ثيودورس إلى الإسكندرية واحتمى المقوقس بالحصون، وبعد حصار سبعة أشهر فاوض المسلمين على الصلح على الجزية للقبط والخيار للروم، وخلال حصار بابليون تمكن عمرو بن العاص من الاستيلاء على الفيوم وجنوب الدلتا كما استولى على أم دنين إحدى مسالح الروم المهمة.
وبعد سقوط حصن بابليون فتح الطريق أمام المسلمين للاستيلاء على مصر السفلى حيث لم يلقوا مقاومة عنيفة، كما اتجهوا نحو الإسكندرية في الشمال، والإسكندرية حصينة كما أن موقعها البحري يمكن الروم من إيصال الأمداد إليها بحراً، وقد لقي الجيش الإسلامي في طريقه إليها مقاومة من الروم حتى وصل إليها، ودافع الروم عنها وضربوا المسلمين بالمجانيق، وطال حصارها، وكان الإمبراطور هرقل قد عزل المقوقس عن مصر ونفاه على اثر مصالحته المسلمين في بابليون، ومات هرقل فرجع المقوقس إلى ولايته على مصر فرأى الإسكندرية محاصرة، فصالح المسلمين عليها، على الجزية لمن شاء البقاء ولا يمنع من يريد الالتحاق بالروم. وهكذا سيطر المسلمون على الإسكندرية، وبدءوا بإنشاء الفسطاط وحفر قناة بين النيل والبحر الأحمر، ثم اتجه عمرو بن العاص نحو الغرب ففتح برقة صلحاً سنة (٢١) هـ وفتح طرابلس عنوة سنة (٢٢) هـ.
ويمكن أن نلاحظ أن موقف الروم في مصر يتميز بالمقاومة العنيفة، لأن المسلمين يسلبونهم سلطانهم، ومنهم من سالم رغبة في الاستفادة من المسلمين كالمقوقس بعد أن نفض يده من بيزنطة.
أما القبط فقد ساعدوا المسلمين بإصلاح الطرق وإقامة الجسور وإمدادهم بالمؤونة، وكان اضطهاد البيزنطيين لهم دينياً وإجحافهم لهم بالضرائب، وصورة الحرية الدينية التي أتاحها المسلمون لنصارى الشام تجعلهم يرحبون بالمسلمين (١).
стр. 352
في خلافة عثمان ﵁:
إعادة فتح الاسكندرية:
عزل عثمان ﵁ عمرو بن العاص عن مصر وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة (٢٧) هـ، فثارت الاسكندرية على المسلمين وأرسل الامبراطور قسطنطين أسطولاً حربياً بقيادة منويل الخصي الأرمني فاحتل الاسكندرية وتقدم في الأرض المصرية، فأعاد عثمان عمرو بن العاص على قيادة الجيش، فتمكن من طرد الروم واحتلال الاسكندرية ثانية وهدم أسوارها (١).
السودان:
وقد توجه عقبة بن نافع الفهري إلى بلاد النوبة السودان لكنه لم يتمكن من التوغل فيها، ثم صالحهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وتبادل معهم الهدايا.
أفريقية:
وقد أرسل عبد الله بن سعد بن أبي سرح يستأذن عثمان بغزو أفريقية، فأرسل عثمان جيشًا من المدينة فيه أعيان الصحابة، وتولى قيادته ابن أبي سرح أولاً ثم ولي عليه الزبير بن العوام فتمكن من إحراز النصر على جرجير (٢) ملك أفريقية، وأحرز غنائم وعاد، فلم تكن غزوته فتحاً منظماً (٣). وكان البربر بأفريقية والمغرب
стр. 353
تحت ملك الفرنجة، ويدينون بالنصرانية (١).
ذات الصواري:
وقد اهتم المسلمون ببناء الاسطول البحري مستفيدين من خبرة سكان الاسكندرية، وتمكن الاسطول الاسلامي من إحراز نصر على أسطول الروم في موقعة ذات الصواري في البحر المتوسط على مقربة من الاسكندرية سنة (٣٤) هـ وقد استولى المسلمون على بعض سفن الروم فأضافوها إلى أسطولهم (٢).
الجيش ونظام القتال:
لم يظهر الجيش النظامي في عصر الخلافة الراشدة بالصفة التي نجدها في الدولة العباسية، بل كانت الأمة كلها مقاتلة حين تدعى إلى الجهاد حيث كان كل قادر على حمل السلاح ومسجل في ديوان العطاء يهب للانخراط في الحملة العسكرية (٣). لذلك لم تكن التدريبات اليومية تحت إشراف الدولة، وإنما اعتمدت جيوش الفتح على المتطوعين الذين كانوا يتدربون بأنفسهم على السباحة والرماية والمبارزة والفروسية بصورة مستمرة استعداداً للجهاد مما وفر للدولة أعدادا كبيرة من الرجال القادرين على القتال العارفين بأساليبه وفنونه في ذلك العصر "لقد أرسى الرسول القائد ﷺ القواعد العسكرية الاسلامية ووضع تعاليمها النظرية والتطبيقية، وحذا الخلفاء الراشدون حذوه في تطبيق هذه التعاليم، ولذلك استطاعوا تحقيق أكبر الانتصارات على أقوى جيوش فارس والروم
стр. 354
وفتحوا البلدان في وقت قياسي قصير" (١).
