← История

История · id 11439

عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين

أكرم العمري

Полный текст (494 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كما لم تصح الروايات في مقدار الجزية التي فرضت على بلاد إيران، ولكن تتضافر الروايات الضعيفة على الإقرار بالأخذ بمبدأ الرفق بالرعية وعدم تكليفهم مالا يطيقون (١). كما ذكر بعضها أن جزية أذربيجان بلغت ثمانمائة ألف درهم، والأهواز مليونين وثمانمائة وتسعين ألف درهم (٠٠٠ و (٨٩٠) و٢ درهم) (٢). ولا نعرف على وجه الدقة عوائد الجزية على بيت المال في خلافة عمر ﵁، ولكن الفقيه أبا يوسف ذكر أن جباية السواد وحده من الجزية والخراج بلغت في خلافة عمر مائة ألف ألف درهم (٠٠٠و (٠٠٠) و١٠٠ درهم) (٣)، في حين ذكر اليعقوبي- وتابعه الماوردي- أنها بلغت مائة وعشرين ألف ألف درهم (٠٠٠و (٠٠٠) و١٢٠ درهم) وذكر ابن خرداذبة أنها بلغت مائة وثمانية وعشرين ألف ألف درهم (٠٠٠و (٠٠٠) و١٢٨ درهم) فلعل الأرقام تشير إلى واردات سنين مختلفة يزيد فيها الوارد وينقص حسب المواسم الزراعية التي تتأثر بالأمطار وبطرق الري ثم بسلامة نظم الجباية. وثمة ظاهرة في أواخر خلافة عمر ﵁ تتمثل في فرض جباية محددة على بعض المناطق المفتوحة في المشرق تدفع بالتضامن بين أبناء الإقليم أو المدينة وتجمعها السلطات المحلية وتشمل على الجزية والخراج معاً، فقد صالحت

стр. 177

همذان على أن تؤدي "خراج أرضهم وجزية رؤوسهم مائة ألف درهم للمسلمين" وصالحت الري وقومس على خمسمائة ألف درهم يؤدونها من جزيتهم وخراجهم، وصالحت أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم (١). الجزية في خلافة عثمان ﵁: ولا نجد روايات توضح عوائد الجزية على بيت المال في خلافة عثمان ﵁، ويبدو أن السياسة العمرية استمرت دون تغيير يذكر في المناطق المفتوحة، ومنها ظاهرة تتمثل في تحديد مبلغ من المال تدفعها المنطقة المفتوحة بالتضامن بين سكانها وتجبيه السلطة المحلية وتقدمه إلى الدولة الإسلامية وهذا ما يعرف بولاية العهد، فالولاية معاهدة للدولة الإسلامية، ومن ذلك أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح صالح بطريق أفريقية (تونس) على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف (٠٠٠و (٥٠٠) و٢ درهم) (٢). وكذلك صالح الوليد بن عقبة أهل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم (٠٠٠و (٨٠٠) درهم) وصالح معظم مدن إيران وخراسان على مبالغ محددة تدفعها المدينة أو الإقليم بالتضامن وتشتمل على الجزية والخراج معاً، وإذا جمعنا الأرقام فإن دخل الدولة الإسلامية من الجزية والخراج يتجاوز (٠٠٠) و٠٠٠و (٢٢٠) درهم موزعةً كالآتي: العراق: (٠٠٠) و٠٠٠و (١٠٠) درهم. الشام: لا توجد إحصائية ويمكن أن تقاس على مصر. مصر: (٠٠٠) و٠٠٠و (٤٨) درهم.

стр. 178

أفريقية (تونس): (٠٠٠) و٠٠٠و (٣٠) درهم. برقة: (٠٠٠) و١٣ درهم. إيران: (٠٠٠) و٧٠٠و (٢٠) درهم (١). كما يلاحظ حصول زيادة كبيرة في جباية مصر من الجزية والخراج في خلافة عثمان ﵁، فقد كانت جبايتها في خلافة عمر ﵁ مليوني دينار (٠٠٠و (٠٠٠) و١٢ درهم) وارتفعت في خلافة عثمان وولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح عليها إلى أربعة ملايين دينار (٠٠٠و (٠٠٠) و١٤ درهم) (٢). ولعل الزيادة الكبيرة الحاصلة ترجع إلى دخول قرى ومدن جديدة في ولاية ابن أبي سرح من ناحية كما ترجع إلى النمو السكاني والإصلاحات الزراعية واستقرار الأمن مما أدى إلى الازدهار الاقتصادي وارتفاع عوائد الجباية. الجزية في خلافة علي ﵁: لم يطرأ تغيير على مقدار الجزية في خلافة علي ﵁ (٣)، ولم تتوسع الفتوحات بسبب الانشغال بالفتن الداخلية بين المسلمين، بل انتفضت بعض المناطق المفتوحة في حين استمر أكثرها على الصلح ودفع الجزية، ويلاحظ انتشار الإسلام

стр. 179

بقوة في أذربيجان لما قدمها الأشعث والي علي ﵁ (١). ومعنى هذا انخفاض جباية الجزية، كما توجد إشارة إلى اعتماد جباية الجزية من قبل الدهاقين في إقليم خراسان وتسليمها للمسلمين، وأن الدهاقين كانوا يواجهون حركات تمرد في خراسان رغم دعم الدولة الإسلامية لهم مما يستنتج منه انخفاض واردات الجزية حيث لم يعرض والي خراسان جعدة بن هبيرة "لأهل النكث وجبى أهل الصلح" (٢). المبحث الثاني: الخراج أنجز الفتح الإسلامي فتح العراق بعد القادسية (١٥ هـ) وجلولاء (١٦ هـ) وكان أكثر الفتح عنوة، وانتفضت البلاد مرات عديدة، لذلك فإن عهود الفتح وشروط الصلح تغيرت مرات عديدة، ويترتب على الفتح عنوة استملاك المسلمين للأرض، وتقسيمها، وينال الدولة الخمس في حين ينال المقاتلون أربعة أخماس الأرض، ولو تم ذلك التقسيم لأصاب كل مقاتل مساحة واسعة من الأرض الزراعية الخصبة، وثلاثة من فلاحي السواد (٣). ولكن التقسيم للأرض وللفلاحين لم يحدث، بل جمع عمر ﵁ الصحابة رضوان الله عليهم للنظر في كيفية معاملة منطقة سواد العراق. وقد أوضح

