Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
يُمْكِنُ التَّفَاهُمُ [فِيمَا] بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَالْبَرْبَرِيِّ أَوِ الرُّومِيِّ أَوِ الْعِبْرَانِيِّ حَتَّى يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مُقْتَضَى لِسَانِ صَاحِبِهِ.
وَأَمَّا الْمَعَانِي مجرَّدة١؛ فَالْعُقَلَاءُ مُشْتَرِكُونَ فِي فَهْمِهَا، فَلَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ لِسَانٌ دون غيره، فإذن٢ مَنْ فَهِمَ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ مِنْ وَضْعِ الْأَحْكَامِ، وَبَلَغَ فِيهَا رُتْبَةَ الْعِلْمِ بِهَا، وَلَوْ كَانَ فَهْمُهُ لَهَا مِنْ طَرِيقِ التَّرْجَمَةِ بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ؛ فَلَا فَرْقَ٣ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ فَهِمَهَا مِنْ طَرِيقِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَلِذَلِكَ يُوقِعُ الْمُجْتَهِدُونَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى الْوَقَائِعِ الْقَوْلِيَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ، ويعتبرون٤ [المعاني، ولا يتعبرون] الْأَلْفَاظَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّوَازِلِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ الْقِيَاسِيَّ غَيْرُ٥ مُحْتَاجٍ فِيهِ إِلَى مُقْتَضَيَاتِ الألفاظ إلا
стр. 2417
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مُسَلَّمًا أَوْ بِالْعِلَّةِ١ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا أَوِ الَّتِي أُومِئَ إِلَيْهَا٢، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مُسَلَّمًا، وَمَا سِوَاهُ فَرَاجِعٌ إِلَى النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ.
وَإِلَى هَذَا النَّوْعِ٣ يَرْجِعُ الِاجْتِهَادُ الْمَنْسُوبُ إِلَى أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، كَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيِّ وَالْبُوَيْطِيِّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُمْ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْهُمْ يَأْخُذُونَ أُصُولَ إِمَامِهِمْ وَمَا بُنِيَ عَلَيْهِ فِي فَهْمِ أَلْفَاظِ الشَّرِيعَةِ، وَيُفَرِّعُونَ الْمَسَائِلَ، وَيُصْدِرُونَ الْفَتَاوَى عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ.
وَقَدْ قَبِلَ النَّاسُ أَنْظَارَهُمْ وَفَتَاوِيَهُمْ، وَعَمِلُوا عَلَى مُقْتَضَاهَا، خَالَفَتْ مَذْهَبَ إِمَامِهِمْ أَوْ وَافَقَتْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مَقَاصِدَ الشَّرْعِ في وضع
стр. 2418
الْأَحْكَامِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ، لَمْ يَحِلَّ لَهُمُ الْإِقْدَامُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى، وَلَا حَلَّ لِمَنْ فِي زَمَانِهِمْ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يقَّرهم عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَسْكُتَ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَانُوا خُلَقَاءَ١ بِالْإِقْدَامِ فِيهِ، فَالِاجْتِهَادُ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ كَانَ مِثْلَهُمْ وَبَلَغَ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ مَبَالِغَهُمْ صَحِيحٌ، لَا إِشْكَالَ فِيهِ، هَذَا عَلَى فَرْضِ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَأَمَّا إِذَا بَلَغُوا تِلْكَ الرُّتْبَةَ فَلَا إِشْكَالَ أَيْضًا فِي صحة اجتهادهم على الإطلاق٢ والله أعلم.
стр. 2419
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
قَدْ يَتَعَلَّقُ الِاجْتِهَادُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، فَلَا يُفْتَقَرُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعِلْمِ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الِاجْتِهَادِ إِنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ بِالْمَوْضُوعِ١ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إِلَى الْعِلْمِ بِمَا لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ إِلَّا بِهِ٢، مِنْ حَيْثُ قُصِدَتِ الْمَعْرِفَةُ بِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ عَارِفًا وَمُجْتَهِدًا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا لِيَتَنَزَّلَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الْمُقْتَضَى، كَالْمُحَدِّثِ الْعَارِفِ بِأَحْوَالِ الْأَسَانِيدِ وَطُرُقِهَا، وَصَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَمَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنْ مُتُونِهَا مِمَّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَهَذَا يُعْتَبَرُ اجْتِهَادُهُ فِيمَا هُوَ عَارِفٌ بِهِ، كَانَ عَالِمًا بِالْعَرَبِيَّةِ أَمْ لَا٣، وَعَارِفًا بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ أَمْ لَا٤، وَكَذَلِكَ الْقَارِئُ فِي تَأْدِيَةِ٥ وجوه القرءات، والصانع في معرفة عيوب
стр. 2420
الصِّنَاعَاتِ، وَالطَّبِيبُ فِي الْعِلْمِ بِالْأَدْوَاءِ وَالْعُيُوبِ، وَعُرَفَاءُ الْأَسْوَاقِ١ فِي مَعْرِفَةِ قِيَمِ السِّلَعِ وَمَدَاخِلِ الْعُيُوبِ فِيهَا، وَالْعَادُّ٢ فِي صِحَّةِ الْقِسْمَةِ، وَالْمَاسِحُ فِي تَقْدِيرِ الْأَرَضِينَ وَنَحْوِهَا، كُلُّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ غَيْرَ مُضْطَرٍّ إِلَى الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا الْعِلْمِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعُ ذَلِكَ كَمَالًا فِي الْمُجْتَهِدِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ٣ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَازِمًا٤ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ، بَلْ هُوَ مُحَالٌ عَادَةً، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ، فَعَلَى جِهَةِ خَرْقِ الْعَادَةِ، كَآدَمَ ﵇ حِينَ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَلَا كَلَامَ فِيهِ.
