُ حَبِيبٍ: يَقُولُهُ بَعْدَ الإِْقَامَةِ وَقَبْل الإِْحْرَامِ. قَال فِي الْبَيَانِ: وَذَلِكَ حَسَنٌ (٣) . . اهـ. وَكَذَلِكَ نَقَل الرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَهُ: لاَ يُسْتَفْتَحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ إِلاَّ بِالْفَاتِحَةِ، وَالدُّعَاءُ وَالتَّعَوُّذُ يُقَدِّمُهُمَا عَلَى التَّكْبِيرِ (٤) . فَكَأَنَّ خِلاَفَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الاِسْتِفْتَاحِ رَاجِعٌ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَعِنْدَهُمْ يَكُونُ قَبْل التَّكْبِيرِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ بَعْدَهُ (٥) . стр. 2093
هَذَا وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ حَالَةَ خَشْيَةِ خُرُوجِ الْوَقْتِ قَبْل تَمَامِ الصَّلاَةِ، فَلاَ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ إلاَّ حَيْثُ لَمْ يَخَفْ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنَ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا، فَإِنْ خَافَ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنَ الصَّلاَةِ عَنِ الْوَقْتِ حَرُمَ الإِْتْيَانُ بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ. وَهُوَ فِي هَذَا مُخَالِفٌ لِبَقِيَّةِ سُنَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ السُّنَنَ يَأْتِي بِهَا إِذَا أَحْرَمَ فِي وَقْتٍ يَسَعُهَا وَإِنْ لَزِمَ صَيْرُورَتُهَا قَضَاءً، قَال الشَّبْرَامَلُّسِيُّ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الاِفْتِتَاحِ وَبَقِيَّةِ السُّنَنِ بِأَنَّهُ عَهِدَ طَلَبَ تَرْكِ دُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ فِي الْجِنَازَةِ، وَفِيمَا لَوْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوِ اعْتِدَالٍ، فَانْحَطَّتْ رُتْبَتُهُ عَنْ بَقِيَّةِ السُّنَنِ. أَوْ بِأَنَّ السُّنَنَ شُرِعَتْ مُسْتَقِلَّةً وَلَيْسَتْ مُقَدِّمَةً لِشَيْءٍ، بِخِلاَفِ دُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ مُقَدِّمَةً لِغَيْرِهِ، يَعْنِي لِلْقِرَاءَةِ.
قَالُوا: وَلَوْ خَشِيَ إنِ اشْتَغَل بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ فَوْتَ الصَّلاَةِ لِهُجُومِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ فِيهَا، أَوْ خَشِيَتْ طُرُوَّ دَمِ الْحَيْضِ، فَلاَ يُشْتَغَل بِهِ كَذَلِكَ (١) .
صِيَغُ الاِسْتِفْتَاحِ الْمَأْثُورَةِ:
٦ - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتِفْتَاحُ الصَّلاَةِ بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ أَشْهُرُهَا ثَلاَثٌ:
الأُْولَى: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ " قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ قَال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، стр. 2094
وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إلَهَ غَيْرُكَ. (١) وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَفْتَحَ بِهِ (٢) .
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَذْكُرُوا فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ " وَجَل ثَنَاؤُكَ "، وَذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ. فَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي: إنْ زَادَ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَتَعَالَى جَدُّكَ " وَجَل ثَنَاؤُكَ " لاَ يُمْنَعُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ لاَ يُؤْمَرُ بِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الأَْحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ (٣) .
الثَّانِيَةُ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَال: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ - اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَِحْسَنِ الأَْخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَِحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، стр. 2095
لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. (١)
هَل يَقُول (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أَوْ (أَوَّل الْمُسْلِمِينَ) :
٧ - وَدُعَاءُ التَّوَجُّهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁، وَرَدَتْ فِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِرِوَايَتَيْنِ: الأُْولَى " وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ " وَالثَّانِيَةُ " وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ " وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَتَانِ.
