← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الْأَخْذُ مِنْ أَقَاوِيلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بِأَيِّهَا شَاءَ، دُونَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهَا وَلَا يَمِيلَ١ إِلَى مَا مَالَ مِنْهَا لِوَجْهٍ يُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَقْضِي فِي قَضِيَّةٍ بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَإِذَا٢ تَكَرَّرَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مُخَالِفًا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ، لَا لِرَأْيٍ تَجَدَّدَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ". قَالَ: "وَلَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُهُ٣ أَنَّهُ اكْتَرَى جُزْءًا مِنْ أَرْضٍ عَلَى الْإِشَاعَةِ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا آخَرَ اكْتَرَى بَاقِيَ الْأَرْضِ، فَأَرَادَ الْمُكْتَرِي الْأَوَّلُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَغَابَ عَنِ الْبَلَدِ، فَأَفْتَى الْمُكْتَرِي الثَّانِي بِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ أن لا شُفْعَةَ فِي الْإِجَارَاتِ، قَالَ لِي: فَوَرَدْتُ مِنْ سَفَرِي، فَسَأَلْتُ أُولَئِكَ الْفُقَهَاءَ -وَهُمْ أَهْلُ حِفْظٍ فِي الْمَسَائِلِ وَصَلَاحٍ فِي الدِّينِ- عَنْ مَسْأَلَتِي؛ فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَكَ؛ إِذْ كَانَتْ لَكَ الْمَسْأَلَةُ أَخَذْنَا لَكَ بِرِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ بِالشُّفْعَةِ فِيهَا. فَأَفْتَانِي جَمِيعُهُمْ بِالشُّفْعَةِ، فَقُضِيَ لِي بِهَا". قَالَ: وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ عَنْ كَبِيرٍ من فقهاء هذا المصنف مَشْهُورٍ بِالْحِفْظِ وَالتَّقَدُّمِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مُعْلِنًا غَيْرَ مُسْتَتِرٍ: إِنَّ الَّذِي لِصَدِيقِي عَلَيَّ إِذَا وَقَعَتْ لَهُ حُكُومَةٌ أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ". قَالَ الْبَاجِيُّ: "وَلَوِ اعْتَقَدَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ مَا اسْتَجَازَهُ، وَلَوِ اسْتَجَازَهُ لَمْ يُعْلِنْ بِهِ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ". قَالَ: "وَكَثِيرًا مَا يَسْأَلُنِي مَنْ تَقَعُ لَهُ مَسْأَلَةٌ مِنَ الْأَيْمَانِ ونحوها: لعل فيها رواية؟ أم لَعَلَّ فِيهَا رُخْصَةً؟ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو

стр. 2382

كَانَ تَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ إِنْكَارُ الْفُقَهَاءِ لِمِثْلِ هَذَا لَمَا طُولِبُوا بِهِ وَلَا طَلَبُوهُ مِنِّي وَلَا مِنْ سِوَايَ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَسُوغُ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَقٌّ، رَضِيَ بِذَلِكَ مَنْ رَضِيَهُ، وَسَخِطَهُ مَنْ سَخِطَهُ، وَإِنَّمَا الْمُفْتِي مُخْبِرٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُكْمِهِ؛ فَكَيْفَ يُخْبِرُ عَنْهُ إِلَّا بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ وَأَوْجَبَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﵊: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم﴾ ... الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٤٩] ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِهَذَا الْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَشْتَهِي، أَوْ يُفْتِي زَيْدًا بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ عَمْرًا لِصَدَاقَةٍ تَكُونُ بَيْنَهُمَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ؟ وَإِنَّمَا يَجِبُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ، فَيَجْتَهِدَ فِي طَلَبِهِ، وَنَهَاهُ أَنْ يُخَالِفَهُ وَيَنْحَرِفَ عَنْهُ، وَكَيْفَ لَهُ بِالْخَلَاصِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَعِصْمَتِهِ؟! ". هَذَا مَا ذَكَرَهُ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفَقِيهَ١ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَعْضَ الْأَقْوَالِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْأَغْرَاضِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَلَا أَنْ يفتي به أحدًا٢.

стр. 2383

وَالْمُقَلِّدُ فِي اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا المفتي الذي ذكره؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مُجْتَهِدٍ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ بِالْهَوَى، وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ؛ فَهُوَ أَحْرَى بِهَذَا الْأَمْرِ. فَصْلٌ: وَقَدْ زَادَ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ؛ حَتَّى صَارَ الخلاف في المسائل

стр. 2384

مَعْدُودًا فِي حُجَجِ الْإِبَاحَةِ، وَوَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ مِنَ الزَّمَانِ الِاعْتِمَادُ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ عَلَى كَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا بِمَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ؛ فَإِنَّ لَهُ نَظَرًا آخَرَ١، بَلْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَرُبَّمَا وَقَعَ الْإِفْتَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْمَنْعِ؛ فَيُقَالُ: لَمْ تُمْنَعْ وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَيُجْعَلُ الْخِلَافُ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا مُخْتَلَفًا فِيهَا، لَا لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ الْجَوَازِ، وَلَا لِتَقْلِيدِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنَ الْقَائِلِ بِالْمَنْعِ، وَهُوَ عَيْنُ الْخَطَأِ عَلَى الشَّرِيعَةِ حَيْثُ جَعَلَ ما ليس بمعتمد متعمدا٢ وَمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ حُجَّةً. حَكَى الْخَطَّابِيُّ٣ فِي مَسْأَلَةِ الْبِتْعِ٤ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ؛ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْأَشْرِبَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ خَمْرِ الْعِنَبِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ؛ حَرَّمْنَا مَا اجْتَمَعُوا٥ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَأَبَحْنَا مَا سِوَاهُ". قَالَ: "وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتَنَازِعِينَ أَنْ يردُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ". قَالَ: "وَلَوْ لَزَمَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ لَلَزَمَ مِثْلُهُ فِي الرِّبَا وَالصَّرْفِ وَنِكَاحِ المتعة؛ لأن الأمة قد اختلف فِيهَا". قَالَ: "وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ حُجَّةً وَبَيَانُ السُّنَّةِ حجة٦ على المختلفين من

