← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

جِبَايَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجِبَايَةُ فِي اللُّغَةِ: الْجَمْعُ وَالتَّحْصِيل يُقَال: جَبَيْتُ الْمَال وَالْخَرَاجَ أَجْبِيهِ جِبَايَةً، جَمَعْتُهُ، وَجَبَوْتُهُ أَجْبُوهُ جِبَاوَةً مِثْلُهُ، وَالْجَابِيَةُ حَوْضٌ ضَخْمٌ وَالْجَابِي: هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الْخَرَاجَ، وَكَذَا مَنْ يَجْمَعُ الْمَاءَ لِلإِْبِل، وَالْجِبَاوَةُ: اسْمُ الْمَاءِ الْمَجْمُوعِ (١) وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحِسَابُ: ٢ - الْحِسَابُ هُوَ الْعَمَل الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ضَبْطِ الْمَال الَّذِي يَجْمَعُهُ الْجُبَاةُ، وَمَعْرِفَةِ مَوْرِدِهِ وَمَصْرِفِهِ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، إِحْصَاءُ الْمَال وَعَدُّهُ، وَالْحِسَابُ، مِنْ وَسَائِل ضَبْطِ الْجِبَايَةِ (٢) .

стр. 8927

ب - الْخَرْصُ: ٣ - الْخَرْصُ تَقْدِيرُ مَا عَلَى النَّخْل وَنَحْوِهِ مِنْ ثَمَرٍ، بِالظَّنِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَرْصِ وَالْجِبَايَةِ، أَنَّ الْخَارِصَ عَمَلُهُ التَّقْدِيرُ، وَالْجَابِي عَمَلُهُ الْجَمْعُ (١) . ج - الْعِرَافَةُ: ٤ - الْعِرَافَةُ وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: تَدْبِيرُ الْقَوْمِ وَالْقِيَامُ عَلَى سِيَاسَتِهِمْ، وَالْعَرِيفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الَّذِي يُعَرِّفُ الْجَابِيَ أَرْبَابَ الصَّدَقَاتِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُمْ (٢) . د - الْكِتَابَةُ: ٥ - الْكِتَابَةُ: تَقْيِيدُ مَا يَدْفَعُهُ أَرْبَابُ الأَْمْوَال مِنَ الصَّدَقَةِ (٣) . وَهِيَ مِنْ وَسَائِل ضَبْطِ الْجِبَايَةِ. حُكْمُ الْجِبَايَةِ: ٦ - جِبَايَةُ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ لِبَيْتِ الْمَال وَاجِبَةٌ عَلَى الإِْمَامِ. قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَالَّذِي يَلْزَمُهُ (أَيِ الإِْمَامَ) مِنَ الأُْمُورِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ. . ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْهَا: " جِبَايَةَ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ نَصًّا وَاجْتِهَادًا مِنْ غَيْرِ عَسْفٍ (٤) ".

стр. 8928

مَحَل الْجِبَايَةِ: الْجِبَايَةُ تَكُونُ فِي الأَْمْوَال الَّتِي تَرِدُ إِلَى بَيْتِ الْمَال كَبَعْضِ أَمْوَال الزَّكَاةِ وَأَمْوَال الْفَيْءِ. وَفِيمَا يَلِي مَا يَتَعَلَّقُ بِجِبَايَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا. أ - جِبَايَةُ الزَّكَاةِ: ٧ - جِبَايَةُ الزَّكَاةِ وَاجِبَةٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يَبْعَثُونَ السُّعَاةَ؛ وَلأَِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَمْلِكُ الْمَال وَلاَ يَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْخَل، فَوَجَبَ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَأْخُذُ (١) . وَعَمَل الْجَابِي إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْمْوَال الَّتِي وَلاَّهُ الإِْمَامُ جِبَايَتَهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ شُرُوطًا لِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وَهِيَ تَشْمَل الْعَامِلِينَ عَلَى جِبَايَتِهَا، وَذَكَرُوا أَيْضًا مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل مِنْ جَابٍ وَغَيْرِهِ مُقَابِل عَمَلِهِ، وَذَكَرُوا أَيْضًا الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا جِبَايَةُ الزَّكَاةِ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ النِّقَاطِ التَّالِيَةِ: أَوَّلاً - شُرُوطُ الْجَابِي: ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِلْجَابِي شُرُوطًا هِيَ: - أ - الإِْسْلاَمُ: ٨ - اشْتِرَاطُ الإِْسْلاَمِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 8929

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ (١) ﴾ وَلأَِنَّ الْعَمَل الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْجَابِي وَغَيْرُهُ فِي الزَّكَاةِ إِنَّمَا هُوَ وِلاَيَةٌ فَاشْتُرِطَ فِيهَا الإِْسْلاَمُ كَسَائِرِ الْوِلاَيَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُهُ؛ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ أَجْرًا مُقَابِل جِبَايَتِهِ (٢) . ب - أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا: ٩ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَابِي بَالِغًا عَاقِلاً لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لِلْقَبْضِ؛ وَلأَِنَّ عَمَلَهُ وِلاَيَةٌ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ (٣) . ج - الْكِفَايَةُ: ١٠ - ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الْحَنَابِلَةُ فِي كُتُبِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْكِفَايَةِ أَهْلِيَّتُهُ لِلْقِيَامِ بِعَمَلِهِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى تَحَمُّل أَعْبَائِهِ، فَإِنَّ الأَْمَانَةَ وَحْدَهَا لاَ تَفِي مَا لَمْ يَصْحَبْهَا الْقُوَّةُ عَلَى الْعَمَل وَالْكِفَايَةُ فِيهِ (٤) .

стр. 8930

د - الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ مَا يُجْبَى مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا: ١١ - ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ مِنْ جَابٍ وَغَيْرِهِ عَالِمًا بِحُكْمِهَا لِئَلاَّ يَأْخُذَ غَيْرَ الْوَاجِبِ أَوْ يُسْقِطَ وَاجِبًا، أَوْ يَدْفَعَ لِغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ يَمْنَعَ مُسْتَحِقًّا. وَعِبَارَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ: وَلاَ يَبْعَثُ إِلاَّ فَقِيهًا لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُؤْخَذُ وَمَا لاَ يُؤْخَذُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِيمَا يَعْرِضُ مِنْ مَسَائِل الزَّكَاةِ وَأَحْكَامِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْعَامِل إِنْ كَانَ مِنْ عُمَّال التَّفْوِيضِ، أَيْ مِنَ الَّذِينَ يُفَوَّضُ إِلَيْهِمْ عُمُومُ الأَْمْرِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِل مُنَفِّذًا وَقَدْ عَيَّنَ لَهُ الإِْمَامُ مَا يَأْخُذْهُ جَازَ أَنْ لاَ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ الْعُمَّال وَيَكْتُبُ لَهُمْ مَا يَأْخُذُونَ وَكَذَلِكَ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَّالِهِ (١) . هـ - الْعَدَالَةُ وَالأَْمَانَةُ: ١٢ - ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَجَعَل بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الأَْمَانَةَ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا وَالْمُرَادُ بِالْعَدَالَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ فَاسِقًا؛ لأَِنَّ الْفَاسِقَ