فَلَوْ قَال الْمُسْتَفْتِحُ: (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) - وَهُوَ الأَْوْلَى - فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ قَال: (وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ) فَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، لأَِنَّ قَوْلَهُ هَذَا كَذِبٌ، فَلَيْسَ هُوَ أَوَّل الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ، بَل أَوَّلُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ . وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ صَلاَتَهُ لاَ تَفْسُدُ، لأَِنَّهُ تَالٍ لِلآْيَةِ وَحَاكٍ لاَ مُخْبِرٌ. стр. 2096
كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاَةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْل الْقِرَاءَةِ. فَقُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّهِ، فِي إسْكَاتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُول؟ قَال: أَقُول: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَبِالْمَاءِ وَالْبَرَدِ. (١)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الصِّيغَةِ الْمُخْتَارَةِ:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَخْتَارُونَهُ مِنَ الصِّيَغِ الْمَأْثُورَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: قَال جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ: يَسْتَفْتِحُ بِ (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . إلَخْ) (٢) مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، فَلاَ يَأْتِي بِ (وَجَّهْتُ وَجْهِي. . . إِلَخْ) (٣) وَلاَ غَيْرِهِ فِي الْفَرِيضَةِ. (٤)
الثَّانِي: مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُعْتَمَدِهِمْ، وَقَوْل الآْجُرِّيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: اخْتِيَارُ الاِسْتِفْتَاحِ بِمَا فِي خَبَرِ عَلِيٍّ " وَجَّهْتُ وَجْهِي. . . ".
قَال النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَاَلَّذِي يَلِي هَذَا الاِسْتِفْتَاحَ فِي الْفَضْل حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي " اللَّهُمَّ بَاعِدْ. . . إِلَخْ ". (٥) стр. 2097
الثَّالِثُ: مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، مِنْهُمْ أَبُو إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْوَزِيرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ الْوَارِدَتَيْنِ " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . " " وَوَجَّهْتُ وَجْهِي. . . " وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ إلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ هَذَا، وَقَدِ اسْتَحَبَّ النَّوَوِيُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الاِسْتِفْتَاحُ بِمَجْمُوعِ الصِّيَغِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا لِمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا، وَلِلإِْمَامِ إِذَا أَذِنَ لَهُ الْمَأْمُومُونَ (١) وَجَمِيعُ الآْرَاءِ السَّابِقَةِ إنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرِيضَةِ.
أَمَّا فِي النَّافِلَةِ، وَخَاصَّةً فِي صَلاَةِ اللَّيْل، فَقَدِ اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّنَاءِ وَدُعَاءِ التَّوَجُّهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لِحَمْل مَا وَرَدَ مِنَ الأَْخْبَارِ عَلَيْهَا، فَيَقُولُهُ - أَيِ التَّوَجُّهَ - فِي صَلاَةِ اللَّيْل، لأَِنَّ الأَْمْرَ فِيهَا وَاسِعٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ - كَبَّرَ ثُمَّ قَال: وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ حَنِيفًا. . . (٢) وَكَذَا قَال أَحْمَدُ عَنْ سَائِرِ الأَْخْبَارِ فِي الاِسْتِفْتَاحِ سِوَى " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . " (٣) : إنَّمَا هِيَ عِنْدِي فِي التَّطَوُّعِ. (٤) стр. 2098
كَيْفِيَّةُ الإِْتْيَانِ بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ، وَمَوْضِعُهُ:
الإِْسْرَارُ بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ:
٩ - اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِسُنِّيَّةِ الاِسْتِفْتَاحِ، عَلَى أَنَّ سُنَّتَهُ أَنْ يَقُولَهُ الْمُصَلِّي سِرًّا، سَوَاءٌ أَكَانَ إمَامًا أَمْ مَأْمُومًا أَمْ مُنْفَرِدًا، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ.
وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ فِعْل عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . " فَقَدْ حَمَلَهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَصْدِ تَعْلِيمِهِ النَّاسَ. (١)
قَال النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: السُّنَّةُ فِيهِ الإِْسْرَارُ، فَلَوْ جَهَرَ بِهِ كَانَ مَكْرُوهًا، وَلاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ. (٢)
مَوْضِعُ الاِسْتِفْتَاحِ مِنَ الصَّلاَةِ:
١٠ - تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُخَالِفُونَ فِي مَوْضِعِ الاِسْتِفْتَاحِ، فَيَمْنَعُونَ وُقُوعَهُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَأَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ مِنْهُمْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ قَبْل تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ (ف ٥) .
أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ الْمَالِكِيَّةِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الاِسْتِفْتَاحَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَقَبْل التَّعَوُّذِ وَالشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ.
وَبَعْضُ مَنْ اخْتَارَ مِنْهُمْ الاِسْتِفْتَاحَ " بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . " أَجَازَ أَنْ يَقُول دُعَاءَ التَّوَجُّهِ قَبْل تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالنِّيَّةِ (ف ٥) وَقَدْ سَبَقَ стр. 2099
مَا يَتَّصِل بِمَوْضِعِ الاِسْتِفْتَاحِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الأَْمْرِ مَسْأَلَتَانِ:
الأُْولَى: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ سُنَّتُهُ أَنْ يَتَّصِل بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، بِمَعْنَى أَلاَّ يَفْصِل بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَبَيْنَ الاِسْتِفْتَاحِ تَعَوُّذٌ أَوْ دُعَاءٌ، أَوْ قِرَاءَةٌ. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ - كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيِّ - تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ فَلاَ يَفُوتُ الاِسْتِفْتَاحُ بِقَوْلِهَا، لِنُدْرَتِهَا. (١)
أَمَّا لَوْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ فَلاَ بَأْسَ (٢) . فَلَوْ كَبَّرَ، ثُمَّ تَعَوَّذَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا لَمْ يَعُدْ إلَى الاِسْتِفْتَاحِ، لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَلاَ يَتَدَارَكُهُ فِي بَاقِي الرَّكَعَاتِ.
قَال النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، وَقَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ: إِذَا تَرَكَهُ وَشَرَعَ فِي التَّعَوُّذِ يَعُودُ إلَيْهِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: لَكِنْ لَوْ خَالَفَ. وَأَتَى بِهِ بَعْدَ التَّعَوُّذِ كُرِهَ، وَلَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، لأَِنَّهُ ذِكْرٌ، كَمَا لَوْ دَعَا أَوْ سَبَّحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (٣) . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْمَعْنَى تَكْمِيلٌ وَاسْتِثْنَاءٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِفْتَاحِ الْمَسْبُوقِ.
الثَّانِيَةُ: لاَ يُشْرَعُ لِتَرْكِ الاِسْتِفْتَاحِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، أَوْ لِجَهْرِ الإِْمَامِ بِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ سُجُودُ سَهْوٍ. وَهَذَا عِنْدَ كُل مَنْ يَرَى أَنَّ الاِسْتِفْتَاحَ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ. أَمَّا مَنْ قَال بِأَنَّهُ وَاجِبٌ - كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ - فَيَنْبَغِي إِذَا نَسِيَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ. стр. 2100
وَالْعِلَّةُ لِتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّ السُّجُودَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلاَةِ، فَلاَ يَجُوزُ إلاَّ بِتَوْقِيفٍ. (١)
اسْتِفْتَاحُ الْمَأْمُومِ:
١١ - لاَ إشْكَال فِي مَشْرُوعِيَّةِ اسْتِفْتَاحِ كُلٍّ مِنَ الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، إلاَّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الإِْمَامَ يُرَاعِي مَنْ خَلْفَهُ، مِنْ حَيْثُ التَّطْوِيل وَالاِخْتِصَارُ فِيمَا يَسْتَفْتِحُ بِهِ. أَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَتَعَلَّقُ بِاسْتِفْتَاحِهِ مَسْأَلَتَانِ:
الأُْولَى: يَسْتَفْتِحُ الْمَأْمُومُ سَوَاءٌ اسْتَفْتَحَ إمَامُهُ أَمْ لَمْ يَسْتَفْتِحْ. قَال فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: تِسْعَةُ أَشْيَاءَ إِذَا لَمْ يَفْعَلْهَا الإِْمَامُ لاَ يَتْرُكْهَا الْقَوْمُ، فَذَكَرَ مِنْهَا: الاِسْتِفْتَاحَ (٢) .
