Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
وَالْبَوْل وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْنْجَاسِ الأُْخْرَى.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَرَازِ. وَأَنَّهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا: أَنَّهُ مُنَجِّسٌ لِلْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ. وَأَنَّ تَطْهِيرَ ذَلِكَ وَاجِبٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِالاِسْتِنْجَاءِ أَوِ الْغُسْل، عَلَى مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مَوْطِنِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمِقْدَارِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مِنْهُ، وَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الطِّهَارَاتِ وَفِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءُ الْحَاجَةِ) . стр. 4692
بَرْدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَرْدُ لُغَةً: ضِدُّ الْحَرِّ، وَالْبُرُودَةُ نَقِيضُ الْحَرَارَةِ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلْكَلِمَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي الْجُمْلَةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
إِبْرَادٌ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الإِْبْرَادِ فِي اللُّغَةِ: الدُّخُول فِي الْبَرْدِ وَالدُّخُول فِي آخِرِ النَّهَارِ. (٢) وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: تَأْخِيرُ الظُّهْرِ إِلَى وَقْتِ الْبَرْدِ. (٣)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الْبَرْدِ فِي التَّيَمُّمِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَجَمْعِ الصَّلَوَاتِ وَالْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ وَالصَّلاَةِ.
أ стр. 4693
- فَفِي التَّيَمُّمِ: أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ - التَّيَمُّمَ لِلْحَدَثِ الأَْكْبَرِ وَالأَْصْغَرِ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُسَخِّنُهُ وَخَشِيَ الضَّرَرَ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ - عِنْدَهُمُ التَّيَمُّمَ لِلْحَدَثِ الأَْكْبَرِ دُونَ الأَْصْغَرِ؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الضَّرَرِ فِي الأَْصْغَرِ غَالِبًا، لَكِنْ لَوْ تَحَقَّقَ الضَّرَرُ جَازَ فِيهِ أَيْضًا اتِّفَاقًا، كَمَا قَرَّرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ، قَال: لأَِنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلاَقِ الْمُتُونِ.
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ التَّيَمُّمَ لِلْبَرْدِ الشَّدِيدِ الْمُسَبِّبِ بُرُودَةَ الْمَاءِ، إِذَا خَافَ الصَّحِيحُ الْحَاضِرُ أَوِ الْمُسَافِرُ خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلاَةِ بِطَلَبِهِ الْمَاءَ وَتَسْخِينِهِ. (١)
ب - وَفِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ: أَجَازَ الْفُقَهَاءُ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ التَّخَلُّفَ عَنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَعَنْ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ نَهَارًا أَوْ لَيْلاً. (٢)
ج - وَفِي جَمْعِ الصَّلَوَاتِ: أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فَقَطْ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ، حَالًّا أَوْ مُتَوَقَّعًا. وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، стр. 4694
وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِشُرُوطٍ مُدَوَّنَةٍ فِي مَوَاطِنِهَا. وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا فِي الْ بَرْدِ ؛ لِقَصْرِهِمُ الْجَمْعَ عَلَى مَوْطِنَيْنِ هُمَا: مُزْدَلِفَةُ وَعَرَفَةُ (١) .
د - وَفِي الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ: أَوْجَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ مَنْعَ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ، حَتَّى يَعْتَدِل الزَّمَانُ؛ لأَِنَّ إِقَامَتَهَا مَهْلَكَةٌ، وَلَيْسَ رَدْعًا. (٢)
هـ - وَفِي الصَّلاَةِ: أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ عَلَى الأَْرْضِ الْمَكْشُوفَةِ الْبَارِدَةِ لِلضَّرُورَةِ (٣) .
بَرَدٌ
انْظُرْ: مِيَاه. стр. 4695
بُرٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبُرُّ بِالضَّمِّ يُطْلَقُ لُغَةً: عَلَى الْقَمْحِ، وَالْوَاحِدَةُ مِنْهُ (بُرَّةٌ) (١) ، وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ بِهَذَا الْمَعْنَى.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الْبُرُّ - مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ حَبًّا خَارِجًا مِنَ الأَْرْضِ - وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْخَارِجِ مُطْلَقًا، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. وَنِسْبَةُ الْوَاجِبِ إِذَا سُقِيَتِ الأَْرْضُ سَيْحًا أَوْ بِمَاءِ السَّمَاءِ: الْعُشْرُ، وَإِذَا سُقِيَتْ بِآلَةٍ: نِصْفُ الْعُشْرِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. وَإِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ خَرَاجِيَّةً فَفِيهَا الْخَرَاجُ دُونَ الْعُشْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢) стр. 4696
وَالْبُرُّ مِنَ الأَْجْنَاسِ الْمُجْزِئَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ الْوَاجِبَةِ، وَالْقَدْرُ الْمُجْزِئُ مِنْهُ صَاعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَنِصْفُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
وَإِذَا قُصِدَ فِي الْبُرِّ التِّجَارَةُ قُوِّمَ كَالْعُرُوضِ، وَأُخْرِجَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ كَمَا تُخْرَجُ عَنْهَا. وَتَفْصِيلُهُ فِي الزَّكَاةِ.