стр. 8931

لاَ وِلاَيَةَ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَدَالَةِ هُنَا كَمَا جَاءَ فِي الدُّسُوقِيِّ وَالْخَرَشِيِّ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ عَدَالَةُ كُل وَاحِدٍ فِيمَا يَفْعَلُهُ، فَعَدَالَةُ الْمُفَرِّقِ فِي تَفْرِقَتِهَا، وَالْجَابِي فِي جِبَايَتِهَا، وَهَكَذَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَدَالَةُ الشَّهَادَةِ أَوِ الرِّوَايَةِ. وَالْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ بِحُكْمِهَا شَرْطَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْعَمَل وَالإِْعْطَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ (١) . و كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ آل الْبَيْتِ: ١٣ - يَجُوزُ اتِّفَاقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ اسْتِعْمَال ذَوِي الْقُرْبَى عَلَى الصَّدَقَاتِ إِنْ دُفِعَتْ إِلَيْهِمْ أُجْرَتُهُمْ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ. أَمَّا إِنْ كَانَ مَا يَأْخُذُونَهُ عَلَى عَمَلِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِعْطَائِهِمْ عَنِ الْعَمَل مِنْهَا تَنْزِيهًا لِقَرَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ شُبْهَةِ أَخْذِ الصَّدَقَةِ، لأَِنَّ الْفَضْل بْنَ الْعَبَّاسِ، وَالْمُطَّلِبَ بْنَ رَبِيعَةَ سَأَلاَ النَّبِيَّ ﷺ الْعِمَالَةَ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَقَال: إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِل لِمُحَمَّدٍ وَلاَ لآِل مُحَمَّدٍ (٢) وَهُوَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ لاَ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.

стр. 8932

وَجَوَّزَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ كَوْنَ الْعَامِل مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَأَنْ يُعْطَى عَلَى عَمَلِهِ مِنْ سَهْمِ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِل عَلَى سَبِيل الْعِوَضِ عَنْ عَمَلِهِ. وَذَهَبَ الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال ذَوِي الْقُرْبَى فِي الأَْعْمَال الأُْخْرَى لِلزَّكَاةِ كَالْحِرَاسَةِ وَالسَّوْقِ؛ لأَِنَّهَا إِجَارَةٌ مَحْضَةٌ (١) . ثَانِيًا - مِقْدَارُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مُقَابِل عَمَلِهِ: ١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَامِل مِنْ جَابٍ وَغَيْرِهِ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا عَلَى عَمَلِهِ وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مُقَابِل عَمَلِهِ، وَفِي كَوْنِهِ يَتَقَيَّدُ بِالثَّمَنِ، وَفِي كَوْنِ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجَابِيَ فِي الصَّدَقَةِ يُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ مَا يَسَعُهُ وَأَعْوَانَهُ زَادَ عَلَى الثَّمَنِ أَوْ نَقَصَ وَإِنْ جَاوَزَتْ كِفَايَتُهُ نِصْفَ مَا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ فَلاَ يُزَادُ عَلَى النِّصْفِ لأَِنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الإِْنْصَافِ، وَإِنَّمَا يُعْطَى كِفَايَتَهُ لأَِنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِلْعَمَل لِمَصْلَحَةِ الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونُ كِفَايَتُهُ فِي الزَّكَاةِ كَالْمُقَاتِلَةِ وَالْقَاضِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالإِْجَارَةِ لأَِنَّهُ

стр. 8933

عَمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَامِل مِنَ الزَّكَاةِ إِنَّمَا يَأْخُذُهُ عِمَالَةً؛ لأَِنَّ أَصْحَابَ الأَْمْوَال لَوْ حَمَلُوا الزَّكَاةَ إِلَى الإِْمَامِ لاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل شَيْئًا وَلَوْ هَلَكَ مَا جَمَعَهُ مِنَ الزَّكَاةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِل شَيْئًا كَالْمُضَارِبِ إِذَا هَلَكَ مَال الْمُضَارَبَةِ، إِلاَّ أَنَّ فِيهِ شِبْهَ الصَّدَقَةِ بِدَلِيل سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْ أَرْبَابِ الأَْمْوَال. وَلِذَا لاَ تَحِل لِلْعَامِل الْهَاشِمِيِّ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِخِلاَفِ الْغَنِيِّ، لأَِنَّهُ لاَ يُوَازِيهِ فِي الْكَرَامَةِ، كَمَا لاَ تَحِل لِلإِْمَامِ أَوْ الْقَاضِي؛ لأَِنَّ رِزْقَهُمَا فِي بَيْتِ الْمَال (١) . وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْجَابِيَ يَأْخُذُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَلاَ تَتَقَيَّدُ تِلْكَ الأُْجْرَةُ بِالثُّمُنِ وَلاَ بِالنِّصْفِ، بَل إِنَّ الزَّكَاةَ تُدْفَعُ كُلُّهَا لَهُ إِنْ لَمْ يَفِ بَعْضُهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْل. وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ الْجُبَاةَ لاَ تُدْفَعُ أُجُورُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِوَصْفِ الْفَقْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ أَخَذُوا أُجُورَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَال مُقَابِل عَمَلِهِمْ، وَمِثْل الْجُبَاةِ فِي هَذَا حُرَّاسُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، أَوْ حُرَّاسُ زَكَاةِ الْمَال، وَأَمَّا مَا سِوَى هَؤُلاَءِ مِنَ الْعَامِلِينَ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أُجُورَهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ بِأَحَدِ وَصْفَيْنِ: الْفَقْرُ، أَوِ الْعَمَل، أَوْ بِهِمَا مَعًا. إِنْ لَمْ يَفِ أَحَدُهُمَا بِالأُْجْرَةِ، وَلاَ يَأْخُذُ الْجَابِي

стр. 8934

عِنْدَهُمْ بِوَصْفِ الْعَزْمِ إِذَا كَانَ مِدْيَانًا بِإِعْطَاءِ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهُ يَقْسِمُهَا فَلاَ يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ (١) . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وُجُوبُ صَرْفِ جَمِيعِ الزَّكَاةِ إِلَى جَمِيعِ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، مَعَ وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ حِصَصِ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، فَيَكُونُ لِكُل صِنْفٍ مِنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ ثُمُنُ مَا جُمِعَ مِنَ الزَّكَاةِ. وَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ جَابٍ وَغَيْرِهِ قَدْرَ أُجْرَةِ عَمَلِهِ قَل أَمْ كَثُرَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَهُوَ الثُّمُنُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ فَقَطْ أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَتِهِ أَخَذَ أُجْرَتَهُ وَالْبَاقِي لِلأَْصْنَافِ بِلاَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الأَْصْنَافِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لِلْعَامِل فِيهَا حَقٌّ تَعَيَّنَ الْبَاقِي لِلأَْصْنَافِ، وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ أُجْرَتِهِ وَجَبَ إِتْمَامُ أُجْرَتِهِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي تُتَمَّمُ مِنْهَا تِلْكَ الأُْجْرَةُ أَرْبَعَ طُرُقٍ الصَّحِيحُ مِنْهَا عِنْدَهُ وَعِنْدَ الأَْصْحَابِ كَمَا جَاءَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُتَمَّمُ مِنْ سِهَامِ بَقِيَّةِ الأَْصْنَافِ وَهَذَا الْخِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ فِي جَوَازِ التَّتْمِيمِ مِنْ سِهَامِ بَقِيَّةِ الأَْصْنَافِ. وَأَمَّا بَيْتُ الْمَال فَيَجُوزُ التَّتْمِيمُ مِنْهُ بِلاَ

