← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

فَأَمَّا عَلَامَاتُ الْجُمْلَةِ فَثَلَاثٌ: إِحْدَاهَا: الْفُرْقَةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ١: "صَارُوا فِرَقًا لِاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، وَبِمُفَارَقَةِ الدِّينِ تَشَتَّتْ أَهْوَاؤُهُمْ فَافْتَرَقُوا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] ، ثُمَّ بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ [وَأَصْحَابُ الضَّلَالَاتِ] وَالْكَلَامِ فِيمَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ وَلَا رَسُولُهُ". قَالَ: "وَوَجَدْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْدِهِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ، وَلَمْ يَفْتَرِقُوا وَلَمْ يَصِيرُوا٢ شِيَعًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا الدِّينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فما أُذِنَ لَهُمْ مِنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ، وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا لَمْ يَجِدُوا فِيهِ نَصًّا، وَاخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ أَقْوَالُهُمْ، فَصَارُوا مَحْمُودِينَ؛ لِأَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا فِيمَا أُمِرُوا بِهِ، كَاخْتِلَافِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ [وَعَلِيٍّ] وَزَيْدٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْأُمِّ٣، وقول عمر

стр. 2452

...............................................

стр. 2453

وَعَلِيٍّ فِي أُمَّهَاتِ١ الْأَوْلَادِ، وَخِلَافِهِمْ فِي الْفَرِيضَةِ المشتركة٢، وخلافهم في

стр. 2454

الطَّلَاقِ١ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَفِي الْبُيُوعِ ... وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَكَانُوا مَعَ هَذَا أَهْلَ مودة وتناصح [و] أخوة الْإِسْلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِمَةٌ، فَلَمَّا حَدَثَتِ [الْأَهْوَاءُ] ٢ الْمُرْدِيَةُ٣ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَظَهَرَتِ الْعَدَاوَاتُ، وَتَحَزَّبَ أَهْلُهَا فَصَارُوا شِيَعًا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَدَثَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى أَفْوَاهِ أَوْلِيَائِهِ". قَالَ: "فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، وَلَمْ يُوَرِّثْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً وَلَا بَغْضَاءَ وَلَا فُرْقَةً، عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ طَرَأَتْ فَأَوْجَبَتِ الْعَدَاوَةَ وَالتَّنَافُرَ وَالتَّنَابُزَ٤ وَالْقَطِيعَةَ، علمنا أنها ليست

стр. 2455

مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّهَا الَّتِي عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي دِينٍ وَعَقْلٍ أَنْ يَجْتَنِبَهَا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣] ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا وَتَقَاطَعُوا، كَانَ ذَلِكَ لِحَدَثٍ أَحْدَثُوهُ مِنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى". هَذَا مَا قَالَهُ١، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو إِلَى الْأُلْفَةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ، فَكُلُّ رَأْيٍ أَدَّى إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَخَارِجٌ عَنِ الدِّينِ. وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ٢، أَلَا تَرَى كَيْفَ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَخْبَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﵊ فِي قَوْلِهِ: "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ" ٣، وَأَيُّ فُرْقَةٍ تُوَازِي هَذَا إِلَّا الْفُرْقَةَ الَّتِي٤ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ! وَهَكَذَا تَجِدُ الأمر في سائر من عرف من

стр. 2456

الْفِرَقِ أَوْ مَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فِيهِمْ١. وَالْخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، فَجَعَلَ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْمَيْلِ عَنِ الْحَقِّ مِمَّنْ شَأْنُهُمُ اتِّبَاعُ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مَعْنَاهُ. وَقَالَ ﵊: "فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ" ٢. وَالْخَاصِّيَّةُ الثَّالِثَةُ٣: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَهِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، وَهُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ اتباعًا للهوى. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّه﴾ [الْقَصَصِ: ٥٠] . وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْم﴾ الْآيَةَ [الْجَاثِيَةِ: ٢٣] . إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةَ رَاجِعَةٌ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ، فَلَا يَعْرِفُهَا غَيْرُ صَاحِبِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ فِي الظَّاهِرِ، وَالَّتِي قَبْلَهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ بَيَانَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ يَعْرِفُونَهَا وَيَعْرِفُونَ أَهْلَهَا بِمَعْرِفَتِهِمْ لَهَا، وَالَّتِي قَبْلَهَا تَعُمُّ جَمِيعَ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ التَّوَاصُلَ أَوِ التَّقَاطُعَ معروف للناس كلهم، وبمعرفته يعرف أهله.

стр. 2457

وَأَمَّا الْعَلَامَاتُ التَّفْصِيلِيَّةُ فِي [كُلِّ] ١ فِرْقَةٍ، فَقَدْ نُبِّهَ عَلَيْهَا وَأُشِيرَ إِلَيْهَا٢، كَمَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ... إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٥٩-٦٠] . وقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الْأَنْعَامِ: ١١٦-١١٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النِّسَاءِ: ١١٥] إِلَى آخِرِهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٣٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَه﴾ الْآيَةَ [يس: ٤٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف﴾ [الْحَجِّ: ١١] إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاء﴾ ... إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠١-١٠٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٠] .

