التي لا تزال حبيسة لم يعرض لها أحد بالفهرسة والدراسة، فقد زادت معلوماتنا التاريخية خلال العقدين الأخيرين بعد أن نشرت للمرة الأولى مجموعة من المصادر التاريخية، مما يبعث الأمل في المستقبل. أما معلوماتنا عن واقع التعليم في الحجاز في عصر السيرة والراشدين فإنها وإن كانت مشتتة إلا أنها أكثر وضوحاً، بسبب عناية المؤرخين المسلمين بهذه الفترة، وتقييدهم لأخبار السيرة النبوية، وأخبار الخلفاء الراشدين بتفصيل، لما تمثله من أهمية دينية وتشريعية.
لقد وردت معلومات متناثرة عن معرفه أفراد من العرب في الحجاز بالكتابة والقراءة والحساب، حيث استدعت ذلك ضرورات الحياة، وخاصة في المجتمع المكي التجاري، أو حيث الأقلية اليهودية المتمركزة في يثرب، والتي كانت تمارس التجارة والزراعة وتحتفظ بتراثها الديني وكتابتها بالعبرانية.
ولا شك في أن أسماء المتعلمين التي أوردتها المصادر لا تمثل إحصاء دقيقاً، ولكن ينبغي أن لا يبالغ في تصور انتشار التعليم على نطاق أوسع مما أوردت، لأن قلة عدد المتعلمين هي التي استرعت انتباه الإخباريين لذكر أسمائهم.
ويذكر البلاذري أن عدد الكاتبين من قريش عند ظهور الإسلام كان سبعة عشر رجلاً (١)
وقد سمَّت المصادر بعض الكاتبين، فقد كان أمية بن أبي الصلت نظر الكتب وقرأها في الجاهلية (٢)، وكذلك قيس بن نشبه الذي "كان يتأله في الجاهلية وينظر في الكتب" (٣)، وكان كردوس بن عمرو "يقرأ الكتب وينقل عبارات من
стр. 247
الإنجيل" (١).
وقد ذكر القرآن الكريم معرفة بعض اليهود بالكتابة، وذلك في الآية: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) (٢).
ولا شك أن ورود مصطلحات الكتابة وأدواتها في القرآن الكريم كاللوح والقرطاس والقلم والمداد يدل على معرفة المخاطبين بها.
وكذلك فإن المستوى البياني والفكري للقرآن الكريم يبين المستوى الثقافي للعرب وقت نزوله، فما فيه من أوجه البلاغة ومعاني الحكمة، والمحاججات والأقيسة العقلية كل ذلك يحتاج فهمه إلى مستوى ثقافي وذوق لغوي وقدرة عقلية. ثم إن القرآن معجزة بيانية أولاً- وإن ظهرت للبعض فيه أوجه أخرى للإعجاز- تحدى الله بها العرب لعنايتهم الفائقة بفن القول، حتى صار شغلهم الشاغل في ندواتهم، بل في سائر حياتهم. وهل يبلغ التحدي مداه والإعجاز حده إلا عندما تعجز أمة (فن القول) عن أن تقول مثل القرآن؟.
ولا غرابة أن يرتفع مستوى الثقافة آنذاك مع قلة عدد الكاتبين، بل ربما كان ذلك أدعى إلى حفظ الصدر وحدَّة الفكر واعتماد السليقة، فلابد من التمييز بين (الثقافة) و (تعلم الكتابة)، فالعلم والتقاليد يمكن نقلهما من جيل إلى آخر عن طريق التواصل بين الأجيال حتى في المجتمعات الأمية. وقد قامت العائلة والقبيلة بنقل التراث الثقافي في المجتمع العربي قبل الإسلام، وكانت الأسمار في مجلس القبيلة الذي يحضره الشعراء والنسابون والإخباريون، ثم الأسواق الأدبية، التي تجتمع فيها
стр. 248
القبائل، تتناشد الأشعار وتتفاخر بالأحساب والأنساب، وتزهو بأخبار الكرم والشجاعة والمروءة، من أهم وسائل نقل التراث الذي كان ينمو بإضافة الأجيال اللاحقة على السابقة، وقد هيأت هذه الاجتماعات فرصاً هامة للتلاقح الثقافي واللغوي، ولتوحيد المقاييس النقدية والذوقية، وللتقريب بين لغات العرب، ومهدت بذلك لفهم القرآن الذي أنزل بلغه قريش.
المبحث الأول: السمات العامة للتعليم
إن الاعتماد الكبير على الذاكرة النشيطة في نقل التراث، وعدم اكتراث جمهور العرب بتعلم الكتابة والقراءة، أدَّيا إلى إعاقة ظهور مؤسسات التعليم، فلم يقم منها سوى الكتاب الذي لم ينتشر إلا على نطاق محدود في المراكز الحضرية، مثل مكة والطائف ويثرب، فلم يكن هناك تعليم عام، بل كانت الأمية هي الطاغية، وورد في الحديث: "إنَّا أمة أميه لا نكتب ولا نحسب" (١). وبالتالي لم تكن عندهم تقاليد متبلورة للتعليم، فكان أن حدد الإسلام المعالم كامله، فأوضح أهمية العلم وربطه بالدين، فعزز بذلك مكانة العلماء، وبيَّن آداب التعليم وتقاليده بعمق وشمول، فأصبحت تحتذى طوال القرون اللاحقة، ولا تزال قادرة على إعطائنا الكثير من القيم الثقافية والتربوية الراشدة، إذ ربما تكون من أهم معطيات عصر السيرة والراشدين في نطاق التعليم.
لقد قامت حركة التعليم في عصر السيرة والراشدين على أكتاف رجال يعدون
стр. 249
على أصابع اليد، ولكن الحافز الديني القوي- الذي جعل الأمة تحدد أهدافها وتوحد قواها لبلوغها- أوجد وسطاً ملائماً لانتشار التعليم. وبعد زمن يسير طهرت آثار حركة التعليم الجديدة في إظهار الطاقات الكامنة، فإذا بأعداد هائلة تعنى بالفكر والعلم، وتظهر القدرة والإبداع في ميادين شتى، فتسهم في بناء الصرح الثقافي والحضاري الجديد.
ولا شك في أن الانسجام العقيدي والفكري والاجتماعي، ووضوح الرؤية بتحديد الأهداف العامة للدولة والمجتمع، دفعا بقوة حركة التعليم، بل الحركة الثقافية العامة، لمواكبه التقدم العسكري والسياسي، وحل المشكلات الجديدة في الدولة الواسعة. فتحديد وجهة التعليم وأهدافه لأول مرة كان من معطيات عصر السيرة والراشدين، وقد أدت هذه الحوافز القوية والضوابط الجديدة إلى انتشار التعليم بسرعة خارقة، لا تقل دهشة الإنسان أمامها عن دهشته إزاء سرعة الفتوح العسكرية، إذ لا ريب في أن الإسلام أحدث ثورة التعليم التي أثمرت "النضوج الفكري المباغت" وشكلت بذلك "ظاهرة خارقة".
يقول العالم الألماني مورتز كانتور: "إن شعباً ظل قروناً متتابعة معزولاً عن المؤثرات الحضارية التي كان يتعرض لها جيرانه، ولم يؤثر هو نفسه على الآخرين كل هذا الوقت، نهض فجأه وفرض عقيدته وقوانينه ولغته على الأمم الأخرى إلى درجة لا مثيل في التاريخ لظاهرة غريبة مثلها، وأسبابها جديرة بالدراسة والتقصي، لأننا في الوقت نفسه متأكدون من أن هذا النضج الفكري المباغت الذي تكون بسرعة تشبه سرعة حدوث الانفجار لم يأت من تلقاء نفسه" (١).