стр. 8935

خِلاَفٍ، فَلَوْ رَأَى الإِْمَامُ أَنْ يَجْعَل أُجْرَةَ الْعَامِل كُلَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَال وَيَقْسِمَ جَمِيعَ الزَّكَوَاتِ عَلَى بَقِيَّةِ الأَْصْنَافِ جَازَ؛ لأَِنَّ بَيْتَ الْمَال لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ، صَرَّحَ بِهَذَا كُلِّهِ صَاحِبُ الشَّامِل وَآخَرُونَ، وَنَقَل الرَّافِعِيُّ اتِّفَاقَ الأَْصْحَابِ عَلَيْهِ (١) . وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ لِلإِْمَامِ تَعْيِينَ أُجْرَةِ الْجَابِي قَبْل بَعْثِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عُمَرَ ﵁ سَاعِيًا وَلَمْ يَجْعَل لَهُ أُجْرَةً فَلَمَّا جَاءَ أَعْطَاهُ (٢) ، فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ أُجْرَةً دَفَعَهَا إِلَيْهِ. وَإِلاَّ دَفَعَ إِلَيْهِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ. وَيَدْفَعُ مِنْهَا أُجْرَةَ الْحَاسِبِ، وَالْكَاتِبِ، وَالْعَدَّادِ، وَالسَّائِقِ، وَالرَّاعِي، وَالْحَافِظِ، وَالْحَمَّال، وَالْكَيَّال، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهَا فَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْبَدْءُ بِالْعَامِل لأَِنَّهُ يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ، وَغَيْرُهُ يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْمُوَاسَاةِ (٣) . ثَالِثًا - كَيْفِيَّةُ جِبَايَةِ الزَّكَاةِ: ١٥ - الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهُ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْل وَمِنْهُ مَا لاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ، فَالْمَال الَّذِي لاَ يُعْتَبَرُ

стр. 8936

فِيهِ الْحَوْل كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ لاَ يُجْبَى إِلاَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَهُوَ وَقْتُ إِدْرَاكِ الثِّمَارِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ. وَلَكِنْ يُخْرَصُ، أَيْ يُقَدَّرُ مَا فِيهِ مِنَ الثَّمَرِ لِتَحْدِيدِ الْوَاجِبِ فِيهِ مِنَ الزَّكَاةِ. وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ: (خَرْصٌ) . وَأَمَّا الْمَال الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْل كَزَكَاةِ النَّعَمِ مَثَلاً، فَإِنَّ السَّاعِيَ يُعَيِّنُ شَهْرًا مُحَدَّدًا مِنَ السَّنَةِ يَأْتِي فِيهِ أَصْحَابَ الأَْمْوَال لِجِبَايَةِ زَكَاتِهِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّهْرَ هُوَ الْمُحَرَّمَ لأَِنَّهُ أَوَّل السَّنَةِ، وَيُسْتَحَبُّ عَدُّ الْمَاشِيَةِ عَلَى مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي الأَْفْنِيَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ النَّاسِ عَلَى مِيَاهِهِمْ، أَوْ عِنْدَ أَفْنِيَتِهِمْ (١) وَإِنْ أَخْبَرَهُ صَاحِبُ الْمَال بِعَدَدِهِ قَبِل مِنْهُ، وَإِنْ قَال لَمْ يَكْمُل الْحَوْل أَوْ فَرَّقْتُ زَكَاتَهُ وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يَمْنَعُ الأَْخْذَ مِنْهُ قَبِل مِنْهُ وَلَمْ يُحَلِّفْهُ، لأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ وَحَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلاَ يَحْلِفُ عَلَيْهَا كَالصَّلاَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَأْخُذَ كَرَائِمَ الْمَال لِقَوْلِهِ ﷺ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ (٢)

стр. 8937

وَذَلِكَ لأَِنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ لِلْفُقَرَاءِ فَلاَ يُنَاسِبُ ذَلِكَ الإِْجْحَافَ بِمَال الأَْغْنِيَاءِ. وَلاَ يَأْخُذُ مِنْ أَرْدَئِهَا بَل يَأْخُذُ الْوَسَطَ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْجَابِي إِذَا قَبَضَ الصَّدَقَةَ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُزَكِّي (١) ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَل عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢) وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل فُلاَنٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَةٍ فَقَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل أَبِي أَوْفَى (٣) وَلاَ يَجِبُ الدُّعَاءُ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ السُّعَاةَ؛ وَلأَِنَّ سَائِرَ مَا يَأْخُذُهُ الإِْمَامُ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَالدُّيُونِ وَغَيْرِهِمَا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الدُّعَاءُ، فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَأَمَّا الآْيَةُ فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ خَاصًّا بِهِ لِكَوْنِ صَلاَتِهِ سَكَنًا بِخِلاَفِ غَيْرِهِ. وَمِنَ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُول: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْطِي أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ

стр. 8938

اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلاَ تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا (١) . وَنُقِل وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ دُعَاءَ قَابِضِ الصَّدَقَةِ لِدَافِعِهَا وَاجِبٌ عَمَلاً بِظَاهِرِ الآْيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَل عَلَيْهِمْ﴾ (٢) . رَابِعًا - جِبَايَةُ الْفَيْءِ: ١٦ - الْفَيْءُ مِنْ مَوَارِدِ بَيْتِ الْمَال، وَهُوَ الْمَال الْمَأْخُوذُ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلاَ إِيجَافِ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ. وَيَشْمَل الْفَيْءُ عَدَدًا مِنَ الأَْمْوَال مِنْهَا مَا هَرَبَ عَنْهُ الْكُفَّارُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَمِنْهَا الْجِزْيَةُ، وَالْخَرَاجُ، وَالْعُشُورُ. (٣) أ - جِبَايَةُ الْجِزْيَةِ: ١٧ - الْجِزْيَةُ لُغَةً: اسْمٌ لِلْمَال الْمَأْخُوذِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ (٤) . وَاصْطِلاَحًا عِبَارَةٌ عَنْ وَظِيفَةٍ أَوْ مَالٍ يُؤْخَذُ مِنَ الْكَافِرِ فِي كُل عَامٍ مُقَابِل إِقَامَتِهِ فِي دِيَارِ الإِْسْلاَمِ (٥) .

