Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.
стр. 9661
تَمْلِكُ الْجَهَازَ إِلاَّ بِتَمْلِيكٍ لَهَا بِصِيغَةٍ، كَأَنْ يَقُول: هَذَا جَهَازُ بِنْتِي فَيَكُونُ إِقْرَارًا بِالْمِلْكِ لَهَا، وَإِلاَّ فَهُوَ عَارِيَّةٌ.
وَيَصْدُقُ بِيَمِينِهِ إِذَا ادَّعَاهُ فِي حَيَاتِهَا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ تَجْهِيزَ الأَْبِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ بِجَهَازٍ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا تَمْلِيكٌ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا جَهَّزَ الأَْبُ ابْنَتَهُ مِنْ مَالِهِ دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ أَنَّ هَذَا مِنْهُ هِبَةٌ لَهَا أَوْ عَارِيَّةٌ مِنْهُ لَهَا، وَادَّعَى بَعْدَ نَقْل الْجَهَازِ إِلَى دَارِ الزَّوْجِ أَنَّهُ كَانَ عَارِيَّةً. وَادَّعَتْ أَنَّهُ كَانَ تَمْلِيكًا بِالْهِبَةِ فَالْقَوْل قَوْلُهَا إِذَا كَانَ الْعُرْفُ يَشْهَدُ بِأَنَّ هَذَا الْجَهَازَ الْمُتَنَازَعَ عَلَيْهِ يُقَدِّمُهُ الأَْبُ لاِبْنَتِهِ هِبَةً مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ جَارِيًا بِأَنَّ الأَْبَ يُقَدِّمُهُ عَارِيَّةً فَالْقَوْل قَوْل الأَْبِ. وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُتَضَارِبًا فَالْقَوْل قَوْل الأَْبِ إِذَا كَانَ الْجَهَازُ مِنْ مَالِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ مِمَّا قَبَضَهُ مِنْ مَهْرِهَا فَالْقَوْل قَوْلُهَا؛ لأَِنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لَهَا حَيْثُ كَانَتْ رَاضِيَةً بِذَلِكَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الإِْذْنِ مِنْهَا (٣) . وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: (مَهْرٌ) . стр. 9662
جَهَالَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَهَالَةُ لُغَةً: مِنْ جَهِلْتُ الشَّيْءَ خِلاَفَ عَلِمْتُهُ وَمِثْلُهَا الْجَهْل، وَالْجَهَالَةُ أَنْ تَفْعَل فِعْلاً بِغَيْرِ الْعِلْمِ (١) .
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَإِنَّ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ يُشْعِرُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، فَيَسْتَعْمِلُونَ الْجَهْل - غَالِبًا - فِي حَالَةِ مَا إِذَا كَانَ الإِْنْسَانُ مَوْصُوفًا بِهِ فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْجَهْل مُتَعَلِّقًا بِخَارِجٍ عَنِ الإِْنْسَانِ كَمَبِيعٍ وَمُشْتَرًى وَإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا أَرْكَانُهَا وَشُرُوطُهَا، فَإِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَلَّبُوا جَانِبَ الْخَارِجِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَجْهُول، فَوَصَفُوهُ بِالْجَهَالَةِ، وَإِنْ كَانَ الإِْنْسَانُ مُتَّصِفًا بِالْجَهَالَةِ أَيْضًا. وَهَذَا الْبَحْثُ مُرَاعًى فِيهِ الْمَعْنَى الثَّانِي: أَمَّا الْمَعْنَى الأَْوَّل فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جَهْلٌ) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْغَرَرُ:
٢ - الْغَرَرُ لُغَةً الْخَطَرُ وَالتَّعْرِيضُ لِلْهَلَكَةِ، أَوْ هُوَ стр. 9663
مَا لَهُ ظَاهِرٌ مَحْبُوبٌ وَبَاطِنٌ مَكْرُوهٌ، وَغَرَّ يَغُرُّ غَرَارَةً وَغُرَّةٌ فَهُوَ غَارٌّ، وَغِرٌّ: أَيْ: جَاهِلٌ بِالأُْمُورِ غَافِلٌ عَنْهَا (١) .
وَغَرَّ الرَّجُل غَيْرَهُ يَغُرَّهُ غَرًّا وَغُرُورًا فَهُوَ غَارٌّ وَالآْخَرُ مَغْرُورٌ أَيْ خَدَعَهُ وَأَطْمَعَهُ بِالْبَاطِل.
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ قَال الرَّمْلِيُّ: الْغَرَرُ مَا احْتَمَل أَمْرَيْنِ أَغْلَبُهُمَا أَخْوَفُهُمَا، وَقِيل مَا انْطَوَتْ عَنَّا عَاقِبَتُهُ (٢) .
٣ - قَال الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ يَتَوَسَّعُونَ فِي عِبَارَتَيِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فَيَسْتَعْمِلُونَ إِحْدَاهُمَا مَوْضِعَ الأُْخْرَى.
ثُمَّ يُفَرِّقُ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَجْهُول وَقَاعِدَةِ الْغَرَرِ بِقَوْلِهِ: وَأَصْل الْغَرَرِ هُوَ الَّذِي لاَ يَدْرِي هَل يَحْصُل أَمْ لاَ؟ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ.
وَأَمَّا مَا عُلِمَ حُصُولُهُ وَجُهِلَتْ صِفَتُهُ فَهُوَ الْمَجْهُول كَبَيْعِهِ مَا فِي كُمِّهِ فَهُوَ يَحْصُل قَطْعًا، لَكِنْ لاَ يَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ هُوَ.
فَالْغَرَرُ وَالْمَجْهُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنَ الآْخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ فَيُوجَدُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ الآْخَرِ وَبِدُونِهِ.
أَمَّا وُجُودُ الْغَرَرِ بِدُونِ الْجَهَالَةِ، فَكَشِرَاءِ الْعَبْدِ стр. 9664
الآْبِقِ الْمَعْلُومِ قَبْل الإِْبَاقِ لاَ جَهَالَةَ فِيهِ وَهُوَ غَرَرٌ لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي هَل يَحْصُل أَمْ لاَ؟ .