وَأَيْضًا، إِنْ لَزِمَ٥ فِي هَذَا الِاجْتِهَادِ الْعِلْمُ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ٦ لَزِمَ في كل
стр. 2421
علم وصناعة أن لا تُعْرَفَ إِلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، إِذْ١ فُرِضَ مِنْ لُزُومِ الْعِلْمِ٢ بِهَا الْعِلْمُ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، فَقَدْ حَصَلَتِ الْعُلُومُ وَوَجَدْتَ مِنَ الْجُهَّالِ بِالشَّرِيعَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَمِنَ الْكُفَّارِ الْمُنْكِرِينَ لِلشَّرِيعَةِ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْعُلَمَاءَ٣ لَمْ يَزَالُوا يُقَلِّدُونَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا اعْتُبِرُوا أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِمَا قُلِّدُوا فِيهِ خَاصَّةً، وَهُوَ التَّقْلِيدُ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ فِي هَذَا الِاجْتِهَادِ الْمَعْرِفَةُ بِمَقَاصِدِ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ، كَمَا أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِينَ٤ كَذَلِكَ، فَالِاجْتِهَادُ فِي الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ يَلْزَمُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِمَقَاصِدِ [الْعَرَبِيَّةِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ يَلْزَمُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي مَنَاطِ الْأَحْكَامِ يَلْزَمُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِمَقَاصِدِ] ٥ ذَلِكَ الْمَنَاطِ، مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ لَا من وجه غيره، وهو ظاهر.
стр. 2422
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:
الِاجْتِهَادُ الْوَاقِعُ فِي الشَّرِيعَةِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: الِاجْتِهَادُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا، وَهُوَ الصَّادِرُ عَنْ أَهْلِهِ الَّذِينَ اضْطَلَعُوا١ بِمَعْرِفَةِ مَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الِاجْتِهَادُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَالثَّانِي: غَيْرُ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ الصَّادِرُ عَمَّنْ لَيْسَ بِعَارِفٍ بِمَا يَفْتَقِرُ الِاجْتِهَادُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ رَأْيٌ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْأَغْرَاضِ، وَخَبْطٌ فِي عِمَايَةٍ، وَاتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، فَكُلُّ رَأْيٍ صَدَرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا مِرْيَةَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ الْآيَةَ [ص: ٢٦] .
وَهَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَلَكِنْ قَدْ يَنْشَأُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ قِسْمٌ آخَرُ فَأَمَّا القسم الأول، وهي:
стр. 2423
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:
فَيَعْرِضُ فِيهِ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ، إِمَّا بِخَفَاءِ١ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ فِيهِ مَا لَمْ يُقْصَدْ مِنْهُ، وَإِمَّا بِعَدَمِ٢ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ جُمْلَةً.
وَحُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ إِنْ كَانَ فِي [أَمْرٍ] جُزْئِيٍّ٣، وَأَمَّا إِنْ كَانَ [الْخَطَأُ] فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ٤، فَهُوَ أَشَدُّ وَفِي هَذَا الْمَوْطِنِ حَذَرٌ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، فَإِنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ التَّحْذِيرُ مِنْهَا؛ فَرُوِيَ عَنْهُ ﵊، أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي لَأَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي مِنْ أَعْمَالٍ ثَلَاثَةٍ". قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَمِنْ حُكْمٍ جائرٍِ، وَمِنْ هَوًى متَّبع"٥.
стр. 2424
وَعَنْ عُمَرَ: "ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زلَّة الْعَالِمِ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ"١.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: "إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ زَلَّةُ الْعَالِمِ، أَوْ جِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ حقٌّ، وَعَلَى الْقُرْآنِ منارٌ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ"٢.
وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ كَثِيرًا: "وَإِيَّاكُمْ وزَيْغةَ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ بِكَلِمَةِ الضَّلَالَةِ، وَقَدْ يقولُ المنافقُ الحقَّ، فتلقَّوا عَمَّنْ جَاءَ بِهِ، فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا". قَالُوا: وَكَيْفَ زَيْغَةُ٣ الْحَكِيمِ؟ قَالَ: "هِيَ كَلِمَةٌ تُرَوِّعُكُمْ وَتُنْكِرُونَهَا، وَتَقُولُونَ مَا هَذِهِ؟ فَاحْذَرُوا زَيْغَتَهُ، وَلَا تَصُدَّنكم عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَفِيءَ وأن يراجع الحق"٤.
стр. 2425
وَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: "كَيْفَ أَنْتُمْ عِنْدَ ثَلَاثٍ: زَلَّة عَالِمٍ، وَجِدَالِ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَدُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ، فَأَمَّا زَلَّةُ الْعَالِمِ، فَإِنِ اهْتَدَى؛ فَلَا تُقلَّدوهُ دِينَكُمْ، تَقُولُونَ: نَصْنَعُ مِثْلَ مَا يَصْنَعُ فُلَانٌ، وَنَنْتَهِي عَمَّا يَنْتَهِي عَنْهُ فُلَانٌ، وَإِنْ أَخْطَأَ، فَلَا تَقْطَعُوا إِيَاسَكُمْ مِنْهُ، فتُعينوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ"١ الْحَدِيثَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "ويلٌ لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثرات الْعَالِمِ. قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَقُولُ الْعَالِمُ شَيْئًا بِرَأْيِهِ، ثُمَّ يجدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، فَيَتْرُكُ قَوْلَهُ ثُمَّ يَمْضِي الْأَتْبَاعُ"٢.
وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: "أَخْبَرَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: رَآنِي أَبِي وَأَنَا أُنْشِدُ الشِّعْرَ، فَقَالَ لِي: يَا بُنّي! لَا تُنْشِدِ الشِّعْرَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ! كَانَ الْحَسَنُ يُنْشِدُ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُنْشِدُ. فَقَالَ لِي: أَيْ بُني! إِنْ أَخَذْتَ بَشرٍّ مَا فِي الْحَسَنِ وبشرٍّ مَا فِي ابْنِ سِيرِينَ اجْتَمَعَ فِيكَ الشرُّ كُلُّهُ"٣.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتيبة٤ وَمَالِكٌ: "لَيْسَ أحدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا يُؤخذ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ، إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ "٥.
стр. 2426
وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ١: "إِنْ أخذتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّر كُلُّهُ"٢.
قَالَ٣ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: "هَذَا إِجْمَاعٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا".
وَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ٤ الْحَذَرِ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ عِنْدَ الْغَفْلَةِ عَنِ اعْتِبَارِ٥ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ في ذلك المعنى الذى اجتهد فيه،
стр. 2427
وَالْوُقُوفِ دُونَ أَقْصَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْبَحْثِ عَنِ النُّصُوصِ فِيهَا، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا تَعَمُّدٍ وَصَاحِبُهُ مَعْذُورٌ وَمَأْجُورٌ، لَكِنْ مِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ فِي الِاتِّبَاعِ لِقَوْلِهِ فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: "إِنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ بِالذَّنْبِ قَدْ تَصِيرُ كَبِيرَةً وَهِيَ فِي نَفْسِهَا صَغِيرَةٌ"، وَذَكَرَ مِنْهَا أَمْثِلَةً، ثُمَّ قَالَ: "فَهَذِهِ ذُنُوبٌ يُتَّبَعُ١ الْعَالِمُ عَلَيْهَا، فَيَمُوتُ الْعَالِمُ ويبقى شره مستطيرًا في العالم آماد٢ مُتَطَاوِلَةً، فَطُوبَى لِمَنْ إِذَا مَاتَ مَاتَتْ مَعَهُ ذُنُوبُهُ"٣، وَهَكَذَا الْحُكْمُ مُسْتَمِرٌّ فِي زَلَّتِهِ فِي الْفُتْيَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى، فَإِنَّهُ رُبَّمَا خَفِيَ عَلَى الْعَالِمِ بَعْضُ السُّنَّةِ أَوْ بَعْضُ الْمَقَاصِدِ الْعَامَّةِ فِي خُصُوصِ مَسْأَلَتِهِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ قَوْلُهُ شَرْعًا يُتَقَلَّدُ، وَقَوْلًا يُعْتَبَرُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، فَرُبَّمَا رَجَعَ عَنْهُ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَيَفُوتُهُ٤ تَدَارُكُ مَا سَارَ فِي الْبِلَادِ عَنْهُ [وَيَضِلُّ عَنْهُ] ٥ تَلَافِيهِ، فَمِنْ هُنَا قَالُوا: زَلَّةُ الْعَالِمِ مَضْرُوبٌ بِهَا الطَّبْلُ٦.
فَصْلٌ:
إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي أُمُورٍ تَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ:
-مِنْهَا: أَنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ لَا يَصِحُّ اعْتِمَادُهَا مِنْ جِهَةٍ٧ وَلَا الْأَخْذُ بِهَا تَقْلِيدًا لَهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لِلشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ عُدَّتْ زَلَّةً، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ مُعْتَدًّا بِهَا؛ لَمْ يُجْعَلْ لَهَا هَذِهِ الرُّتْبَةُ، وَلَا نُسِبَ إِلَى صَاحِبِهَا الزَّلَلُ فِيهَا، كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ صَاحِبُهَا إِلَى التَّقْصِيرِ٨، وَلَا أَنْ يشنع عليه بها، ولا ينتقص
стр. 2428
مِنْ أَجْلِهَا، أَوْ يُعْتَقَدُ فِيهِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ [بَحْتًا] ١، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِي٢ رُتْبَتُهُ فِي الدِّينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَغَيْرِهِ مَا يُرْشِدُ٣ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ رُوِيَ٤ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ؛ أَنَّهُ قَالَ: "كُنَّا فِي الْكُوفَةِ فناظَرُوني فِي ذَلِكَ -يَعْنِي: [فِي] ٥ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ-، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعَالَوْا فَلْيَحْتَجَّ الْمُحْتَجُّ٦ مِنْكُمْ عَمَّنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالرُّخْصَةِ، فَإِنْ لَمْ نُبَيِّنِ الرَّدَّ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِشِدَّةٍ٧ صَحَّتْ عَنْهُ فَاحْتَجُّوا. فَمَا جَاءُوا عَنْ وَاحِدٍ بِرُخْصَةٍ إِلَّا جِئْنَاهُمْ بِشِدَّةٍ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ فِي يَدِ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ٨ وَلَيْسَ احْتِجَاجُهُمْ عَنْهُ فِي رُخْصَةِ٩ النَّبِيذِ بِشَيْءٍ يَصِحُّ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: فَقُلْتُ لِلْمُحْتَجِّ عَنْهُ فِي الرُّخْصَةِ: يَا أَحْمَقُ! عُدَّ١٠ أَنَّ ابْنَ مسعود لو كان ههنا جالسًا فقال: هو لك
стр. 2429
حَلَالٌ، وَمَا وَصَفْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي الشِّدَّةِ، كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَحْذَرَ أَوْ تُحَيَّرَ أَوْ تَخْشَى. فَقَالَ قَائِلُهُمْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! فَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَسَمَّى عِدَّةً مَعَهُمَا كَانُوا يَشْرَبُونَ الْحَرَامَ؟ فَقُلْتُ١ لَهُمْ: دَعُوا عِنْدَ الِاحْتِجَاجِ تَسْمِيَةَ الرِّجَالِ؛ فَرُبَّ رَجُلٍ فِي الْإِسْلَامِ مَنَاقِبُهُ كَذَا وَكَذَا وَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُ زَلَّةٌ، أَفَلِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَا؟ فَإِنْ أَبَيْتُمْ؛ فَمَا قَوْلُكُمْ فِي عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ؟ قَالُوا: كَانُوا خِيَارًا. قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا قَوْلُكُمْ فِي الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالُوا: حَرَامٌ. فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ رَأَوْهُ حَلَالًا فَمَاتُوا وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْحَرَامَ، فَبَقُوا وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ". هَذَا مَا حُكِيَ٢.
وَالْحَقُّ مَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٥٩] .
