← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الثَّانِي. قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَسْتَفْتِحَ، وَلَوْ كَانَ الإِْمَامُ يَجْهَرُ وَالْمَأْمُومُ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ لِلسُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ - فَإِنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ الإِْنْصَاتُ لَهَا - وَبَيْنَ الاِفْتِتَاحِ - فَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَهُ - بِأَنَّ قِرَاءَةَ الإِْمَامِ تُعَدُّ قِرَاءَةً لِلْمَأْمُومِ، فَأَغْنَتْ عَنْ قِرَاءَتِهِ، وَسُنَّ اسْتِمَاعُهُ لَهَا، وَلاَ كَذَلِكَ الاِفْتِتَاحُ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الدُّعَاءُ لِلإِْمَامِ، وَدُعَاءُ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ لاَ يُعَدُّ دُعَاءً لِغَيْرِهِ. وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَالُوا: يُسَنُّ لَهُ الإِْسْرَاعُ بِهِ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ إمَامِهِ (١) . الثَّالِثُ: قَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَسْتَفْتِحَ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُسِرُّ فِيهَا الإِْمَامُ، أَوِ الَّتِي فِيهَا سَكَتَاتٌ يُمْكِنُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ. وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: أَنَّ الْمَأْمُومَ يَسْتَفْتِحُ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ الإِْمَامُ يَجْهَرُ، إِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ لاَ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ. قَالُوا: أَمَّا إنْ لَمْ يَسْكُتِ الإِْمَامُ أَصْلاً فَلاَ يَسْتَفْتِحُ الْمَأْمُومُ. وَإِنْ سَكَتَ الإِْمَامُ قَدْرًا يَتَّسِعُ لِلاِسْتِفْتَاحِ اسْتَفْتَحَ الْمَأْمُومُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مِمَّنْ يَرَى الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الإِْمَامِ اسْتَفْتَحَ (٢) . اسْتِفْتَاحُ الْمَسْبُوقِ: ١٢ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَسْتَفْتِحُ الْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ حَال الْقِرَاءَةِ، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَفْتِحُ إنْ كَانَ الإِْمَامُ يُخَافِتُ. ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا قَامَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ يَسْتَفْتِحُ مَرَّةً

стр. 2102

أُخْرَى. وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْقِيَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ يُعْتَبَرُ كَتَحْرِيمَةٍ أُخْرَى، لِلْخُرُوجِ بِهِ مِنْ حُكْمِ الاِقْتِدَاءِ إلَى حُكْمِ الاِنْفِرَادِ (١) . أَمَّا إنْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ فِي السَّجْدَةِ الأُْولَى مِنَ الرَّكْعَةِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى فِي الإِْتْيَانِ بِالثَّنَاءِ (الاِسْتِفْتَاحِ) ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ يُدْرِكُ الإِْمَامَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ، لإِِمْكَانِ إحْرَازِ الْفَضِيلَتَيْنِ مَعًا، فَلاَ يَفُوتُ إحْدَاهُمَا. وَمَحَل الاِسْتِفْتَاحِ هُوَ الْقِيَامُ، فَيَفْعَلُهُ فِيهِ. أَمَّا إنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَغَل بِالاِسْتِفْتَاحِ لاَ يُدْرِكُ الإِْمَامَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرُّكُوعِ، أَوِ السَّجْدَةِ الأُْولَى مِنَ الرَّكْعَةِ، فَإِنَّهُ يَرْكَعُ، أَوْ يَسْجُدُ مَعَ الإِْمَامِ لِئَلاَّ تَفُوتَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الرَّكْعَةِ أَوِ السَّجْدَتَيْنِ، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إحْرَازِ فَضِيلَةِ الثَّنَاءِ، لأَِنَّ سُنِّيَّةَ الْجَمَاعَةِ آكَدُ وَأَقْوَى مِنْ سُنِّيَّتِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَسْتَفْتِحُ الْمَأْمُومُ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى أَوْ غَيْرِهَا، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِهِ يُدْرِكُ الْفَاتِحَةَ قَبْل رُكُوعِ إمَامِهِ. فَإِنْ خَافَ أَلاَّ يُدْرِكَ الْفَاتِحَةَ، فَإِنَّهُ يَشْتَغِل بِهَا وَيَتْرُكُ الاِسْتِفْتَاحَ، لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ وَالاِسْتِفْتَاحُ سُنَّةٌ (٢) . أَمَّا لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الإِْمَامَ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ: إمَّا فِي الرُّكُوعِ، وَإِمَّا فِي السُّجُودِ، وَإِمَّا فِي التَّشَهُّدِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مَعَهُ، وَيَأْتِي بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الإِْمَامُ، وَلاَ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ فِي الْحَال وَلاَ فِيمَا بَعْدُ (٣) . وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ. قَال النَّوَوِيُّ: لَوْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الْقُعُودِ الأَْخِيرِ، فَكَبَّرَ لِلإِْحْرَامِ،

стр. 2103

فَسَلَّمَ الإِْمَامُ قَبْل قُعُودِهِ لاَ يَقْعُدُ، وَيَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ. فَإِنْ قَعَدَ قَبْل أَنْ يَسْتَفْتِحَ فَسَلَّمَ الإِْمَامُ فَقَامَ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ. وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَوْ أَمَّنَ الإِْمَامُ يُؤَمِّنُ الْمَسْبُوقُ، ثُمَّ يَأْتِي بِالاِسْتِفْتَاحِ، لأَِنَّ التَّأْمِينَ فَاصِلٌ يَسِيرٌ (١) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الإِْمَامَ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى لَمْ يَسْتَفْتِحْ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ أَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ إمَامِهِ هُوَ آخِرُ صَلاَتِهِ لاَ أَوَّلُهَا، فَإِذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ اسْتَفْتَحَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ (٢) . أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ إمَامِهِ هُوَ أَوَّل صَلاَتِهِ - فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِحُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ (٣) . أَمَّا إِذَا أَدْرَكَهُ فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى، فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِفْتَاحِ الْمَأْمُومِ (ف ٩) . الصَّلَوَاتُ الَّتِي يَدْخُلُهَا الاِسْتِفْتَاحُ وَاَلَّتِي لاَ يَدْخُلُهَا ١٣ - الاِسْتِفْتَاحُ - عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ - سُنَّةٌ فِي كُل الصَّلَوَاتِ وَفِي جَمِيعِ الأَْحْوَال. قَال النَّوَوِيُّ: الاِسْتِفْتَاحُ مُسْتَحَبٌّ لِكُل مُصَلٍّ، مِنْ إمَامٍ، وَمَأْمُومٍ، وَمُنْفَرِدٍ، وَامْرَأَةٍ، وَصَبِيٍّ، وَمُسَافِرٍ، وَمُفْتَرِضٍ، وَمُتَنَفِّلٍ، وَقَاعِدٍ، وَمُضْطَجِعٍ، وَغَيْرِهِمْ. قَال: وَيَدْخُل فِيهِ النَّوَافِل الْمُرَتَّبَةُ وَالْمُطْلَقَةُ، وَالْعِيدُ، وَالْكُسُوفُ فِي الْقِيَامِ الأَْوَّل،

стр. 2104

وَالاِسْتِسْقَاءُ. (١) غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ اسْتَثْنَى صَلاَةَ الْجِنَازَةِ. وَفِيهَا - وَفِي الاِسْتِفْتَاحِ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ، وَصَلاَةِ قِيَامِ اللَّيْل - كَلاَمٌ نُورِدُهُ فِيمَا يَلِي: أَوَّلاً: الاِسْتِفْتَاحُ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ: ١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الاِسْتِفْتَاحِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل. قَوْل الْحَنَفِيَّةِ: إنَّ الاِسْتِفْتَاحَ فِيهَا سُنَّةٌ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى، وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، فَلاَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، إذْ لاَ تُشْرَعُ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُمْ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ. قَالُوا: إلاَّ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ بِنِيَّةِ الثَّنَاءِ، لاَ بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَقَالُوا: يُقَدَّمُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ (أَيْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى) وَالصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ (أَيْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ) عَلَى الدُّعَاءِ، لأَِنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِهِ. (٢) وَالْقَوْل الثَّانِي، وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ صَلاَةَ الْجِنَازَةِ مُسْتَثْنَاةٌ فَلاَ يُشْرَعُ فِيهَا اسْتِفْتَاحٌ أَصْلاً، قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ عَلَى غَائِبٍ أَوْ قَبْرٍ، قَالُوا: لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالاِخْتِصَارِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا قِرَاءَةُ سُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الاِسْتِفْتَاحُ فِيهَا كَغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ (٣) .