стр. 180

وجهة نظره للصحابة، فالأصل تقسيم المنطقة المفتوحة وقد ثبت عنه تصريحه بذلك "لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي ﷺ خيبر" (١). ومراعاة حقوق الأجيال التالية استنبطها عمر ﵁ من الآيات القرآنية- والتي قرأها على المجتمعين-: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) فقال معقباً على هذه الآية: والله ما هو لهؤلاء وحدهم. (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) (٢). وعقب على هذه الآية الأخيرة بقوله: "والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق من هذا المال أعطي منه أو منع، حتى راع بعدنٍ" (٣). وقد غلب هذا الرأي

стр. 181

على المجتمعين (١)، وهكذا دعا الفاتحون المغلوبين للبقاء في الأرض على أن يدفعوا الخراج، وقد أفاد هذا الإجراء في عدم تحول الفاتحين إلى فلاحين مما يضعف قدراتهم القتالية- وهم يواجهون الفرس في الشرق والبيزنطيين في الغرب- كما ربط الفلاحين القدامى بأرضهم وكسب ولاءهم، وساعد على استمرار ازدهار الزراعة في السواد إذ ما كان بوسع الفاتحين استثمار الأرض لنقص الخبرة الزراعية .. وأوجد مورداً سنوياً كبيراً لبيت المال خاصة وأن الأراضي المفتوحة في الشام ومصر عوملت وفق نظام الخراج أيضاً، وهذا المورد مكَّن الدولة من تجهيز الجيوش الكبيرة والقيام بالإصلاحات المتنوعة وخاصة الارتقاء بالمستوى المعيشي للناس عن طريق نظام العطاء، إضافة إلى الحد من نشوء الملكيات الإقطاعية الكبيرة مما يولد تبايناً اقتصادياً شاسعاً ويحصر تداول الثروة بأيدٍ قليلة، وهذا ما وعاه عمر من الآيات القرآنية مما يوضح دقة فهمه وعمق بصيرته، وأثر القرآن في توجيه سياسته. ونظراً لأن الخراج ضريبة على الأرض خلافاً للجزية فإنه لا يسقط بإسلام

стр. 182

صاحب الحق في استثمار الأرض سواء كان رجلاً أو امرأة، عبداً أو حراً (١). فلما أسلمت دهقانة نهر الملك- كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى تضم قرى كثيرة- قال عمر: "دعوها في أرضها تؤدي عنها الخراج" (٢). وتتضافر روايات أخرى ضعيفة في تأكيد عدم سقوط الخراج بالإسلام (٣). وقد ثبت أن عمر ﵁ كان ينهج سياسة رفيقة مع أهل الخراج خوفاً من المشقة عليهم وإجهادهم فكان يسأل عماله على مسح السواد: "انظر ما لديكما أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيق" (٤). وبالطبع فإنه كان يتعامل مع مخالفين له في العقيدة، وذلك في بداية الفتح وفرض الخراج، فكان يحرص على معاملتهم بالعدل والإحسان. وقد نهى عمر ﵁ عن شراء أرض الخراج لأنها وقف للأمة جميعاً (٥) كما نهى عن شراء أرض أهل الذمة الخراجية الصلحية أيضاً وإن لم تكن

стр. 183

ملكيتها وقفاً للأمة لئلا يضطر المسلم إلى دفع الخراج (١). وكان عمر قد بعث عثمان بن حنيف لمسح السواد فبلغ ستة وثلاثين ألف جريب (الجريب: (١٣٦٦) م٢) فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً من طعام (القفيز: (١١٢) و٢٦ كغم) مراعياً عدم المشقة على المالكين. ويحتمل أن هذا الإجراء شمل المساحة الصالحة للزراعة كلها مزروعة وغير مزروعة للحث على زراعتها وأداء خراجها، أو أن هذا المقدار من الخراج كان في أول الأمر، ثم عدل عنه إلى فرض مقدار من الخراج يختلف حسب نوع المحصولات الزراعية، فكان على الجريب من النخل عشرة دراهم (وفي رواية ثمانية دراهم، وربما ذلك يتبع الجودة). والجريب من العنب ثمانية دراهم (٢)، والجريب من القضب (الأشجار الكبيرة المثمرة) ستة دراهم، والجريب من البر أربعة دراهم، والجريب من الشعير درهمين (٣).

стр. 184

ويبدو أنه أضيف إلى الدراهم أخذ شيء من المحصول الزراعي ما بين خمسة إلى عشرة أقفزة (١)، فلعل المقصود من ذلك تمويل القوات الإسلامية. ولم تثبت مقادير الخراج على أرض الشام ومصر، ولكن يبدو أنها عوملت مثل أرض السواد دون إرهاق. ولم تشر المصادر إلى وقوع تغيير في مقادير الخراج في عهد الخليفتين عثمان وعلي ﵄ مما يشير إلى استمرارهما في سياسة عمر ﵁ الخراجية التي كان لها الأثر البالغ في الازدهار الاقتصادي الذي تحقق في خلافة عثمان ﵁. وقد تميز عصر عمر بالدقة في الإحصاء للسكان ومسح أراضي السواد، وتمييز الأراضي الخاصة بكسرى وأسرته، والأراضي التي قتل أصحابها أو فروا في المعارك ضد المسلمين، والأراضي البور، وقد قاد عملية المسح رجال من الصحابة "جمع سعد من وراء المدائن، وأمر بالإحصاء، فوجدهم بضعة وثلاثين ومائة ألف - أكثر من (٠٠٠) و١٣٠ نسمة- ووجدهم بضعة وثلاثين ألف أهل بيت- أكثر من (٠٠٠) و٣٠ أسرة- وهذا الإحصاء الذي قام به الصحابي سعد بن أبي وقاص يدل على قدرة عالية ومرونة في الإفادة من الخبرات المحلية في أعمال المسح والإحصاء (٢).