فَإِذَا كَانَ بَيِّنًا ظَاهِرًا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ أَوْ لِلسُّنَّةِ، لَمْ يَصِحَّ الاعتدادُ بِهِ وَلَا البناءُ عَلَيْهِ، وَلِأَجْلِ هَذَا يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي إِذَا خَالَفَ النَّصَّ أَوِ الْإِجْمَاعَ، مَعَ أَنَّ حُكْمَهُ مبنيٌّ عَلَى الظَّوَاهِرِ مَعَ إِمْكَانِ خِلَافِ الظَّاهِرِ، وَلَا يُنْقَضُ مَعَ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَإِنْ تَبَيَّنَ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ نَصْبِ الْحَاكِمِ تُنَاقِضُ٣ نَقْضَ حُكْمِهِ، وَلَكِنْ يُنْقَضُ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَدِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
فَصْلٌ:
-وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِمَادُهَا خِلَافًا فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لأنها لم
стр. 2430
تَصْدُرْ فِي الْحَقِيقَةِ عَنِ اجْتِهَادِهِ، وَلَا هِيَ مِنْ مَسَائِلِ١ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ حَصَلَ مِنْ صَاحِبِهَا اجْتِهَادٌ، فَهُوَ لَمْ يُصَادِفْ فِيهَا مَحَلًّا، فَصَارَتْ فِي نِسْبَتِهَا إِلَى الشَّرْعِ كَأَقْوَالِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ، وَإِنَّمَا يُعَدُّ فِي الْخِلَافِ الْأَقْوَالُ الصَّادِرَةُ عَنْ أَدِلَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ، كَانَتْ مِمَّا يَقْوَى أَوْ يَضْعُفُ، وَأَمَّا إِذَا صَدَرَتْ عَنْ مُجَرَّدِ خَفَاءِ٢ الدَّلِيلِ أَوْ عَدَمِ مُصَادَفَتِهِ فَلَا، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَدَّ بِهَا فِي الْخِلَافِ، كَمَا لَمْ يَعْتَدَّ السَّلَفُ الصَّالِحُ بِالْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ رِبَا الْفَضْلِ، وَالْمُتْعَةِ، وَمَحَاشِي النِّسَاءِ٣، وَأَشْبَاهِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَفِيَتْ فِيهَا الْأَدِلَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِيهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فماذا يُعْرَفُ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا هُوَ كَذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مِنْ وَظَائِفِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَهُمُ الْعَارِفُونَ بِمَا وَافَقَ أَوْ خَالَفَ، وَأَمَّا غيرهم، فلا تمييز لَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَيُعَضِّدُ هَذَا أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَرَاتِبَ، فَمِنَ الْأَقْوَالِ مَا يَكُونُ خِلَافًا لِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ مِنْ نَصٍّ مُتَوَاتِرٍ أَوْ إِجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ فِي حُكْمٍ كُلِّيٍّ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ خِلَافًا لِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَالْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ مُتَفَاوِتَةٌ، كَأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْقِيَاسِ الْجُزْئِيَّةِ، فَأَمَّا الْمُخَالِفُ لِلْقَطْعِيِّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي اطِّرَاحِهِ٤، وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ رُبَّمَا ذَكَرُوهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا فيه، لا للاعتداد
стр. 2431
بِهِ، وَأَمَّا الْمُخَالِفُ لِلظَّنِّيِّ؛ فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ١ بِنَاءً عَلَى التَّوَازُنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اعْتَمَدَهُ صَاحِبُهُ مِنَ الْقِيَاسِ أَوْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ مِنَ الْمُتَفَقِّهِينَ فِي ذَلِكَ ضَابِطٌ يَعْتَمِدُهُ أَمْ لَا؟
فَالْجَوَابُ: إِنَّ لَهُ ضَابِطًا تَقْرِيبِيًّا، وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ مَعْدُودًا فِي الْأَقْوَالِ غَلَطًا وَزَلَلًا قَلِيلٌ جِدًّا فِي الشَّرِيعَةِ، وَغَالِبُ الْأَمْرِ أَنَّ أَصْحَابَهَا مُنْفَرِدُونَ بِهَا، قَلَّمَا يُسَاعِدُهُمْ عَلَيْهَا مُجْتَهِدٌ آخَرُ، فَإِذَا انْفَرَدَ صَاحِبُ قَوْلٍ عَنْ عَامَّةِ الْأُمَّةِ، فَلْيَكُنِ اعْتِقَادُكَ أَنَّ الْحَقَّ [فِي الْمَسْأَلَةِ] مَعَ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ٢، لَا مِنَ الْمُقَلِّدِينَ.
فَصْلٌ:
وَقَدْ عَدَّ ابْنُ السَّيِّدِ٣ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ، حين عدّ جهة
стр. 2432
الرِّوَايَةِ وَأَنَّ لَهَا ثَمَانِيَ عِلَلٍ: فَسَادُ الْإِسْنَادِ، ونقل الحديث على المعنى أو من الصحف١، وَالْجَهْلُ بِالْإِعْرَابِ، وَالتَّصْحِيفُ٢، وَإِسْقَاطُ جُزْءِ٣ الْحَدِيثِ، أَوْ سَبَبِهِ، وَسَمَاعُ بَعْضِ الْحَدِيثِ وَفَوْتُ بَعْضِهِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَرْجِعُ إِلَى٤ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ إِذَا صَحَّ أَنَّهَا فِي الْمَوَاضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا عِلَلٌ حَقِيقَةٌ، فَإِنَّهُ٥ قَدْ يَقَعُ الْخِلَافُ بِسَبَبِ الِاجْتِهَادِ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةً فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَإِذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَالْخِلَافُ مُعْتَدٌّ بِهِ بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهِيَ:
стр. 2433
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ:
فَيَعْرِضُ فِيهِ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي صَاحِبِهِ أَوْ يَعْتَقِدَ هُوَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَأَنَّ قَوْلَهُ مُعْتَدٌّ بِهِ، وَتَكُونُ مُخَالَفَتُهُ تَارَةً فِي جُزْئِيٍّ وَهُوَ أَخَفُّ، وَتَارَةً فِي كُلِّيٍّ مِنْ كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولِهَا الْعَامَّةِ، كَانَتْ مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادَاتِ أَوِ الْأَعْمَالِ؛ فَتَرَاهُ آخِذًا بِبَعْضِ١ جُزْئِيَّاتِهَا فِي هَدْمِ كُلِّيَّاتِهَا حَتَّى يَصِيرَ مِنْهَا إِلَى مَا ظَهَرَ لَهُ بِبَادِئِ رَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ بِمَعَانِيهَا وَلَا راجع رجوع٢ الافتقار إليها، ولا
стр. 2434
مُسَلِّمٌ لِمَا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي فَهْمِهَا، وَلَا رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرِهَا كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٥٩] .
