الذين هاجروا إلى اليابان الديانة البوذية ونشروها هناك (١)، وكان اليابانيون قبل البوذية يعبدون إلهاً يدعونه كامي، ويتمثل في عبادة ظواهر من الطبيعة كالشمس أو الأجداد الأسطوريين الذين هم ظواهر من الطبيعة حسب معتقدهم وتعرف ديانتهم باسم (الشنتو) أي الطريق إلى الآلهة (٢)، وعند ظهور الاسلام كانت البوذية قد انتصرت على الشنتو (٣).
وقد انتشرت البوذية في سيلان والملايو والتبت وتركستان وبورما وسيام وكمبوديا وكوريا إلى جانب الصين والهند واليابان (٤).
وأما في الهند فإن البرهمية هي التي سادت فيها بعد أن زاحمت الديانة البوذية، والبرهمية تقوم على نظام الطبقات، وزعامة البراهمة، وتقديس البقرة، وتناسخ الأرواح، وقد بلغ عدد الآلهة الهندوسية ثلاثين مليوناً تزدحم بها مقبرة العظماء في الهند (٥).
وقد صورت هذه الآلهة بصور لا تراعى فيها حدود الأخلاق واحتفظت خلال القرون بعبادات وحشية مثل التضحية بأفراد من الإنسان، وإحراق الأرملة عند وفاة زوجها .. وصورت البرهمية الحياة على أنها شر لا مفر منه، وعملت على تثبيط الهمة عند أتباعها، وإشاعة الكآبة في نفوسهم، واستحالت الظواهر الدنيوية على يديها أوهاماً، فمحت بذلك الفوارق بين الحرية والعبودية، بين الخير والشر، بين الإفساد
стр. 317
والإصلاح (١).
ومن هذا العرض السريع الشامل يتبين أن البشرية جمعاء كانت منحرفة عن توحيد الله تعالى وجاهلة بكيفية عبادته، وأن مجيء الاسلام كان رحمة عظيمة لهذا العالم، حيث صحَّحَّ الاسلام الاعتقادات الباطلة بالتعريف الواضح بالخالق وأسمائه وصفاته ومعرفة جوانب العقيدة الأخرى مفصلة، والكشف عن مراده من العباد ببيان أحكام الحلال والحرام، وتفصيل الآداب والأخلاق، وبذلك صار بوسع الإنسان الاهتداء إلى الله الواحد القهار وعبادته وفق ما بيَّنه القرآن والسنة، وتطبيق منهجه الشامل في الحياة الإنسانية.
стр. 318
المبحث الثاني: الدعوة الاسلامية ومنطلقاتها الفكرية
إن الخطاب الاسلامي موجه للناس كافة بشتى بقاعهم ومختلف أزمانهم وبكل أجناسهم وقومياتهم وألوانهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (١) (وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيراً) (٢)، وهذا العموم في الخطاب للبشرية اقتضى أن يقوم الرسول ﷺ وأتباعه بدعوة الآخرين إلى الدخول في الاسلام (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني). (٣) وقد حفلت العصور الاسلامية المعاقبة بنشاط دعوي في أوضاع الحرب والسلام كان له أثره البالغ في تكثير أعداد المسلمين وتوسيع رقعة دار الاسلام. وكان الباعث الرئيسي على الدعوة هو طلب مرضاة الله والحصول على مثوبته ففي الحديث النبوي: "لأن يهد الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النَّعم" (٤).
إن موضوع الدعوة هو الاسلام بشموله للعقيدة والشريعة والأخلاق أو بتعبير معاصر لجوانب الحياة المتنوعة فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية، ولكن المحور الأساسي هو التوحيد الخالص لله تعالى وأنه الرب الخالق والمنعم الرازق
стр. 319
وأنه خلق البشر لتحقيق العبودية له (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (١)، ويتم اختبار طاعتهم في هذه الدنيا ويجازون على أعمالهم في اليوم الآخر، حيث يدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثنَّ ثم لتنبؤنَّ بما عملتم وذلك على الله يسير) (٢) (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين أمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٣) (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (٤)
إن الدخول في الاسلام يبدأ بـ "أشهد أن لا إله لا الله وأن محمداً رسول الله" وبها يعلن الانسان اخلاصه في العبودية لله وحده، والتزامه باتباع أحكام الاسلام التي جاء بها محمد ﷺ وهكذا يدخل الانسان مرحلة الوعي الديني .. الوعي بالهدف النبيل من الوجود، والوعي بضرورة الارتقاء الروحي والمادي، والوعي بوسائل الارتقاء من الإحساس بمعاني الإيمان والتدبر والتفكر والذكر والشكر والعبادات المتنوعة من صلاة وصوم وحج لتوثيق الصلة بالخالق (الصلاة معراج المؤمن)، ومن الانتصار للحق والعدل والخير والجمال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تمثل القيم الاسلامية في واقع حياته ليكون مثال "الإنسان الصالح"، ومن العطاء السخي للآخرين عن طريق "العمل الصالح" الذي يقربه إلى الله تعالى.
إن دائرة العمل الصالح واسعة، وهو يهدف إلى الارتقاء بالحياة الروحية والمادية ومساندة قيم الحق والخير والجمال في الأرض .. وهي معاني كبيرة لا يسهل
стр. 320
تحقيقها نسبياً، وإن تحققت في جيل فليس ثمة ما يضمن تحققها في جيل لاحق، فالصعود والهبوط يعتقبان في تاريخ البشر، وتجديد الدين وإحياء السنن وتوثيق عرى الإيمان يرتبط بالدعوة الاسلامية، ومدى وعي الدعاة لمضامين الاسلام وشموليته وقدرتهم على تمثل تعاليمه، وإقناع الآخرين بها.
إن القرآن هو أول كتاب باللغة العربية حرَّك وعي الإنسان قبل أربعة عشر قرناً، وفتح عقله على مكانه في الكون والحياة، وعرَّف بالحقوق والواجبات التي تعمق وعيه الاجتماعي ونظرته الإنسانية، وقد كان النبي ﷺ يوضح ذلك كله بأقواله وسيرته الشخصية، ونظراً لتمثله القرآن بعمق ووعي خاصين، وتأثيره الكبير في جيله خاصة فإن الرؤية القرآنية تحولت إلى واقع إنساني معاش، تفاعل مع الوحي الإلهي- قرآناً وسنةً- وأثمر ارتقاءً عظماً في الوعي الإنساني العام عندما انتشر الاسلام في الزمان والمكان ..
هدفت الدعوة الاسلامية إلى تخفيف معاناة الإنسان في الحياة، والتي يمكن أن تتضاءل بازدياد وعيه في ظل الوحي الإلهي، في حين قد يؤدي ازدياد الوعي الى زيادة المعاناة عند غياب الايمان، فقسوة الحياة تشتد عندما تفقد المعنى، والدين هو الذي يعطيها المعنى.
وقصدت الدعوة الاسلامية الى تحرير الإنسان من الأوهام والأساطير والخرافات والشعوذة التي يقوم بها منتفعون يزعمون أنهم وسطاء بين الله والناس. وأحياناً اتخذ الانسان وسطاء من الحجر والشجر والبشر يناجونهم ويسألونهم، فأعلنت الدعوة الاسلامية أنه محض الشرك وأن لا وساطة بين الله والإنسان، وفي الحديث "اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" (١) مما يفتح بصيرة
стр. 321
المؤمن على عاقبة ظلم الإنسان ويرسي أساساً للعدل السياسي والاجتماعي.
وتحمل الدعوة الاسلامية ميزاناً دقيقاً للحقوق والواجبات حسب الشريعة، فلا يجوز التفريط بها أو التخلي عنها، فهي منحة إلهية للبشرية، وقد اقتضى تطبيق تلك التعاليم جهاداً وبذلاً منذ نزول الوحي حتى استقرت دولة الاسلام، فلولا الحركة الجهادية لما قضي على الشرك وطابع الحياة الجاهلية، ولما استقرت معاني العقيدة وقيم الاسلام الاجتماعية ومضامينه الخلقية في نفوس الملايين.
وحرصت الدعوة الاسلامية على بناء مجتمع العدل والقوة (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) (١) مما يوضح الأسس اللازمة لبناء مجتمع قوي متحضر يقوم على العدل والقوة، فالكتاب والميزان لإقامة العدل، والحديد لإيجاد القوة التي تحمي العدل وتكفل استمراره. والعدل الشامل يمتد إلى المسلم والذمي والكافر، والأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء والرجال والنساء حيث تتحدد حقوق الجميع وفق موازين العدل دون احتكار أو استغلال أو استئثار أو ظلم (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) (٢).