стр. 185

المبحث الثالث: الغنائم يعرف الفقهاء الغنائم بأنها "ما غلب عليه المسلمون من أموال أهل الحرب حتى يأخذوه عنوة" (١). فلا يدخل فيها الفيء وهو ما أخذ من أموال أهل الحرب دون قتال. ويعطى السلب للقاتل، وهو متاع وسلاح ودابة المقتول لحديث: "من قتل قتيلاً فله سلبه" (٢). ويسهم للفارس بثلاثة أسهم وللراجل بسهم واحد (٣). ويعامل الأسرى باحترام، وللإمام أن يحكم فيهم بقبول المفاداة أو المن عليهم بإطلاق سراحهم دون مقابل أو ضرب الجزية عليهم إن كانوا كتابيين، أو استرقاقهم أو قتلهم مراعياً في ذلك المصلحة (٤). وكانت الدولة تبيع الرقيق الذي يقع لها ضمن خمس الغنائم، فقد اشترى الأشعث من بيت مال الكوفة رقيقاً بعشرين ألف درهم، وذلك خلال تولي عبد الله بن مسعود بيت مال الكوفة (٥). وتعتبر الغنائم التي حازها المسلمون من أعدائهم مورداً حسناً لبيت المال، وللمقاتلين مما يرفع من مستوى معيشتهم، ومن المعلوم أن القرآن نص على توزيع الغنائم بين الدولة والمقاتلين ولم يترك ذلك لاجتهاد الدولة، قال تعالى: (واعلموا

стр. 186

أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ..) (١). وهكذا صار الخمس للدولة وأربعة أخماس الغنيمة للمقاتلين. ومن الظاهر أن حركة الردة اقتصرت غنائمها على داخل الجزيرة العربية فكان معظمها من الخيل (الكراع) والإبل والماشية، والسبي (نساء وذراري)، والسلاح (الحلقة)، وشيء من الذهب والفضة، ولا تذكر المصادر أرقاماً محددة بالنسبة لأصناف الغنيمة، ولكن مصادرة الخيل والسلاح من القبائل المرتدة يوفر أعداداً جيدة للدولة، نظراً لعناية القبائل بحيازة الخيل والسلاح. وكان الإجراء يهدف إلى إضعاف المرتدين لعدم الثقة بهم، لذلك لم يقبل اشتراكهم في حركات الفتح الإسلامي حتى نهاية خلافة أبي بكر ﵁. ولا جدوى من محاكمة الروايات وفق مناهج المحدثين لأن معظم الأرقام وردت في روايات تأريخية لا يتمتع رواتها بثقة النقاد من أهل الحديث، فلو نظرنا في مصادر الطبري عن حركات الردة لوجدناه ينقل (٧٣) رواية عن سيف و (١٤) رواية عن ابن اسحق و (٥) روايات عن أبي مخنف و (٤) روايات عن ابن الكلبي (٢). أما كتاب ابن حبيش (عبد الرحمن بن محمد بن حبشي الأندلسي) فهو أكثر دقة وتنوعاً في المصادر بالنسبة لحركة الردة حيث يقتبس كثيراً من ابن اسحق والواقدي ووثيمة ويعقوب الزهري، في حين اعتمد خليفة بن خياط في تأريخه على ابن اسحق (١٩ رواية) والمدائني (١٦ رواية) بالدرجة الأولى. والحق أن المصادر الحديثية تقتصر على ذكر معلومات محدودة دون الخوض في التفاصيل التي أوردها الإخباريون.

стр. 187

واذا كانت مصادرة أسد وغطفان لم تحدد مقدار الخيل والسلاح (١)، ومصادرة أهل اليمامة لم تحدد كميات الذهب والفضة والسبي والسلاح والخيل ومساحة البستان من كل قرية مما أخذه المسلمون (٢)، فإن غزو القرية والعرض (من ديار بني حنيفة) قبل الصلح أوقع عدداً كبيراً من السبي، حيث أرسل خالد بن الوليد خمسمائة منهم إلى المدينة (٣). ولا غرابة في كثرة غنائم اليمامة لأنها مركز اقتصادي مهم زراعياً وتجارياً، وفيها كثافة سكانية عالية (٤). وصالح العلاء بن الحضرمي أهل البحرين على ثلث أموالهم داخل مدينتهم أما ما كان خارجها فقد أخذه جميعاً، وأرسل بأموال كثيرة إلى المدينة (٥). وبلغ نصيب الفارس من جزيرة دارين (٦٠٠٠) درهم (ستة آلاف درهم) والراجل (٢٠٠٠) درهم (ألفي درهم) (٦). وبلغت الأموال التي جناها المسلمون من المرتدين في عمان

стр. 188

(دبا) (٤٠٠٠) رأس (أربعة آلاف رأس) من الإبل كان حصة الدولة منها (٨٠٠) رأس (ثمانمائة رأس)، ويبلغ ثمنها ما يقارب (٠٠٠) , (٢٠٠) درهم (مائتي ألف درهم) (١) وإضافة إلى الإبل حازوا (٣٥٠٠) من الأسرى والنساء والذراري بلغت حصة الدولة منها ٧٠٠ (٣٠٠ أسير و (٤٠٠) نساء وذراري) - إذا افترضنا توزيع الأسرى والنساء والذراري بنسبة أربعة أخماس للمقاتلين- (٢). وهذا العدد الكبير من الأسرى والسبي يقدر بـ (٠٠٠) , (٤٠٠) ,١ درهم منها (٠٠٠) , (٢٨٠) درهم حصة الدولة. هذا إذا قبلنا أن فداء الأسير يبلغ (٤٠٠) درهم (أربعمائة درهم) كما حدث في مفاداة أهل النيجر في خلافة أبي بكر (٣). وكان عدد السبي من أهل النيجر ألف امرأة وضعن في دار رملة بنت الحارث، فيكون فداءهم (٠٠٠) , (٤٠٠) درهم (أربعمائة ألف درهم) فضلاً عن الأموال المنقولة (٤).