وكانت القبيلة هي الوحدة العسكرية في ميدان القتال، كما كانت أساساً للتنظيم الاجتماعي والإداري في الأمصار (٢). ورغم أن الروابط القبلية ظلت فاعلة في علاقات القبائل ببعضها وبالدولة، وكانت الدولة تحسب لها حساباً، إلا أن تغلغل الاسلام في المجتمع وقوة العقيدة الاسلامية في النفوس أدى إلى إضعاف الروح القبلية شيئاً فشيئاً، فظهرت معايير جديدة وروابط جديدة على أساس المساواة والتقوى بصرف النظر عن الأصل، كما أن ظهور الفرق العديدة التي كانت تجمع أناساً من أوساط مختلفة وقبائل متباينة ساعد على إيجاد روابط فكرية وسياسية ودينية على حساب الروابط القبلية القديمة (٣). وكذلك فإن استقرار- العرب في الأمصار أدى إلى امتزاج القبائل وتداخلها اجتماعياً بالزواج واقتصادياً بوحدة مصالح المصر، وكانت الروابط الاجتماعية والاقتصادية الجديدة تقوى على مر الزمن على حساب الروابط القبلية.
وكان الجيش عربياً في البدء، ثم استسلمت أعداد من قوات الفرس والروم ودخلت في الاسلام ورغبت في الالتحاق بالقوات الاسلامية.
وقد عاملتهم الدولة الاسلامية بمرونة، فألحقتهم بقواتها مع احتفاظهم باستقلال وحداتهم وفرقهم، وسمح لهم- إذا رغبوا- بالتحالف والارتباط بالقبائل العربية، كما أدخلوا ديوان العطاء، ومن هؤلاء "الحمراء" من الروم، و"الأبناء"
стр. 355
من أهل صنعاء، و"الديالمة" و"القيقانية" و"الأساورة" من الفرس (١).
وقد عرف الجيش الاسلامي عدة رتب عسكرية تتمثل في أمير الجيش ونائبه وأمراء الكراديس وأمراء التعبئة والنقباء والعرفاء (٢)، وكان الجيش يرفع لواءً أبيض ورايةً سوداء (٣) كما كان عليه الأمر في عهد النبوة (٤). وكان المقاتلون فرساناً ومشاة، وكانت الدولة حريصة على تربية الخيل لأغراض الجهاد، كما كانت تحثُّ الناس على تربيتها، وتقيم لها السباقات وتحدد لها الحمى. ويعطى الفارس من الغنيمة سهمان وللراجل سهم واحد (٥).
وكانت التعبئة العربية تعتمد على نظام الصفوف ونظام الكراديس ونظام الخميس، فكان الجيش يقسم إلى خمسة أقسام: الميمنة، والميسرة- ويطلق عليهما الجناحان-، والقلب، والساقة، والمؤخرة. وكل قسم يضم عدة كراديس، ويتألف كل كردوس من ألف مقاتل وله قائده وحاشيته وراياته. وبين كل كردوس وآخر فسحة من الأرض مناسبة تسمح لها بحرية الحركة والقتال.
وكانت الدولة تمون الجيش بما يلزمه من الطعام والسلاح والخيول والجمال (٦).
стр. 356
الباب السادس: الفتن الداخلية
стр. 357
الفصل الأول: الردة
стр. 358
تمهيد انتشار الاسلام خارج المدينة: (١)
لم يقتصر انتشار الاسلام على أهل المدينة، فقبل قيام الدولة فيها قام بعض المسلمين من خارج مكة بتبليغ الدعوة إلى قبائلهم، كما فعل أبو ذر الغفاري مع قبيلته غفار، والطفيل بن عمرو الدوسي مع قبيلة دوس (من أزد اليمن).
ولما قامت دولة الاسلام بالمدينة اهتمت بإرسال الدعاة إلى البوادي لدعوة القبائل رغم الأخطار التي كان تحدق بالوفود، كما حدث في الرجيع وبئر معونة كما أن الرسائل الدعوية التي وجهها النبي ﷺ في العام السادس بعد الحديبية إلى الملوك والأمراء شملت عددا من حكام المناطق العربية في البحرين وبصري.
وكانت "أول جمعة جمعت- بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين" (٢)
وقد دخلت مكة في الاسلام عام (٨) هـ بعد فتحها، وأسلم أهل الطائف عام (٩) هـ، وقد شكل محور المدينة- مكة- الطائف مركز الثقل الاسلامي في حروب الردة. وكان يضم الأنصار والمهاجرين وبقية قريش وثقيف ومزينة وغفار وجهينة وبلي وأشجع وأسلم وكعب، وفي نجد ثبت على الاسلام طوائف من بني سليم وطيء وهذيل وتميم- ثبت منها على الاسلام في حركة الردة عدد من بطونها هم عوف
стр. 359
والأبناء والرباب وبهوى وارتد بنو حنظلة ومقاعس والبطون (١) - وعبس وذبيان وقضاعة وكلب وأسد وغطفان (٢) وهوازن وعامر (٣) وهذه الطوائف وقفت ضد المرتدين، وتعرضت للقتل أو الأذى. وهكذا انقسمت القبائل على نفسها بسبب الولاء للاسلام والارتداد عنه. كما امتد الاسلام في شمال شبه الجزيرة العربية فاسلم بنو شيبان وبنو عذرة في عصر السيرة (٤).
