Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
عَنْ عَضْلِ الْمَسَائِلِ؟ ".
وَعَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْ أَهْلِ هذا الزمان أن لا أَسْأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا يَسْأَلُونِي [عَنْ شَيْءٍ] ، يَتَكَاثَرُونَ بِالْمَسَائِلِ كَمَا يَتَكَاثَرُونَ أَهْلُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ"٢.
وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ" ٣.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ: "نَهَاكُمْ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ" ٤؛ قَالَ: "أَمَّا كَثْرَةُ السُّؤَالِ؛ فَلَا أَدْرِي أَهْوَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ، فَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠١] ؛ فَلَا أَدْرِي أَهْوَ هَذَا، أَمِ السُّؤَالُ فِي [مَسْأَلَةِ النَّاسِ في] الاستعطاء؟ " ٥.
стр. 2662
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "أُحَرِّجُ بِاللَّهِ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ١؛ فَإِنَّ اللَّهَ [قَدْ] ٢ بَيَّنَ مَا هُوَ كَائِنٌ"٣.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: "قَالَ لِي مَالِكٌ وَهُوَ يُنْكِرُ كَثْرَةَ الْجَوَابِ لِلْمَسَائِلِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! مَا عَلِمْتَهُ فَقُلْ بِهِ وَدُلَّ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ تَعْلَمْ فَاسْكُتْ عنه وإياك أن تتقلد
стр. 2663
لِلنَّاسِ قِلَادَةَ سُوءٍ"١.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَحْرِمَ عَبْدَهُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ الْأَغَالِيطَ"٢.
وَعَنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ: "إِنَّ شِرَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِشِرَارِ الْمَسَائِلِ، يُعَنِّتُونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ"٣.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: "وَاللَّهِ؛ لَقَدْ بَغَّضَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ إليَّ الْمَسْجِدَ حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ كُنَاسَةِ دَارِي. قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا عَمْرٍو٤؟ قَالَ: الأرَأَيْتِيُّون"٥.
وَقَالَ: "مَا كَلِمَةٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ "أَرَأَيْتَ"٦.
стр. 2664
وَقَالَ أَيْضًا لِدَاوُدَ الْأَوْدِيِّ١: "احْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا [لَهَا شَأْنٌ] ٢: إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَبْتَ فِيهَا؛ فَلَا تَتْبَعْ مَسْأَلَتَكَ٣ أَرَأَيْتَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٤٣] ؛ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ، وَالثَّانِيَةُ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؛ فَلَا تَقِسْ٤ شَيْئًا بِشَيْءٍ، فَرُبَّمَا حَرَّمْتَ حَلَالًا أَوْ حَلَّلْتَ حَرَامًا وَالثَّالِثَةُ إِذَا سُئِلْتَ عَمَّا لَا تَعْلَمُ؛ فَقُلْ لَا أَعْلَمُ وَأَنَا شَرِيكُكَ"٥.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: "بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ كَانُوا يَقُولُونَ: إذا أراد الله أن لا يعلم عبده [خيرًا] أشغله بالأغاليط"٦.
стр. 2665
وَالْآثَارُ كَثِيرَةٌ.
وَالْحَاصِلُ [مِنْهَا] أَنَّ كَثْرَةَ السُّؤَالِ وَمُتَابَعَةَ الْمَسَائِلِ بِالْأَبْحَاثِ الْعَقْلِيَّةِ وَالِاحْتِمَالَاتِ النَّظَرِيَّةَ مَذْمُومٌ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ وُعِظُوا فِي كَثْرَةِ السُّؤَالِ حَتَّى امْتَنَعُوا مِنْهُ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابُ فَيَسْأَلُوهُ١ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَحْفَظُوا مِنْهُ الْعِلْمَ، أَلَا تَرَى مَا فِي "الصَّحِيحِ" عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: "نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلِ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ"٢.
وَلَقَدْ أَمْسَكُوا عَنِ السُّؤَالِ حَتَّى جَاءَ جِبْرِيلُ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَالسَّاعَةِ وَأَمَارَتِهَا، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ ﵊ أَنَّهُ جِبْرِيلُ، وَقَالَ: "أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا٣ إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا"٤.
وَهَكَذَا كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ كَثِيرًا، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَهَابُونَ ذَلِكَ، قَالَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ -وَقَدْ قَدِمَ عَلَى مَالِكٍ: "وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْعَلُونَنِي أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِذَا أَجَابَ يَقُولُونَ: قُلْ لَهُ فَإِنْ كَانَ كَذَا؛ فَأَقُولُ لَهُ: فَضَاقَ عَلَيَّ يَوْمًا فَقَالَ لِي: هَذِهِ سُلَيْسِلَةٌ بِنْتُ سُلَيْسِلَةٍ، إِنْ أَرَدْتَ هَذَا فَعَلَيْكَ بِالْعِرَاقِ"٥، وَإِنَّمَا كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ فِقْهَ الْعِرَاقِيِّينَ وَأَحْوَالَهُمْ لِإِيغَالِهِمْ فِي المسائل وكثرة تفريعهم في الرأي.
стр. 2666
وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا عَنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ؛ فَقَالَتْ لَهَا: "أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ " إِنْكَارًا عَلَيْهَا السُّؤَالَ عَنْ مِثْلِ هَذَا. وَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ؛ فَقَالَ الَّذِي قَضَى عليه: كيف أغرم ما لَا شَرِبَ٢ وَلَا أَكَلَ، وَلَا شَهِقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ٣ فَقَالَ ﵊: "إنما هذا من إخوان الكهان" ٤.
стр. 2667
وَقَالَ١ رَبِيعَةُ لِسَعِيدٍ فِي مَسْأَلَةِ عَقْلِ الْأَصَابِعِ حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا: "نَقَصَ عَقْلُهَا؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ يا ابن أَخِي"٢.
وَهَذَا كَافٍ فِي كَرَاهِيَةِ كَثْرَةِ السُّؤَالِ فِي الْجُمْلَةِ.