стр. 189

وأصاب المسلمون من المرتدين بمهرة ألفي نجيبة (٢٠٠٠ نجيبة) (١) تبلغ قيمتها أكثر من (٠٠٠) , (٢٠٠) درهم- إذا اعتبرنا النجيبة بـ (١٠٠) درهم (٢) في حين أن الجمل العادي بـ (٥٠) درهماً-. وقد اقتضى تملك الدولة للإبل والخيل والأغنام من الزكاة والغنائم تخصيص مراع لها، فكان حمى النقيع- نقيع الخضمات- قرب المدينة للخيل منذ عصر السيرة (٣) واستمر في خلافة الصديق (٤)، وحمى الربذة لإبل الصدقة (٥). وهذه الأموال لا تعد شيئاً إلى جانب غنائم الفتوح الإسلامية في الهلال الخصيب ومصر، ولا تشير المصادر إلى مقادير غنائم الفتح في العراق والشام، بل تذكر وقوع السلاح والدواب والمتاع والنساء والصبيان بيد الجيوش الإسلامية (٦)، ولكنها حددت سهم الفارس في موقعة ذات السلاسل والثني بألف درهم (١٠٠٠ درهم) والراجل ثلث المبلغ، كما أشارت إلى ثراء الأبلة "حتى إنهم ليولغون كلابهم في آنية الذهب والفضة" (٧). كما حددت سهم الفارس في امغيشيا بألف

стр. 190

وخمسمائة درهم (١٥٠٠ درهم) سوى المكافآت للشجعان (١). ويجمل الفقيه أبو يوسف مقدار غنائم فتوح العراق خلال قيادة خالد بن الوليد "بألف رأس وقيل خمسة آلاف رأس" (٢). وبالطبع فإن المعارك جميعاً دارت في قرى ومدن صغيرة على الفرات، ولم يتسم الفتح بالاستقرار بل انتقضت المناطق المفتوحة مرارا، وهذا يوضح قلة الغنائم في المناطق المفتوحة في خلافة الصديق ﵁. أما في خلافة عمر ﵁ فقد زادت الغنائم زيادة كبيرة لاتساع المناطق المفتوحة ولما كانت تتمتع به من ازدهار اقتصادي كبير، وكان القادة الفرس والروم يخرجون إلى الميدان بكامل أبهتهم، فيقع سلبهم للمسلم، وأحياناً يبلغ (٠٠٠) , (١٥) درهم (٣) و (٠٠٠) , (٣٠) درهم (٤). وقد فتحت المدن العظيمة كالمدائن وجلولاء وهمذان والري واصطخر وغيرها، فحاز المسلمون أموالاً عظيمة، مثل بساط كسرى، وهو (٣٦٠٠) ذراع مربعة "أرضه مفروشة بالذهب وموشى بالفصوص وفيه رسوم ثمار بالجواهر، وورقها بالحرير، وفيه رسوم للماء الجاري بالذهب" وقد بيعت قطعة صغيرة منه

стр. 191

بعشرين ألف درهم (٠٠٠, (٢٠) درهم) (١). وحاز المسلمون الذهب والفضة والمجوهرات العظيمة من غنائم جلولاء ونهاوند (٢). حيث بلغ خمس جلولاء ستة ملايين درهم (٠٠٠, (٠٠٠) , (٦) درهم) (٣)، وأعظم الغنائم هي أرض السواد التي وقفها عمر ﵁ للدولة، وأراضي الصوافي التي قتل أصحابها أو فروا عنها، وأملاك كسرى وأهله، حيث جعلت غلتها للدولة، فكانت بإدارتها لصالح بيت المال، ويقال أن غلتها- فيما بعد- بلغت سبعة ملايين درهم (٠٠٠, (٠٠٠) , (٧) درهم) (٤). وللأسف فإن المصادر لا تتيح من أرقام غنائم الفتح ما يمكن من تقدير دخل الدولة والمقاتلين منها، ولكن لا شك في أنها كانت عظيمة القدر، وأنها أغنت المسلمين أفراداً ودولة، وارتفعت بمستوى المعيشة، وظهرت آثارها أكثر جلاء في خلافة عثمان ﵁. وقد توسعت الفتوحات في النصف الأول من خلافة عثمان في خراسان شرقاً وأفريقية (تونس) غرباً (٥)، وبلغ سهم المقاتل في تونس ألف دينار (١٠٠٠ دينار) (٦) وثلاثة آلاف دينار (٣٠٠٠ دينار) (٧)، وبلغ خمس

стр. 192

غنائم أفريقية خمسة عشر ألف درهم (٠٠٠, (١٥) درهم) عندما غزاها مروان بن الحكم (١)، فتكون غنيمة تلك الغزوة (٠٠٠) , (٧٥) درهم للدولة، وتكون سائر الغنيمة (٠٠٠) , (٣٧٥) درهم. وقد أدت كثرة النقود إلى التضخم الاقتصادي في البضائع ذات الجودة العالية أو النادرة، فبلغ ثمن مطرف خز مائتي درهم (٢٠٠ درهم) وبرد يماني مبلغ مائة درهم (١٠٠ درهم) (٢)، وبيعت الفرس بخمسين ألفاً (٠٠٠, (٥٠) درهم) (٣) وبمائة ألف درهم (٠٠٠, (١٠٠) درهم)، وبيعت نخلة بألف درهم (١٠٠٠ درهم) (٤) المبحث الرابع: الزكاة قامت الدولة الإسلامية في خلافة الصديق ﵁ بجباية أموال الزكاة عن طريق إرسال المصدقين إلى أرجاء الجزيرة التابعة لها، وقد أعاقت حركة الردة أعمال الجباية من معظم المناطق سوى الحجاز وجواثا- قرية بالبحرين- والقبائل

стр. 193

التي حافظت على إسلامها وولائها للدولة، وقد قاتلت جيوش الخلافة المرتدين سنة وأشهراً حتى أعادتهم إلى الإسلام والطاعة، وكان ذلك الموقف الحازم من الخليفة الراشد سبباً لإعادة توحيد الدولة، وتطبيق الشريعة على الناس، ولما رأى بعض الصحابة عدم مقاتلة المرتدين ومنهم عمر بن الخطاب واحتجوا بالحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله". فأوضح لهم أبو بكر الفهم الصحيح للأحاديث بالجمع بينها قائلاً: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً (وفي رواية: عقالاً) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها". قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (١). ورجع الصحابة جميعاً إلى رأي أبي بكر (٢). وكان اعتراضهم على قتال مانعي الزكاة فقط لأنهم متأولون للآية: (خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) (٣). فزعموا أن دفع الزكاة خاص به ﷺ لأن غيره لا يطهرهم، ولا يصلي عليهم، فكيف تكون صلاته سكناً لهم!! ولم ينكروا الزكاة جحوداً، فلا يخرجهم التأويل عن الإسلام، وهؤلاء لم يقاتلهم أبو بكر إلا بعد أن دعاهم إلى الرجوع إلى دفع الزكاة، فلما أصروا قاتلهم. وأما الجاحدون للزكاة فيخرجون من الإسلام بإنكارهم فريضة من أركانه، وليس اعتراض الصحابة على قتالهم ولا على قتال أتباع مسيلمة وغيره من