стр. 2385

الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِين﴾ . هَذَا مُخْتَصَرُ مَا قَالَ١. وَالْقَائِلُ بِهَذَا رَاجِعٌ إِلَى أَنْ يَتْبَعَ مَا يَشْتَهِيهِ، وَيَجْعَلَ الْقَوْلَ الْمُوَافِقَ حُجَّةً لَهُ وَيَدْرَأَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَهُوَ قَدْ أَخَذَ الْقَوْلَ وَسِيلَةً إِلَى اتِّبَاعِ هَوَاهُ، لَا وَسِيلَةً إِلَى تَقْوَاهُ، وَذَلِكَ أَبْعَدُ [لَهُ] ٢ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِ الشَّارِعِ، وَأَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مِمَّنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ. وَمِنْ هَذَا أَيْضًا جَعْلُ بَعْضِ النَّاسِ الِاخْتِلَافَ رَحْمَةً لِلتَّوَسُّعِ٣ فِي الْأَقْوَالِ، وَعَدَمِ التَّحْجِيرِ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ، وَيُحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ٤، وَيَقُولُ: إِنَّ الِاخْتِلَافَ رَحْمَةٌ، وَرُبَّمَا صَرَّحَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ بِالتَّشْنِيعِ عَلَى مَنْ لَازَمَ الْقَوْلَ الْمَشْهُورَ أَوِ الْمُوَافِقَ لِلدَّلِيلِ أَوِ الرَّاجِحَ عند أهل النظر والذي٥ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقُولُ لَهُ: لَقَدْ حَجَرْتَ وَاسِعًا، وَمِلْتَ بِالنَّاسِ إِلَى الْحَرَجِ، وَمَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ كُلُّهُ، وَجَهْلٌ بِمَا وُضِعَتْ لَهُ الشَّرِيعَةُ، وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ. وَقَدْ مَرَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالُوهُ مَا فِيهِ كفاية، والحمد لله ولكن تقرر منه ههنا بعضا على وجه لم يتقدم مثله، ذلك أَنَّ الْمُتَخَيِّرَ بِالْقَوْلَيْنِ مَثَلًا بِمُجَرَّدِ مُوَافَقَةِ الْغَرَضِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا بِهِ، أَوْ مُفْتِيًا، أَوْ مُقَلِّدًا عَامِلًا بِمَا أَفْتَاهُ بِهِ الْمُفْتِي.

стр. 2386

أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَخَيِّرًا بِلَا دَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِالْحُكْمِ لَهُ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، إِذْ لَا مُرَجِّحَ عِنْدَهُ بِالْفَرْضِ إِلَّا التَّشَهِّيَ؛ فَلَا يُمْكِنُ إِنْفَاذُ حُكْمٍ عَلَى أَحَدِهِمَا إِلَّا مَعَ الْحَيْفِ عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ إِنْ وَقَعَتْ لَهُ تِلْكَ النَّازِلَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَصْمَيْنِ آخَرَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ، [أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَّلِ؛ فَكَذَلِكَ] ١، أَوْ يَحْكُمُ لِهَذَا مَرَّةً وَلِهَذَا مَرَّةً، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ ومؤدٍّ إِلَى مَفَاسِدَ لَا تَنْضَبِطُ بِحَصْرٍ، ومن ههنا شَرَطُوا فِي الْحَاكِمِ بُلُوغَ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، وَحِينَ فُقِدَ؛ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الِانْضِبَاطِ إِلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَ وُلَاةُ قُرْطُبَةَ حِينَ شرطوا على الحاكم أن لا يَحْكُمَ [إِلَّا بِمَذْهَبِ فُلَانٍ٢ مَا وَجَدَهُ٣، ثُمَّ بِمَذْهَبِ فُلَانٍ؛ فَانْضَبَطَتِ الْأَحْكَامُ بِذَلِكَ، وَارْتَفَعَتِ الْمَفَاسِدُ الْمُتَوَقَّعَةُ] ٤ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الِارْتِبَاطِ، وَهَذَا مَعْنًى أَوْضَحُ مِنْ إِطْنَابٍ فِيهِ. وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَإِنَّهُ إِذَا أَفْتَى بِالْقَوْلَيْنِ مَعًا عَلَى التَّخْيِيرِ فَقَدْ أَفْتَى فِي النَّازِلَةِ بِالْإِبَاحَةِ وَإِطْلَاقِ الْعِنَانِ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ٥ خَارِجٌ عَنِ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا لَا يجوز له

стр. 2387

إِنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ بَلَغَهَا لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْقَوْلَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَنَازِلَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْضًا حَسْبَمَا بَسَطَهُ أَهْلُ الْأُصُولِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمُفْتِيَ قَدْ أَقَامَهُ الْمُسْتَفْتِي مَقَامَ الْحَاكِمِ عَلَى نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُلْزِمُهُ الْمُفْتِي مَا أَفْتَاهُ بِهِ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ التَّخْيِيرُ؛ كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَامِّيًّا؛ فَهُوَ قَدِ اسْتَنَدَ فِي فَتْوَاهُ إِلَى شَهْوَتِهِ وَهَوَاهُ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى عَيْنُ مُخَالَفَةِ الشرع؛ ولأن العامي إنما حكم العلم عَلَى نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ عَنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ، وَلِهَذَا بُعِثَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الْكُتُبُ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ فِي تَقَلُّبَاتِهِ دَائِرٌ بَيْنَ لَمَّتَيْنِ: لَمَّةِ مَلَكٍ، وَلَمَّةِ شَيْطَانٍ١؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بِحُكْمِ الِابْتِلَاءِ٢ فِي الْمَيْلِ مَعَ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٧-٨]

стр. 2388

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] . ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن﴾ [الْبَلَدِ: ١٠] . وَعَامَّةُ الْأَقْوَالِ الْجَارِيَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ إِنَّمَا تَدُورُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ١، وَالْهَوَى لَا يَعْدُوهُمَا، فَإِذَا عَرَضَ الْعَامِّيُّ نَازِلَتَهُ عَلَى الْمُفْتِي؛ فَهُوَ قَائِلٌ لَهُ: "أَخْرِجْنِي عَنْ هَوَايَ وَدُلَّنِي عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ"؛ فَلَا يُمْكِنُ -وَالْحَالُ هَذِهِ- أَنْ يَقُولَ لَهُ: "فِي مَسْأَلَتِكَ قَوْلَانِ؛ فَاخْتَرْ لِشَهْوَتِكَ أَيَّهُمَا شِئْتَ؟ ". فَإِنَّ مَعْنَى هَذَا تَحْكِيمُ الْهَوَى دُونَ الشَّرْعِ٢، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ هَذَا أَنْ يَقُولَ: مَا فَعَلْتُ إِلَّا بِقَوْلِ عَالِمٍ؛ لِأَنَّهُ حِيلَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْحِيَلِ الَّتِي تَنْصِبُهَا النَّفْسُ، وِقَايَةً عَنِ الْقَالِ وَالْقِيلِ، وَشَبَكَةٌ لِنَيْلِ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَتَسْلِيطُ الْمُفْتِي الْعَامِّيَّ عَلَى تَحْكِيمِ الْهَوَى بَعْدَ أَنْ طَلَبَ مِنْهُ إِخْرَاجَهُ عَنْ هَوَاهُ رَمْيٌ فِي عِمَايَةٍ، وَجَهْلٌ بِالشَّرِيعَةِ، وَغِشٌّ فِي النَّصِيحَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى جارٍ فِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ، وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى. فَصْلٌ: وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى مَنْ مَنَعَ مِنْ تَتَبُّعِ٣ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إِلَى مَذْهَبٍ بِكَمَالِهِ؛ فَقَالَ: إِنْ أراد المانع ما هو على خلاف