стр. 2458

وَقَوْلُهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْن﴾ ... إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٣-١٤٤] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ. وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، كَقَوْلِهِ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءً جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" ١. وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قِسْمِ زَلَّةِ الْعَالِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا فِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا نُبِّهَ عَلَيْهَا لِتَنْبِيهِ الشَّرْعِ عَلَيْهَا وَلَمْ يُصَرَّحْ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ٢ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَمَنْ تهدى٣ إليها فذاك، وإلا، فلا عليه أن لا يُعْلِمَهَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. فَصْلٌ: وَمِنْ هَذَا٤ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ مِمَّا هُوَ حَقٌّ يُطْلَبُ نَشْرُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَمِمَّا يُفِيدُ عِلْمًا بِالْأَحْكَامِ، بَلْ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مَطْلُوبُ النَّشْرِ، وَهُوَ غَالِبُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُطْلَبُ نَشْرُهُ بِإِطْلَاقٍ، أَوْ لَا يُطْلَبُ نَشْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالٍ أَوْ وَقْتٍ أَوْ شَخْصٍ. وَمِنْ ذَلِكَ تَعْيِينُ هَذِهِ الْفِرَقِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَقَدْ يُثِيرُ فِتْنَةً، كَمَا تَبَيَّنَ تَقْرِيرُهُ فَيَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَمْنُوعًا بَثُّهُ. وَمِنْ ذَلِكَ عِلْمُ الْمُتَشَابِهَاتِ وَالْكَلَامُ فِيهَا، فَإِنَّ الله ذم من اتبعها، فإذا

стр. 2459

ذُكِرَتْ وَعُرِضَتْ لِلْكَلَامِ فِيهَا، فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ "١. وَفِي "الصَّحِيحِ" عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "يَا مُعَاذُ! تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ... " الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا "٢. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ مُعَاذٍ فِي مِثْلِهِ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أُخْبِرُ بها فيستبشروا؟ فقال: "إذن يَتَّكِلُوا" ٣. قَالَ أَنَسٌ: فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ موته تأثمًا"٤.

стр. 2460

وَنَحْوٌ مِنْ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، انْظُرُهُ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بنعليك: "من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ " قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَخَلِّهِمْ" ١. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: "لَوْ شَهِدْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَبَايَعْنَا فُلَانًا. فَقَالَ عُمَرُ: لَأَقُومَنَّ الْعَشِيَّةَ فَأُحَذِّرُ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الذين يريدون أن يغصبوهم٢.

стр. 2461

قُلْتُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ الناس ويغلبون١ على مجلسك، فأخاف أن لا يُنْزِلُوهَا٢ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَطِيرُوا بِهَا كُلَّ مُطَيِّرٍ وَأَمْهِلْ٣ حَتَّى تَقْدُمَ الْمَدِينَةَ دَارَ الْهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَيَحْفَظُوا٤ مَقَالَتَكَ وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ [بِهِ] ٥ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ"٦ الْحَدِيثَ. وَمِنْهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ مَعَ حُذَيْفَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ٧. وَمِنْهُ أن لا يَذْكُرَ لِلْمُبْتَدِئِ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ حَظُّ المنتهي، بل يربي بصغار

стр. 2462

الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، وَقَدْ فَرَضَ الْعُلَمَاءُ مَسَائِلَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْفُتْيَا بِهَا وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي نَظَرِ الْفِقْهِ، كَمَا ذَكَرَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَسْأَلَةِ١ الدَّوْرِ فِي الطَّلَاقِ، لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنْ رَفْعِ حُكْمِ الطَّلَاقِ، بِإِطْلَاقٍ وَهُوَ مَفْسَدَةٌ. مِنْ ذَلِكَ سُؤَالُ الْعَوَامِّ عَنْ عِلَلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَحُكْمِ التَّشْرِيعَاتِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا عِلَلٌ صَحِيحَةٌ وَحِكَمٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى مَنْ قَالَتْ: لِمَ تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ وقالت لها: أحروية أَنْتِ٢؟ وَقَدْ ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ صَبِيغًا وَشَرَّدَ بِهِ لَمَّا كَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عمل٣، وربما أوقع خيالًا وَفِتْنَةً وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عَبَسَ: ٣١] . فَقَالَ: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: مَا أُمِرْنَا بِهَذَا٤. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عِلْمٍ يُبَثُّ وَيُنْشَرُ٥ وَإِنْ كَانَ حَقًّا وَقَدْ أَخْبَرَ مَالِكٌ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّ عِنْدَهُ أَحَادِيثَ وَعِلْمًا مَا تَكَلَّمَ فِيهَا وَلَا حَدَّثَ بِهَا، وَكَانَ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ، وَأُخْبِرَ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ

стр. 2463

ذَلِكَ١، فَتَنَبَّهْ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَضَابِطُهُ أَنَّكَ تَعْرِضُ مَسْأَلَتَكَ عَلَى الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ صَحَّتْ فِي مِيزَانِهَا، فَانْظُرْ فِي مَآلِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ ذِكْرُهَا إِلَى مَفْسَدَةٍ، فَاعْرِضْهَا فِي ذِهْنِكَ عَلَى الْعُقُولِ، فَإِنْ قَبِلَتْهَا، فَلَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِيهَا إِمَّا عَلَى الْعُمُومِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَقْبَلُهَا الْعُقُولُ عَلَى الْعُمُومِ، وَإِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ إِنْ كَانَتْ غَيْرَ لَائِقَةٍ بِالْعُمُومِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَسْأَلَتِكَ هَذَا الْمَسَاغُ، فَالسُّكُوتُ عَنْهَا هُوَ الْجَارِي عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ. فَصْلٌ: هَذِهِ الْفِرَقُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ، فَلَمْ تَخْرُجْ مِنَ الْأُمَّةِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: "تَفْتَرِقُ أُمَّتِي"١، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتْ بِبِدْعَتِهَا تَخْرُجُ مِنَ الْأُمَّةِ لَمْ يُضِفْهَا إِلَيْهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَوَارِجِ: "فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَذَا"٢، فَأَتَى بـ"في"٣ المقتضية

стр. 2464

أَنَّهَا فِيهَا وَفِي جُمْلَتِهَا. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: "وَتَتَمَارَى فِي الْفَوْقِ" ١، وَلَوْ كَانُوا خَارِجِينَ مِنَ الْأُمَّةِ لَمْ يَقَعْ تَمَارٍ٢ فِي كُفْرِهِمْ، وَلَقَالَ: إنهم كفروا بعد إسلامهم.

стр. 2465

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ أهل البدع، كالخوارج١، والقدرية٢ وغيرهما.

стр. 2466

فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً عَلَى خُرُوجِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، وإذا قلنا بتكفيرهم فليسوا إذن مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ، بَلِ الْفِرَقُ مَنْ١ لَمْ تؤدهم بدعتهم إلى

стр. 2467

الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا أَبْقَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوْصَافِ الْإِسْلَامِ مَا دَخَلُوا بِهِ فِي أَهْلِهِ، وَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ فِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ١ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ؛ إِذْ لِلْقَتْلِ أَسْبَابٌ غَيْرُ الْكُفْرِ، كَقَتْلِ الْمُحَارِبِ وَالْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فالحق أن لا يُحْكَمَ بِكُفْرِ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَبِهَذَا كُلِّهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي دُخُولِهِمْ تَحْتَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ صَعْبٌ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ لَا قَطْعَ فِيهِ، إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ للعذر وما أعز وجود مثله.

стр. 2468

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: النَّظَرُ فِي مَآلَاتِ١ الْأَفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا كَانَتِ الْأَفْعَالُ مُوَافِقَةً أَوْ مُخَالِفَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَحْكُمُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْإِقْدَامِ أَوْ بِالْإِحْجَامِ إِلَّا بَعْدَ نَظَرِهِ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ٢، مَشْرُوعًا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ تُسْتَجْلَبُ، أَوْ لِمَفْسَدَةٍ تُدْرَأُ، وَلَكِنْ لَهُ مَآلٌ عَلَى خِلَافِ مَا قُصِدَ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ لِمَفْسَدَةٍ تَنْشَأُ عَنْهُ أَوْ مَصْلَحَةٍ تَنْدَفِعُ بِهِ، وَلَكِنْ لَهُ مَآلٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي الْأَوَّلِ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ، فَرُبَّمَا أَدَّى اسْتِجْلَابُ الْمَصْلَحَةِ٣ فِيهِ إِلَى الْمَفْسَدَةِ تُسَاوِي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون

стр. 2469

هَذَا مَانِعًا مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ١ وَكَذَلِكَ إِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي الثَّانِي بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةٍ رُبَّمَا أَدَّى اسْتِدْفَاعُ الْمَفْسَدَةِ إِلَى مَفْسَدَةٍ تُسَاوِي أَوْ تَزِيدُ، فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَهُوَ مَجَالٌ لِلْمُجْتَهِدِ صَعْبُ الْمَوْرِدِ، إِلَّا أَنَّهُ عَذْبُ الْمَذَاقِ مَحْمُودُ الْغَبِّ٢، جَارٍ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا٣: أَنَّ التَّكَالِيفَ -كَمَا تَقَدَّمَ- مَشْرُوعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَمَصَالِحُ الْعِبَادِ إِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ وَإِمَّا أُخْرَوِيَّةٌ، أَمَّا الْأُخْرَوِيَّةُ، فَرَاجِعَةٌ إِلَى مَآلِ الْمُكَلَّفِ فِي الْآخِرَةِ لِيَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ لَا مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ، وَأَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ -إِذَا تَأَمَّلْتَهَا- مُقَدِّمَاتٌ لِنَتَائِجِ الْمَصَالِحِ، فَإِنَّهَا أَسْبَابٌ لِمُسَبَّبَاتٍ هِيَ مَقْصُودَةٌ لِلشَّارِعِ وَالْمُسَبَّبَاتُ هِيَ مَآلَاتُ الْأَسْبَابِ، فَاعْتِبَارُهَا فِي جَرَيَانِ الْأَسْبَابِ مَطْلُوبٌ، وَهُوَ مَعْنَى النَّظَرِ فِي الْمَآلَاتِ. لَا يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ لَا يَلْزَمُ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهَا عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اعتبار المسببات