стр. 194

أدعياء النبوة (١). ولا شك أن العام الأول من خلافة الصديق شهد انخفاضاً كبيراً في موارد الزكاة، فقد دفعت فروع من تميم صدقاتها وهي الرِّباب بن عوف والأبناء من بني سعد بن تميم، وهي سبعمائة بعير قيمتها حوالي خمسة وثلاثون ألف درهم (٠٠٠, (٣٥) درهم) (٢). ودفعت طي زكاتها ثلاثمائة بعير تساوي خمسة عشر ألف درهم (٠٠٠, (١٥) درهم) (٣). وقد دفعت القبائل التي ثبتت على الإسلام الزكاة، بعضها صرحت المصادر بدفعها الزكاة وهي مقاعس والبطون من بني سعد من تميم، وبني مالك من بني يربوع من تميم، وقوم الهيثم السلمي، وجمع من مهرة بن حيدان، وأسلم وغفار ومزيفة وجهينة وأشجع (٤). وبعضها ذكرت المصادر ثباتها على الإسلام دون التصريح بدفعها الزكاة، ولكن لا شك في أنها دفعت الزكاة وهي ثقيف وهذيل والديل وكنانة وأهل السراة وبجيلة وخثعم وهوازن وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس (من تجيب)، ومذحج إلا بنو زيد، وهمدان والأبناء (٥). وينبغي الاشارة إلى نفقات الدولة الكثيرة في حروب الردة لابد أنها اعتمدت

стр. 195

على موارد الغنائم من ناحية والزكاة التي تضاءلت كثيراً من ناحية أخرى. وكذلك لابد من الإشارة إلى أن أبا بكر ﵁ كان يأخذ الزكاة من الأموال الظاهرة والباطنة، وكان يسأل الرجل عندما يسلمه العطاء إن كان عنده مال عليه زكاة، فإذا قال: نعم. استقطع الزكاة من عطائه (١). وفي خلافة عمر ﵁ سار على نهج النبي ﷺ وأبي بكر ﵁، في إرسال المصدقين لجمع الزكاة من أرجاء الدولة الإسلامية، وقد أسلم الكثير من سكان الأقطار المفتوحة، ونمت رؤوس أموال المسلمين في خلافته نتيجة الفتح ومكاسبه والتجارة الحرة في ظل الأمن وقوة الدولة الإسلامية، ولا شك أن هذه العوامل أدت إلى زيادة عظيمة في مقادير الزكاة. وكان العدل في الجباية ظاهراً دون الإخلال بحقوق بيت المال، ولم يكن موعد جباية الزكاة متفقاً مع موعد دفع العطاء، إذ لا يحول الحول على أموال الرعية في وقت العطاء، لذلك لم تكن الدولة تأخذ الزكاة من العطاء (٢)، وكان سفيان بن عبد الله الثقفي مصدقاً، فكان يحصي جميع الغنم حتى الوليدة ولكنه لا يأخذها في الزكاة، فجادله أصحاب الغنم، فسأل المصدق عمر ﵁ فدله على أخذ الغنم المتوسطة دون سخالها ولا خيارها (٣). وهذا يتفق مع السنة "وإياك وكرائم أموالهم" (٤)، وقد أنكر عمر رضي الله

стр. 196

عنه على عامل الصدقات أخذه لشاة كثيرة اللبن ذات ضرع عظيم قائلاً: "ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس!! " (١). وقد توسعت ملكية الرقيق والخيل في أيدي المسلمين، فاقترح الصحابة فرض الزكاة على الرقيق والخيل (٢)، فعدَّ عمر الرقيق والخيل من أموال التجارة، وفرض على الرقيق الصبيان والكبار ديناراً (عشرة دراهم) وعلى الخيل العربية عشرة دراهم، والبراذين (الخيل غير العربية) خمسة دراهم. ويفهم أنه لم يفرض الزكاة في رقيق الخدمة والخيل المعدة للجهاد لأنها ليست من عروض التجارة، بل إنه عوض من يدفع زكاتهما كل شهر جريبين (حوالي (٢٠٩) كيلوغرام من القمح) وهو أكثر قيمة من الزكاة (٣)، وذلك لحديث "ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة" (٤) وقد أخذ من الركاز (المال المدفون) - إذا عثر عليه- الخمس (٥). وحرص على تداول الأموال وتشغيلها لئلا تذهب بها الزكاة مع تعاقب الأعوام. فكان عنده مال ليتيم فأعطاه للحكم بن العاص الثقفي ليتجر به (٦)، إذ لم

стр. 197

يجد عمر وقتاً للتجارة وقد زحمته مسؤوليات الخلافة. وعندما صار الربح وفيراً (من عشرة آلاف درهم- (٠٠٠) , (١٠) درهم- إلى مائة ألف درهم- (٠٠٠) , (١٠٠) درهم-) شك عمر في طريقة الكسب، ولما علم أن التاجر استغل صلة اليتيم بعمر رفض جميع الربح واسترد رأس المال حيث اعتبر الربح خبيثاً!! (١). فهو يعمل بمبدأ فرضه على ولاته وهو رفض استغلال مواقع المسؤولية في الدولة، ومن هنا قاسم الولاة ثروتهم إذا نمت بالتجارة. وقد أخذ عمر زكاة الزروع العشر فيما سقته الأمطار والأنهار ونصف العشر فما سقي بالآلة (٢)، وهو الموافق للسنة (٣). وكان يوصي بالرفق بأصحاب البساتين عند تقدير الحاصل من التمر (٤). وأخذ زكاة عشرية من العسل إذا حمت الدولة وادي النحل لمستثمره (٥). وقد كثرت الحنطة في خلافته، فسمح بإخراج زكاة الفطر من الحنطة بنصف وزن ما كانوا يؤدونه قبل خلافته من الشعير أو التمر أو الزبيب (٦). وهذا فيه

стр. 198

تيسير على الناس، وقبول للمال الأنفس في الزكاة وإن تفاوت الجنس (١). وقد ذكرت المصادر أسماء عدد من المصدقين في خلافة عمر ﵁ وهم: ١ - أنس بن مالك (٢). ٢ - سعيد بن أبي ذباب، على السراة (٣) ٣ - حارثة بن مضرب العبدي (٤). ٤ - عبد الله بن الساعدي (٥). ٥ - سهل بن أبي حثمة (٦).

