درهم ثم صار ثلاثة آلاف بالزيادة (١). ويبدو أنه راتب سنوي، وأنه أخذ من الدولة خلال خلافته ستة آلاف درهم، فيكون راتبه الشهري في حدود (٢٥٠) درهماً (٢)، كما جعلوا له شاةً في كل يوم يطعمها لضيوفه، ويبقى رأسها وأكارعها لأهل بيته (٣). كما جعلوا له شيئاً من السمن واللبن (٤).
أما رواتب الولاة فلم تصرح الروايات بمقاديرها، ولكن يبدو أنها كانت لا تكفيهم حيث طلبوا زيادتها "أن زدنا في أرزاقنا وإلا فابعث إلى عملك من يكفيكه" فاستشار أبو بكر الصحابة فوافقوا على زيادتها (٥).
وقد دفعت الدولة للناس مرتبات سنوية محددة سميت بالعطاء، وقد ساوى أبو بكر رضى الله عنه بين الناس في العطاء دون النظر إلى تفاضلهم في السابقة والجهاد معللاً ذلك بقوله: "إن هذا المعاش الأسوة فيه خير من الأثرة" فعمل بهذا ولاته. وقد شمل العطاء المتساوي الصغير والكبير والحر والمملوك والذكر والأنثى (٦)
стр. 212
وتحدد رواية ضعيفة مقدار العطاء في العام الأول من خلافة الصديق بعشرة دراهم وفي العام الثاني بعشرين درهماً (١). وكان العطاء مقتصراً على أهل المدن دون البادية (٢).
وفي خلافة عمر ﵁ تدفقت الأموال على الدولة، كما زادت نفقات الدولة زيادة عظيمة، فاحتاجت إلى تنظيم الواردات والمصروفات، والاحتفاظ بفائض المال لمدة طويلة، فاتخذ عمر ﵁ بيت المال (٣)، وممن تولى إدارته عبد الرحمن بن عبد القاري (تابعي له رؤية) (٤)، وعبد الله بن الأرقم الزهري (صحابي) (٥)، ومعيقيب بن أبي فاطمة (صحابي) (٦).
وقد استحدثت بيوت الأموال في الأمصار أيضاً توضع فيها أموال المصر الخاصة فكان عبد الله بن مسعود يتولى بيت المال في الكوفة (٧).
стр. 213
وكان عمر يعجل بقسمة الأموال التي ترد إلى بيت المال في أول خلافته (١)، ثم دون الديوان، وفرض الفرائض، ووضع العرفاء على القبائل (٢).
ويؤرخ الطبري تدوين الديوان لأول مرة في السنة الخامسة عشرة من الهجرة (٣) وأما البلاذري فيؤرخه في سنة عشرين. وتدل الروايات الصحيحة على أن تدوين الديوان كان عقب قدوم أخماس غنائم فتوح العراق يحملها أبو هريرة السدوسي (٤) بعد ولاية أبي موسى الأشعري على البصرة، وقدرها ثمانون ألف درهم (٥)، وكانت ولايته عليها منذ السنة السابعة عشرة للهجرة، كما أن غنائم المدائن وجلولاء- وقد فتحتا سنة ستة عشر- (٦) وصلت في وقت مقارب للأخماس التي أرسلها أبو موسى الأشعري، وقدر خمس غنائم جلولاء ستة ملايين درهم (٠٠٠, (٠٠٠) , ٦ درهم) (٧)، فلعل تدوين الديوان كان في حدود سنة (١٧) هـ.
стр. 214
وأراد عمر ﵁ توزيع هذه الأموال فأشار عليه الصحابة رضوان الله عليهم: "لا تفعل يا أمير المؤمنين، إن الناس يدخلون في الإسلام ويكثر المال، ولكن أعطهم على كتاب" (١). ولابد أن كتابة قوائم بأسماء المقاتلة مع تحديد معدلات أعطياتهم وأرزاقهم استلزم وقتاً طويلاً ولم يتم إنجازه كاملاً إلا سنة عشرين بعد أن استقرت الأوضاع، واتضحت أبعاد الفتح، وأنشئت المعسكرات الجديدة كالكوفة والبصرة، وتحددت الأجناد (جند الشام، وجند حمص، وجند قنَّسرين) واتضحت موارد الدولة المالية، مما يمكن معه من إنجاز الإحصاء والتدقيق اللازمين للديوان (٢).
وتشير روايات ضعيفة إلى أن فكرة الديوان عرضها بعض الصحابة بناء على ما رأوه في بلاد الفرس والشام (٣)، أو أن فكرة الديوان عرضها الهرمزان- أسير تستر سنة (١٧) هـ- (٤). ولكن مما لا شك فيه أن الدواوين الإدارية والمالية كانت معروفة في أجهزة الحكم للدولتين العظميين المتصارعتين في المشرق قبيل ظهور الإسلام (٥).
стр. 215
ولا شك أن تدوين الديوان هو بمثابة إحصاء لأعداد المقاتلين المسلمين، بل ولغيرهم أيضاً ممن استحقوا العطاء، وكان قد جرى أول إحصاء في الإسلام في عهد النبوة "اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس" فكتب له ألفاً وخمسمائة رجل (١) ولم تشر المصادر إلى وقوع إحصاء آخر للسكان حتى تدوين الديوان.
أما عن ترتيب الديوان، فقد بدأ بقرابة الرسول ﷺ (٢) الحسن والحسين (٣)، ثم الأقرب فالأقرب، فقسم لزوجاته ﷺ ، ثم قدم المهاجرين الأولين فبدأ بأهل بدر منهم ثم أحد .. وعلل ذلك بقوله: "إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين، فإنا أخرجنا من ديارنا ظلماً وعدواناً- ثم أشرفهم ففرض لأهل بدر وأحد- ثم قال: ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومنَّ رجل إلا مناخ راحلته" (٤). واذا اقتصرنا على ما صح من مقادير العطاء، فإن عطاء زوجات النبي ﷺ كان عشرة آلاف درهم (٠٠٠, (١٠) درهم) كل سنة إلا جويرية وصفية وميمونة فقد فرض لهن أقل من ذلك ثم زاد عطاؤهن فصار اثني عشر ألف درهم (٠٠٠, (١٢) درهم) إلا صفية وجويرية كان عطاؤهن ستة آلاف درهم (٦٠٠٠ درهم). وقد طالبت عائشة بالمساواة بين أمهات المؤمنين، فوافق عمر على مساواتهن (٥).
стр. 216
وكان عطاء المهاجرين والأنصار أربعة آلاف درهم (٤٠٠٠ درهم) لكل واحد سنوياً (١)، سوى عبد الله بن عمر بن الخطاب فإنه فرض له ثلاثة آلاف وخمسمائة درهم (٣٥٠٠ درهم) معللاً ذلك "بأنه هاجر به أبوه أي ليس هو كمن هاجر بنفسه" (٢)، وكان عبد الله صبياً حين الهجرة. ثم زاد المهاجرين ألفاً فصار عطاءهم خمسة آلاف درهم (٥٠٠٠ درهم) كل سنة (٣). ويبدو أن هذا العطاء للبدريين فقط من المهاجرين والأنصار (٤).