стр. 2470

فِي الْأَسْبَابِ، وَمَرَّ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَطْلَبَيْنِ وَمَسْأَلَتُنَا مِنَ الثَّانِي لَا مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُجْتَهِدِ النَّاظِرِ فِي حُكْمِ غَيْرِهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْحُظُوظِ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ نَائِبٌ عَنِ الشَّارِعِ فِي الْحُكْمِ عَلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّارِعَ قَاصِدٌ لِلْمُسَبَّبَاتِ فِي الْأَسْبَابِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُجْتَهِدِ بُدٌّ مِنَ اعْتِبَارِ الْمُسَبَّبِ، وَهُوَ مآل السبب. والثانى: أن مآلات الأعمال إنما١ أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا أَوْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ، فَإِنِ اعْتُبِرَتْ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لِلْأَعْمَالِ مَآلَاتٌ مُضَادَّةٌ لِمَقْصُودِ٢ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّكَالِيفَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَلَا مَصْلَحَةَ تُتَوَقَّعُ٣ مُطْلَقًا مَعَ إِمْكَانِ وُقُوعِ مَفْسَدَةٍ تُوَازِيهَا أَوْ تَزِيدُ. وَأَيْضًا٤، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أن لا نَتَطَلَّبَ مَصْلَحَةً بِفِعْلٍ مَشْرُوعٍ، وَلَا نَتَوَقَّعَ مَفْسَدَةً بِفِعْلٍ مَمْنُوعٍ، وَهُوَ خِلَافُ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ كَمَا سَبَقَ. وَالثَّالِثُ٥: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ أَنَّ الْمَآلَاتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] .

стр. 2471

وَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٨٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٠٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٦٥] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الْآيَةَ: [الْأَحْزَابِ: ٣٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢١٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٩] . وَهَذَا مِمَّا فِيهِ اعْتِبَارُ الْمَآلِ عَلَى الْجُمْلَةِ١. وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، فَكَثِيرٌ، فَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ حِينَ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ مَنْ ظَهَرَ نِفَاقُهُ: "أَخَافُ ٢ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يقتل

стр. 2472

أصحابه" ١. وقوله: "لولا قومك حديث عدهم بِكُفْرٍ لَأَسَّسْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ" ٢. بِمُقْتَضَى٣ هَذَا أَفْتَى مَالِكٌ الْأَمِيرَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ لِئَلَّا يَتَلَاعَبَ النَّاسُ بِبَيْتِ اللَّهِ. هَذَا مَعْنَى الْكَلَامِ دُونَ لَفْظِهِ٤. وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَرْكِهِ حَتَّى يُتِمَّ بَوْلَهُ وَقَالَ: "لَا تُزرِموه" ٥. وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ فِي الْعِبَادَةِ خَوْفًا مِنَ الِانْقِطَاعِ٦. وَجَمِيعُ مَا مَرَّ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ الْخَاصِّ مِمَّا فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ يَكُونُ الْعَمَلُ فِي الْأَصْلِ مَشْرُوعًا، لَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ لِمَا يُؤُولُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ أَوْ مَمْنُوعًا،

стр. 2473

لَكِنْ يُتْرَكُ النَّهْيُ عَنْهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ كُلِّهَا، فَإِنَّ غَالِبَهَا تَذَرُّعٌ بِفِعْلٍ جَائِزٍ، إِلَى عَمَلٍ غَيْرِ جَائِزٍ فَالْأَصْلُ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ، لَكِنَّ مَآلَهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ كُلُّهَا، فَإِنَّ غَالِبَهَا سَمَاحٌ فِي عَمَلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فِي الْأَصْلِ لِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّفْقِ الْمَشْرُوعِ، وَلَا مَعْنَى لِلْإِطْنَابِ بِذِكْرِهَا لِكَثْرَتِهَا وَاشْتِهَارِهَا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [حِينَ] ١ أَخَذَ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: "اخْتَلَفَ النَّاسُ بِزَعْمِهِمْ فِيهَا، وَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَافْهَمُوهَا وَادَّخِرُوهَا". فَصْلٌ: وَهَذَا الْأَصْلُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ: - مِنْهَا: قَاعِدَةُ الذَّرَائِعِ الَّتِي حَكَّمَهَا مالك في أكثر٢ أبواب الفقه؛ لأن

стр. 2474

حَقِيقَتَهَا التَّوَسُّلُ بِمَا هُوَ مَصْلَحَةٌ إِلَى مَفْسَدَةٍ١ فَإِنَّ عَاقِدَ الْبَيْعِ٢ أَوَّلًا عَلَى سِلْعَةٍ بِعَشَرَةٍ إِلَى أَجَلٍ ظَاهِرُ الْجَوَازِ، مِنْ جِهَةِ مَا يَتَسَبَّبُ عَنِ الْبَيْعِ مِنَ الْمَصَالِحِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَإِذَا جَعَلَ مَآلَ ذَلِكَ الْبَيْعِ مُؤَدِّيًا إِلَى بَيْعِ خَمْسَةٍ نَقْدًا بِعَشَرَةٍ إِلَى أَجَلٍ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ مِنْ مُشْتَرِيهَا [مِنْهُ] ٣ بِخَمْسَةٍ نَقْدًا، فَقَدْ صَارَ مَآلُ هَذَا الْعَمَلِ إِلَى أَنْ بَاعَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ مِنْ مُشْتَرِيهَا مِنْهُ خَمْسَةً نَقْدًا بِعَشَرَةٍ إِلَى أَجَلٍ، وَالسِّلْعَةُ لَغْوٌ لَا مَعْنَى لَهَا فِي هَذَا الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ الَّتِي لِأَجْلِهَا شُرِعَ الْبَيْعُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَكِنَّ هَذَا بِشَرْطِ٤ أَنْ يَظْهَرَ لذلك قصد ويكثر٥ في الناس