وَيُعَدُّ الْبُرُّ مِنَ الْمَالِيَّاتِ الْمُتَقَوِّمَةِ الَّتِي يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَالسَّلَمُ فِيهَا، وَيَدْخُلُهُ الرِّبَا إِذَا بِيعَ بِمِثْلِهِ. فَيُشْتَرَطُ لَهُ: الْمُمَاثَلَةُ وَالْحُلُول وَالتَّقَابُضُ. لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ. . . . (٢)
كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُحَاقَلَةً فِي الْجُمْلَةِ، وَهِيَ: بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِمِثْلِهَا مِنَ الْحِنْطَةِ وَلَوْ خَرْصًا، وَلاَ مُخَاضَرَةً، وَهِيَ: الْبَيْعُ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ وَالزَّرْعُ أَخْضَرُ، خِلاَفًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي (الْبَيْعِ، وَالرِّبَا، وَالْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) . стр. 4697
بِرٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - تَدُورُ مَعَانِي لَفْظِ الْبِرِّ لُغَةً: عَلَى الصِّدْقِ وَالطَّاعَةِ وَالصِّلَةِ وَالإِْصْلاَحِ وَالاِتِّسَاعِ فِي الإِْحْسَانِ إِلَى النَّاسِ. يُقَال: بَرَّ يَبَرُّ: إِذَا صَلَحَ. وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ: إِذَا صَدَقَ، وَالْبَرُّ: الصَّادِقُ. وَأَبَرَّ اللَّهُ الْحَجَّ وَبَرَّهُ: أَيْ قَبِلَهُ. وَالْبِرُّ: ضِدُّ الْعُقُوقِ، وَالْمَبَرَّةُ مِثْلُهُ. وَبَرَرْتُ وَالِدَيَّ: أَيْ وَصَلْتُهُمَا.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ : (الْبَرُّ) أَيِ الصَّادِقُ فِيمَا وَعَدَ أَوْلِيَاءَهُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ: اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرَاتِ كُلِّهَا، يُرَادُ بِهِ التَّخَلُّقُ بِالأَْخْلاَقِ الْحَسَنَةِ مَعَ النَّاسِ بِالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَصِلَتِهِمْ وَالصِّدْقِ مَعَهُمْ، وَمَعَ الْخَالِقِ بِالْتِزَامِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ.
كَمَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْعَمَل الدَّائِمُ الْخَالِصُ مِنَ الْمَأْثَمِ. стр. 4698
وَيُقَابِلُهُ: الْفُجُورُ وَالإِْثْمُ؛ لأَِنَّ الْفُجُورَ خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ، وَمَيْلٌ إِلَى الْفَسَادِ، وَانْبِعَاثٌ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلشَّرِّ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ عَلَى الأَْمْرِ بِالْبِرِّ وَالْحَضِّ عَلَيْهِ، فَهُوَ خُلُقٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، حَاضٌّ عَلَى الْتِزَامِ الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَل الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيل وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . (٢)
جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ (٣) : أَنَّ الْبِرَّ هُنَا اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَقَال: تَقْدِيرُ الْكَلاَمِ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ. أَوِ التَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ، وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَحُدَّتِ الْحُدُودُ، أَنْزَل اللَّهُ هَذِهِ الآْيَةَ. стр. 4699
فَأَفَادَتْ أَنَّ الْبِرَّ لَيْسَ كُلُّهُ بِالصَّلاَةِ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِالإِْيمَانِ بِاللَّهِ إِلَى آخِرِهَا مِنْ صِفَاتِ الْخَيْرِ الْجَامِعَةِ.
وَقَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) . قَال الْمَاوَرْدِيُّ: نَدَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَى التَّعَاوُنِ بِالْبِرِّ، وَقَرَنَهُ بِالتَّقْوَى لَهُ؛ لأَِنَّ فِي التَّقْوَى رِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْبِرِّ رِضَى النَّاسِ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ رِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَى النَّاسِ فَقَدْ تَمَّتْ سَعَادَتُهُ وَعَمَّتْ نِعْمَتُهُ.
وَقَال ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى يَكُونُ بِوُجُوهٍ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُعِينَ النَّاسَ بِعِلْمِهِ فَيُعَلِّمَهُمْ، وَيُعِينُهُمُ الْغَنِيُّ بِمَالِهِ، وَالشُّجَاعُ بِشَجَاعَتِهِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ مُتَظَاهِرِينَ كَالْيَدِ الْوَاحِدَةِ. (٢)
وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالإِْثْمِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِْثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. (٣)
قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُسْلِمٍ: قَال الْعُلَمَاءُ: الْبِرُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّلَةِ، وَبِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالْمَبَرَّةِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ، стр. 4700
وَبِمَعْنَى الطَّاعَةِ، وَهَذِهِ الأُْمُورُ هِيَ مَجَامِعُ حُسْنِ الْخُلُقِ. وَمَعْنَى حَاكَ فِي صَدْرِكَ: أَيْ تَحَرَّكَ فِيهِ وَتَرَدَّدَ، وَلَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ الصَّدْرُ، وَحَصَل فِي الْقَلْبِ مِنْهُ الشَّكُّ وَخَوْفُ كَوْنِهِ ذَنْبًا (١) .
وَيَتَعَلَّقُ بِالْبِرِّ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ:
٣ - بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِمَعْنَى: طَاعَتِهِمَا وَصِلَتِهِمَا وَعَدَمِ عُقُوقِهِمَا، وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمَا مَعَ إِرْضَائِهِمَا بِفِعْل مَا يُرِيدَانِهِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ . (٢)
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْعَمَل أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَال: الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ. (٣) فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُل عَلَى وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَتَعْظِيمِ حَقِّهِمَا. وَلِلتَّفْصِيل فِي بَيَانِ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَبِرِّهِمَا انْظُرْ مُصْطَلَحَ (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) .
بِرُّ الأَْرْحَامِ:
٤ - بِرُّ الأَْرْحَامِ وَهُوَ بِمَعْنَى صِلَتِهِمْ وَالإِْحْسَانِ стр. 4701
إِلَيْهِمْ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ وَالْقِيَامِ عَلَى حَاجَاتِهِمْ وَمُوَاسَاتِهِمْ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١)
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ، قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَال: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِل مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَال: فَذَلِكَ لَكِ. ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَل عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٢) .
فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُل عَلَى أَنَّ صِلَةَ الأَْرْحَامِ وَبِرَّهَا وَاجِبٌ، وَقَطِيعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّهَا دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَدْنَاهَا تَرْكُ الْهَجْرِ، وَالصِّلَةُ بِالْكَلاَمِ وَالسَّلاَمِ.