وأرسل النبي ﷺ الأمراء والدعاة إلى اليمن مثل معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب ثم أرسل أبا موسى الأشعري فكان على الأشعريين (٥) بزبيد ورمع وعدن والساحل. وقد واجهوا الوثنية في معظم قبائل اليمن كما واجهوا النصرانية التي تدين بها بنو الحارث بن كعب واليهودية التي يدين بها حمير وكثير من كندة (٦) وقد أثمرت جهودهم، فأسلم ملوك حمير، شرحبيل والحارث ابني عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين (٧). وأسلم باذان حاكم صنعاء من قبل الفرس وأسلم معه الأبناء (٨)، وأرسلت اليمن وفودها عام ٩ هـ منهم وفد كندة، ووفد الأشعريين، ووفد
стр. 360
همدان، ووفد دوس (١)، مما يدل على انتشار الاسلام في اليمن، وقد كان لثبات قبائل ذي مران وذي الكلاعي وذي ظليم وبجيلة وزبيد والنخع وجعفي والأبناء والسكون والسكاسك على الاسلام أثره في إحباط ردة الأسود. وكان في القبائل المرتدة مثل بني عقيل بن ربيعة وعك وخثعم طوائف من المسلمين ثبتت على الاسلام ووقفت ضد الأسود العنسي، بل إن قبيلة مذحج التي ينتسب الأسود إليها ثبت عدد كبير من رجالها على الاسلام وحاربوا الأسود، لكن جهال القبيلة كانوا معه (٢). أما في حضرموت فقد انتشر الاسلام في طوائف من قبيلة كندة إلا أن حركة الردة وجدت أنصاراً كثيرين لها في أوساط هذه القبيلة مما يدل على الانقسام داخل كندة (٣). ولكن بقيت قبائل نجران على نصرانيتها (٤) وخضعت للدول الاسلامية وحافظت على علاقاتها معها خلال أحداث ردة الأسود العنسي (٥) وكان عمرو بن حزم واليا على نجران.
стр. 361
وانتشر الاسلام في اليمامة، وقد ثبت الكثيرون من المسلمين أمام حركة الردة التي قادها مسيلمة، وكان في بني حنيفة- قبيلة مسيلمة- عدد كبير من المسلمين، وقد قاوموا مسيلمة بقيادة ثمامة بن أثال الحنفي (١) وقد انتشر الاسلام في عمان والبحرين في بني جديد وبني ناجية وبني عبد القيس وكعب بن ربيعة (٢) ولم ينتشر الاسلام في قبيلة ربيعة بنطاق واسع، يكشف عن ذلك مسارعتها إلى الردة (٣) وانتشر الاسلام في أوساط قبائل مهرة وخاصة أهل النجد، وأهل رياض الروضة، وأهل الساحل، وأهل الجزائر، وأهل المر واللبان، وأهل جيروت، وظهور الشحر والصبرات وينعب وذات الخيم، وبعض بني محارب (٤).
المبحث الأول حركات الردة
يعتبر تاريخ الطبري أهم مصادر حركة الردة، فمجموع الروايات التي أوردها عن حركة الردة يبلغ (١٠٤) رواية معظمها من طريق سيف بن عمر التميمي (٧٣ رواية) ويليه ابن اسحق (١٤ رواية) ثم أبو مخنف (٥ روايات) ثم هشام
стр. 362
الكلبي (٤ روايات) ثم المدائني (٣ روايات) (١). وهذه الأرقام قد تؤدي إلى لبس حول حقيقة اهتمام الأخباريين المذكورين بأحداث الردة، فقد تكون رواية الطبري عنهم بصورة محدودة ترجع إلى فقدان مؤلفاتهم مبكراً، أو عدم وقوفه عليها، أو عدم وثوقه بها، وقد سمت المصادر لأبي مخنف كتاب الردة ولهشام الكلبي كتاب مسيلمة الكذاب وسجاح وللواقدي كتاب الردة وللمدائني كتاب الردة (٢). وعلى أية حال فإن المصادر اللاحقة أمدتنا بمعلومات واسعة مصدرها هؤلاء الإخباريون أنفسهم. حيث خصص الكلاعي (٣) (ت (٦٣٤) هـ) قسما كبيرا من كتابه "الاكتفا في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفا" لحروب الردة (٤). وهو ينقل عن ابن اسحق وله تاريخ الخلفاء والواقدي وله كتاب الردة وهما مفقودان، ويحتمل أن نقله عنهما بواسطة شيخه ابن حبيش (٥) (ت (٥٨٤) هـ) الذي اعتمد عليهما كثيرا في كتابه "الغزوات الضامنة الكاملة".
وتزداد أهمية كتابي ابن حبيش والكلاعي بسبب إيرادهما روايات يعقوب الزهري ووثيمة، والأخير عرف بكتابه عن الردة وهو مفقود (٦). ويورد
стр. 363
خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) ٤٢ رواية تتعلق بالردة معظمها من طريق ابن اسحق (١٩ رواية) والمدائني (١٦ رواية) ومعظم الروايات تتعلق بردة بني حنيفة. ولابد من ذكر مصدر آخر مبكر هو فتوح البلدان للبلاذري (ت ٢٧٥ هـ) حيث نقل عن الإخباريين (٨ روايات) واستعمل عبارة "قالوا" في بقية الروايات (١١ رواية).