وَهُوَ يُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ
الثَّانِيَةُ: إِذَا لَمْ يَسْتَفْتِحْ الْمَأْمُومُ حَتَّى شَرَعَ الإِْمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا عَلَى آرَاءٍ:
الأَْوَّل: قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَأْتِي الْمَأْمُومُ بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ إِذَا شَرَعَ الإِْمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْمَامُ يَجْهَرُ بِقِرَاءَتِهِ أَمْ يُخَافِتُ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: يَسْتَفْتِحُ الْمَأْمُومُ إنْ كَانَ الإِْمَامُ يُخَافِتُ بِقِرَاءَتِهِ (٣) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَعَلَّلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الاِسْتِمَاعَ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْجَهْرِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، بَل يُسَنُّ (٤) . стр. 2101
الثَّانِي. قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَسْتَفْتِحَ، وَلَوْ كَانَ الإِْمَامُ يَجْهَرُ وَالْمَأْمُومُ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ لِلسُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ - فَإِنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ الإِْنْصَاتُ لَهَا - وَبَيْنَ الاِفْتِتَاحِ - فَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَهُ - بِأَنَّ قِرَاءَةَ الإِْمَامِ تُعَدُّ قِرَاءَةً لِلْمَأْمُومِ، فَأَغْنَتْ عَنْ قِرَاءَتِهِ، وَسُنَّ اسْتِمَاعُهُ لَهَا، وَلاَ كَذَلِكَ الاِفْتِتَاحُ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الدُّعَاءُ لِلإِْمَامِ، وَدُعَاءُ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ لاَ يُعَدُّ دُعَاءً لِغَيْرِهِ. وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَالُوا: يُسَنُّ لَهُ الإِْسْرَاعُ بِهِ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ إمَامِهِ (١) .
الثَّالِثُ: قَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَسْتَفْتِحَ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُسِرُّ فِيهَا الإِْمَامُ، أَوِ الَّتِي فِيهَا سَكَتَاتٌ يُمْكِنُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ. وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: أَنَّ الْمَأْمُومَ يَسْتَفْتِحُ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ الإِْمَامُ يَجْهَرُ، إِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ لاَ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ.
قَالُوا: أَمَّا إنْ لَمْ يَسْكُتِ الإِْمَامُ أَصْلاً فَلاَ يَسْتَفْتِحُ الْمَأْمُومُ. وَإِنْ سَكَتَ الإِْمَامُ قَدْرًا يَتَّسِعُ لِلاِسْتِفْتَاحِ اسْتَفْتَحَ الْمَأْمُومُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مِمَّنْ يَرَى الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الإِْمَامِ اسْتَفْتَحَ (٢) .
اسْتِفْتَاحُ الْمَسْبُوقِ:
١٢ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَسْتَفْتِحُ الْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ حَال الْقِرَاءَةِ، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَفْتِحُ إنْ كَانَ الإِْمَامُ يُخَافِتُ.
ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا قَامَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ يَسْتَفْتِحُ مَرَّةً стр. 2102
أُخْرَى. وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْقِيَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ يُعْتَبَرُ كَتَحْرِيمَةٍ أُخْرَى، لِلْخُرُوجِ بِهِ مِنْ حُكْمِ الاِقْتِدَاءِ إلَى حُكْمِ الاِنْفِرَادِ (١) .