стр. 2389

الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يُنْقَضُ فِيهَا قَضَاءُ الْقَاضِي١؛ فَمُسَلَّم، وَإِنْ أَرَادَ مَا فِيهِ تَوْسِعَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ؛ فَمَمْنُوعٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خِلَافِ ذلك، بل قوله عليه الصلاة

стр. 2390

وَالسَّلَامُ: "بُعِْثتُ بالحَنيفِيَِّة السَّمْحة" ١ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اللُّطْفِ بِالْعَبْدِ وَالشَّرِيعَةُ لَمْ تَرِدْ بِقَصْدِ مشاقِّ الْعِبَادِ، بَلْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ بِمَا تَقَدَّمَ [مَا] ٢ فِي هَذَا الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ إِنَّمَا أَتَى فِيهَا السَّمَاحُ مُقَيَّدًا بِمَا هُوَ جَارٍ عَلَى أُصُولِهَا، وَلَيْسَ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ وَلَا اخْتِيَارُ الْأَقْوَالِ بِالتَّشَهِّي بِثَابِتٍ مِنْ أُصُولِهَا؛ فَمَا قَالَهُ عَيْنُ الدَّعْوَى. ثُمَّ نَقُولُ: تَتَبُّعُ الرُّخَصِ مَيْلٌ مَعَ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ، وَالشَّرْعُ جَاءَ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى؛ فَهَذَا مُضَادٌّ لِذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَمُضَادٌّ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] ، وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ مَوْضِعُ تَنَازُعٍ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَدَّ إِلَى أَهْوَاءِ النُّفُوسِ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ إِلَى الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ تُبَيِّنُ الرَّاجِحَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ لَا الْمُوَافِقِ لِلْغَرَضِ. فَصْلٌ: وَرُبَّمَا اسْتَجَازَ هَذَا بَعْضُهُمْ فِي مُوَاطِنَ يَدَّعِي فِيهَا الضَّرُورَةَ وَإِلْجَاءَ الْحَاجَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ؛ فَيَأْخُذُ عِنْدَ ذَلِكَ بِمَا يُوَافِقُ الْغَرَضَ حَتَّى إِذَا نَزَلَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالَةٍ لَا ضَرُورَةَ فِيهَا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْأَخْذِ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ أَوِ الْخَارِجِ٣ عَنِ الْمَذْهَبِ، أَخَذَ فِيهَا بِالْقَوْلِ الْمَذْهَبِيِّ أَوِ الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ فَهَذَا أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّ حَاصِلَهُ الْأَخْذُ بِمَا يُوَافِقُ الْهَوَى الْحَاضِرَ، وَمَحَالُّ الضَّرُورَاتِ مَعْلُومَةٌ مِنَ الشريعة، فإن كانت هذه المسألة

стр. 2391

مِنْهَا، فَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ قَدْ تَكَفَّلَ بِبَيَانِهَا أَخْذًا عَنْ١ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الِانْتِقَالِ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ٢ مِنْهَا، فَزَعْمُ الزَّاعِمِ أَنَّهَا مِنْهَا خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَدَعْوَى غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. وَقَدْ وَقَعَ فِي "نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ"٣ مِنْ هَذَا مَسْأَلَةُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ. وَيُذْكَرُ عَنِ الْإِمَامِ الْمَازِرِيِّ٤ أَنَّهُ سُئِلَ: مَا تَقُولُ فِيمَا اضْطَرَّ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ -وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ- مِنْ مُعَامَلَةِ فُقَرَاءِ أَهْلِ الْبَدْوِ فِي سِنِي الْجَدْبِ؛ إِذْ يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ فَيَشْتَرُونَهُ بِالدَّيْنِ إِلَى الْحَصَادِ أَوِ الْجِذَاذِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالُوا لِغُرَمَائِهِمْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا الطَّعَامُ، فَرُبَّمَا صَدَقُوا فِي ذَلِكَ؛ فَيَضْطَرُّ أَرْبَابُ الدُّيُونِ إِلَى أَخْذِهِ مِنْهُمْ، خَوْفًا أَنْ يَذْهَبَ حَقُّهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ٥ لِفَقْرِهِمْ، وَلِاضْطِرَارِ مَنْ كَانَ مِنْ أَرْبَابِ الدُّيُونِ حَضَرِيًّا إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى حَاضِرَتِهِ، وَلَا حُكَّامَ بِالْبَادِيَةِ أَيْضًا، مَعَ مَا فِي الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ مِنَ الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ شَرْطٌ وَلَا عَادَةٌ، وَإِبَاحَةُ كَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لِذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ خِلَافًا لِلْقَوْلِ بِالذَّرَائِعِ.

стр. 2392

فَأَجَابَ: إِنْ أَرَدْتَ بِمَا أَشَرْتَ إِلَيْهِ إِبَاحَةَ أَخْذِ طَعَامٍ عَنْ ثَمَنِ طَعَامٍ هُوَ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِمَا اقْتَضَى، فَهَذَا مَمْنُوعٌ١ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا تَوَهَّمْتَ. قَالَ: وَلَسْتُ مِمَّنْ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْوَرَعَ قَلَّ، بَلْ كَادَ يُعْدَمُ، وَالتَّحَفُّظُ عَلَى الدِّيَانَاتِ كَذَلِكَ، وَكَثُرَتِ الشَّهَوَاتُ، وَكَثُرَ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ وَيَتَجَاسَرُ عَلَى الْفَتْوَى فِيهِ، فَلَوْ فُتِحَ لَهُمْ بَابٌ فِي مُخَالَفَةِ الْمَذْهَبِ؛ لَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ، وَهَتَكُوا حِجَابَ هَيْبَةِ الْمَذْهَبِ٢، وَهَذَا مِنَ الْمُفْسِدَاتِ٣ الَّتِي لَا خَفَاءَ بِهَا، وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِ الثَّمَنِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ طَعَامًا؛ فَلْيَأْخُذْهُ مِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهُ عَلَى مِلْكِ مُنْفِذِهِ٤ إِلَى الْحَاضِرَةِ، وَيَقْبِضُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِإِشْهَادٍ مِنْ غَيْرِ تَحَيُّلٍ عَلَى إِظْهَارِ مَا يَجُوزُ. فَانْظُرْ كَيْفَ لَمْ يَسْتَجِزْ -وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِمَامَتِهِ- الْفَتْوَى بِغَيْرِ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَلَا بِغَيْرِ مَا يُعْرَفُ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةٍ مَصْلَحِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ؛ إِذْ قَلَّ الْوَرَعُ وَالدِّيَانَةُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْتَصِبُ لُبْثَ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ؟ فَلَوْ فُتِحَ٥ لَهُمْ هَذَا الْبَابُ لَانْحَلَّتْ عُرَى الْمَذْهَبِ، بَلْ جَمِيعُ الْمَذَاهِبِ٦؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لِلشَّيْءِ وَجَبَ لِمِثْلِهِ، وَظَهَرَ أَنَّ تِلْكَ الضَّرُورَةَ الَّتِي ادعيت في السؤال ليست بضرورة.