وَتَخْتَلِفُ هَذِهِ الدَّرَجَاتُ بِاخْتِلاَفِ الْقُدْرَةِ стр. 4702
وَالْحَاجَةِ، فَمِنْهَا الْوَاجِبُ، وَمِنْهَا الْمُسْتَحَبُّ. إِلاَّ أَنَّهُ لَوْ وَصَل بَعْضَ الصِّلَةِ، وَلَمْ يَصِل غَايَتَهَا، لاَ يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ لاَ يَكُونُ وَاصِلاً. (١)
أَمَّا حَدُّ الرَّحِمِ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا: فَهُوَ الْقَرَابَاتُ مِنْ جِهَةِ أَصْل الإِْنْسَانِ، كَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَإِنْ عَلاَ، وَفُرُوعِهِ كَأَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ وَإِنْ نَزَلُوا. وَمَا يَتَّصِل بِهِمَا مِنْ حَوَاشٍ كَالإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ وَالأَْعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ، وَمَا يَتَّصِل بِهِمْ مِنْ أَوْلاَدِهِمْ بِرَحِمٍ جَامِعَةٍ. (٢)
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَرْحَام) .
بِرُّ الْيَتَامَى وَالضَّعَفَةِ وَالْمَسَاكِينِ:
٥ - بِرُّ الْيَتَامَى وَالضَّعَفَةِ وَالْمَسَاكِينِ يَكُونُ بِالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَالْقِيَامِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ، وَعَدَمِ تَضْيِيعِهَا، فَفِي حَدِيثِ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَنَا وَكَافِل الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. (٣)
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: رَسُول اللَّهِ ﷺ : السَّاعِي عَلَى الأَْرْمَلَةِ стр. 4703
وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّهِ. وَأَحْسَبُهُ قَال: وَكَالْقَائِمِ الَّذِي لاَ يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ الَّذِي لاَ يُفْطِرُ. (١)
الْحَجُّ الْمَبْرُورُ:
٦ - الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ: الْحَجُّ الْمَقْبُول الَّذِي لاَ يُخَالِطُهُ إِثْمٌ وَلاَ رِيَاءٌ. (٢)
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ (٣) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَجّ) .
الْبَيْعُ الْمَبْرُورُ:
٧ - الْبَيْعُ الْمَبْرُورُ: هُوَ الَّذِي لاَ غِشَّ فِيهِ وَلاَ خِيَانَةَ. فَفِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْكَسْبِ أَفْضَل قَال: عَمَل الرَّجُل بِيَدِهِ، وَكُل بَيْعٍ مَبْرُورٍ (٤) стр. 4704
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (بَيْع) .
بِرُّ الْيَمِينِ:
٨ - بِرُّ الْيَمِينِ مَعْنَاهُ: أَنْ يَصْدُقَ فِي يَمِينِهِ، فَيَأْتِي بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ . (١)
وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْحَلِفِ عَلَى فِعْل الْوَاجِبِ أَوْ تَرْكِ الْحَرَامِ، فَيَكُونُ يَمِينَ طَاعَةٍ يَجِبُ الْبِرُّ بِهِ بِالْتِزَامِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ فِيهِ.
أَمَّا إِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْل مُحَرَّمٍ فَهُوَ يَمِينُ مَعْصِيَةٍ، يَجِبُ الْحِنْثُ فِيهِ. فَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل نَفْلٍ، كَصَلاَةِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فَالْتِزَامُ الْيَمِينِ مَنْدُوبٌ، وَمُخَالَفَتُهُ مَكْرُوهَةٌ.
فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ نَفْلٍ فَالْيَمِينُ مَكْرُوهَةٌ، وَالإِْقَامَةُ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْنَثَ فِيهَا. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ فَالْحِنْثُ بِهَا مُبَاحٌ (٢) قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ (٣)
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَيْمَان) . стр. 4705
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ فِي اللُّغَةِ: الْخَيْرُ وَالْفَضْل وَالصِّدْقُ وَالطَّاعَةُ وَالصَّلاَحُ (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ فِي الأَْغْلَبِ عَلَى الإِْحْسَانِ بِالْقَوْل اللَّيِّنِ اللَّطِيفِ الدَّال عَلَى الرِّفْقِ وَالْمَحَبَّةِ، وَتَجَنُّبِ غَلِيظِ الْقَوْل الْمُوجِبِ لِلنُّفْرَةِ، وَاقْتِرَانِ ذَلِكَ بِالشَّفَقَةِ وَالْعَطْفِ وَالتَّوَدُّدِ وَالإِْحْسَانِ بِالْمَال وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْفْعَال الصَّالِحَاتِ. (٢) وَالأَْبَوَانِ: هُمَا الأَْبُ وَالأُْمُّ. (٣)
وَيَشْمَل لَفْظُ (الأَْبَوَيْنِ) الأَْجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ. (٤) قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَالأَْجْدَادُ آبَاءٌ، стр. 4706
وَالْجَدَّاتُ أُمَّهَاتٌ، فَلاَ يَغْزُو الْمَرْءُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ، وَلاَ أَعْلَمُ دَلاَلَةً تُوجِبُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الإِْخْوَةِ وَسَائِرِ الْقَرَابَاتِ. (١)
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - اهْتَمَّ الإِْسْلاَمُ بِالْوَالِدَيْنِ اهْتِمَامًا بَالِغًا. وَجَعَل طَاعَتَهُمَا وَالْبِرَّ بِهِمَا مِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ. وَنَهَى عَنْ عُقُوقِهِمَا وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ غَايَةَ التَّشْدِيدِ. كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٢) ، فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَجَعَل بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِذَلِكَ، وَالْقَضَاءُ هُنَا: بِمَعْنَى الأَْمْرِ وَالإِْلْزَامِ وَالْوُجُوبِ.
كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣) . فَالشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الإِْيمَانِ، وَلِلْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ. وَقَال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ صَلَّى стр. 4707
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ شَكَرَهُمَا.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الأَْعْمَال أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَال: الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا قَال: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَال: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ (١) . فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَل الأَْعْمَال بَعْدَ الصَّلاَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ دَعَائِمِ الإِْسْلاَمِ. (٢)
وَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ؛ لأَِنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ، وَلاَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ. فَقَدْ قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي. فَقَال: أَطِعْ أَبَوَيْكَ، فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ (٣) .
وَالْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ أَقْوَى مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ. وَفِي خُصُوصِ ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْغَزْوِ. стр. 4708
فَقَال: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَال: نَعَمْ. قَال فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ. (١)
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ فَقَال: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا. (٢)
وَفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلاً هَاجَرَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ. فَقَال: هَل لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ قَال: أَبَوَايَ. قَال: أَذِنَا لَكَ؟ قَال: لاَ. قَال: فَارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا. (٣)
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّفِيرُ عَامًّا. وَإِلاَّ أَصْبَحَ خُرُوجُهُ فَرْضَ عَيْنٍ؛ إِذْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَمِيعِ الدَّفْعُ وَالْخُرُوجُ لِلْعَدُوِّ. (٤) وَإِذَا كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضَ عَيْنٍ، فَإِنَّ خِلاَفَهُ стр. 4709
يَكُونُ حَرَامًا، مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرٍ بِشِرْكٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ، حَيْثُ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. (١)
الْبِرُّ بِالْوَالِدَيْنِ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ:
٣ - الْبِرُّ بِالْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِكَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ، بَل حَتَّى لَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ يَجِبُ بِرُّهُمَا وَالإِْحْسَانُ إِلَيْهِمَا مَا لَمْ يَأْمُرَا ابْنَهُمَا بِشِرْكٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ. قَال تَعَالَى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . (٢)
فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُول لَهُمَا قَوْلاً لَيِّنًا لَطِيفًا دَالًّا عَلَى الرِّفْقِ بِهِمَا وَالْمَحَبَّةِ لَهُمَا، وَيَجْتَنِبَ غَلِيظَ الْقَوْل الْمُوجِبَ لِنُفْرَتِهِمَا، وَيُنَادِيَهُمَا بِأَحَبِّ الأَْلْفَاظِ إِلَيْهِمَا، وَلْيَقُل لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا، وَلاَ يَتَبَرَّمُ بِهِمَا بِالضَّجَرِ وَالْمَلَل وَالتَّأَفُّفِ، وَلاَ يَنْهَرُهُمَا، وَلْيَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ стр. 4710
أَفَأَصِلُهَا؟ قَال: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ (١) ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهَا قَالَتْ: أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَأَصِلُهَا؟ قَال: نَعَمْ قَال ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَل اللَّهُ فِيهَا ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ . (٢)
وَفِي هَذَا الْمَقَامِ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣) . قِيل: نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَال: كُنْتَ بَارًّا بِأُمِّي فَأَسْلَمْتُ فَقَالَتْ: لَتَدَعَنَّ دِينَكَ أَوْ لاَ آكُل وَلاَ أُشْرِبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي، وَيُقَال: يَا قَاتِل أُمِّهِ. . وَبَقِيتُ يَوْمًا وَيَوْمًا. فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهُ: لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا، فَإِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتِ فَلاَ تَأْكُلِي. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ (٤) . стр. 4711
هَذَا وَفِي الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ حَال حَيَاتِهِمَا خِلاَفٌ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
أَمَّا الاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا فَمَمْنُوعٌ، اسْتِنَادًا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (١) فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي اسْتِغْفَارِهِ ﷺ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَاسْتِغْفَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لأَِبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ. وَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الاِسْتِغْفَارِ لَهُمَا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا وَحُرْمَتِهِ، وَعَلَى عَدَمِ التَّصَدُّقِ عَلَى رُوحِهِمَا. (٢)
أَمَّا الاِسْتِغْفَارُ لِلأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ حَال الْحَيَاةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ إِذْ قَدْ يُسْلِمَانِ.
وَلَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ الْكَافِرَانِ عَنِ الْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ الْكِفَائِيِّ، مَخَافَةً عَلَيْهِ، وَمَشَقَّةً لَهُمَا بِخُرُوجِهِ وَتَرْكِهِمَا، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لَهُمَا ذَلِكَ، وَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا بِرًّا بِهِمَا وَطَاعَةً لَهُمَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَنْعُهُمَا لَهُ لِكَرَاهَةِ قِتَال أَهْل دِينِهِمَا، فَإِنَّهُ لاَ يُطِيعُهُمَا وَيَخْرُجُ لَهُ. (٣) стр. 4712
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِلْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ لأَِنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ فِي الدِّينِ، إِلاَّ بِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ وَنَحْوَهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الثَّوْرِيُّ: لاَ يَغْزُو إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا إِذَا كَانَ الْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. أَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ لِحُضُورِ الصَّفِّ، أَوْ حَصْرِ الْعَدُوِّ، أَوِ اسْتِنْفَارِ الإِْمَامِ لَهُ بِإِعْلاَنِ النَّفِيرِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الإِْذْنُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ إِذْ أَصْبَحَ وَاجِبًا عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ؛ لِصَيْرُورَتِهِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْجَمِيعِ. (١)
التَّعَارُضُ بَيْنَ بِرِّ الأَْبِ وَبِرِّ الأُْمِّ:
٤ - لَمَّا كَانَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الأَْوْلاَدِ عَظِيمًا، فَقَدْ نَزَل بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَوَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، وَيَقْضِي ذَلِكَ بِلُزُومِ بِرِّهِمَا وَطَاعَتِهِمَا وَرِعَايَةِ شُئُونِهِمَا وَالاِمْتِثَال لأَِمْرِهِمَا، فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَنَظَرًا لِقِيَامِ الأُْمِّ بِالْعِبْءِ الأَْكْبَرِ فِي تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ اخْتَصَّهَا الشَّارِعُ بِمَزِيدٍ مِنَ الْبِرِّ، بَعْدَ أَنْ أَوْصَى بِبِرِّهِمَا، فَقَال تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ . (٢) стр. 4713
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أَبُوكَ. (١)
وَقَوْلُهُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِالأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ. (٢)
وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَال: زَوْجُهَا. قُلْتُ: فَعَلَى الرَّجُل؟ قَال أُمُّهُ. (٣)
فَفِيمَا ذُكِرَ - وَغَيْرُهُ كَثِيرٌ - مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ دَلِيلٌ عَلَى مَنْزِلَةِ الأَْبَوَيْنِ، وَتَقْدِيمِ الأُْمِّ فِي الْبِرِّ عَلَى الأَْبِ فِي ذَلِكَ؛ لِصُعُوبَةِ الْحَمْل، ثُمَّ الْوَضْعِ وَآلاَمِهِ، ثُمَّ الرَّضَاعِ وَمَتَاعِبِهِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ تَنْفَرِدُ بِهَا الأُْمُّ وَتَشْقَى بِهَا، ثُمَّ تُشَارِكُ الأَْبَ فِي التَّرْبِيَةِ، стр. 4714
فَضْلاً عَنْ أَنَّ الأُْمَّ أَحْوَجُ إِلَى الرِّعَايَةِ مِنَ الأَْبِ، وَلاَ سِيَّمَا حَال الْكِبَرِ. (١)
وَفِي تَقْدِيمِ هَذَا الْحَقِّ أَيْضًا: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَلَدِ لأَِبَوَيْهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا، فَتُقَدَّمُ الأُْمُّ عَلَى الأَْبِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، (٢) وَذَلِكَ لِمَا لَهَا مِنْ مَشَقَّةِ الْحَمْل وَالرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ وَزِيَادَةِ الشَّفَقَةِ، وَأَنَّهَا أَضْعَفُ وَأَعْجَزُ. هَذَا مَا لَمْ يَتَعَارَضَا فِي بِرِّهِمَا.