أَمَّا إنْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ فِي السَّجْدَةِ الأُْولَى مِنَ الرَّكْعَةِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى فِي الإِْتْيَانِ بِالثَّنَاءِ (الاِسْتِفْتَاحِ) ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ يُدْرِكُ الإِْمَامَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ، لإِِمْكَانِ إحْرَازِ الْفَضِيلَتَيْنِ مَعًا، فَلاَ يَفُوتُ إحْدَاهُمَا. وَمَحَل الاِسْتِفْتَاحِ هُوَ الْقِيَامُ، فَيَفْعَلُهُ فِيهِ.
أَمَّا إنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَغَل بِالاِسْتِفْتَاحِ لاَ يُدْرِكُ الإِْمَامَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرُّكُوعِ، أَوِ السَّجْدَةِ الأُْولَى مِنَ الرَّكْعَةِ، فَإِنَّهُ يَرْكَعُ، أَوْ يَسْجُدُ مَعَ الإِْمَامِ لِئَلاَّ تَفُوتَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الرَّكْعَةِ أَوِ السَّجْدَتَيْنِ، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إحْرَازِ فَضِيلَةِ الثَّنَاءِ، لأَِنَّ سُنِّيَّةَ الْجَمَاعَةِ آكَدُ وَأَقْوَى مِنْ سُنِّيَّتِهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَسْتَفْتِحُ الْمَأْمُومُ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى أَوْ غَيْرِهَا، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِهِ يُدْرِكُ الْفَاتِحَةَ قَبْل رُكُوعِ إمَامِهِ. فَإِنْ خَافَ أَلاَّ يُدْرِكَ الْفَاتِحَةَ، فَإِنَّهُ يَشْتَغِل بِهَا وَيَتْرُكُ الاِسْتِفْتَاحَ، لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ وَالاِسْتِفْتَاحُ سُنَّةٌ (٢) .
أَمَّا لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الإِْمَامَ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ: إمَّا فِي الرُّكُوعِ، وَإِمَّا فِي السُّجُودِ، وَإِمَّا فِي التَّشَهُّدِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مَعَهُ، وَيَأْتِي بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الإِْمَامُ، وَلاَ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ فِي الْحَال وَلاَ فِيمَا بَعْدُ (٣) .
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ. قَال النَّوَوِيُّ: لَوْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الْقُعُودِ الأَْخِيرِ، فَكَبَّرَ لِلإِْحْرَامِ، стр. 2103
فَسَلَّمَ الإِْمَامُ قَبْل قُعُودِهِ لاَ يَقْعُدُ، وَيَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ. فَإِنْ قَعَدَ قَبْل أَنْ يَسْتَفْتِحَ فَسَلَّمَ الإِْمَامُ فَقَامَ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ.
وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَوْ أَمَّنَ الإِْمَامُ يُؤَمِّنُ الْمَسْبُوقُ، ثُمَّ يَأْتِي بِالاِسْتِفْتَاحِ، لأَِنَّ التَّأْمِينَ فَاصِلٌ يَسِيرٌ (١) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:
إِذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الإِْمَامَ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى لَمْ يَسْتَفْتِحْ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ أَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ إمَامِهِ هُوَ آخِرُ صَلاَتِهِ لاَ أَوَّلُهَا، فَإِذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ اسْتَفْتَحَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ (٢) .
أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ إمَامِهِ هُوَ أَوَّل صَلاَتِهِ - فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِحُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ (٣) .
أَمَّا إِذَا أَدْرَكَهُ فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى، فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِفْتَاحِ الْمَأْمُومِ (ف ٩) .