стр. 8939

أَمَّا الإِْنَابَةُ فِي أَدَائِهَا وَمِقْدَارُهَا وَمَتَى تَجِبُ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ مُصْطَلَحِ: (جِزْيَةٌ) . ١٨ - وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ جِبَايَتِهَا فَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمُ الْخُرَاسَانِيُّونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ صُوَرًا لِكَيْفِيَّةِ الصَّغَارِ مِنْهَا: الْوَارِدُ فِي الآْيَةِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ وَهُوَ قَائِمٌ، وَيَكُونُ الْقَابِضُ قَاعِدًا، وَتَكُونُ يَدُ الْقَابِضِ أَعْلَى مِنْ يَدِ الذِّمِّيِّ، وَيَقُول لَهُ الْقَابِضُ أَعْطِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ (١) . وَقَال النَّوَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ: إِنَّ الأَْصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَفْسِيرُ الصَّغَارِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ وَجَرَيَانِهَا عَلَيْهِمْ، وَنَقَل عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ نَحْوَهُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ فِي الأُْمِّ فَقَدْ قَال: إِنْ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ أَخَذَهَا بِأَحْمَالٍ وَلَمْ يُضَرَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يَنَلْهُ بِقَوْلٍ قَبِيحٍ. قَالُوا: وَأَشَدُّ الصَّغَارِ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُهُ وَيُضْطَرَّ إِلَى احْتِمَالِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ مِنْ أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ لاَ يُعَذَّبُونَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ (٢) . فَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَال: مَرَّ هِشَامُ بْنُ

стр. 8940

حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الأَْنْبَاطِ بِالشَّامِ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ فَقَال: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَال هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا (١) . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِمَالٍ كَثِيرٍ، قَال أَبُو عُبَيْدٍ: أَحْسَبُهُ الْجِزْيَةَ فَقَال: إِنِّي لأََظُنُّكُمْ قَدْ أَهْلَكْتُمُ النَّاسَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَخَذْنَا إِلاَّ عَفْوًا صَفْوًا قَال: بِلاَ سَوْطٍ وَلاَ نَوْطٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَل ذَلِكَ عَلَى يَدِيَّ وَلاَ فِي سُلْطَانِي (٢) . ب - جِبَايَةُ الْخَرَاجِ: ١٩ - الْخَرَاجُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلْكِرَاءِ وَالْغَلَّةِ وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (٣) وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا وُضِعَ عَلَى رِقَابِ الأَْرْضِ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا لِبَيْتِ الْمَال. وَالأَْرْضُ الْمُخْتَصَّةُ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا هِيَ الَّتِي صُولِحَ عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ وَلَنَا عَلَيْهَا الْخَرَاجُ. وَكَذَلِكَ الأَْرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً عِنْدَ

стр. 8941

مَنْ يَقُول بِوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا (١) . فَأَمَّا مِقْدَارُ الْخَرَاجِ الْمَأْخُوذِ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (خَرَاجٌ) . ج - جِبَايَةُ عُشُورِ أَهْل الذِّمَّةِ: ٢٠ - الْعُشْرُ ضَرِيبَةٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ عَنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَتَرَدَّدُونَ بِهَا مُتَاجِرِينَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَدْخُلُونَ بِهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ يَنْتَقِلُونَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، تُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً مَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ ثُمَّ يَعُودُوا إِلَيْهَا مِثْلُهَا عُشُورُ أَهْل الْحَرْبِ مِنَ التُّجَّارِ كَذَلِكَ إِذَا دَخَلُوا بِتِجَارَتِهِمْ إِلَيْنَا مُسْتَأْمِنِينَ (٢) . مَا يُشْتَرَطُ فِي جَابِي الْخَرَاجِ: ٢١ - يُرْسِل الإِْمَامُ بَعْضَ أَهْل الْخِبْرَةِ لِيُقَدِّرَ مَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرَضِينَ الْخَرَاجِيَّةِ مِنَ الْخَرَاجِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ وَعُلِمَ يُرْسِل الإِْمَامُ مَنْ يَجْبِي الْخَرَاجَ فِي مَوْعِدِهِ حَسَبَ التَّقْدِيرِ السَّابِقِ، وَيُشْتَرَطُ فِي مَنْ يَقُومُ بِجِبَايَةِ عُمُومِ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ أَمْوَال الْفَيْءِ مِنْ خَرَاجٍ وَغَيْرِهِ، الإِْسْلاَمُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالأَْمَانَةُ، وَالاِضْطِلاَعُ بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ

стр. 8942

يَكُونَ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا؛ لأَِنَّهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ مَا اسْتَقَرَّ بِوَضْعِ غَيْرِهِ (١) . فَإِنْ كَانَتْ وِلاَيَتُهُ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ أَمْوَال الْفَيْءِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مَا وَلِيَهُ مِنْهَا، وَحِينَئِذٍ لاَ يَخْلُو حَالُهُ عَنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ لاَ يَسْتَغْنِيَ فِيهِ عَنْ الاِسْتِنَابَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ فِيهِ عَنْ الاِسْتِنَابَةِ اعْتُبِرَ فِيهِ الإِْسْلاَمُ وَالْحُرِّيَّةُ مَعَ اضْطِلاَعِهِ بِشُرُوطِ مَا وَلِيَ مِنْ مِسَاحَةٍ أَوْ حِسَابٍ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا وَلاَ عَبْدًا لأَِنَّ فِيهَا وِلاَيَةً، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الاِسْتِنَابَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لأَِنَّهُ كَالرَّسُول الْمَأْمُورِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ ذِمِّيًّا فَيُنْظَرُ فِيمَا رُدَّ إِلَيْهِ مِنْ مَال الْفَيْءِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ فِيهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَالْخَرَاجِ الْمَوْضُوعِ عَلَى رِقَابِ الأَْرَضِينَ إِذَا صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَفِي جَوَازِ كَوْنِهِ ذِمِّيًّا وَجْهَانِ. هَذَا وَإِذَا بَطَلَتْ وِلاَيَةُ الْعَامِل فَقَبَضَ مَال الْفَيْءِ مَعَ فَسَادِ وِلاَيَتِهِ بَرِئَ الدَّافِعُ مِمَّا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَنْهَهُ عَنِ الْقَبْضِ؛ لأَِنَّ الْقَابِضَ مِنْهُ مَأْذُونٌ لَهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ وِلاَيَتُهُ وَجَرَى فِي الْقَبْضِ مَجْرَى الرَّسُول، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلاَيَتِهِ وَفَسَادِهَا أَنَّ لَهُ الإِْجْبَارَ عَلَى الدَّفْعِ مَعَ صِحَّةِ الْوِلاَيَةِ وَلَهُ الإِْجْبَارَ مَعَ فَسَادِهَا، فَإِنْ نُهِيَ عَنِ الْقَبْضِ مَعَ فَسَادِ وِلاَيَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَبْضُ وَلاَ الإِْجْبَارُ وَلَمْ يَبْرَأَ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ

стр. 8943

إِذَا عَلِمَ بِنَهْيِهِ. وَفِي بَرَاءَتِهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْيِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى عَزْل الْوَكِيل إِذَا تَصَرَّفَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالْعَزْل (١) . هَذَا وَيُعَيِّنُ الْجَابِي شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ لِجِبَايَةِ تِلْكَ الأَْمْوَال، وَأَمَّا مَا يَأْخُذُهُ مُقَابِل عَمَلِهِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ كِفَايَةُ سَنَةٍ وَيُقَدِّمُهُ الإِْمَامُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ آل النَّبِيِّ ﷺ (٢) . مُحَاسَبَةُ الإِْمَامِ لِلْجُبَاةِ: ٢٢ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ مُحَاسَبَةُ الْجُبَاةِ تَأَسِّيًا بِرَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِنَّهُ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَل رَجُلاً مِنَ الأَْسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ (٣) وَهُوَ أَصْلٌ فِي مُحَاسَبَةِ الْجُبَاةِ. وَيَجِبُ عَلَى الْجُبَاةِ أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ مَعَ الإِْمَامِ فَلاَ يُخْفُوا شَيْئًا مِنَ الْمَال الَّذِي جَمَعُوهُ لأَِنَّهُ مِنَ الأَْمَانَةِ (٤) . وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا

стр. 8944

أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) . وَقَدْ تَوَعَّدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَدِيِّ أَبِي عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَال: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الأَْنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: اقْبَل عَنِّي عَمَلَكَ قَال: وَمَا لَكَ؟ قَال: سَمِعْتُكَ تَقُول كَذَا وَكَذَا قَال: وَأَنَا أَقُول الآْنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى (٢) . وَلَيْسَ لِلْجُبَاةِ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ بَعْضَهُ أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ، وَمَا أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْعَمَل يُرَدُّ إِلَى بَيْتِ الْمَال لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْبَل ذَلِكَ مِنِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ حِينَ قَدِمَ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَقَال: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي أُهْدِيَ لِي، بَل قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَال: مَا بَال عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُول: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلاَ قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لاَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَنَال أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ

стр. 8945

الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ (١) ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ (٢) ".

стр. 8946

جَبٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَبُّ لُغَةً الْقَطْعُ، وَمِنْهُ الْمَجْبُوبُ، وَهُوَ الَّذِي اسْتُؤْصِل ذَكَرُهُ وَخُصْيَاهُ. وَالْجَبُّ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: قَطْعُ الذَّكَرِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بِحَيْثُ لاَ يَبْقَى مِنْهُ مَا يَتَأَتَّى بِهِ الْوَطْءُ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْعُنَّةُ: ٢ - الْعُنَّةُ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى إِتْيَانِ النِّسَاءِ مَعَ وُجُودِ الآْلَةِ (٢) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ عَدَمَ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الْجَبِّ يَكُونُ لِقَطْعِ الْمَذَاكِيرِ. وَالْعَجْزُ عَنْ إِتْيَانِ الزَّوْجَةِ فِي الْعُنَّةِ يَكُونُ لِدَاءٍ يَمْنَعُ مِنْ الاِنْتِشَارِ (٣) .

стр. 8947

ب - الْخِصَاءُ: ٣ - الْخِصَاءُ: هُوَ فَقْدُ الْخُصْيَتَيْنِ خِلْقَةً، أَوْ بِقَطْعٍ، أَوْ سَلٍّ لَهُمَا (١) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَبِّ وَالْخِصَاءِ وَاضِحٌ. ج - الْوِجَاءُ: ٤ - الْوِجَاءُ: هُوَ اسْمُ مَصْدَرِ وَجَأَ يَجَأُ: أَيْ ضَرَبَ وَدَقَّ وَهُوَ أَنْ تُرَضَّ خُصْيَتَا الْفَحْل رَضًّا شَدِيدًا يُذْهِبُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبِّ وَاضِحٌ إِذِ الْمَوْجُوءُ لَمْ يُقْطَعْ ذَكَرُهُ، بَل هُوَ شَبِيهٌ بِالْخَصِيِّ. إِلاَّ أَنَّ خُصْيَتَيْهِ لاَ أَثَرَ لَهُمَا مَعَ وُجُودِهِمَا (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْجَبَّ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تُثْبِتُ لِلزَّوْجَةِ الْخِيَارَ بَيْنَ التَّفْرِيقِ وَالْبَقَاءِ مَتَى عَلِمَتْ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْجَبَّ يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَهُوَ الْوَطْءُ (٣) إِلاَّ أَنَّ هُنَاكَ اخْتِلاَفًا وَتَفْصِيلاً فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجَبِّ أَهَمُّهَا مَا يَلِي: الْجَبُّ الْحَادِثُ بَعْدَ الدُّخُول: ٦ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ

стр. 8948

الْوَجْهَيْنِ أَنَّ حُدُوثَ الْجَبِّ بَعْدَ الدُّخُول لاَ يُثْبِتُ لِلزَّوْجَةِ الْخِيَارَ بَيْنَ التَّفْرِيقِ وَالْبَقَاءِ، لأَِنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ فِي وَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ لِحُصُول الْمَقْصُودِ بِهَا مِنْ تَأَكُّدِ الْمَهْرِ وَالإِْحْصَانِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ حُكْمًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ دِيَانَةً (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ إِلَى تَخْيِيرِ الزَّوْجَةِ بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَإِدَامَتِهِ بِالْجَبِّ مُطْلَقًا قَبْل الدُّخُول أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ بِفِعْلِهَا فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ يُوَرِّثُ الْيَأْسَ مِنَ الْوَطْءِ (٢) . كَيْفِيَّةُ التَّفْرِيقِ لِلْجَبِّ: ٧ - إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الزَّوْجَ مَجْبُوبٌ إِمَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ تُخَيَّرُ الزَّوْجَةُ لِلْحَال وَلاَ يُؤَجَّل؛ لأَِنَّ التَّأْجِيل لِرَجَاءِ الْوُصُول إِلَيْهَا وَلاَ يُرْجَى مِنْهُ الْوُصُول فَلَمْ يَكُنْ التَّأْجِيل مُفِيدًا (٣) . وَالْفُرْقَةُ لِلْجَبِّ لاَ تَقَعُ بِلاَ حُكْمِ حَاكِمٍ لأَِنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ أَمْرٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَتَحَرٍّ

стр. 8949

وَبَذْل جَهْدٍ فِي تَحْرِيرِ سَبَبِهِ وَذَلِكَ كَالطَّلاَقِ بِالإِْعْسَارِ وَالطَّلاَقِ بِالإِْضْرَارِ. بِهَذَا قَال عَامَّةُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) . وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الأُْصُول - أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِنَفْسِ اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَضَاءِ كَخِيَارِ مَنْ خَيَّرَهَا زَوْجُهَا (٢) . صِفَةُ الْفُرْقَةِ لِلْجَبِّ: ٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْفُرْقَةَ بِالْجَبِّ طَلاَقٌ بَائِنٌ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الزَّوْجِ الإِْمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا فَاتَ وَجَبَ التَّسْرِيحُ بِالإِْحْسَانِ، فَإِنْ سَرَّحَهَا الزَّوْجُ وَإِلاَّ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ، فَكَانَ الْفِعْل مَنْسُوبًا إِلَى الزَّوْجِ، فَكَانَ طَلاَقًا بَائِنًا لِيَتَحَقَّقَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا، وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ النَّافِذُ اللاَّزِمُ لاَ يَحْتَمِل الْفَسْخَ، وَلِهَذَا لاَ يَنْفَسِخُ بِالْهَلاَكِ قَبْل التَّسْلِيمِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ فَسْخٌ لاَ طَلاَقٌ؛ لأَِنَّهُ رَدٌّ لِعَيْبٍ فَكَانَ فَسْخًا كَرَدِّ الْمُشْتَرِي (٣) .