فَصْلٌ:
وَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ لِكَرَاهِيَةِ السُّؤَالِ مَوَاضِعَ، نَذْكُرُ مِنْهَا عَشَرَةَ مَوَاضِعَ٣:
أَحَدُهَا: السُّؤَالُ عَمَّا لَا يَنْفَعُ فِي الدِّينِ؛ كسؤال عبد الله بن حذافة: من
стр. 2668
أَبِي١"، وَرُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ ﵊ سُئِلَ: مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو رَقِيقًا كَالْخَيْطِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْمُو حَتَّى يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ يَنْقُصُ إِلَى أَنْ يَصِيرَ كَمَا كَانَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ ٢ الْآيَةَ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] ؛ فَإِنَّمَا أُجِيبَ٣ بِمَا فِيهِ مِنْ مَنَافِعِ الدِّينِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْأَلَ بَعْدَ مَا بَلَغَ مِنَ الْعِلْمِ حَاجَتَهُ؛ كَمَا سَأَلَ الرجل عَنِ الْحَجِّ: أَكُلَّ عَامٍ٤؟ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] قَاضٍ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ لِلْأَبَدِ لِإِطْلَاقِهِ، وَمِثْلُهُ سُؤَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ٥ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦٧] .
وَالثَّالِثُ: السُّؤَالُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ فِي الْوَقْتِ، وَكَأَنَّ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ خَاصٌّ٦ بِمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ حُكْمٌ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ" ٧، وَقَوْلُهُ: "وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ لا عن نسيان؛ فلا تبحثوا عنها" ٨.
стр. 2669
وَالرَّابِعُ١: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ صِعَابِ الْمَسَائِلِ وَشِرَارِهَا؛ كَمَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ٢.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّعَبُّدَاتِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ لَهَا مَعْنًى، أَوِ السَّائِلُ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ السُّؤَالُ كَمَا فِي حَدِيثِ قَضَاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ٣.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يَبْلُغَ بِالسُّؤَالِ إِلَى حَدِّ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّقِ٤، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ، وَلَمَّا سَأَلَ الرَّجُلُ٥: "يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ! هَلْ تَرِدُ حَوْضُكَ السُّبَاعُ؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ! لَا تُخْبِرْنَا؛ فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ علينا"٦. الحديث.
стр. 2670
وَالسَّابِعُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنَ السُّؤَالِ مُعَارِضَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالرَّأْيِ، وَلِذَلِكَ قَالَ سَعِيدٌ: "أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ "١ وَقِيلَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: "الرَّجُلُ يَكُونُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ؛ أَيُجَادِلُ عَنْهَا؟ قَالَ: "لَا٢، وَلَكِنْ يُخْبِرُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ وَإِلَّا سَكَتَ"٣.
وَالثَّامِنُ: السُّؤَالُ عَنِ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا٤ للخصومات؛ أسرع
стр. 2671
التَّنَقُّلَ"١.
وَمِنْ ذَلِكَ سُؤَالُ مَنْ سَأَلَ مَالِكًا عَنِ الِاسْتِوَاءِ، فَقَالَ: "الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ"٢.
وَالتَّاسِعُ: السُّؤَالُ عَمَّا شَجَرَ٣ بَيْنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَقَدْ سُئِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ صِفِّينَ؛ فَقَالَ: "تِلْكَ دِمَاءٌ كَفَّ اللَّهِ عَنْهَا يَدَيَّ؛ فَلَا أحب أن يطلخ بها لساني"٤.
стр. 2672
وَالْعَاشِرُ: سُؤَالُ التَّعَنُّتِ١ وَالْإِفْحَامِ وَطَلَبِ الْغَلَبَةِ فِي الْخِصَامِ، وَفِي الْقُرْآنِ فِي ذَمِّ نَحْوِ هَذَا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٤] .
وَقَالَ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلى الله الألد الخصم" ٢.
هذه جملة مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُكره السُّؤَالُ فِيهَا، يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا سِوَاهَا، وَلَيْسَ النَّهْيُ فِيهَا وَاحِدًا، بَلْ فِيهَا مَا تَشْتَدُّ كَرَاهِيَتُهُ، وَمِنْهَا مَا يَخِفُّ، وَمِنْهَا مَا يَحْرُمُ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَحَلَّ اجْتِهَادٍ، وَعَلَى جُمْلَةٍ٣ مِنْهَا يَقَعُ النَّهْيُ عَنِ الْجِدَالِ فِي الدِّينِ؛ كَمَا جَاءَ "إِنَّ الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ"٤.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ٦٨] .
وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيِ أَوِ الْأَحَادِيثِ؛ فَالسُّؤَالُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، والجواب بحسبه.
стр. 2673
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
تَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْكُبَرَاءِ مَحْمُودٌ، كَانَ الْمُعْتَرَضُ فِيهِ مِمَّا يُفْهَمُ أَوْلَا يُفْهَمُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ كَقِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ١، واشتراطه عليه أن لا يَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ مِنْهُ ذِكْرًا؛ فَكَانَ مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الْكَهْفِ: ٧٨] ، وَقَوْلُ٢ مُحَمَّدٍ ﵊: "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا" ٣، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا تَكَلَّمَ بِلِسَانِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ الْخُرُوجَ عَنِ الشَّرْطِ يُوجِبُ٤ الْخُرُوجَ عَنِ الْمَشْرُوطِ.
وَرُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ٥ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا قَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا
стр. 2674
وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية [البقرة: ٣٠] ؛ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ.
وَجَاءَ فِي أَشَدِّ مِنْ هَذَا اعْتِرَاضُ إِبْلِيسَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢] ؛ فَهُوَ الَّذِي كَتَبَ لَهُ بِهِ الشَّقَاءَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ لِاعْتِرَاضِهِ عَلَى الْحَكِيمِ الْخَبِيرِ، وَهُوَ دَلِيلٌ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَقِصَّةُ١ أَصْحَابِ الْبَقَرَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا، حِينَ تَعَنَّتُوا فِي السُّؤَالِ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّانِي: مَا جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ؛ كَحَدِيثِ: "تَعَالَوْا أَكْتُبُ لَكُمْ كتابا لن تضلوا
стр. 2675
بَعْدَهُ" ١. فَاعْتَرَضَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ٢ الصَّحَابَةِ حَتَّى أَمْرُهُمْ ﵊ بِالْخُرُوجِ وَلَمْ يَكْتُبْ٣ لَهُمْ شَيْئًا.
وَقِصَّةُ أَمِّ إِسْمَاعِيلَ حِينَ نَبَعَ لَهَا مَاءُ زَمْزَمَ، فَحَوَّضَتْهُ وَمَنَعَتِ الْمَاءَ مِنَ
стр. 2676
السيلان؛ فقال ﵊: "لو تركت لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا" ١.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ طُبِخَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِدْرٌ فِيهَا لَحْمٌ؛ فَقَالَ: "نَاوِلْنِي ذِرَاعًا". قَالَ الرَّاوِي: فَنَاوَلْتُهُ ذِرَاعًا؛ فَقَالَ: "نَاوِلْنِي ذِرَاعًا". فَنَاوَلْتُهُ ذِرَاعًا؛ فَقَالَ: "نَاوِلْنِي ذِرَاعًا". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟ فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ سَكَتَ لَأُعْطِيتَ أَذْرُعًا مَا دعوت" ٢.