стр. 199

٦ - مسلمة بن مخلد الأنصاري (١). ٧ - معاذ بن جبل، على بني كلاب (٢). ٨ - سعد الأعرج، على اليمن (٣). ٩ - سفيان بن عبد الله الثقفي، كان والياً على الطائف فكان يجبي زكاتها (٤) وفي خلافة عثمان ﵁ جرى تعديل على جباية الزكاة، حيث ترك للناس إخراج زكاة الأموال الظاهرة (العين وهي الذهب والفضة) دون تسليمها للدولة (٥)، ويعلل ذلك بأنه أراد رفع المشقة والحرج عن الناس من تفتيش سعاة السوء، ففوض الناس بإخراجها (٦). أما زكاة المواشي والنخل فاستمرت الدولة بجبايتها. ولابد أن هذا الإجراء قلص موارد بيت المال من الزكاة، ولكنه ما كان ليؤثر كثيراً في التكافل الاجتماعي بين الناس حيث أن الزكاة فريضة دينية، والمجتمع كان على وعي كبير بالإسلام ورغبة صادقة في تنفيذ تعاليمه.

стр. 200

المبحث الخامس: عشور التجارة لم تفرض العشور على التجارة في عصر السيرة وخلافة أبي بكر، بل فرضها عمر ﵁ لأول مرة (١) على التجار الأجانب إذا دخلوا ببضاعتهم ديار المسلمين، وذلك لأن دولهم كانت تأخذ ضريبة عشرية من التجار المسلمين فاتبع سياسة المعاملة بالمثل، وتؤخذ من التاجر مرة واحدة في السنة ويعطى إيصالاً بذلك لئلا يتكرر أخذها كلما عبر الحدود. وقد نبه عمر ﵁ زياد بن حدير عامله على العشور "أن لا تعشر في السنة إلا مرة واحدة". "وكان يعشر كل من أقبل وأدبر" (٢). وكان مقدار الضريبة العشرية درهماً واحداً من كل عشرة دراهم (٣). وقد شمل ذلك تجار النبط، ولكنه جرى التخفيف عليهم إذا جلبوا الحنطة والزيت فأخذ منهم نصف العشر لحاجة الناس إليهما، وأما إذا جلبوا العدس والحمص واللوبيا وما شاكلها مما لا تشتد الحاجة إليه لتوفره محلياً فكان يؤخذ منهم العشر (٤). وكانت العشور تدفع أحياناً لعامل السوق، وكان على سوق المدينة عبد الله بن عتبة

стр. 201

بن مسعود الهذلي ومعه السائب بن يزيد، فكانا يأخذان العشر من النبط (١). وأخذ نصف العشر من تجارة أهل الذمة إلا بني تغلب من العرب فأخذ منهم العشر (٢). وأما التجار المسلمون فلا يدفعون سوى الزكاة وهي ربع العشر. ولا توجد إحصائيات توضح موارد بيت المال من العشور في عصر الخلافة الراشدة.

стр. 202

الفصل الثاني: النفقات العامة

стр. 203

المبحث الأول: مصارف الزكاة إن مصارف الزكاة حددها القرآن بالأسهم الثمانية (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) (١) دون أن يشترط بين الأصناف الثمانية بل تصرف حسب تقدير المصلحة والحاجة (٢). ونظراً لظروف حركة الردة في خلافة أبي بكر ﵁، فقد توسع الصرف على السهم السابع (في سبيل الله) من زكاة قبائل أسلم وغفار ومزينة وجهينة (٣) ولعل أموالاً من الزكاة صرفت على حركة الفتح في العراق والشام. وأنفق أبو بكر ﵁ من السهم الرابع (المؤلفة قلوبهم) فأعطى عدي بن حاتم ثلاثين بعيراً من إبل الصدقة (٤)، وأعطى الزبرقان بن بدر أيضاً من هذا السهم (٥). وهذا يتفق مع أوضاع الدولة وقت الردة وحاجتها إلى تأليف القلوب، وإن كان الأثران ضعيفان. ورغم اتجاه الإنفاق هذا فإن الأسهم الأخرى أخذت نصيبها من أموال الزكاة وأحيانا أشرف الخليفة بنفسه على توزيعها على الفقراء (٦).

стр. 204

ومن أهم ما حدث من تغيير في توزيع الصدقات في خلافة عمر ﵁ إسقاط سهم (المؤلفة قلوبهم) (١) إذ كانوا يتألفون بالمال في عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ (٢). وذلك لأن الإسلام كان قوي الجانب في خلافته فلا حاجة للإنفاق من أموال الزكاة على هذا الصنف من الأصناف الثمانية التي نصت عليها الآية (٣). وتشير روايات ضعيفة إلى أن عمر كان يجهز المجاهدين بأربعة آلاف فرس (٤)، وثلاثين ألف بعير (٥). ومن المعروف أن المجاهدين هم أحد الأصناف الثمانية الذين يستحقون الزكاة حتى لو كانوا أغنياء. ومن البديهي القول بأن وفرة الأموال نتيجة الفتوحات ساعدت على التوسع في الصرف على التكافل الاجتماعي مما رفع من مستوى المعيشة في المجتمع.