٥ - فَإِنْ تَعَارَضَا فِيهِ، بِأَنْ كَانَ فِي طَاعَةِ أَحَدِهِمَا مَعْصِيَةُ الآْخَرِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ: إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَأْمُرُ بِطَاعَةٍ وَالآْخَرُ يَأْمُرُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ الآْمِرَ بِالطَّاعَةِ مِنْهُمَا دُونَ الآْمِرِ بِالْمَعْصِيَةِ، فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ. لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (٣) وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَاحِبَهُ بِالْمَعْرُوفِ لِلأَْمْرِ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي стр. 4715
الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، إِلاَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أَمَّا إِنْ تَعَارَضَ بِرُّهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ إِيصَال الْبِرِّ إِلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَقَدْ قَال الْجُمْهُورُ: طَاعَةُ الأُْمِّ مُقَدَّمَةٌ؛ لأَِنَّهَا تَفْضُل الأَْبَ فِي الْبِرِّ. (٢) وَقِيل: هُمَا فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً قَال لِمَالِكٍ: وَالِدِي فِي السُّودَانِ، كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ، وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ، فَقَال لَهُ مَالِكٌ: أَطِعْ أَبَاكَ وَلاَ تَعْصِ أُمَّكَ. يَعْنِي أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي رِضَى أُمِّهِ بِسَفَرِهِ لِوَالِدِهِ، وَلَوْ بِأَخْذِهَا مَعَهُ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ طَاعَةِ أَبِيهِ وَعَدَمِ عِصْيَانِ أُمِّهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ حِينَ سُئِل عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا قَال: أَطِعْ أُمَّكَ، فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ. كَمَا حَكَى الْبَاجِيُّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى زَوْجِهَا، فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ابْنَهَا: بِأَنْ يَتَوَكَّل لَهَا عَلَى أَبِيهِ، فَكَانَ يُحَاكِمُهُ، وَيُخَاصِمُهُ فِي الْمَجَالِسِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الأُْمِّ. وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، قَال: لأَِنَّهُ عُقُوقٌ لِلأَْبِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا دَل عَلَى أَنَّ بِرَّهُ أَقَل مِنْ بِرِّ الأُْمِّ، لاَ أَنَّ الأَْبَ يُعَقُّ. وَنَقَل الْمُحَاسِبِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الأُْمَّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ عَلَى الأَْبِ. (٣) стр. 4716
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالأَْقَارِبِ الْمُقِيمِينَ بِدَارِ الْحَرْبِ:
٦ - قَال ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ نَسَبٍ، أَوْ مَنْ لاَ قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلاَ نَسَبَ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلاَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ دَلاَلَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ لأَِهْل الإِْسْلاَمِ، أَوْ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلاَحٍ (١) .
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نُقِل عَنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ الْحَنْبَلِيِّ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ عَمَّا ذُكِرَ، وَاسْتَدَل لَهُ بِإِهْدَاءِ عُمَرَ الْحُلَّةَ الْحَرِيرِيَّةَ إِلَى أَخِيهِ الْمُشْرِكِ. وَبِحَدِيثِ أَسْمَاءَ (٢) وَفِيهِمَا صِلَةُ أَهْل الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ وَصِلَةُ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ. (٣) وَمِنَ الْبِرِّ لِلْوَالِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا؛ لأَِنَّهُمَا لاَ يَرِثَانِ ابْنَهُمَا الْمُسْلِمَ.
وَلِلتَّفْصِيل ر: (وَصِيَّة) .
بِمَ يَكُونُ الْبِرُّ
٧ - يَكُونُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمَا بِالْقَوْل اللَّيِّنِ الدَّال عَلَى الرِّفْقِ بِهِمَا وَالْمَحَبَّةِ لَهُمَا، وَتَجَنُّبِ غَلِيظِ الْقَوْل الْمُوجِبِ لِنُفْرَتِهِمَا، وَبِمُنَادَاتِهِمَا بِأَحَبِّ الأَْلْفَاظِ إِلَيْهِمَا، كَيَا أُمِّي وَيَا أَبِي، وَلْيَقُل لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا، وَيُعَلِّمْهُمَا مَا стр. 4717
يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمَا، وَلْيُعَاشِرْهُمَا بِالْمَعْرُوفِ. أَيْ بِكُل مَا عُرِفَ مِنَ الشَّرْعِ جَوَازُهُ، فَيُطِيعُهُمَا فِي فِعْل جَمِيعِ مَا يَأْمُرَانِهِ بِهِ، مِنْ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، وَفِي تَرْكِ مَا لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ، وَلاَ يُحَاذِيهِمَا فِي الْمَشْيِ، فَضْلاً عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِمَا، إِلاَّ لِضَرُورَةٍ نَحْوِ ظَلاَمٍ، وَإِذَا دَخَل عَلَيْهِمَا لاَ يَجْلِسُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا، وَإِذَا قَعَدَ لاَ يَقُومُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا، وَلاَ يَسْتَقْبِحُ مِنْهُمَا نَحْوَ الْبَوْل عِنْدَ كِبَرِهِمَا أَوْ مَرَضِهِمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَذِيَّتِهِمَا، قَال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ . (١)
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْبِرَّ بِهِمَا مَعَ اللُّطْفِ وَلِينِ الْجَانِبِ، فَلاَ يُغْلِظُ لَهُمَا فِي الْجَوَابِ، وَلاَ يُحِدُّ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا، وَلاَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِمَا (٢) .