стр. 8950

نَسَبُ وَلَدِ امْرَأَةِ الْمَجْبُوبِ: ٩ - ذَهَبَ أَبُو سُلَيْمَانَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالإِْصْطَخْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمَجْبُوبَ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَيُحْكَى ذَلِكَ قَوْلاً لِلشَّافِعِيِّ كَمَا أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ (١) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّ الْمَجْبُوبَ لاَ يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُنْزِل وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ يُخْلَقَ لَهُ وَلَدٌ (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ التُّمُرْتَاشِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ -: يُسْأَل أَهْل الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ لَزِمَهُ الْوَلَدُ، وَإِلاَّ لَمْ يَلْزَمْهُ (٣) . وَلِلتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ التَّفْرِيقِ لِلْجَبِّ، وَأَثَرِ التَّفْرِيقِ بِالْجَبِّ عَلَى الْمَهْرِ وَعِدَّةِ امْرَأَةِ الْمَجْبُوبِ (ر: طَلاَقٌ، عِدَّةٌ، عَيْبٌ، مَهْرٌ، نَسَبٌ) .

стр. 8951

جَبْرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَبْرُ فِي اللُّغَةِ خِلاَفُ الْكَسْرِ. يُقَال: جَبَرَ عَظْمَهُ جَبْرًا أَيْ أَصْلَحَهُ بَعْدَ كَسْرٍ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الإِْحْسَانِ إِلَى الرَّجُل فَيُقَال: جَبَرَهُ جَبْرًا إِذَا أَحْسَن إِلَيْهِ، وَأَغْنَاهُ بَعْدَ فَقْرٍ. وَيَأْتِي بِمَعْنَى التَّكْمِيل فَيُقَال: مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ أَوْ أَتَى بِمَحْظُورٍ فِيهِ: جَبَرَهُ بِالدَّمِ. كَمَا يُقَال: جَبَرَ الْمُزَكِّي مَا أَخْرَجَهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ السِّنَّ الْوَاجِبَ فِي زَكَاةِ إِبِلِهِ فَأَخْرَجَ مَا دُونَهُ وَدَفَعَ الْفَضْل، وَيُسَمَّى دَفْعُ الْفَضْل جُبْرَانًا، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الإِْكْرَاهِ عَلَى الشَّيْءِ، فَيُقَال: جَبَرَهُ عَلَى الأَْمْرِ جَبْرًا، وَحَكَى الأَْزْهَرِيُّ: جَبَرَهُ جُبُورًا وَأَجْبَرَهُ إِجْبَارًا: أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ (١) . وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجَبْرِ بِاخْتِلاَفِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ. فَالْجَبْرُ بِمَعْنَى الإِْكْرَاهِ: قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا.

стр. 8952

كَإِجْبَارِ الْقَاضِي الْمَدِينَ الْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ الْحَال بِلاَ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ بِطَلَبِ صَاحِبِهِ. وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ كَإِجْبَارِ الشَّخْصِ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ، أَوْ طَلاَقِ زَوْجَةٍ بِغَيْرِ مُقْتَضًى شَرْعِيٍّ، فَيَحْرُمُ. أَمَّا الْجَبْرُ بِمَعْنَى التَّكْمِيل فَيَكُونُ إِذَا تَرَكَ وَاجِبًا فِي الْحَجِّ أَوِ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا فِيهِ. وَكَذَا إِذَا لَمْ يَجِدْ فِي زَكَاةِ الإِْبِل السِّنَّ الْوَاجِبَةَ فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِل إِلَى مَا تَحْتَهَا فَيَجِبُ دَفْعُ الْجُبْرَانِ عَلَيْهِ. وَالْجَبْرُ بِمَعْنَى إِصْلاَحِ الْعَظْمِ بَعْدَ كَسْرِهِ مَشْرُوعٌ إِذَا خِيفَ ضَرَرٌ بِفَوَاتِ الْعُضْوِ، أَوْ هَلاَكُ النَّفْسِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي: (تَدَاوِي) . أَمَّا الْجَبْرُ: بِمَعْنَى الإِْجْبَارِ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجْبَارٌ - وَإِحَالاَتُهُ) . الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ: ٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي وُجُوبِ الْمَسْحِ عَلَى مَوْضُوعِ الْجَبْرِ إِذَا شُدَّتْ عَلَيْهِ جَبِيرَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَتَعَذَّرَ الْغَسْل عَلَى الْعُضْوِ، أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْل كَالْجُنُبِ (١) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (جَبِيرَةٌ، مَسْحٌ، تَيَمُّمٌ) . جَبْرُ وَاجِبِ الزَّكَاةِ: ٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ

стр. 8953

فِي زَكَاةِ إِبِلِهِ سِنٌّ مُعَيَّنَةٌ فَلَمْ يَجِدْهَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُول إِلَى مَا تَحْتَهَا مَعَ الْجَبْرِ، وَيُسَمَّى فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ جُبْرَانًا، أَوْ يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ سِنًّا فَوْقَهَا وَيُعْطِي الْمُزَكِّيَ الْجُبْرَانَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْجُبْرَانِ هَل هُوَ مُحَدَّدٌ شَرْعًا؟ فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجَبْرَ مُحَدَّدٌ شَرْعًا: وَهُوَ شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَكَمَا يُشْرَعُ الْجُبْرَانُ بَيْنَ سِنٍّ وَسِنٍّ تَالِيَةٍ لَهَا، يُشْرَعُ بَيْنَ السِّنِّ وَالسِّنِّ الأَْعْلَى مِنَ الَّتِي تَلِيهَا إِنْ عَدِمَتِ التَّالِيَةُ فَيَدْفَعُ جُبْرَانَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. فَإِذَا كَانَ وَاجِبُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَلَهُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى بِنْتِ لَبُونٍ فَيَأْخُذَ جُبْرَانًا، وَهُوَ شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَ وَاجِبُهُ بِنْتَ لَبُونٍ فَلَمْ يَجِدْهَا، لَهُ أَنْ يَنْزِل إِلَى بِنْتِ مَخَاضٍ، فَيَدْفَعَ الْجُبْرَانَ، وَهَكَذَا. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفَضْل بَيْنَ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ مَا لَدَيْهِ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ قِيمَتَيْهِمَا (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ تَحْصِيل الْوَاجِبِ فَلاَ يَجُوزُ لِلسَّاعِي أَخْذُ مَا فَوْقَ الْوَاجِبِ وَدَفْعُ الْجُبْرَانِ. أَمَّا إِذَا نَزَل إِلَى مَا تَحْتَ الْوَاجِبِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنًا جَازَ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ) .

стр. 8954

الْجَبْرُ بِالدَّمِ: ٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ: مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ كَالإِْحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الإِْتْيَانِ بِهِ، يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَبْرُ بِالدَّمِ، وَلاَ يُجْبَرُ بِالدَّمِ إِلاَّ مَا كَانَ وَاجِبًا. أَمَّا أَرْكَانُ الْحَجِّ فَلاَ تُجْبَرُ إِذَا تُرِكَتْ، وَأَمَّا تَفْصِيل مَا يُعْتَبَرُ وَاجِبًا يُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَاخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ، وَنَوْعُ الْجَبْرِ، فَيُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ) .