وتنطلق الدعوة الاسلامية من مبدأ المساواة بين البشر دون اعتبار للثروة والجاه ولا اللون أو العرق "الناس بنو آدم وآدم من تراب" (٣). ويقتضي ذلك تحقيق تكافؤ الفرص أمام الناس والتزام العدل المطلق بينهم، وهدم النظم الطبقية إذ لا مكان للعنجهية والصلف والكبرياء والاستعلاء على الناس "المسلمون تتكافأ دماؤهم
стр. 322
ويسعى بذمتهم أدناهم" (١). وهذا يفسر تجاوب الأمم المختلفة مع الدعوة الاسلامية ودخولها في دين الله أفواجا. وربما من أجل ذلك كله قال الفيلسوف الألماني هيجل: "يعتبر المبدأ الاسلامي- أو روح التنوير في العالم الشرقي- أول مبدأ يقف في وجه البربرية" (٢).
وتعلم الدعوة الاسلامية الشورى أساساً للنظام السياسي والاجتماعي انطلاقاً من الآية (وأمرهم شورى بينهم) والآية (وشاورهم في الأمر) وقد بيَّن عمر ﵁ أن الحكم يخص الأمة وأن من يسلبها هذا الأمر يكون غاصباً (٣).
وتوازن الدعوة الاسلامية بين المطالب الروحية والدنيوية، وتنظر إلى عمران الأرض وزينة الحياة وطيباتها نظرة متفائلة، فلا تطالب البشر بالتبتل والحرمان والنأي عن استثمار الطاقات المتنوعة لمصالحهم (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (٤) (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله اليك) (٥) فالمطلوب أن يكون العمران والاستثمار في نطاق الإحساس دون الظلم والانحراف عن الفطرة وتسخير القوى نحو الشر والدمار والطغيان ...
وهي في دعوتها إلى العمران تربي الأتباع على الاتقان، والاتقان يقابل
بمصطلحات العصر (التكنولوجيا)، والاحسان مرتبة عليا فوق الاسلام والإيمان، وفيها تتفجر الطاقات الانسانية، وتنفتح على عالم الغيب بتركيز عال من العبادة
стр. 323
والرقابة واليقين "الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١).
وقد أثمرت هذه الدعوة حضارة مادية رائعة في العصور الاسلامية الذهبية شملت الفكر والعلوم والزراعة والصناعة.
وكان من مقاصد الدعوة الاسلامية حفظ النوع الإنساني واستمراره في الوجود، بتشريع الزواج وتحصين الأسرة وتحريم اتلاف النفس البشرية بالقتل أو الانتحار (من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (٢) معتبرة تحقيق الأمان الفردي أساساً لتحقيق الأمن الجماعي.
وتفتح الدعوة الاسلامية أبواب التوبة أمام العالمين مهما بلغت معاصيهم دون الحاجة إلى الاعتراف أمام وسيط أو كشف مستور للآخرين (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) (٣) وبذلك تم التأكيد على قيم إيجابية تحارب اليأس والقنوط والتردي والعبثية والإحساس بمأساوية الحياة، وتمحو الصور القاتمة المظلمة الموحية بالاكتئاب والقلق مثل الطِّيرة (التشاؤم) والخوف من المستقبل. سأل صحابي النبي ﷺ : منَّا رجال يتطيرون؟ فأجابه: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنَّهم" (٤).
وتكثر الصور المتفائلة والمعالم المضيئة والمعاني الايجابية الملطفة للحياة والمجملة للاجتماع البشري بإشاعة السلام والمحبة بين الناس والاهتمام بحسن
стр. 324
المنظر والمظهر والنظافة وطيب الرائحة.
وأكدت الدعوة الاسلامية على التكافل والتعاون بين الناس ابتداءً بصلة الأرحام وانتهاءً بالمجمع بالحث على السخاء والكرم والإيثار ومراعاة حقوق الجيران حيث ينخلع الناس عن أموالهم التي يحبونها تحت شعار "الصدقة برهان" (١) يعني أنها دليل قاطع على تذوق حلاوة الإيمان.
وأعلنت الدعوة الاسلامية حماية الملكية الفردية، وحثَّت على دوام تداول الأموال بالاستثمار، ومنعت تبديدها حتى من قبل صاحبها فحجرت عليه إذا كان سفيهاً لا يدرك عواقب إتلاف الثروة، وحرمت الربا والاحتكار منعاً لانحصار المال بأيدٍ قليلة (كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم) (٢).
وكانت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر تحفز روح المغامرة الجهادية والعلمية والتجارية، وتدفع للبذل والتضحية لبناء الأمة وكيانها الحضاري.
وقد اهتمت الدعوة الاسلامية بالعلم فهو فريضة على كل مسلم، ووعدت بالأجر العظيم على طلبه، وقد وردت كلمة العلم في (٤٢٦) موضع من القرآن الكريم وأعلت مكانة العلماء حتى اعتبرتهم ورثة الأنبياء (٣). وأرست قيماً ثقافية تضمن استمرار التقدم العلمي. فالعلم حق للجميع وليس حكراً لفئة معينة مما يؤدي للارتفاع بالمستوى الثقافي لجمهور الأمة، والعلم يجب أن يقترن بالعمل والسلوك، وهو دليل توفيق الله للإنسان "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" وفقه الدين يقتضي فهم الحياة والنظر إلى أحداثها وقضاياها وفق مفاهيم الاسلام الذي انتظم جوانب الحياة المتنوعة، فلا عجب إذا ما تفتحت بصيرة المسلم على جوانب
стр. 325
الاجتماع والاقتصاد والحس والذوق وقيم الجمال بصورة أرحب وأعمق وأشمل كلما ازداد بصيرة في دينه.
والعلم تترتب عليه مسؤولية دينية، فالعالم يُّسأل عن موقفه العلمي يوم القيامة "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: ... وعن علمه ماذا عمل فيه" (١). والعالم مسئول عن نشر العلم وعدم كتمانه "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" (٢).
والعلم بحر لا ساحل له، ولا يمكن للفرد الإحاطة به، لذلك لابد من الاستمرار في طلبه دون انقطاع، وقد أثمرت هذه القيم الثقافية حركة فكرية زاهرة حيث صار "التعلم المستمر" و "تراكم المعرفة" و "تجميع العلم" ودراسته بصورة منظمة من أبرز خصائص الحركة الفكرية في عصور الاسلام الذهبية.
وكانت الدعوة الاسلامية ترتكز على مفهوم أن العقل وحرية الفكر مناط التكليف وطالبت أتباعها بالبحث الحر عن الدليل أو البرهان، وأنكرت تقليد الآخرين، فلم يظهر في الاسلام كهنوت يدَّعي احتكار فهم الاسلام وحق تفسير نصوصه كما حدث في تأريخ الأديان الأخرى، بل بوسع كل مسلم أن يرجع إلى القرآن والسنة وأن يتضلع في علومهما ويأخذ بعد ذلك عنهما، ويناقش الآخرين في صحة الدليل وطريقة الاستدلال.
إن التأمل في المنطلقات الفكرية للدعوة الاسلامية يكشف عن مبادئ أساسية تتمثل في تحقيق العبودية لله والكرامة والحرية والعلم والعدل والمساواة والشورى للإنسان الذي يتجه إليه الخطاب الاسلامي في مطلق الزمان والمكان.
стр. 326
الفصل الثاني: الفتوحات
стр. 327
المبحث الأول: فتوح العراق والمشرق
في خلافة أبي بكر الصديق ﵁:
كانت قبيلتا شيبان وسدوس- من بني بكر بن وائل- تسكنان في القسم الجنوبي من العراق، وكان المثنى بن حارثة الشيباني يتزعم قبيلة شيبان ويغزو بها مناطق الحيرة، كما كان قطبة بن قتادة السدوسي يتزعم قبيلة سدوس ويغزو بها أطراف الأبلة التي كانت الميناء الرئيسي للعراق على الخليج العربي، ولم تكن هذه الحركات مرتبطة بالمدينة، بل كانت مستقلة ولذلك أرسل أبو بكر الصديق ﵁ خالد بن الوليد وعياض بن غنم إلى العراق ليتوليا قيادة الجيوش فيه، على أن يفتح عياض دومة الجندل التي انتقضت على أبي بكر ثم يمضي إلى الحيرة، وأيهما دخل الحيرة قبل الآخر تولى القيادة العامة في العراق (١).