إن الردة عن الاسلام في عصر الرسالة حركة واسعة جرت في أوساط القبائل العربية الكبيرة وهي قبيلة أسد وتزعمهم طليحة بن خويلد الأسدي وبنو حنيفة وتزعمهم مسيلمة بن حبيب وقبائل عنس ومراد وسعد العشيرة- وكلهم من مذحج- وتزعمهم الأسود العنسي. وتنفرد ردة بني أسد بقربها الجغرافي من عاصمة الاسلام "المدينة" مما يشكل خطراً كبيراً على الدولة الناشئة. أما ردة بني حنيفة في اليمامة وردة مذحج وديارها منتشرة في شمال شرق وجنوب شرق ووسط وغرب اليمن فتبدو خطورتهما بسبب الكثافة السكانية حيث يمكن تقديم الألوف العديدة من المقاتلين بالإضافة إلى الإمكانيات الاقتصادية في المنطقتين بسبب النتاج الزراعي الواسع فضلا عن النشاط التجاري والصناعي.
وترجع عوامل الردة إلى عدم تغلغل الإيمان في القلوب لتأخر اسلامهم وبسبب قصر الزمن الذي تم فيه تبلغ الدعوة، وطبيعة الأعراب المتسمة بالجفاء مع ضعف المستوى الثقافي مما جر إلى ضعف فقه تعاليم الدين وخاصة بالنسبة للزكاة التي اعتبرها البعض ضريبة مهينة، واستثقلوا الصلاة والعبادات الأخرى، كما أن العصبية القبلية لا زالت عميقة في تلك البلاد النائية ووسط نجد حيث ترى القبائل أنها أضخم عددا وعُددا من قريش وبالتالي فهي أولى بالزعامة، وعلى الأقل لم تكن ترضى بالخضوع لحكم قريش. وقد ظهر زعماء طموحون تطلعوا إلى القيادة مقلدين الرسول ﷺ في أسلوب العمل والدعوة، ولم ينتبهوا إلى الفروق الكبيرة بين النبوة الصادقة وانتحالها لأغراض شخصية. ومن هنا كان ادعاء النبوة من قبل زعماء الحركات الانشقاقية.
стр. 364
ولا تقدم كتب الحديث النبوي معلومات مفصلة عن حركة الردة، بل تقتصر على إثبات وقوع الردة، وامتناع بعض القبائل عن دفع الزكاة، وما دار من نقاش بين أبي بكر وعمر ﵄ حول قتال مانعي الزكاة، قال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله"؟. فقال أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فان الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها". قال عمر: "فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق" (١). وذكر وقوع ردة مسيلمة وردة الأسود العنسي، وإخبار النبي ﷺ بظهور ثلاثين كذاباً من مدعي النبوة منهم الأسود ومسيلمة (٢)، وقدوم مسيلمة المدينة في بشر كثير من قومه (٣) واشتراطه حتى يسلم أن يكون الأمر له بعد الرسول ﷺ ، وإجابة الرسول ﷺ له وفي يده قطعة جريد: "لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك (٤) الله، وإني لأراك الذي أريتُ فيك ما رأيتُ" (٥).
стр. 365
وحديث رؤيا الرسول ﷺ : "بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمَّني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأوَّلتهما كذابين يخرجان، فكان أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة" (١). وقتل مسيلمة على يد وحشي الذي يروي الخبر: "فخرج مسيلمة الكذاب، قلتُّ: لأخرجنَّ إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه. قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته". قال ابن عمر: "فقالت جارية على ظهر بيت: واأمير المؤمنين، قتله العبد الأسود" (٢). وذكر أنس عدد شهداء الأنصار باليمامة وأنهم سبعون (٣).
ووصف أبو رجاء العطاردي التميمي أحوال قومه الدينية وأنهم كانوا يعبدون الحجر فإذا وجدوا أحسن منه ألقوه، وقد يصنعونه من تراب ولبن ثم يطوفون به، وأنهم ينزعون الحديد من السلاح في شهر رجب إشارة إلى ترك القتال في الأشهر الحُرُم (٤). وأن قومه لما بلغهم ظهور الاسلام التحقوا بمسيلمة وهو معهم (٥)
стр. 366
وتذكر رواية أن عبد الله بن مسعود في إمارته على الكوفة أول خلافة عثمان ﵁ استتاب أتباعاً لمسيلمة من بني حنيفة كانوا لا يزالون على إيمانهم به، وأنه قتل منهم ابن النوَّاحة فقط وكان رسولاً لمسيلمة في عهد النبوة، وامتنع النبي ﷺ عن قتله "لأن الرسل لا تقتل"، فلما ظفر به عبد الله بن مسعود هذه المرة قتله (١). وكانوا ثمانين رجلاً، ومعهم مصحف فيه قراءة مسيلمة (٢). وخبر هزيمة بني أسد أمام خالد بن الوليد يوم بزاخة (٣).
وتشير روايات عديدة إلى بطولات ثابت بن قيس بن شماس يوم اليمامة، والبراء بن عازب قاتل الطفيل محكم اليمامة "وكان عظيماً جسيماً". وأن شعار المسلمين كان "يا أصحاب سورة البقرة"، وصيام بعض المقاتلين المسلمين خلال المعركة، وإجهاز الزبير بن العوام على بعض القتلى ممن بهم رمق. وسجود أبي
стр. 367
بكر ﵁ شكراً لله عند فتح اليمامة (١). ومجيء بني أسد وغطفان يسألون أبا بكر الصلح فخيرهم إما حرب مجلية وإما سلم مخزية مبيناً لهم أن ذلك يعني: "تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وتشهدون على قتلاكم أنهم في النار، وتردون إلينا من أخذتم منا، ولا نرد إليكم ما أخذنا منكم، وننزع منكم الحلقة والكراع- أي السلاح والخيل- وتتركون تتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسول الله والمؤمنين رأيا يعذرونكم عليه. فقال عمر: أما ما قلت فكما قلت، لكن قتلانا قتلوا في الله، أجورهم على الله لا دية لهم" (٢). وذكر ردة بني سليم، وجمع خالد بن الوليد لناس منهم في حظيرة حرقها عليهم بالنار واقتراح عمر عزله ورفض أبي بكر "والله لا أشيم سيفاً سلَّه الله على عدوه .. وأمره فمضى من وجهه ذلك إلى مسيلمة .. (٣).