وَمِنَ الْبِرِّ بِهِمَا وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهَا: أَلاَّ يُسِيءَ إِلَيْهِمَا بِسَبٍّ أَوْ شَتْمٍ أَوْ إِيذَاءٍ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ بِلاَ خِلاَفٍ. فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُل وَالِدَيْهِ، قَالُوا. يَا رَسُول اللَّهِ: وَهَل يَشْتُمُ الرَّجُل وَالِدَيْهِ؟ قَال: نَعَمْ، يَسُبُّ الرَّجُل أَبَا الرَّجُل فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ стр. 4718
الرَّجُل وَالِدَيْهِ. قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُل وَالِدَيْهِ؟ . قَال: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُل فَيَسُبُّ الرَّجُل أَبَاهُ. (١)
٨ - وَمِنْ بِرِّهِمَا صِلَةُ أَهْل وُدِّهِمَا، فَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُل أَهْل وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ (٢) فَإِنْ غَابَ أَوْ مَاتَ يَحْفَظُ أَهْل وُدِّهِ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الإِْحْسَانِ إِلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو أُسَيْدٍ وَكَانَ بَدْرِيًّا قَال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ جَالِسًا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ. هَل بَقِيَ مِنْ بِرِّ وَالِدَيَّ بَعْدَ مَوْتِهِمَا شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ؟ قَال: نَعَمْ، الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا، وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لاَ رَحِمَ لَكَ إِلاَّ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَهَذَا الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ. (٣) стр. 4719
وَكَانَ ﷺ يُهْدِي لِصَدَائِقِ خَدِيجَةَ بِرًّا بِهَا وَوَفَاءً لَهَا (١) ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْوَالِدَيْنِ.
اسْتِئْذَانُهُمَا لِلسَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ:
٩ - وَضَعَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ لِذَلِكَ قَاعِدَةً حَاصِلُهَا: أَنَّ كُل سَفَرٍ لاَ يُؤْمَنُ فِيهِ الْهَلاَكُ، وَيَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطَرُ، فَلَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَالِدَيْهِ؛ لأَِنَّهُمَا يُشْفِقَانِ عَلَى وَلَدِهِمَا، فَيَتَضَرَّرَانِ بِذَلِكَ. وَكُل سَفَرٍ لاَ يَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطَرُ يَحِل لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا، إِذَا لَمْ يُضَيِّعْهُمَا؛ لاِنْعِدَامِ الضَّرَرِ.
وَبِذَا لاَ يَلْزَمُهُ إِذْنُهُمَا لِلسَّفَرِ لِلتَّعَلُّمِ، إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ فِي بَلَدِهِ، وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَلَمْ يَخَفْ عَلَيْهِمَا الضَّيَاعَ؛ لأَِنَّهُمَا لاَ يَتَضَرَّرَانِ بِذَلِكَ، بَل يَنْتَفِعَانِ بِهِ، فَلاَ تَلْحَقُهُ سِمَةُ الْعُقُوقِ. أَمَّا إِذَا كَانَ السَّفَرُ لِلتِّجَارَةِ، وَكَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ عَنْ خِدْمَةِ ابْنِهِمَا، وَيُؤْمَنُ عَلَيْهِمَا الضَّيَاعُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا. أَمَّا إِذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إِلَيْهِ وَإِلَى خِدْمَتِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُسَافِرُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا. (٢) стр. 4720
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي السَّفَرِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِتَحْصِيل دَرَجَةٍ مِنَ الْعِلْمِ لاَ تَتَوَفَّرُ فِي بَلَدِهِ، كَالتَّفَقُّهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الإِْجْمَاعِ وَمَوَاضِعِ الْخِلاَفِ وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا إِنْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ، وَلاَ طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ؛ لأَِنَّ تَحْصِيل دَرَجَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) ، أَمَّا إِنْ كَانَ لِلتَّفَقُّهِ عَلَى طَرِيقِ التَّقْلِيدِ، وَفِي بَلَدِهِ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ السَّفَرُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا. وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا لِلتِّجَارَةِ يَرْجُو بِهِ مَا يَحْصُل لَهُ فِي الإِْقَامَةِ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا. (٢)
حُكْمُ طَاعَتِهِمَا فِي تَرْكِ النَّوَافِل أَوْ قَطْعِهَا:
١٠ - قَال الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ: لاَ طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ، كَحُضُورِ الْجَمَاعَاتِ، وَتَرْكِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِذَا سَأَلاَهُ تَرْكَ ذَلِكَ عَلَى الدَّوَامِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ دَعَوَاهُ لأَِوَّل وَقْتِ الصَّلاَةِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمَا، وَإِنْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ أَوَّل الْوَقْتِ. (٣) стр. 4721
حُكْمُ طَاعَتِهِمَا فِي تَرْكِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ:
١١ - سَبَقَ حَدِيثُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِيمَنْ أَرَادَ الْبَيْعَةَ وَأَحَدُ وَالِدَيْهِ حَيٌّ، وَفِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ صُحْبَتِهِمَا عَلَى صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَتَقْدِيمِ خِدْمَتِهِمَا - الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وُجُوبًا عَيْنِيًّا - عَلَى فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ طَاعَتَهُمَا وَبِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ أَقْوَى. (١)
حُكْمُ طَاعَتِهِمَا فِي طَلَبِهِمَا تَطْلِيقَ زَوْجَتِهِ:
١٢ - رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُهَا، فَأَمَرَنِي أَنْ أُطَلِّقَهَا، فَأَبَيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلِّقِ امْرَأَتَكَ. (٢)
وَسَأَل رَجُلٌ الإِْمَامَ أَحْمَدَ فَقَال: إِنَّ أَبِي يَأْمُرُنِي أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي. قَال: لاَ تُطَلِّقْهَا. قَال: أَلَيْسَ عُمَرُ ﵁ أَمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ؟ قَال: حَتَّى يَكُونَ أَبُوكَ مِثْل عُمَرَ стр. 4722
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. يَعْنِي لاَ تُطَلِّقْهَا بِأَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ مِثْل عُمَرَ فِي تَحَرِّيهِ الْحَقَّ وَالْعَدْل، وَعَدَمِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ فِي مِثْل هَذَا الأَْمْرِ.