стр. 2677
........................................................................................
стр. 2678
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ قَالَ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى فَاطِمَةَ مِنَ اللَّيْلِ؛ فَأَيْقَظَنَا لِلصَّلَاةِ، قَالَ: فَجَلَسْتُ وَأَنَا أَعْرُكُ عَيْنِي وَأَقُولُ: إِنَّا وَاللَّهِ مَا نُصَلِّي إِلَّا مَا كُتِبَ لَنَا، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهَا. بَعَثَهَا، فَوَلَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا" ١.
стр. 2679
وَحَدِيثُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّهِمُوا١ الرَّأْيَ؛ فَإِنَّا كُنَّا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ نَسْتَطِيعُ٢ أَنْ نَرُدَّ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَرَدَدْنَاهُ"٣.
وَلَمَّا وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حزنٌ جَدُّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ لَهُ: "مَا اسْمُكَ؟ ". قَالَ: حَزَنٌ. قَالَ: "بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ". قَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِي بِهِ أَبِي. قَالَ سَعِيدٌ: فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَةُ [فِينَا] ٤ حَتَّى الْيَوْمِ"٥.
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
وَالثَّالِثُ: مَا عُهِدَ بِالتَّجْرِبَةِ مِنْ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْكُبَرَاءِ قَاضٍ بِامْتِنَاعِ الْفَائِدَةِ مُبْعِدٌ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالتِّلْمِيذِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمُ الدَّاءُ الْأَكْبَرُ حَتَّى زَعَمَ الْقُشَيْرِيُّ٦ عَنْهُمْ أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْهُ لَا تُقْبَلُ وَالزَّلَّةُ لَا تُقَالُ، وَمِنْ ذَلِكَ
стр. 2680
حِكَايَةُ الشَّابِّ الْخَدِيمِ لِأَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ؛ إِذْ كَانَ صَائِمًا؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ وَشَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ: "كُلْ مَعَنَا يَا فَتَى. فَقَالَ: أَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ أَبُو تُرَابٍ: كُلْ وَلَكَ أَجْرُ شَهْرٍ فَأَبَى فَقَالَ شَقِيقٌ: كُلْ وَلَكَ أَجْرُ صَوْمِ سَنَةٍ. فَأَبَى؛ فَقَالَ أَبُو يَزِيدَ: دَعُوا مَنْ سَقَطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ". فَأَخَذَ ذَلِكَ الشَّابُّ فِي السَّرِقَةِ وَقُطِعَتْ يَدُهُ١.
وَقَدْ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لِأَسَدٍ حِينَ تَابَعَ سُؤَالَهُ: "هَذِهِ سُلَيْسِلَةٌ بِنْتُ سُلَيْسِلَةٍ، إِنْ أَرَدْتَ هَذَا؛ فَعَلَيْكَ بِالْعِرَاقِ"٢. فَهَدَّدَهُ بِحِرْمَانِ الْفَائِدَةِ مِنْهُ بِسَبَبِ اعْتِرَاضِهِ٣ فِي جَوَابِهِ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا كَثِيرٌ لِمَنْ بَحَثَ عَنْهُ.
فَالَّذِي تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَالِمَ الْمَعْلُومَ بِالْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ وَالْجَرْيِ عَلَى سُنَنِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ إِذَا سُئِلَ عَنْ نَازِلَةٍ فَأَجَابَ، أَوْ عُرِضَتْ لَهُ حَالَةٌ يَبْعُدُ الْعَهْدُ بِمِثْلِهَا، أَوْ لَا تَقَعُ مِنْ فهم السامع موقعها أن لا يُوَاجَهَ بِالِاعْتِرَاضِ وَالنَّقْدِ، فَإِنْ عَرَضَ إِشْكَالٌ فَالتَّوَقُّفُ أَوْلَى بِالنَّجَاحِ، وَأَحْرَى بِإِدْرَاكِ الْبُغْيَةِ إِنْ شَاءَ الله تعالى.
стр. 2681
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
الِاعْتِرَاضُ عَلَى الظَّوَاهِرِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ١.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ هُوَ الْمُتَرْجِمُ عَنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ، وَلِسَانُ الْعَرَبِ يُعْدَمُ فِيهِ النص٢ أو ينذر إِذْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا يَكُونُ نَصًّا إِذَا سَلِمَ عَنِ احْتِمَالَاتٍ عَشْرَةٍ٣، وَهَذَا نَادِرٌ أَوْ مَعْدُومٌ، فَإِذَا وَرَدَ دَلِيلٌ مَنْصُوصٌ وَهُوَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ؛ فَالِاحْتِمَالَاتُ دَائِرَةٌ بِهِ، وَمَا فِيهِ احْتِمَالَاتٌ لَا يَكُونُ نَصًّا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الظَّاهِرُ وَالْمُجْمَلُ، فَالْمُجْمَلُ الشَّأْنُ فِيهِ طَلَبُ الْمُبَيِّنِ أَوِ التَّوَقُّفُ؛ فَالظَّاهِرُ هو المعتمد إذن، فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ.
وَأَيْضًا؛ فَلَوْ جَازَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُحْتَمَلَاتِ لَمْ يَبْقَ لِلشَّرِيعَةِ دَلِيلٌ يُعتمد، لِوُرُودِ الِاحْتِمَالَاتِ وَإِنْ ضَعُفَتْ، وَالِاعْتِرَاضُ الْمَسْمُوعُ مِثْلُهُ يُضْعِفُ الدَّلِيلَ؛ فَيُؤَدِّي إِلَى الْقَوْلِ بِضَعْفِ جَمِيعِ٤ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ أَوْ أَكْثَرِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: لَوِ اعْتُبِرَ مُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ فِي الْقَوْلِ لَمْ يكن لإنزال الكتب
стр. 2682
وَلَا لِإِرْسَالِ النَّبِيِّ ﵊ بِذَلِكَ فائدة؛ إذ يلزم أن لا تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالْإِخْبَارَاتِ؛ إِذْ لَيْسَتْ فِي الْأَكْثَرِ نُصُوصًا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا قُصِدَ بِهَا، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ، فَمَا يَلْزَمُ عَنْهُ كَذَلِكَ.