стр. 2393

فَصْلٌ: وَقَدْ أَذْكُرُ هَذَا الْمَعْنَى جُمْلَةً مِمَّا فِي اتِّبَاعِ١ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، سِوَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي تَضَاعِيفِ الْمَسْأَلَةِ؛ كَالِانْسِلَاخِ مِنَ الدِّينِ بِتَرْكِ اتِّبَاعِ الدَّلِيلِ٢ إِلَى اتِّبَاعِ الْخِلَافِ، وَكَالِاسْتِهَانَةِ بِالدِّينِ إِذْ يَصِيرُ بِهَذَا الِاعْتِبَارُ سَيَّالًا لَا يَنْضَبِطُ٣، وَكَتَرْكِ٤ مَا هُوَ مَعْلُومٌ إلى ما ليس بمعلوم؛ لأن المذاهب

стр. 2394

الْخَارِجَةَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْأَمْصَارِ مَجْهُولَةٌ، وَكَانْخِرَامِ قَانُونِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ١، بِتَرْكِ الِانْضِبَاطِ إِلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ، وَكَإِفْضَائِهِ إِلَى الْقَوْلِ بِتَلْفِيقِ الْمَذَاهِبِ عَلَى وَجْهٍ يَخْرِقُ٢ إِجْمَاعَهُمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْغَرَضِ لَبَسَطْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ كافٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

стр. 2395

فصل: وقد بنوا أيضً عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَسْأَلَةً أُخْرَى، وَهِيَ: هَلْ يَجِبُ الْأَخْذُ بِأَخَفِّ الْقَوْلَيْنِ، أَمْ١ بِأَثْقَلِهِمَا٢؟ وَاسْتُدِلَّ لِمَنْ قَالَ بِالْأَخَفِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ الْآيَةَ: [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] . وَقَوْلِهِ ﵊: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" ٣. وقوله: "بعُثِْتُ بالحنيفيَّةِ السَّمحة" ٤. كل ذَلِكَ يُنَافِي شَرْعَ الشَّاقِّ٥ الثَّقِيلِ، وَمِنْ جِهَةِ القياس أن الله غني

стр. 2396

كَرِيمٌ، وَالْعَبْدَ مُحْتَاجٌ فَقِيرٌ، وَإِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ كَانَ الْحَمْلُ عَلَى جَانِبِ الْغَنِيِّ أَوْلَى. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ١، وَهُوَ أَيْضًا مؤدٍ إِلَى إِيجَابِ إِسْقَاطِ التَّكْلِيفِ جُمْلَةً؛ فَإِنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا شَاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ تَكْلِيفًا مِنَ الْكُلْفَةِ، وَهِيَ الْمَشَقَّةُ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّةُ حَيْثُ لَحِقَتْ فِي التَّكْلِيفِ تَقْتَضِي الرَّفْعَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ؛ لَزِمَ٢ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَاتِ وَالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ إِلَّا إِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَى الْعَبْدِ تَكْلِيفٌ، وَهَذَا مُحَالٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ؛ فَإِنَّ رَفْعَ الشَّرِيعَةِ مَعَ فَرْضِ وَضْعِهَا مُحَالٌ، ثُمَّ قَالَ الْمُنْتَصِرُ لِهَذَا الرَّأْيِ٣: إِنَّهُ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَلَاذِ الْإِذْنُ، وَفِي الْمَضَارِّ الْحُرْمَةُ، وَهُوَ أَصْلٌ قَرَّرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهِ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ٤. وَإِذَا حَكَّمْنَا ذَلِكَ الْأَصْلَ هُنَا؛ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ رَفْعُ التَّكْلِيفِ بَعْدَ وَضْعِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا جَرَّهُ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَا تقدم.

стр. 2397

فَصْلٌ: فَإِنْ قِيلَ١: فَمَا مَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ٢ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ؟ فَإِنَّ الظَّاهِرَ فِيهَا أَنَّهَا اعْتِبَارٌ لِلْخِلَافِ؛ فَلِذَلِكَ نَجِدُ الْمَسَائِلَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا لَا يُرَاعَى فِيهَا غَيْرُ دَلِيلِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا؛ رُوعِي فِيهَا قَوْلُ الْمُخَالِفِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ، فَلَمْ يُعَامِلِ الْمَسَائِلَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا مُعَامَلَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: كُلُّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ اخْتُلِفَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ٣ الْمِيرَاثُ، وَيَفْتَقِرُ فِي فَسْخِهِ إِلَى الطَّلَاقِ، وَإِذَا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ وَكَبَّرَ لِلرُّكُوعِ نَاسِيًا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ؛ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ مُرَاعَاةً٤ لقول

стр. 2398

مَنْ قَالَ: إِنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ فِي النَّافِلَةِ وَعَقَدَهَا يُضِيفُ إِلَيْهَا رَابِعَةً مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يُجِيزُ١ التَّنَفُّلَ بِأَرْبَعٍ بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُرَاعِي فِيهَا غَيْرَ دَلَائِلِهَا، وَمِثْلُهُ جَارٍ فِي عُقُودِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهَا؛ فَلَا يُعَامِلُونَ الْفَاسِدَ الْمُخْتَلَفَ فِي فَسَادِهِ مُعَامَلَةَ٢ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ، وَيُعَلِّلُونَ التَّفْرِقَةَ بِالْخِلَافِ؛ فَأَنْتَ تَرَاهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْخِلَافَ، وَهُوَ مُضَادٌّ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ أُشْكِلَتْ عَلَى طَائِفَةٍ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: "الْخِلَافُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الشَّرِيعَةِ"٣، وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ دَلِيلَيِ الْقَوْلَيْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُتَعَارِضَيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ٤ الْآخَرُ، وَإِعْطَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ أَوْ بَعْضَ مَا يَقْتَضِيهِ هُوَ مَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ٥. وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا جَمَاعَةً مِنَ الشُّيُوخِ٦ الَّذِينَ أَدْرَكْتُهُمْ؛ فَمِنْهُمْ من تأول