وتتطابق رؤية عالم آخر هو فلوريان كاجوري مع ما ذكره مورتز كانتور، قال
стр. 250
كاجوري في كتاب "تأريخ تدوين الرياضيات": "إن العرب يمثلون ظاهرة خارقة في تاريخ المدنية، حيث القبائل الجاهلة المنقسمة على نفسها في الجزيرة العربية، والتي لم تعرف الحكم ولا الحرب، قد انصهرت في أتون الحماس الديني خلال عشر سنوات، وجعلت من نفسها أمة قوية، وبعد مائة عام من مسيرة الفتوحات الجليلة، رأيناهم يتصدرون أمماً غيرهم في الجهد الفكري، وأصبح المسلمون هم علماء زمانهم الأجلاء" (١).
لقد أعاد الإسلام صياغة شخصية الإنسان، ففجر طاقاته الإبداعية الكامنة من أجل العلم والعمل لبناء حضارة إنسانية متوازنة، وكانت نظرية المعرفة الإسلامية بشمولها وتكاملها واتساقها، وسيلته لإحداث التغيير الجذري في كيان الإنسان وبنية المجتمع، تلك النظرية التي غرس القرآن بذرتها وعبَّرت عنها "السنة " في فجر تاريخ الإسلام.
وقامت الدولة الناشئة في المدينة المنورة بمسؤوليتها في بداية الأمر، فقيادتها أكثر وعياً للحاجة إلى التعليم، وهي تواجه مسؤولية إدارة الدولة وحاجاتها المتنوعة للتعليم.
وصدرت البادرة الأولى عن الرسول ﷺ نفسه، عندما أمر بعض المتعلمين من المسلمين بتعليم الآخرين، وأمر بعض الأسرى ببدر بتعليم شباب الأنصار الكتابة مقابل مفاداتهم، وأرسل المعلمين- وسط الأخطار- إلى البوادي للدعوة ولتعليم الناس القرآن وتفقيههم بالدين.
وما إن أشعلت الدولة الفتيلة حتى انطلقت الأمة لتوسع من نطاق التعليم بحيث أصبح لا قبل للدولة باحتواء مؤسساته أو الإشراف عليها.
стр. 251
وهكذا تحولت حركة التعليم إلى كتاتيب وحلقات علم ومجالس في المساجد وفي دور العلماء، وظهرت جذور المدارس الفكرية المتنوعة متمثلة بمدرسة أبي موسى الأشعري في القراءات في البصرة، ومدرسة عبد الله بن مسعود في الفقه في الكوفة، ومدرسة عبد الله بن عباس في التفسير بمكة، والمدرستين البصرية والكوفية في النحو.
والحق أن مسؤولية الدولة عن التعليم كانت محدودة النطاق، إذ تركت للناس حريتهم في التعليم مع أنها منحتهم التشجيع والمؤازرة. وكان الانسجام في الأهداف والتطلعات يوحد بين الحكومة والأمة، فلم تكن انطلاقة التعليم الواسعة تهدد الدولة، بل كانت تحقق لها القوة والاستقرار رغم عدم هيمنتها عليها.
ولا شك في أن حرية التعليم وبعده عن هيمنة الدولة ظلاَّ سمةً مميزةً له طوال القرون اللاحقة، إلى أن ظهرت المدارس والجامعات الأولى في الإسلام، تلك التي رعتها الدولة، غير أنها لم تكن في الحقيقة تحت إشراف الدولة إلا من حيث إمدادها بالنفقات ومساعدتها على البقاء، فقد استمرت حرية التعليم بعد ظهور تلك المؤسسات.
إن مبدأ "مجانية التعليم" وكذلك مبدأ "التعليم للجميع" هما من معطيات ذلك العصر. فقدسية التعليم وارتباطه بالعقيدة جعلت رواده يهدفون إلى خدمة المبدأ عن طريق التعليم بدلاً من التكسب به. وقد استمر هذا المبدأ قروناً طويلة، كان التعليم خلالها شعبياً بما تحمله هذه الكلمة من معنى، يناله الغني والفقير، بل إن حظ الفقراء فيه أعظم من حط الأغنياء، وتفرغهم له وبروزهم فيه كان أكبر، ولم يكن قاصراً على الطبقات الحاكمة والغنيمة، كما هو حال العصور الوسطى الأوربية.
ومنذ بدء حركة التعليم في الإسلام، اقترن العلم بالعمل، فلم يفصل بين العلم وحاجيات الحياة الواقعية طوال عدة قرون، باستثناء تيارات تمثل الترف الفكري والنزوع العقلي النظري، ومن أبرزها مدرسة المعتزلة التي لم يكتب لها الهيمنة على الحياة الفكرية، وإن علا صوتها- بقوة السلطان- زمناً يسيراً في العصر العباسي.
стр. 252
واقتران العلم بالعمل من أهم المبادئ التي صبغت فلسفة التعليم في الإسلام فيما يشبه البراجماتيكية المعاصرة في عمليتها، ويخالفها في ماديتها ونفعيتها، وقد ولَّد هذا الطابع العملي آثاراً تربوية عميقة، وأثمر حضارة باهرة شاركت في بناء صرح التمدن البشري.
إن تقاليد التعليم عند المسلمين مدينه لذلك العصر بمبدأ "التعليم المستمر" طوال الحياة، وهكذا انقطع رجال كثيرون للعلم من المهد إلى اللحد، ويندر أن نجد عالماً ترك التعلم أو اعتقد أنه وصل إلى الكمال. ولو استمر هذا المبدأ يسيطر على حياتنا الثقافية حتى الوقت الحاضر لكان لنا شأن آخر في الحركة الثقافية العالمية.
وقد اهتم الاسلام بتعليم الكبار "فكان الصحابة يتعلمون في كبر سنهم" ولكن الأصل هو البدء بالتعلم عند الصغر، غير أن من فاته ذلك يلقى الباب مفتوحاً أمامه. ومن أبرز خصائص التعليم في ذلك العصر قيامه على الجهود الفردية، فمبدأ "التعلم الذاتي" كان مهيمناً على نشاط العلماء والمتعلمين، حيث ظل العلماء قروناً طويلة يقومون بتعليم أنفسهم بجهودهم الخاصة، دون الارتباط بمؤسسات التعليم، أو تلقي الحوافز التشجيعية من الدولة. والجدير بالذكر أن مبدأ "تراكم المعرفة" و"تجميع العلم" كان من خصائص الحركة الفكرية في القرون الأولى عن طريق تنويع مصادر التلقي والأخذ عن الشيوخ الكثيرين، والرحلة في طلب العلم لتجميعه. تلك الرحلة التي بدأت في عصر الراشدين واتسع نطاقها في القرون التالية، والتي أثمرت التجانس الفكري، والتلاقح الأدبي، والحفاظ على وحدة الهوية الثقافية. كما أثمرت- فيما بعد- الدراسات المتعلقة بالبلدان والسكان والجغرافية والانثروبولوجيا.
إن هذه السمات العامة لبداية التعليم في الإسلام تدعمها النصوص المبعثرة في المصادر التراثية وهي مصادر تحتاج إلى قراءات معاصرة تقف على قيم التعليم وتقاليده في عصر السيرة والراشدين وما بعده من عصور التاريخ الاسلامي، وتحدد
стр. 253
مجالات توظيفها في بنائنا الثقافي ومؤسساتنا التعليمية المعاصرة، مما يؤكد الهوية الثقافية لأمتنا، ويحدد عملية الأخذ والعطاء المتبادلة بيننا وبين الثقافات المتنوعة، ومؤسسات التعليم المختلفة المعاصرة.
المبحث الثاني: نظرة الاسلام إلى العلم والتعليم
منح الاسلام العلم قدسية حين جعل "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (١) فثمة قدر من العلم ضروري لإيمان المسلم وعيادته ومعاملاته، وهو القدر المفروض عليه تعلمه، وما سواه فهو من فروض الكفاية.
وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على طلب العلم ونشره وبيان فضل طالبه، فطلبة العلم تبسط لهم الملائكة أجنحتها (٢)، وتحفهم الملائكة وتغشاهم الرحمة وتنزل عليهم السكينة ويذكرهم الله فيمن عنده (٣).
وطلب العلم توفيق من الله للإنسان "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (٤).
والعلم مثل المال، يصلح للتصدق به على الناس "من الصدقة أن يتعلم الرجل العلم فيعمل به ثم يعلمه" (٥).
стр. 254
وطلب العلم عبادة، فلابد من استحضار النية فيه "من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" (١).
وتترتب على العمل مسؤولية دينية تضبط توجيهه نحو خير الإنسان وسعادته وتمنع انحرافه وتهديده للعدل والأمن البشري، وفي القرآن: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) (٢).
فالحواس مسئولة دينياً عن العلم طلباً وتنفيذاً، والعالم يسأل عن موقفه العلمي، ففي الحديث: "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" (٣).
والإحساس بالمسؤولية الدينية ولَّد ضوابط خلقية، وقواعد منطقية، وآداباً عامة تركت تأثيرها في الحركة الفكرية، من ذلك ضرورة التحلي بالأمانة العلمية، فالعالم لا يقول جزافاً، لأنه مسئول عن صحة المعلومات التي يدلي بها "فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم" (٤). وهو لا يكتم العلم ولا يبخل به، إذ ليس العلم الذي حازه ملكاً خالصاً له، بل فيه "حق عام" ربما يكون أوسع من الحق العام في الملكية الفردية.
لذلك توعد القرآن والحديث العلماء الذين يكتمون العلم، ففي القرآن الكريم: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب
стр. 255
أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (١). وفي الحديث: "من سئل عن علم نافع فكتمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار" (٢).
والإنسان لا يولد عالماً، غير إنه قادر على تحصيل العلم ببذل الجهد، فهو يولد على الفطرة، وأبواه يؤثران تأثيراً بالغاً في نقل الأفكار والقيم والعقائد اليه، وفي الحديث: "إنما العلم بالتعلم" (٣).
ومادام للتعليم قدسية، ومنه ما هو فرض متعين على الأفراد، فلابد أن يكون "التعليم للجميع" ميسراً لا تعيقه أية عوائق مادية أو اجتماعية، وهكذا ساد مبدأ "مجانية التعليم"، وورد النهي عن أخذ الأجرة عليه، فقد نهى الرسول ﷺ أبي بن كعب عن قبول هدية من أحد طلابه، وقال له: "إن أخذتها فخذ بها قوساً من النار" (٤). ويبدو أن النهي تكرر مع عبادة بن الصامت- إن لم يقع وهم في الاسم من قبل الرواة- قال عبادة: "علمت ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدي إلىَّ رجل منهم قوساً فقلت: ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله ، لآتيَّن رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إليَّ قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله؟ قال: إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها" (٥).
стр. 256
وقد تكفلت الدولة في عصر الراشدين بدفع نفقات التعليم أحياناً، وقام المجتمع بذلك أحياناً أخرى، ولم يعرف عن طلبة العلم أنهم دفعوا نفقة للتعلم آنذاك.
ونظراً لأن العلم كانت تحفظه صدور العلماء غالباً، ويتم نقله مشافهةً، فإنَّ العلم ارتبط بالعلماء، فهو يبقى ما بقوا، وينقص إذا توفي العالم، وهذا ما يشير إليه حديث قبض العلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (١). فلا غرابة إذا اعتبر موت العالم ثلمة في الاسلام (٢)، فالعلماء ورثة الأنبياء (٣). ورثوا عنهم العلم، وهذا الاحساس بخطورة نقص العلم بسبب موت العلماء كان من أقوى الدوافع التي أدت إلى اختيار العلماء طريق تقييد العلم وعدم الاكتفاء بحفظ الصدور، ذلك الاختيار الذي كان له أهمية كبرى في حفظ علوم الاسلام، ولم يكد القرن الأول- الذي وقع فيه الخلاف والجدل حول كتابة الحديث - ينتهي حتى ظهرت أولى المصنفات دليلاً على غلبة الاتجاه نحو التدوين. ولكن حفظ الصدور لم ينقطع، بل استمر التأكد عليه قروناً طويلة، ولا زال التعليم الاسلامي يؤكد على "الحفظ" حتى الوقت الحاضر.
وتمتع العلماء- لارتباط العلم بهم- بمكانة عالية واحترام كبير في ذلك العصر وما بعده .. قال الشعبي: "أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، فقال: أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء" (٤). وكذلك فعل مرة مع
стр. 257
أبي بن كعب قائلاً: "إنه ينبغي للحبر أن يعظم ويشرف" (١).
المبحث الثالث: آداب التعليم وتقاليده
إن آداب التعليم وتقاليده عند المسلمين مدينة بأصولها إلى عصر السيرة والراشدين، رغم أنها تبلورت على مر الأيام كما تظهر في المؤلفات المتخصصة.
ومن أقدم الآداب والتقاليد ظهوراً ما يتعلق بتنظيم مجلس العلم والحلقة العلمية، فقد نهى الرسول ﷺ عن الجلوس وسط الحلقة (٢)، وأن يجلس المتعلم بين رجلين إلا بإذنهما (٣). وسمح للرجل بالجلوس في المكان إذا فسح له فيه فقال: "إذا أخذ القوم مجالسهم، فإن دعا رجل أخاه، فأوسع له في مجلسه فليأته، فإنما هي كرامة أكرمه فليجلس فيه" (٤). وأمر بحفظ حق الرجل في مجلسه فقال: "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه، فهو أحق به" (٥).
стр. 258
ومن السنة احترام مجلس العلم وعدم رفع الصوت أو اللغط فيه والتزام السكينة. قال أسامة بن شريك: "أتيت النبي ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير" (١).
وقد وصف أبو اسحق السبيعي تنظيم الحلقة العلمية في مجلس الصحابي البراء بن عازب فقال: "كنا نجلس عند البراء بعضنا خلف بعض" (٢) وهو نص يشير أيضا إلى سعة الحلقة.
ومن الحلقات المعروفة آنذاك في المسجد النبوي حلقة الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري (٣).
ويرجع كثير من آداب طلبة العلم مع الشيوخ إلى ذلك العهد، فاحترام العالم، وعدم الإلحاح في الاستئذان عليه أو التردد على منزله، والصبر على التلقي، وتحمل الشدائد في طلب العلم، كل ذلك يمكن أن نقف عليه من الخبر التالي الذي يحكيه ابن عباس، قال: "لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اليوم كثير. قال: واعجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك، وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟ قال: فترك ذاك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن الحديث، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح عليَّ من التراب فيخرج فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك،
стр. 259
فأسأله عن الحديث. قال: فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني، وقد اجتمع الناس حولي يسألوني. فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني" (١).
وثمة رواية أخرى توضح العلاقة بين صغار العلماء وكبارهم في ذلك العصر، فاحترام الكبير مبدأ اسلامي عام، وقد كان معهوداً في الحياة العلمية أيضاً، قال الصحابي سمرة بن جندب: "لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلاماً، فكنت أحفظ عنه، وما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني" (٢)
والتبكير في الحياة اليومية وعدم الاخلاد للنوم بعد الفجر سمت عام في حياة مسلمي ذلك العصر، لكن ابن عمر يرى أن حديث "اللهم بارك لأمتي في بكورها" يراد به التبكير في طلب العلم والصلاة في الصف الأول في المساجد (٣).