стр. 8955

جَبْهَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَبْهَةُ مِنَ الْوَجْهِ مَعْرُوفَةٌ هِيَ مُسْتَوَى مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إِلَى النَّاصِيَةِ، وَقَال الأَْصْمَعِيُّ: هِيَ مَوْضِعُ السُّجُودِ، وَالْجَمْعُ جِبَاهٌ (١) . أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَلَهَا إِطْلاَقَانِ: فَالْجَبْهَةُ مِنَ الْوَجْهِ الَّتِي يَجِبُ غَسْلُهَا فِي الْوُضُوءِ، عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابِ الْوُضُوءِ بِأَنَّهَا مَا ارْتَفَعَ عَنِ الْحَاجِبَيْنِ إِلَى مَبْدَأِ الرَّأْسِ، وَهُوَ أَوَّل شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ، فَتَشْمَل الْجَبِينَ يْنِ. وَعَرَّفُوهَا فِي أَبْوَابِ الصَّلاَةِ بِأَنَّهَا مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ، وَبِأَنَّهَا مَا اكْتَنَفَهُ الْجَبِينَانِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى لاَ تَشْمَل الْجَبِينَيْنِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْجَبِينُ: ٢ - الْجَبِينُ فَوْقَ الصَّدْغِ، وَهُمَا جَبِينَانِ عَنْ يَمِينِ

стр. 8956

الْجَبْهَةِ وَعَنْ شِمَالِهَا فَإِذَا أَرَدْنَا بِالْجَبْهَةِ مُسْتَدِيرَ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إِلَى النَّاصِيَةِ فَالْجَبِينُ وَالْجَبْهَةُ مُتَبَايِنَانِ، أَمَّا إِنْ أَرَدْنَا بِالْجَبْهَةِ مَا ارْتَفَعَ عَنِ الْحَاجِبَيْنِ إِلَى مَبْدَأِ الرَّأْسِ فَالْجَبِينُ جُزْءٌ مِنَ الْجَبْهَةِ (١) . ب - النَّاصِيَةُ: ٣ - النَّاصِيَةُ قِصَاصُ الشَّعْرِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَنُقِل عَنِ الأَْزْهَرِيِّ قَوْلُهُ: النَّاصِيَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْبِتُ الشَّعْرِ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ لاَ الشَّعْرُ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ النَّاصِيَةَ وَقَدَّرَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِرُبُعِ الرَّأْسِ، لأَِنَّهَا أَحَدُ جَوَانِبِهِ كَمَا عَلَّلَهُ الزَّيْلَعِيُّ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالنَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ ابْتِدَاءً مِنْ مَنْبِتِ الشَّعْرِ فَوْقَ الْجَبْهَةِ (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجَبْهَةِ: أَوَّلاً - غَسْل الْجَبْهَةِ فِي الْوُضُوءِ وَمَسْحُهَا فِي التَّيَمُّمِ: ٤ - الْجَبْهَةُ جُزْءٌ مِنَ الْوَجْهِ، وَلِهَذَا يَجِبُ غَسْلُهَا فِي الْوُضُوءِ وَمَسْحُهَا فِي التَّيَمُّمِ، وَذَلِكَ بِنَصِّ الآْيَةِ

стр. 8957

الْكَرِيمَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. . .﴾ (١) . وَيَدْخُل فِي غَسْل الْجَبْهَةِ أَسَارِيرُهَا، وَهِيَ خُطُوطُ الْجَبْهَةِ وَانْكِمَاشُهَا إِنْ لَمْ تَلْحَقْ بِهِ مَشَقَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وُضُوءٌ، وَتَيَمُّمٌ) . ثَانِيًا - وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَْرْضِ فِي السُّجُودِ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّ أَقَل السُّجُودِ وَضْعُ بَعْضِ جَبْهَةِ الْمُصَلِّي عَلَى مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الأَْرْضِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَتُفْرَضُ السَّجْدَةُ عَلَى أَيْسَرِ جُزْءٍ مِنَ الْجَبْهَةِ لِمَنْ كَانَ قَادِرًا، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَيْهَا حَال الاِخْتِيَارِ لاَ يَجْزِيهِ (٣) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْجَدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى أَنْفِهِ وَقَال: هَذَا وَاحِدٌ (٤) .

стр. 8958

وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (سُجُودٌ) . ثَالِثًا - تَقْبِيل الْجَبْهَةِ: ٦ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِجَوَازِ تَقْبِيل الرَّجُل جَبْهَةَ الرَّجُل، وَوَجْهِهِ، وَرَأْسِهِ، إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَبَرَّةِ وَالإِْكْرَامِ، أَوِ الشَّفَقَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالْوَدَاعِ، وَاحْتِرَامًا مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ (١) . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَانَقَ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَقَبَّل بَيْنَ عَيْنَيْهِ (٢) . وَلِلتَّفْصِيل يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ: (تَقْبِيلٌ) . رَابِعًا - شِجَاجُ الْجَبْهَةِ: ٧ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ شِجَاجِ الْوَجْهِ وَالْجَبْهَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي الْمُوضِحَةِ مِنْهَا قِصَاصًا إِذَا كَانَتْ عَمْدًا، وَالْمُوضِحَةُ هِيَ الْجَرْحُ الَّذِي يُظْهِرُ الْعَظْمَ بَعْدَ خَرْقِ الْجِلْدَةِ. وَإِنَّمَا شَرْعُ الْقِصَاصِ

стр. 8959

فِي الْمُوضِحَةِ هُوَ تَيْسِيرُ ضَبْطِهَا وَإِمْكَانُ الاِسْتِيفَاءِ فِيهَا دُونَ حَيْفٍ. أَمَّا الأَْنْوَاعُ الأُْخْرَى مِنَ الشِّجَاجِ فَلاَ قِصَاصَ فِيهَا لِعُسْرِ ضَبْطِهَا وَصُعُوبَةِ اسْتِيفَاءِ مِثْلِهَا (١) . وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ بِسَبَبِ عُسْرِ ضَبْطِهَا فَفِيهَا الدِّيَةُ الْمُحَدَّدَةُ لَهَا شَرْعًا، وَإِلاَّ فَحُكُومَةُ عَدْلٍ (٢) . وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ - جِنَايَةٌ - دِيَاتٌ - حُكُومَةُ عَدْلٍ) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الْجَبْهَةِ فِي مَبَاحِثِ الْوُضُوءِ وَالسَّجْدَةِ، وَمَسَائِل النَّظَرِ وَالْمَسِّ، وَبَحْثِ الْقِصَاصِ وَالْجِنَايَاتِ وَنَحْوِهَا.