سبق خالد إلى العراق وضم إليه جيش المثنى وبدأ بتنظيم الحركات العسكرية فكانت أولى الوقائع بينه وبين الفرس في منطقة الحفير قرب الخليج العربي وقد انتصر فيها خالد على هرمز القائد الفارسي، وتسمى المعركة بذات السلاسل لأن الفرس اقترنوا بالسلاسل، كما تسمى غزوة كاظمة باسم القرية التي دارت قربها (٢).
وقد تملك الفرس في هذه المرحلة أردشير فحشد جيشاً بقيادة قارن فالتقى به
стр. 328
خالد في المذار وألحق به الهزيمة وقتل من الفرس عدداً كبيراً (١)، وحاول الفرس بعد موقعة المذار الاستفادة من القبائل العربية وخاصة بكر بن وائل، فاحتشدوا في الولجة وانضم إليهم الاندرزغز القائد الذي أرسله الملك أردشير، وتمكن خالد من هزيمتهم، فذهبت فلولهم إلى أُلَّيس (٢)، فاجتمعت العرب بقيادة مالك بن قيس والفرس بقيادة بهمن جاذويه، لكن بهمن ترك جبهة القتال إلى العاصمة بسبب مرض أردشير حيث مات فيه، وترك جابان على الفرس، وتمكن خالد في ألَّيس من تشتيت العرب والفرس وفَّر جابان وقتل مالك بن قيس (٣). ثم سارع خالد إلى أمغيشيا فهدمها خربها (٤)، وكان الفرس منشغلين بالاضطراب في البلاط عقب موت أردشير حيث تعاقب على العرش بعده عدد من الأمراء والأميرات. وقد استفاد خالد من هذه الظروف فقصد الحيرة عاصمة العراق العربي من أمغيشيا بالسفن، وقد سد آزاذبة حاكم الحيرة الفارسي قناطر الفرات ليمنع سير السفن لكن خالد أعاد فتح السداد بالقوة وحاصر الحيرة، فتحصن سكانها العرب وقاوموا، وفرَّ آزاذبة، وبعد حصار عنيف صالح خالد سكان الحيرة على الجزية، واتخذ خالد الحيرة معسكراً لجيشه، وأرسل عدة حملات إلى أطراف الحيرة لإقرار الأمن فيها، وقد صالحه الدهاقين في المنطقة (٥)
وبعد فتح الحيرة قصد خالد إلى الأنبار فحاصرها، وكانت محاطة بخندق
стр. 329
فرمى فيه الإبل ليجتاز إليها، لكن شيرزاد الحاكم الفارسي صالحه على أن يسمح له بمغادرتها (١). ثم قصد خالد إلى عين التمر على أطراف بادية الشام حيث تجمعت قبائل تغلب والنمر وأياد والفرس بقيادة مهران بن بهرام جوبين فحاصرها حتى نزلوا على حكمه فقتل المقاتلة وغنم الأموال (٢).
أما عياض بن غنم فبقي سنة كاملة لا يقوى على خصومه من كلب وبهراء وغسان الذين نفروا إلى دومة الجندل بعد هزيمتهم أمام خالد بن الوليد، وكان زعيم أهل الدومة أكيدر بن عبد الملك الكندي الذي سرعان ما تخاذل عندما علم بنجدة خالد لعياض، وقيل أنه ترك الدومة قبل المعركة، أما القبائل العربية فقاتلت المسلمين خارج الحصن ثم فرت فتحصنت به ثم فتح خالد الدومة عنوة وقتل من بداخلها من المقاتلين. وكانت الدومة مفتاح بلاد الشام والعراق لذلك حرص المسلمون على الاستيلاء عليها (٣).
وقد استغل العرب والفرس غياب خالد عن الحيرة فثاروا فيها، فلما رجع خالد أخضعها وباغت قبائل تغلب، وأرسل القعقاع إلى حصيد حيث تجمعات الفارين من الحيرة عرباً وفرساً فهزمهم (٤)، ولجأوا إلى بلدة الخنافس ففتحها المسلمون، كما باغت خالد قبائل هذيل في المصيِّخ، وبذلك أعاد سيطرة المسلمين على سائر العراق العربي (٥). ثم قصد خالد إلى الفِراض وهو تخوم العراق والشام
стр. 330
والجزيرة فاجتمع عليه العرب والفرس والروم فقاتلهم وانتصر عليهم (١)، ثم رجع إلى الحيرة حيث جاءه أمر أبي بكر الصديق ﵁ أن يأخذ نصف الجيش ويتجه إلى الشام لمساعدة المسلمين هناك ضد الروم، وبقي المثنى بالنصف الآخر في العراق (٢).
ملاحظات:
١ - لم يشرك الصديق ﵁ أحداً من المرتدين في الفتوح، بل جردهم من السلاح لأنه لم يأمنهم لحداثة عهدهم بالردة، وعقوبةً لهم بإظهار الاستغناء عنهم، ثم لأنه لم يشأ أن يكونوا طلائع الفتح الاسلامي فلا يعطون سكان المناطق المفتوحة المثل الصالح للجندي المسلم.
٢ - لم تستقر قدم الفاتحين في المناطق المفتوحة، بل كان السكان وخاصة نصارى العرب يثورون عليهم فقد أعيد فتح الحيرة ثلاث مرات. وهذا يفسر أسباب تغير شروط الصلح مرات عديدة في مناطق السواد.
٣ - دارت سائر المعارك في العراق العربي (٣).
في خلافة عمر بن الخطاب (رضى الله عنه):
بعد مغادرة خالد بن الوليد العراق إلى الشام، اضطر المثنى إلى الانسحاب من المنطقة المفتوحة إلى الصحراء لعدم تمكنه من مواجهة الفرس بقواته القليلة، ولخشيته من ثورة سكان البلاد، فترك الحيرة إلى خفَّان في الصحراء.
ثم حدثت اضطرابات في البلاط الساساني وتعاقب تسعة أمراء في أربع
стр. 331
سنوات على العرش، وبدأ الاضطراب عندما قتل شيرويه أباه كسرى أبرويز، ثم قتل شيرويه، وتولى أمراء متعاقبون ثم تولى شهريران بن أردشير، ثم مات فتولت أخته دخت زنان بنت كسرى ثم خلعت وتولى سابور في شهريران ثم قتل وتولت آزر ميدخت بنت كسرى ثم خلعت وتولت بوران بنت كسرى وقد أطلقت يد رستم في شؤون الدولة والجيش (١).
وبدأ رستم تنظيم مقاومة ضد المسلمين، وقد استمد المثنى عمر بن الخطاب ﵁ فأرسل عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي ومعه عشرة آلاف مقاتل، ولما وصل العراق كان رستم قد استثار الدهاقين في السواد فثاروا بالمسلمين كما أرسل ثلاثة جيوش أحدها بقيادة جابان والآخر بقيادة نرس والثالث بقيادة الجالينوس، وتمكن أبو عبيد من هزيمة الجيوش الثلاثة قرب الحيرة وكسكر والسقاطية على التوالي، وأعاد احتلال السواد وصالح الدهاقين (٢).
وقد حفزت هزائم الفرس رستم فعبأ جيشاً كبيراً بقيادة بهمن جاذويه ذي الحاجب يساعده الجالينوس ومعهم الفيلة وراية كسرى "درفش كابيان"، والتقى الجيشان على الفرات بقس الناطف، وقد خيَّر الفرس أبا عبيد أن يعبر اليهم أو يعبروا اليه فاختار العبور كي "لا يكونوا أجرأ على الموت منا" لكنه فقد خصائص عديدة، فقد كان وراءه الصحراء وبعبوره أصبح النهر وراءه، وكان في صحراء فأصبح في أعشاب ومستنقعات، وفي بدء المعركة رجحت كفة المسلمين لكن الفيلة أرعبت خيلهم وخبطت أبا عبيد فقتلته، وانهزم المسلمون، وقام أحدهم بقطع الجسر ليمنع الهزيمة لكنه أخطأ وزاد خسائر المسلمين التي بلغت أربعة آلاف بين قتيل وغريق ثم أصلح الجسر وعبر المسلمون. لقد كانت الهزيمة قاسية حتى لحق
стр. 332
بعض المسلمين بالمدينة وبقي بعضهم بالبوادي يغلبهم الحياء (١).
