Полный текст (960 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وَالْعَبْدُ مُسْتَغْرَقٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، فَتَفْوِيضُ أَمْرِ الطِّفْلِ إِلَيْهِ إِضْرَارٌ بِالطِّفْلِ، أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَتَّفِقُ أَحْيَانًا، كالرواية والفتوى"١.
стр. 667
انقسام المناسب باعتبار شهادة الشرع وعدمها:
ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ الْمُنَاسِبَ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهُ، بِالْمُلَاءَمَةِ وَالتَّأْثِيرِ، وَعَدَمِهَا، إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّهُ أَلْغَاهُ، أَوْ لَا يُعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:
مَا عُلِمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الرُّجْحَانُ، وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِبَارِ: إِيرَادُ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ، لَا التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ، وَلَا الْإِيمَاءُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ مُسْتَفَادَةً مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: شَهِدَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ.
стр. 668
قال الغزالي في "شفاء العليل"١: الْمَعْنَى بِشَهَادَةِ أَصْلٍ مُعَيِّنٍ لِلْوَصْفِ أَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحُكْمَ أُثْبِتَ شَرْعًا عَلَى وَفْقِهِ.
وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: لِأَنَّهُ إِمَّا أن يُعْتَبَرُ نَوْعُهُ فِي نَوْعِهِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي نَوْعِهِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِهِ، وَهُوَ خُصُوصُ الْوَصْفِ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ، وَعُمُومُهُ فِي عُمُومِهِ، كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ "بِالْجَارِحِ"*، فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ، بِجَامِعِ كَوْنِهِ قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَفَ تَأْثِيرَ خُصُوصِ كونه قتلا عمدا عدوانا فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ. وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَةَ السُّكْرِ اقْتَضَتْ حَقِيقَةَ التَّحْرِيمِ، فَالنَّبِيذُ يُلْحَقُ بِالْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ، وَبَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَهَذَا الْقِسْمُ يُسَمَّى الْمُنَاسِبَ الْمُلَائِمَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بين القياسين.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ فِي جِنْسِهِ، كَقِيَاسِ تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الْإِخْوَةِ لِأَبٍ فِي النِّكَاحِ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ فِي الْإِرْثِ، فَإِنَّ الْإِخْوَةَ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ نَوْعٌ وَاحِدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَأْثِيرُهُ فِي التَّقْدِيمِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَلَكِنْ عُرِفَ تَأْثِيرُهُ فِي جِنْسِهِ؛ وَهُوَ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِمْ، فِيمَا ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَ عَدَمِ "الْأَمْرِ"**، كَمَا فِي الْإِرْثِ، وهذا القسم دون ما قبله؛ لأن المقارنة بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ أَقْرَبُ مِنَ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُهُ فِي نَوْعِهِ، كَقِيَاسِ إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ عَنِ الْحَائِضِ، عَلَى إِسْقَاطِ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ السَّاقِطَتَيْنِ عَنِ الْمُسَافِرِ، بِتَعْلِيلِ الْمَشَقَّةِ، وَالْمَشَقَّةُ جِنْسٌ، وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ نَوْعٌ وَاحِدٌ، يُسْتَعْمَلُ عَلَى صِنْفَيْنِ، إِسْقَاطُ قَضَاءِ الْكُلِّ، وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الْبَعْضِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ فِي الْعِلَّةِ أَكْبَرُ مَحْذُورًا مِنَ الْإِبْهَامِ فِي الْمَعْلُولِ.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ كَتَعْلِيلِ كَوْنِ حَدِّ الشُّرْبِ ثَمَانِينَ بِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْقَذْفِ، لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الِافْتِرَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ مَقَامَهُ قِيَاسًا عَلَى الْخَلْوَةِ، فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَظِنَّةَ الْوَطْءِ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ، وَهَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
مَا عُلِمَ إِلْغَاءُ الشَّرْعِ لَهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: بِوُجُوبِ الصَّوْمِ ابْتِدَاءً فِي كَفَّارَةِ الْمِلْكِ الَّذِي وَاقَعَ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا الِانْزِجَارُ، وَهُوَ لَا ينزجر بالعتق، فهذا وإن كان.
стр. 669
قِيَاسًا لَكِنَّ الشَّرْعَ أَلْغَاهُ، حَيْثُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ مُرَتَّبَةً مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ، فَالْقَوْلُ بِهِ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَكَانَ بَاطِلًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
مَا لَا يُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ وَلَا إِلْغَاؤُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ.
وَقَدِ اشْتَهَرَ انْفِرَادُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْقَوْلِ بِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ يَكْتَفُونَ بِمُطْلَقِ الْمُنَاسَبَةِ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا ذَلِكَ.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْصَافُ إِنَّمَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا إِذَا ظن التفات الشرع إليها، وكل ما كَانَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ كَانَ ظَنُّ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا أَقْوَى، وَكُلَّمَا كَانَ الْوَصْفُ وَالْحُكْمُ أَخَصَّ كَانَ ظَنُّ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ آكَدَ، فَيَكُونُ لَا مَحَالَةَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَكُونُ أَعَمَّ مِنْهُ.
وَأَمَا الْمُنَاسِبُ الَّذِي عُلِمَ أَنَّ الشَّرْعَ أَلْغَاهُ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا.
وَأَمَا الْمُنَاسِبُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ أَلْغَاهُ، أَوِ اعْتَبَرَهُ، فَذَلِكَ يَكُونُ بِحَسَبِ أَوْصَافٍ هِيَ أَخَصُّ مِنْ كَوْنِهِ وَصْفًا مَصْلَحِيًّا، وَإِلَّا فَعُمُومُ كَوْنِهِ وَصْفًا مَصْلَحِيًّا مَشْهُودٌ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ، وَهَذَا الْقِسْمُ الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى": وَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْمُرْسَلُ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا، أَوْ ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ فَمَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مُلَائِمًا فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ بِقَبُولِهِ، وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْمُخْتَارُ رَدُّهُ، وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً، قَطْعِيَّةً، كُلِّيَّةً. انْتَهَى.
وَسَنَذْكُرُ لِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بَحْثًا مُسْتَقِلًّا فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ١.
стр. 670
انقسام المناسب من حيث التأثير والملاءمة وعدمهما:
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
أَنَّ الْمُنَاسِبَ: إِمَّا مُؤَثِّرٌ، أَوْ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَغَيْرُ الْمُؤَثِّرِ: إِمَّا مُلَائِمٌ، أَوْ غَيْرُ مُلَائِمٍ. "وَغَيْرُ الْمُلَائِمِ"* إِمَّا غَرِيبٌ، أَوْ مُرْسَلٌ، أَوْ مُلْغًى.
الصِّنْفُ الْأَوَّلُ:
الْمُؤَثِّرُ: وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ النَّصُّ، أَوِ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً، تَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عين الحكم أو نوعه في نوعه.
стр. 671
الصِّنْفُ الثَّانِي:
الْمُلَائِمُ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّارِعُ عَيْنَهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِ الْوَصْفِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ، وَسُمِّيَ مُلَائِمًا لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ، وَهَذِهِ المرتبة دونما قَبْلَهَا.
الصِّنْفُ الثَّالِثُ:
الْغَرِيبُ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ عَيْنَهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِ الْوَصْفِ فَقَطْ، وَلَا يَعْتَبِرَ عَيْنَ الْوَصْفِ في جِنْسِ الْحُكْمِ، وَلَا عَيْنَهُ وَلَا جِنْسَهُ فِي جنسه بنص وإجماع، كالإسكار في تحريم الخمر، فإنه اعتبر عين الْإِسْكَارَ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، بِتَرْتِيبِ التَّحْرِيمِ عَلَى الْإِسْكَارِ فَقَطْ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْغَرِيبِ: تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، إِلْحَاقًا بِالْقَاتِلِ الْمَمْنُوعِ مِنَ الْمِيرَاثِ، تَعْلِيلًا بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْقَصْدِ، فَإِنَّ الْمُنَاسَبَةَ ظَاهِرَةٌ، لَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ لَمْ يُعْهَدِ اعْتِبَارُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْخَاصِّ، فَكَانَ غَرِيبًا لِذَلِكَ.