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجِبُ؛ لأَِمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لاِبْنِ عُمَرَ. وَقَال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ فِيمَنْ تَأْمُرُهُ أُمُّهُ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ. قَال: لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا. بَل عَلَيْهِ أَنْ يَبَرَّهَا. وَلَيْسَ تَطْلِيقُ امْرَأَتِهِ مِنْ بِرِّهَا. (١)
حُكْمُ طَاعَتِهِمَا فِيمَا لَوْ أَمَرَاهُ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ بِتَرْكِ وَاجِبٍ:
١٣ - قَال تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ (٢) وَقَال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣) فَفِيهِمَا وُجُوبُ بِرِّهِمَا وَطَاعَتِهِمَا وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَحُرْمَةُ عُقُوقِهِمَا وَمُخَالَفَتِهِمَا، إِلاَّ فِيمَا يَأْمُرَانِهِ بِهِ مِنْ شِرْكٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يُطِيعُهُمَا وَلاَ يَمْتَثِل لأَِوَامِرِهِمَا؛ لِوُجُوبِ مُخَالَفَتِهِمَا وَحُرْمَةِ طَاعَتِهِمَا فِي ذَلِكَ، يُؤَكِّدُ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي стр. 4723
مَعْصِيَةٍ الْخَالِقِ (١) وَلِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ (٢) فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَعَ أُمِّهِ فَقَدْ عَصَى أَمْرَهَا، حِينَ طَلَبَتْ إِلَيْهِ تَرْكَ دِينِهِ، وَبَقِيَ عَلَى مُصَاحَبَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ بِرًّا بِهَا. وَعِصْيَانُهُ لَهَا فِيمَا أَمَرَتْهُ بِهِ وَاجِبٌ، فَلاَ تُطَاعُ فِي أَمْرِهَا لَهُ بِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ. (٣)
عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ:
١٤ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى الْعُقُوقِ السَّلْبِيِّ بِتَرْكِ بِرِّهِمَا، فَإِنَّ هُنَاكَ صُوَرًا مُخْتَلِفَةً لِلْعُقُوقِ بَعْضُهَا فِعْلِيٌّ وَبَعْضُهَا قَوْلِيٌّ.
وَمِنَ الْعُقُوقِ مَا يُبْدِيهِ الْوَلَدُ لأَِبَوَيْهِ مِنْ مَلَلٍ وَضَجَرٍ وَغَضَبٍ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ، وَاسْتِطَالَتِهِ عَلَيْهِمَا بِدَالَّةِ الْبُنُوَّةِ وَقِلَّةِ الدِّيَانَةِ خَاصَّةً فِي حَال كِبَرِهِمَا. وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يُقَابِلَهُمَا بِالْحُسْنَى وَاللِّينِ وَالْمَوَدَّةِ، وَالْقَوْل الْمَوْصُوفِ بِالْكَرَامَةِ، السَّالِمِ مِنْ كُل عَيْبٍ، فَقَال تَعَالَى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٤) فَنُهِيَ عَنْ أَنْ يَقُول لَهُمَا مَا يَكُونُ فِيهِ أَدْنَى تَبَرُّمٍ.
وَضَابِطُ عُقُوقِهِمَا - أَوْ أَحَدِهِمَا - هُوَ أَنْ يُؤْذِيَ стр. 4724
الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّغَائِرِ، فَيَنْتَقِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ إِلَى الْكَبَائِرِ. (١) وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: يُرَاحُ رِيحُ الْجَنَّةِ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَلاَ يَجِدُ رِيحَهَا مَنَّانٌ بِعَمَلِهِ، وَلاَ عَاقٌّ، وَلاَ مُدْمِنُ خَمْرٍ (٢) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: ثَلاَثًا. الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَال: أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ. أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ. فَمَا زَال يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لاَ يَسْكُتُ. (٣)
وَقَال ﷺ : رِضَى اللَّهِ فِي رِضَى الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ. (٤)
وَقَوْلُهُ ﷺ : كُل الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، стр. 4725
فَإِنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْل الْمَمَاتِ. (١)
جَزَاءُ الْعُقُوقِ:
١٥ - جَزَاءُ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ أُخْرَوِيًّا سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهُ، وَأَمَّا جَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ، وَيَخْتَلِفُ قَدْرُهُ بِاخْتِلاَفِ حَالِهِ وَحَال فَاعِلِهِ.
فَإِنْ تَعَدَّى عَلَى أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، بِالشَّتْمِ أَوِ الضَّرْبِ مَثَلاً عَزَّرَاهُ، أَوْ عَزَّرَهُ الإِْمَامُ - بِطَلَبِهِمَا - إِنْ كَانَا مَشْتُومَيْنِ أَوْ مَضْرُوبَيْنِ مَعًا، أَوْ بِطَلَبِ مَنْ كَانَ مِنْهُمَا مُعْتَدًى عَلَيْهِ بِذَلِكَ. فَإِنْ عَفَا الْمَشْتُومُ أَوِ الْمَضْرُوبُ كَانَ وَلِيُّ الأَْمْرِ بَعْدَ عَفْوِهِ عَلَى خِيَارِهِ فِي فِعْل الأَْصْلَحِ مِنَ التَّعْزِيرِ تَقْوِيمًا، وَالصَّفْحِ عَنْهُ عَفْوًا، فَإِنْ تَعَافَوْا عَنِ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ قَبْل التَّرَافُعِ إِلَى الإِْمَامِ سَقَطَ التَّعْزِيرُ. وَيَكُونُ تَعْزِيرُهُ بِالْحَبْسِ عَلَى حَسَبِ الذَّنْبِ وَالْهَفْوَةِ، أَوْ بِالضَّرْبِ أَوِ التَّأْنِيبِ بِالْكَلاَمِ الْعَنِيفِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بِهِ يَنْزَجِرُ وَيَرْتَدِعُ. (٢) стр. 4726
بَرْزَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَرْزَةُ هِيَ: الْمَرْأَةُ الْبَارِزَةُ الْمَحَاسِنِ، أَوِ الْمُتَجَاهِرَةُ الْكَهْلَةُ الْوَقُورَةُ، الَّتِي تَبْرُزُ لِلْقَوْمِ يَجْلِسُونَ إِلَيْهَا وَيَتَحَدَّثُونَ، وَهِيَ عَفِيفَةٌ.