стр. 2475

بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ. وَمَنْ أَسْقَطَ حُكْمَ الذَّرَائِعِ كَالشَّافِعِيِّ١، فإنه اعتبر المآل٢ أيضًا؛ لأن

стр. 2476

الْبَيْعَ إِذَا كَانَ مَصْلَحَةً جَازَ، وَمَا فُعِلَ مِنَ الْبَيْعِ الثَّانِي فَتَحْصِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى مُنْفَرِدَةٍ عَنِ الْأُولَى، فَكُلُّ عُقْدَةٍ مِنْهُمَا لَهَا مَآلُهَا، وَمَآلُهَا فِي ظَاهِرِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ مَصْلَحَةٌ، فَلَا مَانِعَ عَلَى هَذَا؛ إِذْ لَيْسَ ثَمَّ مَآلٌ هُوَ مَفْسَدَةٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَلَكِنَّ هَذَا بشرط أن لا يَظْهَرَ قَصْدٌ١ إِلَى الْمَآلِ الْمَمْنُوعِ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَتَّفِقُ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعَاوُنُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ بِإِطْلَاقٍ، وَاتَّفَقُوا فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ٢ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَبُّ الْأَصْنَامِ حَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا فِي سَبِّ اللَّهِ، عَمَلًا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٨] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي اتَّفَقَ مَالِكٌ مَعَ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَنْعِ التَّوَسُّلِ فِيهَا. وَأَيْضًا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ يَجُوزُ التَّذَرُّعُ إِلَى الرِّبَا بِحَالٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَّهِمُ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدٌ إِلَى الْمَمْنُوعِ وَمَالِكٌ يتَّهم بِسَبَبِ ظُهُورِ فِعْلِ اللَّغْوِ٣، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى الْقَصْدِ إِلَى الْمَمْنُوعِ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ قَاعِدَةَ الذَّرَائِعِ مُتَّفَقٌ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أمر آخر٤.

стр. 2477

........................................................

стр. 2478

- وَمِنْهَا: قَاعِدَةُ الْحِيَلِ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا الْمَشْهُورَةَ تَقْدِيمُ عَمَلٍ ظَاهِرِ١ الْجَوَازِ لِإِبْطَالِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَتَحْوِيلِهِ فِي الظَّاهِرِ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ، فَمَآلُ الْعَمَلِ فِيهَا خَرْمُ٢ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ فِي الْوَاقِعِ، كَالْوَاهِبِ ماله عند رأس٣ الحول فرارًا من

стр. 2479

الزَّكَاةِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْهِبَةِ عَلَى الْجَوَازِ، وَلَوْ مَنَعَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ هِبَةٍ لَكَانَ مَمْنُوعًا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظَاهِرٌ أَمْرُهُ فِي الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْقَصْدِ، صَارَ مَآلُ الْهِبَةِ الْمَنْعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَهُوَ مَفْسَدَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا بِشَرْطِ الْقَصْدِ إِلَى إِبْطَالِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمَنْ أَجَازَ الْحِيَلَ كَأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَآلَ أَيْضًا، لَكِنْ عَلَى حُكْمِ الِانْفِرَادِ، فَإِنَّ الْهِبَةَ عَلَى أَيِّ قَصْدٍ كَانَتْ مُبْطِلَةً لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ، كَإِنْفَاقِ الْمَالِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ، وَأَدَاءِ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَشِرَاءِ الْعُرُوضِ بِهِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ، وَهَذَا الْإِبْطَالُ صَحِيحٌ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ عَائِدَةٌ عَلَى الْوَاهِبِ وَالْمُنْفِقِ، لَكِنَّ هَذَا بشرط أن لا يُقْصَدَ إِبْطَالُ الْحُكْمِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَصْدَ بِخُصُوصِهِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ عِنَادٌ لِلشَّارِعِ كَمَا إِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَلَا يُخَالِفُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَنَّ قَصْدَ إِبْطَالِ الْأَحْكَامِ صُرَاحًا مَمْنُوعٌ، وَأَمَّا إِبْطَالُهَا ضِمْنًا، فَلَا، وَإِلَّا امْتُنِعَتِ الْهِبَةُ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ مُطْلَقًا، وَلَا يَقُولُ بِهَذَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ الْقَصْدِ بِالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا إِلَى مُجَرَّدِ إِحْرَازِ النَّفْسِ وَالْمَالِ، كَالْمُنَافِقِينَ، وَالْمُرَائِينَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ التَّحَيُّلَ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بَاطِلٌ عَلَى الْجُمْلَةِ نَظَرًا إِلَى الْمَآلِ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي أَمْرٍ آخَرَ١. - وَمِنْهَا: قَاعِدَةُ مُرَاعَاةِ٢ الْخِلَافِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَمْنُوعَاتِ فِي الشَّرْعِ إِذَا