стр. 2105

ثَانِيًا: الاِسْتِفْتَاحُ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ: ١٥ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الاِسْتِفْتَاحَ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقَبْل التَّكْبِيرَاتِ الأُْخْرَى (الزَّوَائِدِ) فِي أَوَّل الرَّكْعَةِ. فَيُكَبِّرُ لِلإِْحْرَامِ، ثُمَّ يُثْنِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ التَّكْبِيرَاتِ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: يَسْتَفْتِحُ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، وَقَبْل الْقِرَاءَةِ (١) وَنَقَلَهُ الْكَاسَانِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى (٢) ثَالِثًا: الاِسْتِفْتَاحُ فِي النَّوَافِل: ١٦ - يَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ صَلاَةَ النَّافِلَةِ إِذَا كَانَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ سَلاَمٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي التَّرَاوِيحِ، وَالضُّحَى، وَصَلاَةِ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ، إِذَا كَانَتْ أَرْبَعًا وَصَلاَّهَا بِسَلاَمَيْنِ، فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِحُ فِي كُل رَكْعَتَيْنِ عَلَى الأَْصْل، لأَِنَّ كُل رَكْعَتَيْنِ صَلاَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ: يَكْتَفِي بِاسْتِفْتَاحٍ وَاحِدٍ فِي أَوَّل صَلاَتِهِ. (٣) وَإِنْ صَلَّى النَّافِلَةَ الرُّبَاعِيَّةَ بِسَلاَمٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إنَّ النَّافِلَةَ الرُّبَاعِيَّةَ نَوْعَانِ: النَّوْعُ الأَْوَّل: شَبَّهُوهُ بِالْفَرِيضَةِ لِتَأَكُّدِهِ، وَهُوَ الأَْرْبَعُ قَبْل صَلاَةِ الظُّهْرِ، وَالأَْرْبَعُ قَبْل صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَالأَْرْبَعُ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، فَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ فِيهِ إلاَّ اسْتِفْتَاحٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، وَهُوَ مَا يَقُولُهُ فِي

стр. 2106

أَوَّل الرَّكْعَةِ الأُْولَى. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ النَّوَافِل، وَفِي هَذَا النَّوْعِ اسْتِفْتَاحٌ آخَرُ يَقُولُهُ فِي أَوَّل الْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ. قَالُوا: وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا. وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا، إلاَّ أَنَّهُ فِي الأَْصْل نَفْلٌ عَرَضَ لَهُ الاِفْتِرَاضُ. قَالُوا: يَسْتَفْتِحُ الْمَرَّةَ الأُْخْرَى، لأَِنَّ كُل اثْنَتَيْنِ مِنَ الأَْرْبَعِ صَلاَةٌ عَلَى حِدَةٍ، أَيْ مِنْ بَعْضِ الأَْوْجُهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مَرْوِيَّةً عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَإِنَّمَا هِيَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَال: وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ كَالنَّوْعِ الأَْوَّل (١) . اسْتِفْتَاحُ الْقَارِئِ: ١٧ - الاِسْتِفْتَاحُ أَنْ يَطْلُبَ الْقَارِئُ بِقَوْلِهِ أَوْ حَالَةَ الْفَتْحِ إِذَا اُرْتُجَّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَعْلَمْ مَا يَقْرَأُ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي قِرَاءَةٍ فَنَسِيَ مَا بَعْدَ الآْيَةِ الَّتِي يَقْرَؤُهَا، أَمْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ الْقِرَاءَةِ فَلَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُول. وَالْفَتْحُ عَلَيْهِ أَنْ تُخْبِرَهُ بِمَا نَسِيَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُلْجِئَ الْمَأْمُومَ إلَى الْفَتْحِ عَلَيْهِ. وَلِلإِْمَامِ بَدَل ذَلِكَ أَنْ يَرْكَعَ إِذَا قَرَأَ قَدْرَ الْفَرْضِ. وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ قَدْرَ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ. وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إمَامَة) (وَفَتْحٌ عَلَى الإِْمَامِ) . الاِسْتِفْتَاحُ (بِمَعْنَى الاِسْتِنْصَارِ) : ١٨ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْقِتَال أَنْ يَدْعُوَ الْمُسْلِمُونَ اللَّهَ

стр. 2107

تَعَالَى أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَذْكَارٌ مُعَيَّنَةٌ فِي وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ ر: (دُعَاء) وَ (جِهَاد) . الاِسْتِفْتَاحُ (بِمَعْنَى طَلَبِ الْعِلْمِ بِالْمَغِيبِ) : ١٩ - تَقَدَّمَ أَوَّل هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ اسْتِعْمَال هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى دَائِرٌ فِي كَلاَمِ الْعَوَّامِ. وَأَنَّهُ يَقِل فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ. وَفِي حُكْمِهِ قَوْلاَنِ لِلْفُقَهَاءِ فِي اسْتِفْتَاحِ الْفَأْل فِي الْمُصْحَفِ: الأَْوَّل: أَنَّهُ حَرَامٌ. نُقِل عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْبُهُوتِيُّ عَنِ الشَّيْخِ (ابْنِ تَيْمِيَّةَ) . (١) وَصَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ وَالطُّرْطُوشِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، قَال الطُّرْطُوشِيُّ: لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الاِسْتِقْسَامِ بِالأَْزْلاَمِ، لأَِنَّ الْمُسْتَقْسِمَ يَطْلُبُ قَسْمَهُ مِنَ الْغَيْبِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَ الْفَأْل مِنَ الْمُصْحَفِ أَوْ غَيْرِهِ إنَّمَا يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَقْصِدَ إنْ خَرَجَ جَيِّدًا اتَّبَعَهُ، أَوْ رَدِيًّا اجْتَنَبَهُ، فَهُوَ عَيْنُ الاِسْتِقْسَامِ بِالأَْزْلاَمِ الَّذِي وَرَدَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ فَيَحْرُمُ. الثَّانِي: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ. الثَّالِثُ: الْجَوَازُ، وَنُقِل فِعْلُهُ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .

стр. 2108

اسْتِفْرَاش التَّعْرِيفُ: ١ - يَقُول أَهْل اللُّغَةِ: إِذَا اتَّخَذَ الرَّجُل امْرَأَةً لِلَذَّةٍ " افْتَرَشَهَا " وَلَمْ أَجِدْ مَنْ قَال: " اسْتَفْرَشَهَا ". (١) وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِالاِسْتِفْرَاشِ، وَيَقُولُونَ عَنِ الْمَرْأَةِ: مُسْتَفْرَشَةٌ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إلاَّ فِي الْحِل (٢) . وَلاَ يَرِدُ ذِكْرُ الاِسْتِفْرَاشِ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ - فِيمَا نَعْلَمُ - إلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ: الأَْوَّل: فِي الْكَفَّارَةِ فِي النِّكَاحِ. وَالثَّانِي: لِلتَّعْبِيرِ عَنِ التَّسَرِّي. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الاِسْتِمْتَاعُ: ٢ - الاِسْتِمْتَاعُ: أَعَمُّ مِنْ الاِسْتِفْرَاشِ مُطْلَقًا، إذْ يَدْخُل فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِالْحَلاَل وَالْحَرَامِ، وَمُتْعَةِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - الأَْصْل فِي الاِسْتِفْرَاشِ الإِْبَاحَةُ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ (نِكَاحٌ) (وَتَسَرِّي) .

стр. 2109

اسْتِفْسَار التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِفْسَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَفْسَرْتُهُ كَذَا إِذَا سَأَلْتُهُ أَنْ يُفَسِّرَهُ لِي (١) . وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ فِي الْفِقْهِ عَنْهُ فِي اللُّغَةِ. وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: طَلَبُ ذِكْرِ مَعْنَى اللَّفْظِ، حِينَ تَكُونُ فِيهِ غَرَابَةٌ أَوْ إِجْمَالٌ (٢) . فَالاِسْتِفْسَارُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ أَخَصُّ مِنْهُ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ وَأَهْل الْفِقْهِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - السُّؤَال: ٢ - السُّؤَال هُوَ: الطَّلَبُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ تَوْضِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِكَ: سَأَلْتُهُ عَنْ كَذَا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. أَمَّا الاِسْتِفْسَارُ فَهُوَ خَاصٌّ بِطَلَبِ التَّوْضِيحِ (٣) . ب - الاِسْتِفْصَال: ٣ - الاِسْتِفْصَال هُوَ طَلَبُ التَّفْصِيل (ر: اسْتِفْصَالٌ) ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِفْسَارِ، لأَِنَّ