الصَّلَوَاتُ الَّتِي يَدْخُلُهَا الاِسْتِفْتَاحُ وَاَلَّتِي لاَ يَدْخُلُهَا
١٣ - الاِسْتِفْتَاحُ - عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ - سُنَّةٌ فِي كُل الصَّلَوَاتِ وَفِي جَمِيعِ الأَْحْوَال. قَال النَّوَوِيُّ: الاِسْتِفْتَاحُ مُسْتَحَبٌّ لِكُل مُصَلٍّ، مِنْ إمَامٍ، وَمَأْمُومٍ، وَمُنْفَرِدٍ، وَامْرَأَةٍ، وَصَبِيٍّ، وَمُسَافِرٍ، وَمُفْتَرِضٍ، وَمُتَنَفِّلٍ، وَقَاعِدٍ، وَمُضْطَجِعٍ، وَغَيْرِهِمْ. قَال: وَيَدْخُل فِيهِ النَّوَافِل الْمُرَتَّبَةُ وَالْمُطْلَقَةُ، وَالْعِيدُ، وَالْكُسُوفُ فِي الْقِيَامِ الأَْوَّل، стр. 2104
وَالاِسْتِسْقَاءُ. (١)
غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ اسْتَثْنَى صَلاَةَ الْجِنَازَةِ. وَفِيهَا - وَفِي الاِسْتِفْتَاحِ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ، وَصَلاَةِ قِيَامِ اللَّيْل - كَلاَمٌ نُورِدُهُ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: الاِسْتِفْتَاحُ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ:
١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الاِسْتِفْتَاحِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل. قَوْل الْحَنَفِيَّةِ: إنَّ الاِسْتِفْتَاحَ فِيهَا سُنَّةٌ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى، وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، فَلاَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، إذْ لاَ تُشْرَعُ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُمْ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ. قَالُوا: إلاَّ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ بِنِيَّةِ الثَّنَاءِ، لاَ بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ.
وَقَالُوا: يُقَدَّمُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ (أَيْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى) وَالصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ (أَيْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ) عَلَى الدُّعَاءِ، لأَِنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِهِ. (٢)
وَالْقَوْل الثَّانِي، وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ صَلاَةَ الْجِنَازَةِ مُسْتَثْنَاةٌ فَلاَ يُشْرَعُ فِيهَا اسْتِفْتَاحٌ أَصْلاً، قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ عَلَى غَائِبٍ أَوْ قَبْرٍ، قَالُوا: لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالاِخْتِصَارِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا قِرَاءَةُ سُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الاِسْتِفْتَاحُ فِيهَا كَغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ (٣) . стр. 2105
ثَانِيًا: الاِسْتِفْتَاحُ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ:
١٥ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الاِسْتِفْتَاحَ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقَبْل التَّكْبِيرَاتِ الأُْخْرَى (الزَّوَائِدِ) فِي أَوَّل الرَّكْعَةِ. فَيُكَبِّرُ لِلإِْحْرَامِ، ثُمَّ يُثْنِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ التَّكْبِيرَاتِ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: يَسْتَفْتِحُ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، وَقَبْل الْقِرَاءَةِ (١) وَنَقَلَهُ الْكَاسَانِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى (٢)
ثَالِثًا: الاِسْتِفْتَاحُ فِي النَّوَافِل:
١٦ - يَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ صَلاَةَ النَّافِلَةِ إِذَا كَانَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ سَلاَمٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي التَّرَاوِيحِ، وَالضُّحَى، وَصَلاَةِ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ، إِذَا كَانَتْ أَرْبَعًا وَصَلاَّهَا بِسَلاَمَيْنِ، فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِحُ فِي كُل رَكْعَتَيْنِ عَلَى الأَْصْل، لأَِنَّ كُل رَكْعَتَيْنِ صَلاَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ: يَكْتَفِي بِاسْتِفْتَاحٍ وَاحِدٍ فِي أَوَّل صَلاَتِهِ. (٣)
وَإِنْ صَلَّى النَّافِلَةَ الرُّبَاعِيَّةَ بِسَلاَمٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إنَّ النَّافِلَةَ الرُّبَاعِيَّةَ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: شَبَّهُوهُ بِالْفَرِيضَةِ لِتَأَكُّدِهِ، وَهُوَ الأَْرْبَعُ قَبْل صَلاَةِ الظُّهْرِ، وَالأَْرْبَعُ قَبْل صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَالأَْرْبَعُ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، فَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ فِيهِ إلاَّ اسْتِفْتَاحٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، وَهُوَ مَا يَقُولُهُ فِي следующие страницы →