стр. 205

المبحث الثاني: مصارف الغنائم والفيء يقصد بالغنائم تلك الأموال التي حازها المسلمون بالقوة، أما الأموال التي أخذت دون قتال فهي الفيء. وقد بيَّن القرآن أن خمس الغنائم هي حصة الدولة، ولكنه حدد أوجه صرف الخمس: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) (١). وأما أربعة أخماس الغنائم الأخرى فإنها توزع على المقاتلين الذين شهدوا القتال، وبذلك فإن معظم الغنائم يتصرف بها الأفراد مما يرفع مستوى معيشتهم. وأما الفيء فقد حدد القرآن أوجه صرفه: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (٢). وهكذا فإن أموال الفيء كلها للدولة تتصرف في إنفاقها في التكافل الاجتماعي والتقريب بين فئات المجتمع الاقتصادية. ولما تولى أبو بكر ﵁ الخلافة جعل سهم الرسول ﷺ من الخمس في الجهاد (سبيل الله) (٣)، وأما سهم ذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، فولى عليه

стр. 206

علياً ﵁ ليقوم بقسمته (١)، ووردت روايات أخرى ضعيفة بأن أبا بكر ﵁ "لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ ما كان النبي يعطيهم" (٢) أو أنه أسقط سهم ذوي القربى وجعله في الجهاد (٣). وقد ظهرت قضية ميراث الرسول ﷺ ، وكان يتصرف في حياته بأموال الفيء وفق التوجيه القرآني، فلما توفي ﵊ طالبت فاطمة ﵂ بنصيبها مما ترك من سهامه من خيبر وفدك وصدقاته بالمدينة (٤)، وهي أموال عظيمة، وقد أوضح أبو بكر أن هذه الأموال لا تورث وفق وصية النبي ﷺ : "لا نورث ما تركنا صدقة" (٥)، و"لا يقتسم ورثتي ديناراً،

стр. 207

ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة" (١). والحق أن هذه الأموال ليست ملكية شخصية للرسول ﷺ مادام صرفها في أوجه يحددها القرآن، بل كان النبي ﷺ يقوم بقسمتها بوصفه رئيساً للدولة، ومجال صرفها عام يهدف إلى تحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين. ومن ثمَّ فإن الأموال تعود بعد وفاته إلى الدولة ويتولى مسؤوليتها الخليفة أو من ينيبه. لذلك قال أبو بكر لفاطمة ﵄: "من كان رسول الله ﷺ يعوله فأنا أعوله، ومن كان رسول الله ﷺ ينفق عليه فأنا أنفق عليه" (٢). فكان أبو بكر ينفق على أهل الرسول ﷺ من الفيء وما بقي يضعه في المصالح الأخرى (٣). ولم تطالب أزواج الرسول ﷺ بميراثهنَّ بعد أن ذكرتهن عائشة بحديث: "لا نورث ما تركنا صدقة" (٤). وقد شغلت هذه القضية أهل الأخبار، فملأوا الأسفار بالروايات المفتعلة (٥). وفي خلافة عمر ﵁ عرض على بني هاشم والمطلب أن يصرف عليهم من خمس ذوي القربى في مجالات محددة "يزوج أيمهم، ويقضي دين

стр. 208

غريمهم، فأبوا إلا أن يسلمهم الخمس جميعاً، فأبى عمر ﵁" (١). وقد أجلى عمر ﵁ يهود خيبر إلى تيماء وأريحا (٢)، وذلك تطبيقاً لحديث: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" (٣). وقد كثر العمال في أيدي المسلمين في خلافته، وقوي المسلمون على العمل في الأرض (٤)، فلم تعد ثمة ضرورة لاستمرار عقد المزارعة معهم. فأجلى يهود خيبر وقسم ما كان بأيديهم من أرض خيبر بين من شهد خيبر في عهد النبوة (٥). ولما كان النبي ﷺ يعطي زوجاته من خمس خيبر ثمانين وسقاً من التمر وعشرين وسقاً من الشعير، فقد خيَّرهنَّ عمر بين أن يقطع لهن من الأرض أو يعطيهنَّ مائة وسق، فاختارت عائشة

стр. 209

وحفصة الأرض (١). وأمسك عمر ﵁ ما جعله النبي ﷺ لنوائبه وحوائجه من شطر خيبر ونصيبه من خمس خيبر، وجعل التصرف فيهما لولي الأمر (٢) كذلك أجلى عمر ﵁ يهود فدك بعد أن عوضهم عن أرضهم، وجعلها تحت تصرف ولي الأمر، وكانت في عهد النبوة قد حبست مواردها لأبناء السبيل (٣). وأما الفيء من أرض بني النضير، فكان الرسول ﷺ يعطي أهله نفقة سنتهم منها، والباقي ينفقه في صالح الدولة. وقد أمضى أبو بكر ﵁ هذه السياسة، ثم أمضاها عمر ﵁ سنتين من خلافته، ثم دفعها للعباس ولعلي ﵄ بشرط إمضاء سياسة النبي ﷺ فيها (٤)، وهذا توكيل منه لهما على الأرض وليس تمليكاً. المبحث الثالث: العطاء

стр. 210

لم يكن للمسلمين بيت مال في عصر الرسالة و "كان الرسول ﷺ إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى العزب حظاً" (١). وكان يعطي المال تأليفاً للقلوب حتى "إن الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث الا يسيراً حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها" (٢). ولم يفرض للجند عطاء معيناً، بل يقتسمون أربعة أخماس الغنيمة. ولكن الولاة على المدن والعمال على الصدقات كانت لهم رواتب محددة (٣)، وهي تكفل لهم تنفيذ الأمر النبوي "من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً" قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ قال: "من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق" (٤). وكان أبو بكر في أول خلافته ينهج منهج الرسول ﷺ في قسمة المال دون حفظه، ويذكر الواقدي أنه كان يحتفظ به بعد ذلك في بيته بالسنح دون حارس ثم نقله إلى جوار المسجد النبوي (٥). وقد حدَّد الصحابة مرتب أبي بكر ﵁ بألفي درهم، فقال: "زيدوني فإن لي عيالاً، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة. وقد شك الراوي فذكر احتمال أن الراتب كان في الأصل ألفين وخمسمائة