стр. 2110

التَّفْسِيرَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ التَّفْصِيل، كَمَا فِي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ بِمُرَادِفِهِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - حُكْمُهُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: الاِسْتِفْسَارُ مِنْ آدَابِ الْمُنَاظَرَةِ، فَإِذَا خَفِيَ عَلَى الْمُنَاظِرِ مَفْهُومُ كَلاَمِ الْمُسْتَدِل لإِِجْمَالٍ أَوْ غَرَابَةٍ فِي الاِسْتِعْمَال اسْتَفْسَرَهُ، وَعَلَى الْمُسْتَدِل بَيَانُ مُرَادِهِ عِنْدَ الاِسْتِفْسَارِ، حَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ لَبْسٌ وَلاَ إيهَامٌ، وَحَتَّى تَجْرِي الْمُنَاظَرَةُ عَلَى خَيْرِ الْوُجُوهِ. مِثَال الإِْجْمَال: أَنْ يَقُول الْمُسْتَدِل: يَلْزَمُ الْمُطَلَّقَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِالأَْقْرَاءِ، فَيَطْلُبُ الْمُنَاظِرُ تَفْسِيرَ الْقُرْءِ، لأَِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الطُّهْرِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَيْضِ. وَمِثَال الْغَرَابَةِ قَوْلُهُ: لاَ يَحِل السِّيدُ (بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الْيَاءِ) فَيَسْتَفْسِرُ الْمُنَاظِرُ مَعْنَاهُ، فَيُجِيبُهُ بِأَنَّهُ الذِّئْبُ. هَذَا، وَيَعُدُّ الأُْصُولِيُّونَ الاِسْتِفْسَارَ مِنْ جُمْلَةِ الاِعْتِرَاضَاتِ بِمَعْنَى الْقَوَادِحِ، وَيُرَتِّبُونَهُ فِي أَوَّلِهَا، (١) وَمَوْطِنُ اسْتِيفَائِهِ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. حُكْمُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: ٥ - عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَفْسِرَ ذَوِي الْعَلاَقَةِ الأُْمُورَ الْغَامِضَةَ، لِيَكُونَ فِي حُكْمِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، كَاسْتِفْسَارِهِ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مُبْهَمٍ، وَاسْتِفْسَارِهِ الشَّاهِدَ السَّبَبَ، كَمَا إِذَا شَهِدَا أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ التَّفْصِيل. ٦ - وَقَدْ لاَ يَجِبُ الاِسْتِفْسَارُ لاِعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ،

стр. 2111

كَاسْتِفْسَارِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يُسْتَفْسَرُ كَيْفِيَّةُ حُصُول الإِْكْرَاهِ، دَرْءًا لِلْحُدُودِ مَا أَمْكَنَ، خِلاَفًا لِلأَْذْرَعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِل بِوُجُوبِ الاِسْتِفْسَارِ. (١) مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٧ - بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ أَوْرَدُوا الْمَبَادِئَ الْمَنْطِقِيَّةَ، كَمُقَدِّمَةٍ لِعِلْمِ الأُْصُول، وَذَكَرُوا الاِسْتِفْسَارَ ضِمْنَهَا، وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُهُ فِي مَبَاحِثِ الْقَوَادِحِ فِي الدَّلِيل. كَمَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الإِْقْرَارِ، حِينَ الْكَلاَمِ عَلَى الإِْقْرَارِ بِمُبْهَمٍ، وَفِي بَحْثِ طَلاَقِ الْمُكْرَهِ مِنْ كِتَابِ الطَّلاَقِ، بِمُنَاسَبَةِ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ، هَل يُسْتَفْسَرُ؟ وَفِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَا يَجِبُ فِيهِ ذِكْرُ سَبَبِ الشَّهَادَةِ، وَفِي كِتَابِ الْقَضَاءِ كَذَلِكَ. اسْتِفْصَال التَّعْرِيفُ: ١ - يُسْتَفَادُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَاتِ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّ الاِسْتِفْصَال: طَلَبُ التَّفْصِيل. وَلَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الْمَعَاجِمِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَهِيَ

стр. 2112

مَعَ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ، وَكَفَى بِهِ حُجَّةً فِي لُغَةِ الْعَرَبِ. (١) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِسْتِفْسَارُ: ٢ - الاِسْتِفْسَارُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: طَلَبُ ذِكْرِ مَعْنَى اللَّفْظِ حِينَ تَكُونُ فِيهِ غَرَابَةٌ أَوْ خَفَاءٌ، وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: طَلَبُ التَّفْسِيرِ مُطْلَقًا. (٢) ب - السُّؤَال: ٣ - السُّؤَال: الطَّلَبُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ تَفْصِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: حُكْمُهُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: ٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ تَرْكَ الاِسْتِفْصَال فِي حِكَايَةِ الْحَال، مَعَ قِيَامِ الاِحْتِمَال، يَنْزِل مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَال. وَمِثَالُهُ أَنَّ غَيْلاَنَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ (٣) وَلَمْ يَسْأَل عَنْ كَيْفِيَّةِ

стр. 2113

وُرُودِ عَقْدِهِ عَلَيْهِنَّ، أَكَانَ مُرَتَّبًا أَمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؟ فَكَانَ إطْلاَقُ الْقَوْل، دَالًّا عَلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ. (١) وَفِي دَلاَلَةِ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَعَدَمِهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. حُكْمُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: ٥ - يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَفْصِل فِي الأُْمُورِ الأَْسَاسِيَّةِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ الصَّحِيحُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أُمُورٍ وَاضِحَةٍ لاَ لَبْسَ فِيهَا وَلاَ غُمُوضَ. (٢) كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ إذْ أَقَرَّ بِالزِّنَا، فَلَمْ يَرْجُمْهُ النَّبِيُّ ﷺ إلاَّ بَعْدَ أَنِ اسْتَفْصَل مِنْهُ فَقَال: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟ قَال: لاَ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: أَنِكْتَهَا لاَ يُكَنِّي قَال فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ. (٣) فَلَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ مَجَالاً لاِحْتِمَال التَّجَوُّزِ. ٦ - وَهُنَاكَ أُمُورٌ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الأَْهَمِّيَّةِ فَيُنْدَبُ فِيهَا لِلْحَاكِمِ الاِسْتِفْصَال وَلاَ يَجِبُ، كَمَا إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ جِهَةَ تَحَمُّلِهَا، وَوَثِقَ الْقَاضِي بِمَعْرِفَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ بِشَرَائِطِ التَّحَمُّل، وَكَانَ مُوَافِقًا لِلْقَاضِي فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَهُ، فَيَسْأَلَهُ: بِأَيِّ سَبَبٍ ثَبَتَ هَذَا الْمَال؟ وَهَل أَخْبَرَك بِهِ الأَْصْل (الشَّاهِدُ الأَْصْلِيُّ) أَوَّلاً وَكَمَا إِذَا شَهِدَ الْمُغَفَّل الَّذِي لاَ يَضْبِطُ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، وَبَيَّنَ

стр. 2114

سَبَبَ الشَّهَادَةِ، كَأَشْهَدُ أَنَّ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفًا قَرْضًا، فَيُنْدَبُ لِلْحَاكِمِ اسْتِفْصَالُهُ فِيهِ. (١) ٧ - عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ الاِسْتِفْصَال لاِعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ، كَمَا إِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكٌ لَهُ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ أَنَّهُ دُونَ نِصَابٍ، أَوْ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ فِي الأَْخْذِ، لَمْ يُقْطَعْ، وَلاَ يُسْتَفْصَل فِي دَعْوَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عُلِمَ كَذِبُهُ، نَظَرًا إلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. (٢) مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٨ - يَذْكُرُ الأُْصُولِيُّونَ الاِسْتِفْصَال فِي مَبَاحِثِ الْعَامِّ مَعَ صِيَغِ الْعُمُومِ. كَمَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابِ: الْقَذْفِ وَاللِّعَانِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالشَّهَادَاتِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تَقَدَّمَ. اسْتِقَاءَة التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِقَاءَةُ: طَلَبُ الْقَيْءِ، وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ مَا فِي الْجَوْفِ عَمْدًا (٣) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى

стр. 2115

اللُّغَوِيِّ. (١) فَإِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ: غَلَبَهُ وَسَبَقَهُ فَهُوَ يَخْتَلِفُ عَنْ الاِسْتِقَاءَةِ الَّتِي بِهَا طَلَبٌ وَاسْتِدْعَاءٌ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - الاِسْتِقَاءَةُ الْوَارِدَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ وُرُودُهَا فِي الصِّيَامِ، لِتَأْثِيرِهَا فِيهِ. وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا اسْتَقَاءَ مُتَعَمِّدًا أَفْطَرَ، (٣) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ. (٤) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا مِلْءَ الْفَمِ أَفْطَرَ، لأَِنَّ مَا دُونَ مِلْءِ الْفَمِ تَبَعٌ لِلرِّيقِ. (٥) مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - يَأْتِي الْكَلاَمُ عَنْ الاِسْتِقَاءَةِ فِي الْغَالِبِ فِي بَابِ الصَّوْمِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَمَّا يُفْسِدُ الصِّيَامَ. كَمَا تَرِدُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.