وَالْجَهَالَةُ بِدُونِ الْغَرَرِ كَشِرَاءِ حَجَرٍ لاَ يَدْرِي أَزُجَاجٌ هُوَ أَمْ يَاقُوتٌ؟ مُشَاهَدَتُهُ تَقْتَضِي الْقَطْعَ بِحُصُولِهِ فَلاَ غَرَرَ، وَعَدَمُ مَعْرِفَتِهِ تَقْتَضِي الْجَهَالَةَ بِهِ. وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فَكَالْعَبْدِ الآْبِقِ الْمَجْهُول الصِّفَةِ قَبْل الإِْبَاقِ.
٤ - ثُمَّ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ يَقَعَانِ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ:
١ - فِي الْوُجُودِ، كَالآْبِقِ قَبْل الإِْبَاقِ.
٢ - وَالْحُصُول إِنْ عَلِمَ الْوُجُودَ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ.
٣ - وَفِي الْجِنْسِ كَسِلْعَةٍ لَمْ يُسَمِّهَا.
٤ - وَفِي النَّوْعِ كَعَبْدٍ لَمْ يُسَمِّهِ.
٥ - وَفِي الْمِقْدَارِ كَالْبَيْعِ إِلَى مَبْلَغِ رَمْيِ الْحَصَاةِ.
٦ - وَفِي التَّعْيِينِ، كَثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
٧ - وَفِي الْبَقَاءِ كَالثِّمَارِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا، فَهَذِهِ سَبْعَةُ مَوَارِدَ لِلْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ (١) .
ب - الْقِمَارُ:
٥ - الْقِمَارُ لُغَةً: الرِّهَانُ: يُقَال: قَامَرَ الرَّجُل غَيْرَهُ مُقَامَرَةً وَقِمَارًا: رَاهَنَهُ، وَقَامَرْتُهُ قِمَارًا فَقَمَرْتُهُ: غَلَبْتُهُ فِي الْقِمَارِ. стр. 9665
وَالْمَيْسِرُ: قِمَارُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ بِالأَْزْلاَمِ (١) .
قَال أَبُو حَيَّانَ: وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَاسْمُ الْمَيْسِرِ يُطْلَقُ عَلَى سَائِرِ ضُرُوبِ الْقِمَارِ.
فَالْقِمَارُ عَقْدٌ يَقُومُ عَلَى الْمُرَاهِنَةِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْجَهَالَةِ، لأَِنَّ كُل قِمَارٍ فِيهِ جَهَالَةٌ، وَلَيْسَ كُل مَا فِيهِ جَهَالَةٌ قِمَارًا فَمَثَلاً بَيْعُ الْحَصَاةِ - وَهُوَ أَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي: أَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ الَّتِي أَرْمِي بِهَا فَهُوَ لِي - قِمَارٌ كَمَا يَقُول ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فِيهِ جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ (٢) .
ج - إِبْهَامٌ:
٦ - مِنْ مَعَانِي الإِْبْهَامِ أَنْ يَبْقَى الشَّيْءُ لاَ يُعْرَفُ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ (٣) . (ر: إِبْهَامٌ) .
د - شُبْهَةٌ:
٧ - الشُّبْهَةُ: مَا يُشَبَّهُ بِالثَّابِتِ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ. وَيُقَال: اشْتَبَهَتِ الأُْمُورُ وَتَشَابَهَتْ: الْتَبَسَتْ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، وَتَقُول: شَبَّهْتَ عَلَيَّ يَا فُلاَنُ: إِذَا خَلَطَ عَلَيْكَ، وَاشْتَبَهَ الأَْمْرُ إِذَا اخْتَلَطَ (٤) . (ر: شُبْهَةٌ) . стр. 9666
أَقْسَامُ الْجَهَالَةِ:
الْجَهَالَةُ عَلَى ثَلاَثِ مَرَاتِبَ:
٨ - الأُْولَى: الْجَهَالَةُ الْفَاحِشَةُ:
وَهِيَ الْجَهَالَةُ الَّتِي تُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ وَهِيَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا عِلْمًا يَمْنَعُ مِنَ الْمُنَازَعَةِ.
وَمِنَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ بُيُوعُ الْغَرَرِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ كَبَيْعِ حَبَل الْحَبَلَةِ، وَبَيْعِ الْمُلاَمَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْحَصَاةِ، وَبَيْعِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلاَقِيحِ، فَهَذِهِ وَنَحْوُهَا بُيُوعٌ جَاهِلِيَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ فِيهَا. وَيُنْظَرُ كُلٌّ مِنْهَا فِي مَوْطِنِهِ.
٩ - الثَّانِيَةُ: الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ:
وَهِيَ الْجَهَالَةُ الَّتِي لاَ تُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا وَتَصِحُّ مَعَهَا الْعُقُودُ وَذَلِكَ كَأَسَاسِ الدَّارِ وَحَشْوَةِ الْجُبَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
١٠ - الثَّالِثَةُ: الْجَهَالَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ:
وَهِيَ مَا كَانَتْ دُونَ الْفَاحِشَةِ وَفَوْقَ الْيَسِيرَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ هَل تَلْحَقُ بِالْمَرْتَبَةِ الأُْولَى أَوِ الثَّانِيَةِ؟
وَسَبَبُ اخْتِلاَفِهِمْ فِيهَا أَنَّهَا لاِرْتِفَاعِهَا عَنِ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ أُلْحِقَتْ بِالْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ وَلاِنْحِطَاطِهَا عَنِ الْكَثِيرَةِ أُلْحِقَتْ بِالْيَسِيرَةِ.
стр. 9667
وَمِنَ الْبُيُوعِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا هَذِهِ الضُّرُوبُ مِنَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ بُيُوعٌ مَنْصُوصٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا شَرْعًا، مَنْطُوقٌ بِهَا، وَبُيُوعٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا، وَالْمَنْطُوقُ بِهِ أَكْثَرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَبَعْضُهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ (١) ، وَمِنْهُ مَا جَاءَ عَنْهُ ﵊ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السُّنْبُل حَتَّى يَبْيَضَّ (٢) . وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ (٣) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (بَيْعٌ فَاسِدٌ ف ٩) .