وَيَكُونُ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضَ الْأَهْوَاءِ الْكَامِنَةِ فِي النُّفُوسِ، الْحَامِلَةِ عَلَى تَرْكِ الِاهْتِدَاءِ بِالدَّلِيلِ الْوَاضِحِ وَاطِّرَاحِ النَّصَفَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ فِيمَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ عِلْمُ النَّاظِرِ وَيُعِينُ عَلَى هَذَا الْجَهْلِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَتَوَهُّمِ بُلُوغِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ بِاسْتِعْجَالِ نَتِيجَةِ الطَّلَبِ١، فَإِنَّ٢ الْعَاقِلَ قَلَّمَا يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ فِي اقْتِحَامِ الْمَهَالِكِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُخَاطِرٌ.
وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمَ مَذْكُورٌ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] .
وَفِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: "فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ" ٣.
وَالتَّشَابُهُ٤ فِي الْقُرْآنِ٤ لَا يَخْتَصُّ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الأمور الإلهية
стр. 2435
الْمُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ، وَلَا الْعِبَارَاتِ الْمُجْمَلَةِ وَلَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَذْكُرُونَ، بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُقْتَضَى الْآيَةِ؛ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْحَصْرِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَذْكُرُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْقَصْدِ إِلَى مُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ بِبَعْضِ الْأَمْثِلَةِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ إِذَا كَانَ فِيهَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ فِي أَكْثَرِهَا مُقَرَّرٌ وَاضِحٌ فِي مُعْظَمِهَا، ثُمَّ جَاءَ بَعْضُ١ الْمَوَاضِعِ فِيهَا مِمَّا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ مُخَالَفَةَ مَا اطَّرَدَ، فَذَلِكَ مِنَ الْمَعْدُودِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي يُتَّقَى اتِّبَاعُهَا؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَهَا مُفْضٍ إِلَى ظُهُورِ مُعَارَضَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ وَالْقَوَاعِدِ الْمُطَّرِدَةِ، فَإِذَا اعْتُمِدَ عَلَى الْأُصُولِ وَأُرْجِئَ أَمْرُ النَّوَادِرِ، وَوُكِّلَتْ إِلَى عَالِمِهَا٢ أَوْ رُدَّتْ إِلَى أُصُولِهَا؛ فَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمُجْتَهِدِ وَلَا تعارض في حقه.
стр. 2436
وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ؛ فَجَعَلَ الْمُحْكَمَ -وَهُوَ الْوَاضِحُ الْمَعْنَى الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ وَلَا اشْتِبَاهَ- هُوَ الأمُّ والأصلَ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، يُرِيدُ: وَلَيْسَتْ بِأُمٍّ وَلَا مُعْظَمٍ، فَهِيَ إِذًا قَلَائِلُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ مِنْهَا شَأْنُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ عَنِ الْحَقِّ وَالْمَيْلِ عَنِ الْجَادَّةِ، وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فَلَيْسُوا كَذَلِكَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِمْ أُمَّ الْكِتَابِ وَتَرْكِهِمْ الِاتِّبَاعَ لِلْمُتَشَابِهِ١.
وَأُمُّ الْكِتَابِ يَعُمُّ مَا هُوَ مِنَ الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّةِ٢؛ إِذْ لَمْ يَخُصَّ الْكِتَابُ ذَلِكَ وَلَا السُّنَّةُ، بَلْ ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "افترقتِ اليهودُ على إحدى أو اثنتين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوِ اثْنَيْنِ٣ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وسبعين فرقة" ٤.
стр. 2437
وَفِي التِّرْمِذِيِّ تَفْسِيرُ هَذَا١ بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: "وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً". قَالُوا: مَنْ هِيَ٢ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عليه وأصحابي" ٣.
والذي عليه النبي وَأَصْحَابُهُ ظَاهِرٌ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَمْ يُخَصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ.
وَفِي أَبِي دَاوُدَ: "وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ، فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ" ٤، وَهِيَ بمعنى الرواية
стр. 2438
الَّتِي قَبْلَهَا١.
وَقَدْ رُوِيَ مَا يُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِسَنَدٍ لَمْ يَرضه٢، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ هوَّن الْأَمْرَ فِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: "ستفترقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، أَعْظَمُهَا٣ فِتْنَةً الَّذِينَ يَقِيسُونَ الأمورَ بِرَأْيِهِمْ فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ" فَهَذَا نَصٌّ عَلَى دُخُولِ الْأُصُولِ الْعَمَلِيَّةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي"، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ الْمُخَالِفَ فِي أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْعَمَلِيَّةِ لَا يُقَصِّرُ عَنِ الْمُخَالِفِ فِي أَصْلٍ مِنَ الْأُصُولِ الاعتقادية في هدم القواعد الشرعية.
стр. 2439
فَصْلٌ:
وَقَدْ وَجَدْنَا فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّنَا عَلَى بَعْضِ الْفِرَقِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّ الْحَدِيثَ شَامِلٌ لَهَا، وَأَنَّهَا مَقْصُودَةُ الدُّخُولِ تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءُ١ تُشِيرُ إِلَى أَوْصَافٍ يُتَعَرَّفُ مِنْهَا أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا، فَهُوَ آخِذٌ فِي بِدْعَةٍ، خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَمَنْ تَتَبَّعَ مَوَاضِعَهَا رُبَّمَا اهْتَدَى إِلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا، وَرُبَّمَا وَرَدَ التَّعْيِينُ فِي بَعْضِهَا، كَمَا قَالَ ﵊ فِي الْخَوَارِجِ: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ ٢ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" ٣.
وَفِي رِوَايَةٍ: "دَعْهُ -يَعْنِي: ذَا الْخُوَيْصِرَةِ-، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا َيحقُر أحدُكم صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ،
стр. 2440
يمَرقوُن مِنَ الْإِسْلَامِ...." الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: "آيتُهم رَجُلٌ أسودُ، إِحْدَى عضُديه مثلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ البَضْعةِ ١ تَدَرْدَر ٢ "..... إِلَخْ٣.
