وكتب فيه مدرجا مقلوباً" (١)، والطومار هو الصحيفة.
وكان سعيد بن جبير يكتب عند ابن عباس ﵁ في صحيفة، فإذا امتلأت كتب في نعله، فإذا امتلأت كتب في كفه (٢). واستخدم ابن عباس ﵁ الألواح (٣)، وبلغت كتاباته حمل بعير (٤).
وقد استخدم آخرون أكفهم فكتبوا عليها كالقصب عند البراء بن عازب ﵁ (٥)، وبالطبع كانت الكتابة على الأكف وسيلة لتذكر المعلومات وحفظها ومن ثم تغسل، فاستخدامهم لها أشبه ما يكون بعمل السبورة اليوم.
وقد كتب زيد بن ثابت ﵁ فريضة الجد في قطعة قتب (٦).
وكانت الصحف متوافرة في السوق، فقد اشترى الحارث الأعور صحفاً بدرهم ثم جاء بها علياً ﵁ فكتب له علماً كثيراً (٧).
وقد استعان البعض بالسبورجة، فكان أبان بن أبي عياش يكتب عليها في الليل عند الصحابي أنس بن مالك ﵁ (٨).
وقد كانت الكتب الرسمية تطين وتختم منذ عصر الرسالة (٩)، وباتساع العلاقات
стр. 282
الخارجية كثرت هذه المكاتبات واحتاجت إلى الحفظ. وقد دون عمر ﵁ الديوان، وكان يحفظ في تابوت كل معاهدة كانت بينه وبين أحد ممن عاهده (١).
المبحث الثالث: موضوعات التعليم
لم يقتصر التعليم في عصر السيرة والراشدين على المراحل الأولية لتعليم الكتابة والقراءة، بل عرف أنماطاً أخرى عالية وتخصصات دقيقة، لم تكن مرتبطة في الغالب بمعرفة الكتابة، وإنما كانت تتم عن طريق السماع والمشافهة، فهو وسيلة التثقيف الأولى في ذلك العصر، وقد برز عدد من الصحابة المتخصصين في فن بعينه كما جمع بعضهم بين فنون عدة.
وقد قام هؤلاء العلماء بمسؤوليتهم في نشر العلم وتفتيح العقول عليه، وتنمية أعداد طلبته، وإمداد الدولة بما تحتاج إليه من العناصر القيادية.
وكانت موضوعات التعليم تتمثل في القرآن وعلومه، والحديث، والفقه، واللغة العربية، والتاريخ، والأنساب، والشعر، والقصص، والحكم، والأمثال، والتنجيم واللغات والثقافات الأجنبية.
وفيما يلي عرض لهذه الموضوعات مع الإشارة إلى أبرز المتخصصين فيها في ذلك العصر وفقا لما انتهى إلينا من المعلومات:
أ- القرآن وعلومه:
لا شك في أن حفظ القرآن وإقراءه وتفسيره، يتقدم بقية الموضوعات، فهو
стр. 283
الكتاب الوحيد المدون كاملاً في ذلك العصر، وقد بدأ المسلمون تدوينه أثناء نزوله مفرقاً على الرسول ﷺ ، ثم جمعت من هذه المدونات المفرقة نسخة واحدة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وقام على هذه المهمة زيد بن ثابت بأمر أبي بكر الصديق ﵁، تنفيذاً لما أشار به عليه عمر بن الخطاب ﵁. وقد انتقلت هذه النسخة إلى عمر في خلافته، ثم أودعت عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵄.
وقد أعيد جمع القرآن في خلافة عثمان بن عفان ﵁ من قبل لجنة رباعية كونها عثمان، كلفت القيام بهذه المهمة، وتتألف اللجنة من زيد بن ثابت ﵁ إذ تم اختياره نتيجة عوامل منها: استماعه إلى العرضة الأخيرة للقرآن من النبي ﷺ نفسه بنصه الكامل الخالد دون الآيات التي نسخت تلاوتها من ناحية، وقيامه بالجمع الأول في خلافة أبي بكر ﵁، ومن قبل عمله كاتباً للوحي زمن الرسول ﷺ .
والثلاثة الآخرون في هذه اللجنة هم: عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأعضاء اللجنة كلهم من قريش إلا زيد فهو أنصاري. وقد وضع عثمان ﵁ للجنة قاعدة العمل بقوله: "ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم". وقد أتمت اللجنة عملها وأقرهم عليه الصحابة آنذاك، حيث تم نسخ ستة مصاحف وزعت أربعة منها على الأمصار، مكة والشام والكوفة والبصرة، وبقيت النسخة الخامسة في المدينة، واحتفظ عثمان بالنسخة السادسة. ثم نقلت سائر المصاحف عبر القرون التالية عن مصحف عثمان ﵁ الذي عرف بالمصحف الإمام، وسمي رسمه بالرسم العثماني.
وكان النص القرآني خالياً من النقط والحركات، تحتاج قراءته إلى السليقة اللغوية، وأدى نزوله على سبعة أحرف إلى نشوء بعض الاختلافات في قراءته، وكان ما فيه من الإجمال والعموم والناسخ والمنسوخ بحاجة إلى معرفة أسباب النزول
стр. 284
وتحديد القراءات الصحيحة وتفسير المعاني وبيان الأحكام التشريعية، وذلك كله يحتاج إلى تخصص دقيق، وقد برز في القراءات عدد من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود ﵁ وكان يمتلك مصحفاً مدوناً حمله معه إلى الكوفة، وقدر له أن يسمع سبعين سورة بلفظ الرسول ﷺ (١)، كما كان مطلعاً بدقة على تفسير القرآن. وقد وضح تلميذه مسروق طريقته في التعليم بقوله: "كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار" (٢).
كذلك برز زيد بن ثابت ﵁، وأبي بن كعب ﵁ الذي كان ممن يعلِّم الناس القرآن (٣).
وقد أوصى الرسول ﷺ الصحابة بأخذ القرآن من أربعة، هم: عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة ﵃ (٤).
وقد حفظ علي بن أبي طالب ﵁ القرآن كاملاً بعد وفاة الرسول ﷺ مباشرة (٥). ووردت أحاديث كثيرة في الحث على حفظ القرآن وقراءته وتدبر معانيه، ومعرفة مقاصده، منها حديثه ﷺ "تعلموا القرآن" (٦).
стр. 285
أما التفسير فكان يعتمد على شرح الرسول ﷺ للآيات، وكانت أسباب النزول معروفة لعلماء الصحابة لأنهم عاشوا مع الأحداث. ونجد ابن عباس ﵁ يعتمد كثيراً على شواهد الشعر الجاهلي في التفسير. ولم تظهر بوادر التفسير بالرأي في ذلك العصر، بل نجد أبا بكر ﵁ يحذر منه بقوله: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم" (١).
وتبرز عدة مصطلحات تتعلق بعلوم القرآن في كلام عبد الله بن عباس، فقد فسر معنى الحكمة في الآية (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) (٢) بأنها "المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحرامه وحلاله وأمثاله" (٣).