стр. 2116

اسْتِقْبَال التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِقْبَال فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَقْبَل الشَّيْءَ إِذَا وَاجَهَهُ، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لَيْسَتَا لِلطَّلَبِ، فَاسْتَفْعَل هُنَا بِمَعْنَى فَعَل، كَاسْتَمَرَّ وَاسْتَقَرَّ وَمِثْلُهُ الْمُقَابَلَةُ. (١) وَيُقَابِلُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى الاِسْتِدْبَارُ. وَيَرِدُ الاِسْتِقْبَال فِي اللُّغَةِ أَيْضًا بِمَعْنَى: الاِسْتِئْنَافِ، يُقَال اقْتَبَل الأَْمْرَ وَاسْتَقْبَلَهُ: إِذَا اسْتَأْنَفَهُ. (٢) وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَيْنِ الإِْطْلاَقَيْنِ فَيَقُولُونَ: اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ أَيْ مُقَابَلَتُهَا وَيَقُولُونَ: اسْتَقْبَل حَوْل الزَّكَاةِ أَيِ: ابْتَدَأَهُ وَاسْتَأْنَفَهُ. (٣) وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ إطْلاَقَهُ عَلَى طَلَبِ الْقَبُول الَّذِي يُقَابِل الإِْيجَابَ فِي الْعُقُودِ، فَقَالُوا: يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالاِسْتِقْبَال، وَمَثَّلُوا لَهُ بِنَحْوِ: اشْتَرِ مِنِّي، فَإِنَّهُ اسْتِقْبَالٌ قَائِمٌ مَقَامَ الإِْيجَابِ، وَمِثْل الْبَيْعِ الرَّهْنُ، فَيَصِحُّ بِنَحْوِ: ارْتَهِنْ دَارِي بِكَذَا. (٤)

стр. 2117

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ أ - الاِسْتِئْنَافُ: ٢ - الاِسْتِئْنَافُ: ابْتِدَاءُ الأَْمْرِ، (١) وَعَلَيْهِ فَهُوَ مُرَادِفٌ لِلاِسْتِقْبَال فِي أَحَدِ إطْلاَقَاتِهِ. ب - الْمُسَامَتَةُ: ٣ - الْمُسَامَتَةُ بِمَعْنَى: الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَازَاةِ، وَهِيَ مُرَادِفَةٌ لِلاِسْتِقْبَال عِنْدَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الاِسْتِقْبَال بِمَعْنَى التَّوَجُّهِ إلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ بِلاَ انْحِرَافٍ يَمْنَةً وَلاَ يَسْرَةً. وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الاِسْتِقْبَال هَذَا الشَّرْطَ كَالْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَخَصُّوا الْمُسَامَتَةَ بِاسْتِقْبَال عَيْنِ الشَّيْءِ تَمَامًا بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَجَعَلُوا الاِسْتِقْبَال أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، لِصِدْقِهِ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنَ الْبَدَنِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْعَيْنِ. ج - الْمُحَاذَاةُ: ٤ - الْمُحَاذَاةُ بِمَعْنَى: الْمُوَازَاةِ. (٢) وَمَا قِيل فِي الْمُسَامَتَةِ يُقَال هُنَا أَيْضًا. د - الاِلْتِفَاتُ: ٥ - الاِلْتِفَاتُ صَرْفُ الْوَجْهِ ذَاتَ الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَال. وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الاِنْحِرَافُ بِالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ أَيْضًا كَمَا وَرَدَ فِي مُسْنَدِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: " فَجَعَلَتْ تَلْتَفِتُ خَلْفَهَا " وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّحَوُّل إلَى خَلْفٍ لاَ يَكُونُ إلاَّ بِالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ (٣) .

стр. 2118

٦ - هَذَا وَالاِسْتِقْبَال عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَدْ يَكُونُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَقَدْ يَكُونُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ قَدْ يَكُونُ فِي الصَّلاَةِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الأَْقْسَامِ وَاحِدًا بَعْدَ الآْخَرِ. اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الصَّلاَةِ: ٧ - الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ، لأَِنَّهُ لَوْ نُقِل بِنَاؤُهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَصُلِّيَ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ. (١) وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّ النَّاسَ يُقَابِلُونَهَا فِي صَلاَتِهِمْ. وَمَا فَوْقَ الْكَعْبَةِ إلَى السَّمَاءِ يُعَدُّ قِبْلَةً، وَهَكَذَا مَا تَحْتَهَا مَهْمَا نَزَل، فَلَوْ صَلَّى فِي الْجِبَال الْعَالِيَةِ وَالآْبَارِ الْعَمِيقَةِ جَازَ مَا دَامَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهَا، لأَِنَّهَا لَوْ زَالَتْ صَحَّتِ الصَّلاَةُ إلَى مَوْضِعِهَا، وَلأَِنَّ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَبَل يُعَدُّ مُصَلِّيًا إلَيْهَا (٢) . اسْتِقْبَال الْحِجْرِ: ٨ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَل الْمُصَلِّي الْحِجْرَ دُونَ الْكَعْبَةِ لَمْ يُجْزِهِ، لأَِنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْبَيْتِ مَظْنُونٌ لاَ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَهُوَ لاَ يُكْتَفَى بِهِ فِي الْقِبْلَةِ احْتِيَاطًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَاللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ إلَى الْحِجْرِ، لأَِنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْحِجْرُ مِنَ

стр. 2119

الْبَيْتِ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ: سِتُّ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ (٢) وَلأَِنَّهُ لَوْ طَافَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ. وَهُوَ وَجْهٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ خِلاَفَ الأَْصَحِّ فِي مَذْهَبِهِمْ، وَقَدَّرَهُ الْحَنَابِلَةُ بِسِتِّ أَذْرُعٍ وَشَيْءٍ، فَمَنِ اسْتَقْبَل عِنْدَهُمْ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ أَلْبَتَّةَ. عَلَى أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الطَّوَافِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَلاَ بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ عَنْ جَمِيعِهِ احْتِيَاطًا (٣) . حُكْمُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الصَّلاَةِ: ٩ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ

стр. 2120

الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أَيْ جِهَتَهُ. (١) وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَحْوَالٌ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الاِسْتِقْبَال، كَصَلاَةِ الْخَوْفِ، وَالْمَصْلُوبِ، وَالْغَرِيقِ، وَنَفْل السَّفَرِ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهَا، (٢) وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الاِسْتِقْبَال لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عَلَى الرَّاجِحِ، اُنْظُرِ الْكَلاَمَ عَلَى النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ. (٣) تَرْكُ الاِسْتِقْبَال: ١٠ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مِنْ مُفْسِدَاتِ الصَّلاَةِ تَحْوِيل الْمُصَلِّي صَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَعَمَّدَ الصَّلاَةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ عَلَى سَبِيل الاِسْتِهْزَاءِ يَكْفُرُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ مَعَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ لِلشَّرِيعَةِ. وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا إِذَا صَلَّى بِلاَ تَحَرٍّ فَظَهَرَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، لِبِنَاءِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلاَةِ صَحَّتْ صَلاَتُهُ، لأَِنَّ مَا فُرِضَ لِغَيْرِهِ - كَالاِسْتِقْبَال الْمَشْرُوطِ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ - يُشْتَرَطُ حُصُولُهُ لاَ تَحْصِيلُهُ، وَقَدْ حَصَل وَلَيْسَ فِيهِ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ. (٤) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ لِجِهَةٍ فَخَالَفَهَا وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ وَإِنْ صَادَفَ الْقِبْلَةَ، وَيُعِيدُ أَبَدًا. وَأَمَّا لَوْ صَلَّى لِغَيْرِهَا نَاسِيًا وَصَادَفَ الْقِبْلَةَ فَهَل يَجْرِي فِيهِ مِنَ الْخِلاَفِ مَا يَجْرِي فِي

стр. 2121

النَّاسِي إِذَا أَخْطَأَ، أَوْ يُجْزَمُ بِالصِّحَّةِ لأَِنَّهُ صَادَفَ وَهُوَ الظَّاهِرُ؟ . وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَسْقُطُ اسْتِقْبَالُهَا بِجَهْلٍ وَلاَ غَفْلَةٍ وَلاَ إكْرَاهٍ وَلاَ نِسْيَانٍ، فَلَوْ اسْتَدْبَرَ نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّ (١) لَوْ عَادَ عَنْ قُرْبٍ. (٢) وَيُسَنُّ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ لأَِنَّ تَعَمُّدَ الاِسْتِدْبَارِ مُبْطِلٌ. وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا لَوْ أُمِيل عَنْهَا قَهْرًا فَإِنَّهَا تَبْطُل، وَإِنْ قَل الزَّمَنُ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ. (٣) وَلَوْ دَخَل فِي الصَّلاَةِ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ ظَهَرَ الْخَطَأُ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الْقَوْل بِأَنَّ مِنْ مُبْطِلاَتِ الصَّلاَةِ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ شُرِطَ اسْتِقْبَالُهَا. كَمَا نَصُّوا فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلاَةِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لاَ تَسْقُطُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلاً. (٤) هَذَا، وَلاَ بُدَّ مِنَ الْقَوْل أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا حَوَّل وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ، حَيْثُ بَقِيَتْ رِجْلاَهُ إلَى الْقِبْلَةِ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ بِلاَ ضَرُورَةٍ، وَقَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ مُعَايِنِ الْكَعْبَةِ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ أُصْبُعًا مِنْ سَمْتِهَا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. (٥)