وقد انتبه المسلمون في ذلك العصر إلى أهمية التعلم في الصغر، وقد أرشدهم الرسول ﷺ إلى تعليم الصغار أحكام الصلاة وتربيتهم عليها وهم في السابعة من العمر.
وقد كشف عمر ﵁ عن جانب سيكولوجي هام عندما نصح مواطنيه بالتعلم في الصغر فقال: "تفقهوا قبل أن تسودوا" (٤). لأن الكبير في السن وصاحب الشأن في المجتمع قد يأنفان من السؤال أو الجلوس في حلقات العلم خلافاً للصغير، كما أن عمر ﵁ كان يدرك حدة الذكاء وقوة الاستعداد لدى الصغار فكان يحرص على سؤالهم والإفادة من نباهتهم.
стр. 260
وقد استمر هذا المبدأ "التعلم في الصغر" يسود حياة المسلمين التعليمية حتى الوقت الحاضر، كما أن التعليم في إطار الحضارة الغربية يلتقي مع التعليم الاسلامي في مراعاة هذا المبدأ.
وقد بيَّن الرسول ﷺ اختلاف الاستعداد العقلي والقدرة على الفهم بين الناس في الحديث: "نضَّر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (١).
وقد راعى الصحابة ذلك فقال عبد الله بن مسعود: "إن الرجل ليحدث بالحديث فيسمعه من لا يبلغ عقله فهم ذلك الحديث، فيكون عليه فتنة" (٢).
كذلك أدرك عبد الله بن مسعود أثر الأحوال النفسية والجسمية في عملية تلقي العلم، وأوصى بمراعاة ذلك فقال: "إن للقلوب شهوة وإقبالاً، وإن للقلوب فترة وإدباراً، فاغتنموها عند شهوتها، ودعوها عند فترتها وإدبارها" (٣).
وقال: "حدِّث القوم ما أقبلت عليك قلوبهم، فإذا انصرفت قلوبهم فلا تحدثهم، قيل له: ما علامة ذلك؟ قال: إذا حدقوك بأبصارهم. فإذا تثاءبوا واتكأ بعضهم على بعض فقد انصرفت قلوبهم فلا تحدثهم" (٤).
وقد بين ابن مسعود أن من السنة مراعاة ذلك فقال: "أما إني أخبر بمكانكم فأترككم كراهية أن أملكم. إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة بين الأيام مخافة السأم علينا" (٥).
стр. 261
وقالت عائشة ﵂ لعبيد بن عمير: "ألم أحدث أنك تجلس ويجلس إليك؟ قال: بلى. قالت: فإياك وإملال الناس وتقنيطهم" (١).
واحترام الحرف العربي حامل الوحي الإلهي كان مستقراً في نفوس أهل ذلك العصر، فالقرآن الكريم مكتوب به، وأحاديث الرسول ﷺ أيضاً، وقد استمر هذا الاحترام لدى الناس قروناً طويلة، بل لا زالت آثاره قائمة في حياتنا، عندما يرفض بعض الناس رمي الكتابة العربية على الأرض.
قيل لأنس بن مالك الصحابي الجليل ﵁ (ت (٩٣) هـ): "كيف كان المؤدبون على عهد الأئمة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي- ﵃؟ قال أنس: كان المؤدب له أجانة (٢)، وكل صبي يأتي كل يوم بنوبته ماء طاهراً، فيصبونه فيها، فيمحون به ألواحهم. قال أنس: ثم يحفرون حفرة في الأرض، فيصبون ذلك الماء فيها فينشف. قلت: أفترى أن يلعط؟ (٣) قال: لا بأس به، ولا يمسح بالرجل، ويمسح بالمنديل وما أشبهه. قلت: فما ترى فيما يكتب الصبيان في الكتاب من المسائل؟ قال: أما ما كان من ذكر الله فلا يمحوه برجله، ولا بأس أن يمحو غير ذلك مما ليس في القرآن" (٤).
فهذه الصورة الرائعة تعبر أصدق تعبير عما كان في نفوس أبناء ذلك العصر من احترام للحرف العربي عندما يكتب به الوحي الإلهي، فيختارون الماء الطاهر لمسحه ويحفرون له في الأرض ويصبونه لينشف.
стр. 262
كما تبين هذه الرواية وجود الكتاتيب والمؤدبين في عصر الراشدين واستخدام الألواح في التعليم.
وقد ترك خروج الصحابة من المدينة إلى الأمصار مع جيوش الفتح تأثيراً بالغاً في انتشار العلم، وتفرق العلماء، وقد ظهرت تقاليد علمية استمرت راسخة لقرون طويلة، وتركت آثاراً عميقة في تواصل الحركة العلمية في أرجاء العالم الاسلامي، وفي توحيد الآداب والمناهج والتقاليد العلمية، وفي التقريب بين وجهات نظر العلماء الأخرى، وفي إعادة تجميع العلم المنتشر، تلك هي الرحلة في طلب العلم. فقد سار جابر بن عبد الله شهراً حتى قدم الشام ليسمع حديثاً واحداً لم يسمعه من قبل، كان سمعه عبد الله بن أنس ﵁ من رسول الله ﷺ (١) ورحل إلى مصر للقاء مسلمة بن مخلد ﵁ لسماع حديث بلغه عنه (٢).
وقال الحارث بن معاوية الكندي إنه ركب إلى عمر بن الخطاب ﵁ ليسأله عن ثلاث خلال، فقدم المدينة، فقال له عمر ﵁: ما أقدمك عليَّ؟ قال: لأسألك عن ثلاث. قال: وما هنَّ؟ قال: ربما كنت أنا والمرأة في بناء مبني، فتحضر الصلاة، فإن صليت أنا وهي كانت بحذائي، وإن صلت خلفي خرجت من البناء. فقال عمر ﵁: تستر بينك وبينها بثوب ثم تصلي بحذائك إن شئت قال: وعن الركعتين بعد العصر؟ فقال: نهاني عنهما رسول الله ﷺ . قال: وعن القصص، فإنهم أرادوني على القصص؟ فقال: ما شئت. كأنه كره أن يمنعه. قال: إنما أردت أن أنتهي إلى قولك. قال: أخشى عليك أن تقص، فترفع
стр. 263
عليهم في نفسك، ثم تقص فترفع حتى يخيل أنك فوقهم بمنزلة الثريا فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك (١).
ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر وكان بمصر ليسمع منه حديث: "من ستر على أخيه في الدنيا، ستر الله عليه في الآخرة". ولم يحل رحله حتى رجع إلى بيته (٢).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته" (٣).
إن طرق تلقي العلم في عصر السيرة والراشدين تتمثل في السماع والعرض والمذاكرة والسؤال. وكان الاعتماد على المحاضرات الشفهية لا الكتب، وهو الأسلوب الذي اعتمده الرسول ﷺ في توضيح معالم الدين ونشر الاسلام (٤). أما الرسائل المكتوبة فكان نطاقها محدوداً.
واعتبر بعض الصحابة هذا الأسلوب شيئاً من "السنة" فقال أبو سعيد الخدري: "لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف، وكان رسول الله ﷺ يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما حفظنا نحن عن نبيكم" (٥)
والسماع هو الطريقة الأكثر انتشاراً لقلة المواد المكتوبة، فالطلبة يتلقون المعلومات عن طريق سماع الشيخ الذي يلقيها بصوته بعد أن حفظها بصدره.
стр. 264
والإلقاء ينبغي أن يكون واضحاً، وقد يؤكد الشيخ المعنى بإعادة الكلام ليتمكن المستمع من إتقان حفظه، وقد كان هذا هو أسلوب الرسول ﷺ .