стр. 2480

وَقَعَتْ، فَلَا يَكُونُ إِيقَاعُهَا مِنَ الْمُكَلَّفِ سَبَبًا فِي الْحَيْفِ عَلَيْهِ بِزَائِدٍ عَلَى مَا شَرَعَ لَهُ مِنَ الزَّوَاجِرِ أَوْ غَيْرِهَا، كَالْغَصْبِ مَثَلًا إِذَا وَقَعَ، فَإِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ لَا بُدَّ أَنْ يُوَفَّى حَقَّهُ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى إِضْرَارِ الْغَاصِبِ فَوْقَ مَا يَلِيقُ بِهِ فِي الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، فَإِذَا طُولِبَ الْغَاصِبُ بِأَدَاءِ مَا غَصَبَ١ أَوْ قِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، صَحَّ، فَلَوْ قُصِدَ فِيهِ حَمْلٌ عَلَى الْغَاصِبِ، لَمْ يَلْزَمْ؛ لأن العدل هو

стр. 2481

الْمَطْلُوبُ، وَيَصِحُّ إِقَامَةُ الْعَدْلِ مَعَ عَدَمِ الزِّيَادَةِ١، وَكَذَلِكَ الزَّانِي إِذَا حُدَّ لَا يُزَادُ٢ عَلَيْهِ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ، وَكَوْنُهُ جَانِيًا لَا يُجْنَى عَلَيْهِ زَائِدًا عَلَى الْحَدِّ الْمُوَازِي لِجِنَايَتِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ التَّعَدِّي٣ [عَلَى الْمُتَعَدِّي] أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٤] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] . وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِذَا٤ ثَبَتَ هَذَا، فَمَنْ وَاقَعَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَقَدْ يَكُونُ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ زَائِدٌ عَلَى مَا يَنْبَغِي بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لَا بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ، أَوْ مُؤَدٍّ إِلَى أَمْرٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُقْتَضَى النَّهْيِ، فَيُتْرَكُ٥ وَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ نُجِيزُ٦ مَا وَقَعَ مِنَ الْفَسَادِ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِالْعَدْلِ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَاقِعَ وافق٧ المكلف فيه دليلًا على

стр. 2482

الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، فَهُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِبْقَاءِ الْحَالَةِ عَلَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إِزَالَتِهَا مَعَ دُخُولِ ضَرَرٍ عَلَى الْفَاعِلِ أَشَدِّ مِنْ مُقْتَضَى النَّهْيِ، فَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ دَلِيلُهُ أَقْوَى قَبْلَ الْوُقُوعِ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ أَقْوَى بَعْدَ الْوُقُوعِ، لِمَا اقْتَرَنَ [بِهِ] مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُرَجِّحَةِ، كَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ١ فِي حَدِيثِ٢ تَأْسِيسِ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَحَدِيثِ٣ [تَرْكِ] قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ، وَحَدِيثِ٤ الْبَائِلِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَرْكِهِ حَتَّى يُتِمَّ بَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُطِعَ بَوْلُهُ لَنَجِسَتْ ثِيَابُهُ، وَلَحَدَثَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ دَاءٌ فِي بَدَنِهِ، فَتَرَجَّحَ جَانِبُ تَرْكِهِ عَلَى مَا فَعَلَ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى قَطْعِهِ بِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَبِأَنَّهُ يُنَجِّسُ مَوْضِعَيْنِ وَإِذَا تُرِكَ، فَالَّذِي يُنَجِّسُهُ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وليها، فنكاحها بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ"، ثُمَّ قَالَ: "فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا"٥. وَهَذَا تَصْحِيحٌ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ، وَلِذَلِكَ يَقَعُ فِيهِ الْمِيرَاثُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ لِلْوَلَدِ، وَإِجْرَاؤُهُمُ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ مَجْرَى الصَّحِيحِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَفِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا كَانَ فِي حُكْمِ الزِّنَى، وَلَيْسَ فِي حُكْمِهِ بِاتِّفَاقٍ فَالنِّكَاحُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ قَدْ يُرَاعَى فِيهِ الْخِلَافُ فَلَا تَقَعُ فِيهِ الْفُرْقَةُ إِذَا عُثِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ٦ الدُّخُولِ، مُرَاعَاةً لِمَا يَقْتَرِنُ بِالدُّخُولِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي ترجح