стр. 8960

جَبِيرَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَبِيرَةُ لُغَةً: الْعِيدَانُ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى الْعَظْمِ لِتَجْبُرَهُ عَلَى اسْتِوَاءٍ. وَجَمْعُهَا: جَبَائِرُ، وَهِيَ مِنْ جَبَرْتُ الْعَظْمَ جَبْرًا مِنْ بَابِ قَتَل أَيْ: أَصْلَحْتُهُ، فَجَبَرَ هُوَ أَيْضًا، جَبْرًا وَجُبُورًا أَيْ: صَلُحَ، فَيُسْتَعْمَل لاَزِمًا وَمُتَعَدِّيًا، وَجَبَرْتُ الْيَدَ: وَضَعْتُ عَلَيْهَا الْجَبِيرَةَ، وَجَبَرَ الْعَظْمَ: جَبَرَهُ، وَالْمُجَبِّرُ الَّذِي يَجْبُرُ الْعِظَامَ الْمَكْسُورَةَ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَسَرُّوا الْجَبِيرَةَ بِمَعْنًى أَعَمَّ فَقَالُوا: الْجَبِيرَةُ مَا يُدَاوِي الْجُرْحَ سَوَاءٌ أَكَانَ أَعْوَادًا، أَمْ لَزْقَةً، أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ (٢) .

стр. 8961

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - اللَّصُوقُ وَاللَّزُوقُ ٢ - اللَّصُوقُ وَاللَّزُوقُ - بِفَتْحِ اللاَّمِ - مَا يُلْصَقُ عَلَى الْجُرْحِ لِلدَّوَاءِ. قَال فِي الْمِصْبَاحِ: ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْخِرْقَةِ وَنَحْوِهَا إِذَا شُدَّتْ عَلَى الْعُضْوِ لِلتَّدَاوِي (١) . وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: اللَّصُوقُ مَا كَانَ عَلَى جُرْحٍ مِنْ قُطْنَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَالْجَبِيرَةُ مَا كَانَتْ عَلَى كَسْرٍ (٢) . ب - الْعِصَابَةُ: ٣ - الْعِصَابَةُ (بِكَسْرِ الْعَيْنِ) اسْمُ مَا يُشَدُّ بِهِ مِنْ عَصَبَ رَأْسَهُ عَصَبَهُ تَعْصِيبًا: شَدَّهُ، وَكُل مَا عُصِبَ بِهِ كَسْرٌ أَوْ قَرْحٌ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَهُوَ عِصَابٌ لَهُ، وَتَعَصَّبَ بِالشَّيْءِ: تَقَنَّعَ بِهِ. وَالْعَمَائِمُ يُقَال لَهَا الْعَصَائِبُ، وَالْعِصَابَةُ: الْعِمَامَةُ (٣) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهَا عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَبِذَلِكَ تَكُونُ الْعِصَابَةُ عِنْدَهُمْ أَعَمَّ مِنَ الْجَبِيرَةِ

стр. 8962

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْعِصَابَةُ: مَا يُرْبَطُ فَوْقَ الْجَبِيرَةِ (١) . حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ: ٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ نِيَابَةً عَنِ الْغَسْل أَوِ الْمَسْحِ الأَْصْلِيِّ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْل أَوْ التَّيَمُّمِ، عَلَى مَا يَأْتِي: وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: كُسِرَ زَنْدِي يَوْمَ أُحُدٍ فَسَقَطَ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِي فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : اجْعَلُوهَا فِي يَسَارِهِ فَإِنَّهُ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِالْجَبَائِرِ؟ فَقَال: امْسَحْ عَلَيْهَا (٢) . وَرَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَهُ حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَل أَصْحَابَهُ هَل تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَل فَمَاتَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ. أَلاَ سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال إِنَّمَا

стр. 8963

كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ (١) وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ؛ لأَِنَّ فِي نَزْعِهَا حَرَجًا وَضَرَرًا (٢) . وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ إِرَادَةِ الطَّهَارَةِ، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ سَيَأْتِي بَيَانُهَا، وَالْوُجُوبُ هُنَا بِمَعْنَى الإِْثْمِ بِالتَّرْكِ مَعَ فَسَادِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَقَطْ مَعَ صِحَّةِ وُضُوئِهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ (٣) . وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَغْسِل الصَّحِيحَ وَيَتَيَمَّمُ وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ. وَفِي حُكْمِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْعِصَابَةِ أَوْ اللَّصُوقِ، أَوْ مَا يُوضَعُ فِي الْجُرُوحِ مِنْ دَوَاءٍ يَمْنَعُ وُصُول الْمَاءِ - كَدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ -.

стр. 8964

شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ: ٥ - يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَا يَأْتِي: أ - أَنْ يَكُونَ غَسْل الْعُضْوِ الْمُنْكَسِرِ أَوْ الْمَجْرُوحِ مِمَّا يَضُرُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى عَيْنِ الْجِرَاحَةِ مِمَّا يَضُرُّ بِهَا، أَوْ كَانَ يُخْشَى حُدُوثُ الضَّرَرِ بِنَزْعِ الْجَبِيرَةِ. ب - أَلاَّ يَكُونَ غَسْل الأَْعْضَاءِ الصَّحِيحَةِ يَضُرُّ بِالأَْعْضَاءِ الْجَرِيحَةِ فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهَا فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. ج - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الأَْعْضَاءُ الصَّحِيحَةُ قَلِيلَةً جِدًّا كَيَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ إِذِ التَّافِهُ لاَ حُكْمَ لَهُ (١) . د - اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنْ تَكُونَ الْجَبِيرَةُ مَوْضُوعَةً عَلَى طَهَارَةٍ مَائِيَّةٍ لأَِنَّهُ حَائِلٌ يُمْسَحُ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ كَسَائِرِ الْمَمْسُوحَاتِ، فَإِنْ خَالَفَ وَوَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ وَجَبَ نَزْعُهَا، وَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِنَزْعِهَا، فَإِنْ خَافَ الضَّرَرَ لَمْ يَنْزِعْهَا وَيَصِحُّ مَسْحُهُ عَلَيْهَا، وَيَقْضِي لِفَوَاتِ شَرْطِ وَضْعِهَا عَلَى طُهْرٍ (٢) . وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهِيَ مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (قَال عَنْهُ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ

стр. 8965

شَاذٌّ) : لاَ يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ عَلَى شَدِّ الْجَبِيرَةِ. قَال الْخَلاَّل: رَوَى حَرْبٌ وَإِسْحَاقُ وَالْمَرْوَزِيُّ فِي ذَلِكَ سُهُولَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَاحْتَجَّ بِقَوْل ابْنِ عُمَرَ، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا لاَ يَنْضَبِطُ وَيَغْلُظُ عَلَى النَّاسِ جِدًّا فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا جَازَ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ نَزْعِهَا، وَنَزْعُهَا يَشُقُّ إِذَا لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ كَمَشَقَّتِهِ إِذَا لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ (١) . كَيْفِيَّةُ تَطَهُّرِ وَاضِعِ الْجَبِيرَةِ: ٦ - إِذَا أَرَادَ وَاضِعُ الْجَبِيرَةِ الطَّهَارَةَ فَلْيَفْعَل مَا يَأْتِي: ١ - يَغْسِل الصَّحِيحَ مِنْ أَعْضَائِهِ. ٢ - يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ إِلاَّ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وَلاَ يَمْسَحُ الْجَبِيرَةَ بِالْمَاءِ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْمَسْحِ. وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ الْجَبِيرَةِ بِالْمَسْحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ مَسْحَ الأَْكْثَرِ كَافٍ لأَِنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُل ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ. أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي
следующие страницы →