ب- الحديث:
مع وجود عدد من الكتاب في عصر السيرة، وقيامهم بتدوين القرآن الكريم، فإنه لم يتم تدوين الحديث النبوي بشمول واستقصاء، بل اعتمدوا على الحفظ والذاكرة في أغلبه، ولم يأمرهم النبي ﷺ بكتابته، ولعله بهذا أراد الحفاظ على ملكة الحفظ عندهم، خاصة أن الحديث تجوز روايته بالمعنى خلاف ما عليه القرآن الكريم، الذي هو معجز بلفظه ومعناه، ومن ثم فلا تجوز روايته بالمعنى لذلك اقتضت الحكمة حصر جهود الكاتبين في نطاق تدوين القرآن الكريم، وللتخلص من احتمال حدوث التباس عند عامة المسلمين فيخلطوا القرآن بالحديث إذا اختلطت الصحف التي كتب فها القرآن بالصحف التي كتب فيها الحديث،
стр. 286
خاصة في الفترة المبكرة، عندما كان الوحي ينزل بالقرآن، ولما يكمل القرآن، ولما يعتد عامة المسلمين على أسلوبه (١).
وقد وردت أحاديث عن النبي ﷺ تنهى عن كتابة الحديث، ووردت أحاديث أخرى تسمح بكتابته، وأقوى أحاديث النهي ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "جهدنا بالنبي ﷺ إن يأذن لنا في الكتابة فأبى" (٢).
وأقوى أحاديث السماح بالكتابة ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "ما من أصحاب النبي صلى الله عله وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب" (٣). وحديث آخر أخرجه البخاري في صحيحه أن رجلاً من أهل اليمن طلب من الصحابة أن يكتبوا له خطبة النبي ﷺ بعد الفتح، فاستأذنوا النبي ﷺ في ذلك فقال: "اكتبوا لأبي فلان" (٤). وحديث ثالث أخرجه البخاري أيضاً وهو قول النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه: "آتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده" (٥).
وفي التوفيق بين حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وهذه الأحاديث يقول الرامهرمزي عن حديث أبي سعيد: "أحسبه أنه كان محفوظاً في أول الهجرة،
стр. 287
وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن" (١). وممن ذهب إلى نسخ أحاديث النهي ابن قتيبة الدينوري (٢).
وقد وقف الصحابة ﵃ في عصر الراشدين مواقف متباينة من كتابة الحديث، فمنهم من كره الكتابة ومنهم من أجازها، ومنهم من روي عنه الأمران.
فمن مواقف كبار الصحابة الذين كرهوا كتابة الحديث ما يلي:
١ - جمع أبو بكر الصديق ﵁ خمسمائة حديث ثم أحرقها (٣).
٢ - استشار عمر بن الخطاب ﵁ الصحابة في تدوين الحديث، ثم استخار الله تعالى في ذلك شهراً ثم عدل عن ذلك وقال معللاً: "إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فاكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً" (٤).
٣ - قال علي بن أبي طالب ﵁: "أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم" (٥)
٤ - أتي عبد الله بن مسعود ﵁ بصحيفة فيها حديث، فدعا بماء فمحاها، وقال: "بهذا أهلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء
стр. 288
ظهورهم كأنهم لا يعلمون" (١).
٥ - وردت روايات تدل على كراهية صحابة آخرين لكتابة الحديث وهم: زيد بن ثابت وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وأبو موسى الأشعري ﵃، وقد أوضح كل منهم أن سبب كراهته لكتابة الحديث. راجع إلى خوفه من انشغال الناس بها وانصرافهم عن القرآن الكريم.
أما مواقف الصحابة التي تدل على إجارتهم الكتابة فهي:
١ - كتب أبو بكر الصديق لأنس بن مالك ﵄ فرائض الصدقة التي سنَّها النبي ﷺ (٢).
٢ - كتب عمر ﵁ لعتبة بن فرقد بعض السنن (٣)، ووجد في قائم سيفه صحيفة فيها صدقة السوائم (٤).
٣ - كان عند علي ﵁ صحيفة فيها العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر (٥).
٤ - كان عبد الله بن عمر ﵁ إذا خرج إلى السوق نظر في كتبه المدونة في الحديث (٦).
٥ - وردت أخبار عن إجازة بعض الصحابة الآخرين الكتابة مثل: عائشة، وأبي
стр. 289
هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، والحسن بن علي، وعبد الله بن أبي أوفى ﵃.
وبعضهم كان يكره الكتابة ثم أجازها، ولا تناقض في مواقفهم لأن سبب كراهتهم هو الخوف من اختلاطها بالقرآن أو مزاحمتها له، أما حين يأمنون ذلك فإنهم يجيزون كتابة الحديث. ولذلك فقد كتب بعضهم الأحاديث في الصحف في عصر الرسالة والراشدين ومنها:
١ - صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري.
٢ - صحيفة عبد الله بن أبي أوفى.
٣ - نسخة سمرة بن جندب (ت (٦٠) هـ) جمع فيها أحاديث كثيرة.
٤ - كتب أبي هريرة.
٥ - صحيفة أبي موسى الأشعري (ت (٥٠) هـ).
٦ - صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري (ت (٧٨) هـ).
٧ - الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص (ت (٦٥) هـ) وقد نقلها الإمام أحمد في مسنده (١).
وغير ذلك من النسخ والصحف التي دونت في هذه الفترة المبكرة، وقد أحصى أحد الباحثين أسماء اثنين وخمسين صحابياً كتبوا الأحاديث النبوية (٢)، مما أدى إلى توسع الأجيال التالية في كتابة الحديث حتى جمعته الكتب الستة وغيرها من مدونات الحديث الضخمة.
стр. 290
جـ - الفقه:
يشتمل الفقه على أحكام العبادات والمعاملات معاً، وبذلك ينظم سائر النشاط الفردي والجماعي في ذلك العصر، ومصادره الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقد برز عدد من الفقهاء اللامعين الذين تركوا ثروة فقهية يأخذ عنها الفقهاء المعاصرون.
ويذكر ابن القيم أن الذين حفظت عنهم الفتوى من الصحابة مائة ونيف وثلاثون صحابياً، بين رجل وامرأة، وأن المكثرين منهم سبعة هم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃.
وينقل ابن القيم عن ابن حزم قوله: "ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم "وذكر أن أبا بكر محمد بن موسى بن يعقوب الحافظ جمع فتيا عبد الله بن عباس ﵁ في عشرين كتاباً (١).
وقد قام بعض الباحثين المعاصرين بجمع فقه عمر بن الخطاب ﵁ وأصدره في أربع مجلدات (٢)، كما جمع آخر فقه عبد الله بن مسعود ﵁ في مجلدة كبيرة تقع في (٥٦٠) صفحة (٣).
وسمى ابن حزم ثلاثة عشر صحابياً من المتوسطين في الفتيا، وقال: إنه يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جداً، وقد ذكر في المتوسطين عثمان بن عفان ﵁، وقد جمع فقهه باحث معاصر فوقع في مجلدة
стр. 291
متوسطة (٣٤٠ صفحة) (١).
أما المقلون في الفتيا منهم، وهم أكثر من عشرة ومائة صحابي، فقال ابن حزم: إنه يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث (٢).
ومن الجدير بالذكر أن بعض المعلومات الفقهية كانت مدونة في عصر السيرة نفسه، منها كتاب الرسول ﷺ إلى عمرو بن حزم الأنصاري ﵁ في الفرائض والزكاة والديات.