стр. 2483

جَانِبَ التَّصْحِيحِ. وَهَذَا كُلُّهُ نَظَرٌ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ بِالنَّقْضِ وَالْإِبْطَالِ مِنْ إِفْضَائِهِ إِلَى مَفْسَدَةٍ تُوَازِي مَفْسَدَةَ [مُقْتَضَى] النَّهْيِ أَوْ تَزِيدُ. وَلِمَا بَعْدَ الْوُقُوعِ دَلِيلٌ عَامٌّ مُرَجِّحٌ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَصْلِهِ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَامِلَ بِالْجَهْلِ مُخْطِئًا فِي عَمَلِهِ لَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْإِبْطَالَ. وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ قَصْدِهِ إِلَى الْمُوَافَقَةِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ مَدَاخِلَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمَحْكُومٌ لَهُ بِأَحْكَامِهِمْ، وَخَطَؤُهُ أَوْ جَهْلُهُ لَا يَجْنِي عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَنْ حُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، بَلْ يَتَلَافَى لَهُ حُكْمٌ يُصَحِّحُ لَهُ بِهِ مَا أَفْسَدَهُ بِخَطَئِهِ وَجَهْلِهِ وَهَكَذَا لَوْ تَعَمَّدَ الْإِفْسَادَ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنِ الْحُكْمِ لَهُ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ لَمْ يُعَانِدِ١ الشَّارِعَ، بَلِ اتَّبَعَ شَهْوَتَهُ غَافِلًا عَمَّا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٧] . وَقَالُوا: إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَعْصِي إِلَّا وَهُوَ جَاهِلٌ، فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْجَاهِلِ، إِلَّا أَنْ يَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْإِبْطَالِ بِالْأَمْرِ الْوَاضِحِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ جَانَبُ التَّصْحِيحِ لَيْسَ لَهُ مَآلٌ يُسَاوِي أَوْ يَزِيدُ، فَإِذْ ذَاكَ لَا نَظَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ، مَعَ٢ أَنَّهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُ الْإِبْطَالِ إِلَّا بعد النظر في المآل وهو المطلوب.

стр. 2484

وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَاعِدَةُ الِاسْتِحْسَانِ١، وهو -في مذهب

стр. 2485

مَالِكٍ- الْأَخْذُ بِمَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ دَلِيلٍ كُلِّيٍّ، وَمُقْتَضَاهُ الرُّجُوعُ إِلَى تَقْدِيمِ الِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مَنِ اسْتَحْسَنَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى مُجَرَّدِ ذَوْقِهِ وَتَشَهِّيهِ، وَإِنَّمَا رَجَعَ إِلَى مَا عَلِمَ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي الْجُمْلَةِ فِي أَمْثَالِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الْمَفْرُوضَةِ، كَالْمَسَائِلِ الَّتِي يَقْتَضِي الْقِيَاسُ فِيهَا أَمْرًا، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ يُؤَدِّي إِلَى فَوْتِ مَصْلَحَةٍ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَوْ جَلْبِ مَفْسَدَةٍ كَذَلِكَ، وَكَثِيرٌ مَا يَتَّفِقُ هَذَا فِي الْأَصْلِ الضَّرُورِيُّ مَعَ الْحَاجِيِّ وَالْحَاجِيُّ مَعَ التَّكْمِيلِيِّ، فَيَكُونُ إِجْرَاءُ الْقِيَاسِ مُطْلَقًا فِي الضَّرُورِيِّ يُؤَدِّي إِلَى حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ فِي بَعْضِ مَوَارِدِهِ، فَيُسْتَثْنَى مَوْضِعُ الْحَرَجِ١، وَكَذَلِكَ فِي الْحَاجِيِّ مَعَ التَّكْمِيلِيِّ، أَوِ الضَّرُورِيِّ مَعَ التَّكْمِيلِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَلَهُ فِي الشَّرْعِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ كَالْقَرْضِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ رِبًا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ الدرهم

стр. 2486

بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ، وَلَكِنَّهُ أُبِيحَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَرْفَقَةِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، بِحَيْثُ لَوْ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ ضِيقٌ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَمِثْلُهُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ١ بِخُرْصِهَا تَمْرًا، فَإِنَّهُ بَيْعُ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ، لَكِنَّهُ أُبِيحَ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُعَرِّي وَالْمُعَرَّى، وَلَوِ امْتَنَعَ مُطْلَقًا، لَكَانَ وَسِيلَةً لِمَنْعِ الْإِعْرَاءِ، كَمَا أَنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ لَوِ امْتَنَعَ فِي الْقَرْضِ لَامْتَنَعَ أَصْلُ الرِّفْقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَمِثْلُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِلْمَطَرِ٢ وَجَمْعُ الْمُسَافِرِ، وَقَصْرُ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ، وَسَائِرُ التَّرَخُّصَاتِ الَّتِي٣ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا تَرْجِعُ إِلَى اعْتِبَارِ الْمَآلِ فِي تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ أَوْ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى الْخُصُوصِ، حَيْثُ كَانَ الدَّلِيلُ الْعَامُّ يَقْتَضِي مَنْعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَوْ بَقِينَا مَعَ أَصْلِ الدَّلِيلِ الْعَامِّ لَأَدَّى إِلَى رَفْعِ مَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ رَعْيُ ذَلِكَ الْمَآلِ إِلَى أَقْصَاهُ، وَمِثْلُهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْعَوْرَاتِ فِي التَّدَاوِي، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ الْعَامُّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَأَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَثِيرَةً. هَذَا نَمَطٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهَذِهِ القاعدة، وعليها بنى٤