مراكز المرتدين
اليمن:
كانت اليمن تابعة اسميا للإمبراطورية الساسانية، وكان قد أصبح للساسانيين نفوذ في اليمن منذ أن استعان بهم سيف بن ذي يزن لطرد الأحباش، فلما توفي سيف أصبح قائد الحامية الفارسية أميرا على اليمن، وتزوج الفرس من أهل اليمن وسمي أولادهم بالأبناء. ولكن نفوذ الحاكم الفارسي كان محصوراً بصنعاء وما حولها. في حين يتقسم بقية البلاد الاذواء والأمراء المحليون ورؤساء العشائر وهم في نزاع مستمر وخاصة القبائل الكبيرة أزد شنوءة (بنو الحارث والنخع وبجيلة وخثعم وعك
стр. 368
والأشاعرة) وتسكن عند الساحل، ومذحج وهمدان وتسكن الهضبة في الداخل.
وكان خروج الأسود العنسي- على الصحيح- قبل حجة الوداع في العام العاشر (١)، وكانت أول ردة في الاسلام، ودامت أربعة أشهر. (٢) وقد فصل سيف بن عمر أخبارها معتمدا على شهود عيان مثل فيروز الديلمي وجشيش الديلمي. وينتسب الأسود إلى عنس من مذحج التي تعد أكبر القبائل اليمانية، وكان من كهف خبان قرب نجران (٣) وعرف بذي الخمار وبرحمن اليمن، وكان كاهناً، وادعى النبوة، وأيدته بعض قبائل مذحج، واحتل نجران ثم صنعاء حيث قتل واليها شهر بن باذام، وتظاهر زعماء الأبناء بالانضمام إليه. وقد اضطر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري وأتباعهما إلى الانسحاب إلى حضرموت، كما أخرج أهل نجران عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاص حيث عادا إلى المدينة. وأخرج قيس بن المكشوح أحد قادة قبيلة مراد عامل المسلمين فروة بن مسيك، وانضم قيس بن المكشوح إلى الأسود العنسي، كما انضم إليه عمرو بن معد يكرب الزبيدي أحد زعماء مذحج. وانسحب من بقي على الاسلام من أهل اليمن مع الولاة المسلمين.
وتكمن قوة الأسود في ضخامة جسمه وقوته وشجاعته، واستخدم الكهانة والسحر، والخطابة البليغة "كان الأسود كاهناً شعباذا، وكان يريهم الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه (٤) كما استخدم الأموال للتأثير على الناس. ومثل هذه الصفات تجعله مشهورا في قومه، ويبدو أن انتشار الاسلام كان يضعف مركزه لأن الاسلام يحرم الكهانة، ويمنع الناس من استشارة الكهان.
стр. 369
وقد أثار الأسود موضوع أخذ الزكاة من اليمن، فكتب إلى العمال المسلمين في مناطق اليمن"أيها المستوردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه" (١). وقد طلب النبي ﷺ من المسلمين المجتمعين في نجران وحضرموت أن يقاوموا الأسود، وقد أفاد معاذ بن جبل من الانشقاق في حركة الأسود حيث أن الأبناء لم يكونوا مخلصين له وكذلك قيس بن المكشوح فتمكنوا من قتله في قصره، وإعلان العودة إلى الاسلام (٢).
ردة اليمامة:
تقع اليمامة في شرقي الجزيرة العربية، وهي واد خصب تتوفر فيه المياه الغزيرة، وتزرع فيه الحنطة والشعير والذرة والنخيل وتقوم فيه القرى حيث يستقر فيها بعض السكان الذين ينتمي معظمهم إلى بني حنيفة وبعضهم ينتمي إلى بني بكر أو إلى بني تميم وخاصة شمال اليمامة، وقد قامت فيها صناعة السيوف والنصال.
وكان في قطر مركز مطرنة للمبشرين النصارى النساطرة الذين أقصاهم البيزنطيون فاحتموا بالساسانيين ومن فارس مدوا دعايتهم إلى اليمامة (٣). وقد دخلت بنو حنيفة في الاسلام وقدم وفدها إلى النبي ﷺ في المدينة في العام التاسع للهجرة ومنهم مسيلمة بن حبيب وقد أعلن مسيلمة نبوته في حياة الرسول ﷺ ، ولعله فعل ذلك بعد عودته من الوفد، وكان قد تعاظم نفوذه بعد وفاة
стр. 370
هوذة بن علي زعيم اليمامة عقب فتح مكة (١). وادعى أنه يوحى إليه واتخذ له محرابا ومؤذنا اسمه حجير وجعل الصلاة ثلاثة أوقات في اليوم في الصبح والظهر والعشاء (٢) وحدد النسل بابن واحد، ويروي الجاحظ أن مسيلمة كان قبل ادعاء النبوة يدور في أسواق العرب يتعلم الحيل والنيرنجات واختيارات النجوم والمتنبئين، حتى أحكم حيل السدنة والحواة وأصحاب الزجر والحظ ومذهب الكاهن العياف والساحر وصاحب الجن الذي يزعم أن معه تابعه (٣). وقد نقلت المصادر عن مسيلمة ما ادعاه من آيات عارض بها القرآن، وأسلوبها ينم عن ركاكة، ولعلها من وضع الأخباريين لذلك من الصعب اعتمادها لمعرفة مبادئه العقدية (٤). وقد التف حوله أكثر بني حنيفة فمنهم من تبعه جهلا وتصديقا وهم العوام ومنهم من تبعه عصبية وهم الخاصة (ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر).