أَحْكَامُ الْجَهَالَةِ:
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَرَاتِبُ الْجَهَالَةِ إِجْمَالاً عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ حَيْثُ فُحْشُهَا وَقِلَّتُهَا، وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا، وَفِيمَا يَأْتِي تَوْضِيحٌ لأَِثَرِ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْمُخْتَلِفَةِ:
الْجَهَالَةُ فِي الْبَيْعِ:
١١ - تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ) أَنَّ مِنْ شُرُوطِ стр. 9668
صِحَّةِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ مَعْلُومَيْنِ عِلْمًا يَمْنَعُ الْمُنَازَعَةَ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْهُولاً جَهَالَةً فَاحِشَةً وَهِيَ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَالْفَسَادُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ هُنَا بِمَعْنَى الْبُطْلاَنِ، فَلاَ يَقْبَل التَّصْحِيحَ. وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ تَعَلَّقَتِ الْجَهَالَةُ بِمَحَل الْعَقْدِ، كَبَيْعِ الْمَعْدُومِ وَالْمَضَامِينِ وَالْمَلاَقِيحِ كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلاً عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِبَعْضِ أَوْصَافِ الْمَبِيعِ أَوْ كَانَتْ فِي الثَّمَنِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، لَكِنَّهُ يَقْبَل التَّصْحِيحَ بِالْقَبْضِ أَوِ التَّعْيِينِ إِذَا وَقَعَ فِي الْمَجْلِسِ (١) .
وَكَذَلِكَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ إِذَا كَانَتْ جَهَالَةُ الأَْجَل فَاحِشَةً، كَقُدُومِ زَيْدٍ مَثَلاً أَوْ مَوْتِهِ، لأَِنَّهَا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ (وَانْظُرْ: بَيْعٌ، وَبَيْعٌ فَاسِدٌ ف ٩ - ١٢) .
وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا حِينَ الْعَقْدِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مَعْدُومًا فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ.
وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ مَا يَفْسُدُ مِنَ الْبَيْعِ بِسَبَبِ الْجَهَالَةِ إِجْمَالاً.
وَالْجَهَالَةُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ قَدْ تَكُونُ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ، أَوْ فِي الْمَبِيعِ، أَوْ فِي الثَّمَنِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
أ - الْجَهَالَةُ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ:
الْجَهَالَةُ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ تَكُونُ بِإِجْرَاءِ الْعَقْدِ стр. 9669
عَلَى صِفَةٍ لاَ تُفِيدُ الْعِلْمَ الَّذِي يَقْطَعُ النِّزَاعَ.
وَهِيَ تَتَحَقَّقُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا مَا يَلِي:
الْبَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ:
١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ مَعَ التَّفْصِيل. وَأَحَدُ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ: أَنْ يَقُول الْبَائِعُ: بِعْتُكَ بِكَذَا حَالًّا، وَبِأَعْلَى مِنْهُ مُؤَجَّلاً وَيُوَافِقُ الْمُشْتَرِي وَيَتِمُّ الْعَقْدُ عَلَى الإِْبْهَامِ وَيَفْتَرِقَانِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ هَذَا الْبَيْعِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا (١) ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ) .
بَيْعُ الْحَصَاةِ:
١٣ - بَيْعُ الْحَصَاةِ مِنْ بُيُوعِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ الْبَيْعُ بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ. وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (٢) . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْحَصَاةِ) اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِهِ، وَأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الْجَهَالَةُ وَتَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ. стр. 9670
بَيْعُ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ:
١٤ - بَيْعُ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ مِنْ بُيُوعِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا (١) .
وَعَلَّل الْحَنَابِلَةُ فَسَادَ بَيْعِ الْمُلاَمَسَةِ بِعِلَّتَيْنِ: الْجَهَالَةِ، وَكَوْنِهِ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ.
وَعَلَّل الشَّوْكَانِيُّ بِالْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ وَإِبْطَال خِيَارِ الْمَجْلِسِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ فَقَدْ عَلَّل الْفُقَهَاءُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَسَادَهُ بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ؛ وَبِالْجَهَالَةِ وَبِتَعْلِيقِ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ.
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَلَيْهِمَا فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) .
ب - الْجَهْل بِالْمَبِيعِ:
١٥ - يَتَحَقَّقُ الْجَهْل بِذَاتِ الْمَحَل كَمَا لَوْ بَاعَ قَطِيعًا إِلاَّ شَاةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ شَاةً مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ.
وَمِثْلُهُ مَا لَوْ بَاعَ بُسْتَانًا إِلاَّ شَجَرَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِلْجَهَالَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمُنَازَعَةِ.
أَمَّا لَوْ عَيَّنَ الْمُسْتَثْنَى فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ لِزَوَال الْجَهَالَةِ. стр. 9671
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ) مَعَ التَّفْصِيل وَاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ.
١٦ - وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَجْهُول الصِّفَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جَمِيعِ الأَْوْصَافِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْجَهَالَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ بَيْعِ مَجْهُول الصِّفَةِ؛ لأَِنَّ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرُّؤْيَةِ الثَّابِتِ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَبِذَلِكَ تَنْتَفِي الْجَهَالَةُ (١) .
بَيْعُ مَا يَكْمُنُ فِي الأَْرْضِ:
١٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ مَا يَكْمُنُ فِي الأَْرْضِ قَبْل قَلْعِهِ، كَالْبَصَل وَالثُّومِ وَالْفُجْل وَالْجَزَرِ وَنَحْوِهَا؛ لأَِنَّهُ بَيْعٌ مَجْهُولٌ لَمْ يُرَ، وَلَمْ يُوصَفْ، فَهُوَ مِنَ الْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (٢) ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْحَمْل.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِهِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَأَثْبَتُوا لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ عِنْدَ قَلْعِهِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَيَّدُوا صِحَّةَ الْبَيْعِ بِشُرُوطٍ ثَلاَثَةٍ: стр. 9672
أ - أَنْ يَرَى الْمُشْتَرِي ظَاهِرَهُ.
ب - أَنْ يُقْلَعَ مِنْهُ شَيْءٌ وَيَرَى.
ج - أَنْ يُحْزَرَ إِجْمَالاً، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ حَزْرٍ بِالْقِيرَاطِ أَوِ الْفَدَّانِ. فَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ لاَ يَكُونُ الْمَبِيعُ مَجْهُولاً؛ لأَِنَّ هَذِهِ طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ (١) .
بَيْعُ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ:
١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْبَيْعِ لِنَهْيِ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ (٢) . لأَِنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ؛ وَلِجَهَالَةِ مَا يَخْرُجُ، وَمِثْلُهُ بَيْعُ ضَرْبَةِ الْقَانِصِ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) .
بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ:
١٩ - لاَ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ قَبْل انْفِصَالِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ (٣) ؛ وَلأَِنَّهُ стр. 9673
مَجْهُول الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ. وَمِثْلُهُ بَيْعُ السَّمْنِ فِي اللَّبَنِ، وَبَيْعُ النَّوَى فِي التَّمْرِ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) .
بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ:
٢٠ - لاَ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ (١) ؛ وَلأَِنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، وَلاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ وَلأَِنَّهُ مَجْهُولٌ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) .
بَيْعُ الْمَعْدُومِ:
٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمَعْدُومِ كَبَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ، وَبَيْعِ الْمَضَامِينِ، وَبَيْعِ الْمَلاَقِيحِ، وَحَبَل الْحَبَلَةِ لِلنَّصِّ؛ وَلأَِجْل الْجَهَالَةِ (٢) . وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) . стр. 9674
بَيْعُ الْجُزَافِ:
٢٢ - بَيْعُ الْجُزَافِ هُوَ الْبَيْعُ بِلاَ كَيْلٍ وَلاَ وَزْنٍ وَلاَ عَدٍّ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْجَهَالَةِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَاضْطِرَارِهِمْ إِلَيْهِ. (ر: بَيْعُ الْجُزَافِ) .
ج - الْجَهَالَةُ فِي الثَّمَنِ:
٢٣ - إِذَا اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُ الأَْثْمَانِ الْمُتَعَامَل بِهَا فِي الْبَلَدِ وَلَيْسَ أَحَدُهَا غَالِبًا فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ لِلْجَهَالَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمُنَازَعَةِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ (ثَمَنٌ، بَيْعٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي السَّلَمِ:
٢٤ - الْجَهَالَةُ فِي السَّلَمِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي رَأْسِ الْمَال " الثَّمَنِ " وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الأَْجَل، فَأَمَّا الثَّمَنُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ جِنْسِهِ، وَنَوْعِهِ، وَصِفَتِهِ، وَقَدْرِهِ.
وَأَمَّا الْمُسَلَّمُ فِيهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ، وَالنَّوْعِ، وَالصِّفَةِ، وَالْقَدْرِ، كَيْلاً أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدًّا أَوْ ذَرْعًا.
وَعِلَّةُ اشْتِرَاطِ هَذِهِ الأُْمُورِ إِزَالَةُ الْجَهَالَةِ؛ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ فِي كُلٍّ مِنْهَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ تَكُونُ مُفْسِدَةً لِلْعَقْدِ (١) . стр. 9675
قَال ﷺ : مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ " سَلَمٌ ".
الْجَهَالَةُ بِرَأْسِ مَال الْمُضَارَبَةِ:
٢٥ - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال فِيهِ مَعْلُومًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُول الْقَدْرِ دَفْعًا لِجَهَالَةِ الرِّبْحِ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (مُضَارَبَةٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي الإِْجَارَةِ:
٢٦ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْجَارَةِ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ وَالأُْجْرَةُ مَعْلُومَتَيْنِ عِلْمًا يَنْفِي الْجَهَالَةَ الْمُفْضِيَةَ لِلنِّزَاعِ، وَإِلاَّ فَلاَ تَنْعَقِدُ الإِْجَارَةُ. (ر: إِجَارَةٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي الأَْجَل:
٢٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ التَّأْجِيل فِي الأُْمُورِ الَّتِي يَقْبَلُهَا التَّأْجِيل بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الأَْجَل مَعْلُومًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣) . стр. 9676
أَمَّا إِذَا كَانَ الأَْجَل مَجْهُولاً فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَجَلٌ ٢: ٣٣، ٣٧ ف ٧١ وَ ٨١) .
إِبْرَاءُ الْمَجْهُول:
٢٨ - قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ بِالْمُبْرَأِ، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ لِمَجْهُولٍ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَبْرَأَ أَحَدٌ مَدِينَيْهِ عَلَى التَّرَدُّدِ لَمْ يَصِحَّ - خِلاَفًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ - فَيَجِبُ تَعْيِينُ الْمُبْرَأِ بِمَا تَزُول بِهِ الْجَهَالَةُ عَنْهُ. (ر: إِبْرَاءٌ: ف ٣٠) .
الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهُول:
٢٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهُول عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهُول إِذَا كَانَ لاَ سَبِيل إِلَى مَعْرِفَتِهِ، فَأَمَّا مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ فَلاَ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مَعَ الْجَهْل.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا كَوْنُ الْمُصَالَحِ عَنْهُ مَعْلُومًا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الصُّلْحِ حَتَّى أَنَّ مَنِ ادَّعَى عَلَى آخَرَ حَقًّا فِي عَيْنٍ فَأَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ أَنْكَرَ فَصَالَحَ عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ جَازَ؛ لأَِنَّ الصُّلْحَ كَمَا يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ يَصِحُّ بِطَرِيقِ الإِْسْقَاطِ، وَلاَ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ هُنَا بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ لِجَهَالَةِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فَيَصِحُّ بِطَرِيقِ الإِْسْقَاطِ فَلاَ يُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ وَالْقَبْضِ؛ لأَِنَّ السَّاقِطَ لاَ
стр. 9677
يَحْتَمِل ذَلِكَ، وَأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيمَا لاَ يَحْتَمِل التَّسَلُّمَ وَالْقَبْضَ لاَ تَمْنَعُ جَوَازَ الصُّلْحِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصُّلْحَ عَنِ الْمَجْهُول لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ كَالْجَهَالَةِ فِي الْبَيْعِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَ الْمَجْهُول لاَ يَصِحُّ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (صُلْحٌ وَإِبْرَاءٌ) .
زَوَال الْجَهَالَةِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ:
٣٠ - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ زَوَال الْجَهَالَةِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ يُصَحِّحُ الْعَقْدَ بَعْدَ انْعِقَادِهِ فَاسِدًا إِذَا كَانَ الْفَسَادُ فِيهِ ضَعِيفًا.
قَال الْمَوْصِلِيُّ: وَرَوَى الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ سَائِرَ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ تَنْقَلِبُ جَائِزَةً بِحَذْفِ الْمُفْسِدِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْفَسَادُ قَوِيًّا بِأَنْ يَكُونَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَلاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ (٣) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ فَاسِدٌ) ف ٣٧ (ج ٩ ١١٣) .
وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ (أَيِ: الْبَيْعَ بِشَرْطِ السَّلَفِ) مِنَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَرَكَ الشَّرْطَ قَبْل الْقَبْضِ، فَمَنَعَهُ стр. 9678
أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلاَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْل قَوْل الْجُمْهُورِ.
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ فِي الْمَبِيعِ مَجْهُولاً، لاِقْتِرَانِ السَّلَفِ بِهِ.
ثُمَّ قَال: وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ هَل إِذَا لَحِقَ الْفَسَادُ بِالْبَيْعِ مِنْ قَبْل الشَّرْطِ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ إِذَا ارْتَفَعَ الشَّرْطُ أَمْ لاَ يَرْتَفِعُ، كَمَا لاَ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ اللاَّحِقُ لِلْبَيْعِ الْحَلاَل مِنْ أَجْل اقْتِرَانِ الْمُحَرِّمِ الْعَيْنِ بِهِ؟ وَهَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ آخَرَ: هُوَ هَل هَذَا الْفَسَادُ حُكْمِيٌّ أَوْ مَعْقُولٌ؟
فَإِنْ قُلْنَا: حُكْمِيٌّ لَمْ يَرْتَفِعْ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قُلْنَا: مَعْقُولٌ ارْتَفَعَ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ. فَمَالِكٌ رَآهُ مَعْقُولاً، وَالْجُمْهُورُ رَأَوْهُ غَيْرَ مَعْقُولٍ.
وَالْفَسَادُ الَّذِي يُوجَدُ فِي بُيُوعِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ حُكْمِيٌّ، وَلِذَلِكَ لَيْسَ يَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ أَصْلاً وَإِنْ تَرَكَ الرِّبَا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوِ ارْتَفَعَ الْغَرَرُ (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: إِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ لَمْ يَنْقَلِبِ الْعَقْدُ صَحِيحًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَذْفُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ، وَفِي стр. 9679
وَجْهٍ: يَنْقَلِبُ صَحِيحًا إِنْ حُذِفَ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ (١) .
وَفِي حَاشِيَةِ الْجَمَل لَوْ زَادَا أَوْ نَقَصَا فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ وَلَوْ فِي السَّلَمِ، أَوْ أَحْدَثَا أَجَلاً أَوْ خِيَارًا ابْتِدَاءً أَوْ زِيَادَةً، أَوْ شَرْطًا فَاسِدًا، أَوْ صَحِيحًا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ (أَيْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ) الْتُحِقَ كُلٌّ مِنْهَا بِالْعَقْدِ (أَيْ: بِالْمُقْتَرِنِ بِهِ) وَكَذَا حَطُّ بَعْضِ مَا ذُكِرَ، إِذْ مَجْلِسُ الْعَقْدِ كَنَفْسِ الْعَقْدِ، وَلِهَذَا صَلَحَ لِتَعْيِينِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ وَعِوَضِ الصَّرْفِ. وَقِيسَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ خِيَارُ الشَّرْطِ بِجَامِعِ عَدَمِ الاِسْتِقْرَارِ.
أَمَّا بَعْدَ اللُّزُومِ (أَيْ: بَعْدَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ) فَلاَ يُلْتَحَقُ بِالْعَقْدِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِلاَّ لَوَجَبَتِ الزِّيَادَةُ بَعْدَهُ عَلَى الشَّفِيعِ كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَهُ (٢)
الصُّلْحُ عَلَى بَدَل الْقِصَاصِ:
٣١ - يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى بَدَل الْقِصَاصِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْبَدَل مَعْلُومًا أَمْ مَجْهُولاً، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْجَهَالَةُ غَيْرَ فَاحِشَةٍ، وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَتْ فَاحِشَةً كَمَا إِذَا صَالَحَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دَارٍ أَوْ دَابَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، فَسَدَتِ التَّسْمِيَةُ فِي الصُّلْحِ، وَوَجَبَتِ стр. 9680
الدِّيَةُ لأَِنَّهَا مُتَفَاوِتَةٌ وَالْجَهَالَةُ فِيهَا فَاحِشَةٌ (١) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صُلْحٌ) (وَقَتْلٌ عَمْدٌ) .
جَهَالَةُ الْمَكْفُول لَهُ:
٣٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ - وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ الْكَفِيل الْمَكْفُول لَهُ (وَهُوَ الدَّائِنُ) لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ مَجْهُولاً لاَ يَحْصُل مَا شُرِعَتْ لَهُ الْكَفَالَةُ وَهُوَ التَّوَثُّقُ، وَكَذَلِكَ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ تَشْدِيدًا وَتَسْهِيلاً.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ - إِلَى جَوَازِ الْكَفَالَةِ مَعَ جَهَالَةِ الْمَكْفُول لَهُ (٢) لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال: مَاتَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَوَضَعْنَاهُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ مَقَامِ جِبْرِيل، ثُمَّ آذَنَّا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَجَاءَ مَعَنَا خُطًى ثُمَّ قَال: لَعَل عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنًا قَالُوا: نَعَمْ دِينَارَانِ، فَتَخَلَّفَ، فَقَال لَهُ رَجُلٌ مِنَّا يُقَال لَهُ أَبُو قَتَادَةَ: يَا رَسُول اللَّهِ هُمَا عَلَيَّ فَجَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: هُمَا عَلَيْكَ وَفِي مَالِكَ وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ؟ فَقَال: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَجَعَل стр. 9681
رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُول: مَا صَنَعَتِ الدِّينَارَانِ حَتَّى كَانَ آخِرُ ذَلِكَ قَال: قَدْ قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: الآْنَ حِينَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ (١) .
ضَمَانُ الْحَقِّ الْمَجْهُول:
٣٣ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الْحَقِّ الْمَجْهُول كَقَوْلِهِ: مَا أَعْطَيْتُهُ فَهُوَ عَلَيَّ. وَهَذَا مَجْهُولٌ.
وَقَال الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ يَصِحُّ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ، كَفَالَةٌ) .