وأما من شهد صلح الحديبية فكان عطاءه ثلاثة آلاف درهم (٣٠٠٠ درهم) كل سنة (٥).
وفرض لكل مولود مائة درهم (١٠٠ درهم)، وكان يفرض للفطيم ثم فرض للمولود حين ولادته خوفاً من تعجيل فطامه (٦).
стр. 217
وأما الموالي، فقد فرض لأشرافهم كالهرمزان حينما أسلم ألفي درهم (٢٠٠٠ درهم) (١).
وإضافة إلى العطاء السنوي فإن عمر ﵁ كان يوزع عطايا متفرقة، فقد أرسل إلى عائشة ﵂ دراجاً (سفطاً لوضع الطيب والحلي) بعد أن استأذن الصحابة (٢). وأعطى بعيراً محملاً بالطعام والنفقة والثياب لبنت خفاف بن ايماد الغفاري لمكانة أبيها وأخيها في الجهاد (٣). وقسم مروطاً (أكسية تأتزر بها النساء من الصوف أو الحرير) بين نساء من نساء المدينة، وخصَّ أم سليط بمرط جيد "لأنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد" (٤). وربما دفع أموالاً لبعض الصحابة لقسمتها على المحتاجين كما فعل مع عثمان وابن عباس (٥).
وقد قسم المال مرة فسَّوى بين الناس، ولكن راعى أحوالهم الاجتماعية، فإن كان الرجل وحده أعطاه نصف دينار، وإن كانت معه امرأته أعطاه ديناراً (٦).
ومن المهم أن نتبين وجهة نظر عمر ﵁ في عدم المساواة بين المسلمين في العطاء، ودعمه الواضح لقرابة الرسول ﷺ ولكبار
стр. 218
الصحابة من المهاجرين والأنصار واعتباره للسابقة في الإسلام والبلاء في الجهاد .. فلا شك أن الفئة التي حازت الأموال الوفيرة في خلافته هي التي أقامت على أكتافها صرح الدولة الإسلامية، كما أنها أكثر فقهاً والتزاماً بالشرع ومقاصده، وأكثر ورعاً وصلاحاً في التعامل مع المال، وتذليله لتحقيق المقاصد الاجتماعية عن طريق الإنفاق. ودعم هذه الفئة اقتصادياً يقوي نفوذها في المجتمع، ويجعلها أقدر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحقق مقصد الحديث: "اليد العليا خير من اليد السفلى".
ويلاحظ أن عمر ﵁ أراد العدول عن سياسة التفضيل في العطاء إلى المساواة، ولعل سياسة التفضيل حققت مقاصدها، كما أن وفرة الأموال تتيح له رفع العطاء الأقل إلى الأعلى .. وقد صرَّح بذلك في آخر خلافته قائلاً: "لئن بقيت إلى قابل، لألحقن آخر الناس بأولهم، ولأجعلنهم بياناً واحد" (١) - أي سواء-.
وأما عن نظرة عمر إلى الأموال العامة فقد عبَّر عنها بقوله: "إنَّ الله جعلني خازناً لهذا المال، وقاسماً له، ثم قال: بل الله يقسمه" (٢).
стр. 219
وقد بكى عندما رأى عظمة الأموال التي جلبت إلى بيت المال من فتوح فارس، فلما ذكره عبد الرحمن بن عوف بأنه يوم شكر وسرور وفرح، قال عمر: "كلا إن هذا لم يعطه قوم إلا ألقي بينهم العداوة والبغضاء" (١).
ونظر إلى أموال فتح جلولاء فقرأ الآية: (زيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة) (٢) وقال: اللهم لا نستطيع إلا أن نفرح بما زين لنا، اللهم فاجعلني أنفقه في حقه، وأعوذ بك من شره (٣).
أما ورعه من المال العام فيظهر من قوله: "أنا أخبركم بما أستحل من مال الله، حلة الشتاء والقيظ، وما أحج عليه وما أعتمر من الظهر، وقوت أهلي كرجل
стр. 220
من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، أنا رجل من المسلمين يصيبني ما يصيبهم" (١) وكان يقول: "اللهم إنك تعلم أني لا أكل إلا وجبتي، ولا ألبس إلا حلتي، ولا آخذ إلا حصتي" (٢). ويقول: "إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم، من كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف" (٣).
وكان مثالياً في موقفه عام الرمادة حيث امتنع عن أكل السمن وعاش على الزيت والشعير مواساة للرعية حتى انجلت المجاعة (٤). ورفض أول ماحيا الناس أن يأكل السمن واللبن لارتفاع سعره حيث بلغ ثمن عكة السمن والحيس (يصنع من تمر وأقط وسمن) أربعين درهماً (٥).
الأرزاق العينية:
إضافة إلى العطاء السنوي، فإن الدولة كانت توزع أرزاقاً عينية تشمل كبار الموظفين والرعية، فقد بعث عمر رضى الله عنه عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال بالكوفة، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وعمار بن ياسر على الصلاة والقتال، وجعل لهم كل يوم شاة، نصفها وسواقطها لعمار بن ياسر، وربعها
стр. 221
لعثمان بن حنيف، وربعها الباقي لعبد الله بن مسعود (١). ولما قدم الشام طلب من أمراء الأجناد أن يكفلوا لكل رجل من المسلمين كل شهر مديي بر ويعادلان (٧٢) و (٣٦) كيلو غرام، وقسطين من الزيت والخل (٢)، بعد أن تحقق عملياً من أن هذا الرزق يكفي الرجل مدة شهر، بأن أطعم المديين والقسطين ثلاثين رجلاً فشبعوا (٣).
وكان عمر يرسل لأزواج النبي ﷺ بالرؤوس والأكارع والورس والزعفران (٤). وأما الثياب فكان يأمر بصنع الحلل الجيدة (برود اليمن) للصحابة، وكانت قيمة الحلة تتراوح بمن ١٠٠٠ - (١٢٠٠) درهم وربما بلغت (١٥٠٠) درهم (٥).
وقد باع الصحابي معاذ بن عفراء حلته بألف وخمسمائة درهم وأعتق بها خمس رقاب، وكانت الحلة الغليظة بمائة درهم فقط (٦).