وتعاظم أمره بعد قدوم الرجال بن عنفوه من المدينة إلى اليمامة، وكان الرجَّال قد تعلم القرآن وتفقه بالدين، فلما رأى بني حنيفة يتابعون مسيلمة انسلخ من الاسلام وأظهر تصديقه لمسيلمة، فكانت فتنته للناس أعظم من فتنة مسيلمة.
وراسل مسيلمة النبي ﷺ في أواخر العام العاشر بعد حجة الوداع قائلا: "إني قد أشركت في الأمر معك وان لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض" (٥)، ولما توفي الرسول ﷺ زاد نفوذ مسيلمة وتحالف
стр. 371
مع سجاح التميمية، وقيل أنه تزوجها، لكن هذا التحالف لم يدم طويلاً حيث انسحبت سجاح بقواتها من اليمامة بعد أخذ نصف خراجها (١).
وقد أدرك أبو بكر الصديق ﵁ خطر ردة بني حنيفة لقوتهم وكثرتهم ورخائهم واجتماعهم على مسيلمة.
ردة طليحة الأسدي:
كانت قبيلة غطفان التي تسكن شرقي خيبر تسيطر على شمال الحجاز بتحالفها مع قبيلة طيء ويهود خيبر فلما سقطت خيبر سنة (٧) هـ بيد الرسول ﷺ ، وأخذ الرسول ﷺ يوجه الحملات إلى الشمال، ضعف نفوذ غطفان، وحاول طلحة بن خويلد الأسدي أن يسيطر على شمال شبه الجزيرة عن طريق المحالفات بين قبيلة أسد وطيء وفزارة (وهي أهم فروع غطفان)، ثم ادعى النبوة في أواخر حياة الرسول ﷺ وان ملكا يدعى ذو النون يأتيه بالوحي، وروت التاريخ بعض الآيات ذات الأسلوب الركيك التي كان يقرأها. وقد سعى إلى مفاوضة الرسول ﷺ ، وكان انشغال الرسول ﷺ عنه سببا في تعاظم نفوذه، فلما كانت خلافة الصديق ﵁ اجتمعت أسد وغطفان وطيء على طليحة، وأرسلت وفدا إلى المدينة بطلب من الصديق أن يعفيهم من الزكاة، لكنه رفض وقال: "لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه" (٢) ولعله أدرك أن مطاليب الأعراب لن تقف عند حد، كما أنه ليس بوسعه إعفاؤهم من أحد أركان الاسلام. وقد اطلع الوفد على ضعف القوة العسكرية في المدينة عقب
стр. 372
خروج حملة أسامة، لذلك تجرأت هذه القبائل على غزو المدينة.
انتشار الردة:
أدت وفاة الرسول ﷺ إلى تهديد وحدة الدولة الاسلامية الناشئة، حيث توسعت حركة الردة في أنحاء الدولة ماعدا الحجاز، وكان أخطرها حركة مسيلمة الحنفي، لكن بعدها عن المدينة وقرب حركات الردة الأخرى التي ابتدأت بوصول خبر وفاة النبي ﷺ إلى البوادي، فارتد جموع غفيرة من بني أسد وغطفان وتميم والبحرين وعمان وحضرموت كما تجددت الردة في اليمن ..
وكانت وقفة الصديق ﵁ أمام حركات الردة تتسم بالحزم وعدم التفريط بمصلحة العقيدة والدولة، فلم يتأخر في حشد الجيوش ولم يقبل المساومة في أحكام الاسلام ومحاولات بعض القبائل التخلص من دفع الزكاة. وكان عمر ﵁ يحاول أن يقنعه بالترفق في معاملة مانعي الزكاة ليفرغ لأصحاب الردة الشاملة ممن عادوا إلى عبادة الأوثان أو اتبعوا أدعياء النبوة فرفض أبو بكر ﵁ وجهة نظره بشدة، وأوضح للصحابة رضوان الله عليهم: "والله لأقاتلنَّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً- أي معزةً- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" (١). وكان أن انشرحت صدور الصحابة رضوان الله عليهم للقتال، وعرفوا أنه الحق.
وهذا الوضوح في فهم ارتباط الأحكام الشرعية ببعضها، ورفض تعطيل أي حكم منها كان مهماً لقتال مانعي الزكاة بصورة خاصة حيث تنقدح شبهة بقائهم على
стр. 373
الاسلام وبالتالي حصانة دمهم بالشهادة، وهذا ما عالجه الصديق ﵁ بالبيان والحجة. ولو خضع لمساومات الأعراب فربما كانوا سيطالبونه بإسقاط أحكام والتزامات شرعية أخرى .. ولو أجابهم لأحسوا بضعفه وزاد طمعهم فيه ..
وقد وصفت عائشة ﵂ وضع الدولة وبناتها من الصحابة:"كأنهم معزى في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة" وهو تصوير دقيق لحالة الخطر القصوى لإحاطة الأعداء بهم من كل جانب، ووصفت أبا بكر ﵁ وهو ممسك بزمام القيادة .. واضح الرؤية قوي العزيمة شديد المضاء صائب الرأي "فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وسنانها" (١).