وكان عمر ﵁ يذاكر بالفقه، ويأمر بتعلم السنن والفرائض والتفقه في السنة (٣). وكان لدى علي ﵁ صحيفة تتناول الصدقات والديات وحرم المدينة، وقد ورثها عن النبي ﷺ مع سيفه ذي الفقار حيث كانت معلقة بجفن السيف.
وكذلك دونت في تلك الفترة المبكرة بعض أقضية علي ﵁ وفتاويه (٤).
د- اللغة العربية:
وقد ظهرت العناية باللغة العربية لأهميتها في فهم نصوص القرآن والسنة، وكذلك لأهميتها الذاتية، وقد نقلت المصادر عدة توصيات لعمر بن الخطاب ﵁ بتعلم العربية ورواية الشعر، فقد كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ حينما كان واليه: "مر من قبلك بتعلم العربية فإنها تدل على صواب الكلام، ومرهم
стр. 292
برواية الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق" (١).
ونقل قوله: "تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة" (٢).
وقوله: "عليكم بالتفقه في الدين والتفقه في العربية وحسن العربية" (٣).
وقوله: "أعربوا القرآن فإنه عربي" (٤).
وكان عبد الله بن عمر ﵁ يضرب بنيه إذا لحنوا (٥). ولا شك أن عصر السيرة والراشدين يمثل بداية جديدة لازدهار اللغة العربية التي اعتز بها أصحابها وتعلمها المسلمون الجدد في المناطق المفتوحة وهذا ليس غريباً فهي لغة الدين والدولة الجديدة.
هـ - التاريخ:
أما علم التاريخ فقد انصبت العناية على السيرة النبوية وأخبار الأنبياء الماضين، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: "كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله ﷺ كما نعلمهم السورة من القرآن" (٦). ولا شك في أن القرآن الكريم وجه أتباعه إلى العناية بالتاريخ بإشاراته التاريخية المتنوعة وبعطائه الثر في ميدان التعليل للأحداث وإثبات قانون السببية وخاصة في موضوع قيام الدول وانهيار الحضارات. لكن المعلومات التاريخية كانت تنقل مشافهة في الغالب حيث تأخر التدوين
стр. 293
التاريخي عن هذا العصر .. باستثناء صور من عصر السيرة دونها بعض الصحابة ضمن الأحاديث النبوية.
وتشير رواية قديمة إلى أن الخليفة علي بن أبي طالب ﵁ حث وهب بن منبه على تعلم تاريخ الحميريين (١).
وكانت بعض المعلومات التاريخية والوثائق مدونة في ذلك العصر مثل رسائل النبي ﷺ إلى الملوك والرؤساء، ورسائل الخلفاء الراشدين إلى القادة في ميادين القتال وإلى ولاة الأمصار. ولكن هذه الوثائق الرسمية لم تكن بالطبع ضمن المواد التعليمية، وربما لم يطلع علها آنذاك غير عدد محدود من الناس.
و- علم الأنساب:
أما علم الأنساب، فهو علم عرفه المسلمون عن العصر الجاهلي، لكنهم جمعوه ودونوه، فضلاً عن شيوعه بينهم. وقد استمر الاهتمام بالأنساب في عصر السيرة والراشدين لضرورات دينية واجتماعية وعسكرية وإدارية، وفي الوقت الذي حرم الاسلام العصبية القبلية والتفاخر بالأنساب فإن للأنساب أهمتها في تطبيق أحكام الأحوال الشخصية من زواج وميراث .. وفي معرفة أنساب المحدثين لتمييز رواة الحديث، وفي توزيع العطاء، وفي التنظيم العسكري حيث كانت القبيلة وحدة مقاتلة كما أنها كانت أساس التنظيم الاجتماعي والإداري في الأمصار، ويمكن أن نعتبر ديوان الجند في خلافة عمر ﵁ أول تدوين شامل للأنساب.
وقد صحَّ أن الرسول ﷺ أمر بتعلم الأنساب فقال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم" (٢).
стр. 294
وقد ذكر الجاحظ (١٤) مؤلفاً صنفوا كتباً في الأنساب معظمهم عاش قبيل الاسلام أو وقت ظهوره (١).
وقد اشتهر بعض الصحابة بمعرفة علم النسب وكان منهم أبو بكر الصديق ﵁ (٢).
وقد كلف الخليفة عمر بن الخطاب ثلاثة من نسابي قريش وهم جبير بن مطعم وعقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل ﵃ عمل جدول بالأنساب (٣).
وكان عقيل بن أبي طالب ﵁ "عالماً بأنساب قريش ومآثرها ومثالبها وكان الناس يأخذون ذلك عنه بمسجد المدينة" (٤)، وكذلك اشتهر حكيم بن حزام الأسدي ﵁ بعلمه بأنساب قريش وأخبارها (٥).
ز- الشعر:
وتدل الشواهد الشعرية العديدة على أن القبائل اهتمت بتقييد أشعار شعرائها، وبعض هذه القبائل كانت تسجل أيضاً أخبار حروبها ووقائع أيامها ومفاخرها ومآثرها وحكمها (٦).
وقد أفاد جيل عصر السيرة والراشدين من هذه الأشعار في فهم القرآن الكريم وتفسير معانيه قال ابن عباس ﵁: "إذا سألتموني عن عربية القرآن
стр. 295
فالتمسوه بالشعر، فإن الشعر ديوان العرب" (١).
وقد سمع النبي ﷺ الشعر، وأثنى على بعضه فقال: "إن من الشعر حكمة" (٢). وامتدح الشعراء المسلمين الذين نافحوا عن الدين، وقد برز في عصر السيرة من شعراء الاسلام حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ﵃.
وبني عمر ﵁ رحبة في ناحية المسجد النبوي سميت بالبطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلفظ أو ينشد شعراً أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة (٣)، فقد نهى النبي ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد (٤).
وقال كثير بن أفلح: "آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابت تناشدنا فيه الشعر" (٥).
حـ ـ القصص:
أما القصص فقد بدأ في وقت مبكر، وكان القصاصون يقومون بدور وعظي، وكان الأسود بن سريع السعدي شاعراً، وكان في أول الاسلام قاصاً، وهو أول من قصَّ في مسجد البصرة (٦). وقد استأذن تميم الداري عمر بن الخطاب ﵄ ليقص على الناس فلم يأذن له، وكان عمر بن زرارة يقص على الناس في
стр. 296
مسجد الكوفة في حياة عبد الله بن مسعود ﵁ الذي اعترض عليه (١).
وقد نهى علي بن أبي طالب ﵁ أبا يحيى عن القص في مسجد الكوفة لأنه لا يعرف الناسخ والمنسوخ (٢).
وينفي عبد الله بن عمر وقوع القص على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، ويقول: إنه أحدث بعد قتل عثمان ﵃.
ط - الحكم والأمثال:
لقد أضيف في الاسلام إلى حكم وأمثال العرب في الجاهلية قدر كبير، حيث ضرب القرآن الكريم والحديث النبوي الأمثال الكثيرة التي صنفت فيها فيما بعد مؤلفات كثيرة، وبالطبع لا يمكن أن نقبل بسهولة تأويل ابن خلدون لكلمة "الحكمة" التي وردت في القرآن (يؤتي الحكمة من يشاء) (٣) بأنها تعني الفلسفة (٤)، لأنها في الحقيقة تعني ما فهمه العرب- الذين نزل القرآن بلغتهم- من كلمة "الحكمة" وهو: فهم القرآن والسنة والإصابة في القول والفعل (٥).