стр. 2399

الْعِبَارَةَ وَلَمْ يَحْمِلْهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، بَلْ أَنْكَرَ مُقْتَضَاهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا أَصْلَ لَهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ دَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ ابْتِدَاءً، وَيَكُونُ هُوَ الرَّاجِحَ، ثُمَّ بَعْدَ الْوُقُوعِ يَصِيرُ الرَّاجِحُ مَرْجُوحًا لِمُعَارَضَةِ دَلِيلٍ آخَرَ يَقْتَضِي رُجْحَانَ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ؛ فَيَكُونُ الْقَوْلُ بِأَحَدِهِمَا فِي غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ؛ فَالْأَوَّلُ١ فِيمَا بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَالْآخَرُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ٢؛ فَلَيْسَ جَمْعًا بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ وَلَا قَوْلًا بِهِمَا مَعًا، هَذَا حَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ مَنْ سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَهْلِ فَاسَ وَتُونُسَ، وَحَكَى لِي بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ مَنْ لَقِيَ مِنَ الْأَشْيَاخِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ سُؤَالُ اعْتِبَارِ الْخِلَافِ، وَسَيَأْتِي٣ لِلْمَسْأَلَةِ تَقْرِيرٌ آخر بعد، إن شاء الله.

стр. 2400

عَلَى أَنَّ الْبَاجِيَّ١ حَكَى خِلَافًا٢ فِي اعْتِبَارِ الْخِلَافِ فِي الْأَحْكَامِ٣، وَذَكَرَ اعْتِبَارَهُ عَنِ الشِّيرَازِيِّ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ "مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً بِالنُّطْقِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَوْ قَالَ الشَّارِعُ٤: إِنَّ كُلَّ مَا لَمْ تَجْتَمِعْ٥ أُمَّتِي عَلَى تَحْرِيمِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ أَكْلِهِ فَإِنَّ جِلْدَهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، لَكَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ إِذَا٦ عُلِّقَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِنْبَاطِ". وَمَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، وَمُنْقَلِبٌ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ٧ بِهِ؛ إِذْ لِقَائِلٍ أَنْ يُسَلِّمَ أَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً بِالنُّطْقِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً بِالِاسْتِنْبَاطِ ثُمَّ يَقُولُ: لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: إِنَّ كُلَّ مَا لَمْ تَجْتَمِعْ أُمَّتِي عَلَى تَحْلِيلِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ أَكْلِهِ، فَإِنَّ جِلْدَهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، لَكَانَ ذلك صحيحًا، فكذلك إذا علق

стр. 2401

الْحُكْمَ [عَلَيْهِ] بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَيَكُونُ هَذَا الْقَلْبُ أَرْجَحَ؛ لِأَنَّهُ مَائِلٌ إِلَى جَانِبِ الِاحْتِيَاطِ، وَهَكَذَا كُلُّ١ مَسْأَلَةٍ تُفْرَضُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَالثَّانِي٢: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ جَائِزٍ وَاقِعًا، بَلِ الْوُقُوعُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى أَنَّ مَسَّ الْحَائِطِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ السُّخْنِ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَأَنَّ الْمَشْيَ مِنْ غَيْرِ نَعْلٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا التَّجْوِيزُ سَبَبًا فِي وَضْعِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ عِلَلًا شَرْعِيَّةً بِالِاسْتِنْبَاطِ؛ فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ التَّجْوِيزِ لَيْسَ بِمُسَوِّغٍ لِمَا قَالَ. فَإِنْ قَالَ: إِنَّمَا أَعْنِي مَا٣ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ مُنَاسَبَةٍ أَوْ شَبَهٍ، وَالْأَمْثِلَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا مَعْنًى فِيهَا يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ فِي التَّعْلِيلِ. قِيلَ: لَمْ تُفَصِّلْ أَنْتَ هَذَا التَّفْصِيلَ، وَأَيْضًا؛ فَمِنْ طُرُقِ٤ الِاسْتِنْبَاطِ مَا لَا يَلْزَمُ فِيهِ ظُهُورُ مَعْنًى يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ؛ كَالِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ وَنَحْوِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يكون

стр. 2402

الْبَاجِيُّ أَشَارَ فِي الْجَوَازِ إِلَى مَا فِي الْخِلَافِ مِنَ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ١، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ خِلَافٌ فِي الْمَعْنَى. وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ الخلاف٢ متأخر عن تقرير٣، وَالْحُكْمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى عِلَّتِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ٤: "ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، كَالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِهِ وَإِنْ حَدَثَ فِي عَصْرِنَا".

стр. 2403

وَأَيْضًا: "فَمَعْنَى قَوْلِنَا: "إِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ"١ أَنَّهُ يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَهَذَا كَانَ حَالُهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَى عِلَّتِهِ". وَالْجَوَابُ عَنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ، بَلْ هُوَ أَصْلُ٢ الْحُكْمِ، وَقَوْلُهُ: "إِنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَذَا" هِيَ عَيْنُ٣ الدَّعْوَى. فَصْلٌ: وَمِنَ الْقَوَاعِدِ٤ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: هَلْ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْجَمْعِ، حَتَّى يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلًا أَوْ تَرْكًا٥ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي التُّرُوكِ٦، أَمْ لَا؟ أَمَّا فى ترك العمل٧ بهما

стр. 2404

مَعًا مُجْتَمِعَيْنِ أَوْ مُتَفَرِّقَيْنِ١؛ فَهُوَ التَّوَقُّفُ عَنِ الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى أَحَدِهِمَا، وَهُوَ الْوَاجِبُ إِذَا لَمْ يَقَعْ تَرْجِيحٌ. وَأَمَّا فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِدَلِيلِهِ؛ فَلَا تَعَارُضَ، وَإِنْ فُرِضَ التَّعَارُضُ٢؛ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ، وَرُجُوعٌ إِلَى إِثْبَاتِ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ مَرَّ إِبْطَالُهُ، وَهَكَذَا يَجْرِي الْحُكْمُ فِي الْمُقَلِّدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَعَارُضِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا الْفَصْلِ تَقْرِيرٌ فِي كِتَابِ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

стр. 2405

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَحَالُّ الِاجْتِهَادِ الْمُعْتَبَرِ هِيَ مَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ طَرَفَيْنِ وَضَحَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَصْدُ الشَّارِعِ فِي الْإِثْبَاتِ فِي أَحَدِهِمَا وَالنَّفْيِ فِي الْآخَرِ؛ فَلَمْ تَنْصَرِفِ الْبَتَّةَ إِلَى طَرَفِ النَّفْيِ وَلَا إِلَى طَرَفِ الْإِثْبَاتِ. وَبَيَانُهُ أَنْ نَقُولَ: لَا تَخْلُو أَفْعَالُ١ الْمُكَلَّفِ أَوْ تُرُوكُهُ؛ إِمَّا أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا خِطَابٌ٢ مِنَ الشَّارِعِ، أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِيهَا خِطَابٌ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ يَكُونُ فَرْضًا غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَالْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ فى الحقيقة راجعة٣.