وكان لابد للمسلمين أن يثأروا للجسر، وبدأ الخليفة عمر ﵁ يحشد الجيوش لهذا الغرض، وقد تثاقل بعض المسلمين عن الذهاب إلى جبهة العراق ورغبوا في الالتحاق بالشام حتى أكره عمر بجيلة بقيادة جرير بن عند الله البجلي بالالتحاق بالعراق وعوضهم ربع خمس ما أفاء الله عليهم. وكذلك سمح عمر ﵁ للمرتدين بالاشتراك بالفتوح وأمد بهم المثنى، وقد قاد المثنى جيش المسلمين والتقى بالفرس في البُويب مما يلي موضع الكوفة اليوم وعليهم مهران، وقد تمكن المثنى من حصر الفرس والإيقاع بهم وقتل مهران (٢) .. كما قام بتعقب الفارين، وبذلك استعاد المسلمون معنوياتهم، وغلبوا من جديد على السواد. وفي هذه المعركة اشتركت بعض القبائل العربية ونصارى النمر وتغلب إلى جانب المسلمين ضد الفرس. وفي أعقاب البويب ازداد إحساس الفرس بالخطر فاجتمعوا على يزدجرد بن شهريار بن كسرى ونهض يزدجرد بالأمر فجنَّد الكفاءات وحشد القوى، وأدرك المثنى خطورة الموقف فانسحب إلى ذي قار ينتظر أمداد المدينة.
وقام الفرس بتجنيد عام وتوزيع الفرق في كل أنحاء الأرض التي احتلها المسلمون، وأثاروا السكان على المسلمين، فنقضوا الصلح وثاروا.
القادسية (١٥ه ـ):
أما المسلمون فقد قام المثنى باستنفار القبائل العربية لقتال الفرس، وأرسل عمر ﵁ الأمداد من المدينة وأراد أن يقودها بنفسه لولا نصيحة الصحابة له بالبقاء، ويولى القيادة سعد بن أبي وقاص، ويقال أن جيشه بلغ بمن التحق به في
стр. 333
طريقه إلى العراق (٠٠٠) , (٢٠) مقاتل، ولما وصل إلى العراق كان المثنى قد استشهد من جراح أصابته فضم إليه جيشه البالغ (٨٠٠٠) مقاتل، وأمر عمر ﵁ أبا عبيدة بن الجراح قائد الجيش في الشام أن يمده بالجيش الذي سحبه خالد من العراق قبل اليرموك فأعادهم وهم (٨٠٠٠) مقاتل بقيادة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وأما الفرس فبلغ عددهم في بعض الروايات (١٢٠) ,٠٠٠ مقاتل معهم (٣٣) فيلاً يقودهم رستم كبير القادة الفرس، وقد بدأت المفاوضات أولاً وأوضح رسل المسلمين ومنهم المغيرة بن شعبة والنعمان بن مقرن أهداف المسلمين لرستم الذي تصور أن الأمر يمكن أن يسوى بالمال، ثم دارت رحى المعركة في القادسية ثلاثة أيام هي أرماث وأغواث وعمواس ولياليها الهدأة والسواد والهرير وهي أشدها، وقد أفاد المسلمون من يوم الجسر تمكنوا من التخلص من الفيلة برمي عيونها ففرت وقتل رستم وانهزم الفرس وقتل منهم ألوف كثيرة وخسر المسلمون (٦٠٠٠) مقاتل. واختلف في سنة الوقعة بين (١٤) و (١٥) و (١٦) هـ ولعل الراجح أنها سنة (١٥) هـ بعد اليرموك ودمشق وفحل (١).
المدائن:
وانطلق المسلمون بعد القادسية إلى المدائن بعد أن سقطت أمامهم بابل ثم بهرسير وفرَّ يزدجرد من المدائن إلى حلوان تاركاً حامية في المدائن ... وقد اقتحم المسلمون نهر دجلة بجرأة نادرة ولم يستطع الفرس صدهم، وسلمت الحامية على الجزية، ودخل المسلمون القصر الأبيض الذي وعدهم الرسول ﷺ بفتحه (٢).
стр. 334
جلولاء (١٦ ه ـ):
وبدأ يزدجرد بتنظيم المقاومة من حلوان، ويتقدم نحو المدائن، لكن سعداً وجه هاشم بن عتبة على جيش من المسلمين، فالتقى بالفرس وهزمهم وفتح حلوان وذلك في موقعة جلولاء التي يمثل سقوطها انهيار الخطوط الأولى للمقاومة الفارسية وفي أعقاب جلولاء اعتنق دهاقين السواد الاسلام، فأقرهم عمر ﵁ على مراكزهم ورفع عنهم الجزية (١).
تكريت:
وبعد جلولاء أرسل سعد بن أبي وقاص جيشاً بقيادة عبد الله بن المعتم لفتح تكريت في (٥٠٠٠) مقاتل، فقاتل فيها الروم الذين كانوا يسيطرون عليها وسقطت بعد حصار أربعين يوماً. ثم وجه ابن المعتم ربعي بن الأفكل العنزي إلى الموصل فصالح أهلها وأهل نينوى على الجزية (٢).
بناء الكوفة (١٧ه ـ):
وقد طلب عمر بن الخطاب ﵁ من سعد بن أبي وقاص أن لا يوغل في بلاد الفرس وأن يبني مدينة للمسلمين لأنهم استوخموا جو المدائن ولعله خشي غلبة عادات أهلها وترفهم على المسلمين، فبنى سعد الكوفة التي لا يفصلها عن الصحراء ماء لتكون قاعدة الجيوش الاسلامية في العراق (٣).
بناء البصرة (١٦ هـ أو (١٧) ه ـ):
وقريباً من ذلك الوقت بنى عتبة بن غزوان البصرة في منطقة الأبلة التي فتحها
стр. 335
عتبة بن غزوان سنة (١٤) هـ حيث وجهه عمر لغزو الجنوب حين وجه سعد بن أبي وقاص إلى القادسية (١). وقد فتح عتبة الأبلة وهي مرفأ عظيم للسفن بعد قتال مع الفرس، ثم بنى البصرة، وهكذا أصبحت الكوفة والبصرة المنطلقين الرئيسيين للجيوش الاسلامية التي فتحت المشرق. وهكذا أيضاً أصبح الاستقرار طابع الفتوحات في خلافة عمر ﵁.
لقد فُتح أكثر العراق عنوة، وانتقض مرات عديدة، حتى أن عهود الفتح وشروط الصلح تغيرت مرات عديدة، ويترتب على الفتح عنوة استملاك المسلمين للأرض، لكنهم دعوا المغلوبين للبقاء فيها على أن يدفعوا الخراج، وأفاد هذا الإجراء في عدم تحول الفاتحين إلى فلاحين، وفي ربط الفلاحين القدامى بأرضهم وولائهم لبلدهم، وساعد ذلك على ازدهار الزراعة في السواد، وما كان بوسع الفاتحين استثمار الأرض لنقص الخبرة، أما موقف السكان فقد قاوم العرب الفاتحين مقاومة عنيفة وخاصة نصارى بكر بن وائل، أما الفلاحون فقد ساعدوا الفاتحتين الذين أبقوا الأرض بأيديهم، لكن الجند من أهل السواد قاوموا بعنف فهم يرتبطون بالدولة، وأما الدهاقين فكانوا مع الغالب، ولما رجحت كفة المسلمين أسلموا وتولوا أعمالهم السابقة على الفتح. أما إسلام السكان فقد استجابت العامة للدين السمح والدهاقين للحفاظ على مصالحهم، وأسلمت بعض القبائل العربية مثل ربيعة، وحافظت بكر بن وائل على النصرانية، وأسلم بعض الفرس واشتركوا في القادسية مع المسلمين لكن عددهم كان محدوداً (٢).
ونتيجة عدم تعقب المسلمين لفلول الفرس في بلاد إيران حسب خطة عمر ﵁، تمكن بعض قادتهم كالهرمزان وملكهم يزدجرد من إعادة تنظيم
стр. 336
الجيش، وتصورا أن المسلمين خافوهم فلم يتعقبوهم، وبدأ التجمع الفارسي في مكانين، نهاوند ويتولى يزدجرد أمر حشد الجيوش فيها، والأهواز ويتولى الهرمزان الذي كان قد فرَّ من القادسية أمر الفرس فيها.