стр. 2122

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الصَّلاَةِ: ١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الصَّلاَةِ أَنْ يَكُونَ بِالصَّدْرِ لاَ بِالْوَجْهِ، خِلاَفًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لأَِنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ هُنَا الذَّاتُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الذَّاتِ بَعْضُهَا وَهُوَ الصَّدْرُ فَهُوَ مَجَازٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَجَازٍ. (١) وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الاِسْتِقْبَال بِالْقَدَمَيْنِ. أَمَّا الاِسْتِقْبَال بِالْوَجْهِ فَهُوَ سُنَّةٌ، وَتَرْكُهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ. وَهَذَا فِي حَقِّ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ. أَمَّا الَّذِي يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا أَوْ مُضْطَجِعًا لِعَجْزِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الاِسْتِقْبَال بِالْوَجْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي صَلاَةِ الْمَرِيضِ. (٢) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الاِسْتِقْبَال التَّوَجُّهُ بِالصَّدْرِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ فَهُوَ التَّوَجُّهُ بِالرِّجْلَيْنِ. عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ تَعَرَّضُوا لأَِعْضَاءٍ أُخْرَى يَسْتَقْبِل بِهَا الْمُصَلِّي الْقِبْلَةَ فِي مُنَاسِبَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ، نَكْتَفِي بِالإِْشَارَةِ إلَى بَعْضِهَا دُونَ تَفْصِيلٍ لِكَوْنِهَا بِتِلْكَ الْمَوَاطِنِ أَلْصَقَ، وَلِسِيَاقِ الْفُقَهَاءِ أَنْسَبَ مِنْ جِهَةٍ، وَتَفَادِيًا لِلتَّكْرَارِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَمِنْ ذَلِكَ: اسْتِحْبَابِ الاِسْتِقْبَال بِبُطُونِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فِي

стр. 2123

تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَبِالْيَدَيْنِ وَبِأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَبِأَصَابِعِ يُسْرَاهُ فِي التَّشَهُّدِ. وَذَلِكَ حِينَ الْكَلاَمِ عَلَى " صِفَةِ الصَّلاَةِ ". (١) فَمَنْ أَرَادَهَا بِالتَّفْصِيل فَلْيَرْجِعْ إلَى مَوَاطِنِهَا هُنَاكَ. اسْتِقْبَال الْمَكِّيِّ لِلْقِبْلَةِ: اسْتِقْبَال الْمَكِّيِّ الْمُعَايِنِ: ١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ يُعَايِنُ الْكَعْبَةَ فَعَلَيْهِ إصَابَةُ عَيْنِهَا فِي الصَّلاَةِ، أَيْ مُقَابَلَةُ ذَاتِ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا، وَلاَ يَكْفِي الاِجْتِهَادُ وَلاَ اسْتِقْبَال جِهَتِهَا، لأَِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْيَقِينِ وَالْعَيْنِ تَمْنَعُ مِنْ الاِجْتِهَادِ وَالْجِهَةِ الْمُعَرَّضَيْنِ لِلْخَطَأِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنِ انْحَرَفَ عَنْ مُقَابَلَةِ شَيْءٍ فَهُوَ لَيْسَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَهُ. (٢) وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَأَقَرُّوهُ - أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي مَكَّةَ وَمَا فِي حُكْمِهَا مِمَّنْ تُمْكِنُهُ الْمُسَامَتَةُ لَوِ اسْتَقْبَل طَرَفًا مِنَ الْكَعْبَةِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ وَخَرَجَ بَاقِيهِ - لَوْ عُضْوًا وَاحِدًا - عَنِ اسْتِقْبَالِهَا لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَكْفِي التَّوَجُّهُ بِبَعْضِ بَدَنِهِ. (٣)

стр. 2124

صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ قُرْبَ الْكَعْبَةِ: ١٣ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّهُ إنِ امْتَدَّ صَفٌّ طَوِيلٌ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْمُحَاذَاةِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، لِعَدَمِ اسْتِقْبَالِهِمْ لَهَا، بِخِلاَفِ الْبُعْدِ عَنْهَا، فَيُصَلُّونَ فِي حَالَةِ الْقُرْبِ دَائِرَةً أَوْ قَوْسًا إنْ قَصُرُوا عَنِ الدَّائِرَةِ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ بِمَكَّةَ تُؤَدَّى هَكَذَا مِنْ لَدُنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا (١) . اسْتِقْبَال الْمَكِّيِّ غَيْرِ الْمُعَايِنِ: ١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ فَهُوَ كَالْغَائِبِ عَلَى الأَْصَحِّ، فَيَكْفِيهِ اسْتِقْبَال الْجِهَةِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل مَذْهَبِهِمْ فِي إصَابَةِ الْجِهَةِ فِي " اسْتِقْبَال الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ ". وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَل بِالْمَسْجِدِ مِنْ أَهْل مَكَّةَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ عَلَيْهِ إصَابَةُ الْعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢) وَتَفْصِيل مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا إصَابَةَ الْعَيْنِ يَقِينًا عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل مَكَّةَ أَوْ نَاشِئًا بِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مُحْدَثٍ كَالْحِيطَانِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا وَهُوَ غَائِبٌ عَنِ الْكَعْبَةِ فَفَرْضُهُ الْخَبَرُ، كَمَا إِذَا وَجَدَ مُخْبِرًا يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ، أَوْ كَانَ غَرِيبًا نَزَل بِمَكَّةَ فَأَخْبَرَهُ أَهْل الدَّارِ بِهَا. (٣)

стр. 2125

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ عَلَى مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ عَنِ الْكَعْبَةِ إصَابَةُ الْعَيْنِ إنْ تَيَقَّنَ إصَابَتَهَا، وَإِلاَّ جَازَ لَهُ الاِجْتِهَادُ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ الْمُعَايَنَةَ مِنَ الْمَشَقَّةِ إِذَا لَمْ يَجِدْ ثِقَةً يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ. (١) ١٥ - الاِسْتِقْبَال عِنْدَ صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ فِي الْكَعْبَةِ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى صِحَّةِ صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ دَاخِل الْكَعْبَةِ. مِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالثَّوْرِيُّ، لِحَدِيثِ بِلاَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ. (٢) قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَال جُزْءٍ مِنْهَا غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْجُزْءُ قِبْلَةً بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلاَةِ وَالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ. وَمَتَى صَارَ قِبْلَةً فَاسْتِدْبَارُ غَيْرِهِ لاَ يَكُونُ مُفْسِدًا. وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ صَلَّى رَكْعَةً إلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ صَارَ مُسْتَدْبِرًا الْجِهَةَ الَّتِي صَارَتْ قِبْلَةً فِي حَقِّهِ بِيَقِينٍ بِلاَ ضَرُورَةٍ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ تُصَلَّى الْفَرِيضَةُ وَالْوِتْرُ فِي الْكَعْبَةِ، لأَِنَّهَا مِنَ الْمَوَاطِنِ السَّبْعِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْخْلاَل بِالتَّعْظِيمِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) قَالُوا: وَالشَّطْرُ: الْجِهَةُ. وَمَنْ صَلَّى فِيهَا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَلأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُسْتَدْبِرًا مِنَ الْكَعْبَةِ مَا لَوِ اسْتَقْبَلَهُ مِنْهَا وَهُوَ فِي خَارِجِهَا صَحَّتْ صَلاَتُهُ،