وقد أنكرت عائشة ﵂ على أبي هريرة ﵁ سرد الحديث والتعجل في إلقائه فقالت لابن أختها عروة بن الزبير: "ألا يعجبك أبو هريرة، جاء فجلس إلى جانب حجرتي، يحدث عن رسول الله ﷺ يسمعني ذلك وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث سردكم" (١).
أما العرض: فهو أن يقرأ الطالب على العالم من نسخة مكتوبة.
قال زيد بن ثابت: "كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ ... فاكتب وهو يملي عليَّ، فما أفرغ حتى يثقل، وإذا فرغت قال: اقرأه عليَّ، فإن كان فيه سقط أقامه، ثم يخرج به" (٢).
ولما أراد بشير بن نهيك أن يتصرف عن أبي هريرة أتاه بكتبه التي كتبها عنه فقرأها عليه، فقال: "هذه سمعتها منك؟ قال: نعم" (٣).
لقد اتخذ العلماء فيما بعد من هذه السوابق دليلاً على صحة المعارضة بين الفرع المكتوب وأصله الذي كتب عنه. وقد روي عن علي ﵁ قوله: "القراءة على العالم بمنزلة السماع منه" (٤).
وروي عن عبد الله بن عباس قوله: "اقرءوا عليَّ فإن قراءتكم عليَّ كقراءتي
стр. 265
عليكم" (١).
وأما المذاكرة فقد قال الصحابي أبو نضرة العبدي: "كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجمعوا تذاكروا العلم وقرءوا سورة" (٢).
وكان الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري يوصي بالمذاكرة لتثبيت المعلومات يقول: "تحدثوا وتذاكروا فإن الحديث يذكر بعضه بعضاً" (٣).
ولم تقصر المذاكرة على الحديث بل كانت في الفقه أيضاً، فقد أتى أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب ﵁ بعد العشاء فقال له عمر ﵁: "ما جاء بك؟ قال: جئت أتحدث إليك. قال: هذه الساعة؟ قال: إنه فقه. فجلس عمر، فتحدثا طويلاً. ثم إن أبا موسى قال: الصلاة يا أمير المؤمنين. فقال عمر: إنَّا في صلاة" (٤).
وأما السؤال فهو أسلوب شائع حيث كان الصحابة يسألون الرسول ﵊ عما يعرض لهم ويحتاجون لمعرفة حكم الدين فيه.
وقد روي عن علي ﵁ ما فيه الحث على السؤال العلمي بقوله: "ألا رجل يسأل فينتفع وينفع جلساءه" (٥).
стр. 266
الفصل الثاني: التطبيقات والمركز والموضوعات
стр. 267
المبحث الأول: النشاط التعليمي
تمهيد
أ - النشاط التعليمي بمكة قبل الهجرة
كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم مكان اجتماع المسلمين في مكة، يوم أن كانت أعدادهم قليلة، يتسربون إليها خلسة خوفاً من قريش، حيث يلتقون الرسول ﷺ ويتعلمون منه أمور دينهم ويتلقون عنه ما ينزل من القرآن (١).
ومن المعروف أن نفراً منهم كان يعرف الكتابة في هذه المرحلة المبكرة فدوَّن بعض سور القرآن الكريم، ومما يروى أن عمر بن الخطاب ﵁ اطلع على صحيفة فيها صدر سورة طه فتأثر عند قراءتها وأسلم.
وهذا الخبر يفيد معرفة عمر ﵁ القراءة في المرحلة المكية (٢)، ومعرفة خباب ﵁ وهو الذي كان يقرأ الصحيفة على فاطمة أخت عمر ﵄ القراءة. وكان عبد الله بن مسعود أول من علَّم القرآن بمكة (٣).
ولا شك أن ظروف المسلمين الصعبة ومواجهتهم العنيفة مع قريش، كانت تقف حائلاً أمام توجيه معظم اهتمامهم للتعليم، إذ أن الاستقرار وهدوء البال يساعدان على انتشاره، كما أن الحاجة العملية للدعوة الإسلامية- في بدايتها- كانت محدودة. وكان في المسلمين الأوائل عدد من المتعلمين.
стр. 268
ب- النشاط التعليمي بالمدينة:
كان المكيون أوفر حظاً من الأنصار في انتشار الكتابة بينهم، وهذا عائد إلى أن الحاجة إلى الكتابة في المجتمع التجاري أوسع ميداناً من المجتمع الزراعي، يقول الواقدي: "كان الكتاب بالعربية في الأوس والخزرج قليلاً، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكانت تعلمه الصبيان في المدينة في الزمن الأول" وعد الواقدي أسماء أحد عشر شخصاً يعرفون الكتابة (١). وهذا العدد يشير إلى أن الجهد الذي بذله اليهود في تعليم العربية كان ضئيلاً ومحدوداً.
ولما أخذ الاسلام ينتشر بين الأنصار ظهرت بوادر حركة التعليم الجديدة ... فقد ذهب رافع بن مالك الأنصاري إلى مكة وتعلم ما نزل من القرآن في السنوات العشر التي مضت على البعثة من النبي ﷺ نفسه (٢).
وفي بيعة العقبة طلبت الأنصار من الرسول ﷺ بمكة أن "ابعث إلينا رجلاً يفقهنا في الذين ويقرئنا القرآن" فبعث إليهم مصعب بن عمير (٣).
ثم كانت الهجرة إلى المدينة وقامت دولة الاسلام الأولى، وكانت متطلبات الدعوة أولاً والإدارة ثانياً تقتضي بذل جهود حثيثة في نشر التعليم.
وقد قام المسجد النبوي بمسؤولية كبرى في هذا المجال، ثم عضدته ثمانية مساجد أخرى (٤)، والمسجد يجتمع فيه الناس خمسة أوقات للصلاة، وتنعقد فيه حلقات العلم، ويخطب فيه كل جمعة، ويتلى فيه القرآن، وقد استمرت أهمية
стр. 269
المسجد التعليمية قروناً طويلة بعد ذلك.
وفي الجانب الشمالي من المسجد النبوي تقوم الصفَّة التي سكنها فقراء المهاجرين والأنصار والقادمين من الغرباء، وهم منقطعون للعلم والعبادة والجهاد، وقد وردت روايات تفيد أن تعليم القراءة والكتابة كان ضمن النشاط التعليمي في الصفة، وأن ممن تولى هذه المهمة عبادة بن الصامت (١). قال عبادة بن الصامت: "علمت ناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن" (٢).
وإلى جانب المسجد قامت مراكز أخرى للتعليم في المدينة كما يشير قول ابن مسعود: "قرأت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد بن ثابت له ذؤابة في الكتاب" (٣)، وكما أخبر أنس بن مالك عن وجود الكتاب والمؤدبين في عصر الراشدين (٤). ولا نعرف مدى انتشار هذه الكتاتيب داخل المدينة وخارجها، ولكن ثمة إشارة إلى وجود كتاب في الطائف، حيث كان جرير بن حية الثقفي يعلم فيه (٥).
وقد وردت إشارة عن "دار القراء" بالمدينة، وكانت قائمة بعد بدر الكبرى (٦) - على الأقل- ولا نعرف طبيعة الدور أو المهام الموكلة إليها، ولكن اسمها يدل على الاهتمام بقراءة القرآن الكريم.
стр. 270
وقد استفاد الرسول ﷺ من بعض أسرى بدر من المشركين في تعليم عشرة من غلمان الأنصار الكتابة مقابل فدائهم، وممن تعلم منهم زيد بن ثابت في جماعة من غلمان الأنصار (١).
وقد وردت أخبار عن رواد التعليم في ذلك العصر، فقد كان الحكم بن سعيد بن العاص الأموي كاتباً، فأمره النبي ﷺ أن يعلم الكتاب بالمدينة .. وكان يعلم الحكمة أيضاً (٢).