وأعظم ما أنفقته الدولة من الأرزاق العينية كان عام الرمادة، فقد أصابت
стр. 222
الناس في نجد والحجاز مجاعة دامت تسعة أشهر اسودت خلالها الأرض لانقطاع الأمطار، وقد توسع الواقدي (١) في وصف حالة المجاعة هذه مبيناً نزوح الأعراب إلى المدينة، وقد بلغ عدد الذين تمدهم الدولة بالطعام ستين ألفاً منهم من يتعشى على مائدة واحدة وقد بلغوا عشرة آلاف، ومنهم من يصله الطعام إلى داره، وقد طلب الخليفة من ولاته على الأمصار إرسال الطعام والثياب فوافوه بها، ثم أدى عمر والصحابة صلاة الاستسقاء فنزلت الأمطار وحيت الأرض ورجع أهل البوادي إلى ديارهم, وقد عقَّب عمر ﵁ على هذه الأحداث الشاقة بقوله: "الحمد لله، فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركت أهل بيت من المسلمين لهم سعة إلا أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء، فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحداً" (٢).
نفقات طارئة:
فقد جعل عمر ﵁ نفقة اللقيط من بيت مال المسلمين (٣)، كما دفع دية رجل قتل في الكعبة من المال العام (٤).
المبحث الرابع: الإصلاحات
١ - الإقطاع:
مضى أبو بكر ﵁ في تطبيق السياسة النبوية في إقطاع الأراضي
стр. 223
للناس طلباً لاستصلاحها، فقد أقطع الزبير بن العوام أرضاً مواتاً ما بين الجرف وقناة (١) وأقطع مجاعة بن مرارة الحنفي الخضرمة (قرية كانت باليمامة) (٢)، وأراد إقطاع الزبرقان بن بدر، ثم عدل عن ذلك لاعتراض عمر ﵁، كما أراد إقطاع عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس التميمي أرضاً سبخة (ليس فيها كلأ ولا منفعة) أرادا استصلاحها ثم عدل عن ذلك أخذاً برأي عمر ﵁ في عدم الحاجة لتأليفهما على الإسلام "إن رسول الله ﷺ كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما" (٣) ومن الواضح أن اعتراض عمر ليس على مبدأ الإقطاع لاستصلاح الأراضي بل على أشخاص بعينهم لا يرى تأليفهم على الإسلام.
وقد توسع عمر ﵁ في إقطاع الأرض لغرض استصلاحها جرياً
стр. 224
على السياسة النبوية، فقد أعلن: "يا أيها الناس من أحيا أرضاً ميتة فهي له" (١). وتعتضد آثار ضعيفة لتؤكد انتزاع عمر ﵁ ملكية الأرض المقطعة إذا لم يتم استصلاحها (٢)، وتحدد رواية ضعيفة لذلك ثلاث سنوات من تأريخ الإقطاع (٣) وقد ثبت إقطاع عمر ﵁ لخوات بن جبير أرضاً مواتاً (٤)، وللزبير بن العوام أرض العقيق جميعها (٥)، ولعلي بن أبي طالب أرض ينبع، فتدفق فيها الماء الغزير، فأوقفها علي ﵁ صدقة على الفقراء (٦). وتوجد آثار ضعيفة لإقطاعه عدداً من الصحابة الآخرين، ونظراً لما يترتب على الإقطاع من حقوق التملك فلا ينبغي إعطاءها أهمية (٧)، بل إن عمر ﵁ رفض إقرار إقطاع البحرين للعباس بن عبد المطلب مما أغضب الأخير إذ لم يكن عنده سوى
стр. 225
شاهد واحد على أن النبي ﷺ أقطعه إياها (١).
ولما تولى عثمان ﵁ الخلافة توسع في الإقطاع، وخاصة في المناطق المفتوحة، حيث ترك عدد من الملاكين أراضيهم فارين، فصارت صوافي تقوم الدولة باستثمارها، فأقطع عثمان ﵁ منها خوفاً من بوارها (٢)، ولكن الإمام أحمد يرى أنه أقطع من السواد أيضاً (٣). ومما لاشك فيه أن الصوافي قد يقع كثير منها في أرض السواد. وعلى أية حال فإن الإقطاع من الصوافي رفع غلتها من تسعة آلاف درهم (٩٠٠٠ درهم) سنوياً في خلافة عمر ﵁ إلى خمسين مليون درهم (٠٠٠, (٠٠٠) , (٥٠) درهم) في خلافة عثمان ﵁ (٤) مما يدل على نجاح سياسته في إدارة الصوافي.
وتذكر المصادر قائمة بأسماء الذين أقطعهم عثمان ﵁،
стр. 226
ومعظمهم ليسوا من قريش، ومعظم الروايات في إقطاع عثمان ﵁ ضعيفة وهي بالجملة تثبت توسعه في الإقطاع.
ولعل من المفيد ذكر أسماء المقطعين وهم:
١ - عبد الله بن مسعود الهذلي "أرض بين نهري بيل وبين في السواد".
٢ - عمار بن ياسر العنسي "أستينيا".
٣ - خباب بن الأرت التميمي "صعنبى- قرية بالسواد".
٤ - عدي بن حاتم الطائي "الروحاء- قرية من قرى بغداد على نهر عيسى".
٥ - سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي "قرية هرمز ببرِّ فارس" (١).
٦ - الزبير بن العوام.
٧ - أسامة بن زيد الكلبي.
٨ - سعيد بن زيد العدوي القرشي.
٩ - جرير بن عبد الله البجلي "أرض على شاطئ الفرات".
١٠ - ابن هبار.
١١ - طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي "النشاستج- صنيعة بالكوفة".
١٢ - وائل بن حجر الحضرمي "أرض توالي قرية زرارة، بالكوفة".
١٣ - خالد بن عرفطة القضاعي "أرض عند حمام أعين بالكوفة".
١٤ - الأشعث بن قيس الكندي "طيزناباذ- موضع بين الكوفة والقادسية".
١٥ - أبو مربد الحنفي "أرض بالأهواز على نهر تيري".
١٦ - نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي "قطيعة بشط عثمان بالبصرة".
стр. 227
١٧ - أبو موسى الأشعري "قطيعة بحمام عمرة" (١).
١٨ - عثمان بن أبي العاص الثقفي "شط عثمان بالبصرة".
ويبدو أن جلاء أهل هذه الأراضي عنها، فصارت مواتاً، وأقطعها عثمان ﵁ لإحيائها. ويبدو أن معاوية بن أبي سفيان أقطع قطائع في سواحل الشام لتعميرها وإعدادها لمواجهة هجمات الروم (٢). وكذلك أقطع قطائع بأنطاكية بأمر عثمان (٣)، وأخرى بقاليقلا (٤). كما أقطع معاوية من صوافي الشام (٥). وأما إقطاعه فدك لمروان بن الحكم فلم يعرف من طريق صحيحة (٦). وقيل أن الذي أقطع فدك لمروان هو معاوية بن أبي سفيان (٧).
٢ - الحمى:
وهي أراض خصصت لرعي الإبل والخيل التي تملكها الدولة، وقد استمرت حماية وادي النقيع في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حيث كان النبي صلى
стр. 228
الله عليه وسلم قد حماه للخيل (١). وطوله ثمانون كيلو متراً، ويبدأ جنوب المدينة بـ (٤٠) كيلو متراً (٢).