وَوَجْهٌ رَابِعٌ١: وَهُوَ أَنَّ مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالِ إِذَا اعْتُبِرَ أَدَّى إِلَى انْخِرَامِ الْعَادَاتِ وَالثِّقَةِ بِهَا، وَفَتْحِ بَابِ السَّفْسَطَةِ وَجَحْدِ الْعُلُومِ، وَيُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ [عَنْ نَفْسِهِ] فِي كِتَابِهِ "الْمُنْقِذِ مِنَ الضَّلَالِ"٢، بَلْ مَا ذَكَرَهُ السُّوفُسْطَائِيَّةُ فِي جَحْدِ الْعُلُومِ فَبِهِ٣ يَتَبَيَّنُ لك أن منشأها طريق الِاحْتِمَالِ فِي الْحَقَائِقِ الْعَادِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِيَّةِ؛ فَمَا بَالُكَ٤ بِالْأُمُورِ الْوَضْعِيَّةِ؟
وَلِأَجْلِ اعْتِبَارِ الِاحْتِمَالِ الْمُجَرَّدِ شُدِّدَ عَلَى أَصْحَابِ الْبَقَرَةِ إِذْ تَعَمَّقُوا فِي السُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَيْهِ حَاجَةً مَعَ ظُهُورِ الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ: "أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَوْ لِلْأَبَدِ؟ "٥ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ فِي الْمَيْلِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَّبِعِينَ لِمَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ إِنَّمَا اتَّبَعُوا فِيهَا مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالِ، فَاعْتَبَرُوهُ وَقَالُوا فِيهِ٦، وَقَطَعُوا فِيهِ عَلَى الْغَيْبِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ فَذُمُّوا بِذَلِكَ وَأَمَرَ النَّبِيُّ٧ ﵊ بِالْحَذَرِ مِنْهُمْ.
стр. 2683
وَوَجْهٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدِ احْتَجَّ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْعُمُومَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعُمُومَاتِ١ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ] قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢ [الْمُؤْمِنُونَ: ٨٤-٨٩] ؛ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ عَلَى الْعُمُومِ، وَجَعَلَهُمْ إِذْ أَقَرُّوا بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ فِي الْكُلِّ ثُمَّ دَعْوَاهُمُ الْخُصُوصَ مَسْحُورِينَ لَا عُقَلَاءَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦١] ، يَعْنِي: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللَّهُ بعد ما أَقَرُّوا٣؛ فَيَدَّعُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَار﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٥-٦] ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهِ الْإِقْرَارَ بِعُمُومِهِ، وَجَعَلَ خِلَافَ ظَاهِرِهِ عَلَى خِلَافِ الْمَعْقُولِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْعَرَبِ الظَّاهِرُ حُجَّةً غَيْرَ مُعْتَرَضٍ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ فِي إِقْرَارِهِمْ بمقتضى العموم حجة عليهم لكن الأمر
стр. 2684
عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ.
وَإِلَى هَذَا١؛ فَأَنْتَ تَرَى مَا يَنْشَأُ بَيْنَ الْخُصُومِ وَأَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ مِنْ تَشَعُّبِ الِاسْتِدْلَالَاتِ، وَإِيرَادِ الْإِشْكَالَاتِ عَلَيْهَا بِتَطْرِيقِ٢ الِاحْتِمَالَاتِ؛ حتى لا تجد عندهم بسبب ذلك دليل يُعْتَمَدُ لَا قُرْآنِيًّا وَلَا سُنِّيًّا، بَلِ انْجَرَّ هَذَا الْأَمْرُ إِلَى الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ؛ فاطَّرحوا فِيهَا الْأَدِلَّةَ الْقُرْآنِيَّةَ وَالسُّنِّيَّةَ لِبِنَاءِ كَثِيرٍ مِنْهَا عَلَى أُمُورٍ عَادِيَّةٍ؛ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] ٣: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾ الْآيَةَ [الرُّومِ: ٢٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٩٥] .
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَاعْتَمَدُوا عَلَى مقدمات عقلية غير بديهة٤ وَلَا قَرِيبَةٍ مِنَ البديهيَّة٥، هَرَبًا مِنَ احْتِمَالٍ يَتَطَرَّقُ فِي الْعَقْلِ لِلْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ؛ فَدَخَلُوا فِي أَشَدَّ مِمَّا مِنْهُ فرُّوا، وَنَشَأَتْ مَبَاحِثُ لَا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِهَا وَهُمُ الْمُخَاطَبُونَ أَوَّلًا بِالشَّرِيعَةِ؛ فَخَالَطُوا الْفَلَاسِفَةَ فِي أَنْظَارِهِمْ، وَبَاحَثُوهُمْ فِي مَطَالِبِهِمُ الَّتِي لَا يَعُودُ الْجَهْلُ بِهَا عَلَى الدِّينِ بِفَسَادٍ، وَلَا يَزِيدُ الْبَحْثُ فِيهَا إِلَّا خَبَالًا، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلُّهُ الْإِعْرَاضُ عَنْ مَجَارِي الْعَادَاتِ فِي الْعِبَارَاتِ وَمَعَانِيهَا الْجَارِيَةِ فِي الْوُجُودِ.
وَقَدْ مَرَّ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَجَارِيَ الْعَادَاتِ قَطْعِيَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَأَنَّ طُرَقَ الْعَقْلِ إِلَيْهَا احْتِمَالًا؛ فَكَذَلِكَ الْعِبَارَاتُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْوَضْعِ٦ الْخِطَابِيِّ تُمَاثِلُهَا أو تقاربها.
стр. 2685
وَمَرَّ أَيْضًا بَيَانُ كَيْفِيَّةِ اقْتِنَاصِ الْقِطَعِ مِنَ الظَّنِّيَّاتِ، وَهِيَ خَاصَّةُ١ هَذَا الْكِتَابِ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ والحمد لله؛ فإذن لَا يَصِحُّ فِي الظَّوَاهِرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا بِوُجُوهِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَرْجُوحَةِ؛ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْخُرُوجِ٢ عَنْهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي بَابِ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ، أَوْ فِي بَابِ الْبَيَانِ، وَاللَّهُ المستعان.