فَقَدْ عرَّف ﵊ بِهَؤُلَاءِ، وَذَكَرَ لَهُمْ عَلَامَةً فِي صَاحِبِهِمْ، وَبَيَّنَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي مُعَانَدَةِ الشَّرِيعَةِ أَمْرَيْنِ كُلِّيَّيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اتبَّاع ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ تَدَبُّرٍ وَلَا نَظَرٍ فِي مَقَاصِدِهِ وَمَعَاقِدِهِ، وَالْقَطْعُ بِالْحُكْمِ بِهِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: "يقَرءونَ الْقُرْآنَ لَا يجُاوزُ حَنَاجِرَهُمْ"، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ يَصُدُّ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ الْمَحْضِ، وَيُضَادُّ الْمَشْيَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَمِنْ هُنَا ذَمَّ٤ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَأْيَ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهَا بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ جَرَى عَلَى مُجَرَّدِ الظَّاهِرِ تَنَاقَضَتْ٥ عَلَيْهِ السُّوَرُ٦ وَالْآيَاتُ، وَتَعَارَضَتْ فِي
стр. 2441
يَدَيْهِ الْأَدِلَّةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ.
وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَهُ الْقُتْبِيُّ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ فِي "مُشَكِلِ الْقُرْآنِ"١، وَكِتَابِهِ فِي "مُشْكِلِ الْحَدِيثِ"٢ يُبَيِّنُ لَكَ صِحَّةَ هَذَا الْإِلْزَامِ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَالِكَ آخِذٌ بِبَادِئِ الرَّأْيِ فِي مُجَرَّدِ الظَّوَاهِرِ.
وَالثَّانِي قَتْلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَتَرْكُ أَهْلِ الْأَوْثَانِ عَلَى ضِدِّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الشَّرِيعَةِ وَتَفْصِيلُهَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ إِنَّمَا جَاءَتْ لِلْحُكْمِ بِأَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ نَاجُونَ، وَأَنَّ أَهْلَ الْأَوْثَانِ هَالِكُونَ، وَلِتَعْصِمَ هَؤُلَاءِ وَتُرِيقَ دَمَ هَؤُلَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِيهِمَا وَالْعُمُومِ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مُؤَدِّيًا إِلَى مُضَادَّةِ هَذَا الْقَصْدِ، صَارَ صَاحِبُهُ هَادِمًا لِقَوَاعِدِهَا، وَصَادًّا عَنْ سَبِيلِهَا، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْكِيمِ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ٣ وَفِي غَيْرِهَا، ظَهَرَ لَهُ خُرُوجُهُمْ عَنِ الْقَصْدِ، وَعُدُولُهُمْ عَنِ الصَّوَابِ، وَهَدْمُهُمْ لِلْقَوَاعِدِ، وَكَذَلِكَ مُنَاظَرَتُهُمْ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ٤، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
فَهَذَانِ وَجْهَانِ ذُكِرَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الْكُلِّيَّةِ اتِّبَاعًا لِلْمُتَشَابِهَاتِ.
وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ مِنْ آرَائِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِهِ، كَتَكْفِيرِهِمْ لِأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَلِغَيْرِهِمْ وَمِنْهُ سَرَى قَتْلُهُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْفَاعِلَ لِلْفِعْلِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أنه حلال أو حرام فليس بمؤمن، وأن لا حرام إلى مَا فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ
стр. 2442
إِلَيَّ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَحَلَالٌ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا كَفَرَ كَفَرَتْ رَعِيَّتُهُ كُلُّهُمْ شَاهِدُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، وَأَنَّ التَّقِيَّةَ لَا تَجُوزُ فِي قَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَأَنَّ الزَّانِيَ لَا يُرْجَمُ بِإِطْلَاقٍ، وَالْقَاذِفَ لِلرِّجَالِ لَا يُحَدُّ وَإِنَّمَا يُحَدُّ قَاذِفُ النِّسَاءِ خَاصَّةً، وَأَنَّ الْجَاهِلَ مَعْذُورٌ١ فِي أَحْكَامِ الْفُرُوعِ بِإِطْلَاقٍ، وَأَنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ نَبِيًّا مِنَ الْعَجَمِ بِكِتَابٍ يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَيَتْرُكُ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ٢، وَأَنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يَكُونُ مُطِيعًا بِفِعْلِ الطَّاعَةِ غَيْرَ قَاصِدٍ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، وَإِنْكَارُهُمْ سُورَةَ يُوسُفَ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ٣ وَكُلُّهَا مُخَالَفَةٌ لِكُلِّيَّاتٍ شَرْعِيَّةٍ أَصْلِيَّةٍ أَوْ عَمَلِيَّةٍ.
وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِي هَذِهِ الْفِرَقِ أَنْ يُشَارَ إِلَى أَوْصَافِهِمْ لِيُحَذَّرَ مِنْهَا، وَيَبْقَى الْأَمْرُ فِي تَعْيِينِهِمْ مُرْجًى كَمَا فَهِمْنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَلَعَلَّ عَدَمَ تَعْيِينِهِمْ هُوَ الْأَوْلَى الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَزَمَ لِيَكُونَ سِتْرًا عَلَى الْأُمَّةِ، كَمَا سُتِرَتْ عَلَيْهِمْ قَبَائِحُهُمْ، فَلَمْ يُفْضَحُوا فِي الدُّنْيَا بِهَا فِي الْحُكْمِ الْغَالِبِ الْعَامِّ، وَأُمِرْنَا بِالسَّتْرِ عَلَى الْمُذْنِبِينَ مَا لَمْ يَبْدُ لَنَا صَفْحَةُ الْخِلَافِ، لَيْسَ كَمَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أذنب
стр. 2443
أَحَدُهُمْ لَيْلًا١ أَصْبَحَ وَعَلَى بَابِهِ مَعْصِيَتُهُ مَكْتُوبَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي شَأْنِ قَرَابِينِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قَرَّبُوهَا أَكَلَتِ النَّارُ الْمَقْبُولَ، مِنْهَا وَتَرَكَتْ غَيْرَ الْمَقْبُولِ وَفِي ذَلِكَ افْتِضَاحُ الْمُذْنِبِ، إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَكَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ خُصَّتْ بِهَا٢ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي تَأْخِيرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ أَنْ تَكُونَ ذُنُوبُهُمْ مَسْتُورَةً عَنْ غَيْرِهِمْ، فَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهَا كَمَا اطَّلَعُوا هُمْ عَلَى ذُنُوبِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَلَفَ.