стр. 2406

إِلَى خِطَابِ الشَّارِعِ بِالْعَفْوِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَتَى فِيهَا خِطَابٌ؛ فَإِمَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي النَّفْيِ أَوْ فِي الْإِثْبَاتِ، أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ قَصْدٌ الْبَتَّةَ؛ فَهُوَ قِسْمُ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَإِنْ ظَهَرَ؛ فَتَارَةً يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ قَطْعِيٍّ، فَأَمَّا الْقَطْعِيُّ؛ فَلَا مَجَالَ لِلنَّظَرِ فِيهِ بَعْدَ وُضُوحِ الْحَقِّ فِي النَّفْيِ أَوْ فِي الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ، وَهُوَ قِسْمُ الْوَاضِحَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَاضِحُ الْحُكْمِ حَقِيقَةً، وَالْخَارِجُ عَنْهُ مُخْطِئٌ قَطْعًا، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَطْعِيِّ؛ فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ١ إِلَّا مَعَ دُخُولِ احْتِمَالٍ فِيهِ أَنْ٢ يَقْصِدَ الشَّارِعُ مُعَارِضَهُ أَوْ لَا؛ فَلَيْسَ مِنَ الْوَاضِحَاتِ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ، كَمَا أَنَّهُ يُعَدُّ غَيْرَ وَاضِحٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَرَاتِبَ الظُّنُونِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ تَخْتَلِفُ بِالْأَشَدِّ وَالْأَضْعَفِ حَتَّى تَنْتَهِيَ٣؛ إِمَّا إِلَى الْعِلْمِ، وَإِمَّا إِلَى الشَّكِّ إِلَّا أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ تَارَةً يَقْوَى فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ، وَتَارَةً لَا يَقْوَى فَإِنْ لَمْ يَقْوَ٤ رجع إلى قسم المتشابهات، والمقدم

стр. 2407

عَلَيْهِ حَائِمٌ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَإِنْ قَوِيَ فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ؛ فَهُوَ قِسْمُ الْمُجْتَهَدَاتِ، وَهُوَ الْوَاضِحُ الْإِضَافِيُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنْظَارِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنْ كَانَ الْمُقْدِمُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ؛ فَوَاضِحٌ فِي حَقِّهِ فِي النَّفْيِ أَوْ [فِي] ١ الْإِثْبَاتِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُخَطِّئَةِ؛ فَالْمُقْدِمُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُصِيبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَوَاضِحٌ، وَإِلَّا فَمَعْذُورٌ. وَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ قِسْمَ الْمُتَشَابِهَاتِ مُرَكَّبٌ مِنْ تَعَارُضِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَتَعَارَضَا لَكَانَ مِنْ قِسْمِ الْوَاضِحَاتِ، وَأَنَّ الْوَاضِحَ بِإِطْلَاقٍ لَمْ يَتَعَارَضْ فِيهِ نَفْيٌ مَعَ إِثْبَاتٍ، بَلْ هُوَ إِمَّا منفيٌّ قَطْعًا وَإِمَّا مُثْبَتٌ قَطْعًا، وَأَنَّ الْإِضَافِيَّ إِنَّمَا صَارَ إِضَافِيًّا؛ لِأَنَّهُ مُذَبْذَبٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ الْوَاضِحَيْنِ؛ فَيَقْرُبُ عِنْدَ بَعْضٍ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَعِنْدَ بَعْضٍ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَرُبَّمَا جَعَلَهُ بَعْضُ٢ النَّاسِ مِنْ قِسْمِ الْمُتَشَابِهَاتِ، فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي نَفْسِهِ؛ فَلِذَلِكَ صَارَ إِضَافِيًّا لِتَفَاوُتِ٣ مَرَاتِبِ الظُّنُونِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَيَجْرِي مَجْرَى النَّفْيِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ إِثْبَاتُ ضِدِّ الْآخَرِ فِيهِ؛ فَثُبُوتُ الْعِلْمِ مَعَ نَفْيِهِ نَقِيضَانِ؛ كَوُقُوعِ التَّكْلِيفِ وَعَدَمِهِ،

стр. 2408

وَكَالْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَثُبُوتُ الْعِلْمِ مَعَ ثُبُوتِ الظَّنِّ أَوِ الشَّكِّ ضِدَّانِ؛ كَالْوُجُوبِ مَعَ النَّدْبِ، أَوِ الْإِبَاحَةِ، أَوِ التَّحْرِيمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ١. وَهَذَا الْأَصْلُ وَاضِحٌ فِي نَفْسِهِ، غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى إِثْبَاتِهِ بِدَلِيلٍ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْنِيسِ فِيهِ بِأَمْثِلَةٍ يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى فَهْمِهِ وَتَنْزِيلِهِ وَالتَّمَرُّنِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ"٢، وَرَأَيْنَا الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْأَجِنَّةِ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ٣، وَعَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْجُبَّةِ الَّتِي حَشْوُهَا مُغَيَّبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَلَوْ بِيعَ حَشْوُهَا بِانْفِرَادِهِ لَامْتُنِعَ، وَعَلَى جَوَازِ كِرَاءِ الدَّارِ مُشَاهَرَةً مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى دُخُولِ الْحَمَّامِ مَعَ اخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَطُولِ اللُّبْثِ، وَعَلَى شُرْبِ الْمَاءِ مِنَ السِّقَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْعَادَاتِ فِي مِقْدَارِ الرِّيِّ؛ فَهَذَانِ طَرَفَانِ فِي اعْتِبَارِ الْغَرَرِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ لِكَثْرَتِهِ٤ فِي الْأَوَّلِ وَقِلَّتِهِ مَعَ عدم٥ الانفكاك عنه في

стр. 2409

الثَّانِي؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا فِي بَابِ الْغَرَرِ فَهِيَ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، آخِذَةٌ بِشَبَهٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَمَنْ أَجَازَ مَالَ إِلَى جَانِبِ الْيَسَارَةِ١، وَمَنْ مَنَعَ مالَ إلى جانب الْآخَرِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ زَكَاةِ الْحُلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ وَعَلَى الزَّكَاةِ فِي النَّقْدَيْنِ٢، فَصَارَ الْحُلِيُّ الْمُبَاحُ الاستعمال دائرًا بين الطرفين؛ فذلك٣ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا. وَاتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ الْعَدْلِ وَشَهَادَتِهِ، وَعَلَى عَدَمِ قَبُولِ ذَلِكَ مِنَ الْفَاسِقِ، وَصَارَ الْمَجْهُولُ الْحَالِ دَائِرًا بَيْنَهُمَا؛ فَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ وَأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا تَمْلِكُ، وَلَمَّا أَخَذَ الْعَبْدُ بِطَرَفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ: هَلْ يَمْلِكُ، أَمْ لَا؟ بِنَاءً عَلَى تَغْلِيبِ حُكْمِ أحد الطرفين.