стр. 2686
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
النَّاظِرُ١ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ إِمَّا نَاظِرٌ١ فِي قَوَاعِدِهَا الْأَصْلِيَّةِ أَوْ فِي جُزْئِيَّاتِهَا الْفَرْعِيَّةِ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ؛ فَهُوَ إِمَّا مُجْتَهِدٌ أَوْ مُنَاظِرٌ، فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ النَّاظِرُ لِنَفْسِهِ؛ فَمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَهُوَ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ؛ إِلَّا أَنَّ الْأُصُولَ وَالْقَوَاعِدَ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْقَطْعِيَّاتِ٢؛ ضَرُورِيَّةً كَانَتْ أَوْ نَظَرِيَّةً؛ عَقْلِيَّةً أَوْ سَمْعِيَّةً، وَأَمَّا الْفُرُوعُ؛ فَيَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ الظَّنِّ عَلَى شَرْطِهِ الْمَعْلُومِ فِي مَوْضِعِهِ، فَمَا أَوْصَلَهُ إِلَيْهِ الدَّلِيلُ؛ فَهُوَ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى مُنَاظَرَةٍ؛ لِأَنَّ نَظَرَهُ فِي مَطْلَبِهِ إِمَّا نَظَرٌ فِي جُزْئِيٍّ، وَهُوَ ثانٍ عَنْ نَظَرِهِ فِي الْكُلِّيِّ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ، وَإِمَّا نَظَرٌ فِي كُلِّيٍّ ابْتِدَاءً، وَالنَّظَرُ فِي الْكُلِّيَّاتِ ثانٍ عَنِ٣ الِاسْتِقْرَاءِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى تَأَمُّلٍ وَاسْتِبْصَارٍ وَفُسْحَةِ زَمَانٍ يَسَعُ ذَلِكَ.
وَهَكَذَا إِنْ كَانَ عَقْلِيًّا؛ فَفَرْضُ الْمُنَاظَرَةِ هُنَا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الْوُصُولِ مُتَطَلَّبٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَهُ؛ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ فِيهَا، وَبَعْدَ الْوُصُولِ هُوَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ مَطْلَبِهِ فِي نَفْسِهِ؛ فَالْمُنَاظَرَةُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ.
وَأَيْضًا؛ فَالْمُجْتَهِدُ أَمِينٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا كَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ قَبِلَهُ الْمُقَلِّدُ، وَوَكَلَهُ الْمُجْتَهِدُ الْآخَرُ إِلَى أَمَانَتِهِ؛ إِذْ هُوَ عِنْدَهُ مُجْتَهِدٌ مَقْبُولُ الْقَوْلِ؛ فَلَا يَفْتَقِرُ إِذَا اتَّضَحَ لَهُ مَسْلَكُ المسألة إلى مناظرة.
стр. 2687
وَهُنَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ كَمُشَاوَرَةِ١ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعْدَيْنِ٢ فِي مُصَالَحَةِ الْأَحْزَابِ عَلَى نِصْفِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِمَا عَزِيمَةُ الْمُصَابَرَةِ وَالْقِتَالِ؛ لَمْ يَبْغِ بِهِ بَدَلًا وَلَمْ يَسْتَشِرْ غَيْرَهُمَا، وَهَكَذَا مُشَاوَرَتُهُ٣ وَعَرْضُهُ الْأَمْرَ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْحُكْمَ؛ لَمْ يُلْقِ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ وُضُوحِ الْقَضِيَّةِ، وَلَمَّا مَنَعَتِ الْعَرَبُ الزَّكَاةَ عَزَمَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَكَلَّمَهُ٤ عُمَرُ فِي ذلك؛ فلم
стр. 2688
يَلْتَفِتْ إِلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ؛ إِذْ وَجَدَ النَّصَّ الشَّرْعِيَّ الْمُقْتَضِيَ لِخِلَافِهِ، وَسَأَلُوهُ١ فِي رَدِّ أُسَامَةَ لِيَسْتَعِينَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَأَبَى لِصِحَّةِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ بِمَنْعِ رَدِّ مَا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢.
وَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُودُ هَذَا فِي الشَّرِيعَةِ وَأَهْلِهَا٣ لَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مُنَاظَرَةٍ وَلَا إِلَى مُرَاجَعَةٍ؛ إِلَّا مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ، وَإِذَا فَرَضَ مُحْتَاطًا؛ فَذَلِكَ إِنَّمَا يَقَعُ إِذَا بَنَى عَلَيْهِ بَعْضَ التَّرَدُّدِ فِيمَا هُوَ نَاظِرٌ فِيهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا السُّكُوتُ اقْتِصَارًا عَلَى بَحْثِ نَفْسِهِ إِلَى التَّبَيُّنِ؛ إِذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ قَبْلَ بَيَانِ الطَّرِيقِ.
وَإِمَّا الِاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ، وَهُوَ الْمُنَاظِرُ الْمُسْتَعِينُ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يكون
стр. 2689
مُوَافِقًا لَهُ فِي الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا ما تناظرا١ فيه، أولا.
فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ صَحَّ إِسْنَادُهُ٢ إِلَيْهِ وَاسْتِعَانَتُهُ بِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَبْقَى لَهُ تَحْقِيقُ٣ مَنَاطِ الْمَسْأَلَةِ الْمُنَاظَرِ فِيهَا، وَالْأَمْرُ سَهْلٌ فِيهَا؛ فَإِنِ اتَّفَقَا فَحَسَنٌ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ ظَنِّيٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِي وُقُوعِ الْخِلَافِ هُنَا حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ، يَدْخُلُ فِيهَا أَسْئِلَةُ الصَّحَابَةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ عَلَيْهِمْ، كَمَا فِي سُؤَالِهِمْ٤ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾ [الْأَنْعَامِ: ٨٢] .
وَعِنْدَ نُزُولِ٥ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤] .
وسؤال ابن أم كتوم حِينَ نَزَلَ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٩٥] ، حَتَّى نَزَلَ٦ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ [النِّسَاءِ: ٩٥] .
وَسُؤَالِ عَائِشَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ
стр. 2690
عذِّب"١، وَاسْتِشْكَالُهَا مَعَ الْحَدِيثِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الِانْشِقَاقِ: ٨] .