ونتيجة قرب الأهواز من البصرة، بدأت تحرشات الفرس بالمسلمين هناك، فلنرجع قليلاً إلى الوراء لتبين ظروف البصرة وعلاقتها بالأهواز. وكان عتبة قد مات فولاها عمر ﵁ المغيرة بن شعبة، الذي كان قد تمكن من قهر سكان الأهواز وصالحهم على الجزية، ثم عزل عمر ﵁ المغيرة على اثر شغب بعض أهل البصرة عليه واتهامهم له بالزنا، ولم تثبت التهمة، لكن عمر عيَّن أبا موسى الأشعري على البصرة، وفي طريق أبي موسى إلى البصرة ثار الفرس بالأهواز ورفضوا دفع الجزية، وزاد في طمع الفرس فشل المغامرة التي قام بها العلاء بن الحضرمي حيث تقدم بالمسلمين من البحرين بالسفن إلى إقليم فارس متجهاً إلى اصطخر عاصمة الاقليم فقطع عليه الفرس طريق الرجعة، وأنقذت حاميات البصرة والكوفة العلاء بن الحضرمي وعزل عن البحرين.
فتح الأهواز:
ولما اطلع أبو موسى على تحرشات الفرس وطمعهم دفع قواته إلى مدينة الأهواز ففتحها بعد أن كانت قد فتحت مناذر ونهر تيري، وقد فر الهرمزان من الأهواز إلى رامهرمز، وبدأت الحشود تتجمع من فارس حوله بتحريض من يزدجرد فطلب عمر ﵁ من سعد بن أبي وقاص أن يوجه النعمان بن مقرن من الكوفة إلى رامهرمز (١).
فتح رامهرمز:
стр. 337
كما طلب من أبي موسى الأشعري أن يوجه سهيل بن عدي من البصرة إلى رامهرمز، وقد تمكن النعمان من فتح رامهرمز قبل وصول سهيل (١).
فتح تستر
وفرَّ الهرمزان إلى تستر، ولحقه العمان وسهيل فحاصرا تستر ولكثرة جيوش الهرمزان وحصونة تستر لم يتمكن المسلمون من فتحها إلا بعد وصول أمداد كثيرة من البصرة بقيادة أبي موسى الأشعري ومن الكوفة بقيادة عمار بن ياسر واليها، ودار قتال عنيف خارج تستر التي كانت عاصمة خوزستان وأكثر مدنها منعة، ثم اضطر الفرس إلى الاعتصام بحصونها، وقد دلَّ رجل من أهل تستر المسلمين على مدخل مائي إلى المدينة، فدخل منه مائتان وأربعون مقاتلاً في الليل وفتحوا أبواب المدينة، ودخلها المسلمون، فاعتصم الهرمزان بقلعته ثم سلم على أن يحكم فيه عمر ﵁، وكفت المدينة عن المقاومة (٢).
فتح السوس وجندي سابور:
ثم اتجه المسلمون إلى السوس فحاصروها حتى نفد قوتها وصالحتهم، وأسلم سياه الأسواري بشرط أن يلحق هو وجيشه بأشراف العطاء، وصالحت جندي سابور المسلمين وبذلك تم خضوع إقليم فارس للمسلمين (٣).
نهاوند (٢١ ه ـ):
وأما يزدجرد فاستمر يحشد الجيوش في نهاوند من مختلف المقاطعات بقيادة الفيرزان حتى قيل أن جيشه بلغ (١٥٠) ,٠٠٠ مقاتل، وتغيرت وجهة نظر
стр. 338
الخليفة عمر ﵁ في منع الانسياح في بلاد إيران بعد أن شرح له الأحنف بن قيس الموقف، وأن الفرس سيستمرون بالمقاومة مادام يزدجرد حياً، وهمَّ عمر أن يتوجه إلى العراق لقيادة الجيش بنفسه لولا نصيحة الصحابة له بالبقاء، فعَّين النعمان بن مقرن على الجيش وبعده حذيفة بن اليمان، وقيل أن جيش المسلمين بلغ (٣٠) ,٠٠٠ مقاتل، وكانت نهاوند حصينة، وكان الفرس يخرجون منها فيقاتلون ثم يحتمون بحصونها، فلم يتمكن منهم المسلمون حتى استدرجوهم بعيداً عنها، ثم قاتلوهم وهزموهم وقتل الفيرزان واستشهد النعمان، وفتح المسلمون نهاوند، وتسمى فتح الفتوح، فلم تقم للفرس بعدها قائمة. وفي أعقابها صالحت همذان ثم الدينور ثم السيروان ثم الصيمرة ثم ماه .... (١)
وتتمثل خطة عمر ﵁ بعد نهاوند بالانسياح السريع في بلاد إيران كي لا يجتمع للفرس فل، لذلك عقد بنفسه سبعة ألوية، فجعل لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشير وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي، ولواء اصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي، ولواء درابجرد إلى سارية بن زنيم الكناني ولواء كرمان إلى سهيل بن عدي، ولواء سجستان إلى عاصم بن عمرو، ولواء مكران إلى الحكم بن عمرو التغلبي.
فتح أصبهان:
وجه عمر عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى أصبهان، وبعد قتال عنيف خارج المدينة صالحت أصبهان على الجزية. وتوضح الروايات التي يسوقها أبو الشيخ الأنصاري أن بعض أصبهان فتح صلحاً وبعضها فتح عنوة، ومما فتح صلحاً مدينة جي (أصبهان) وشقها، ومما فتح عنوة شق التيمرة من أصبهان ورستاق
стр. 339
الشيخ ورستاق بوحوار ورستاق جرم قاشان (١).
إعادة فتح همذان
ثم انتقضت همذان فأعاد فتحها صلحاً نعيم بن مقرن، واجتمعت جيوش المقاطعات الشمالية من الديلم وأهل الري وأذربيجان بقيادة اسفنديار الرازي أخي رستم قائد القادسية، فهزمهم نعم بن مقرن في واج روذ (٢).
فتح الري:
لكنها عادت فاجتمعت في الري بقيادة ملك الري سياوخش والري عاصمة الشمال الحصينة، وجاءتهم الأمداد من أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان، فإن سقوط الري بيد المسلمين يجعل الخطر مباشراً على هذه المناطق، وكذلك لأهمية الري الدينية حيث فيها معابد النار الكثيرة، وقد لقي المسلمون مقاومة عنيفة انتهت بفتح الري عنوة، ومع ذلك فقد أجراه نعيم صلحاً، ولعل خطورة الوضع وعنف العدو في هذه المناطق جعله يفكر في تهدئة أهل الري.
وبسقوط الري صالحت قومس المسلمين، وكذلك فعلت دنباوند، ولم يبق من بلاد الفرس أمام المسلمين سوى جرجان وطبرستان وأذربيجان وبذلك يصلون إلى شواطئ قزوين، وقد كاتب سويد بن مقرن ملوك هذه المقاطعات فصالحه ملكا طبرستان وجرجان، وتقدم عتبة بن فرقد وبكر بن عبد الله في بلاد أذربيجان ولقيا اسفنديار فهزماه وأسراه فصالحهما على الجزية، كما دان للمسلمين شهريراز أمير الباب، وبذلك وصل المسلمون إلى أقصى بلاد الفرس واتصلوا بديار الترك من
стр. 340
الشمال (١).
أما في الجنوب من بلاد إيران فقد تقدم المسلمون من البحرين ومن البصرة لغزو ولاية فارس، ففتح عثمان بن أبي العاص توج بمعاونة مجاشع بن مسعود الذي كان على جيش البصرة (٢).
فتح إقليم فارس:
ثم سار مجاشع إلى سابور وأردشير ففتحهما بعد قتال، وسار عثمان بن أبي العاص إلى اصطخر عاصمة الإقليم ذات الأهمية السياسية والدينية ودافع عنها الهربز ودخلها المسلمون بالقوة ثم صالحوا الهربز على الجزية، وقد انتقضت بعد ذلك مرتين وأعيد فتحها، ويذكر البلاذري أن أبا موسى الأشعري قدم من البصرة واشترك في فتوح إقليم فارس مع عثمان بن أبي العاص ففتح أرجان وشيراز وسينيز صلحاً وفتح عثمان درابجرد صلحاً، ويخالفه الطبري فيذكر أن سارية بن زنيم فتح بسا ودرابجرد (٣).
فتح كرمان ومكران:
وكذلك فتح سهيل بن عدي كرمان بالقوة، كما فتح الحكم بن عمرو التغلبي مكران بالقوة، وكان يزدجرد في كرمان ففر إلى مرو خراسان ... (٤)
فتح سجستان:
وتمكن عاصم بن عمرو من فتح سجستان بعد حصار عاصمتها زرنج على
стр. 341
الجزية (١).