وَلِلسَّتْرِ حِكْمَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ أَنَّهَا لَوْ أُظْهِرَتْ -مَعَ أَنَّ أَصْحَابَهَا مِنَ الْأُمَّةِ-، لَكَانَ فِي ذَلِكَ دَاعٍ إِلَى الْفُرْقَةِ وَالْوَحْشَةِ، وَعَدَمِ الْأُلْفَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَرَسُولُهُ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣] ، وَقَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم﴾ [الْأَنْفَالِ: ١] .
"وَقَالَ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات﴾ ٣" [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] .
وَقَالَ: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الرُّومِ: ٣١-٣٢] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخوانًا" ٤.
стр. 2444
وَأَمَرَ ﵊ بِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، وأنها تحلق الدين١.
стр. 2445
وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَكْفِي فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَدِّثُونَ فِي كِتَابِ "الْبِرِّ وَالصِّلَةِ"، وَقَدْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] ، أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ -وَهَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، مَنْ هُمْ؟ ". قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "هُمْ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ وَأَصْحَابُ الْبِدَعِ، وَأَصْحَابُ الضَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَا عَائِشَةُ! إِنَّ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً؛ مَا خَلَا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، لَيْسَ لَهُمْ تَوْبَةٌ، وَأَنَا مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَهُمْ مِنِّيَ برءاء"١.
стр. 2446
فَإِذَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَادَةِ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِهِمْ عَلَى التَّعْيِينِ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ وَالْفُرْقَةَ وَتَرْكَ الْمُوَالَفَةِ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْبِدْعَةُ فَاحِشَةً جِدًّا كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي جَوَازِ إِبْدَائِهَا وَتَعْيِينِ أَهْلِهَا، كَمَا عَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَوَارِجَ وَذَكَرَهُمْ بِعَلَامَتِهِمْ، حَتَّى يُعْرَفُونَ وَيُحْذَرَ مِنْهُمْ. وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الشَّنَاعَةِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ بِحَسَبِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَالسُّكُوتُ عَنْ تعيينه أولى١".
стр. 2447
وخروج أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَمْرِو١ بْنِ أَبِي قُرَّةَ، قَالَ: "كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ، فَكَانَ يَذْكُرُ أَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْغَضَبِ، فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ، فَيَأْتُونَ سَلْمَانَ فَيَذْكُرُونَ لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُ سَلْمَانُ: حُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ. فَيَرْجِعُونَ إِلَى حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُونَ لَهُ: قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَكَ لِسَلْمَانَ، فَمَا صَدَّقَكَ وَلَا كَذَّبَكَ. فَأَتَى حُذَيْفَةُ سَلْمَانَ وَهُوَ فِي مَبْقَلَةٍ٢، فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ! مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَدِّقَنِي بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَغْضَبُ فَيَقُولُ [فِي الْغَضَبِ] ٣ لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيَرْضَى فَيَقُولُ فِي الرِّضَى لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَمَا تَنْتَهِي حَتَّى تُورِثَ رِجَالًا حُبَّ رِجَالٍ، وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ، وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلَافًا وَفُرْقَةً؟ وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ، فَقَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سُبَّةً أو لعنته [لعنة] ٤ في غضبي، فإنما أن مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَغْضَبُ٥ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإِنَّمَا بعثني رحمة للعاملين، فَأَجْعَلُهَا عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"٦، فَوَاللَّهِ لِتَنْتَهِيَنَّ أو لأكتبن إلى عمر.
стр. 2448
فَهَذَا مِنْ سَلْمَانَ حُسْنٌ مِنَ النَّظَرِ، فَهُوَ جَارٍ فِي مَسْأَلَتِنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْبِدَعُ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِهَا وَاجْتِنَابِ أَهْلِهَا وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُمْ وَالتَّشْرِيدِ١ بِهِمْ وَتَقْبِيحِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذِكْرُ ذَلِكَ وَالتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ غَيْرَ جَائِزٍ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَبَّهَ فِي الْجُمْلَةِ٢ عَلَيْهِمْ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ كَالْخَوَارِجِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْبِدَعِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَأَنَّ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى تِلْكَ الْعُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَشَارَ إِلَى خَوَاصَّ عَامَّةٍ فِيهِمْ وَخَاصَّةٍ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّعْيِينِ غالبًا تصريحًا يقطع الْعُذْرِ٣، وَلَا ذَكَرَ فِيهِمْ عَلَامَةً قَاطِعَةً لَا تَلْتَبِسُ٤، فَنَحْنُ أَوْلَى بِذَلِكَ مَعْشَرَ الْأُمَّةِ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ٥ مِنْ ذَلِكَ فَبِحَسَبِ فُحْشِ تِلْكَ الْبِدَعِ، وَأَنَّهَا لَاحِقَةٌ فِي جَوَازِ ذِكْرِهَا بِالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ، مَعَ أَنَّ التَّعْيِينَ إِذَا كَانَ بِحَسَبِ الاجتهاد، فهو
стр. 2449
مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ بَعْضِهِ، فَمَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ اجْتَهَدَ وَالْأَصْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ السِّتْرِ، حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرٌ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُهُ، وَيَبْقَى النَّظَرُ: هل هذ الظَّاهِرُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَدْخُلُ١ تَحْتَ الْحَدِيثِ، أَمْ لَا؟ فَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْبِدَعَ الْمُحْدَثَةَ تَخْتَلِفُ، فَلَيْسَتْ كُلُّهَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الضَّلَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِدْعَةَ الْخَوَارِجِ مُبَايِنَةً غَايَةَ الْمُبَايَنَةِ لِبِدْعَةِ التَّثْوِيبِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا مَالِكٌ: "التَّثْوِيبُ٢ ضَلَالٌ"؟
وَقَدْ قَسَّمَ الْمُتَقَدِّمُونَ٣ الْبِدَعَ إِلَى مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِلَى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، لَكَانَتْ قِسْمًا وَاحِدًا، وَإِذَا كَانَ كذلك، فالبدع التي
стр. 2450
تَفْتَرِقُ بِهَا الْأُمَّةُ مُخْتَلِفَةُ الرُّتَبِ فِي الْقُبْحِ، وبسب ذَلِكَ يَظْهَرُ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَمَا فِي الْحَدِيثِ مَحْصُورٌ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ يَكُونُ بَعْضُهَا جُزْءًا مِنْ بِدْعَةٍ فَوْقَهَا أَعَظُمَ مِنْهَا، أَوْ لَا تَكُونُ دَاخِلَةً مِنْ حَيْثُ هِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَبِيلِ الْمَكْرُوهِ١، فَصَارَ الْقَطْعُ عَلَى خُصُوصِيَّاتِهَا فِيهِ نَظَرٌ وَاشْتِبَاهٌ، فَلَا يُقْدَمُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبُرْهَانٍ قَاطِعٍ، وَهَذَا كَالْمَعْدُومِ فِيهَا، فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ صَارَ الْأَوْلَى تَرْكَ التَّعْيِينِ فِيهَا.