стр. 2410

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاجِدَ لِلْمَاءِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ يَتَوَضَّأُ وَلَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ، وَبَعْدَ إِتْمَامِهَا وَخُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ١ دَائِرٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ إِذَا لَمْ تَظْهَرْ تَابِعَةً لِلْأَصْلِ فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى أَنَّهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ لَهَا إِذَا جُذَّتْ، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا إِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَإِذَا أَفْتَى وَاحِدٌ وَعَرَفَهُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ، وَأَقَرُّوا بِالْقَبُولِ فَإِجْمَاعٌ بِاتِّفَاقٍ، أَوْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ؛ فَغَيْرُ إِجْمَاعٍ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ سَكَتُوا٢ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ إِنْكَارٍ؛ فَدَائِرٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْمُبْتَدِعُ بِمَا يَتَضَمَّنُ٣ كُفْرًا مِنْ غَيْرِ إِقْرَارٍ بِالْكُفْرِ دَائِرٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ؛ فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ بِمَا لَا يَتَضَمَّنُ٤ كُفْرًا مِنَ الْأُمَّةِ، وَبِمَا اقْتَضَى كُفْرًا مُصَرِّحًا به٥ ليس

стр. 2411

مِنَ الْأُمَّةِ؛ فَالْوَسَطُ١ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: هَلْ هُوَ مِنَ الْأُمَّةِ، أَمْ لَا؟ وَأَرْبَابُ النِّحَل والمِلَل اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ بِإِطْلَاقٍ، وَعَلَى أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ بِإِطْلَاقٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِضَافَةِ أُمُورٍ٢ إِلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا كَمَالٌ، وَعَدَمِ إِضَافَتِهَا إِلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نَقَائِصُ، وَفِي عَدَمِ إِضَافَةِ أُمُورٍ إِلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِضَافَةِ كَمَالٌ، أَوْ إِضَافَتُهَا بِنَاءً [عَلَى] ٣ أَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَيْهِ هِيَ الْكَمَالُ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهَا. فَكُلُّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا دَائِرَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ وَاضِحَيْنِ؛ فَحَصَلَ الْإِشْكَالُ وَالتَّرَدُّدُ، وَلَعَلَّكَ لَا تَجِدُ خِلَافًا وَاقِعًا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ مُعْتَدًّا٤ بِهِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ أَوْ فِي النَّقْلِيَّاتِ، لَا مَبْنِيًّا عَلَى الظَّنِّ وَلَا عَلَى الْقَطْعِ؛ إِلَّا دائر بين طرفين [و] لا يَخْتَلِفُ فِيهِمَا أَصْحَابُ الِاخْتِلَافِ [فِي الْوَاسِطَةِ الْمُتَرَدِّدَةِ بينهما، فاعتَبِرْه تجده كذلك -إن شاء الله] .

стр. 2412

فَصْلٌ: وَبِإِحْكَامِ النَّظَرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى يَتَرَشَّحُ لِلنَّاظِرِ١ أَنْ يَبْلُغَ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَصِيرًا بِمَوَاضِعِ الِاخْتِلَافِ، جَدِيرًا بِأَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ تَعْرِضُ لَهُ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "يَا عَبْدَ الله ابن مَسْعُودٍ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "أَتَدْرِي أَيَّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ ". قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالْحَقِّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ، وإن كان يزحف في استِه"٢؛ فهذا تنبيه٣ على

стр. 2413

الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاقِعِ الْخِلَافِ. وَلِذَلِكَ جَعَلَ النَّاسُ الْعِلْمَ مَعْرِفَةَ الِاخْتِلَافِ. فَعَنْ قَتَادَةَ: "مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاخْتِلَافَ لَمْ يشمَّ أنفُه الْفِقْهَ"١. وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ: "مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اخْتِلَافَ الْقِرَاءَةِ فَلَيْسَ بِقَارِئٍ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ اخْتِلَافَ٢ الْفُقَهَاءِ فَلَيْسَ بِفَقِيهٍ"٣. وَعَنْ عَطَاءٍ: "لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ النَّاسَ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ رَدَّ٤ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ أَوْثَقُ من الذي في يديه"٥.

стр. 2414

وَعَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ: "أَجْسَرُ١ النَّاسِ عَلَى الْفُتْيَا أَقَلُّهُمْ عِلْمًا بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ". زَادَ أَيُّوبُ: "وأمسكُ الناسِ عَنِ الْفُتْيَا أَعْلَمُهُمْ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ"٢. وَعَنْ مَالِكٍ: "لَا تَجُوزُ الْفُتْيَا إِلَّا لِمَنْ عَلِمَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، قِيلَ لَهُ: اخْتِلَافَ أَهْلِ الرَّأي؟ قَالَ: لَا، اخْتِلَافَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَعَلِمَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنْ حَدِيثِ الرَّسُولِ الله ﷺ "٣. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ: "لَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الِاخْتِلَافَ أَنْ يُفْتِيَ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ الْأَقَاوِيلَ أَنْ يَقُولَ هَذَا أَحَبُّ إليَّ"٤. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ: "مَنْ لَمْ يَسْمَعْ الِاخْتِلَافَ، فَلَا تَعُدُّهُ عَالِمًا"٥. وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ عُقْبَةَ: "لَا يُفْلِحُ مَنْ لَا يَعْرِفُ اخْتِلَافَ النَّاسِ"٦. وَكَلَامُ النَّاسِ هَنَا كَثِيرٌ، وَحَاصِلُهُ مَعْرِفَةُ مَوَاقِعِ الْخِلَافِ، لَا حِفْظَ مُجَرَّدِ الْخِلَافِ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّظَرِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ، وَكَثِيرًا مَا تَجِدُ هَذَا لِلْمُحَقِّقِينَ فِي النَّظَرِ كَالْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ.