فتح خراسان:
وتمكن الأحنف بن قيس من التوغل في خراسان الإقليم الشمالي الشرقي من بلاد إيران ففتح هراة عنوة ثم صالح أهلها وأرسل القوات إلى نيسابور وسرخس، وسار بنفسه إلى مرو حيث يقيم يزدجرد الذي فرَّ منها إلى مرو الروذ ثم منها إلى بلخ وتبعه الأحنف فسقطت بلخ وفرَّ يزدجرد إلى سمرقند لائذاً بخاقان الترك، وجمع خاقان جيشاً من فرغانة والصغد، وجاءت أوامر عمر إلى الأحنف أن لا يتقدم في بلاد الترك، فقد اتسعت الفتوح ولا يؤمن انتقاض الفرس في البلاد المفتوحة مما يهدد خطوط رجعة المسلمين. وقد تقدم خاقان بجيوش الترك لحرب الأحنف، لكنه عرف أن المسلمين لن يتقدموا في بلاده فرجع عن قتالهم. أما يزدجرد فقد فقد أمله بتراجع خاقان، وكان قد تقدم مع خاقان إلى مرو، فلما انسحب خاقان حاول أخذ خزائنه من مرو والالتحاق بخاقان، فرفض سكان المدينة ذلك فلما أصر ثاروا به وقتلوه (٢).
وهكذا تم فتح بلاد إيران في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأقام المسلمون المسالح في شتى أرجائها متوقعين انتقاض الفرس في هذه الديار، لقد كانت فتوح المشرق عنيفة اقتضت من المسلمين تضحيات جسيمة بسبب اختلاف الدم، فسكان إيران فرس لا تربطهم بالعرب لغة ولا جنس ولا ثقافة، وكان الشعور القومي عند الإيرانيين يذكيه التاريخ الطويل والثقافة المتأصلة، كما أن القتال كان يدور في صميم الوطن الإيراني ويشترك رجال الدين المجوس في تأليب السكان على
стр. 342
المقاومة يضاف إلى ذلك بعد هذه المناطق عن مراكز الجيش في البصرة والكوفة، وطبيعة الأرض الجبلية التي تمكن السكان من المقاومة، ولذلك فقد انتقضت معظم هذه المراكز، وأعيد فتحها في خلافة عمر أو في خلافة عثمان ﵄ (١).
في خلافة عثمان بن عفان (رضى الله عنه):
انتقضت بعض الولايات الإيرانية على المسلمين، فأعادوا فتحها في خلافة عثمان ﵁، ففي سنة (٣١) هـ انتقضت خراسان، فتقدم إليها عبد الله بن عامر بجيش من البصرة وأعاد فتح مدنها مرو ونيسابور ونسا وهراة وبوشنج وباذغيس ومرو الشاهجان. ثم وجه الأحنف بن قيس إلى طخارستان، فاجتمع عليه أهل مرو الروذ والجوزجان والطالقان والفارياب والصغانيان، ففتح هذه البلاد بعضها صلحاً وبعضها عنوة، وحاول فتح بلخ فلم يتمكن، ثم عبر نهر جيحون فصالحه أهل بلاد ما وراء النهر، ثم استخلف عثمان قيس بن الهيثم بدل الأحنف فتوغل في طخارستان وفتح مدنها وكذلك فتح سعيد بن العاص بلاد طبرستان وصالحه ملك جرجان وثارت أذربيجان فغزاها الوليد بن عقبة وأعادها إلى الطاعة وكذلك تم فتح أرمينية في خلافته (٢).
في خلافة علي بن أبي طالب (رضى الله عنه):
تأثرت فتوح المشرق في أواخر حكم عثمان بما كان من فتن واضطراب في المدينة، فحدث هدوء نسبي في هذه الجبهات الشرقية، بل إن بعض المدن نقضت صلحها مع المسلمين في أواخر خلافة عثمان مثل بلخ وهراة، ولم تمكن الفتن
стр. 343
الداخلية في خلافة علي من متابعة الفتح في المشرق (١)
стр. 344
المبحث الثاني: فتوح الشام ومصر والمغرب
فتوح الشام في خلافة الصديق ﵁:
كان النبي ﷺ قد لفت أنظار المسلمين إلى فتح الشام منذ مؤتة سنة (٨) هـ ثم تبوك سنة (٩) هـ ثم حملة أسامة سنة (١١) هـ التي كتب لها أن تتأخر إلى خلافة الصديق ﵁. ثم بدأ الصديق ﵁ بتوجيه الحملات إلى الشام في سنة (١٣) هـ بعد أن رجع من الحج، فوجه خالد بن سعيد بن العاص إلى تيماء ليتخذها معسكراً يستنفر الناس إليها. ثم توغل خالد في بلاد الشام وأمده أبو بكر بالوليد بن عقبة ثم بعكرمة بن أبي جهل، وقد تمكن القائد الرومي باهان من استدراج خالد وهو يتظاهر بالتراجع إلى دمشق حتى طوقه وقاتله في موقعة مرج الصفر وفرَّ خالد بن سعيد والوليد بن عقبة، وتراجع عكرمة بالجيش حيث انضم إلى الجيوش التي وجهها أبو بكر إلى الشام، وقد حدد أبو بكر لقادة هذه الجيوش وجهتهم، فيتجه أبو عبيدة إلى حمص، ويزيد بن أبي سفيان إلى دمشق، وشرحبيل بن حسنة إلى الأردن، وعمرو بن العاص إلى فلسطين، ولم تكن الجيوش تحت قيادة واحدة (١).
الصدمات الأولى:
وقد اصطدمت مع الروم في بعض جهات الشام، حيث التقى يزيد بن أبي سفيان بالروم بقيادة سرجيوس وانتصر عليه في وادي عربة، كما التقى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بارطبون (أريطيون) في أجنادين بفلسطين واضطراه إلى
стр. 345
التراجع إلى القدس (١).
ولكن المسلمين أخذوا يواجهون عقبات كبيرة تمثلت في التفوق العددي الهائل للروم حيث حشدوا جيشاً كبيراً بقيادة تيودريك أخي هرقل اتخذ من منطقة على اليرموك معسكراً له، لذلك اقترح عمرو بن العاص تجميع الجيوش الاسلامية في اليرموك فتم ذلك.
اليرموك (في الطبري سنة (١٣) ه ـ):
ووجه أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد مع نصف الجيش الذي كان في العراق لمساعدة المسلمين في الشام، وقد قطع خالد الصحراء بسرعة خارقة واتصل بجيوش المسلمين في اليرموك بعد أن فتح في طريقه إليهم بصرى وبعض الواحات التي مر بها. وقد اجتمعت جيوش المسلمين تحت قيادة خالد بن الوليد ثم دارت رحى معركة هائلة، وقد استبسل المسلمون واستشهد عكرمة بن أبي جهل، وقاوم الروم بعنف ثم هرب بعضهم، ومعظمهم هوى في وادي الواقوصة فكان قتلاهم ألوفاً عديدة. وكان جيش المسلمين يضم ألفاً من الصحابة بينهم مائة بدري (٢). وقد غادر هرقل على اثر الموقعة مدينة أنطاكيا وودع سوريا الوداع الأخير، وفتحت الطريق أمام المسلمين للانسياح في بلاد الشام، وفي أعقاب اليرموك توفي أبو بكر ﵁ (٣) وتولى الخلافة عمر ﵁، وقيل أن ذلك كان عقب حصار دمشق (٤)، بل هناك رواية أخرى مخالفة هي أن اليرموك حدثت عقب فتح دمشق، ومعنى ذلك
стр. 346
أنها كانت في خلافة عمر ﵁ .
في خلافة عمر ﵁:
عزل خالد:
بدأ عمر خلافته بعزل خالد بن الوليد عن القيادة العامة في الشام وولاها أبا عبيدة عامر بن الجراح، ويرجح البعض السبب إلى موقف خالد من مالك بن نويرة، أو إلى عداء شخصي منذ الجاهلية بين الاثنين، أو إلى كراهية عمر لمجازفة خالد بالمسلمين في المعارك، والصواب أن عمر ﵁ يمتاز برغبته في الإشراف على الولاة والقادة، وكان يخطط حتى للمعارك التي تدور في جبهات العراق والشام وتروي المصادر تفاصيل ذلك، وخالد امتاز بطبيعته التي تدعو إلى الاستقلال والتصرف الحر، فكان لابد من عزله لتحقيق الانسجام بين الخليفة وقيادة الجيش، وكذلك ليس بعيداً أنه عزله كي لا يفتتن به الناس فيحسبون أن النصر لا يتحقق إلا بوجوده.