فَإِنْ قِيلَ٢: فَالْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ خِلَافَ هَذَا، وَإِنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّشْرِيدُ٣ بِهِمْ وَالزَّجْرُ لَهُمْ، وَالْقَتْلُ وَمُنَاصَبَةُ الْقِتَالِ إِنِ امْتَنَعُوا، وَإِلَّا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ الدِّينِ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ فِيهِمْ [كَمَا هُوَ فِي سَائِرِ مَنْ تَظَاهَرَ بِمَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ أَوْ دَعَا إِلَيْهَا أَنْ يُؤَدَّبَ أَوْ يُزْجَرَ أَوْ يُقْتَلَ إِنِ امْتَنَعَ] مِنْ فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، كَمَا يُقْتَلُ تَارِكُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا إِلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَعْيِينِ أَصْحَابِ الْبِدَعِ مِنْ حَيْثُ هِيَ بِدَعٌ يَشْمَلُهَا الْحَدِيثُ، فَتَوَجُّهُ٤ الْأَحْكَامِ شَيْءٌ وَالتَّعْيِينُ لِلدُّخُولِ تَحْتَ الْحَدِيثِ شَيْءٌ آخَرُ٥.
فَصْلٌ:
وَلِهَؤُلَاءِ الْفِرَقِ خَوَاصُّ وَعَلَامَاتُ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَلَامَاتٌ أَيْضًا فِي التفصيل٦.
стр. 2451
فَأَمَّا عَلَامَاتُ الْجُمْلَةِ فَثَلَاثٌ:
إِحْدَاهَا: الْفُرْقَةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] .
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ١: "صَارُوا فِرَقًا لِاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، وَبِمُفَارَقَةِ الدِّينِ تَشَتَّتْ أَهْوَاؤُهُمْ فَافْتَرَقُوا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] ، ثُمَّ بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ [وَأَصْحَابُ الضَّلَالَاتِ] وَالْكَلَامِ فِيمَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ وَلَا رَسُولُهُ".
قَالَ: "وَوَجَدْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْدِهِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ، وَلَمْ يَفْتَرِقُوا وَلَمْ يَصِيرُوا٢ شِيَعًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا الدِّينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فما أُذِنَ لَهُمْ مِنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ، وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا لَمْ يَجِدُوا فِيهِ نَصًّا، وَاخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ أَقْوَالُهُمْ، فَصَارُوا مَحْمُودِينَ؛ لِأَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا فِيمَا أُمِرُوا بِهِ، كَاخْتِلَافِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ [وَعَلِيٍّ] وَزَيْدٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْأُمِّ٣، وقول عمر
стр. 2452
...............................................
стр. 2453
وَعَلِيٍّ فِي أُمَّهَاتِ١ الْأَوْلَادِ، وَخِلَافِهِمْ فِي الْفَرِيضَةِ المشتركة٢، وخلافهم في
стр. 2454
الطَّلَاقِ١ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَفِي الْبُيُوعِ ... وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَكَانُوا مَعَ هَذَا أَهْلَ مودة وتناصح [و] أخوة الْإِسْلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِمَةٌ، فَلَمَّا حَدَثَتِ [الْأَهْوَاءُ] ٢ الْمُرْدِيَةُ٣ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَظَهَرَتِ الْعَدَاوَاتُ، وَتَحَزَّبَ أَهْلُهَا فَصَارُوا شِيَعًا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَدَثَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى أَفْوَاهِ أَوْلِيَائِهِ".
قَالَ: "فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، وَلَمْ يُوَرِّثْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً وَلَا بَغْضَاءَ وَلَا فُرْقَةً، عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ طَرَأَتْ فَأَوْجَبَتِ الْعَدَاوَةَ وَالتَّنَافُرَ وَالتَّنَابُزَ٤ وَالْقَطِيعَةَ، علمنا أنها ليست
стр. 2455
مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّهَا الَّتِي عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي دِينٍ وَعَقْلٍ أَنْ يَجْتَنِبَهَا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣] ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا وَتَقَاطَعُوا، كَانَ ذَلِكَ لِحَدَثٍ أَحْدَثُوهُ مِنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى".
هَذَا مَا قَالَهُ١، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو إِلَى الْأُلْفَةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ، فَكُلُّ رَأْيٍ أَدَّى إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَخَارِجٌ عَنِ الدِّينِ.
وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ٢، أَلَا تَرَى كَيْفَ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَخْبَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﵊ فِي قَوْلِهِ: "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ" ٣، وَأَيُّ فُرْقَةٍ تُوَازِي هَذَا إِلَّا الْفُرْقَةَ الَّتِي٤ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ! وَهَكَذَا تَجِدُ الأمر في سائر من عرف من
следующие страницы →