وللحكم والأمثال أهمية تربوية، فقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: "روِّحوا القلوب، وابتغوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان" (٦)
стр. 297
ي - الطب:
ولقي الطب اهتماماً واضحاً، وكانت أحداث الجهاد وكثرة الجراحات دافعاً قوياً لذلك، وقد ورث المسلمون خبرات العصر الجاهلي الطبية، وأشهر أطباء العرب الذين عاصروا ظهور الاسلام الحارث بن كلدة الثقفي (١)، والمتطبب الشمردل بن قباث الكعبي النجراني (٢)، وكان ضماد بن ثعلبة الأزدي يتطبب، وقد رحل في طلب علم الطب (٣).
وقد أضاف النبي ﷺ رصيداً ضخماً إلى التراث الطبي الجاهلي كما يظهر ذلك في كتب الطب النبوي، ولا شك أن علم الطب ازداد رصيده في عصر الراشدين بإضافة معلومات الفرس والروم الطبية إليه.
ك - علم النجوم (التنجيم):
ومنذ ذلك العصر كانت النظرة إلى علم النجوم مفعمة بالشك، فليس من أحد يعرف الغيب إلا الله وحده، وقد أبطلت الكهانة والسحر وعلم النجوم التي كانت شائعة في الجاهلية بحكم العقيدة الإسلامية، فورد في الحديث النبوي: "من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" (٤). قال عبد الله بن عباس ﵄: "قوم ينظرون في النجوم يكتبون "أبا جاد" أولئك لا خلاق لهم" (٥)
стр. 298
ولا شك أن علم التنجيم فيه ادعاء معرفة الغيب، وجعل الأفلاك وحركتها مؤثرة في أقدار الناس ومصائرهم، ولا علاقة له بعلم الفلك الذي اهتم المسلمون به وأضافوا إلى تراث الإنسانية في مجاله.
إن التمييز بين العلمين كان واضحاً في عصر السيرة والراشدين، فقد قال عمر ﵁: "تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم أمسكوا" (١).
ل- الثقافة واللغات الأجنبية:
لم يكن الحجاز في عزلة عن العالم المحيط به من الشمال والجنوب، فالمجتمع المكي التجاري له رحلات منظمة في الشتاء والصيف إلى الشام واليمن، وهذه الرحلات أكسبتهم خبرات لا تقتصر على النواحي الاقتصادية، بل تمتد إلى الثقافة أيضاً، والمجتمع المدني تعيش فيه جالية كبيرة من القبائل اليهودية التي تنتشر بينها العبرية، والتوراة والقصص الديني التأريخي. وقد وردت إشارات مبعثرة في المصادر التاريخية تبين معرفة بعض العرب بالعبرية، فقد صح أن ورقة بن نوفل كان يكتب الانجيل باللغتين العربية والعبرية (٢).
ويبدو من عدم ورود إشارات في المصادر عن معرفة الأنصار بالعبرية، أن اليهود لم يستعملوها في الحياة اليومية، بل كانوا يتخاطبون بالعربية، وربما لم يكن يعرف العبرية سوى أحبارهم، لذلك طهرت الحاجة إلى أن يتعلم بعض المسلمين في المدينة اللغة العبرية، قال زيد بن ثابت ﵁: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه
стр. 299
وسلم المدينة قال لي: تعلم كتاب اليهود فإني والله ما آمن اليهود على كتابي. قال: فتعلمته في أقل من نصف شهر" (١).
أما السريانية فقد تعلمها زيد بن ثابت ﵁ أيضاً، فكان يقرأ الكتب التي ترد بها ويكتب رد الرسول ﷺ عليها (٢). كذلك تعلمها عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ (٣).
والحقيقة أن زيد بن ثابت ﵁ كان وحده- في عصر السيرة- يعرف عدة لغات، فقد ذكر الخزاعي أنه "كان يكتب للملوك ويجيب بحضرة النبي ﷺ ، وكان ترجمانه بالفارسية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن" (٤).
أما عن التراث المكتوب باللغات الأجنبية، فقد كانت تتوفر نسخ من التوراة في المناطق المفتوحة (٥).
وكان عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ جملة من كتب أهل
стр. 300
الكتاب، وكان يقرأ فيها (١). وقد حصل على كثير منها في وقعة اليرموك، فكان يخير بما فيها من الأمور المغيبة، حتى إن بعض أصحابه ربما قال له: حدثنا عن النبي ﷺ ولا تحدثنا عن الصحيفة (٢). وكان أبو هريرة ﵁ يعلم ما في التوراة وإن لم يقرأها، فقد علم شيئاً مما فيها بواسطة الأشخاص المطلعين عليها (٣).
وقد أظهر رجل كتاب دانيال بالكوفة، فأنكر الناس عليه أن يظهر غير القرآن (٤).
ولم يكن الرسول ﷺ والخلفاء الراشدون ﵃ من بعده يرغبون في أن يزاحم القرآن والسنة بهذا التراث الديني القديم، فقد كانت العناية تتجه إلى فهم الاسلام قبل الانفتاح على الثقافات الأخرى .. حدث أن أتى عمر بن الخطاب ﵁ الرسول ﷺ بنسخة من التوراة، فقال: يا رسول الله هذه نسخة من التوراة، فسكت. فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يغير. فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى
стр. 301
فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني" (١).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال حين أتاه عمر بالتوراة: "أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ " يعني: أمتحيرون أنتم في الإسلام فتلجأون إلى الأخذ من سواه؟. ثم قال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي" (٢).
وقد ازداد اتصال المسلمين بمصادر الثقافات الأجنبية في عصر الراشدين، فالأمصار الجديدة فيها نسخ وصحف من التراث الديني القديم، وقد استمر حذر الدولة شديداً فنهت عن شيوع تلك الصحف التي تتناول العقائد الدينية، وكان هدف الدولة صبغ المجتمعات المفتوحة بالثقافة الإسلامية والعقيدة الدينية الجديدة من غير أن تختلط بمفاهيم أخرى.
قال خالد بن عرفطة: كنت جالساً عند عمر ﵁ إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. فضربه بعصا معه. فقال الرجل: مالي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس. فجلس، فقرأ عليه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. الر. تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ إلى قوله تعالى (لمن الغافلين)، فقرأها عليه ثلاثاً، وضربه ثلاثاً. فقال له الرجل: مالي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ قال: مرني بأمرك أتبعه. قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه أنت ولا تقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأهلكنَّك عقوبة. ثم حكي له
стр. 302
عمر ﵁ قصة مجيئه بالتوراة إلى النبي ﷺ وغضبه وكلامه في ذلك (١).