ومن المؤسف أن ينفرد الأخباريون برسم صورة أحداث الردة في أرجاء الجزيرة دون مشاركة مهمة من المحدثين مما يفقدنا القدرة على نقد أسانيد الروايات .. وتظهر مصادر المعلومات المحلية والقبلية ..
والصورة التي نقدمها تبين أن حركات الردة كانت مختلفة في تصوراتها العقدية فمنها ما كان استمرارا للحركات التي ظهرت في العام العاشر من العصر النبوي مثل ردة بني حنيفة - أحد فروع بكر بن وائل- في اليمامة بزعامة المتنبيء مسيلمة، ومنها ما كان مرتبطاً بأدعياء نبوة جدد كما هو شأن ردة بني أسد وفزارة المرتبطين بالمتنبيء طليحة بن خويلد الأسدي. وردة بني يربوع من تميم بزعامة المتنبئة سجاح في حين التف آخرون منهم حول مالك بن نويرة، وكان قد امتنع عن
стр. 374
دفع الزكاة لأبي بكر. وتحالف بنو عطارد التميميون مع مسيلمة باليمامة ..
وانقسمت على نفسها قبيلة سُليم العدنانية في عالية نجد قرب خيبر، فمنهم من حافظ على إسلامه ومنهم من ارتد، ويبدو أن قرب ديارها من المدينة ومشاركة الكثير من رجالها في فتوح مكة وحنين والطائف أدى إلى ثبات فروع منها أمام المرتدين الآخرين من رجالها.
وتحالفت فزارة- من فروع غطفان العدنانية- بنجد بزعامة عيينة بن حصن الفزاري مع طليحة الأسدي.
وارتدت فروع أخرى من بني بكر بن وائل بالبحرين بزعامة الحطم بن ضبيعة وثبتت قبيلة عبد القيس على الاسلام بزعامة الجارود بن المعلى العبدي، لكن الغلبة في البحرين كانت للمرتدين قبل وصول القوات الاسلامية من المدينة.
وانقسمت الأزد في عمان ودُّبا بين زعماء القبيلة، فمنهم من بقي على الاسلام بقيادة جيفر وعباد ابني الجلندي، ومنهم من اتبع المتنبيء ذي التاج لقيط بن مالك الأزدي الذي غلب على عمان وطرد جيفر وعباد إلى الجبال والساحل.
وأما قبائل حضرموت وهم قبائل كندة والسكاسك والسكون فقد حافظ بعضها على ولائه للاسلام وبايع الوالي زياد بن لبيد البياضي، في حين التف البعض الآخر منهم حول الأشعث بن قيس الكندي الذي امتنع عن دفع الزكاة. ولم تستقر الاضطرابات في حضرموت إلا بعد قدوم الجيوش الاسلامية إليها.
ورغم أن حركة الأسود العنسي تم القضاء عليها في عصر السيرة إلا أن وفاة الرسول ﷺ أدت إلى انقسام خطير بين قبائلها .. فمنهم من التف حول الوالي فيروز- من الأبناء- ومنهم من خرج على سلطة الوالي مثل قيس بن عبد يغوث (المكشوح) الطامح إلى الزعامة الذي استعان بفلول حركة الأسود العنسي.
وهكذا توسعت حركات الردة في خلافة أبي بكر ﵁ في شمال الجزيرة وشرقها وجنوبها حتى كادت أن تقضي على الدولة الاسلامية الفتية.
стр. 375
المبحث الثاني القضاء على الردة
اعتمد أبو بكر ﵁ على أهل المدينة ومكة والطائف وما حولها من قبائل في تجهيز الجيوش للقضاء على المرتدين فضلاً عن مساندة من بقي على الاسلام في مراكز الردة.
ولا توجد إشارة إلى أن أحدا من أهل المدينة فكر بالردة، وكذلك ثبت أهل مكة، وربما همَّ بعضهم بالردة، فاختفى عتَّاب بن أسيد بن أبي العاص- عامل مكة- ووقف سهيل بن عمرو موقفاً مشرفاً كان له أثره في تثبيت الناس على الاسلام حيث خاطبهم بقوله: "إن ذلك لم يزد الاسلام إلا قوة فمن رابنا ضربنا عنقه".
كذلك ثبت أهل الطائف على الاسلام، وربما همَّ بعضهم بالردة، فخطب فيهم عثمان بن أبي العاص- عامل الطائف- فقال: "يا أبناء ثقيف كنتم آخر من أسلم فلا تكونوا أول من ارتد".
ولعل الصلات الوثيقة بين مكة والطائف جعلت ثقيفاً تخلد إلى الهدوء كما فعلت مكة.
إن سكان المدن الثلاثة نالوا حظاً من التربية الاسلامية والتوجيهات النبوية أكثر من سواهم، وتعرفوا على تعاليم الاسلام عن كثب، وتفقهوا فيه، لذلك كان سكان محور (المدينة- مكة- الطائف) هم القائمون على أمر الاسلام وحرب المرتدين، وساعدهم في ذلك من ثبت على دينه من المسلمين في مناطق الردة نفسها.