ومن هؤلاء الرواد عبد الله بن سعيد بن العاص الذي أمره النبي ﷺ أن يعلم الكتاب بالمدينة، وكان كاتباً، وقضى يوم بدر شهيداً (٣).
وكانت الشفاء بنت عبد الله العدوية القرشية من أوائل المهاجرات، وقد أمرها النبي ﷺ أن تعلم حفصة أم المؤمنين الكتابة، وهذه أقدم إشارة إلى تعليم المرأة المسلمة الكتابة (٤). وكان سعد بن عبادة زعيم الخزرج "يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، فكان يقال له الكامل" (٥) و "كان جهيم بن الصلت المطلبي قد تعلم الخط في الجاهلية، فجاء الاسلام وهو يكتب، وقد كتب لرسول الله صلى
стр. 271
الله عليه وسلم (١)، "وكان عمر بن الخطاب كاتباً وقد كتب بعض الآيات بيده" (٢). وكان لأبي ريحانة الأزدي ﵁ صحف، وهو أول من طوى الطومار، وكتب فيه مدرجاً مقلوباً (٣).
ومن رواد التعليم الأوائل في المسجد النبوي بالمدينة سعد بن الربيع الخزرجي وبشير بن سعد بن ثعلبة وأبان بن سعيد بن العاص ﵃ (٤).
وكان من ثمار السياسة التعليمية التي اختطها الرسول ﷺ ازدياد عدد الكاتبين في المجتمع الاسلامي حتى بلغ عدد كتاب النبي ﷺ وحدهم حوالي خمسين كاتباً، منهم من كتب الوحي مثل علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وعبد الله بن سعد بن أبي السرح وحنظلة بن الربيع ومعاوية بن أبي سفيان وأبان بن سعيد وخالد بن سعيد ﵃، ومنهم من كان يكتب أموال الصدقات كالزبير بن العوام وجهيم بن الصلت ﵄ ومنهم من كان يكتب المداينات والعقود مثل عبد الله بن الأرقم الزهري والعلاء بن عقبة ﵄ (٥).
وقد دعمت الدولة جهود التعليم في المدينة، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يرزق ثلاثة من المعلمين الذين كانوا يعلمون الصبيان بالمدينة خمسة عشر درهماً
стр. 272
كل شهر لكل واحد منهم (١). واستقدم سعد بن أبي وقاص ﵁ رجلاً من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ويعطونه الأجر (٢).
وكان التعليم يشمل الرجال والنساء، فقد خصص الرسول ﷺ للنساء مجلساً في المسجد النبوي بالمدينة (٣) وذلك إجابة لطلبهن (٤)، كما أمر الرجال- وكانت تتاح لهم عادة فرص أكثر للتعليم بسبب من مصاحبة الرسول ﷺ وحضور المجالس العامة- أن يعلموا النساء (٥)، وقد قال لهم مرة: "ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم" (٦).
وقد أثنت عائشة ﵂ على نساء الأنصار لطلبهن العلم (٧). وكانت صفوف النساء في المسجد خلف صفوف الرجال، ولم تعقد حلقات علمية مختلطة، ومنذ ذلك الوقت ظهر الأخذ بمبدأ عدم الاختلاط في التعليم، ولا يزال طابعه يغلب على حياتنا، مع أن مؤسساتنا التعليمية الحديثة قد تأثرت بأسلوب التعليم المختلط الغربي.
стр. 273
جـ - انتشار التعليم الاسلامي في البوادي والأمصار الجديدة:
أخذ التعليم في البوادي القريبة من مكة والمدينة ينتشر منذ عصر الرسالة، فقد أرسل النبي ﷺ بعثات التعليم إلى البادية، وكان منها وفد الرجيع إلى عضل والقارة لتعليمهم شرائع الاسلام، وكان يضم عشرة من الصحابة ﵃، وقد تعرض بنو لحيان للوفد فقتلوهم ولم ينج منهم سوى اثنين أسروهما وباعوهما لقريش فقتلهما (١). ووفد بئر معونة كان يضم سبعين من القراء توجهوا إلى نجد حيث تعرضوا لغدر الأعراب وقتلوا جميعاً باستثناء واحد عاد بخبرهم إلى المدينة (٢).
وقد أبقى الرسول ﷺ معاذ بن جبل ﵁ بمكة بعد الفتح لتفقه الناس في الذين ويعلمهم القرآن (٣)، ثم بعثه قاضياً إلى الجند- من اليمن- ليعلم الناس القرآن وشرائع الاسلام ويقضي بينهم (٤). "وكان معاذ معلماً يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت" (٥).
كذلك بعث الرسول ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى أهل نجران، بناء على طلب وفدهم "أن يبعث من يعلمهم السنة والإسلام" (٦)، ثم أرسل إليهم عمرو بن حزم ﵁ بعده، وهو ابن سبع عشرة سنة، ليفقههم
стр. 274
في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم، وذلك في السنة العاشرة للهجرة (١).
وتنقطع أخبار إرسال البعثات التعليمية في خلافة الصديق ﵁، وربما يرجع ذلك إلى أحداث حركة الردة الخطيرة حيث لم تعد البوادي آمنة. ثم تنشط هذه البعثات بعد إعادة توحيد الجزيرة والتوسع في الفتوح في خلافة عمر ﵁.
وقد بعث عمر ﵁ رجلاً يقال له أبو سفيان يستقرئ أهل البوادي القرآن فمن لم يقرأ ضربه بالسوط (٢).
وقد اعتبر عمر ﵁ التعليم من المسؤوليات المنوطة بالولاة في الأمصار فقد ورد في إحدى خطبه: "اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، فإني بعثتهم يعلمون الناس دينهم وسنة نبيهم" (٣)، وقد أكد هذا المعنى في مناسبة أخرى (٤).
وكان عمال عمر ﵁ على الأمصار يدركون هذه المسؤولية، فقد صرَّح بها أبو موسى الأشعري ﵁ حين قدم البصرة والياً فقال: "بعثني إليكم عمر بن الخطاب أعلمكم كتاب ربكم وسنتكم" (٥). وكان أبو موسى الأشعري يقرئ تلاميذه القرآن بعد أن يجلسهم حلقاً حلقاً، وعليه بردان أبيضان (٦).
وقد أولى أبو موسى الأشعري ﵁ القراء في البصرة عناية خاصة،
стр. 275
فازداد عددهم وقويت مكانتهم الفكرية والسياسية، وكان لهم دور في كثير من الأحداث في صدر الاسلام (١).
ولم يكتف الخليفة عمر ﵁ بجهود ولاة الأمصار في نشر التعليم، بل دعمها بالعلماء الذين كان يرسلهم من المدينة، محملين بوصاياه ... فقد بعث عشرة من الصحابة ﵃ وكان فيهم عبد الله بن مغفل المزني ليفقهوا الناس بالبصرة (٢).
كذلك بعث عمران بن حصين الخزاعي ﵁ إلى البصرة ليفقه أهلها وكان من فقهاء الصحابة (٣).
ويروي قرظة بن كعب أنه لما أراد الذهاب مع عدد من أصحابه إلى الكوفة شيعهم عمر بن الخطاب ﵁ وقال: "إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرِّدوا القرآن، وأقِّلوا الرواية عن رسول الله" (٤).
وقد سير عمر عبد الله بن مسعود ﵄ إلى الكوفة ليعلم أهلها أمور دينهم (٥). وكان نصيب الكوفة من الصحابة كبيراً إذ هبط فيها ثلاثمائة من أصحاب الحديبية وسبعون من أهل بدر (٦).
стр. 276
وأرسل عمر معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء ﵃ إلى الشُام، لأن أهلها بحاجة إلى من يعلمهم القرآن الكريم (١). فكان عبادة في الشام قاضياً ومعلماً (٢).