الصِّنْفُ الرَّابِعُ:
الْمُرْسَلُ غَيْرُ الْمُلَائِمِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الحاجب الا تفاق عَلَى رَدِّهِ، وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنِ الْأَكْثَرِينَ.
الصِّنْفُ الْخَامِسُ:
الْغَرِيبُ غَيْرُ الْمُلَائِمِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالِاتِّفَاقِ، واختلفوا: هل تنخرم المناسبة بالمعاوضة الَّتِي تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ مَفْسَدَةٍ، أَوْ فَوَاتِ مصلحة تساوي المصلحة، أو ترجح عَلَيْهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهَا تَنْخَرِمُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ، وَاخْتَارَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ١ وَابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ؛ وَلِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ، وَالْمَصْلَحَةَ إِذَا عَارَضَهَا مَا يُسَاوِيهَا لَمْ تُعَدَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ مَصْلَحَةً.
الثَّانِي:
أَنَّهَا لَا تَنْخَرِمُ، وَاخْتَارَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ"، وَالْبَيْضَاوِيُّ فِي "الْمِنْهَاجِ"، وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُعَارَضَةُ دَالَّةً عَلَى انْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فهي قادحة "بلا خلاف*.
стр. 672
المسلك السابع: الشبه
مدخل
...
الْمَسْلَكُ السَّابِعُ: الشَّبَهُ
وَيُسَمِّيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: الِاسْتِدْلَالَ بِالشَّيْءِ عَلَى مِثْلِهِ، وَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ؛ إِذِ الشَّبَهُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ كَوْنِ الْفَرْعِ شَبِيهًا بِالْأَصْلِ، بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ مَا يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ١. قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: لَسْتُ أَرَى فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ مَسْأَلَةً أَغْمَضَ مِنْهُ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِ، فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ، لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ، فَقِيلَ: هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ يُوهِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى الْحِكْمَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ؟! كَذَا قَالَ الْخُوَارَزْمِيُّ فِي "الْكَافِي".
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِهِ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ أن الوصف: إما أن يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ بِذَاتِهِ، وَإِمَّا لَا يُنَاسِبُهُ بِذَاتِهِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِمَا يُنَاسِبُهُ بِذَاتِهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُنَاسِبَهُ بِذَاتِهِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ مَا يُنَاسِبُهُ بِذَاتِهِ.
فَالْأَوَّلُ: هُوَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ. وَالثَّانِي: الشَّبَهُ. وَالثَّالِثُ: الطَّرْدُ.
الثَّانِي:
الْوَصْفُ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عُرِفَ بِالنَّصِّ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ لذلك الحكم، وإما أن لا يَكُونَ كَذَلِكَ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الشَّبَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ يُظَنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عُلِمَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ سَائِرَ الْأَوْصَافِ لَيْسَ كَذَلِكَ يَكُونُ ظَنَّ إِسْنَادِ الْحُكْمِ إِلَيْهِ أَقْوَى مِنْ ظَنِّ إِسْنَادِهِ إِلَى غَيْرِهِ. انْتَهَى.
وَحَكَى الْإِبْيَارِيُّ فِي "شَرْحِ الْبُرْهَانِ" عَنِ الْقَاضِي: أَنَّهُ مَا يُوهِمُ الِاشْتِمَالَ عَلَى وَصْفٍ مُخَيَّلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخَصْمَ قَدْ يُنَازِعُ فِي إِيهَامِ الِاشْتِمَالِ عَلَى مُخَيَّلٍ، إِمَّا حَقًّا أَوْ عِنَادًا، وَلَا يُمْكِنُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالَّذِي فِي "مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ" مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ هُوَ إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِكَثْرَةِ إِشْبَاهِهِ لِلْأَصْلِ فِي الْأَوْصَافِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الْأَوْصَافَ الَّتِي شَابَهَ الْفَرْعُ بِهَا الْأَصْلَ عِلَّةُ حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَقِيلَ: الشَّبَهُ: هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، وَلَكِنْ عُرِفَ اعْتِبَارُ جِنْسِهِ القريب في الجنس القريب.
стр. 673
وَاخْتُلِفَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرْدِ، فَقِيلَ: إِنَّ الشَّبَهَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَصْفٍ يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَالطَّرْدُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ الطَّرْدِ، وَهُوَ السَّلَامَةُ عَنِ النَّقْضِ وَنَحْوِهِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي "الْمُسْتَصْفَى"١: الشَّبَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الطَّرْدِ بِمُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ لِعِلَّةِ الْحُكْمِ وَإِنْ لَمْ يُنَاسِبِ الْحُكْمَ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا بِقِيَاسِ الشَّبَهِ هَذَا، فَلَا أَدْرِي مَا أَرَادُوا بِهِ، وَبِمَا فَصَلُوهُ عَنِ الطَّرْدِ الْمَحْضِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الشَّبَهِيَّ وَالطَّرْدِيَّ يَجْتَمِعَانِ فِي عَدَمِ الظُّهُورِ فِي الْمُنَاسِبِ، وَيَتَخَالَفَانِ فِي أَنَّ الطَّرْدِيَّ عُهِدَ مِنَ الشَّارِعِ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، وَسُمِّيَ شَبَهًا؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ يَجْزِمُ الْمُجْتَهِدُ بِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ، وَمِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ يُشْبِهُ الْمُنَاسِبَ، فَهُوَ بَيْنَ الْمُنَاسِبِ وَالطَّرْدِيِّ.
وَفَرَّقَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَيْنَ الشَّبَهِ وَالطَّرْدِ؛ بِأَنَّ الطَّرْدَ نِسْبَةُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ إِلَيْهِ وَنَفْيُهُ عَلَى السَّوَاءِ، وَالشَّبَهُ نِسْبَةُ الثُّبُوتِ إِلَيْهِ مُتَرَجِّحَةٌ عَلَى نِسْبَةِ النَّفْيِ، فَافْتَرَقَا.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى": وَيَتَمَيَّزُ، يَعْنِي: الشَّبَهَ عَنِ الطَّرْدِيِّ، بِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ، وَعَنِ الْمُنَاسِبِ الذَّاتِيِّ بِأَنَّ مُنَاسَبَتَهُ عَقْلِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ.
مِثَالُهُ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، فَالْمُنَاسَبَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَاعْتِبَارُهَا فِي مَسِّ المصحف والصلاة يوهم المناسبة. انتهى.
стр. 674
الْخِلَافُ فِي حُجِّيَّةِ الشَّبَهِ:
وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ حُجَّةً أَمْ لَا عَلَى مَذَاهِبَ.
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ.
الثَّانِي:
أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنِ ادَّعَى التَّحْقِيقَ مِنْهُمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو بِكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ١.
الثالث:
اعتباره في الأشباه الرَّاجِعَةِ إِلَى الصُّورَةِ.
الرَّابِعُ:
اعْتِبَارُهُ فِيمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ مَنَاطُ الْحُكْمِ، بِأَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعِلَّةِ الْحُكْمِ، فَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْقِيَاسُ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْمُشَابِهَةُ فِي الصُّورَةِ أو المعنى، وإليه ذهب الفخر
стр. 675
الرَّازِيُّ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ" عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ.
الْخَامِسُ:
إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ كَانَ حُجَّةً فِي حَقِّهِ، إِنْ حَصَلَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا الْمُنَاظِرُ فَيُقْبَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا، هَذَا مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي "الْمُسْتَصْفَى"١.
وَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ، بِأَنَّهُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي "سَمَّيْتُمُوهُ"* شَبَهًا إِنْ كَانَ مُنَاسِبًا فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ فَهُوَ الطَّرْدُ الْمَرْدُودُ بِالِاتِّفَاقِ.
الثَّانِي:
أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى عَمَلِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِالشَّبَهِ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَصْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا كَانَ مَرْدُودًا بِالِاتِّفَاقِ، بَلْ مَا لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا إِنْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمُنَاسِبِ، أَوْ عُرِفَ بِالنَّصِّ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، فَهُوَ غَيْرُ مَرْدُودٍ.
وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّا نُعَوِّلُ فِي إِثْبَاتِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فاَعتَبروٌا﴾ ٢ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا كَانَ مُسْتَلْزَمًا لِلْمُنَاسِبِ كَالْمُنَاسِبِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الظَّنُّ بِحَالٍ، وَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الدَّلَالَةِ، كَمَا سَبَقَ تقريره في أول مباحث القياس٣.
стр. 676
الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ: الطَّرْدُ
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْوَصْفُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا، وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِلْمُنَاسِبِ، إِذَا كَانَ الْحُكْمُ حَاصِلًا مَعَ الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، وَهَذَا الْمُرَادُ مِنَ الِاطِّرَادِ وَالْجَرَيَانِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ فُقَهَائِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فَقَالَ: مَهْمَا رَأَيْنَا الْحُكْمَ حَاصِلًا مَعَ الْوَصْفِ فِي صورة واحدة، يحصل ظن العلية.
стр. 677
احْتَجُّوا عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّ اسْتِقْرَاءَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّادِرَ فِي كُلِّ بَابٍ يَلْحَقُ بِالْغَالِبِ، فَإِذَا رَأَيْنَا الْوَصْفَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمُغَايِرَةِ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ مُقَارِنًا لِلْحُكْمِ، ثُمَّ رَأَيْنَا الْوَصْفَ حَاصِلًا فِي الْفَرْعِ، وَجَبَ أَنْ يُسْتَدَلَّ "بِهِ"* عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ إِلْحَاقًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ بِسَائِرِ الصُّوَرِ.
وَثَانِيهِمَا:
إِذَا رَأَيْنَا فَرَسَ الْقَاضِي وَاقِفًا عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا كَوْنُ الْقَاضِي فِي دَارِ الْأَمِيرِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ مُقَارَنَتَهُمَا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ أَفَادَ ظَنَّ مُقَارَنَتِهِمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَمْرَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا:
أَنَّ الِاطِّرَادَ: عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الْوَصْفِ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ إِلَّا وَيُوجَدُ مَعَهُ الْحُكْمُ، وَهَذَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ حَاصِلٌ مَعَهُ فِي الْفَرْعِ، فَإِذَا أَثْبَتُّمْ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَأَثْبَتُّمْ عِلِّيَّتَهُ بِكَوْنِهِ مُطَّرِدًا، لَزِمَ الدَّوْرُ وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَثَانِيهِمَا:
أَنَّ الْحَدَّ مَعَ الْمَحْدُودِ، وَالْجَوْهَرَ مَعَ الْعَرْضِ، وَذَاتَ اللَّهِ مَعَ صِفَاتِهِ: حَصَلَتِ الْمُقَارَنَةُ فيها مع عدم العلية.
والجواب "عن الأول"**: أَنَّ نَسْتَدِلَّ بِالْمُصَاحَبَةِ فِي كُلِّ الصُّوَرِ غَيْرِ الْفَرْعِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ غَايَةَ كَلَامِكُمْ حُصُولُ الطَّرْدِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، مُنْفَكًّا عَنِ الْعِلِّيَّةِ، وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ ظَاهِرًا، كَمَا أَنَّ الْغَيْمَ الرَّطْبَ دَلِيلُ الْمَطَرِ، ثُمَّ عَدَمُ نُزُولِ الْمَطَرِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا.
وَأَيْضًا: الْمُنَاسَبَةُ، وَالدَّوَرَانُ، وَالتَّأْثِيرُ، وَالْإِيمَاءُ قَدْ يَنْفَكُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَنِ الْعِلِّيَّةِ،، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْحًا فِي كونها دليلا على العلية ظاهرا "فكذا ههنا"***. انْتَهَى.
وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ الطَّرْدَ وَالدَّوَرَانَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الطَّرْدِ وَالدَّوَرَانِ: أَنَّ الطَّرْدَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُقَارَنَةِ فِي الْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ، وَالدَّوْرَانَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُقَارَنَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ لِلطَّرْدِ الْمَذْكُورِ فِي "الْمَحْصُولِ" قَالَ الْهِنْدِيُّ: هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا١ فِي كَوْنِ الطَّرْدِ حُجَّةً، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا.
стр. 678
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَقَالَ: هُوَ حُجَّةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْهُمْ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُدَانَ اللَّهُ بِهِ، وَاخْتَارَ الرَّازِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "التَّبْصِرَةِ" عَنِ الصَّيْرَفِيِّ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: هُوَ مَقْبُولٌ جَدَلًا، وَلَا يُسَوَّغُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ عملا و"لا"* الْفَتْوَى بِهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: ذَهَبَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ، وَاقْتَدَى بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْعِرَاقِ، فَصَارُوا يَطْرُدُونَ الْأَوْصَافَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ، وَيَقُولُونَ إِنَّهَا قَدْ صَحَّتْ، كَقَوْلِهِمْ فِي مَسِّ الذَّكَرِ "مَسُّ"** آلَةِ الْحَدَثِ، فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِهِ؛ لِأَنَّهُ طَوِيلٌ مَشْقُوقٌ، فَأَشْبَهَ الْبُوقَ، وَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: إِنَّهُ سَعْيٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَلَا يَكُونُ رُكْنًا، كَالسَّعْيِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِنَيْسَابُورَ١، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ هَذَا سُخْفٌ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَسَمَّى أَبُو زَيْدٍ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الطَّرْدَ حُجَّةً، وَالِاطِّرَادَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ حَشْوِيَّةَ أَهْلِ الْقِيَاسِ. قَالَ: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء.
стр. 679
الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ: الدَّوَرَانُ
وَهُوَ: أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ، وَيَرْتَفِعَ بِارْتِفَاعِهِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالتَّحْرِيمِ مَعَ السُّكْرِ فِي الْعَصِيرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا، فَلَمَّا حَدَثَ السُّكْرُ فِيهِ وُجِدَتِ الْحُرْمَةُ، ثُمَّ لَمَّا زَالَ السُّكْرُ بِصَيْرُورَتِهِ خَلًّا زَالَ التَّحْرِيمُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ السُّكْرُ١.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي إِفَادَتِهِ لِلْعِلِّيَّةِ.
فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْعِلِّيَّةِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُوجِبُ
стр. 680
الحكم بذاتها، وإنما هي علامة منصوبة، فإذا دَارَ الْوَصْفُ مَعَ الْحُكْمِ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ "كَوْنُهُ مُعَرَّفًا"*.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: هُوَ الْمُخْتَارُ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ذَهَبَ كُلُّ مَنْ يَعْزِي إِلَى الْجَدَلِ إِلَى أَنَّهُ أَقْوَى مَا تَثْبُتُ بِهِ الْعِلَلُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنْ أَقْوَى الْمَسَالِكِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِهِ، لَا قَطْعًا وَلَا ظَنًّا، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ.
وَاحْتَجُّوا: بِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَعَ عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَعْلُولَ دَارَ مَعَ الْعِلَّةِ وَجُودًا وَعَدَمًا، مَعَ أَنَّ الْمَعْلُولَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِعِلَّتِهِ قَطْعًا، وَالْجَوْهَرُ وَالْعَرَضُ مُتَلَازِمَانِ، مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي الْآخَرِ اتفاقا، والمتضايفان كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ مُتَلَازِمَانِ وَجُودًا وَعَدَمًا، مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي الْآخَرِ، لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ، وَوُجُوبِ تَصَاحُبِ الْمُتَضَايِفَيْنِ، وَإِلَّا لما كانا متضايفين.
стр. 681
المسلك العاشر تنقيح النماط
...
الْمَسْلَكُ الْعَاشِرُ: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ ١
التَّنْقِيحُ فِي اللُّغَةِ: التهذيب والتميز، يقال: كَلَامٌ مُنَقَّحٌ، أَيْ: لَا حَشْوَ فِيهِ، وَالْمَنَاطُ هُوَ الْعِلَّةُ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَتَعْبِيرُهُمْ بالمناط عن العلة من باب المجازي اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمَّا عُلِّقَ بِهَا كَانَ كَالشَّيْءِ الْمَحْسُوسِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ، وَصَارَ ذَلِكَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُهُ. انْتَهَى.
وَمَعْنَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، بِأَنْ يُقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إِلَّا كَذَا، وَذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ، فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُوجَبِ لَهُ، كَقِيَاسِ الْأُمَّةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السَّرَايَةِ، فإنه لا فارق بَيْنَهُمَا إِلَّا الذُّكُورَةُ، وَهُوَ مُلْغًى بِالْإِجْمَاعِ؛ إِذْ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ قِيَاسٌ خَاصٌّ، مندرج تحت مطلق القياس،
стр. 682
وَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُهُ وَغَيْرَهُ.
وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ يكون ظنيا، وهو الأكثر، وقطعيا ولكن حُصُولَ الْقَطْعِ فِيمَا فِيهِ الْإِلْحَاقٌ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي الْإِلْحَاقِ فِيهِ بِذِكْرِ الْجَامِعِ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ فَرْقًا فِي الْمَعْنَى، بَلْ فِي الْوُقُوعِ، وَحِينَئِذٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ يَقُولُ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ، وَلَا نَعْرِفُ بَيْنَ الْأُمَّةِ خِلَافًا فِي جَوَازِهِ، وَنَازَعَهُ الْعَبْدَرِيُّ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ ثَابِتٌ بَيْنَ مَنْ يُثْبِتُ الْقِيَاسَ وَيُنْكِرُهُ، لِرُجُوعِهِ إِلَى الْقِيَاسِ.
وَقَدْ زَعَمَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ هُوَ مَسْلَكُ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، فَلَا يَحْسُنُ عَدُّهُ نَوْعًا آخَرَ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ظَاهِرًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِي دَلَالَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ، إِمَّا اسْتِقْلَالًا أَوِ اعْتِبَارًا، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ لِتَعْيِينِ الْفَارِقِ وَإِبْطَالِهِ، لَا لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ.
стр. 683
الْمَسْلَكُ الْحَادِيَ عَشَرَ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ
وَهُوَ: أَنْ يقع الاتفاق على علية وصف بنص، وإجماع، فَيُجْتَهَدَ فِي وُجُودِهَا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ، كَتَحْقِيقِ أَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ.
وَسُمِّيَ تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ؛ لِأَنَّ الْمَنَاطَ وَهُوَ الْوَصْفُ عُلِمَ أَنَّهُ مُنَاطٌ، وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي تَحْقِيقِ وَجُودِهِ فِي الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاجْتِهَادِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَالْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا قِيَاسًا١.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا الْقِيَاسَ مِنْ أَصْلِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
قِيَاسُ عِلَّةٍ.
وَقِيَاسُ دَلَالَةٍ.
وَقِيَاسٌ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ.
فَقِيَاسُ الْعِلَّةِ: مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ، كَمَا يُقَالُ فِي النَّبِيذِ: إِنَّهُ مُسْكِرٌ فَيَحْرُمُ كَالْخَمْرِ.
وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ: هُوَ أَنْ لَا يُذْكَرَ فِيهِ الْعِلَّةُ، بَلْ وَصْفٌ مُلَازِمٌ لَهَا، كَمَا لَوْ عُلِّلَ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الخمر برائحة المشتد.
стр. 684
وَالْقِيَاسُ الَّذِي فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، هُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، وَهُوَ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا قَسَّمُوا الْقِيَاسَ إِلَى جَلِيٍّ، وَخَفِيٍّ.
فَالْجَلِيُّ: مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، كَقِيَاسِ الْأَمَةِ على العبد في أحكام العتق، فإنا علم قَطْعًا أَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ فِيهَا مِمَّا لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّارِعُ، وَأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا ذَلِكَ، فَحَصَلَ لَنَا الْقَطْعُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ.
وَالْخَفِيُّ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ مظنونا في كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ؛ إِذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ خُصُوصِيَّةُ الْخَمْرِ مُعْتَبَرَةً، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ.
стр. 685
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِيمَا لَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ:
حكم جريان القياس في الأسباب:
فَمِنْ ذَلِكَ الْأَسْبَابُ
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ:
فذهب أصحاب أبي حنيفة، وجماعة من الشَّافِعِيَّةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهَا.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا.
وَمَعْنَى الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ: أَنْ يَجْعَلَ الشَّارِعُ وَصْفًا سَبَبًا لِحُكْمٍ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ وَصْفٌ آخَرُ، فَيُحْكَمُ بِكَوْنِهِ سَبَبًا.
وَذَلِكَ نَحْوُ: جَعْلِ الزِّنَا سَبَبًا لِلْحَدِّ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ اللِّوَاطُ، فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحَدِّ.
احْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ عِلِّيَّةَ سَبَبِيَّةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَهِيَ قَدْرٌ مِنَ الْحِكْمَةِ، يَتَضَمَّنُهَا الْوَصْفُ الْأَوَّلُ مُنْتَفِيَةٌ فِي الْمَقِيسِ، وَهُوَ الْوَصْفُ الْآخَرُ، أَيْ: لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهَا فِيهِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْحِكْمَةِ، وتغاير الوصفين، فيجوز اختلاف قدر الْحِكْمَةِ الْحَاصِلَةِ بِهِمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ السَّبَبِيَّةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقِيَاسِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعِلَّةِ، وَبِهِ يُمْكِنُ التَّشْرِيكُ فِي الْحُكْمِ.
وَأَيْضًا: الْحِكْمَةُ الْمُشْتَرَكَةُ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً، يُمْكِنُ جَعْلُهَا مَنَاطًا لِلْحُكْمِ أَوْ لَا تَكُونُ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: قَدِ اسْتَغْنَى الْقِيَاسُ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْوَصْفَيْنِ، وَصَارَ الْقِيَاسُ فِي الْحُكْمِ.
стр. 686
المترتب على الحكمة، وهي الجامع بينهما، فتحد الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ.
وَعَلَى الثَّانِي: فإما أن يَكُونُ لَهَا مَظِنَّةٌ، أَيْ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ، تنضبط هي به أولا، فَعَلَى الْأَوَّلِ صَارَ الْقِيَاسُ فِي الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ، فَاتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ أَيْضًا.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا مِنْ حِكْمَةٍ أَوْ مَظِنَّةٍ، فَيَكُونُ قِيَاسًا خَالِيًا عَنِ الْجَامِعِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ: بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ، وَذَلِكَ كَقِيَاسِ الْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْقِصَاصِ، وَقِيَاسِ اللِّوَاطَةِ عَلَى الزِّنَا فِي كَوْنِهَا سَبَبًا لِلْحَدِّ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا تَغَايَرَ فِيهِ السَّبَبُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، أَيِ: الْوَصْفُ المتضمن للحكمة، وكذا العلة، وهي الحكمة، وههنا السَّبَبُ سَبَبٌ وَاحِدٌ، يَثْبُتُ لَهُمَا، أَيْ: لِمَحِلَّيِ الْحُكْمِ، وَهُمَا الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ. فَفِي الْمُثْقَلِ وَالْمُحَدَّدِ السَّبَبُ هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَالْعِلَّةُ الزَّجْرُ لِحِفْظِ النَّفْسِ، وَالْحُكْمُ الْقِصَاصُ، وَفِي الزِّنَا وَاللِّوَاطَةِ السَّبَبُ إِيلَاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا، مُشْتَهًى طَبْعًا، وَالْعِلَّةُ الزَّجْرُ لِحِفْظِ النَّسَبِ، وَالْحُكْمُ وُجُوبُ الْحَدِّ.
وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَرُدُّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ الْمَانِعِينَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِالْقِصَاصِ فِي الْمُثْقَلِ، ولا بالحد في اللواط، وإنما يرد على مَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ السَّعْدُ: وَالْحَقُّ أَنَّ رَفْعَ النِّزَاعِ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَعْنِي: بِكَوْنِهِ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ مُمْكِنٌ فِي كُلِّ صُورَةٍ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ لَا يَقْصِدُونَ إِلَّا ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفَيْنِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْجَامِعِ، وَيَعُودُ إِلَى مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ وَالسَّبَبِ.
стр. 687
القياس في الحدود والكفارات:
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: هَلْ يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، أَمْ لَا؟ فَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَجَوَّزَهُ غَيْرُهُمْ١.
احْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ الْحُدُودَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَقْدِيرَاتٍ لَا تُعْقَلُ، كَعَدَدِ الْمِائَةِ فِي الزِّنَا، وَالثَمَانِينَ فِي الْقَذْفِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ الْحِكْمَةَ فِي اعْتِبَارِ خُصُوصِ هَذَا الْعَدَدِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى فِي حِكْمَةِ الْأَصْلِ، وَمَا كَانَ يُعْقَلُ مِنْهَا، كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ، لِكَوْنِهَا قَدْ جنت بالسرقة.
стр. 688
فَقُطِعَتْ، فَإِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ لِاحْتِمَالِهِ الْخَطَأَ تُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ إِثْبَاتِهِ بِالْقِيَاسِ، وَهَكَذَا اخْتِلَافُ تَقْدِيرَاتِ الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ، كَمَا لَا تُعْقَلُ أَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ مِنْهَا، لَا فِيمَا لَا يُعْقَلُ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِيهِ، كَمَا فِي غَيْرِ الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَلَا مَدْخَلَ لِخُصُوصِيَّتِهِمَا فِي امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ.
وَأُجِيبَ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ فِي الْقِيَاسِ، لِاحْتِمَالِهِ الْخَطَأَ، بِالنَّقْضِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِالشَّهَادَةِ، فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَإِ فِيهِمَا قَائِمٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ الْقَطْعَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِ الْحَدِّ بِهِمَا.
وَالْجَوَابُ: الْجَوَابُ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِإِثْبَاتِ الْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، بِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ يَتَنَاوَلُهُمَا بِعُمُومِهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ فِيهِمَا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ حَدُّوا فِي الْخَمْرِ بِالْقِيَاسِ، حَتَّى تَشَاوَرُوا فِيهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: "إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَأَرَى عَلَيْهِ حَدَّ الِافْتِرَاءِ"١.
فَأَقَامَ مَظِنَّةَ الشَّيْءِ مَقَامَهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْقِيَاسُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا: بِأَنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، لاقتضائه الظَّنِّ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِيهِمَا، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ عَدَمَ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِيمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، كَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الْمُخَالِفَ فِي ذَلِكَ شُذُوذٌ.
وَوَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى الْمُعَلَّلِ بِهِ الحكم في الأصل.
واستدل مَنْ أَثْبَتَ الْقِيَاسَ فِيمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ: بأن الأحكام الشرعية متماثلة؛ لأنه يشتملها حد واحد، وهو حد الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، وَالْمُتَمَاثِلَانِ يَجِبُ اشْتِرَاكُهُمَا فِيمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُوجِبُ التَّمَاثُلَ، وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّوْعِ، فَإِنَّ الْأَنْوَاعَ الْمُتَخَالِفَةَ قَدْ تَنْدَرِجُ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَيَعُمُّهَا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَدُّ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَمَاثُلُهَا، بَلْ تَشْتَرِكُ فِي الْجِنْسِ، وَيَمْتَازُ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا بِأَمْرٍ يُمَيِّزُهُ، وَحِينَئِذٍ فَمَا كَانَ يَلْحَقُهَا بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرِكِ مِنَ الْجَوَازِ وَالِامْتِنَاعِ يَكُونُ عَامًّا، لَا مَا كَانَ يَلْحَقُهَا باعتبار غيره.
стр. 689
الفصل السادس: في الاعتراضات
مدخل
...
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي الِاعْتِرَاضَاتِ
أَيْ: مَا يَعْتَرِضُ بِهِ الْمُعْتَرِضُ عَلَى كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
مُطَالَبَاتٍ، وَقَوَادِحَ، ومعارضة؛ لأن الكلام الْمُعْتَرِضِ: إِمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ تَسْلِيمَ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ أَوْ لَا.
الْأَوَّلُ: الْمُعَارَضَةُ.
وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ أَوْ لَا.
الْأَوَّلُ: الْمُطَالَبَةُ. وَالثَّانِي: الْقَدْحُ.
وَقَدْ أَطْنَبَ الْجَدَلِيُّونَ فِي هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ، وَوَسَّعُوا دَائِرَةَ الْأَبْحَاثِ فِيهَا، حَتَّى ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا ثَلَاثِينَ اعْتِرَاضًا، وَبَعْضُهُمْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهَا عَشْرَةً، وَجَعَلَ الْبَاقِيَةَ رَاجِعَةً إِلَيْهَا، فَقَالَ هِيَ: فَسَادُ الْوَضْعِ، فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، عدم التأثير، القول بالموجب، النقض، القلب، المنع، التقسيم، المعارضة، المطالبة.
قال: ولكل مُخْتَلَفٌ فِيهِ إِلَّا الْمَنْعَ، وَالْمُطَالَبَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى الْمَنْعِ وَالْمُطَالَبَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ فِي الْمَنْعِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ "الْعَنْبَرِيُّ"*، وَخَالَفَ فِي الْمُطَالَبَةِ شُذُوذٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "الْمُخْتَصَرِ": إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعٍ، أَوْ مُعَارَضَةٍ، وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ، وَهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ. انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَهَا جُمْهُورُ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ، فَأَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا كَالْعِلَاوَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَوْضِعَ ذِكْرِهَا عِلْمُ الْجَدَلِ.
وَقَالَ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ": إِنَّهَا أَرْبَعَةٌ: النَّقْضُ، وَعَدَمُ التأثير، والقول بالموجب، والقلب. انتهى.
وسنذكر ههنا منها ثمانية وعشرين اعتراضا.
стр. 690
الِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ: النَّقْضُ
وَهُوَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، وَلَوْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنِ اعْتَرَفَ الْمُسْتَدِلُّ بِذَلِكَ كَانَ نَقْضًا صَحِيحًا، عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ قَادِحًا، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَهُ قَادِحًا فَلَا يُسَمِّيهِ نَقْضًا، بَلْ يَجْعَلُهُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
وَقَدْ بَالَغَ أَبُو زَيْدٍ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُسَمِّيهِ نَقْضًا١.
وَيَنْحَصِرُ النَّقْضُ فِي تِسْعِ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِمَّا مَنْصُوصَةٌ قَطْعًا، أَوْ ظَنًّا، أَوْ مُسْتَنْبَطَةٌ، وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا: إِمَّا لِمَانِعٍ، أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، أو بدونها.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي هَذَا الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً عن سواء كَانَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ أَوْ لَا لِمَانِعٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْفَخْرِ الرَّازِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَرَجَّحُوا أَنَّهُ مَذْهَبُهُ٢.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي:
أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ مُطْلَقًا فِي كَوْنِهَا عِلَّةً فِيمَا وَرَاءَ النَّقْضِ، وَيَتَعَيَّنُ بِتَقْدِيرِ مَانِعٍ، أَوْ تَخَلُّفِ شَرْطٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أكثر أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وَأَحْمَدَ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ، وَيَقْدَحُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، حَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنِ الْمُعْظَمِ، فَقَالَ: ذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ النَّقْضَ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ.
وَقَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": زَعَمَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ عِلِّيَّةَ الْوَصْفَ إِذَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ لَمْ يَقْدَحِ التَّخْصِيصُ فِي عِلِّيَّتِهِ.
الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ، عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ، حَكَاهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ:
أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ إِذَا كَانَ لِمَانِعٍ أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ، وَيَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ، حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: لَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْآمِدِيِّ، وَفِي كَلَامِ الآمدي ما يدفعه.
стр. 691
المذهب السادس:
أنه لا يقدح حيث وجود مَانِعٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعُ قَدْحٍ، وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ.
الْمَذْهَبُ السَّابِعُ:
أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ فِي صُورَتَيْنِ، إِذَا كَانَ التَّخَلُّفُ لِمَانِعٍ، أَوِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ، وَلَا يَقْدَحُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إِذَا كَانَ التَّخَلُّفُ بِدُونِهِمَا.
وَأَمَّا الْمَنْصُوصَةُ: فَإِنْ كَانَ النَّصُّ ظَنِّيًّا، وَقُدِّرَ مَانِعٌ، أَوْ فَوَاتُ شَرْطٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يَجُزْ، أَيْ: لَمْ يَكُنْ وقوعه؛ لأن الحكم لو تخلف لتخلف الدَّلِيلُ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ إِلَّا بِظَاهِرٍ عَامٍّ، وَلَا يَقْدَحُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ إِلَّا لِمَانِعٍ، أَوْ فَقْدِ شَرْطٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْآمِدِيِّ.
الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ:
أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي عِلَّةِ الْوُجُوبِ وَالْحَلِّ، دُونَ عِلَّةِ الْحَظْرِ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.
الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ:
أَنَّهُ يَقْدَحُ إِنِ انْتَقَضَتْ عَلَى أَصْلِ مَنْ جَعَلَهَا عِلَّةً، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْحُكْمُ بِهَا، وَإِنِ اطَّرَدَتْ عَلَى أَصْلِهِ أُلْزِمَ، حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ: وَهُوَ مِنْ حَشْوِ الْكَلَامِ، لَوْلَا أَنَّهُ أُودِعَ كِتَابًا مُسْتَعْمَلًا لَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى.
الْمَذْهَبُ الْعَاشِرُ:
إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُؤَثِّرَةً لَمْ يَرِدِ النَّقْضُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لَا يُنْقَضُ، حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ النَّقْضَ يُفِيدُ عَدَمَ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ.
الْمَذْهَبُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً، فَإِنِ اتَّجَهَ فَرْقٌ بَيْنَ مَحَلِّ التَّعْلِيلِ، وَبَيْنَ صُورَةِ النَّقْضِ بطلت عليته؛ لكونه المذكور أولا جزء مِنَ الْعِلَّةِ، وَلَيْسَتْ عِلَّةً تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَتَّجِهْ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ مجمعا عليه، أو ثابتا بمسلك قاطع "سَمْعِيٍّ"* بَطَلَتْ عِلِّيَّتُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِيَ عَشَرَ:
إِنْ "تَخَلَّفَ"** الحكم عن العلة "له"*** ثَلَاثُ صُوَرٍ.
الصُّورَةُ الْأُولَى: أَنْ يَعْرِضَ فِي جَرَيَانِ الْعِلَّةِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ اطِّرَادِهَا، فَإِنَّهُ يَقْدَحُ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَنْتَفِيَ الْعِلَّةُ لَا لِخَلَلٍ فِي نَفْسِهَا، لَكِنْ لِمُعَارَضَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى، فَهَذِهِ لا تقدح.
الثالثة: أن يختلف الْحُكْمُ لَا لِخَلَلٍ فِي رُكْنِ الْعِلَّةِ، لَكِنْ لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهَا مَحَلَّهَا، أَوْ شَرْطَهَا، فَلَا يَقْدَحُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ، وَفِي كَلَامِهِ طُولٌ.
الْمَذْهَبُ الثالث عشر:
إن كان النقص مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يَقْدَحُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قد يكون
стр. 692
صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ، وَيَنْقُضُهُ الْمُسْتَدِلُّ، فَلَا يَكُونُ نَقْضُهُ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقُضُهُ عَلَى أَصْلِهِ، وَيَكُونُ أَصْلُ غَيْرِهِ مُخَالِفًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَرِضِ قَدَحَ، حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ.
الْمَذْهَبُ الرَّابِعَ عَشَرَ:
أَنَّ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ إِنْ ثَبَتَتْ بِالْمُنَاسَبَةِ، أَوِ الدَّوْرَانِ، وَكَانَ النَّقْضُ بِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا لِمَانِعٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِي عِلِّيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّخَلُّفُ لَا لِمَانِعٍ قَدَحَ، حَكَاهُ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ"، وَنَسَبَهُ إِلَى الْأَكْثَرِينَ.
الْمَذْهَبُ الْخَامِسَ عَشَرَ:
أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِنْ فُسِّرَتْ بِالْمُوجِبَةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ عِلِّيَّتُهَا مَعَ الِانْتِقَاضِ، وَإِنْ فُسِّرَتْ بِالْمُعَرِّفَةِ، فَيُتَصَوَّرُ عِلِّيَّتُهَا مَعَ الِانْتِقَاضِ، وَهَذَا رَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ، لَا لَفْظِيٌّ، عَلَى كل حال.
قال الزركشي: في "البحر": واعمل أَنَّهُ إِذَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْعِلَّةِ مَنْقُوضٌ بِكَذَا؛ فَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ، وَيُطَالِبُهُ بِالدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِهَا فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، وَهَذِهِ الْمُطَالَبَةُ مَسْمُوعَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. انْتَهَى١.
قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَيْدِ الدَّافِعِ لِلنَّقْضِ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا، بَلْ غَيْرُ الْمُنَاسِبِ مَقْبُولٌ، مَسْمُوعٌ اتِّفَاقًا، وَالْمَانِعُونَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالشَّبَهِ يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": هَلْ يَجُوزُ دَفْعُ النَّقْضِ بِقَيْدٍ طَرْدِيٍّ؟ أَمَّا الطَّارِدُونَ فَقَدْ جوزوه، وأما منكرو الطرد فمنهم من جوزوه، وَالْحَقُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَحَدَ أَجْزَاءِ العلة إذا لم يكون مُؤَثِّرًا لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعُ الْعِلَّةِ مُؤَثِّرًا، وَهَكَذَا قال إمام الحرمين في "الْبُرْهَانِ"، ثُمَّ اخْتَارَ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَيْدُ الطَّرْدِيُّ يُشِيرُ إِلَى مَسْأَلَةٍ تُفَارِقُ مَسْأَلَةَ النِّزَاعِ بِفِقْهٍ، فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْعِلَّةِ، وَإِلَّا فَلَا يُفِيدُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، قَالَ: وَلَوْ فُرِضَ التَّقْيِيدُ بَاسِمٍ غَيْرِ مُشْعِرٍ بِفِقْهٍ، وَلَكِنْ مُبَايَنَةُ الْمُسَمَّى بِهِ لِمَا عَدَاهُ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ النُّظَّارِ، فَهَلْ يَكُونُ التَّقْيِيدُ بِمِثْلِهِ تَخْصِيصًا لِلْعِلَّةِ؟ اخْتَلَفَ فيه الجدليون، والأقرب تصحيحه؛ لأنه اصطلاح٢.
стр. 693
الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: الْكَسْرُ
وَهُوَ إِسْقَاطُ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ، وَإِخْرَاجُهُ عَنِ الِاعْتِبَارِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ في حد العلة١.
стр. 694
هَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ، وَالْجَدَلِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ: بِأَنَّهُ وُجُودُ الْمَعْنَى فِي صُورَةٍ، مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ: وُجُودُ مَعْنَى تِلْكَ الْعِلَّةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا يُوجَدُ مَعَهَا ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يَكُونُ كَالنَّقْضِ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "الْمُخْتَصَرِ": الْكَسْرُ: وَهُوَ نَقْضُ الْمَعْنَى، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالنَّقْضِ. وَمِثَالُهُ: أَنْ يُعَلِّلَ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ بِالْمَشَقَّةِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْتَهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ يَنْتَقِضُ بِمَشَقَّةِ أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ فِي الْحَضَرِ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْكَسْرَ غَيْرُ مُبْطِلٍ.
وَأَمَّا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، مِنْهُمُ: الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، فَجَعَلُوهُ مِنَ الْقَوَادِحِ.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: الْكَسْرُ نَقْضٌ يَرِدُ عَلَى بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ هُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الْآمِدِيُّ بِالنَّقْضِ الْمَكْسُورِ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، إِلَّا إِذَا بَيَّنَ الْخَصْمُ إِلْغَاءَ الْقَيْدِ، وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِالْكَسْرِ إِلَّا إِذَا بَيَّن أَمَّا إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ، وَأَمَّا إِذَا بَيَّن، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ قَادِحٌ، وَقَوْلُ الْآمِدِيِّ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ غير قادح مردود.
قال الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "التَّلْخِيصِ": وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَسْرَ سُؤَالٌ مَلِيحٌ، وَالِاشْتِغَالَ بِهِ يَنْتَهِي إِلَى بَيَانِ الْفِقْهِ، وَتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِفْسَادِ الْعِلَّةِ بِهِ، وَيُسَمُّونَهُ النَّقْضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَالْإِلْزَامَ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ، وَأَنْكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، قَالَ: وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّقْضِ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ. انْتَهَى.