فتح دمشق (في الطبري أوائل سنة (١٤) ه ـ):
واستشار أبو عبيدة الخليفة هل يتجه إلى دمشق أم إلى فحل بالأردن، فأشار بالاتجاه إلى دمشق، فحاصرها المسلمون ستة أشهر ثم فتح خالد الباب الشرقي عنوة وفتح أبو عبيدة باب الجابية صلحاً، وأجرى أبو عبيدة الصلح مع دمشق. وقد استقر المسلمون داخل مدينة دمشق أكثر من ضواحيها وملحقاتها الإدارية (١).
ثم اتجه المسلمون بقيادة شرحبيل إلى فحل حيث التقوا بالروم هناك وهزموهم لذلك صالحهم أهل طبرية وبيسان وأذرعات وعمَّان وجرش ومآب وبصرى
стр. 347
على مثل صلح أهل دمشق (يقاسمهم المسلمون الأموال والمنازل وعلى جزية مقدارها دينار واحد سنوياً على كل فرد) (١).
حمص وحماة واللاذقية وقنسرين وحلب:
وتمكن المسلمون بعد فتح دمشق وفحل من بسط نفوذهم على سوريا والجزيرة وفلسطين والأردن، فقد اتجه أبو عبيدة إلى حمص وحاصرها ثم فتحها صلحاً على اثر زلزال وقع فيها. وقد صالحت حماة على مثل صلح حمص.
ثم اتجه أبو عبيدة إلى اللاذقية فحاصرها، وأطال سكانها الحصار لإنقاذ أنطاكية ، لكنه تمكن من فتحها بالقوة.
ثم اتجه خالد إلى قنَّسرين قرب حلب ففتحها عنوة، وطلب سكانها الصلح فرفض خالد لكن أبا عبيدة أقرهم على الصلح، ومع ذلك ثارت عندما تركها المسلمون لفتح حلب فأعادوا فتحها وتركوا فيها حامية.
وكذلك أرسل أبو عبيدة عياض بن غنم ففتح حلب صلحاً بعد أن حاصرها (٢).
أنطاكية:
وبقيت أنطاكية التي تعتبر عاصمة الإمبراطورية في الشرق، وقد تخلى عنها هرقل إلى الرها فحاصرها أبو عبيدة وفتحها صلحاً ثم ثارت فأعاد عياض بن غنم فتحها وترك فيها حامية.
وفي الوقت الذي عمل أبو عبيدة وخالد بن الوليد وعياض بن غنم على فتح سوريا والجزيرة كان عمرو بن العاص يتقدم في أرض فلسطين، فعلى اثر موقعة
стр. 348
أجنادين (١٣ هـ) اعتصم ارطبون بحصون بيت المقدس فاتجه المسلمون إلى فتح مدن الساحل ففتحوا رفح وغزَّة وسبسطية ونابلس واللدَّ وعمواس وبيت جبرين ويافا بعضها عنوة وبعضها صلحاً.
بيت المقدس
ثم اتجه عمرو بن العاص إلى بيت المقدس فحاصرها طويلاً، ولما أدرك أهل القدس قوة الحصار وانقطاع الأعداء عنهم لاستيلاء المسلمين على مدن الساحل رغبوا في الصلح، واشترط سفرونيوس بطريق المدينة أن يتولى الصلح الخليفة عمر ﵁ بنفسه ليكون أوكد، فقدم عمر بنفسه إلى الجابية وكتب كتاب الصلح للقدس، وسلمت مفاتيحها إليه ... أما أرطبون قائد حامية القدس فانسحب إلى مصر (١).
وهكذا تمَّ فتح بلاد الشام في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ "وقد غادر البيزنطيون ولحق بهم أتباعهم من أهل البلاد ... وكان عدد أفراد الجاليات العربية يتجاوز كثيراً عدد الجيش الفاتح، فعدد جيش الفتح كما تقول المصادر كان يبلغ من (٢٤) ,٠٠٠ إلى (٢٧) ,٠٠٠ محارب، ثم ازداد إلى (٤٠) ,٠٠٠ في نهاية عهد الخلفاء الراشدين، وإلى (٦٠) ,٠٠٠ أيام معاوية الأول، تضاف إليهم عائلاتهم. وهذا العدد يماثل عدد أفراد قبيلة واحدة من تلك التي استوطنت هذه المنطقة قبل الاسلام كقبيلة غسان التي شكلت دولة في حوران في القرن الخامس الميلادي (٢)، حيث يذكر البلاذري أن الأمير الغساني جبلة بن الأيهم ترك الشام بعد الفتح مع (٣٠) ,٠٠٠ من رجاله" (٣). ويلاحظ أن المؤرخين اقتضبوا أخبار فتح الشام وفصلوا
стр. 349
فتوح العراق، ولكن هناك تفاصيل عن اليرموك وفتح دمشق والقدس، أما موقف عرب الشام من الفتح والإسلام، ففي حياة الرسول صلى الله عله وسلم لم يقدم إليه وفد منهم ليبايعه على الاسلام، وإن كان أهل جرباء وأذرح ودومة الجندل قد صالحوه في غزوة تبوك. وقد وقفت كثير من القبائل العربية مثل بهراء وكلب وسليم وتنوخ ولخم وجذام وغسان إلى جانب الروم وقاتلت ضد المسلمين، كما أن بعض العرب من لخم وجذام ساندوا المسلمين فيما بعد في اليرموك لكنهم لما رأوا جد القتال فروا، لكن نصف جيش الروم كان عربياً بقيادة جبلة بن الأيهم الغساني. وقد قاوم نصارى الشام الجيوش الاسلامية لأسباب دينية فلما رأوا انتصار المسلمين جنحوا الى مصالحتهم. ويرى نولدكة وتريمنكهام أن قيام القبائل المتنصرة بمقاومة الفتح الاسلامي ما كانت نابعة عن التزام ديني بقدر ما كانت المصالح تقتضي مثل هذا الموقف، فلما زالت هذه المصالح ورفض الروم دفع المبالغ المقررة لتلك القبائل التي كانت تحمي مداخل الصحراء حتى بدأت تغير من موقفها مع المسلمين (١). أما الروم فقاتلوا بعنف في ميادين عديدة وأطالوا القتال وحسبوا حركة الفتح غزوا ينتهي بانسحاب العرب بعد إحرازهم على الغنائم، ونسوا أن العرب تغيروا وأصبحت لهم مثل وقيم ومبادئ دونها كنوز الأرض كلها. وأنهم عندما قدموا ألوف الشهداء على أرض الشام ابتغوا نشر الرسالة والتمكين لها وليس نهب البلاد المفتوحة، وهذا سر استمرار وجودهم هناك (٢).
стр. 350
فتح مصر:
كانت دوافع فتح مصر عند المسلمين قوية، فهناك العقيدة التي يريدون التمكين لها في كل مكان، ومصر تتصل بفلسطين فمن الطبيعي بعد فتح فلسطين أن يتجه المسلمون إلى مصر، وقد شطر المسلمون الإمبراطورية البيزنطية إلى شطرين لا يصل بينهما سوى البحر وذلك باستيلائهم على الشام، وفي مصر وشمال أفريقية جيوش ومسالح رومية، ولبيزنطة أسطول قوي في البحر، ولن يأمن المسلمون في الشام ومصر تحت النفوذ الرومي، ومصر غنية، وهي مصدر لتموين القسطنطينية فإذا احتلها المسلمون ضعف نفوذ بيزنطية كثيراً وأمن المسلمون في الشام والحجاز حيث يسهل اتصال الروم بالحجاز عن طريق مصر.
العريش:
وقد استأذن عمرو بن العاص عمر بن الخطاب في فتح مصر، واتجه بجيشه إلى العريش واحتلها دون مقاومة، ثم سار إلى الفرما، وقاومه الروم شهراً أو شهرين ثم تمكن من احتلالها، واتجه إلى بلبيس (١). شمال شرق القاهرة فاحتلها واصطدم بعد ذلك بأرطبون وهزمه.
حصن بابليون:
وتقدم إلى حصن بابليون حيث تعتصم قوات الروم بقيادة نيودورس ورئاسة المقوقس الذي عينه الروم بطريركا على الإسكندرية ووالياً على مصر، وعسكر المسلمون في عين شمس (هيليوبوليس) وجاءهم مدد الخليفة بقيادة الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت، فتقدموا إلى حصن بابليون وحاصروه، وطال الحصار لمناعته، وكان الروم يخرجون منه فيقاتلون ويعودون ثم غلبهم المسلمون خارجه وفر
стр. 351
ثيودورس إلى الإسكندرية واحتمى المقوقس بالحصون، وبعد حصار سبعة أشهر فاوض المسلمين على الصلح على الجزية للقبط والخيار للروم، وخلال حصار بابليون تمكن عمرو بن العاص من الاستيلاء على الفيوم وجنوب الدلتا كما استولى على أم دنين إحدى مسالح الروم المهمة.