стр. 2487

مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِحْسَانِ بِأَنَّهُ إِيثَارُ١ تَرْكِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ على طريق الاستثاء وَالتَّرَخُّصِ، لِمُعَارَضَةِ مَا يُعَارَضُ بِهِ فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُ أَقْسَامًا، فَمِنْهُ تَرْكُ الدَّلِيلِ لِلْعُرْفِ كَرَدِّ الْأَيْمَانِ إِلَى الْعُرْفِ، وَتَرْكُهُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ كَتَضْمِينِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ، أَوْ تَرْكُهُ لِلْإِجْمَاعِ كَإِيجَابِ الْغُرْمِ عَلَى مَنْ قَطَّ ذَنَبَ بَغْلَةِ الْقَاضِي٢، وَتَرْكُهُ فِي الْيَسِيرِ لِتَفَاهَتِهِ لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَإِيثَارِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْخَلْقِ، كَإِجَازَةِ التَّفَاضُلِ الْيَسِيرِ فِي الْمُرَاطَلَةِ الْكَثِيرَةِ، وَإِجَازَةِ بَيْعٍ وَصَرْفٍ فِي الْيَسِيرِ. وَقَالَ فِي "أَحْكَامِ الْقُرْآنِ": "الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا وعند الحنفية هو العمل٣

стр. 2488

بأقوى الدليلين، فالعلموم إِذَا اسْتَمَرَّ وَالْقِيَاسُ إِذَا اطَّرَدَ، فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِأَيِّ دَلِيلٍ كَانَ، مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ مَعْنًى، وَيَسْتَحْسِنُ مَالِكٌ أَنْ يُخَصَّ بِالْمَصْلَحَةِ، وَيَسْتَحْسِنَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد

стр. 2489

بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَيَرَيَانِ مَعًا تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ وَنَقْضَ الْعِلَّةِ، وَلَا يَرَى الشَّافِعِيُّ لِعِلَّةِ الشَّرْعِ إِذَا ثَبَتَتْ تَخْصِيصًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَ هُوَ نَظَرٌ١ فِي مَآلَاتِ الْأَحْكَامِ، مِنْ غَيْرِ اقْتِصَارٍ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْعَامِّ وَالْقِيَاسِ الْعَامِّ". وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ جِدًّا. وَفِي "الْعُتَبِيَّةِ"٢ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَطَآنِ الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَتَأْتِي بِوَلَدٍ، فَيُنْكِرُ أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ دُونَ الْآخَرِ، أَنَّهُ يَكْشِفُ مُنْكِرَ الْوَلَدِ عَنْ وَطْئِهِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي صِفَتِهِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْإِنْزَالُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَكَانَ كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي الْعَزْلَ مِنَ الْوَطْءِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، فَقَالَ أَصْبَغُ: إِنِّي أَسْتَحْسِنُ هُنَا أَنْ أُلْحِقَهُ بِالْآخَرِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً، فَلَعَلَّهُ غُلِبَ وَلَا يَدْرِي، وَقَدْ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي نَحْوِ هَذَا: "إِنَّ الْوِكَاءَ قَدْ يَتَفَلَّتُ"٣. قَالَ: "وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْعِلْمِ قَدْ يَكُونُ أَغْلَبَ مِنَ الْقِيَاسِ، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ وَيَرْوِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ الِاسْتِحْسَانُ"٤. فَهَذَا كُلُّهُ يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ غَيْرُ خارج عن مقتضى الأدلة، إلا أنه

стр. 2490

نَظَرٌ إِلَى لَوَازِمِ الْأَدِلَّةِ وَمَآلَاتِهَا؛ إِذْ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْقِيَاسِ هُنَا كَانَ الشَّرِيكَانِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَا يَعْزِلَانِ أَوْ يُنْزِلَانِ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَا حُكْمَ لَهُ إِذْ أُقِرَّ بِالْوَطْءِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَزْلِ وَعَدَمِهِ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ، لَكِنَّ الِاسْتِحْسَانَ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مَعَ الْإِنْزَالِ وَلَا يَكُونُ مَعَ الْعَزْلِ إِلَّا نَادِرًا، فَأَجْرَى الْحُكْمَ عَلَى الْغَالِبِ١، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فَلَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ٢ الْمَآلَ فِي جَرَيَانِ الدَّلِيلِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْعَزْلِ وَالْإِنْزَالِ، وَقَدْ بَالَغَ أَصْبَغُ فِي الِاسْتِحْسَانِ حَتَّى قَالَ: "إِنَّ الْمُغْرِقَ فِي الْقِيَاسِ يَكَادُ يُفَارِقُ السُّنَّةَ٣ وَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ عِمَادُ الْعِلْمِ"، وَالْأَدِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ تُعَضِّدُ٤ مَا قَالَ. وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا تُسْتَمَدُّ قَاعِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْأُمُورَ الضَّرُورِيَّةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْحَاجِيَّةِ أَوِ التَّكْمِيلِيَّةِ إِذَا اكْتَنَفَتْهَا مِنْ خَارِجٍ أُمُورٌ لَا تُرْضَى شَرْعًا، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ التَّحَفُّظِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ٥، كَالنِّكَاحِ الَّذِي يَلْزَمُهُ طَلَبُ قُوتِ العيال مع ضيق طرق الحلال
следующие страницы →