جَهَالَةُ الرَّهْنِ وَالْمَرْهُونِ بِهِ:
٣٤ - يُشْتَرَطُ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا لِلْعَاقِدَيْنِ فَلَوْ جَهِلاَهُ أَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ، كَمَا فِي الضَّمَانِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَمْ نَجِدْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ تَعَرُّضًا لِذَلِكَ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (رَهْنٌ) . стр. 9682
الْجَهَالَةُ فِي الْوَكَالَةِ:
٣٥ - يُشْتَرَطُ فِي الْوَكَالَةِ الْعِلْمُ بِالْمُوَكَّل بِهِ عِلْمًا تَنْتَفِي مَعَهُ الْجَهَالَةُ، وَلِهَذَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَةٌ) .
أَمَّا الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بَيْنَ مُجِيزٍ وَمَانِعٍ، فَمَنْ مَنَعَ نَظَرَ إِلَى كَثْرَةِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فِي الْمُوَكَّل بِهِ (١) .
وَتَفْصِيل الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ (وَكَالَةٌ) .
الْجَهْل فِي الْجَعَالَةِ:
٣٦ - الْجَعَالَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ جَهَالَةِ الْعَمَل لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْل بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٢) .
هَذَا إِذَا كَانَ الْجُعْل مَعْلُومًا. أَمَّا إِذَا كَانَ الْجُعْل مَجْهُولاً فَإِنَّ الْجَعَالَةَ لاَ تَصِحُّ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جَعَالَةٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي الشَّرِكَةِ:
٣٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ شَرِكَةِ الأَْبْدَانِ، стр. 9683
وَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ، وَشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ وَعَدَمُهُ، وَمَنْ مَنَعَهَا نَظَرَ إِلَى الْجَهَالَةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَرِكَةٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي الْهِبَةِ:
٣٨ - تَصِحُّ هِبَةُ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُول (٢) .
عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مُصْطَلَحِ: (هِبَةٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي الْوَصِيَّةِ:
٣٩ - تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُول (٣) .
عَلَى تَفْصِيلٍ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّةٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي الْوَقْفِ:
٤٠ - يَصِحُّ وَقْفُ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُول (٤) .
عَلَى تَفْصِيلٍ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي الإِْقْرَارِ:
٤١ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا. стр. 9684
وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَهَالَةَ بِالْمُقَرِّ لَهُ لاَ يَصِحُّ مَعَهَا الإِْقْرَارُ؛ لأَِنَّ الْمَجْهُول لاَ يَصْلُحُ مُسْتَحَقًّا.
وَأَمَّا الْمُقَرُّ بِهِ فَإِنَّ الْجَهَالَةَ بِهِ لاَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الإِْقْرَارِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَيُجْبَرُ الْمُقِرُّ عَلَى الْبَيَانِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُجْمِل (١) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِقْرَارٌ ف ١٢، ٢٧، ٣٥) .
الْجَهَالَةُ فِي النَّسَبِ:
٤٢ - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الإِْقْرَارِ بِالنَّسَبِ عَلَى الْمُقِرِّ نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مَجْهُول النَّسَبِ. (ر: إِقْرَارٌ ف ٦٣) .
الْجَهَالَةُ فِي الْمَهْرِ:
٤٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَهْرِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَلاَ تَصِحُّ تَسْمِيَةُ مَهْرٍ مَجْهُولٍ، فَإِنْ غَفَل وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْل (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٌ وَمَهْرٌ) .
الْجَهَالَةُ فِي الْخُلْعِ:
٤٤ - يَصِحُّ الْخُلْعُ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ стр. 9685
وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، كَالْخُلْعِ عَلَى مَا بِيَدِهَا مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ مَتَاعٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا.
وَيَصِحُّ الْخُلْعُ أَيْضًا بِشَيْءٍ مَعْدُومٍ كَالْخُلْعِ عَلَى مَا حَمَلَتْ غَنَمُهَا.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ صِحَّةِ الْخُلْعِ عَلَى بَدَلٍ مَجْهُولٍ (١) .
جَهَالَةُ الْمَقْذُوفِ:
٤٥ - يُشْتَرَطُ لإِِقَامَةِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَاذِفِ الْعِلْمُ بِالْمَقْذُوفِ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ فَلاَ حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ (٢) .
عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي: (حَدٌّ، قَذْفٌ) .
جَهَالَةُ وَلِيِّ الْقَتِيل:
٤٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ جَهَالَةَ وَلِيِّ الْقَتِيل لاَ تَمْنَعُ مِنَ الْقِصَاصِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْهُ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ وُجُوبٌ لِلاِسْتِيفَاءِ، وَالاِسْتِيفَاءُ مِنَ الْمَجْهُول مُتَعَذِّرٌ، فَتَعَذَّرَ الإِْيجَابُ لَهُ (٣) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ) . стр. 9686
جَهَالَةُ الْمُدَّعَى بِهِ:
٤٧ - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ إِقَامَةِ الدَّعْوَى الْعِلْمُ بِالْمُدَّعِي لِتَعَذُّرِ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ بِالْمَجْهُول، وَالْعِلْمُ بِالْمُدَّعِي إِنَّمَا يَحْصُل بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا الإِْشَارَةُ، وَإِمَّا التَّسْمِيَةُ (١) . عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى) .
جَهَالَةُ الْمَشْهُودِ بِهِ:
٤٨ - يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ لِتَصِحَّ الشَّهَادَةُ، وَإِلاَّ فَإِنَّ جَهَالَتَهُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ. عَلَى تَفْصِيلٍ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٌ) . стр. 9687
جَهْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَهْرُ لُغَةً: إِعْلاَنُ الشَّيْءِ وَعُلُوُّهُ. وَيُقَال جَهَرْتُ بِالْكَلاَمِ أَعْلَنْتُ بِهِ، وَرَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، أَيْ عَالِيهِ (١) . قَال أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ: وَأَصْلُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، يُقَال جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بِهَا. وَفِي الْقُرْآنِ ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فِي صَلاَتِكَ (٣) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل وَهُوَ الإِْعْلاَنُ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - مِنْهَا: الإِْسْرَارُ، وَالْمُخَافَتَةُ، وَالْكِتْمَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ فِيهَا تَحْتَ عُنْوَانِ (إِسْرَارٌ) .
وَمِنْهَا الإِْظْهَارُ، وَالإِْفْشَاءُ، وَالإِْعْلاَنُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلاَمُ فِيهَا تَحْتَ عُنْوَانِ (إِظْهَارٌ) . стр. 9688
حَدُّ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ:
٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِ الْحَدِّ الأَْعْلَى وَالأَْدْنَى لِكُلٍّ مِنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ.
فَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَدْنَى الْمُخَافَتَةِ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ بِقُرْبِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ مَثَلاً، وَأَعْلاَهَا مُجَرَّدُ تَصْحِيحِ الْحُرُوفِ.
وَأَدْنَى الْجَهْرِ إِسْمَاعُ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِقُرْبِهِ كَأَهْل الصَّفِّ الأَْوَّل، وَأَعْلاَهُ لاَ حَدَّ لَهُ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَعْلَى السِّرِّ حَرَكَةُ اللِّسَانِ فَقَطْ، وَأَدْنَاهُ سَمَاعُ نَفْسِهِ.
وَأَمَّا الْجَهْرُ فَأَقَلُّهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ، وَأَعْلاَهُ لاَ حَدَّ لَهُ (٢) . وَبِهَذَا قَال الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) . وَجَهْرُ الْمَرْأَةِ إِسْمَاعُهَا نَفْسَهَا فَقَطْ (٤) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: السِّرُّ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ حَيْثُ لاَ مَانِعَ، وَالْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَلِيَهُ (٥) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، стр. 9689
وَأَدْنَى الْجَهْرِ لِلإِْمَامِ سَمَاعُ غَيْرِهِ وَلَوْ وَاحِدًا مِمَّنْ وَرَاءَهُ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجَهْرِ:
أ - الْجَهْرُ بِأَقْوَال الصَّلاَةِ:
٤ - الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ الإِْسْرَارِ بِالتَّكْبِيرَاتِ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَمَحَل الإِْسْرَارِ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَلِّغًا وَإِلاَّ جَهَرَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ الْجَهْرُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لِكُل مُصَلٍّ (٣) . أَمَّا غَيْرُهَا مِنَ التَّكْبِيرِ فَالأَْفْضَل فِيهِ الإِْسْرَارُ فِي حَقِّ غَيْرِ الإِْمَامِ (٤) .
أَمَّا الإِْمَامُ فَيُسَنُّ جَهْرُهُ بِالتَّكْبِيرِ اتِّفَاقًا لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ مُتَابَعَتِهِ فِيهِ (٥) لِقَوْلِهِ ﷺ فَإِذَا كَبَّرَ стр. 9690
فَكَبِّرُوا (١) .
الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْظْهَرِ إِلَى سُنِّيَّةِ الإِْسْرَارِ بِالتَّعَوُّذِ فِي الصَّلاَةِ وَلَوْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً (٢) . لأَِنَّ الْجَهْرَ بِهِ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُمَا قَالاَ: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الإِْمَامُ وَذَكَرَ مِنْهَا التَّعَوُّذَ، وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْذْكَارِ هُوَ الإِْخْفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (٣) فَلاَ يُتْرَكُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ (٤) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْقَوْل الثَّانِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ - اسْتِحْبَابَ الْجَهْرِ بِالتَّعَوُّذِ فِي الصَّلاَةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهِ (٥) .
وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى - وَهُوَ الْقَوْل الثَّالِثُ стр. 9691
لِلشَّافِعِيَّةِ - الْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ سَوَاءٌ وَلاَ تَرْجِيحَ وَهُمَا حَسَنَانِ (١) .
وَيُكْرَهُ التَّعَوُّذُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَبْل الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ بِفَرْضٍ أَصْلِيٍّ أَسَرَّ بِهِ أَوْ جَهَرَ، وَجَازَ بِنَفْلٍ (٢) .
وَاخْتَارَ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ الْجَهْرَ بِالتَّعَوُّذِ فِي الْجِنَازَةِ.
قَال فِي الْفُرُوعِ: إِنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي صِفَةِ التَّعَوُّذِ وَمَحَلِّهِ وَسَائِرِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ (ر: اسْتِعَاذَةٌ) .
الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تُسَنُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ سِرًّا فِي الصَّلاَةِ السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ (٤) .
قَال التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَل عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ. стр. 9692
وَهَذَا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَالأَْوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ (١) .
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) .
وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَجْهَرُ بِهَا (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ فِي الْفَاتِحَةِ وَفِي السُّورَةِ بَعْدَهَا (٤) . فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٥) ، وَلأَِنَّهَا تُقْرَأُ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ بِدَلِيل أَنَّهَا تُقْرَأُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ فَكَانَ سُنَّتُهَا стр. 9693
الْجَهْرَ كَسَائِرِ الْفَاتِحَةِ (١) .
قَال النَّوَوِيُّ: الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ قَوْل أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ قَالُوا بِهِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ (٢) .
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَكَمِ أَنَّ الْجَهْرَ وَالإِْسْرَارَ سَوَاءٌ (٣) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ كَرَاهَةَ اسْتِفْتَاحِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُطْلَقًا فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَفِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا سِرًّا وَجَهْرًا (٤) .
قَال الْقَرَافِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الْوَرَعُ الْبَسْمَلَةُ أَوَّل الْفَاتِحَةِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ إِلاَّ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا سِرًّا وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهَا (٥) .
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (ر: بَسْمَلَةٌ) . стр. 9694
الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ:
أ - جَهْرُ الإِْمَامِ:
٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ كَالصُّبْحِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالأُْولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ مُرَاعَاةُ الْجَهْرِ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ - وَهُوَ الْفَجْرُ، وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فِي الأُْولَيَيْنِ، وَكَذَا كُل صَلاَةٍ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، كَالْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالتَّرْوِيحَاتِ (٢) - وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُخَافَتَةُ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ؛ (٣) لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَى الْجَهْرِ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ وَالْمُخَافَتَةِ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ. وَذَلِكَ دَلِيل الْوُجُوبِ، وَعَلَى هَذَا عَمَل الأُْمَّةِ.
ب - جَهْرُ الْمَأْمُومِ:
٨ - ذَهَبَ الْقَائِلُونَ بِقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ وَرَاءَ الإِْمَامِ إِلَى سُنِّيَّةِ الإِْسْرَارِ، وَيُكْرَهُ لَهُ الْجَهْرُ سَوَاءٌ أَسَمِعَ قِرَاءَةَ стр. 9695
الإِْمَامِ أَمْ لاَ (١) . وَدَلِيل كَرَاهَةِ الْجَهْرِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَل رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: أَيُّكُمْ قَرَأَ أَوْ أَيُّكُمُ الْقَارِئُ؟ فَقَال رَجُلٌ: أَنَا، فَقَال: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا وَمَعْنَى خَالَجَنِيهَا جَادَلَنِيهَا وَنَازَعَنِيهَا (٢) .