وقد كثرت المناطق المحمية في خلافه عمر ﵁ لكثرة ما تملكه الدولة من الإبل والخيل المعدة للجهاد، ومن ذلك حمى الربذة لنعم الزكاة (٣)، وعين عليه مولاه هنِّي وأوصاه بالسماح لأصحاب الإبل القليلة بالرعي فيه دون الأغنياء (٤). وحمى أرضاً في ديار بني ثعلبة رغم احتجاجهم على ذلك فقد أجابهم: "البلاد بلاد الله تحمى لنعم مال الله" (٥). وقيل أنه حمى ضرية أيضاً، وتعرف بالشَّرَف (٦).
٣ - الإنفاق على العمران:
عمران المساجد:
قامت الدولة في عصر الخلافة الراشدة بالإنفاق على المنشآت العامة، فتم تجديد سقف المسجد النبوي بالمدينة وسواريه في خلافة أبي بكر ﵁،
стр. 229
ولكن لم تستعمل في التجديد مواد أخرى غير جذوع النخل وجريده (١). كما لم تتم توسعة المسجد (٢).
وفي خلافة عمر ﵁ زاد في مساحة المسجد، وأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب (٣)، وامتدت التوسعة عشرة أذرع من جهة القبلة وعشرين ذراعاً من الناحية الغربية، وسبعين ذراعاً من الناحية الشمالية (٤). وأعاد بناءه باللبن والجريد، وجعل عُمُده من الخشب (٥)، وجعل سقفه من الجريد وكساه ليحمي الناس من المطر، ونهى عن زخرفته بحمرة أو صفرة لئلا يفتتن الناس في صلاتهم (٦)، ورصف أرضه بالحصباء جيء بها من العقيق (٧).
وأجرى عمر ﵁ تعديلات يسيرة في المسجد الحرام بمكة، فنقل مقام إبراهيم وكان ملصقاً بالكعبة إلى مكانه اليوم بعيداً عنها للتيسير على الطائفين والمصلين (٨)، وعمل عليه المقصورة (٩). كما أقام لأول مرة جداراً قصيراً حول
стр. 230
البيت الحرام (١)، وكسى من بيت المال الكعبة القباطي (٢) - وهي ثياب مصرية رقيقة بيضاء-.
كما عمِّرت المساجد في الأمصار الجديدة في خلافة عمر ﵁، فاختط سعد بن أبي وقاص المسجد الجامع بالكوفة، واختط عتبة بن غزوان المسجد الجامع بالبصرة، واختط عمرو بن العاص المسجد الجامع في الفسطاط، فكانت هذه المساجد الكبيرة محل صلاة المسلمين وتعارفهم وتدارسهم العلم وقضائهم وتلقيهم أوامر الخليفة والولاة ..
بناء الأمصار:
لا شك أن خطوط المواصلات بين المدينة المنورة عاصمة الخلافة الراشدة وميادين القتال في العراق وإيران والشام ومصر وأفريقية أصبحت طويلة، فكان لابد من اتخاذ قواعد عسكرية داخل المناطق المفتوحة، تصلح لسكن المقاتلين، وتوفر لهم الخدمات الضرورية، وقد تم اختيار مواقع المدن الجديدة بعد مشاورات بين الخليفة عمر ﵁، وقادة الميادين.
وقد نبَّه عمر قادته إلى ضرورة قرب المدن من الماء والمرعى، وأن يجتمع فيها المسلمون، وبنى القادة مدنهم، فابتنى عتبة بن غزوان (١٤ - (١٦) هـ) البصرة، وابتنى سعد بن أبي وقاص سنة (١٧) هـ (٣) الكوفة، وابتنى عمرو بن العاص الفسطاط. وقد لوحظ في اختيار الموقع أن المدن الثلاثة لا تفصلها عن الصحراء عوائق طبيعية
стр. 231
من أنهار وجبال ليسهل انسحاب المقاتلين منها إلى الصحراء عند الضرورة (١).
وقد استخدم القصب المتوافر بكثرة في موقع البصرة لبناء المسجد وسط المدينة، وقرب المسجد اختط عتبة دار الإمارة والى جوارها السجن والديوان في الرحبة، وكان الناس في أول الأمر إذا خرجوا إلى الجهاد نزعوا ذلك القصب، وحزموه، ثم يعيدون بناءه إذا رجعوا من الجهاد.
ولما تولى أبو موسى الأشعري ولاية البصرة بنى دار الإمارة باللبن والطين وسقفها بالعشب، وزاد في المسجد، وأخذ الناس بالبناء باللبن خاصة بعد أن وقع الحريق بالبصرة (٢).
وأما بناء الكوفة فكان سنة (١٧) هـ، وكان المسلمون يقيمون بالمدائن وقد اختطوا فيها وأقاموا المساجد لكنهم استوخموها، فكتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر ﵁، فأمره ببناء مدينة لهم، وقام بتخطيط الكوفة أبو الهياج السلمي وفق توجيهات الخليفة العامة، حيث جعل عرض الطرق الرئيسية (المناهج) أربعين ذراعاً وما يليها ثلاثين ذراعاً وما بينهما عشرين ذراعاً، والأزقة سبعة أذرع، ولا يخط طريق أضيق من ذلك. واعتبرت الطرق الرئيسية حدوداً فاصلة بين مخيمات القبائل الواقعة على جانبي الطريق. وقد بدئ ببناء المسجد الجامع وسط المدينة ثم ترك فراغ حول المسجد كالصحن، ثم بنيت دار الإمارة وبيوت الأموال بجوار المسجد وكان بين المسجد ودار سعد مائتي ذراع، وحفر خندق بعد صحن المسجد لئلا تمتد إليه بيوت الناس. وسمح بإقامة السوق دون بنيان داخل صحن المسجد، ويكون
стр. 232
المكان من حق السابق إليه من الباعة. وأنزلت القبائل حول صحن المسجد، واختطت لها مكان إقامتها فكان لكل قبيلة مكان يعرف باسمها لا تنزل فيه القبائل الأخرى (١).
وأما الفسطاط فقد اختطها عمرو بن العاص، فابتنى مسجدها الجامع وحول دار الإمارة وخطط القبائل.
حفر الأنهار والخلجان وإقامة السدود والمنشآت الأخرى:
أنفقت الدولة الإسلامية على عدة مشاريع بعضها لتحسين المواصلات البحرية مثل خليج أمير المؤمنين بمصر حيث حفره واليها عمرو بن العاص بين النيل والخليج، وبذلك أصبحت السفن المصرية تمخر البحر الأحمر تحمل المواد الغذائية وغيرها إلى ميناء الجار ميناء أهل المدينة (٢). ومثل حفر قناة مائية مسافة ثلاثة فراسخ من الخور إلى البصرة لإيصال مياه دجلة إلى البصرة (٣).