إن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين ﵃ من بعده نهوا المسلمين في أول الاسلام عن الأخذ مما في كتب التراث الديني الأخرى، لأن الاسلام جاءهم بالشريعة الواضحة الخالصة من الشرك والشبهات، المصونة عن التبديل والتحريف، ففيها غنى وكفاية عما سواها من العقائد والأديان، وكان هذا الحذر في تداول الكتب الدينية القديمة ضرورياً لصون الفكرة الإسلامية واستقرار التصور الاسلامي. فلما استقر الاسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، واتضحت مقاييسه الفكرية والخلقية في أذهان الناس، تفتحوا على ثقافات الأمم وأديانها وعقائدها بعقلية ناقدة ونظرة مقارنة فاحصة، فكانت دراسات الأديان المقارنة التي تمثلها كتب الفرق الكثيرة، ومنها ما تركه البغدادي وابن حزم والشهرستاني وغيرهم
стр. 303
الباب الخامس
أحوال العالم.
الدعوة الإسلامية ومنطلقاتها الفكرية.
الفتوحات .
стр. 304
الفصل الأول
أحوال العالم.
الدعوة الاسلامية ومنطلقاتها الفكرية .
стр. 305
المبحث الأول: نظرة إلى أحوال العالم قبل الفتح الاسلامي
كان البشر وقت الفتوح الاسلامية منتشرين في العالم وخاصة القارات الثلاث آسيا وأوربا وأفريقيا، وهم من أجناس متنوعة، فالعرب في شبه جزيرة العرب والعراق والشام، والفرس في بلاد إيران، والتتار والترك في بلاد ما وراء النهر وأواسط آسيا، والهنود في شبه جزيرة الهند، والجنس الأصفر في الصين واليابان وجنوب شرق آسيا، والروم في آسيا الصغرى (تركيا حالياً) وبلاد الشام ومصر وشمال أفريقية، والانجلوسكسون في انكلترة، والفرنج في فرنسا وهولندا وألمانيا، والغوط في اسبانيا وإيطاليا، والسودان والحبشة في بلادهم المعروفة اليوم في أفريقية وكانت القوى الكبرى المتحكمة في العالم آنذاك تتمثل في الفرس والروم، حيث سيطرت القوتان على مساحات شاسعة من الأرض وحكمتا شعوباً عديدة امتد نفوذهما إليها، ولم يكن الفرس على دين صحيح بل كانوا مجوساً يعبدون النيران، وكان الروم نصارى، ولكنهم لم يحافظوا على التعاليم التي جاء بها عيسى ﵇ بل حرفوها، لذلك لم تكن القوتان الكبيرتان في العالم آنذاك قادرتين على توجيه البشرية نحو التوحيد والعدل والفضيلة والخير، وكانت بقية الشعوب في الصين واليابان والهند والتبت تدين بالبوذية وهي ديانة وثنية ترمز لآلهتها بالأصنام الكثيرة وتقيم لها المعابد وتؤمن بتناسخ الأرواح. أما شعوب أوربا فكانت بربرية تعبد الأوثان وتقدس قوى الطبيعة .. وكانت تعيش في ذلك العالم أقليات يهودية مشتتة ما بين بلاد الشام والعراق والحجاز وقد تحرفت تعاليم موسى ﵇، ودخلت فيها آراء كتبها الأحبار ونسبوها إلى الدين، فجعلوا الله-سبحانه- إلهاً قومياً خاصاً باليهود وافتروا الحكايات على أنبيائهم مما يشوه سمعتهم، وأحلوا التعامل مع غيرهم من الأميين
стр. 306
بالربا والغش وحرموه بينهم، وأبوا دعوة الناس إلى دينهم لئلا يحظوا- في زعمهم- بشرف الانتماء إلى شعب الله المختار، وتعاليم موسى ﵇ قبل أن يحرفها اليهود لا تُقِّر هذه الروح العنصرية البغيضة، ولا تعترف بنسبية الأخلاق في التعامل بين الناس. ونخلص من هذا العرض الوجيز إلى القول بأن العالم يومذاك كان بحاجة إلى رسائل دينية جديدة تعيد للتوحيد صفاءه وللأخلاق قيمتها وتأخذ بيد الإنسان نحو الحق والخير والعدل بعد أن ساد الشرك والظلم والشر آماداً طويلة وانحرف الناس عن تعاليم الأنبياء.
وقد جعل الله تعالى مهمة حمل الرسالة الخاتمة التي بعث بها رسوله محمداً ﷺ في أعناق العرب سكان شبه جزيرة العرب، وكانوا ضعفاء مقهورين فقواهم الله، وفقراء مملقين، فأغناهم الله، وقبائل متفرقين، فوحدهم الله وأغماراً منسيين، فعرفتهم الدنيا بعد أن حملوا رسالة الاسلام، وقدموها للأمم الأخرى فاستجاب لهم كثيرون من أمم الأرض، وساعدوهم على نشر الدعوة حتى امتد الاسلام إلى بلاد فارس والترك والهند وأطراف الصين شرقاً، وإلى البلاد الخاضعة للروم في الشام وشمال أفريقية، بل إلى الأندلس وجنوب فرنسا وإيطاليا، وهكذا عمَّ نور الاسلام معظم أرجاء المعمورة، وأزاح القوتين الكبيرتين فقضى على فارس وأضعف الروم في القرن الأول الهجري.
وسوف نستعرض فيما يلي الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والأخلاقية التي كانت تسود في بلاد فارس والروم، ثم نعرض لهذه الأحوال في شبه جزيرة العرب، وذلك لنتعرف على الظروف العامة التي ظهر فيها الاسلام، ثم نتبين مقدار ما أحدثه من تغيير في تلك الأحوال.
стр. 307
دولة الفرس
الحالة السياسية والاقتصادية:
كانت الدولة الساسانية تحكم بلاد إيران في القرن السابع الميلادي، ويكون الفرس مادة الإمبراطورية، ولكنها أخضعت الترك في بلاد ما وراء النهر، والعرب في العراق، وكانت حدودها الغربية غير مستقرة حسب قوتها، فأحياناً تغلب على أطراف بلاد الشام كما حدث سنة (٦١٤) م عندما اجتاحت بلاد الشام واستولت على بيت المقدس، ثم استولت على مصر سنة (٦١٦) م (١).
ولم يستسلم هرقل إمبراطور الروم بل أعاد تنظيم بلاده وإعداد جيوشه وهزم الفرس في آسيا الصغرى سنة (٦٢٢) م، ثم استعاد منهم سوريا ومصر سنة (٦٢٥) م، ثم هزمهم هزيمة ساحقة سنة (٦٢٧) م (٦ هـ) قرب أطلال نينوى، مما أدى إلى ثورة العاصمة (المدائن) ضد كسرى الثاني، وعقد خليفته شيرويه الصلح مع هرقل، على أن أحوال الدولة الفارسية لم تستقر بعد ذلك، إذ تكاثرت الثورات والانقلابات الداخلية، حتى تعاقب على عرش فارس في التسع سنوات التالية أربعة عشر حاكماً مما مزَّق أوصال دولة الفرس، وجعلها مسرحاً للفتن الداخلية، حتى أجهز عليها العرب المسلمون في حركة الفتح (٢).