ج - جَهْرُ الْمُنْفَرِدِ:
٩ - يُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ الْجَهْرُ فِي الصُّبْحِ، وَالأُْولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٣) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يُخَيَّرُ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ (٤) .
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ شَاءَ جَهَرَ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ أُذُنَيْهِ وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. стр. 9696
وَذُكِرَ فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ مُفَسَّرًا أَنَّهُ بَيْنَ خِيَارَاتٍ ثَلاَثَةٍ: إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ غَيْرَهُ، وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ الْقِرَاءَةَ.
قَال الزَّيْلَعِيُّ: وَلَكِنْ لاَ يُبَالِغُ فِي الْجَهْرِ مِثْل الإِْمَامِ لأَِنَّهُ لاَ يُسْمِعُ غَيْرَهُ (١) . وَنَقَل الأَْثْرَمُ وَغَيْرُهُ أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ لِلْمُنْفَرِدِ أَفْضَل (٢) .
الْجَهْرُ بِالتَّأْمِينِ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الصَّلاَةَ إِنْ كَانَتْ سِرِّيَّةً فَالإِْسْرَارُ بِالتَّأْمِينِ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ (٣) .
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ بِالتَّأْمِينِ حَسَبَ الاِتِّجَاهَاتِ التَّالِيَةِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الإِْسْرَارُ بِالتَّأْمِينِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ جَمِيعًا (٤) .
فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّهُ ﵊ قَال: стр. 9697
آمِينَ وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ (١) . وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: يُخْفِي الإِْمَامُ أَرْبَعًا: التَّعَوُّذَ، وَالْبَسْمَلَةَ، وَآمِينَ، وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
وَيُرْوَى مِثْل قَوْلِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْضُهُمْ يَقُول: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الإِْمَامُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُول خَمْسَةٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُول ثَلاَثَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَعُدُّ التَّأْمِينَ مِنْهَا. وَلأَِنَّهُ دُعَاءٌ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى الإِْخْفَاءِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ جَهَرَ بِهَا عَقِيبَ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ لأََوْهَمَ أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ دَفْعًا لِلإِْيهَامِ (٢) .
وَبِمِثْل مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الْفَرِيقُ يَقُول الْمَالِكِيَّةُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ. أَمَّا الإِْمَامُ فَلاَ يُؤَمِّنُ أَصْلاً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ (٣) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ سُنِّيَّةَ الْجَهْرِ بِالتَّأْمِينِ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ جَمِيعًا فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ (٤) . стр. 9698
وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ اتِّفَاقًا فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. أَمَّا الْمَأْمُومُ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجْهَرُ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (آمِينَ) .
الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيعِ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ جَهْرُ الإِْمَامِ بِالتَّسْمِيعِ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) لِيَسْمَعَ الْمَأْمُومُونَ وَيَعْلَمُوا انْتِقَالَهُ كَمَا يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ.
أَمَّا الْمُؤْتَمُّ وَالْمُنْفَرِدُ فَيُسْمِعُ نَفْسَهُ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) .
الْجَهْرُ بِالتَّشَهُّدِ:
١٢ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الإِْسْرَارِ بِالتَّشَهُّدِ وَكَرَاهَةِ الْجَهْرِ بِهِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: مِنْ سُنَّةِ الصَّلاَةِ أَنْ يُخْفِيَ التَّشَهُّدَ (٣) .
قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا قَال الصَّحَابِيُّ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا كَانَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ стр. 9699
الْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ الأُْصُول الْمُتَكَلِّمِينَ (١) . وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَشَهُّدٌ ف ٧ ج ١٢ ص ٣٨) .
الْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ:
١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ دُعَاءِ الْقُنُوتِ مِنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - إِلَى اسْتِحْبَابِ الإِْخْفَاءِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ جَمِيعًا، لأَِنَّهُ دُعَاءٌ، وَالْمَسْنُونُ فِي الدُّعَاءِ الإِْخْفَاءُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ (٣) .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ غَيْرَهُ، وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ، وَإِنْ стр. 9700
شَاءَ أَسَرَّ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ لَكِنْ دُونَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ وَالْقَوْمُ يُتَابِعُونَهُ هَكَذَا إِلَى قَوْلِهِ (إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ) وَإِذَا دَعَا الإِْمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ قَال أَبُو يُوسُفَ: يُتَابِعُونَهُ وَيَقْرَءُونَ. وَفِي قَوْل مُحَمَّدٍ لاَ يَقْرَءُونَ وَلَكِنْ يُؤَمِّنُونَ. وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنْ شَاءَ الْقَوْمُ سَكَتُوا (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الإِْمَامَ يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ. وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَلْيَكُنْ جَهْرُهُ بِهِ دُونَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ، فَإِنْ أَسَرَّ الإِْمَامُ بِالدُّعَاءِ حَصَّل سُنَّةَ الْقُنُوتِ وَفَاتَهُ سُنَّةُ الْجَهْرِ.
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسِرُّ بِهِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيُؤَمِّنُ خَلْفَ الإِْمَامِ جَهْرًا لِلدُّعَاءِ، وَيَقُول الثَّنَاءَ سِرًّا أَوْ يَسْتَمِعُ لإِِمَامِهِ (٢) .
وَيُوَافِقُ الْحَنَابِلَةُ الشَّافِعِيَّةَ فِي اسْتِحْبَابِ جَهْرِ الإِْمَامِ بِالْقُنُوتِ، وَتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ لِلدُّعَاءِ (٣) .
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ كَالإِْمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) .
قَال ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةُ، وَالإِْنْصَافُ الَّذِي يَرْتَضِيهِ الْعَالِمُ الْمُنْصِفُ أَنَّهُ ﷺ جَهَرَ وَأَسَرَّ وَقَنَتَ وَتَرَكَ، وَكَانَ إِسْرَارُهُ أَكْثَرَ مِنْ جَهْرِهِ، وَتَرْكُهُ следующие страницы →