وَقَدْ جَعَلُوا مِنْهُ مَا رواه البيهقي عنه ﷺ : أَنَّهُ دُعي إِلَى دَارٍ فَأَجَابَ، ودُعي إِلَى دَارٍ أُخْرَى فَلَمْ يُجِبْ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ فِي دَارِ فُلَانٍ كلبا"، فقيل: وفي هذه الدار سنور، فقال: "السنور سبع" ١.
стр. 695
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْهِرَّةَ يَكْسِرُ المعنى، فأجاب بالفرق، هو أَنَّ الْهِرَّةَ سَبُعٌ، أَيْ: لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، كَذَا قِيلَ.
قَالَ فِي "الْمَنْخُولِ": قَالَ الْجَدَلِيُّونَ: الْكَسْرُ يُفَارِقُ النَّقْضَ، فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى إِخَالَةِ الْمُعَلِّلِ، لَا عَلَى عِبَارَتِهِ، وَالنَّقْضُ يَرِدُ عَلَى الْعِبَارَةِ، قَالَ: وَعِنْدَنَا لَا مَعْنَى لِلْكَسْرِ، فَإِنَّ كُلَّ عِبَارَةٍ لَا إِخَالَةَ فِيهَا، فَهِيَ طَرْدٌ مَحْذُوفٌ، فَالْوَارِدُ عَلَى الْإِخَالَةِ نَقْضٌ، وَلَوْ أُورِدَ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمَا مُخْتَلِفَيْنِ، فَهُوَ بَاطِلٌ لا يقبل١.
стр. 696
الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ: عَدَمُ الْعَكْسِ
وَهُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى، كَاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ عَلَى مَنْعِ تَقْدِيمِ أَذَانِ الصُّبْحِ بِقَوْلِهِ: صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهَا كَالْمَغْرِبِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا الْوَصْفُ لَا يَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ مَنْعُ التَّقْدِيمِ لِلْأَذَانِ عَلَى الْوَقْتِ مَوْجُودٌ فِيمَا قُصِرَ مِنَ الصَّلَوَاتِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِذَا قُلْنَا: إِنَّ اجْتِمَاعَ الْعِلَلِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ غَيْرُ وَاقِعٍ، فَالْعَكْسُ لَازِمٌ مَا لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ "بِتَوْقِيفٍ"*، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُهُ، بِخِلَافِ مَا أَلْزَمْنَاهُ فِي النَّقْضِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ داعٍ إِلَى الِانْتِشَارِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ إِشْعَارَ النَّفْيِ بِالنَّفْيِ مُنْحَطٌّ عَنْ إِشْعَارِ الثُّبُوتِ بِالثُّبُوتِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا يَرِدُ سُؤَالُ الْعَكْسِ، إِلَّا أن يتفق المتناظران على اتحاد العلة.
стр. 697
الاعتراض الرابع: عدم التأثير
وقد ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ قَوِيٌّ، حَتَّى قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إِنَّهُ مِنْ أَصَحِّ مَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْعِلَّةِ.
وقال ابن السَّمْعَانِيُّ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا سُؤَالَ عَدَمِ التَّأْثِيرِ، وَلَسْتُ أَرَى لَهُ وَجْهًا بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُعَلِّلُ التَّأْثِيرَ لِعِلَّتِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ مَا أُقِيمَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا بالتأثير، وقد
стр. 698
جَعَلَهُ الْقَائِلُونَ بِهِ مُنْقَسِمًا إِلَى أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ:
عدم التأثير في الوصف "لكونه"* طَرْدِيًّا وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى عَدَمِ الْعَكْسِ السَّابِقِ قَبْلَ هَذَا كَقَوْلِهِمْ صَلَاةُ الصُّبْحِ لَا تُقْصَرُ فَلَا تُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا كَالْمَغْرِبِ فَقَوْلُهُمْ: لَا تقصر "وصف"** طردي بالنسبة إلى عدم التَّقْدِيمِ.
الثَّانِي:
عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ "بِكَوْنِهِ"*** مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي الْأَصْلِ لِوُجُودِ مَعْنًى آخَرَ مُسْتَقِلٍّ بِالْغَرَضِ، كَقَوْلِهِمْ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ مَبِيعٌ غير مرئي كالطير في الهواء؛ فلا يصح فَيُقَالُ: لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ فَإِنَّ الْعَجْزَ عَنِ التَّسْلِيمِ كافٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الطَّيْرِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا.
وَحَاصِلُهُ: مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُلْغِي مِنَ الْعِلَّةِ وَصْفًا، ثُمَّ يُعَارِضُهُ الْمُسْتَدِلُّ بِمَا بَقِيَ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فَسَادُ الْعِلَّةِ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَقِيلَ: بَلْ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ ذلك القيد له أثر في الجمل، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، كَالشَّاهِدِ الثَّالِثِ بَعْدَ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَيْدَ لَيْسَ مَحَلَّهُ، وَلَا وَصْفًا لَهُ، فَذِكْرُهُ لَغْوٌ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ الثَّالِثِ، فَإِنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِأَنْ يَصِيرَ عند عدم صحة شهادته أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ رُكْنًا.
الثَّالِثُ:
عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا؛ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ فِي الْحُكْمِ، إِمَّا ضَرُورِيَّةً، كَقَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ "عِبَادَةً مُتَعَلِّقَةً بِالْأَحْجَارِ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا معصية، فاشترط فيها العد كَالْجِمَارِ"****.
وَإِمَّا غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ، كَقَوْلِهِمُ: الْجُمُعَةُ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فَلَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى إِذْنِ الْإِمَامِ كَالظُّهْرِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: مَفْرُوضَةٌ حَشْوٌ لَوْ حُذِفَ لَمْ يَضُرَّ.
الرَّابِعُ:
عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْفَرْعِ، كَقَوْلِهِمْ: زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ: "تَزَوَّجَتْ***** مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، "فَيُقَالُ"******: غَيْرُ كُفْءٍ لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ النِّزَاعَ فِي الْكُفْءِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ: وَهُوَ الْأَصَحُّ.
والثاني: المنع.
стр. 699
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ، وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ مَعَ تَبْيِينِ مَحَلِّ السُّؤَالِ، وَالْجَوَازُ مَعَ عَدَمِهِ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
الْخَامِسُ:
عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ فِي الدَّلِيلِ وَصْفًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ يُتْلِفُونَ الْأَمْوَالَ: مُشْرِكُونَ أَتْلَفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ كَالْحَرْبِيِّ، فَإِنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْحُكْمِ، فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَ الضَّمَانَ يُوجِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَا مَنْ نَفَاهُ يَنْفِيهِ مُطْلَقًا.
стр. 700
الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسُ: الْقَلْبُ
قَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ أَنْ يُبَيِّنَ الْقَالَبُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَهُ، وَالْأَوَّلُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ فِي الْأَقْيِسَةِ.
وَمِثْلُهُ فِي الْمَنْصُوصِ: بِاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ فِي تَوْرِيثِ الْخَالِ بِقَوْلِهِ ﷺ : "الْخَالُ وَارْثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ" ١. فَأَثْبَتَ إِرْثَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَيْكَ لَا لَكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ تَوْرِيثِ الْخَالِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، كَمَا يُقَالُ: الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ، وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، أَيْ: لَيْسَ الْجُوعُ زَادًا، وَلَا الصَّبْرُ حِيلَةً.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": الْقَلْبُ مُعَارَضَةٌ إِلَّا فِي أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ فِي الْعِلَّةِ، وَفِي سَائِرِ الْمُعَارَضَاتِ يُمْكِنُ.
وَالثَّانِي:
لَا يُمْكِنُ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ وَفَرْعَهُ أَصْلُ الْمُعَلِّلِ وَفَرْعُهُ، وَيُمْكِنُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمُعَارَضَاتِ، أَمَّا فِيمَا وَرَاءَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَارَضَةِ.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ دَعْوَى؛ "لِأَنَّ"* مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ فِي تلك المسألة على ذلك الوجه. انتهى.
стр. 701
وَجَعَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشُرَّاحُ كَلَامِهِ قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
تَصْحِيحُ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ لِتَنَافِيهِمَا.