هذا عن الأحداث السياسية والعسكرية التي مرت على بلاد فارس. وأما نظام الحكم فكان كسروياً مطلقاً، يقف على رأسه الملك، ولقبه كسرى، وصلاحياته مطلقة، وأحياناً يوصف بصفات الألوهية، فكسرى أبرويز وصف نفسه بـ "الرجل
стр. 308
الخالد بين الآلهة، والإله العظيم جداً بين الرجال" (١) مما يدل على الغرور والتعاظم في حين وصفه المؤرخون بـ "الملك الحقود المرائي الجشع الرعديد" (٢)، وبينوا اهتمامه الكبير بجمع أكوام الذهب والفضة والجواهر التي ملأت خزائنه عن طريق المظالم التي استغل بها بؤس رعيته (٣). وكان يلجأ إلى المنجمين والكهان والسحرة لاستشارتهم في اتخاذ قراراته المهمة (٤).
أما الحياة الاقتصادية، فقد احتكر الأقوياء الثروة ومصادرها، وانهمكوا في مباهج الحياة وملذاتها، وزادوا من ثرائهم بالربا الفاحش والمكوس والضرائب الثقيلة التي فرضوها على الضعفاء من الفلاحين والعامة، فزادوها فقراً وتعاسةً، وحرَّموا على العامة أن يشتغل الواحد منهم بغير الصناعة التي مارسها أبوه، وكان العامة من سكان المدن يدفعون الجزية كالفلاحين، ويشتغلون بالتجارة والحرف، وهم أحسن حالاً من الفلاحين الذين كانوا تابعين للأرض، ومجبرين على السخرة، ويُجَّرُّون إلى الحروب بغير أجر ولا إرادة (٥). وكان الجباة للضرائب لا يتحرزون من الخيانة واغتصاب الأموال في تقدير الضرائب وجبايتها، وكانت الضرائب تفرض بصورة اعتباطية وخاصة وقت الحروب.
الحالة الدينية والفكرية
لم يعرف الفرس الدين الحق، ولم تنتشر بينهم الأديان السماوية التي سبقت ظهور الاسلام إلا بنطاق محدود جداً، وكان أكثرهم على المجوسية، فمنذ القرن
стр. 309
الثالث الميلادي صارت الزرادشتية ديناً للدولة، وقد تدهورت أخلاق رجال الذين الزرادشتي فوصفوا بالارتداد والحرص والاشتغال بحطام الدنيا، وحاول كسرى الثاني تجديد الزرادشتية وإحياء معابد النيران ونشر تفسير جديد لكتابها (الآفستا) وكانت عقوبة من يخرج عليها الإعدام (١).
وتقوم العقيدة الزرادشتية على الثنوية، أي وجود إلهين في الكون هما إله النور (اهورا مزدا) وإله الظلام (أهريمن) وهما يتنازعان السيطرة على الكون، ويقف البشر الأخيار مع إله الخير، والأشرار مع إله الظلام.
وتقدس الزرادشتية النار، وقد أقيمت معابد النيران في أرجاء الدولة، ويعرف رجال الدين الزرادشتيون بـ (الموابذة) وكل منهم يرأس مجموعة يسمون (الهرابذة) وهم الذين يخدمون نار المعبد في كل قرية.
وهذه المعتقدات الباطلة لا تقدر أن تهب النفوس البشرية الطمأنينة والراحة النفسية، ولا تشبع تطلعها إلى عبادة الله الواحد الحق، ولا تمنحها القيم الأخلاقية الرفيعة، ولا قواعد العدل الاجتماعي.
الحالة الاجتماعية والأخلاقية
كانت الحياة الاجتماعية في إيران تقوم على عمادين: النسب والملكية. فكان فصل النبلاء عن الشعب حدود محكمة "وكان لكل فرد مرتبته ومكانه المحدد في الجماعة، وكان من قواعد السياسة الساسانية المحكمة ألا يطمع أحد في مرتبة أعلى من المرتبة التي يخولها له مولده" (٢).
وتقوم الأسرة على أساس تعدد الزوجات، وشاع بينهم الزواج بين
стр. 310
المحارم (١)، وكان وضع المرأة يشبه وضع الرقيق حيث بإمكان الزوج أن يتنازل عنها لزوج آخر دون رضاها، كما شاعت عادة التبني للأولاد (٢). وقد انتشرت الإباحية وعم الفساد الخُلُقي والاجتماعي خاصة عندما انتشرت المزدكية التي دعا إليها مزدك (ولد سنة (٤٨٧) م).
دولة الروم (الإمبراطورية البيزنطية) ٣١٢ - (١٤٥٣) م
الحالة السياسية والاقتصادية:
كانت الإمبراطورية البيزنطية تضم الروم في آسيا الصغرى (تركيا حالياً) وتتوسع فتحتل الأقطار الواقعة على حوض البحر المتوسط الشرقي والجنوبي وبذلك جمعت أجناساً عديدة من البربر والقبط والعرب إلى جانب الروم، ولم يكن بين هذه العناصر تجانس في الجنس واللغة والثقافة والتقاليد، ورغم انتشار النصرانية بين هذه الشعوب، لكنها لم تحقق لها الانسجام بسبب الخلاف المذهبي الذي أضعف ولاء رعايا الإمبراطورية في الشام ومصر لها.
وكان نظام الحكم ملكياً مطلقاً، فالنصرانية لا تنظم المجتمع والدولة، بل تكتفي بتنظيم العلاقة بين الناس وخالقهم وشعارها (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) وكانت الفكرة السائدة التي تدعمها الكنيسة النصرانية هي أن الله اختار الإمبراطور
стр. 311
لهذا المنصب، فأضحى بذلك موطن تبجيل وتقديس من رعاياه في أمور السياسة والدين، وكانت الطقوس والمراسيم تجري في البلاط بمشاركة الكنيسة ورجال البلاط، فإذا طلع الإمبراطور ركعوا أمامه جميعاً (١).
ورغم النصرانية فإن القانون الروماني والحضارة اليونانية الوثنية كانا يسودان الحياة (٢).
إن الإمبراطور البيزنطي الذي عاصر ظهور الاسلام هو هرقل (٦١٠ - (٦٤١) م) ويعتبر من أعظم الأباطرة في التأريخ البيزنطي، حيث سعى إلى تجديد الإمبراطورية وإعادة تنظيم الدولة وبناء جيوشها وزيادة ثرائها بتنظيم الضرائب وطرق الجباية، وتمكن من إحراز النصر على الإمبراطورية الساسانية التي كانت تتفوق عسكرياً على الروم (٣). وقد أشار القرآن الكريم إلى النصر الرومي النصراني على فارس المجوسية، وفرح المسلمون في مكة به، وكانت حملات هرقل على فارس بين سنتي ٦٢٢ - (٦٢٨) م (من سنة (١٢) بعد البعثة المحمدية إلى سنة (٥) هـ).
أما الحالة الاقتصادية، فإن الربا والاحتكار هما أساسا النظام (٤)، وقد فرض هرقل ضرائب جديدة على أهالي الولايات المستاءين من الحكم الروماني لتسديد الدين الكبير لحروبه مع فارس، وقد أصيبت الإمبراطورية البيزنطية بانحطاط هائل نتيجة المغالاة في المكوس والضرائب والانحطاط في التجارة وإهمال الزراعة وتناقص العمران. ويكفي لبيان كيفية إدارة الإمبراطورية للولايات الخاضعة لها أن
стр. 312
نستشهد بقول بتلر عن إدارة مصر: "أن الروم كانوا يجبون من مصر جزية على النفوس، وضرائب أخرى كثيرة العدد". ويقول: "مما لا شك فيه أن ضرائب الروم كانت فوق الطاقة، وكانت تجري بين الناس على غير عدل". ويقول: "أن حكومة مصر الرومية لم يكن لها إلا غرض واحد، وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين" (١). وحتى الروم أنفسهم تعرضوا لثقل الضرائب وخاصة الفلاحين الذين اضطرتهم الضرائب الباهظة إلى بيع أراضيهم والهجرة إلى المدن (٢).