وقد نظم أبو الدرداء ﵁ طلابه، ووزعهم في مجموعات لكثرتهم واستحالة قيامه بتعليمهم بطريقة مباشرة، وراعى تدرجهم في العلم عند تقسيمهم، فكانت المجموعات متباينة المستوى. قال سويد بن عزيز: كان أبو الدرداء ﵁ إذا صلى الغداة في جامع اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفاً، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفهم، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء ﵁ فسأله عن ذلك، وكان ابن عامر عريفاً على عشرة، فلما مات أبو الدرداء ﵁ خلفه ابن عامر. قال مسلم بن مشكم- أحد تلاميذ أبي الدرداء-: قال لي أبو الدرداء ﵁: أعدد من يقرأ عندي القرآن. فعددتهم ألفاً وستمائة ونيفاً، وكان لكل عشرة منهم مقرئ، وأبو الدرداء يكون عليهم قائماً، وإذا أحكم الرجل منهم تحوَّل إلى أبي الدرداء ﵁ (٣).
وقد اهتم قادة الفتح في الشام بتعليم المسلمين القراءة والكتابة حيث طلبوا من أسرى قيسارية تعليم المسلمين الكتابة، وقد وضعوا في الجرف وهو معسكر
стр. 277
المسلمين في فلسطين (١).
وقد ظهرت الكتاتيب في الشام بعد الفتح، وتعلم فيها أبناء الفاتحين. يقول أدهم بن محرز الباهلي الحمصي: "أنا أول مولود ولد بحمص- يعني من المسلمين- وأول مولود رئي في كتف- يعني يحمل كتفاً مكتوباً فيه القرآن- وأنا أختلف إلى الكتاب أتعلم الكتاب- يعني القرآن-" (٢). وممن تعلم في كتاتيب الشام وهو صبي إياس بن معاوية المزني قاضي البصرة المشهور (٣).
وقد شاركت المرأة في نشر التعليم في الشام منذ وقت مبكر، قال عبد ربه بن سليمان: كتبت لي أم الدرداء في لوحي فيما تعلمني (تعلموا الحكمة صغاراً تعملوا بها كباراً) و (إن لكل حاصد ما زرع من خير أو شر) (٤).
ويبدو أن التعليم في الشام كان أكثر مركزية من بقية الأمصار لأن عمر ﵁ "لما افتتح البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري، وهو على البصرة، يأمره أن يتخذ للجماعة مسجداً، ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة وشهدوا الجمعة. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص، وهو على الكوفة بمثل ذلك. وكتب إلى عمرو بن العاص، وهو على مصر بمثل ذلك. وكتب إلى أمراء أجناد الشام: لا يتبدوا إلى القرى ويتركوا المدائن، وأن يتخذوا في كل مدينة مسجداً واحداً، ولا يتخذوا للقبائل مساجد كما اتخذ أهل الكوفة والبصرة ومصر.
стр. 278
وكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده" (١).
المبحث الثاني: مراكز الحركة الفكرية
كانت المدينة المنورة أهم مراكز الحركة الفكرية في عصر السيرة والراشدين، فهي دار السنة، ومجتمع الصحابة، ومنها انتشر العلم إلى بقية المدن والأمصار، بخروج عدد كبير من الصحابة منها بعد وفاة النبي ﷺ حيث استقروا في البلاد المفتوحة، ونشروا العلم والرواية فيها.
إن إلقاء نظرة على ما خصصه كل من خليفة بن خياط (ت (٢٤٠) هـ) في طبقاته ومحمد بن سعد (ت (٢٣٠) هـ) في طبقاته لتراجم علماء المدينة، ومقارنة ذلك بما خصصاه لبقية المدن، يكفي للدلالة على تفوق المدينة في العلم على ما سواها من المدن في ذلك العصر.
أما بقية مدن الحجاز فقد كان دورها في العلم ضئيلاً إذا ما قيست بالمدينة، وتبرز من بينها مكة بسبب مركزها الديني، واجتماع العلماء فيها في مواسم الحج. أما الأمصار الجديدة فتبرز الحركة العلمية في كل من: الكوفة، والبصرة، ودمشق، والفسطاط، حيث استقر فيها عدد كبير من الصحابة، إذ برزت في الكوفة مدرسة عبد الله بن مسعود ﵁ في الفقه، وفي البصرة مدرسة أبي موسى الأشعري ﵁ في القراءات.
وتأتي دمشق بعد الكوفة والبصرة في الأهمية، ثم يأتي دور الفسطاط بمصر. أما
стр. 279
المشرق فلم تبرز أهميته العلمية في هذه المرحلة المبكرة، رغم أن نواة التعليم الاسلامي بذرت في قلوب أبنائه منذ ذلك الوقت. فقد ذكر أبو نعيم "أنه كان رجل بأصبهان من بني سليم من أصحاب النبي ﷺ ، وكان في جملة الدهاقين يعلم أهلها الفرائض والسنن" (١).
مواد الكتابة:
قبل انتشار الورق- الذي طهر في العالم الاسلامي في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري- (٢) كانت مواد الكتابة هي الحجارة أو العظام، أو عسب النخيل أو القماش، أو الجلود أو القراطيس (ورق البردي)، ولم ترد إشارة إلى استعمال الكاغد في عصر السيرة والراشدين.
والقراطيس اسم أطلق على ورق مصنوع من لب نبات البردي الذي تشتهر به دلتا مصر. وقد عرف في جزيرة العرب قبل الاسلام، ويمتاز بصفحاته الكبيرة، غير أنه أغلى كلفة وأقل دواماً من الورق (٣).
وقد ورد ذكر القرطاس في القرآن الكريم (٤)، ولما أراد أبو بكر ﵁ جمع القرآن الكريم كان بعضه مكتوباً في قراطيس (٥)، وقد وصلت إلينا نسخ من القرآن الكريم مكتوبة على البردي، وهي مما تحتفظ به دار الكتب المصرية (٦).
стр. 280
وكتب خالد بن الوليد ﵁ عهد الصلح مع دمشق على قراطيس، كما أن صكوك "الجار" كانت تكتب على القراطيس (١). وشاع استعمال القراطيس في بلاد العرب بعد فتحهم لمصر من قبل عمرو بن العاص ﵁.
وقد توسعت احتياجات الدولة للقراطيس ومواد الكتابة الأخرى، حتى خصص للقراطيس بيت كان ملتصقاً ببيت عثمان ﵁ (٢).
وأما الجلود فقد استعملتها العرب في كتابتها، ويسمونها الرق والأديم والقضيم فأما الرق فهو الجلد الرقيق الأبيض الذي يكتب عليه، وأما الأديم فهو الجلد أياً كان وقيل الأحمر، وقيل هو المدبوغ، وكان يستعمل في زمن الرسول ﷺ كثيراً، فالقرآن "كان مما يكتب على الأديم"، وكتبه ﷺ إلى أهل دوما ومالك الجذامي وزهير بن أقيش العكلي، وإقطاعه للعباس بن سلمة ... كل ذلك كان مكتوباً على أديم بعضه أحمر وبعضه خولاني. وأما القضيم فهو الجلد الأبيض، وقيل: هو الصحيفة البيضاء، وقبض رسول الله ﷺ والقرآن في العسب والقضيم (٣).
وقد أجمع الصحابة ﵃ على كتابة القرآن الكريم في الرق لطول بقائه، أو لأنه الموجود عندهم حينئذ (٤).
وكان لأبي ريحانة الأزدي ﵁ صحف، وهو "أول من طوى الطومار
стр. 281
وكتب فيه مدرجا مقلوباً" (١)، والطومار هو الصحيفة.