стр. 2415

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: ١ الِاجْتِهَادُ إِنْ تَعَلَّقَ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ النُّصُوصِ، فَلَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْمَعَانِي مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مُجَرَّدَةً عَنِ٢ اقْتِضَاءِ النُّصُوصِ لَهَا أَوْ مسلَّمة مِنْ صَاحِبِ الِاجْتِهَادِ فِي النُّصُوصِ؛ فَلَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْعِلْمُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ٣ مِنَ الشَّرِيعَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا٤ خَاصَّةً. وَالدَّلِيلُ عَلَى٥ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ عِلْمَ الْعَرَبِيَّةِ إِنَّمَا يُفِيدُ مُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ بِحَسَبِ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَلْفَاظُ الشَّارِعِ الْمُؤَدِّيَةُ لِمُقْتَضَيَاتِهَا عَرَبِيَّةٌ، فَلَا يُمْكِنُ مَنْ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ أَنْ يَفْهَمَ لِسَانَ الْعَرَبِ، كَمَا لَا

стр. 2416

يُمْكِنُ التَّفَاهُمُ [فِيمَا] بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَالْبَرْبَرِيِّ أَوِ الرُّومِيِّ أَوِ الْعِبْرَانِيِّ حَتَّى يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مُقْتَضَى لِسَانِ صَاحِبِهِ. وَأَمَّا الْمَعَانِي مجرَّدة١؛ فَالْعُقَلَاءُ مُشْتَرِكُونَ فِي فَهْمِهَا، فَلَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ لِسَانٌ دون غيره، فإذن٢ مَنْ فَهِمَ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ مِنْ وَضْعِ الْأَحْكَامِ، وَبَلَغَ فِيهَا رُتْبَةَ الْعِلْمِ بِهَا، وَلَوْ كَانَ فَهْمُهُ لَهَا مِنْ طَرِيقِ التَّرْجَمَةِ بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ؛ فَلَا فَرْقَ٣ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ فَهِمَهَا مِنْ طَرِيقِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَلِذَلِكَ يُوقِعُ الْمُجْتَهِدُونَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى الْوَقَائِعِ الْقَوْلِيَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ، ويعتبرون٤ [المعاني، ولا يتعبرون] الْأَلْفَاظَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّوَازِلِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ الْقِيَاسِيَّ غَيْرُ٥ مُحْتَاجٍ فِيهِ إِلَى مُقْتَضَيَاتِ الألفاظ إلا

стр. 2417

فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مُسَلَّمًا أَوْ بِالْعِلَّةِ١ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا أَوِ الَّتِي أُومِئَ إِلَيْهَا٢، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مُسَلَّمًا، وَمَا سِوَاهُ فَرَاجِعٌ إِلَى النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ. وَإِلَى هَذَا النَّوْعِ٣ يَرْجِعُ الِاجْتِهَادُ الْمَنْسُوبُ إِلَى أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، كَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيِّ وَالْبُوَيْطِيِّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُمْ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْهُمْ يَأْخُذُونَ أُصُولَ إِمَامِهِمْ وَمَا بُنِيَ عَلَيْهِ فِي فَهْمِ أَلْفَاظِ الشَّرِيعَةِ، وَيُفَرِّعُونَ الْمَسَائِلَ، وَيُصْدِرُونَ الْفَتَاوَى عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ. وَقَدْ قَبِلَ النَّاسُ أَنْظَارَهُمْ وَفَتَاوِيَهُمْ، وَعَمِلُوا عَلَى مُقْتَضَاهَا، خَالَفَتْ مَذْهَبَ إِمَامِهِمْ أَوْ وَافَقَتْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مَقَاصِدَ الشَّرْعِ في وضع

стр. 2418

الْأَحْكَامِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ، لَمْ يَحِلَّ لَهُمُ الْإِقْدَامُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى، وَلَا حَلَّ لِمَنْ فِي زَمَانِهِمْ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يقَّرهم عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَسْكُتَ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَانُوا خُلَقَاءَ١ بِالْإِقْدَامِ فِيهِ، فَالِاجْتِهَادُ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ كَانَ مِثْلَهُمْ وَبَلَغَ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ مَبَالِغَهُمْ صَحِيحٌ، لَا إِشْكَالَ فِيهِ، هَذَا عَلَى فَرْضِ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَأَمَّا إِذَا بَلَغُوا تِلْكَ الرُّتْبَةَ فَلَا إِشْكَالَ أَيْضًا فِي صحة اجتهادهم على الإطلاق٢ والله أعلم.

стр. 2419

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَدْ يَتَعَلَّقُ الِاجْتِهَادُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، فَلَا يُفْتَقَرُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعِلْمِ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الِاجْتِهَادِ إِنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ بِالْمَوْضُوعِ١ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إِلَى الْعِلْمِ بِمَا لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ إِلَّا بِهِ٢، مِنْ حَيْثُ قُصِدَتِ الْمَعْرِفَةُ بِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ عَارِفًا وَمُجْتَهِدًا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا لِيَتَنَزَّلَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الْمُقْتَضَى، كَالْمُحَدِّثِ الْعَارِفِ بِأَحْوَالِ الْأَسَانِيدِ وَطُرُقِهَا، وَصَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَمَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنْ مُتُونِهَا مِمَّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَهَذَا يُعْتَبَرُ اجْتِهَادُهُ فِيمَا هُوَ عَارِفٌ بِهِ، كَانَ عَالِمًا بِالْعَرَبِيَّةِ أَمْ لَا٣، وَعَارِفًا بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ أَمْ لَا٤، وَكَذَلِكَ الْقَارِئُ فِي تَأْدِيَةِ٥ وجوه القرءات، والصانع في معرفة عيوب

стр. 2420

الصِّنَاعَاتِ، وَالطَّبِيبُ فِي الْعِلْمِ بِالْأَدْوَاءِ وَالْعُيُوبِ، وَعُرَفَاءُ الْأَسْوَاقِ١ فِي مَعْرِفَةِ قِيَمِ السِّلَعِ وَمَدَاخِلِ الْعُيُوبِ فِيهَا، وَالْعَادُّ٢ فِي صِحَّةِ الْقِسْمَةِ، وَالْمَاسِحُ فِي تَقْدِيرِ الْأَرَضِينَ وَنَحْوِهَا، كُلُّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ غَيْرَ مُضْطَرٍّ إِلَى الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا الْعِلْمِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعُ ذَلِكَ كَمَالًا فِي الْمُجْتَهِدِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ٣ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَازِمًا٤ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ، بَلْ هُوَ مُحَالٌ عَادَةً، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ، فَعَلَى جِهَةِ خَرْقِ الْعَادَةِ، كَآدَمَ ﵇ حِينَ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَلَا كَلَامَ فِيهِ. وَأَيْضًا، إِنْ لَزِمَ٥ فِي هَذَا الِاجْتِهَادِ الْعِلْمُ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ٦ لَزِمَ في كل
следующие страницы →