وَيُقَال: امْرَأَةٌ بَرْزَةٌ إِذَا كَانَتْ كَهْلَةً لاَ تَحْتَجِبُ احْتِجَابَ الشَّوَابِّ، وَهِيَ مَعَ هَذَا عَفِيفَةٌ عَاقِلَةٌ، تَجْلِسُ لِلنَّاسِ وَتُحَدِّثُهُمْ، مِنَ الْبُرُوزِ وَالْخُرُوجِ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأُْلَفَاءُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْمُخَدَّرَةُ:
٢ - الْمُخَدَّرَةُ لُغَةً: مَنْ لَزِمَتِ الْخِدْرَ، (٢) وَالْخِدْرُ: السِّتْرُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمُلاَزِمَةُ لِلْخِدْرِ، بِكْرًا стр. 4727
كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَلاَ يَرَاهَا غَيْرُ الْمَحَارِمِ مِنَ الرِّجَال، وَإِنْ خَرَجَتْ لِحَاجَةٍ. (١) وَعَلَى هَذَا: فَالْمُخَدَّرَةُ ضِدُّ الْبَرْزَةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وُجُوبَ حُضُورِ الْمَرْأَةِ الْبَرْزَةِ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ، إِذَا تَحَمَّلَتْ شَهَادَةً مِمَّا يَجُوزُ شَهَادَتُهَا بِهِ، وَتَوَقَّفَتِ الدَّعْوَى عَلَى حُضُورِهَا، وَلاَ يُقْبَل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَتِهَا، إِلاَّ إِذَا وُجِدَ مَانِعٌ مِنَ الْحُضُورِ، كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ، فَيُرْسِل لَهَا الْقَاضِي مَنْ يَسْمَعُ شَهَادَتَهَا، وَتَفْصِيلُهُ فِي أَبْحَاثِ الشَّهَادَةِ. أَمَّا الْمُخَدَّرَةُ فَلاَ يَجِبُ إِحْضَارُهَا إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي أَدَاءِ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ بَيْنَ الْبَرْزَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْحُكْمُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا تُنْقَل الشَّهَادَةُ عَنْهَا؛ لِمَا يَنَالُهَا مِنَ الْكَشْفِ وَالْمَشَقَّةِ. (٢)
هَذَا فِي الشَّهَادَةِ، أَمَّا فِي التَّقَاضِي فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِنِ ادُّعِيَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْبَرْزَةِ أَحْضَرَهَا الْقَاضِي، لِعَدَمِ الْعُذْرِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ لإِِحْضَارِهَا فِي стр. 4728
سَفَرِهَا هَذَا مَحْرَمٌ، لِتَعَيُّنِ السَّفَرِ عَلَيْهَا؛ وَلأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ، أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا مُخَدَّرَةً فَإِنَّهَا تُؤْمَرُ بِالتَّوْكِيل، وَلاَ يَجِبُ إِحْضَارُهَا، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالضَّرَرِ، فَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهَا الْيَمِينُ بَعَثَ الْقَاضِي أَمِينًا - مَعَهُ شَاهِدَانِ - يَسْتَحْلِفُهَا بِحَضْرَتِهِمَا. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنْ أَدَاءِ الْمَرْأَةِ الْبَرْزَةِ لِلشَّهَادَةِ، فِيمَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَشْهَدَ بِهِ عَلَى النَّحْوِ الْمُبَيَّنِ فِي مَوَاطِنِهِ. стр. 4729
بِرْسَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبِرْسَامُ لُغَةً، وَاصْطِلاَحًا: عِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ يَنْشَأُ عَنْهَا الْهَذَيَانُ، شَبِيهَةٌ بِالْجُنُونِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَتَهُ:
٢ - الْعَتَهُ لُغَةً: نَقْصٌ فِي الْعَقْل مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ أَوْ وَهَنٍ. وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: آفَةٌ تُوجِبُ خَلَلاً فِي الْعَقْل، فَيَصِيرُ صَاحِبُهُ مُخْتَلِطَ الْعَقْل، فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلاَمِهِ كَلاَمَ الْعُقَلاَءِ، وَبَعْضُهُ كَلاَمَ الْمَجَانِينِ، وَتَجْرِي عَلَى الْمَعْتُوهِ أَحْكَامٌ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ. وَأَمَّا الْمُبَرْسَمُ فَإِنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ فِي حَال نَوْبَاتِهِ أَحْكَامُ الْجُنُونِ (٢) . стр. 4730
ب - الْجُنُونُ:
٣ - الْجُنُونُ كَمَا عَرَّفَهُ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ: مَرَضٌ يُزِيل الْعَقْل وَيَزِيدُ الْقُوَى. (١) وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ وَيُبْطِل أَهْلِيَّةَ الأَْدَاءِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - لِلْمُبَرْسَمِ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَعُقُودُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي حَال إِصَابَتِهِ بِالْبِرْسَامِ، وَإِقْرَارُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَتَصَرُّفَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا، مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ مِثْل الْمَجْنُونِ.
أَمَّا تَصَرُّفَاتُهُ الْفِعْلِيَّةُ فِي وَقْتِ إِصَابَتِهِ فَإِنَّهُ لاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَكِنْ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى فِعْلِهِ إِتْلاَفُ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي مَالِهِ، وَعَلَيْهِ دِيَتُهُ، أَوْ قِيمَةُ التَّعْوِيضِ مِنْ مَالِهِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ تَنَاوَلَهُ الْفُقَهَاءُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الإِْتْلاَفِ وَنَحْوِهِ، وَالأُْصُولِيُّونَ فِي الأَْهْلِيَّةِ وَعَوَارِضِهَا. (٢) следующие страницы →