стр. 2126

وَلأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاَةِ عَلَى ظَهْرِهَا قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: سَبْعُ مَوَاطِنَ لاَ تَجُوزُ فِيهَا الصَّلاَةُ: ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ وَالْمَقْبَرَةُ. . إِلَخْ (١) ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا لأَِنَّهَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى. وَتَوَجُّهُ الْمُصَلِّي فِي دَاخِلِهَا إلَى الْجِدَارِ لاَ أَثَرَ لَهُ، إذِ الْمَقْصُودُ الْبُقْعَةُ، بِدَلِيل أَنَّهُ يُصَلِّي لِلْبُقْعَةِ حَيْثُ لاَ جِدَارَ. وَإِنَّمَا جَازَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مَعَ أَنَّهُ أَعْلَى مِنْ بِنَائِهَا لأَِنَّ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ مُصَلٍّ لَهَا، وَأَمَّا الْمُصَلِّي عَلَى ظَهْرِهَا فَهُوَ فِيهَا. وَهُنَاكَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ بِجَوَازِ الصَّلاَةِ فِي الْكَعْبَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (٢) الاِسْتِقْبَال عِنْدَ صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ فَوْقَ الْكَعْبَةِ: ١٦ - وَأَمَّا صَلاَةُ الْفَرِيضَةِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ فَقَدْ أَجَازَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُمْ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى عَدَمِ جَوَازِ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ عَلَيْهَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. صَلاَةُ النَّافِلَةِ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهَا: ١٧ - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ إلَى جَوَازِ صَلاَةِ النَّفْل الْمُطْلَقِ دَاخِل الْكَعْبَةِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهَا، وَلِلأَْدِلَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى صِحَّةِ صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ، وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى جَوَازِهَا

стр. 2127

فِي الْكَعْبَةِ كَذَلِكَ. وَلِلْمَالِكِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الْحُرْمَةُ بِأَدِلَّتِهِمْ عَلَى مَنْعِ الْفَرِيضَةِ، وَالْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى النَّفْل الْمُطْلَقِ، وَالثَّالِثُ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ. وَذَهَبَ أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ صَلاَةُ النَّافِلَةِ فِيهَا. أَمَّا صَلاَةُ النَّافِلَةِ عَلَى ظَهْرِهَا فَتَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي اسْتِقْبَال الْهَوَاءِ أَوِ اسْتِقْبَال قِطْعَةٍ مِنَ الْبِنَاءِ وَلَوْ مِنْ حَائِطِ السَّطْحِ. هَذَا، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ لِبُعْدِهِ عَنِ الأَْدَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرِيضَةِ. هَذَا، وَمَا وَرَدَ فِي شَأْنِ الصَّلاَةِ فِي الْكَعْبَةِ يَرِدُ فِي الْحِجْرِ (الْحَطِيمِ) لأَِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْكَعْبَةِ. (١) ١٨ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، إلَى أَنَّ الصَّلاَةَ الَّتِي تَجُوزُ فِي الْكَعْبَةِ، تَصِحُّ لأَِيِّ جِهَةٍ وَلَوْ لِجِهَةِ بَابِهَا مَفْتُوحًا، وَلَوْ لَمْ يَسْتَقْبِل شَيْئًا فِي هَذِهِ الْحَال، لأَِنَّ الْقِبْلَةَ هِيَ الْعَرْصَةُ وَالْهَوَاءُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الْبِنَاءُ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ نُقِل إلَى عَرْصَةٍ أُخْرَى وَصَلَّى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، وَلأَِنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى جَبَل أَبِي قُبَيْسٍ جَازَتْ بِالإِْجْمَاعِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصَل إلَى الْبِنَاءِ. (٢) وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِجَوَازِ الصَّلاَةِ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهَا أَنْ يَسْتَقْبِل جِدَارًا مِنْهَا أَيًّا كَانَ، أَوْ يَسْتَقْبِل الْبَابَ إنْ كَانَ مَفْتُوحًا وَكَانَ لَهُ عَتَبَةٌ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ الآْدَمِيِّ تَقْرِيبًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، لأَِنَّ

стр. 2128

هَذَا الْمِقْدَارَ هُوَ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فَاعْتُبِرَ فِيهِ قَدْرُهَا. (١) وَاخْتَارَ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا شَاخِصٌ يَتَّصِل بِهَا، كَالْبِنَاءِ وَالْبَابِ وَلَوْ مَفْتُوحًا، فَلاَ اعْتِبَارَ بِالآْجُرِّ غَيْرِ الْمَبْنِيِّ، وَلاَ الْخَشَبِ غَيْرِ الْمَسْمُورِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّرُوا ارْتِفَاعَ الشَّاخِصِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْكَعْبَةِ إِذَا سَجَدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاخِصٌ، اخْتَارَهَا الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ. (٢) اسْتِقْبَال الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ: ١٩ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَكْفِي الْمُصَلِّي الْبَعِيدَ عَنْ مَكَّةَ اسْتِقْبَال جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِاجْتِهَادٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إصَابَةُ الْعَيْنِ، فَيَكْفِي غَلَبَةُ ظَنِّهِ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي أَمَامَهُ، وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ أَنَّهُ مُسَامِتٌ وَمُقَابِلٌ لَهَا. وَفَسَّرَ الْحَنَفِيَّةُ جِهَةَ الْكَعْبَةِ بِأَنَّهَا الْجَانِبُ الَّذِي إِذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ الإِْنْسَانُ يَكُونُ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ، أَوْ هَوَائِهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْرِيبًا. وَاسْتَدَلُّوا بِالآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) وَقَالُوا: شَطْرَ الْبَيْتِ نَحْوَهُ وَقِبَلَهُ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ

стр. 2129

وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ (١) وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَمَا فِي حُكْمِهَا مِنَ الأَْمَاكِنِ الْمَقْطُوعِ بِقِبْلَتِهَا، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي اسْتِقْبَال الْمَحَارِيبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لاِبْنِ الْقَصَّارِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ تَلْزَمُ إصَابَةُ الْعَيْنِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أَيْ جِهَتَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْجِهَةِ هُنَا الْعَيْنُ؛ وَكَذَا الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ هُنَا الْعَيْنُ أَيْضًا، لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ ﷺ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَل الْكَعْبَةِ، وَقَال: هَذِهِ الْقِبْلَةُ فَالْحَصْرُ هُنَا يَدْفَعُ حَمْل الآْيَةِ عَلَى الْجِهَةِ. وَإِطْلاَقُ الْجِهَةِ عَلَى الْعَيْنِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا (٢) . اسْتِقْبَال أَهْل الْمَدِينَةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا: ٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى أَهْل الْمَدِينَةِ - كَغَيْرِهَا - الاِجْتِهَادُ لإِِصَابَةِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ جَارٍ مَعَ الأَْصْل فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ.

стр. 2130

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ (وَأَرَادُوا بِالْمَدَنِيِّ مَنْ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ) : يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي فِي الْمَدِينَةِ إصَابَةُ عَيْنِ الْقِبْلَةِ لِثُبُوتِ مِحْرَابِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْوَحْيِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ مُشَاهِدًا لِلْبَيْتِ، بَل أَوْرَدَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ أَنَّهُ رُفِعَتْ لَهُ الْكَعْبَةُ حِينَ بَنَى مَسْجِدَهُ ﷺ (١) . اسْتِقْبَال مَحَارِيبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: ٢١ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ مَحَارِيبَ الصَّحَابَةِ، كَجَامِعِ دِمَشْقَ، وَجَامِعِ عَمْرٍو بِالْفُسْطَاطِ، وَمَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَالْقَيْرَوَانِ وَالْبَصْرَةِ، لاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ مَعَهَا فِي إثْبَاتِ الْجِهَةِ، لَكِنْ لاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ الاِنْحِرَافِ الْيَسِيرِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، وَلاَ تَلْحَقُ بِمَحَارِيبِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ لاَ يَجُوزُ فِيهَا أَدْنَى انْحِرَافٍ. وَكَذَلِكَ مَحَارِيبُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَحَارِيبُ جَادَّتِهِمْ أَيْ مُعْظَمُ طَرِيقِهِمْ وَقُرَاهُمُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي أَنْشَأَتْهَا قُرُونٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ صَلُّوا إلَى هَذَا الْمِحْرَابِ وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ طَعَنَ فِيهَا، لأَِنَّهَا لَمْ تُنْصَبْ إلاَّ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ بِالأَْدِلَّةِ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ. لَكِنْ قَال الْحَنَابِلَةُ: إنْ فَرَضَ مَنْ كَانَ فِيهَا إصَابَةَ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى قِبْلَتِهِ، مُعَلِّلِينَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ. (٢)

стр. 2131

الإِْخْبَارُ عَنِ الْقِبْلَةِ: ٢٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَحَارِيبُ مَنْصُوبَةً فِي الْحَضَرِ، فَيَسْأَل مَنْ يَعْلَمُ بِالْقِبْلَةِ مِمَّنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ مِنْ أَهْل ذَلِكَ الْمَكَانِ مِمَّنْ يَكُونُ بِحَضْرَتِهِ. أَمَّا غَيْرُ مَقْبُول الشَّهَادَةِ، كَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ فَلاَ يُعْتَدُّ بِإِخْبَارِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلأَِنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اجْتِهَادٍ، فَلاَ يُتْرَكُ اجْتِهَادُهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ أَهْل الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَرْعُ الأَْبْوَابِ. وَأَمَّا فِي الْمَفَازَةِ فَالدَّلِيل عَلَيْهَا النُّجُومُ كَالْقُطْبِ، وَإِلاَّ فَمِنْ أَهْلِهَا الْعَالِمِ بِهَا مِمَّنْ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ، وَالاِسْتِدْلاَل بِالنُّجُومِ فِي الْمَفَازَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّؤَال، وَالسُّؤَال مُقَدَّمٌ عَلَى التَّحَرِّي (١) . اخْتِلاَفُ الْمُخْبِرِينَ: ٢٣ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ عِنْدَ اخْتِلاَفِ اثْنَيْنِ فِي الإِْخْبَارِ عَنِ الْقِبْلَةِ: أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فَيَأْخُذُ بِقَوْل أَحَدِهِمَا، وَقِيل: يَتَسَاقَطَانِ وَيَجْتَهِدُ لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَأْخُذُ بِقَوْل أَحَدِهِمَا إلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الاِجْتِهَادِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اُضْطُرَّ لِلأَْخْذِ بِقَوْل أَحَدِهِمَا، أَمَّا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَالْمُخْبِرَانِ اخْتَلَفَا فِي عَلاَمَةٍ وَاحِدَةٍ لِعَارِضٍ فِيهَا وَهُوَ مُوجِبٌ لِلتَّسَاقُطِ (٢) . وَمَا صَرَّحُوا بِهِ لاَ تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى.