وبعد سقوط حصن بابليون فتح الطريق أمام المسلمين للاستيلاء على مصر السفلى حيث لم يلقوا مقاومة عنيفة، كما اتجهوا نحو الإسكندرية في الشمال، والإسكندرية حصينة كما أن موقعها البحري يمكن الروم من إيصال الأمداد إليها بحراً، وقد لقي الجيش الإسلامي في طريقه إليها مقاومة من الروم حتى وصل إليها، ودافع الروم عنها وضربوا المسلمين بالمجانيق، وطال حصارها، وكان الإمبراطور هرقل قد عزل المقوقس عن مصر ونفاه على اثر مصالحته المسلمين في بابليون، ومات هرقل فرجع المقوقس إلى ولايته على مصر فرأى الإسكندرية محاصرة، فصالح المسلمين عليها، على الجزية لمن شاء البقاء ولا يمنع من يريد الالتحاق بالروم. وهكذا سيطر المسلمون على الإسكندرية، وبدءوا بإنشاء الفسطاط وحفر قناة بين النيل والبحر الأحمر، ثم اتجه عمرو بن العاص نحو الغرب ففتح برقة صلحاً سنة (٢١) هـ وفتح طرابلس عنوة سنة (٢٢) هـ.
ويمكن أن نلاحظ أن موقف الروم في مصر يتميز بالمقاومة العنيفة، لأن المسلمين يسلبونهم سلطانهم، ومنهم من سالم رغبة في الاستفادة من المسلمين كالمقوقس بعد أن نفض يده من بيزنطة.
أما القبط فقد ساعدوا المسلمين بإصلاح الطرق وإقامة الجسور وإمدادهم بالمؤونة، وكان اضطهاد البيزنطيين لهم دينياً وإجحافهم لهم بالضرائب، وصورة الحرية الدينية التي أتاحها المسلمون لنصارى الشام تجعلهم يرحبون بالمسلمين (١).
стр. 352
في خلافة عثمان ﵁:
إعادة فتح الاسكندرية:
عزل عثمان ﵁ عمرو بن العاص عن مصر وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة (٢٧) هـ، فثارت الاسكندرية على المسلمين وأرسل الامبراطور قسطنطين أسطولاً حربياً بقيادة منويل الخصي الأرمني فاحتل الاسكندرية وتقدم في الأرض المصرية، فأعاد عثمان عمرو بن العاص على قيادة الجيش، فتمكن من طرد الروم واحتلال الاسكندرية ثانية وهدم أسوارها (١).
السودان:
وقد توجه عقبة بن نافع الفهري إلى بلاد النوبة السودان لكنه لم يتمكن من التوغل فيها، ثم صالحهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وتبادل معهم الهدايا.
أفريقية:
وقد أرسل عبد الله بن سعد بن أبي سرح يستأذن عثمان بغزو أفريقية، فأرسل عثمان جيشًا من المدينة فيه أعيان الصحابة، وتولى قيادته ابن أبي سرح أولاً ثم ولي عليه الزبير بن العوام فتمكن من إحراز النصر على جرجير (٢) ملك أفريقية، وأحرز غنائم وعاد، فلم تكن غزوته فتحاً منظماً (٣). وكان البربر بأفريقية والمغرب
стр. 353
تحت ملك الفرنجة، ويدينون بالنصرانية (١).
ذات الصواري:
وقد اهتم المسلمون ببناء الاسطول البحري مستفيدين من خبرة سكان الاسكندرية، وتمكن الاسطول الاسلامي من إحراز نصر على أسطول الروم في موقعة ذات الصواري في البحر المتوسط على مقربة من الاسكندرية سنة (٣٤) هـ وقد استولى المسلمون على بعض سفن الروم فأضافوها إلى أسطولهم (٢).
الجيش ونظام القتال:
لم يظهر الجيش النظامي في عصر الخلافة الراشدة بالصفة التي نجدها في الدولة العباسية، بل كانت الأمة كلها مقاتلة حين تدعى إلى الجهاد حيث كان كل قادر على حمل السلاح ومسجل في ديوان العطاء يهب للانخراط في الحملة العسكرية (٣). لذلك لم تكن التدريبات اليومية تحت إشراف الدولة، وإنما اعتمدت جيوش الفتح على المتطوعين الذين كانوا يتدربون بأنفسهم على السباحة والرماية والمبارزة والفروسية بصورة مستمرة استعداداً للجهاد مما وفر للدولة أعدادا كبيرة من الرجال القادرين على القتال العارفين بأساليبه وفنونه في ذلك العصر "لقد أرسى الرسول القائد ﷺ القواعد العسكرية الاسلامية ووضع تعاليمها النظرية والتطبيقية، وحذا الخلفاء الراشدون حذوه في تطبيق هذه التعاليم، ولذلك استطاعوا تحقيق أكبر الانتصارات على أقوى جيوش فارس والروم
стр. 354
وفتحوا البلدان في وقت قياسي قصير" (١).
وكانت القبيلة هي الوحدة العسكرية في ميدان القتال، كما كانت أساساً للتنظيم الاجتماعي والإداري في الأمصار (٢). ورغم أن الروابط القبلية ظلت فاعلة في علاقات القبائل ببعضها وبالدولة، وكانت الدولة تحسب لها حساباً، إلا أن تغلغل الاسلام في المجتمع وقوة العقيدة الاسلامية في النفوس أدى إلى إضعاف الروح القبلية شيئاً فشيئاً، فظهرت معايير جديدة وروابط جديدة على أساس المساواة والتقوى بصرف النظر عن الأصل، كما أن ظهور الفرق العديدة التي كانت تجمع أناساً من أوساط مختلفة وقبائل متباينة ساعد على إيجاد روابط فكرية وسياسية ودينية على حساب الروابط القبلية القديمة (٣). وكذلك فإن استقرار- العرب في الأمصار أدى إلى امتزاج القبائل وتداخلها اجتماعياً بالزواج واقتصادياً بوحدة مصالح المصر، وكانت الروابط الاجتماعية والاقتصادية الجديدة تقوى على مر الزمن على حساب الروابط القبلية.
وكان الجيش عربياً في البدء، ثم استسلمت أعداد من قوات الفرس والروم ودخلت في الاسلام ورغبت في الالتحاق بالقوات الاسلامية.
وقد عاملتهم الدولة الاسلامية بمرونة، فألحقتهم بقواتها مع احتفاظهم باستقلال وحداتهم وفرقهم، وسمح لهم- إذا رغبوا- بالتحالف والارتباط بالقبائل العربية، كما أدخلوا ديوان العطاء، ومن هؤلاء "الحمراء" من الروم، و"الأبناء"
стр. 355
من أهل صنعاء، و"الديالمة" و"القيقانية" و"الأساورة" من الفرس (١).
وقد عرف الجيش الاسلامي عدة رتب عسكرية تتمثل في أمير الجيش ونائبه وأمراء الكراديس وأمراء التعبئة والنقباء والعرفاء (٢)، وكان الجيش يرفع لواءً أبيض ورايةً سوداء (٣) كما كان عليه الأمر في عهد النبوة (٤). وكان المقاتلون فرساناً ومشاة، وكانت الدولة حريصة على تربية الخيل لأغراض الجهاد، كما كانت تحثُّ الناس على تربيتها، وتقيم لها السباقات وتحدد لها الحمى. ويعطى الفارس من الغنيمة سهمان وللراجل سهم واحد (٥).
وكانت التعبئة العربية تعتمد على نظام الصفوف ونظام الكراديس ونظام الخميس، فكان الجيش يقسم إلى خمسة أقسام: الميمنة، والميسرة- ويطلق عليهما الجناحان-، والقلب، والساقة، والمؤخرة. وكل قسم يضم عدة كراديس، ويتألف كل كردوس من ألف مقاتل وله قائده وحاشيته وراياته. وبين كل كردوس وآخر فسحة من الأرض مناسبة تسمح لها بحرية الحركة والقتال.
وكانت الدولة تمون الجيش بما يلزمه من الطعام والسلاح والخيول والجمال (٦).