وَثَانِيهِمَا:
إِبْطَالُ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ ابْتِدَاءً، إما صريحا، أو بالالتزام.
ومثال الأول: أن يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: الِاعْتِكَافُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ لُبْثٌ، فَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ فِي أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءٍ، فَلَا يَكْفِي أَقَلُّهُ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُقَدَّرُ بِالرُّبُعِ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، هَذَا الصَّرِيحُ.
وَأَمَّا الِالْتِزَامُ: فَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: بَيْعُ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ بَيْعُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ: كَالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، كَالنِّكَاحِ.
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى اعْتِبَارِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ الْجُمْهُورُ، وَأَنَّهُ قَادِحٌ.
وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَقَالَ: إِنَّ الْحُكْمَيْنِ، أَيْ: مَا يُثْبِتُهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَمَا يُثْبِتُهُ الْقَالَبُ، إِنْ لَمْ يَتَنَافَيَا فَلَا قَلْبَ؛ إِذْ لَا مَنْعَ مِنَ اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ لِحُكْمَيْنِ غَيْرِ مُتَنَافِيَيْنِ، وَإِنِ اسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمْ يُمْكِنِ الرَّدُّ إِلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بعينه، فلا يكون قلبا؛ إذ لا بد فِيهِ مِنَ الرَّدِّ إِلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ لِذَاتِهِمَا، فَلَا جَرَمَ يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْأَصْلِ، لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْفَرْعِ، فَإِذَا أَثْبَتَ الْقَالِبُ الْحُكْمَ الْآخَرَ فِي الْفَرْعِ بِالرَّدِّ إِلَى الْأَصْلِ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَازِمٌ جَدَلًا لَا دِينًا١.
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ هَذَا الْقَلْبَ إِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، حَيْثُ اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" ٢ فِي مَسْأَلَةِ الساحة، قال: وفي "هدم"* البناء ضرار
стр. 702
بِالْغَاصِبِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُنَا: وَفِي بَيْعِ صَاحِبِ السَّاحَةِ "لِسَاحَتِهِ"* إِضْرَارٌ بِهِ١.
قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: "لَا"** يَصِحُّ سُؤَالُ الْقَلْبِ، قَالَ: وَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ، يَشْهَدُ لَكَ وَيَشْهَدُ عَلَيْكَ، قَالَ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْقَالِبَ عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِمَا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَلِيلِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ عَارَضَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
وَقِيلَ: هُوَ بَاطِلٌ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا فِي الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ.
وَمِنْ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ، جَعْلُ الْمَعْلُولِ عِلَّةً، وَالْعِلَّةِ مَعْلُولًا، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنْ لَا عِلَّةَ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ، وَالْمَعْلُولَ هُوَ الْحُكْمُ الْوَاجِبُ لَهَا.
وَقَدْ فَرَّقُوا بين القلب والمعارض بِوُجُوهٍ:
مِنْهَا مَا قَدَّمْنَا عَنِ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ.
وقال القاضي أبي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: إِنَّهُ مُعَارَضَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى": وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ، اشْتَرَكَ فِيهِ الْأَصْلُ وَالْجَامِعُ، فَكَانَ أَوْلَى بالقبول.
стр. 703
الِاعْتِرَاضُ السَّادِسُ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ
بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيِ: الْقَوْلُ بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَحَدُّهُ: تَسْلِيمُ مَا جَعَلَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُوجَبَ الْعِلَّةِ، مَعَ اسْتِبْقَاءِ الْخِلَافِ. انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَذَلِكَ بِأَنْ يَظُنَّ الْمُعَلِّلُ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ مُسْتَلْزَمٌ لِمَطْلُوبِهِ، مِنْ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَلْزَمٍ.
قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَعْرِيفِ الرَّازِيِّ لَهُ بِمُوجَبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: حَدُّوهُ بِتَسْلِيمِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ بَيَانُ غلظ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى إِيجَابِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ ﷺ : "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شاةٌ" ١ فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ بِمُوجَبِ هَذَا الدَّلِيلِ، لَكِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ، "فَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْحَدُّ"*، وَلَيْسَ قَوْلًا بِالْمُوجَبِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَظْهَرَ عُذْرٌ لِلْمُسْتَدِلِّ عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ.
وَمِنْ أَنْوَاعِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ: أن يذكر المستدل إحدى المقدمتين، ويسكت عن الْأُخْرَى، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ، فَيَقُولَ الْخَصْمُ بِمُوجَبِ الْمُقَدِّمَةِ، وَيَبْقَى عَلَى الْمَنْعِ لِمَا عَدَاهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُسْتَدِلُّ تَلَازُمًا بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَبَيْنَ مَحَلٍّ آخَرَ، فَيَنْصِبَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ بِالْمُوجَبِ وَمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَارَضَةِ: أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى خُرُوجِ الدَّلِيلِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَالْمُعَارَضَةُ فِيهَا اعْتِرَافٌ بِأَنَّ لِلدَّلِيلِ دَلَالَةً عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ سُؤَالٌ صَحِيحٌ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُمَانَعَةِ، وَلَا بُدَّ فِي "تَوَجُّهِهِ"** مِنْ شَرْطٍ، وَهُوَ أَنْ يُسْنَدَ الْحُكْمُ الَّذِي يُنْصَبُ لَهُ الْعِلَّةُ إِلَى شَيْءٍ، مِثْلَ قَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي مَاءِ الزَّعْفَرَانِ: مَاءٌ خَالَطَهُ طَاهِرٌ، وَالْمُخَالَطَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: الْمَخَالِطُ لَا يمنع، لكنه ليس بماء مطلق٢.
стр. 704
قَالَ فِي "الْمَنْخُولِ"١: الْأُصُولِيُّونَ يَقُولُونَ تَارَةً: إِنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ لَيْسَ اعْتِرَاضًا، وَهُوَ لَعَمْرِي كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ؛ لِأَنَّهَا إِذَا جَرَتِ الْعِلَّةُ وَحُكْمُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ فَلَأَنْ تَجْرِي وَحُكْمُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَوْلَى.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ إِبْدَاءُ سَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أَمْ لَا؟
فَقِيلَ: يَجِبُ لِقُرْبِهِ إِلَى ضَبْطِ الْكَلَامِ، وَصَوْنِهِ عَنِ الْخَبْطِ، وَإِلَّا فَقَدَ يَقُولُ بِالْمُوجَبِ عَلَى سَبِيلِ الْعِنَادِ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّى بِمَا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ الْجَوَابُ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَآخِذِ مَذْهَبِهِ، قَالَ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
стр. 705
الِاعْتِرَاضُ السَّابِعُ: الْفَرْقُ
وَهُوَ إِبْدَاءُ وَصْفٍ فِي الْأَصْلِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي الْفَرْعِ، سَوَاءٌ كَانَ مُنَاسِبًا أَوْ شَبَهًا إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ شَبِيهَةً، بِأَنْ يَجْمَعَ الْمُسْتَدِلُّ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَيُبْدِي الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا فَارِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": الْكَلَامُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَقَدِ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَرْقٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا لَكَانَ هُوَ هُوَ، وَلَيْسَ كُلَّمَا انْفَرَدَ "بِهِ"* الْأَصْلُ بِوَصْفٍ مِنَ الْأَوْصَافِ يَكُونُ مُؤَثِّرًا، مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُلْغًى لِلِاعْتِبَارِ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ الْوَصْفُ الْفَارِقِ قَادِحًا.
وَالثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ قاطعا للجمع: "بأن"** كون أَخَصَّ مِنَ الْجَمْعِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، أَوْ مِثْلَهُ فَيُعَارِضُهُ.
قَالَ جُمْهُورُ الْجَدَلِيِّينَ فِي حِدَّهِ: الْفَرْقُ قَطْعُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ؛ إِذِ اللَّفْظُ أَشْعَرُ بِهِ.
وَهُوَ الَّذِي يُقْصَدُ مِنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَقِيقَتُهُ الْمَنْعُ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِذِكْرِ وَصْفٍ فِي الْفَرْعِ، أَوْ فِي الْأَصْلِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنَّ الْفَرْقَ لَيْسَ سؤالا على حياله، وإنما هو
следующие страницы →