стр. 2132

أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ: ٢٤ - سَبَقَ مَا يَتَّصِل بِالاِسْتِدْلاَل عَلَى الْقِبْلَةِ بِالْمَحَارِيبِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَهُنَاكَ عَلاَمَاتٌ يُمْكِنُ الاِعْتِمَادُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْل الْخِبْرَةِ بِهَا، مِنْهَا: أ - النُّجُومُ: وَأَهَمُّهَا الْقُطْبُ، لأَِنَّهُ نَجْمٌ ثَابِتٌ وَيُمْكِنُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ، وَبِذَلِكَ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ وَلَوْ عَلَى سَبِيل التَّقْرِيبِ. وَتَخْتَلِفُ قِبْلَةُ الْبِلاَدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ اخْتِلاَفًا كَبِيرًا. (١) ب - الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ: يُمْكِنُ التَّعَرُّفُ بِمَنَازِل الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ عَلَى الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الاِعْتِدَالَيْنِ (الرَّبِيعِيِّ وَالْخَرِيفِيِّ) بِالنِّسْبَةِ لِلشَّمْسِ، وَاسْتِكْمَال الْبَدْرِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَمَرِ. وَفِي غَيْرِ الاِعْتِدَالَيْنِ يُنْظَرُ إلَى اتِّجَاهِ تِلْكَ الْمَنَازِل، وَهُوَ مَعْرُوفٌ لأَِهْل الْخِبْرَةِ فَيُرْجَعُ إلَيْهِمْ فِيهِ، وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ تَفَاصِيل عَنْ ذَلِكَ (٢) . وَيُتَّبَعُ ذَلِكَ الاِسْتِدْلاَل بِمَطَالِعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَغَارِبِهِمَا. ج - الإِْبْرَةُ الْمِغْنَاطِيسِيَّةُ: مِنْ الاِسْتِقْرَاءِ الْمُفِيدِ لِلْيَقِينِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا تُحَدِّدُ جِهَةَ الشَّمَال تَقْرِيبًا، وَبِذَلِكَ تُعْرَفُ الْجِهَاتُ الأَْرْبَعُ وَتُحَدَّدُ الْقِبْلَةُ. (٣)

стр. 2133

تَرْتِيبُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ: ٢٥ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الدَّلِيل عَلَى الْقِبْلَةِ فِي الْمَفَاوِزِ وَالْبِحَارِ النُّجُومُ كَالْقُطْبِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِوُجُودِ غَيْمٍ أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَل عَالِمًا بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَسْأَلُهُ أَوْ لَمْ يُخْبِرْهُ الْمَسْئُول عَنْهَا فَيَتَحَرَّى. وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَتْ الأَْدِلَّةُ عَلَى الْقِبْلَةِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ خَبَرِ جَمْعٍ بَلَغَ عَدَدُهُمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، لإِِفَادَتِهِ الْيَقِينَ، ثُمَّ الإِْخْبَارُ عَنْ عِلْمٍ بِرُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ رُؤْيَةُ الْمَحَارِيبِ الْمُعْتَمَدَةِ، ثُمَّ رُؤْيَةُ الْقُطْبِ. وَأَمَّا بَيْتُ الإِْبْرَةِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الاِجْتِهَادِ. وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ خَبَرَ الْمُخْبِرِ عَنْ يَقِينٍ مُقَدَّمٌ عَلَى الاِجْتِهَادِ. (١) تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ: ٢٦ - تَعَلُّمُ الْعَلاَمَاتِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا الْقِبْلَةُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَى سَبِيل الْكِفَايَةِ. وَقَدْ يُصْبِحُ تَعَلُّمُ هَذِهِ الْعَلاَمَاتِ وَاجِبًا عَيْنِيًّا، كَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَجْهَل مَعَهُ اتِّجَاهَ الْقِبْلَةِ، وَيَقِل فِيهَا الْعَارِفُونَ بِهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَعَلُّمِ هَذِهِ الْعَلاَمَاتِ، وَكُل ذَلِكَ تَحْقِيقًا لإِِصَابَةِ الْقِبْلَةِ. وَهَل يَجُوزُ تَعَلُّمُهَا مِنْ كَافِرٍ؟ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ لاَ تَمْنَعُ ذَلِكَ. لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي اتِّجَاهِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا

стр. 2134

فِي مَعْرِفَةِ الْعَلاَمَاتِ الَّتِي لاَ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْكَافِرُ عَنِ الْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ كَتَعَلُّمِ سَائِرِ الْعُلُومِ (١) . الاِجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ: ٢٧ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى وُجُوبِ الاِجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ فِي الْجُمْلَةِ. (٢) قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إنْ فَقَدَ الْمُصَلِّي مَا ذُكِرَ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالْمَحَارِيبِ وَالْمُخْبِرِ وَأَمْكَنَهُ الاِجْتِهَادُ، بِأَنْ كَانَ بَصِيرًا يَعْرِفُ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، إذْ كُل مَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ شَيْءٍ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ، وَلأَِنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَجَبَ الاِسْتِدْلاَل عَلَيْهِ عِنْدَ خَفَائِهِ، وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ، لأَِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِقْبَالِهَا بِدَلِيلِهِ. وَقَالُوا: أَنَّهُ إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ عَنْ الاِجْتِهَادِ صَلَّى حَسَبَ حَالِهِ وَلاَ يُقَلِّدُ، كَالْحَاكِمِ لاَ يَسَعُهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلاَةَ. وَصَرَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّ شَرْطَ الاِجْتِهَادِ لاَ يَسْقُطُ بِضِيقِ الْوَقْتِ مَعَ إمْكَانِهِ. (٣) الشَّكُّ فِي الاِجْتِهَادِ وَتَغَيُّرُهُ: ٢٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ عَمِل بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي حَتْمًا، إِنْ

стр. 2135

تَرَجَّحَ عَلَى الأَْوَّل، وَعَمِل بِالأَْوَّل إِنْ تَرَجَّحَ عَلَى الثَّانِي. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يَزُل عَنْ جِهَتِهِ، لأَِنَّ الاِجْتِهَادَ ظَاهِرٌ فَلاَ يَزُول عَنْهُ بِالشَّكِّ. وَلاَ يُعِيدُ مَا صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ الأَْوَّل، كَالْحَاكِمِ لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْحَادِثَةِ الثَّانِيَةِ عَمِل فِيهَا بِالاِجْتِهَادِ الثَّانِي، وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ الأَْوَّل بِغَيْرِ خِلاَفٍ، لأَِنَّ الاِجْتِهَادَ لاَ يُنْقَضُ بِالاِجْتِهَادِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالاِجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ إِذَا تَحَوَّل رَأْيُهُ اسْتَدَارَ وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاَتِهِ. وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَبَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا اسْتَدَارَ وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاَتِهِ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لأَِرْبَعِ جِهَاتٍ بِالاِجْتِهَادِ جَازَ، لأَِنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ، فَلَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلاَةُ إلَى غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَ صَلاَةً أُخْرَى، وَلَيْسَ فِيهِ نَقْضٌ لاِجْتِهَادِهِ، لأَِنَّا لَمْ نُلْزِمْهُ إعَادَةَ مَا مَضَى، وَإِنَّمَا نُلْزِمُهُ الْعَمَل بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَل. (١) أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنْ تَبَيَّنَ لِمَنْ صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ خَطَأُ اجْتِهَادِهِ فِي الصَّلاَةِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ قَطَعَهَا وُجُوبًا. أَمَّا بَعْدَ إتْمَامِ الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا نَدْبًا لاَ وُجُوبًا. قِيَاسًا عَلَى الْقَاضِي إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ خَطَأُ الدَّلِيل قَبْل بَتِّ الْحُكْمُ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِاجْتِهَادِهِ الأَْوَّل، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ نُقِضَ. أَمَّا إنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلاَتَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ الأَْوَّل. (٢)