стр. 211

درهم ثم صار ثلاثة آلاف بالزيادة (١). ويبدو أنه راتب سنوي، وأنه أخذ من الدولة خلال خلافته ستة آلاف درهم، فيكون راتبه الشهري في حدود (٢٥٠) درهماً (٢)، كما جعلوا له شاةً في كل يوم يطعمها لضيوفه، ويبقى رأسها وأكارعها لأهل بيته (٣). كما جعلوا له شيئاً من السمن واللبن (٤). أما رواتب الولاة فلم تصرح الروايات بمقاديرها، ولكن يبدو أنها كانت لا تكفيهم حيث طلبوا زيادتها "أن زدنا في أرزاقنا وإلا فابعث إلى عملك من يكفيكه" فاستشار أبو بكر الصحابة فوافقوا على زيادتها (٥). وقد دفعت الدولة للناس مرتبات سنوية محددة سميت بالعطاء، وقد ساوى أبو بكر رضى الله عنه بين الناس في العطاء دون النظر إلى تفاضلهم في السابقة والجهاد معللاً ذلك بقوله: "إن هذا المعاش الأسوة فيه خير من الأثرة" فعمل بهذا ولاته. وقد شمل العطاء المتساوي الصغير والكبير والحر والمملوك والذكر والأنثى (٦)

стр. 212

وتحدد رواية ضعيفة مقدار العطاء في العام الأول من خلافة الصديق بعشرة دراهم وفي العام الثاني بعشرين درهماً (١). وكان العطاء مقتصراً على أهل المدن دون البادية (٢). وفي خلافة عمر ﵁ تدفقت الأموال على الدولة، كما زادت نفقات الدولة زيادة عظيمة، فاحتاجت إلى تنظيم الواردات والمصروفات، والاحتفاظ بفائض المال لمدة طويلة، فاتخذ عمر ﵁ بيت المال (٣)، وممن تولى إدارته عبد الرحمن بن عبد القاري (تابعي له رؤية) (٤)، وعبد الله بن الأرقم الزهري (صحابي) (٥)، ومعيقيب بن أبي فاطمة (صحابي) (٦). وقد استحدثت بيوت الأموال في الأمصار أيضاً توضع فيها أموال المصر الخاصة فكان عبد الله بن مسعود يتولى بيت المال في الكوفة (٧).

стр. 213

وكان عمر يعجل بقسمة الأموال التي ترد إلى بيت المال في أول خلافته (١)، ثم دون الديوان، وفرض الفرائض، ووضع العرفاء على القبائل (٢). ويؤرخ الطبري تدوين الديوان لأول مرة في السنة الخامسة عشرة من الهجرة (٣) وأما البلاذري فيؤرخه في سنة عشرين. وتدل الروايات الصحيحة على أن تدوين الديوان كان عقب قدوم أخماس غنائم فتوح العراق يحملها أبو هريرة السدوسي (٤) بعد ولاية أبي موسى الأشعري على البصرة، وقدرها ثمانون ألف درهم (٥)، وكانت ولايته عليها منذ السنة السابعة عشرة للهجرة، كما أن غنائم المدائن وجلولاء- وقد فتحتا سنة ستة عشر- (٦) وصلت في وقت مقارب للأخماس التي أرسلها أبو موسى الأشعري، وقدر خمس غنائم جلولاء ستة ملايين درهم (٠٠٠, (٠٠٠) , ٦ درهم) (٧)، فلعل تدوين الديوان كان في حدود سنة (١٧) هـ.

стр. 214

وأراد عمر ﵁ توزيع هذه الأموال فأشار عليه الصحابة رضوان الله عليهم: "لا تفعل يا أمير المؤمنين، إن الناس يدخلون في الإسلام ويكثر المال، ولكن أعطهم على كتاب" (١). ولابد أن كتابة قوائم بأسماء المقاتلة مع تحديد معدلات أعطياتهم وأرزاقهم استلزم وقتاً طويلاً ولم يتم إنجازه كاملاً إلا سنة عشرين بعد أن استقرت الأوضاع، واتضحت أبعاد الفتح، وأنشئت المعسكرات الجديدة كالكوفة والبصرة، وتحددت الأجناد (جند الشام، وجند حمص، وجند قنَّسرين) واتضحت موارد الدولة المالية، مما يمكن معه من إنجاز الإحصاء والتدقيق اللازمين للديوان (٢). وتشير روايات ضعيفة إلى أن فكرة الديوان عرضها بعض الصحابة بناء على ما رأوه في بلاد الفرس والشام (٣)، أو أن فكرة الديوان عرضها الهرمزان- أسير تستر سنة (١٧) هـ- (٤). ولكن مما لا شك فيه أن الدواوين الإدارية والمالية كانت معروفة في أجهزة الحكم للدولتين العظميين المتصارعتين في المشرق قبيل ظهور الإسلام (٥).

стр. 215

ولا شك أن تدوين الديوان هو بمثابة إحصاء لأعداد المقاتلين المسلمين، بل ولغيرهم أيضاً ممن استحقوا العطاء، وكان قد جرى أول إحصاء في الإسلام في عهد النبوة "اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس" فكتب له ألفاً وخمسمائة رجل (١) ولم تشر المصادر إلى وقوع إحصاء آخر للسكان حتى تدوين الديوان. أما عن ترتيب الديوان، فقد بدأ بقرابة الرسول ﷺ (٢) الحسن والحسين (٣)، ثم الأقرب فالأقرب، فقسم لزوجاته ﷺ ، ثم قدم المهاجرين الأولين فبدأ بأهل بدر منهم ثم أحد .. وعلل ذلك بقوله: "إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين، فإنا أخرجنا من ديارنا ظلماً وعدواناً- ثم أشرفهم ففرض لأهل بدر وأحد- ثم قال: ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومنَّ رجل إلا مناخ راحلته" (٤). واذا اقتصرنا على ما صح من مقادير العطاء، فإن عطاء زوجات النبي ﷺ كان عشرة آلاف درهم (٠٠٠, (١٠) درهم) كل سنة إلا جويرية وصفية وميمونة فقد فرض لهن أقل من ذلك ثم زاد عطاؤهن فصار اثني عشر ألف درهم (٠٠٠, (١٢) درهم) إلا صفية وجويرية كان عطاؤهن ستة آلاف درهم (٦٠٠٠ درهم). وقد طالبت عائشة بالمساواة بين أمهات المؤمنين، فوافق عمر على مساواتهن (٥).
следующие страницы →