وفي خلافة عمر أصابت السيول الكعبة واقتلعت مقام إبراهيم ﵇ فبنى سدين، أحدهما من الصخور العظيمة (٤).
وقد اشترى عمر داراً بمكة بأربعمائة دينار واتخذها سجناً (٥). كما شُّيِّد
стр. 233
سجن بالكوفة من القصب (١).
وأقيمت في خلافة عمر استراحات للحجاج توفر الماء والظل على الطريق بين المدينة ومكة (٢).
واتخذ عمر ﵁ دار الدقيق لحفظ الدقيق والسويق والتمر والزبيب وغير ذلك لوقت الحاجة (٣).
٤ - مشروع تحرير الرقيق:
إن مشكلة الرقيق واجهت الإسلام منذ البداية، ولم يكن أمامه فرصة إلغاء الرقيق وهو نظام عالمي، ولا توجد منظمة عالمية تتمكن من إقرار التحرير الشامل، ولو أن الدولة الإسلامية ألغت الرقيق من طرف واحد فإنها لن تتمكن من تحرير أسرى الحرب المسلمين إذا وقعوا بيد الدولة الأخرى عن طريق مبادلتهم بأسرى من غير المسلمين، ولكن ذلك لم يمنع الدولة الإسلامية من وضع برامج تحرير الرقيق داخل المجتمع الإسلامي عن طريق الكفارات والمكاتبة والحث على عتق الرقيق طلباً للثواب الأخروي.
وقد كثر المكاتبون من الرقيق في خلافة عمر، فكانوا يساعدون تنفيذاً لأمر الله تعالى، كما أن الدولة كانت ترضخ للعبيد من الغنائم والعطاء، لتكون لهم مال يعملون بتنميته حتى يتحرروا من الرق. وقد ألزم سادتهم بتحريرهم إذا سددوا ما تعهدوا به من مال، وكان مقدار الفداء حسب مهارة العبد وقد يبلغ (٠٠٠) , (٤٠)
стр. 234
درهم أحياناً (١).
ولما تحسنت موارد بيت المال في خلافة عمر ﵁ قدَّم وصيته- قبل موته- بتحرير جميع الأرقاء المسلمين في الدولة. ولكن المصادر لا تذكر تطبيق هذه الوصية في عصر الخلافة الراشدة، ولعل ظروف الفتن التي أعقبت خلافة عمر حالت دون ذلك (٢). وهذه المبادرة العمرية هي أقدم محاولة في التأريخ الإنساني لتحرير الرقيق تحريراً شاملاً في نطاق دولة كبرى.
٥ - النقود:
يروى أن عمر بن الخطاب رأى الدراهم الفضية المتداولة في الأسواق مختلفة الأوزان، منها البغلي وهو ثمانية دوانيق، ومنها الطبري وهو أربعة دوانيق، ومنها المغربي وهو ثلاثة دوانيق، ومنها اليمني وهو دانق واحد. ولاحظ أن المتداول منها كثيراً هو الطبري والبغلي، فجمع بينهما فكان اثني عشر دانقاً، فأخذ نصفها فكان ستة دوانق، فجعل الدرهم الإسلامي في ستة دوانق. كما يروى أنه أراد أن يجعل الدراهم من جلود الإبل ثم عدل عن ذلك.
واستعملت الدولة الإسلامية في عصر الخلافة الراشدة الدينار البيزنطي والدراهم الساسانية، وكان الدينار البيزنطي يزن مثقالا من الذهب أو ثمانية دوانيق أو عشرون قيراطاً (٣). ومن الثابت ضرب بعض النقود الإسلامية في بلاد فارس في حوالي سنة (٢٠) هـ وسنة (٣٩) هـ وعليها عبارات عربية فارسية مشتركة، ويحتفظ
стр. 235
المتحف العراقي ببعض منها (١).
وراقب عمر ﵁ النقود، فنهى عن بيع النقود الرديئة (الزيوف) بأخرى جيدة دون وزنها، وكان يرى أنه يوقد عليها حتى يذهب ما فيها من النحاس أو الحديد حتى تخلص الفضة ثم تباع بوزنها (٢)، وهذا منعاً للغرر.
القروض الحسنة:
كان القرض الحسن شائعاً ابتغاء الأجر الأخروي، وشرطه أن لا يجر نفعاً مشروطاً لصاحب المال، ولكن إذا أعطاه المدين أفضل من دراهمه فلا بأس بأن يأخذها (٣). وربما يعجز المدين، فلا يُلزم الدائن بترك المال، بل يقضى لهم من ماله (٤) وإذا أدرك الرجل ماله بعينه عند المدين فهو أحق به من بقية الدائنين (٥)، وربما أعفى الدائن المدين من بعض المال (٦).
وكان بيت المال في المدينة والأمصار يقدم بعض القروض الحسنة للخلفاء والولاة.
القوة الشرائية للنقود:
إن القوة الشرائية للنقود يمكن أن تتحدد إذا تأملنا في المبالغ التي كانت
стр. 236
تصرفها العائلة في السنة، وكذلك في التأمل في أسعار الحاجيات المتنوعة، ويبدو أن العائلة الكبيرة في خلافة الصديق كانت تحتاج إلى ألفين وخمسمائة درهم في السنة، يدل على ذلك أن كبار الصحابة أهل الحل والعقد جعلوا مرتب أبي بكر الصديق حين استخلافه ألفي درهم، فقال: زيدوني إنكم قد منعتموني من التجارة ولي عيال. فزادوه خمسمائة درهم، وجعلوا له شاة كل يوم يُطعمها المسلمين. فقال: طيبوا لأهلي رأسها وأكارعها، ففعلوا (١).
كما أن التأمل في العطاء السنوي يوضح مستوى المعيشُة، والقوة الشُرائية للنقود لأن العطاء كان يكفل مستوى كريماً لأصحابه، ولابد أن شرف العطاء كان يفيض عن حاجة أصحابه.
وأما أسعار الحاجيات المتنوعة فهي كما يلي:
* قميص (أربعة دراهم) (٢).
* قباء حريري منسوج بالذهب- من غنائم جلولاء في خلافة عمر- (٣٠٠ درهم) (٣)
* دية المرأة (٦٠٠٠ درهم) وتزاد ألفي درهم إذا قتلت بالحرم في الطواف تغليظاً للحرم (٤).
* دية الطفل وهو حمل (٥٠٠ درهم يساوي غرَّةُ عبدٍ أو أمةٍ، أو فرس،
стр. 237
أو عشرون ومائة شاة) (١).
* ثمن بعير (٤٠٠ درهم) (٢).
الرقابة المالية:
كان أبو بكر ﵁ عظيم الورع حذراً في تعامله مع المال العام فلما حضرته الوفاة استدعى ابنته عائشة ﵂ وأوصاها وصيته الأخيرة: "أما والله لقد كنت حريصاً على أن أدخر فيء المسلمين، على أني قد أصبت من اللحم واللبن، فانظري ما كان عندنا فابلغيه عمر".