وكان سعيد بن جبير يكتب عند ابن عباس ﵁ في صحيفة، فإذا امتلأت كتب في نعله، فإذا امتلأت كتب في كفه (٢). واستخدم ابن عباس ﵁ الألواح (٣)، وبلغت كتاباته حمل بعير (٤).
وقد استخدم آخرون أكفهم فكتبوا عليها كالقصب عند البراء بن عازب ﵁ (٥)، وبالطبع كانت الكتابة على الأكف وسيلة لتذكر المعلومات وحفظها ومن ثم تغسل، فاستخدامهم لها أشبه ما يكون بعمل السبورة اليوم.
وقد كتب زيد بن ثابت ﵁ فريضة الجد في قطعة قتب (٦).
وكانت الصحف متوافرة في السوق، فقد اشترى الحارث الأعور صحفاً بدرهم ثم جاء بها علياً ﵁ فكتب له علماً كثيراً (٧).
وقد استعان البعض بالسبورجة، فكان أبان بن أبي عياش يكتب عليها في الليل عند الصحابي أنس بن مالك ﵁ (٨).
وقد كانت الكتب الرسمية تطين وتختم منذ عصر الرسالة (٩)، وباتساع العلاقات
стр. 282
الخارجية كثرت هذه المكاتبات واحتاجت إلى الحفظ. وقد دون عمر ﵁ الديوان، وكان يحفظ في تابوت كل معاهدة كانت بينه وبين أحد ممن عاهده (١).
المبحث الثالث: موضوعات التعليم
لم يقتصر التعليم في عصر السيرة والراشدين على المراحل الأولية لتعليم الكتابة والقراءة، بل عرف أنماطاً أخرى عالية وتخصصات دقيقة، لم تكن مرتبطة في الغالب بمعرفة الكتابة، وإنما كانت تتم عن طريق السماع والمشافهة، فهو وسيلة التثقيف الأولى في ذلك العصر، وقد برز عدد من الصحابة المتخصصين في فن بعينه كما جمع بعضهم بين فنون عدة.
وقد قام هؤلاء العلماء بمسؤوليتهم في نشر العلم وتفتيح العقول عليه، وتنمية أعداد طلبته، وإمداد الدولة بما تحتاج إليه من العناصر القيادية.
وكانت موضوعات التعليم تتمثل في القرآن وعلومه، والحديث، والفقه، واللغة العربية، والتاريخ، والأنساب، والشعر، والقصص، والحكم، والأمثال، والتنجيم واللغات والثقافات الأجنبية.
وفيما يلي عرض لهذه الموضوعات مع الإشارة إلى أبرز المتخصصين فيها في ذلك العصر وفقا لما انتهى إلينا من المعلومات:
أ- القرآن وعلومه:
لا شك في أن حفظ القرآن وإقراءه وتفسيره، يتقدم بقية الموضوعات، فهو
стр. 283
الكتاب الوحيد المدون كاملاً في ذلك العصر، وقد بدأ المسلمون تدوينه أثناء نزوله مفرقاً على الرسول ﷺ ، ثم جمعت من هذه المدونات المفرقة نسخة واحدة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وقام على هذه المهمة زيد بن ثابت بأمر أبي بكر الصديق ﵁، تنفيذاً لما أشار به عليه عمر بن الخطاب ﵁. وقد انتقلت هذه النسخة إلى عمر في خلافته، ثم أودعت عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵄.
وقد أعيد جمع القرآن في خلافة عثمان بن عفان ﵁ من قبل لجنة رباعية كونها عثمان، كلفت القيام بهذه المهمة، وتتألف اللجنة من زيد بن ثابت ﵁ إذ تم اختياره نتيجة عوامل منها: استماعه إلى العرضة الأخيرة للقرآن من النبي ﷺ نفسه بنصه الكامل الخالد دون الآيات التي نسخت تلاوتها من ناحية، وقيامه بالجمع الأول في خلافة أبي بكر ﵁، ومن قبل عمله كاتباً للوحي زمن الرسول ﷺ .
والثلاثة الآخرون في هذه اللجنة هم: عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأعضاء اللجنة كلهم من قريش إلا زيد فهو أنصاري. وقد وضع عثمان ﵁ للجنة قاعدة العمل بقوله: "ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم". وقد أتمت اللجنة عملها وأقرهم عليه الصحابة آنذاك، حيث تم نسخ ستة مصاحف وزعت أربعة منها على الأمصار، مكة والشام والكوفة والبصرة، وبقيت النسخة الخامسة في المدينة، واحتفظ عثمان بالنسخة السادسة. ثم نقلت سائر المصاحف عبر القرون التالية عن مصحف عثمان ﵁ الذي عرف بالمصحف الإمام، وسمي رسمه بالرسم العثماني.
وكان النص القرآني خالياً من النقط والحركات، تحتاج قراءته إلى السليقة اللغوية، وأدى نزوله على سبعة أحرف إلى نشوء بعض الاختلافات في قراءته، وكان ما فيه من الإجمال والعموم والناسخ والمنسوخ بحاجة إلى معرفة أسباب النزول
стр. 284
وتحديد القراءات الصحيحة وتفسير المعاني وبيان الأحكام التشريعية، وذلك كله يحتاج إلى تخصص دقيق، وقد برز في القراءات عدد من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود ﵁ وكان يمتلك مصحفاً مدوناً حمله معه إلى الكوفة، وقدر له أن يسمع سبعين سورة بلفظ الرسول ﷺ (١)، كما كان مطلعاً بدقة على تفسير القرآن. وقد وضح تلميذه مسروق طريقته في التعليم بقوله: "كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار" (٢).
كذلك برز زيد بن ثابت ﵁، وأبي بن كعب ﵁ الذي كان ممن يعلِّم الناس القرآن (٣).
وقد أوصى الرسول ﷺ الصحابة بأخذ القرآن من أربعة، هم: عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة ﵃ (٤).
وقد حفظ علي بن أبي طالب ﵁ القرآن كاملاً بعد وفاة الرسول ﷺ مباشرة (٥). ووردت أحاديث كثيرة في الحث على حفظ القرآن وقراءته وتدبر معانيه، ومعرفة مقاصده، منها حديثه ﷺ "تعلموا القرآن" (٦).
стр. 285
أما التفسير فكان يعتمد على شرح الرسول ﷺ للآيات، وكانت أسباب النزول معروفة لعلماء الصحابة لأنهم عاشوا مع الأحداث. ونجد ابن عباس ﵁ يعتمد كثيراً على شواهد الشعر الجاهلي في التفسير. ولم تظهر بوادر التفسير بالرأي في ذلك العصر، بل نجد أبا بكر ﵁ يحذر منه بقوله: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم" (١).
وتبرز عدة مصطلحات تتعلق بعلوم القرآن في كلام عبد الله بن عباس، فقد فسر معنى الحكمة في الآية (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) (٢) بأنها "المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحرامه وحلاله وأمثاله" (٣).
ب- الحديث:
مع وجود عدد من الكتاب في عصر السيرة، وقيامهم بتدوين القرآن الكريم، فإنه لم يتم تدوين الحديث النبوي بشمول واستقصاء، بل اعتمدوا على الحفظ والذاكرة في أغلبه، ولم يأمرهم النبي ﷺ بكتابته، ولعله بهذا أراد الحفاظ على ملكة الحفظ عندهم، خاصة أن الحديث تجوز روايته بالمعنى خلاف ما عليه القرآن الكريم، الذي هو معجز بلفظه ومعناه، ومن ثم فلا تجوز روايته بالمعنى لذلك اقتضت الحكمة حصر جهود الكاتبين في نطاق تدوين القرآن الكريم، وللتخلص من احتمال حدوث التباس عند عامة المسلمين فيخلطوا القرآن بالحديث إذا اختلطت الصحف التي كتب فها القرآن بالصحف التي كتب فيها الحديث،