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا الْجِنْسَ مِنَ السُّؤَالَاتِ دَاخِلٌ فِي قِسْمِ الْمُنَاظِرِ الْمُسْتَعِينِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا بَعْدَ مَا نَظَرُوا فِي الْأَدِلَّةِ، فَلَمَّا نَظَرُوا أُشْكِلَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ، بِخِلَافِ السَّائِلِ عَنِ الحكم ابْتِدَاءً، فَإِنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمُتَعَلِّمِينَ؛ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِ تَقْرِيرِ الْحُكْمِ، وَلَا عَلَيْكَ مِنْ إِطْلَاقِ٣ لَفْظِ "الْمُنَاظِرِ" فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ، كَمَا أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْأَصْلِ مَا إِذَا أَجْرَى الْخَصْمُ الْمُحْتَجُّ نَفْسَهُ مَجْرَى السَّائِلِ الْمُسْتَفِيدِ؛ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْخَصْمُ بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ٤ كَمَا جَاءَ فِي شَأْنِ حاجة إِبْرَاهِيمَ ﵇ [قَوْمَهُ] ٥ بِالْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ؛ فَإِنَّهُ فَرَضَ نَفْسَهُ بِحَضْرَتِهِمْ مُسْتَرْشِدًا حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ الْبُرْهَانَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٠-٧١] .
فَلَمَّا سَأَلَ عَنِ الْمَعْبُودِ سَأَلَ عَنِ الْمَعْنَى الْخَاصِّ بِالْمَعْبُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّون﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٢-٧٣] ؛ فَحَادُوا عَنِ الْجَوَابِ إِلَى الْإِقْرَارِ بِمُجَرَّدِ الِاتِّبَاعِ لِلْآبَاءِ.
стр. 2691
ومثله قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٦٣] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء﴾ [الرُّومِ: ٤٠] .
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يُونُسَ: ٣٥] .
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٩٥] إِلَى آخِرِهَا.
فَهَذِهِ الْآيِ وَمَا أَشْبَهَهَا إِشَارَاتٌ إِلَى التَّنَزُّلِ مَنْزِلَةَ الِاسْتِفَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ فِي النَّظَرِ، وَإِنْ كَانَ مقتض ى الحقيقة فيها تبكيت الخصم؛ إذ كَانَ مُجِيئًا بِالْبُرْهَانِ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِشَارَةِ فِي صِحَّتِهِ؛ فَكَانَ أَبْلَغَ١ فِي الْمَقْصُودِ فِي الْمُوَاجَهَةِ بِالتَّبْكِيتِ، وَلَمَّا اخْتَرَمُوا مِنَ التَّشْرِيعَاتِ أُمُورًا كَثِيرَةً أَدْهَاهَا الشِّرْكُ طُولِبُوا٢ بِالدَّلِيلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٤] .
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يُونُسَ ٥٩] .
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِه﴾ الآية [المؤمنون: ١١٧] .
стр. 2692
وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَنَاظِرُ مُخَالِفًا لَهُ فِي الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا النَّظَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مُنَاظَرَتِهِ؛ إِذْ مَا مِنْ وَجْهٍ جُزْئِيٍّ فِي مَسْأَلَتِهِ إِلَّا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى كُلِّيٍّ، وإذا خ الف فِي الْكُلِّيِّ؛ فَفِي الْجُزْئِيِّ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْلَى؛ فَتَقَعُ مُخَالَفَتُهُ فِي الْجُزْئِيِّ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ رُجُوعُهَا إِلَى مَعْنًى مُتَّفَقٍ١ عَلَيْهِ؛ فَالِاسْتِعَانَةُ مَفْقُودَةٌ.
وَمِثَالُهُ فِي الْفِقْهِيَّاتِ مَسْأَلَةُ الرِّبَا فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ كَالْأُرْزِ، وَالدُّخْنِ، وَالذُّرَةِ، وَالْحُلْبَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِعَانَةُ هُنَا بِالظَّاهِرِيِّ النَّافِي لِلْقِيَاسِ لِأَنَّهُ بانٍ عَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ جُمْلَةً، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَسْأَلَةٍ قِيَاسِيَّةٍ لَا يُمْكِنُ أن يناظر فيها مناظشرة الْمُسْتَعِينِ؛ إِذْ هُوَ مُخَالِفٌ فِي الْأَصْلِ الَّذِي يَرْجِعَانِ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْحُلْبَةِ وَالذُّرَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَالِكِيِّ إِذَا اسْتَعَانَ بِالشَّافِعِيِّ أَوِ الْحَنَفِيِّ وَإِنْ قَالُوا بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ؛ لِبِنَائِهِمَا الْمَسْأَلَةَ عَلَى خِلَافِ٢ مَا يَبْنِي عَلَيْهِ الْمَالِكِيُّ، وَهَذَا الْقِسْمُ شَائِعٌ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ؛ فَإِنَّ الْمُنْكِرَ لِلْإِجْمَاعِ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي مسألة تنبني على صحة الإجماع، والمنكر
стр. 2693
لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِ فِي مَسْأَلَةٍ تَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُنْكِرٌ، وَالْقَائِلُ بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لِلنَّدْبِ أنو اللإباحة أَوْ بِالْوَقْفِ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ لِمَنْ كان فائلًا بِأَنَّهَا لِلْوُجُوبِ أَلْبَتَّةَ.
فَإِنْ فَرَضَ الْمُخَالِفُ مُسَاعِدًا صَحَّتْ الِاسْتِعَانَةُ، كَمَا إِذَا كَانَ مُسَاعِدًا حَقِيقَةً، وَهَذَا لَا يَخْفَى.
فَصْلٌ:
وَإِذَا فُرِضَ الْمُنَاظِرُ مُسْتَقِلًّا بِنَظَرِهِ غَيْرَ طَالِبٍ لِلِاسْتِعَانَةِ وَلَا مُفْتَقِرًا إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ طَالِبٌ لِرَدِّ الْخَصْمِ إِلَى رَأْيِهِ أَوْ مَا هُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ؛ فَقَدْ تَكَفَّلَ الْعُلَمَاءُ بِهَذِهِ الْوَظِيفَةِ١، غَيْرَ أَنَّ فِيهَا أَصْلًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَدِلَّةِ٢، وَهُنَا تَمَامُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ، وهي:
стр. 2694
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
فَنَقُولُ: لَمَّا انْبَنَى الدَّلِيلُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا تُحَقِّقُ الْمَنَاطَ، وَالْأُخْرَى تَحْكُمُ عَلَيْهِ، وَمَرَّ أَنَّ مَحَلَّ النَّظَرِ هُوَ تَحَقُّقُ الْمَنَاطِ ظَهَرَ انْحِصَارُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْمُتَنَاظِرَيْنِ هُنَالِكَ، بِدَلِيلِ الِاسْتِقْرَاءِ، وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْحَاكِمَةُ، فَلَا بُدَّ مِنْ فَرْضِهَا مُسَلَّمَةً.
وَرُبَّمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، فَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ النِّزَاعَ قَدْ يَقَعُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: "هَذَا مُسْكِرٌ" وَكُلُّ [مُسْكِرٍ] ١ خَمْرٌ أَوْ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"؛ فَقَدْ يُوَافِقُ الْخَصْمُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُسْكِرٌ وَهِيَ مُقَدِّمَةُ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ فِيهَا أَيْضًا، وَإِذَا خَالَفَ فِيهَا فَلَا نَكِيرَ عَلَى الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الاختلاف، وقد يخالف فثي أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ؛ فَإِنَّ الْخَمْرَ إِنَّمَا يطلق على النيىء مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، فَلَا يَكُونُ٣ هَذَا الْمُشَارُ إليه خمرًا وإن أسكر، وإذ ذالك لا يسلم أن كل مسكر مر، وَيُخَالِفُ أَيْضًا فِي أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ؛ فَإِنَّ الْكُلِّيَّةَ لِهَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ لَا تَثْبُتُ لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ أُخْرِجَ مِنْهَا النَّبِيذُ بِدَلِيلٍ دَلَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ كُلِّيَّتُهَا؛ لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلِيلٌ، فَإِذًا [قَدْ] ٤ صَارَتْ مُنَازَعًا فِيهَا؛ فَكَيْفَ يُقَالُ بِانْحِصَارِ النِّزَاعِ فِي إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ دُونَ الأخرى؟ بل كل واحدة منهما قابلة النزاع، وهو خلاف ما تأصّل.
والجواب: أن تَقَدَّمَ صَحِيحٌ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ غَيْرُ وَارِدٍ، وَبَيَانُهُ أن
стр. 2695
الخصمين إملاا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَصْلٍ يَرْجِعَانِ إِلَيْهِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ١؛ لَمْ يَقَعْ بِمُنَاظَرَتِهِمَا فَائِدَةٌ بِحَالٍ، وَقَدْ مَرَّ هَذَا، وَإِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ، وَكَانَ الدَّلِيلُ عِنْدَ الْخَصْمِ مُتَنَازَعًا فِيهِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِدَلِيلٍ؛ فَصَارَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَبَثًا لا يفيد فائدة ولا يحصل [مقصودًا، و] ٢ مقصود الماظرة رَدُّ الْخَصْمِ إِلَى الصَّوَابِ بِطَرِيقٍ يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ بِغَيْرِ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِهِمَا إِلَى دَلِيلٍ يَعْرِفُهُ الْخَصْمُ السَّائِلُ مَعْرِفَةَ الْخَصْمِ الْمُسْتَدِلِّ.
وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٥٩] ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَا خِلَافَ فِيهِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَهُمَا الدَّلِيلُ وَالْأَصْلُ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِي مَسَائِلِ التَّنَازُعِ، وَبِهَذَا [الْمَعْنَى] وَقَعَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى الْكُفَّارِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩] .
فقررهم بما به أقروا، وَاحْتَجَّ [عَلَيْهِمْ] بِمَا عَرَفُوا؛ حَتَّى قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُون﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٨٩] ، أَيْ: فَكَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنِ الحق بعد ما أَقْرَرْتُمْ بِهِ، فَادَّعَيْتُمْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ؟
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] .
وَهَذَا مِنَ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ؛ إِذْ كَانُوا يَنْحِتُونَ بِأَيْدِيهِمْ مَا يَعْبُدُونَ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٩٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
стр. 2696
قال له ذلك بعد ما ذَكَرَ لَهُ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٨] ؛ فَوَجَدَ الْخَصْمَ مَدْفَعًا، فَانْتَقَلَ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْمَدْفَعُ [لَا] بِالْمَجَازِ وَلَا بالحقيقية، وَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٩] ؛ فَأَرَاهُمُ الْبُرْهَانَ بما لم يختلفوا فيه، وهو آدَمُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٥] ، وَهَذَا قَاطِعٌ في عواهم أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ.
وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ تَجِدُ احْتِجَاجَاتِ الْقُرْآنِ؛ فَلَا يُؤْتَى فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُقِرُّ الْخَصْمُ بِصِحَّتِهِ شَاءَ أَمْ أبى.
وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ تَجِدُ احْتِجَاجَاتِ الْقُرْآنِ؛ فَلَا يُؤْتَى فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُقِرُّ الْخَصْمُ بِصِحَّتِهِ شَاءَ أَمْ أَبَى.
وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ جَاءَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩١] ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ٩١] ؛ فَحَصَلَ إِفْحَامُهُ بِمَا هُوَ بِهِ عَالِمٌ.
وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَكْتُبَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". قَالُوا: مَا نَعْرِفُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وَلَكِنِ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ". فَقَالَ: " اكْتُبْ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ"، قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ؛ فَعَذَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمْ١ مِنْ حَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَتَبَ عَلَى مَا قَالُوا٢، وَلَمْ يَحْتَشِمْ مِنْ ذَلِكَ حِينَ أَظْهَرُوا [لَهُ] النَّصَفة من عدم
стр. 2697
الْعِلْمِ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ كَذَا.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالْأَصْلُ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ هُوَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ على صحة الدعوى، وهو ماتقرر فِي الْمُقَدِّمَةِ الْحَاكِمَةِ؛ فَلَزِمَ١ أَنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً عِنْدَ الْخَصْمِ مِنْ حَيْثُ جُعِلَتْ حَاكِمَةً فِي المسألة؛ لأنها إن لم مُسَلَّمَةً لَمْ يُفِدِ الْإِتْيَانُ بِهَا، وَلَيْسَ فَائِدَةُ التحام إِلَى الدَّلِيلِ إِلَّا قَطْعَ النِّزَاعِ وَرَفْعَ الشَّغَبِ٢، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُ الْقَائِلِ: "هَذَا مُسْكِرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" إِنْ فُرِضَ تَسْلِيمُ الْخَصْمِ فِيهِ لِلْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ؛ صَحَّ الِاسْتِدْلَالُ مِنْ حَيْثُ أَتَى بِدَلِيلٍ مُسَلَّمٍ، وَإِنْ فُرِضَ نِزَاعُ الْخَصْمِ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا أَلْبَتَّةَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدِّمَةَ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي قِيَاسٍ آخَرَ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَقَعُ النِّزَاعُ إِلَّا فِيهَا؛ فَيُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ بِدَلِيلِ اسْتِقْرَاءٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِذَا بَيَّنَ٣ ذَلِكَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَرَامٌ مثلُا إِنْ كَانَ مُسَلَّمًا أَيْضًا عِنْدَ الْخَصْمِ، كَمَا جَاءَ فِي النَّصِّ: "إِنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ" ٤، وَإِنْ نَازَعَ فِي أَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ؛ صَارَتْ مُقَدِّمَةَ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَلَا بُدَّ إِذْ ذَاكَ مِنْ مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى تَحْكُمُ عَلَيْهَا، وَفِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ لَا بُدَّ مِنْ مُخَالَفَةِ الدَّعْوَى لِلدَّعْوَى الْأُخْرَى الَّتِي فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُخْرَى؛ فَإِنَّ سُؤَالَ السَّائِلِ: هَلْ كُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ؟ مُخَالِفٌ لِسُؤَالِهِ إِذَا سَأَلَ: هَلْ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ؟
وَهَكَذَا سَائِرُ مَرَاتِبِ الْكَلَامِ فِي هَذَا النَّمَطِ؛ فَمِنْ هُنَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْتَى
стр. 2698
بِالدَّلِيلِ عَلَى حُكْمِ الْمَنَاطِ مُنَازَعًا فِيهِ، وَلَا مَظِنَّةَ لِلنِّزَاعِ فِيهِ؛ إِذْ يَلْزَمُ فِيهِ الِانْتِقَالُ مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى أُخْرَى لِأَنَّا إِنْ فَعَلْنَا ذلك لم تتخلص لنا مسألة، وبطلبت فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ.