قال أنس بن مالك ﵁: وما كان عنده دينار ولا درهم، ما كان إلا خادماً ولقحة، فأرسلتهما عائشة بعد موته وتشييعه إلى عمر ﵁. فقال عمر: لقد أتعب أبو بكر من بعده تعباً شديداً (٣).
وكان عمر ﵁ شديد الورع في التعامل مع الأموال العامة (بيت المال) ولم يكن يأخذ منه سوى المرتب الذي حدده الصحابة، فكان يوزع القطائف الجيدة المزركشة بالديباج على الصحابة دون أن يأخذ منها لنفسه (٤).
وقد أصيب بعير من الأموال العامة، فنحره عمر ووزع بعضه على أمهات المؤمنين وصنع منه طعاماً للصحابة، فاقترح العباس بن عبد المطلب عليه أن يفعل ذلك كل يوم ليجتمعوا عنده ويتحدثوا. فقال عمر: لا أعود لمثلها، إنه مضى
стр. 238
صاحبان لي عملا عملاً وسلكا طريقاً، وإني إن عملت بغير عملهما سلك بي طريق غير طريقهما (١).
وتتمثل نظرته للمال في دعائه: "اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لتا، اللهم فاجعلني أنفقه في حقه، وأعوذ بك من شره" (٢).
وكان مرهف الحس، عظيم الشعور بالمسؤولية تجاه الأموال العامة والخاصة
فكان يقول: "لو مات جمل ضياعاً بشاطئ الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه" (٣).
وكان يسأل بعض علماء الصحابة عن سياسته، وقد سأل مرة حذيفة بن اليمان ﵁ قائلاً: أنشدك بالله وبما يحق لي عليك من الولاية، كيف ما رأيت مني؟ قال حذيفة: يا أمير المؤمنين، إن جمعت فيء الله وقسمته في ذات الله فأنت أنت وإلا فلا (٤)
فلا غرابة إذا ما راقب صرف الأموال العامة بصورة دقيقة، يشمل ذلك نفسه وأهله وولاته ورعيته ..
رقابة عمر لأهله:
منع عمر ﵁ أهله من جرَّ المنافع بسبب صلة القربى به، وثبتت حادثتان في ذلك، الأولى مع ابنه عاصم، والثانية مع ابنيه عبد الله وعبيد الله، فأما
стр. 239
عاصم فقد قال معيقيب ما يلي: "أرسل إلي عمر ﵁ مع الظهيرة، فإذا هو في بيت يطالب ابنه عاصماً .. فقال لي: أتدري ما صنع هذا؟ إنه انطلق إلى العراق فأخبرهم أنه ابن أمير المؤمنين، فانتفقهم (سألهم النفقة)، فأعطوه آنية وفضة ومتاعاً، وسيفاً محلَّى. فقال عاصم: ما فعلتُّ، إنما قدمت على ناس من قومي، فأعطوني هذا. فقال عمر: خذه يا معيقيب فاجعله في بيت المال" (١).
وأما عبد الله وعبيد الله فخرجا في جيش إلى العراق فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري والي البصرة، فأعطاهما مالاً ليسلماه لعمر وجعله سلفاً عليهما، واقترح عليهما أن يشتريا من بضائع العراق ويبيعوها بالمدينة، ويحوزان الربح ويسددان رأس المال لعمر. فربحا بهذه التجارة، وأرادا تسديد رأس المال، فأبى عمر إلا أن يسددا معه ما ربحاه. وبعد تدخل الصحابة جعله مضاربة، فأخذ نصف الربح مع رأس المال. وكان يحتج عليهما بقوله: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما!! أديا المال وربحه (٢). وهكذا منع استغلال نفوذه من قبل أولاده.
وله موقفان آخران مع ابنه عاصم، فعندما كان عاصم غلاماً صغيراً التقط درهماً من حجرة كان فيها مال جديد أمر عمر بإدخاله إلى بيت المال، ثم رأى درهماً بيد عاصم فحقق معه وانتزعه منه وأرسله إلى بيت المال (٣). ولما كبر عاصم وتزوج كان عمر رضى الله عنه ينفق عليه، فجاء يطلب مالاً، فقال له عمر: "ما كنت أرى أن هذا المال يحل لي قبل أن أليه إلا بحقه، وما كان أحرم عليَّ منذ أن وليته، فعاد أمانتي، وقد أنفقت عليك من بيت المال ولست بزائدك، ولكني معينك
стр. 240
بثمن مالي في العالية، فأجرده، ثم آت رجلاً من قومك من تجارهم، فقم إلى جنبه، فإذا اشترى شيئاً، فاستشركه وأنفق على أهلك" (١).
стр. 241
الباب الرابع: الثقافة والتعليم
стр. 242
الفصل الأول: السمات والنظرية والتقاليد
стр. 243
تمهيد: التراث الثقافي قبل الإسلام
يبدو أن من المتعذر الكلام عن حركة التعليم، واقعه ومداه ومستوياته ومناهجه ومؤسساته بصورة دقيقة وشاملة للمنطقة الواسعة التي كان الإسلام يحكمها في عصر السيرة والراشدين، فقد امتد الإسلام في برهة وجيزة من أطراف خراسان الشرقية حتى أفريقية (تونس)، ومن شرق الأناضول حتى البحر العربي، وهي منطقة تبلغ مساحتها (٣٥٠٠٠٠٠) ميل مربع (١)، وتشتمل على مراكز الحضارة العالمية القديمة، في بلاد الرافدين ووادي النيل، حيث قامت الحضارات السومرية والآشورية والبابلية في العراق، والحضارة الفرعونية بمصر.
ورغم أن التاريخ يحدثنا عن الكتابة وظهورها في العراق (٣٠٠٠ قبل الميلاد) وعن مكتبة آشور بانيبال، ومجموعة الألواح التي اكتشفت في مدينة نُفَّر وحدها، والتي تضم (٣٠٠٠٠) رقيم طيني في شتى صنوف المعرفة العظيمة (٢)، ومسلة حمرابي ونصوصها القانونية، وعن بقية مظاهر الرقي الأدبي والفني المتنوعة الأخرى في العراق.
كما يحدثنا عن الكتابة الهيروغليفية والآثار الفرعونية ذات الدلالة القوية على تقدم المصريين في العلم والحضارة، وخاصة الطب والهندسة والرسم والنحت، رغم هذا كله فإن هذه الحضارات كانت قد اندثرت قبل ظهور الإسلام بزمن بعيد. كما
стр. 244
اندثرت حضارات معين وسبأ وحمير في اليمن، حيث انتشرت الكتابة وعرف خط المسند.