стр. 2136

الاِخْتِلاَفُ فِي الاِجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ: ٢٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدَيْنِ لَمْ يَتَّبِعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَلاَ يَؤُمُّهُ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَ الآْخَرِ فَلَمْ يَجُزْ الاِئْتِمَامُ. وَعِنْدَ ابْنِ قُدَامَةَ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ، ذَلِكَ أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلاَةِ الآْخَرِ، وَأَنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ اخْتِلاَفُ الْجِهَةِ الاِقْتِدَاءَ بِهِ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْل الْكَعْبَةِ. وَلَوِ اتَّفَقَا فِي الْجِهَةِ وَاخْتَلَفَا فِي الاِنْحِرَافِ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الاِئْتِمَامِ بِلاَ خِلاَفٍ لاِتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي الاِسْتِقْبَال. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اجْتَهَدَ اثْنَانِ فِي الْقِبْلَةِ، وَاتَّفَقَ اجْتِهَادُهُمَا، فَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَزِمَهُ الاِنْحِرَافُ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْمُفَارَقَةَ وَإِنْ اخْتَلَفَا تَيَامُنًا وَتَيَاسُرًا، وَذَلِكَ عُذْرٌ فِي الْمُفَارَقَةِ فَلاَ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَمَحَل ذَلِكَ حَيْثُ عَلِمَ الْمَأْمُومُ بِانْحِرَافِ إمَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلاَّ بَعْدَ السَّلاَمِ فَالأَْقْرَبُ وُجُوبُ الإِْعَادَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ سَلَّمَ الإِْمَامُ فَتَحَوَّل رَأْيُ مَسْبُوقٍ وَلاَحِقٍ (١) اسْتَدَارَ الْمَسْبُوقُ، لأَِنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِيهِ، وَاسْتَأْنَفَ اللاَّحِقُ، لأَِنَّهُ مُقْتَدٍ فِيمَا يَقْضِيهِ. وَالْمُقْتَدِي إِذَا ظَهَرَ لَهُ وَرَاءَ الإِْمَامِ أَنَّ الْقِبْلَةَ غَيْرُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا الإِْمَامُ لاَ يُمْكِنُهُ إصْلاَحُ صَلاَتِهِ،

стр. 2137

لأَِنَّهُ إنِ اسْتَدَارَ خَالَفَ إمَامَهُ فِي الْجِهَةِ قَصْدًا وَهُوَ مُفْسِدٌ، وَإِلاَّ كَانَ مُتِمًّا صَلاَتَهُ إلَى مَا هُوَ غَيْرُ الْقِبْلَةِ عِنْدَهُ وَهُوَ مُفْسِدٌ أَيْضًا. (١) خَفَاءُ الْقِبْلَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ: ٣٠ - خَفَاءُ الْقِبْلَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل التَّحَرِّي أَوْ بَعْدَهُ، وَسَنَتَنَاوَل بِالْبَحْثِ كُلًّا عَلَى حِدَةٍ. خَفَاءُ الْقِبْلَةِ قَبْل الصَّلاَةِ وَالتَّحَرِّي: ٣١ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ بِالاِسْتِدْلاَل، وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ لِفَقْدِهَا أَوْ لِغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ أَوِ الْتِبَاسٍ مَعَ ظُهُورِهَا، حَيْثُ تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الأَْمَارَاتُ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيُصَلِّي، وَتَصِحُّ صَلاَتُهُ عِنْدَئِذٍ، لأَِنَّهُ بَذَل وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِ بِأَدِلَّتِهِ، أَشْبَهَ الْحَاكِمَ إِذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُل رَجُلٍ مِنَّا حِيَالَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ﴾ (٢)

стр. 2138

وَعَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ التَّحَرِّيَ بِأَنَّهُ بَذْل الْجُهُودِ لِنَيْل الْمَقْصُودِ. وَأَفَادَ ابْنُ عَابِدِينَ بِأَنَّ قِبْلَةَ التَّحَرِّي مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُجَرَّدِ شَهَادَةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ، وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَتَخَيَّرُ جِهَةً مِنَ الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ يُصَلِّي إلَيْهَا صَلاَةً وَاحِدَةً، وَلاَ إعَادَةَ لِسُقُوطِ الطَّلَبِ عَنْهُ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل بَعْضِهِمْ بِتَكْرَارِ الصَّلاَةِ إلَى الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ فِي حَالَةِ التَّحَرِّي وَعَدَمِ الرُّكُونِ إلَى جِهَةٍ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَيَقْضِي لِنُدْرَتِهِ (١) . تَرْكُ التَّحَرِّي: ٣٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ بِالأَْدِلَّةِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ فِي الصَّلاَةِ دُونَ أَنْ يَتَحَرَّى وَإِنْ أَصَابَ، لِتَرْكِهِ فَرْضَ التَّحَرِّي، إلاَّ أَنَّهُ لاَ يُعِيدُ إنْ عَلِمَ إصَابَتَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ اتِّفَاقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، بِخِلاَفِ إِذَا عَلِمَ الإِْصَابَةَ قَبْل التَّمَامِ، فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَبْطُل لأَِنَّهُ بَنَى قَوِيًّا عَلَى ضَعِيفٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الَّذِي تَخْفَى عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ يَتَخَيَّرُ جِهَةً مِنَ الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ، وَيُصَلِّي إلَيْهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُ الطَّلَبُ لِعَجْزِهِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُعِيدُ مَنْ صَلَّى بِلاَ تَحَرٍّ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ

стр. 2139

التَّحَرِّي، سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا (١) . ظُهُورُ الصَّوَابِ لِلْمُتَحَرِّي: ٣٣ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ إنْ ظَهَرَ صَوَابُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لاَ تَفْسُدُ، وَعِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ لاَ خِلاَفَ فِي صِحَّتِهَا. وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ الرَّائِقِ: وَالصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْخَانِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلاَةِ، لأَِنَّ صَلاَتَهُ كَانَتْ جَائِزَةً مَا لَمْ يَظْهَرِ الْخَطَأُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ لاَ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ. وَقِيل: تَفْسُدُ، لأَِنَّ افْتِتَاحَ الصَّلاَةِ كَانَ ضَعِيفًا، وَقَدْ قَوِيَ حَالُهُ بِظُهُورِ الصَّوَابِ، وَلاَ يُبْنَى الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ (٢) . التَّقْلِيدُ فِي الْقِبْلَةِ: ٣٤ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدُ مُجْتَهِدًا غَيْرَهُ، لأَِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الاِجْتِهَادِ تَمْنَعُ مِنَ التَّقْلِيدِ. وَمَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمُجْتَهِدَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . (٣) وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ مُجْتَهِدٍ فَالْمُقَلِّدُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ

стр. 2140

أَحَدَهُمْ، وَالأَْوْلَى أَنْ يَخْتَارَ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ. (١) تَرْكُ التَّقْلِيدِ: ٣٥ - لَيْسَ لِمَنْ فَرْضُهُ التَّقْلِيدُ وَوَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَنْ يَسْتَقْبِل بِمُجَرَّدِ مَيْل نَفْسِهِ إلَى جِهَةٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ: أَنَّهُ إنْ تَرَكَ التَّقْلِيدَ وَاخْتَارَ لَهُ جِهَةً تَرْكَنُ لَهَا نَفْسُهُ وَصَلَّى لَهَا كَانَتْ صَلاَتُهُ صَحِيحَةً إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الصَّلاَةِ قَطَعَهَا حَيْثُ كَانَ كَثِيرًا، وَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَهَا فَقَوْلاَنِ بِالإِْعَادَةِ أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي " تَبَيُّنِ الْخَطَأِ فِي الصَّلاَةِ ". وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ مُطْلَقًا وَإِنْ صَادَفَ الْقِبْلَةَ (٢) . اسْتِقْبَال الأَْعْمَى وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ لِلْقِبْلَةِ: ٣٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الأَْعْمَى عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَل عَنِ الْقِبْلَةِ، لأَِنَّ مُعْظَمَ الأَْدِلَّةِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا تَحَرَّى، وَكَذَا لَوْ سَأَلَهُ عَنْهَا فَلَمْ يُخْبِرْهُ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بَعْدَمَا صَلَّى لاَ يُعِيدُ. وَلَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَتَحَرَّى: إنْ أَصَابَ جَازَ وَإِلاَّ لاَ. وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلاَةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَسَوَّاهُ رَجُلٌ
следующие страницы →