فَصْلٌ:
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَدِّمَتَيْنِ ها هنا لَيْسَ مَا رَسَمَهُ أَهْلُ الْمَنْطِقِ عَلَى وَفْقِ الْأَشْكَالِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ التَّنَاقُضِ وَالْعَكْسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى وَفْقِهَا فِي الْحَقِيقَةِ؛ فَلَا يَسْتَتِبُّ جَرَيَانُهُ عَلَى ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَقْرِيبُ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى الْمَطْلُوبِ عَلَى أَقْرَبِ مَا يَكُونُ، وَعَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ، وَأَقْرَبُ الْأَشْكَالِ إِلَى هَذَا التَّقْرِيرِ١ مَا كَانَ بَدِيهِيًّا فِي الْإِنْتَاجِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنَ اقْتِرَانِيٍّ أَوِ اسْتِثْنَائِيٍّ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَحَرَّى فِيهِ إِجْرَاؤُهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي مُخَاطَبَاتِهَا وَمَعْهُودِ كَلَامِهَا، إِذْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى حُصُولِ الْمَطْلُوبِ عَلَى أَقْرَبِ مَا يَكُونُ، وَلِأَنَّ الْتِزَامَ الِاصْطِلَاحَاتِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالطَّرَائِقِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهَا مُبْعِدٌ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَطْلُوبِ فِي الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُوضَعْ إِلَّا عَلَى شَرْطِ الْأُمِّيَّةِ، وَمُرَاعَاةُ عِلْمِ الْمَنْطِقِ فِي الْقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ مُنافٍ لِذَلِكَ؛ فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ لَا يستلزم ذلك الاصطلاح.
ومن هنا يعلم منى مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ فِي قَوْلِهِ ﵊: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" ٢؛ قَالَ: "فَنَتِيجَةُ٣ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"، قَالَ: "وَقَدْ أَرَادَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنْ يَمْزُجَ هَذَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ أَصْحَابِ الْمَنْطِقِ؛ فَيَقُولُ: إِنَّ أَهْلَ الْمَنْطِقِ يَقُولُونَ: لَا يكون القياس ولا تصح
стр. 2699
النتيجة إلا بمقدتين، فَقَوْلُهُ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" مُقَدِّمَةٌ لَا تُنْتِجُ بانفرادها شيئًا ... ١.
وهذا وإنت اتفق لهذا الأصولي ها هنا٢ وَفِي مَوْضِعٍ أَوْ مَوْضِعَيْنِ فِي الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ فِي سَائِرِ أَقْيِسَتِهَا، وَمُعْظَمُ طُرُقِ الْأَقْيِسَةِ الْفِقْهِيَّةِ لَا يُسْلَكُ فِيهَا هَذَا الْمَسْلَكُ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَذَلِكَ أَنَّا [مثلُا] ٣ لَوْ عَلَّلْنَا تَحْرِيمَهُ ﵊ التَّفَاضُلَ فِي البُرّ بِأَنَّهُ مَطْعُومٌ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لَمْ نَقْدِرْ أَنْ نَعْرِفَ هَذِهِ الْعِلَّةَ إلا ببحث٤ وتقسيم، فإذا٥ عرفناها؛ فللشافعي
стр. 2700
أَنْ يَقُولَ حِينَئِذٍ: كُلُّ سَفَرْجَلٍ مَطْعُومٌ، وَكُلُّ مطعوم ربوي؛ فيكون النَّتِيجَةُ السَّفَرْجَلُ رِبَوِيٌّ"١.
قَالَ: "وَلَكِنْ هَذَا لَا يُفِيدُ الشَّافِعِيَّ فَائِدَةً؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عَرَفَ هَذَا وَصِحَّةَ هَذِهِ النَّتِيجَةِ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى، فَلَمَّا عَرَفَهَا مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ عِبَارَةً يعبر بها مَذْهَبِهِ؛ فَجَاءَ بِهَا عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ"٣.
قَالَ: وَلَوْ جَاءَ بِهَا عَلَى أَيِّ صِيغَةٍ أَرَادَ مِمَّا يُؤَدِّي مِنْهُ مُرَادَهُ٤؛ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَزِيَّةٌ عَلَيْهَا"٥.
قَالَ: وَإِنَّمَا٦ نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ لَمَّا أَلْفَيْنَا بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ صَنَّفَ كِتَابًا أراد أن يرد فيها أُصُولَ الْفِقْهِ لِأُصُولِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ"٧.
هَذَا مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِيهِ مِنَ٨ التَّنْبِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الْتِزَامِ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْمَنْطِقِ فِي تَقْرِيرِ الْقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ، وَفِيهِ٩ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْحَاكِمَةَ عَلَى الْمَنَاطِ إِنْ لَمْ يكن مُتَّفَقًا عَلَيْهَا مُسَلَّمَةً عِنْدَ الْخَصْمِ؛ فَلَا يُفِيدُ وضعها دليلًا.
следующие страницы →