وما نعرفه عن مراكز العلم والثقافة العالمية عند ظهور الإسلام يبدو ضئيلاً جداً، فالقوى العالمية المعاصرة لظهوره كانت متمثلة بالإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية وقد أزال الإسلام الأولى، وحسر الثانية عن حوض البحر المتوسط الجنوبي والشرقي حيث مستعمراتها الغنية. لكنها بقيت تناهضه وتعارضه بدينها وثقافتها وتتبادل معه الخبرات عبر اتصالات الحرب والسلام.
ومن هذه المعلومات الضئيلة التي حفظها التاريخ، عرفنا مركزاً ثقافياً مهماً في علوم الطب والفلسفة، يتمثل في مكتبة الإسكندرية الشهيرة التي حافظت على الثقافة الإغريقية والكتب البابلية التي اعتكف العلماء على ترجمتها وشرحها (١)، ومركزاً آخر في جند يسابور، حيث أنشأ كسرى انوشروان (٥٣١ - (٥٧٨) م) المدارس العليا لتعليم الطب، كما أمر بنقل كتب علمية من اللغات السريانية واليونانية والسنسكريتية إلى البهلوية التي كانت في ذلك العصر لغة الفرس (٢). وثمة إشارات إلى أنشطة فكرية في الأديرة النصرانية أو المدارس اليهودية، وخاصة في الرها حيث ينشط السريان. وإشارات أخرى إلى المعابد المصرية القديمة التي حفظت كتب علماء مصر القدماء، ومنها معبد سيرابيس بالإسكندرية (٣) ومعبد أخميم الذي أقامه اليونان في مصر العليا، وكان يطلق عليه "دار الحكمة لقدماء اليونان" (٤).
стр. 245
ونقرأ ملحوظات عن "مدى عناية الأمم القديمة بالعلوم عند صاعد الأندلسي (ت (٤٦٢) هـ) في كتابه (طبقات الأمم)، فقد ذكر عناية بعض الشعوب بالعلم، وهم: الهنود، والفرس، والكلدان، واليونان، والروم، وأهل مصر، والعرب، وبنو إسرائيل" (١).
وكان اهتمام هذه الشعوب ينصب على التاريخ، والأدب، والفلسفة، والطب، والفلك، والإسرائيليات (تاريخ الأنبياء). ومن الواضح أن أياً من هذه العلوم المدونة باللغات الأجنبية لم يترك أثراً على الثقافة والتعليم في عصر السيرة والراشدين ماعدا الإسرائيليات التي اطلع عليها- بحذر شديد- أفراد معدودون من الصحابة.
ولكن- للأسف- لم يحفظ لنا التاريخ ما يكفي لتصوير واقع التعليم في المنطقة الواسعة التي حكمها الإسلام في عصر السيرة والراشدين، والتي يتنوع سكانها مابين عرب وفرس وسريان وكرد وأرمن وقبط، وتتنوع معهم ثقافاتهم وأديانهم وعقائدهم التي حاولت التشبث بالبقاء طويلاً مستغلة ظروف الحرية الدينية التي أتاحها الإسلام. ومن ثم فنحن لا نعرف على وجه التحديد طبيعة المؤسسات التعليمية في المناطق المفتوحة، وعلاقتها بالدولة والمجتمع، ولا نعرف إلى أي مدى كان التعليم منتشراً وما موازين الثقافة آنذاك، ولا نعرف شيئاً عن أعداد المتعلمين ومستوياتهم، ومستوى المعلمين وطبيعة المعلومات التي يقدمونها للطلبة، ولا علاقة مراكز الثقافة ومؤسسات التعليم ببعضها داخل الدولة الواحدة، وصلاتها مع مثيلاتها في الدول الأخرى. ثم ما مآل ذلك كله بعد الفتح الإسلامي؟.
إن التاريخ لا يرد على تساؤلنا، ولعله لن يفعل ذلك إلى الأبد، إلا أن نقف على مصادر جديدة لمعرفتنا يكتنزها باطن الأرض، أو تختفي بين أكداس الكتب الكثيرة
стр. 246
التي لا تزال حبيسة لم يعرض لها أحد بالفهرسة والدراسة، فقد زادت معلوماتنا التاريخية خلال العقدين الأخيرين بعد أن نشرت للمرة الأولى مجموعة من المصادر التاريخية، مما يبعث الأمل في المستقبل. أما معلوماتنا عن واقع التعليم في الحجاز في عصر السيرة والراشدين فإنها وإن كانت مشتتة إلا أنها أكثر وضوحاً، بسبب عناية المؤرخين المسلمين بهذه الفترة، وتقييدهم لأخبار السيرة النبوية، وأخبار الخلفاء الراشدين بتفصيل، لما تمثله من أهمية دينية وتشريعية.
لقد وردت معلومات متناثرة عن معرفه أفراد من العرب في الحجاز بالكتابة والقراءة والحساب، حيث استدعت ذلك ضرورات الحياة، وخاصة في المجتمع المكي التجاري، أو حيث الأقلية اليهودية المتمركزة في يثرب، والتي كانت تمارس التجارة والزراعة وتحتفظ بتراثها الديني وكتابتها بالعبرانية.
ولا شك في أن أسماء المتعلمين التي أوردتها المصادر لا تمثل إحصاء دقيقاً، ولكن ينبغي أن لا يبالغ في تصور انتشار التعليم على نطاق أوسع مما أوردت، لأن قلة عدد المتعلمين هي التي استرعت انتباه الإخباريين لذكر أسمائهم.
ويذكر البلاذري أن عدد الكاتبين من قريش عند ظهور الإسلام كان سبعة عشر رجلاً (١)
وقد سمَّت المصادر بعض الكاتبين، فقد كان أمية بن أبي الصلت نظر الكتب وقرأها في الجاهلية (٢)، وكذلك قيس بن نشبه الذي "كان يتأله في الجاهلية وينظر في الكتب" (٣)، وكان كردوس بن عمرو "يقرأ الكتب وينقل عبارات من
стр. 247
الإنجيل" (١).
وقد ذكر القرآن الكريم معرفة بعض اليهود بالكتابة، وذلك في الآية: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) (٢).
ولا شك أن ورود مصطلحات الكتابة وأدواتها في القرآن الكريم كاللوح والقرطاس والقلم والمداد يدل على معرفة المخاطبين بها.
وكذلك فإن المستوى البياني والفكري للقرآن الكريم يبين المستوى الثقافي للعرب وقت نزوله، فما فيه من أوجه البلاغة ومعاني الحكمة، والمحاججات والأقيسة العقلية كل ذلك يحتاج فهمه إلى مستوى ثقافي وذوق لغوي وقدرة عقلية. ثم إن القرآن معجزة بيانية أولاً- وإن ظهرت للبعض فيه أوجه أخرى للإعجاز- تحدى الله بها العرب لعنايتهم الفائقة بفن القول، حتى صار شغلهم الشاغل في ندواتهم، بل في سائر حياتهم. وهل يبلغ التحدي مداه والإعجاز حده إلا عندما تعجز أمة (فن القول) عن أن تقول مثل القرآن؟.