الحالة الدينية والفكرية
رغم أن الإمبراطورية البيزنطية تدين بالنصرانية، لكن تعاليم النصرانية لم تبق كما جاء بها عيسى ﵇. "بل إن تعاليم الكنيسة انطوت على قدر كبير من تفكير الفلاسفة الوثنيين، واستخدمت الكنيسة وسائلهم وأسلحتهم العقلية في شرح العقيدة المسيحية" (٣).
وخلاصة القول أن النصرانية الحقة فقدت روحانيتها ووحدانيتها لما أدخله إليها داعيتها الكبير بولس من تعاليم وثنية نشأ عليها قبل تنصره، ولما تنصَّر الإمبراطور البيزنطي قسطنطين أدخل إليها مزيجاً من الخرافات اليونانية والوثنية الرومانية والأفلاطونية المصرية والرهبانية، وبذلك تحرفت الديانة وضاعت تعاليمها الأصلية، وانحدرت إلى عبادة القديسين والصور (٤).
وقد وقع الخلاف المذهبي الذي كان محوره تفسير طبيعة المسيح عليه
стр. 313
السلام بين سكان الإمبراطورية، فقد تبنت الدولة مذهب الملكانية الذي يرى أن للمسيح طبيعتين: إلهية وبشرية، في حين انتشر مذهب اليعاقبة والمنفوستية في بلاد الشام ومصر، وهو يرى أن للمسيح طبيعة واحدة إلهية، وقد أدى هذا الاختلاف إلى شقاق عنيف بين الدولة ورعاياها، وحاول هرقل توحيد مذهب الإمبراطورية، فعقد مجمعاً دينياً انتهى إلى إقرار عدم الخوض في طبيعة المسيح والاكتفاء بالقول بأن لله إرادة واحدة (١). لكن المصريين قاوموه فاضطهدهم بالتعذيب والتحريق وفشلت محاولة التوحيد الديني، وضعف ولاء اليعاقبة والمنوفستية في الشام ومصر للإمبراطورية البيزنطية.
وهذا الخلاف المذهبي يوضح مدى الانحدار الفكري والانحراف العقدي الذي أصاب شعوب الإمبراطورية حتى جعلوا عيسى ﵇ وهو عبد الله ورسوله إلهاً، سبحان الله عما يقولون.
وكانت طبقات المجتمع البيزنطي جميعاً تؤمن بالتنجيم، والتنبؤ بالغيب، والعرافة، والاتصال بالشياطين، والتمائم (٢).
الحالة الاجتماعية والأخلاقية:
انتقلت تقاليد المجتمع اليوناني والروماني إلى الدولة البيزنطية، فلا غرابة إذا ما شاع الفساد الأخلاقي والانحلال الاجتماعي (٣) داخل البلاط وفي أوساط الشعب. وكان الامبراطور وقادة الجيش وكبار رجال الكنيسة يعيشون في أعلى السلم الاجتماعي، في حين يقبع آلاف العبيد في المزارع الضخمة حيث يعانون من سوء التغذية وتدني مستوى المعيشة. ويقرب من مستواهم المعيشي الأحرار الذين يشتغلون
стр. 314
في الصناعات، وهذه الطبقات من الفقراء كانوا يحسون بسوء حالهم وكثيراً ما حاولوا القيام بثورات لم يوفقوا فيها. وكان أصحاب الأعمال الذين يستخدمونهم يؤلفون من بينهم طبقة وسطى كبيرة العدد (١).
وهكذا فإن الطبقية والإقطاع وفقدان العدالة الاجتماعية كانت تطبع المجتمع البيزنطي، كما كانت القسوة والعنف والتعصب والجهل والخرافة تطبع حياة الأفراد، وما ذلك إلا بسبب ضعف الإيمان الصادق بالله ورسله، وطغيان المظاهر الخادعة على الحياة الدينية في الإمبراطورية (٢).
تنبيه:
ورغم مظاهر الضعف والفساد في الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية في وقت ظهور الاسلام وقيام حركة الفتوح الاسلامية، فإن من الخطأ المبالغة في وصف ضعفهما، فقد تمكنتا من حشد جيوش جرارة أمام تقدم المسلمين، وكانت جيوشهما تتفوق عدداً وعدة على المسلمين، ولكن الإيمان الصادق وروح الجهاد ونصر الله للمسلمين هو الذي أكسبهم المعارك الطويلة التي خاضوها ضد قوى منظمة وجيوش متمرسة وقلاع حصينة وأمم عريقة.
الهند والصين واليابان
كانت البوذية تنتشر في الصين، فكانت التماثيل الخزفية المزججة التي تمثل الخدم والذل والجمال تدفن مع الأموات في القبور، ثم تحولت هذه العادة إلى ذبح
стр. 315
العبيد والخيول الحيَّة ودفنها مع الملوك والرؤساء لخدمتهم في عالم ما بعد الموت (١) وكانت تماثيل بوذا (٥٦٣ - (٤٨٣) ق. م) تنتشر في الهند أيضاً.
وتتركز البوذية حول مفاهيم تقول بخلود الحياة المستمرة في دورة لانهائية من تناسخ الأرواح، وهي حياة تفيض بالألم الذي يمكن الهروب منه بفضل التثقيف الذاتي، والوصول إلى الاستنارة التي تسمو بالإنسان لتصل به إلى مرحلة (الرفانا) أي التوحد مع الذات الإلهية، أو باندماج الذات الإنسانية اندماجاً بهيجاً مع الكون (٢). وكل فعل شرير عقابه في هذه الحياة بعد عودة الروح في جسد جديد، والألم يرجع إلى الشهوة، ولذلك فالحكمة أساسها قمع الشهوات جميعاً، ونهى بوذا عن قتل الكائنات الحيَّة والسرقة والكذب والمسكر والدنس، ولم يهتم بالطقوس زلم يتكلم عن (الله) و (الآخرة) بل هو لا يؤمن إلا بالمحسوسات وإن كان يركز على إنكار الذات والإحسان إلى الآخرين، كما أنه لم يهاجم نظام الطبقات السائد في الهند هجوماً صريحاً وإن كان يرى المساواة بين الناس، وقد رفض الأضاحي والتعزيم والرقى والدعاء، لكنه لم يحرم عبادة الآلهة الشائعة بين الهنود. وكان يدعو إلى تحقيق السعادة عن طريق النيوفانا بجمع مقوماتها السبعة وهي: السيطرة على النفس، والبحث عن الحقيقة، والنشاط، والهدوء، والغبطة، والتركيز، وعلو النفس (٣).