ولا غرابة أن يرتفع مستوى الثقافة آنذاك مع قلة عدد الكاتبين، بل ربما كان ذلك أدعى إلى حفظ الصدر وحدَّة الفكر واعتماد السليقة، فلابد من التمييز بين (الثقافة) و (تعلم الكتابة)، فالعلم والتقاليد يمكن نقلهما من جيل إلى آخر عن طريق التواصل بين الأجيال حتى في المجتمعات الأمية. وقد قامت العائلة والقبيلة بنقل التراث الثقافي في المجتمع العربي قبل الإسلام، وكانت الأسمار في مجلس القبيلة الذي يحضره الشعراء والنسابون والإخباريون، ثم الأسواق الأدبية، التي تجتمع فيها
стр. 248
القبائل، تتناشد الأشعار وتتفاخر بالأحساب والأنساب، وتزهو بأخبار الكرم والشجاعة والمروءة، من أهم وسائل نقل التراث الذي كان ينمو بإضافة الأجيال اللاحقة على السابقة، وقد هيأت هذه الاجتماعات فرصاً هامة للتلاقح الثقافي واللغوي، ولتوحيد المقاييس النقدية والذوقية، وللتقريب بين لغات العرب، ومهدت بذلك لفهم القرآن الذي أنزل بلغه قريش.
المبحث الأول: السمات العامة للتعليم
إن الاعتماد الكبير على الذاكرة النشيطة في نقل التراث، وعدم اكتراث جمهور العرب بتعلم الكتابة والقراءة، أدَّيا إلى إعاقة ظهور مؤسسات التعليم، فلم يقم منها سوى الكتاب الذي لم ينتشر إلا على نطاق محدود في المراكز الحضرية، مثل مكة والطائف ويثرب، فلم يكن هناك تعليم عام، بل كانت الأمية هي الطاغية، وورد في الحديث: "إنَّا أمة أميه لا نكتب ولا نحسب" (١). وبالتالي لم تكن عندهم تقاليد متبلورة للتعليم، فكان أن حدد الإسلام المعالم كامله، فأوضح أهمية العلم وربطه بالدين، فعزز بذلك مكانة العلماء، وبيَّن آداب التعليم وتقاليده بعمق وشمول، فأصبحت تحتذى طوال القرون اللاحقة، ولا تزال قادرة على إعطائنا الكثير من القيم الثقافية والتربوية الراشدة، إذ ربما تكون من أهم معطيات عصر السيرة والراشدين في نطاق التعليم.
لقد قامت حركة التعليم في عصر السيرة والراشدين على أكتاف رجال يعدون
стр. 249
على أصابع اليد، ولكن الحافز الديني القوي- الذي جعل الأمة تحدد أهدافها وتوحد قواها لبلوغها- أوجد وسطاً ملائماً لانتشار التعليم. وبعد زمن يسير طهرت آثار حركة التعليم الجديدة في إظهار الطاقات الكامنة، فإذا بأعداد هائلة تعنى بالفكر والعلم، وتظهر القدرة والإبداع في ميادين شتى، فتسهم في بناء الصرح الثقافي والحضاري الجديد.
ولا شك في أن الانسجام العقيدي والفكري والاجتماعي، ووضوح الرؤية بتحديد الأهداف العامة للدولة والمجتمع، دفعا بقوة حركة التعليم، بل الحركة الثقافية العامة، لمواكبه التقدم العسكري والسياسي، وحل المشكلات الجديدة في الدولة الواسعة. فتحديد وجهة التعليم وأهدافه لأول مرة كان من معطيات عصر السيرة والراشدين، وقد أدت هذه الحوافز القوية والضوابط الجديدة إلى انتشار التعليم بسرعة خارقة، لا تقل دهشة الإنسان أمامها عن دهشته إزاء سرعة الفتوح العسكرية، إذ لا ريب في أن الإسلام أحدث ثورة التعليم التي أثمرت "النضوج الفكري المباغت" وشكلت بذلك "ظاهرة خارقة".
يقول العالم الألماني مورتز كانتور: "إن شعباً ظل قروناً متتابعة معزولاً عن المؤثرات الحضارية التي كان يتعرض لها جيرانه، ولم يؤثر هو نفسه على الآخرين كل هذا الوقت، نهض فجأه وفرض عقيدته وقوانينه ولغته على الأمم الأخرى إلى درجة لا مثيل في التاريخ لظاهرة غريبة مثلها، وأسبابها جديرة بالدراسة والتقصي، لأننا في الوقت نفسه متأكدون من أن هذا النضج الفكري المباغت الذي تكون بسرعة تشبه سرعة حدوث الانفجار لم يأت من تلقاء نفسه" (١).
وتتطابق رؤية عالم آخر هو فلوريان كاجوري مع ما ذكره مورتز كانتور، قال
стр. 250
كاجوري في كتاب "تأريخ تدوين الرياضيات": "إن العرب يمثلون ظاهرة خارقة في تاريخ المدنية، حيث القبائل الجاهلة المنقسمة على نفسها في الجزيرة العربية، والتي لم تعرف الحكم ولا الحرب، قد انصهرت في أتون الحماس الديني خلال عشر سنوات، وجعلت من نفسها أمة قوية، وبعد مائة عام من مسيرة الفتوحات الجليلة، رأيناهم يتصدرون أمماً غيرهم في الجهد الفكري، وأصبح المسلمون هم علماء زمانهم الأجلاء" (١).
لقد أعاد الإسلام صياغة شخصية الإنسان، ففجر طاقاته الإبداعية الكامنة من أجل العلم والعمل لبناء حضارة إنسانية متوازنة، وكانت نظرية المعرفة الإسلامية بشمولها وتكاملها واتساقها، وسيلته لإحداث التغيير الجذري في كيان الإنسان وبنية المجتمع، تلك النظرية التي غرس القرآن بذرتها وعبَّرت عنها "السنة " في فجر تاريخ الإسلام.
وقامت الدولة الناشئة في المدينة المنورة بمسؤوليتها في بداية الأمر، فقيادتها أكثر وعياً للحاجة إلى التعليم، وهي تواجه مسؤولية إدارة الدولة وحاجاتها المتنوعة للتعليم.
وصدرت البادرة الأولى عن الرسول ﷺ نفسه، عندما أمر بعض المتعلمين من المسلمين بتعليم الآخرين، وأمر بعض الأسرى ببدر بتعليم شباب الأنصار الكتابة مقابل مفاداتهم، وأرسل المعلمين- وسط الأخطار- إلى البوادي للدعوة ولتعليم الناس القرآن وتفقيههم بالدين.
وما إن أشعلت الدولة الفتيلة حتى انطلقت الأمة لتوسع من نطاق التعليم بحيث أصبح لا قبل للدولة باحتواء مؤسساته أو الإشراف عليها.