وتزاحم الديانة البرهمية الديانة البوذية في بلاد الهند (٤)، وقد حمل الكوريون
стр. 316
الذين هاجروا إلى اليابان الديانة البوذية ونشروها هناك (١)، وكان اليابانيون قبل البوذية يعبدون إلهاً يدعونه كامي، ويتمثل في عبادة ظواهر من الطبيعة كالشمس أو الأجداد الأسطوريين الذين هم ظواهر من الطبيعة حسب معتقدهم وتعرف ديانتهم باسم (الشنتو) أي الطريق إلى الآلهة (٢)، وعند ظهور الاسلام كانت البوذية قد انتصرت على الشنتو (٣).
وقد انتشرت البوذية في سيلان والملايو والتبت وتركستان وبورما وسيام وكمبوديا وكوريا إلى جانب الصين والهند واليابان (٤).
وأما في الهند فإن البرهمية هي التي سادت فيها بعد أن زاحمت الديانة البوذية، والبرهمية تقوم على نظام الطبقات، وزعامة البراهمة، وتقديس البقرة، وتناسخ الأرواح، وقد بلغ عدد الآلهة الهندوسية ثلاثين مليوناً تزدحم بها مقبرة العظماء في الهند (٥).
وقد صورت هذه الآلهة بصور لا تراعى فيها حدود الأخلاق واحتفظت خلال القرون بعبادات وحشية مثل التضحية بأفراد من الإنسان، وإحراق الأرملة عند وفاة زوجها .. وصورت البرهمية الحياة على أنها شر لا مفر منه، وعملت على تثبيط الهمة عند أتباعها، وإشاعة الكآبة في نفوسهم، واستحالت الظواهر الدنيوية على يديها أوهاماً، فمحت بذلك الفوارق بين الحرية والعبودية، بين الخير والشر، بين الإفساد
стр. 317
والإصلاح (١).
ومن هذا العرض السريع الشامل يتبين أن البشرية جمعاء كانت منحرفة عن توحيد الله تعالى وجاهلة بكيفية عبادته، وأن مجيء الاسلام كان رحمة عظيمة لهذا العالم، حيث صحَّحَّ الاسلام الاعتقادات الباطلة بالتعريف الواضح بالخالق وأسمائه وصفاته ومعرفة جوانب العقيدة الأخرى مفصلة، والكشف عن مراده من العباد ببيان أحكام الحلال والحرام، وتفصيل الآداب والأخلاق، وبذلك صار بوسع الإنسان الاهتداء إلى الله الواحد القهار وعبادته وفق ما بيَّنه القرآن والسنة، وتطبيق منهجه الشامل في الحياة الإنسانية.
стр. 318
المبحث الثاني: الدعوة الاسلامية ومنطلقاتها الفكرية
إن الخطاب الاسلامي موجه للناس كافة بشتى بقاعهم ومختلف أزمانهم وبكل أجناسهم وقومياتهم وألوانهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (١) (وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيراً) (٢)، وهذا العموم في الخطاب للبشرية اقتضى أن يقوم الرسول ﷺ وأتباعه بدعوة الآخرين إلى الدخول في الاسلام (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني). (٣) وقد حفلت العصور الاسلامية المعاقبة بنشاط دعوي في أوضاع الحرب والسلام كان له أثره البالغ في تكثير أعداد المسلمين وتوسيع رقعة دار الاسلام. وكان الباعث الرئيسي على الدعوة هو طلب مرضاة الله والحصول على مثوبته ففي الحديث النبوي: "لأن يهد الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النَّعم" (٤).
إن موضوع الدعوة هو الاسلام بشموله للعقيدة والشريعة والأخلاق أو بتعبير معاصر لجوانب الحياة المتنوعة فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية، ولكن المحور الأساسي هو التوحيد الخالص لله تعالى وأنه الرب الخالق والمنعم الرازق
стр. 319
وأنه خلق البشر لتحقيق العبودية له (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (١)، ويتم اختبار طاعتهم في هذه الدنيا ويجازون على أعمالهم في اليوم الآخر، حيث يدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثنَّ ثم لتنبؤنَّ بما عملتم وذلك على الله يسير) (٢) (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين أمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٣) (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (٤)
إن الدخول في الاسلام يبدأ بـ "أشهد أن لا إله لا الله وأن محمداً رسول الله" وبها يعلن الانسان اخلاصه في العبودية لله وحده، والتزامه باتباع أحكام الاسلام التي جاء بها محمد ﷺ وهكذا يدخل الانسان مرحلة الوعي الديني .. الوعي بالهدف النبيل من الوجود، والوعي بضرورة الارتقاء الروحي والمادي، والوعي بوسائل الارتقاء من الإحساس بمعاني الإيمان والتدبر والتفكر والذكر والشكر والعبادات المتنوعة من صلاة وصوم وحج لتوثيق الصلة بالخالق (الصلاة معراج المؤمن)، ومن الانتصار للحق والعدل والخير والجمال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تمثل القيم الاسلامية في واقع حياته ليكون مثال "الإنسان الصالح"، ومن العطاء السخي للآخرين عن طريق "العمل الصالح" الذي يقربه إلى الله تعالى.
إن دائرة العمل الصالح واسعة، وهو يهدف إلى الارتقاء بالحياة الروحية والمادية ومساندة قيم الحق والخير والجمال في الأرض .. وهي معاني كبيرة لا يسهل
стр. 320
تحقيقها نسبياً، وإن تحققت في جيل فليس ثمة ما يضمن تحققها في جيل لاحق، فالصعود والهبوط يعتقبان في تاريخ البشر، وتجديد الدين وإحياء السنن وتوثيق عرى الإيمان يرتبط بالدعوة الاسلامية، ومدى وعي الدعاة لمضامين الاسلام وشموليته وقدرتهم على تمثل تعاليمه، وإقناع الآخرين بها.
إن القرآن هو أول كتاب باللغة العربية حرَّك وعي الإنسان قبل أربعة عشر قرناً، وفتح عقله على مكانه في الكون والحياة، وعرَّف بالحقوق والواجبات التي تعمق وعيه الاجتماعي ونظرته الإنسانية، وقد كان النبي ﷺ يوضح ذلك كله بأقواله وسيرته الشخصية، ونظراً لتمثله القرآن بعمق ووعي خاصين، وتأثيره الكبير في جيله خاصة فإن الرؤية القرآنية تحولت إلى واقع إنساني معاش، تفاعل مع الوحي الإلهي- قرآناً وسنةً- وأثمر ارتقاءً عظماً في الوعي الإنساني العام عندما انتشر الاسلام في الزمان والمكان ..
هدفت الدعوة الاسلامية إلى تخفيف معاناة الإنسان في الحياة، والتي يمكن أن تتضاءل بازدياد وعيه في ظل الوحي الإلهي، في حين قد يؤدي ازدياد الوعي الى زيادة المعاناة عند غياب الايمان، فقسوة الحياة تشتد عندما تفقد المعنى، والدين هو الذي يعطيها المعنى.
وقصدت الدعوة الاسلامية الى تحرير الإنسان من الأوهام والأساطير والخرافات والشعوذة التي يقوم بها منتفعون يزعمون أنهم وسطاء بين الله والناس. وأحياناً اتخذ الانسان وسطاء من الحجر والشجر والبشر يناجونهم ويسألونهم، فأعلنت الدعوة الاسلامية أنه محض الشرك وأن لا وساطة بين الله والإنسان، وفي الحديث "اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" (١) مما يفتح بصيرة