وكان أول صدام مع المرتدين في خلافة الصديق ﵁ مع قبائل فزارة وأسد التي استغلت غياب حملة أسامة عن المدينة، وحاولت غزو المدينة، وقد نظم أبو بكر ﵁ حراسة المدينة، وألزم المسلمين بحضور الصلاة في المسجد النبوي استعداداً للطواريء، ثم خرج بالمسلمين إلى ذي القصة (على بريد
стр. 376
من المدينة من ناحية نجد) حيث صدَّ أول هجوم قامت به عبس وذبيان على المدينة بعد أكثر من شهر من خروج أسامة من المدينة.
وبعد أيام قدم أسامة فاستخلفه أبو بكر ﵁ على المدينة وخرج لملاقاة عبس وذبيان بالربذة فهزمهم، ولما استراح جند أسامة عقد أبو بكر ﵁ أحد عشر لواءً لقتال المرتدين وأمَّر عليها الأمراء وهم:
١ - خالد بن الوليد (١)، ووجهه إلى طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد ثم إلى مالك بن نويرة في تميم.
٢ - عكرمة بن أبي جهل، إلى مسيلمة بن حبيب الكذاب في اليمامة، ففشل في مهمته، فأمره بالتوجه إلى عمان.
٣ - المهاجر بن أبي أمية، على اليمن للقضاء على قيس بن عبد يغوث (المكشوح) ثم إلى حضرموت للقضاء على ردة كندة بقيادة الأشعث بن قيس.
٤ - خالد بن سعيد بن العاص، إلى مشارف الشام.
٥ - عمرو بن العاص، إلى قضاعة.
٦ - حذيفة بن اليمان الغلفاني، إلى دُّبا.
٧ - عرفجة بن هرثمة، إلى مهرة.
٨ - شرحبيل بن حسنة، لمساعدة عكرمة.
٩ - طريفة بن حاجز، الى بني سُليم.
١٠ - سويد بن مقرن، إلى تهامة اليمن.
стр. 377
١١ - العلاء بن الحضرمي، إلى البحرين (١).
وأرسل أبو بكر ﵁ الرسائل إلى سائر المرتدين، فسبقت الرسل الجيوش وتضمنت الرسائل تذكيراً ونصحاً وترهيباً وأن الأمان لمن أجاب ورجع إلى دينه.
القضاء على ردة طليحة الأسدي:
اجتمعت عبس وذبيان بعد هزيمتها في ذي القصة إلى طليحة بالبزاخة والتحق به رجال من طيء، فلما وجه الصديق ﵁ خالد بن الوليد للقضاء على طليحة قام عدي بن حاتم الطائي بمحاولة ناجحة فأقنع طيء بالعودة الى الاسلام والانضمام إلى خالد مما أضعف طليحة، وكان عيينة بن حصن الفزاري يقود جيش طليحة ومعه (٧٠٠) من فزارة، فلما التقى خالد بن الوليد بجيش أسد وفزارة وحمي القتال أيقن عيينة بكذب طليحة فانسحب مع فزارة من المعركة ... وفرَّ طليحة الى الشام حيث عاد فأسلم وحسن إسلامه.
القضاء على مالك بن نويرة:
بعد قضاء خالد بن الوليد على ردة بني أسد اتجه إلى ديار تميم، ولما علم مالك بن نويرة بقدوم المسلمين طلب من قومه التفرق إلى دورهم إذ لا قبل لهم- وكانوا في تنازع وانقسام- بالمسلمين فدخل المسلمون ديار تميم وأسروا مالك بن نويرة فجادله خالد بن الوليد، ولما تبين له أنه مرتد عن دفع الزكاة أمر بقتله فقتل، وقد تزوج خالد من ليلى زوجة مالك بعد انقضاء عدتها. وقد لفقت روايات في
стр. 378
كتب التأريخ والأدب تشير الى إن خالداً قتل مالكاً وهو على الاسلام أو أن قتل مالك كان عن سوء فهم لقول خالد: "أدفئوا أسراكم" وهي في لغة القوم تعني القتل فقتلوا ولم يقصد خالد ذلك. وقد كره أبو بكر ﵁ زواج خالد من ليلى وكانت العرب تكره الزواج في الحروب (١).
القضاء على ردة مسيلمة الكذاب:
بعد قضاء خالد على ردة بني تميم اتجه إلى اليمامة للقضاء على ردة بني حنيفة وكان عكرمة بن أبي جهل قد اندحر أمام بني حنيفة فأمره أبو بكر ﵁ أن يتجه إلى عمان، وكذلك فشل شرحبيل بن حسنة في حربهم ثم انضم الى خالد، وجمع مسيلمة أربعين ألفاً من قومه (٢) وتقدم بهم لمواجهة خالد بن الوليد، فكانت موقعة عقرباء العنيفة، التي أبدى فيها المهاجرون والأنصار بسالة منقطعة النظير، وأبدى بنو حنيفة مقاومة وجرأة شهد بها خالد بن الوليد، وكان جيش المسلمين حوالي (٠٠٠) , (١١) مقاتل (٣)، فيهم ألفان وخمسمائة من المهاجرين والأنصار (٤) وبقيتهم من أهل البوادي ممن ثبتوا على إسلامهم.
وفي بداية اللقاء تراجع المسلمون أمام قوة أعدائهم وكثرتهم حتى وصلوا رحالهم فصرخ شجعانهم وقادتهم بهم، وطلب الأنصار من خالد بن الوليد أن يمتاز الناس فتقاتل كل قبيلة على حدة، فأجابهم الى ذلك فقاتل المهاجرون في جبهة وقاتل
стр. 379
الأنصار في جبهة وقاتلت كل قبيلة في جبهة ليتبين القوي من الضعيف ويعرف من أين يؤتى المسلمون. فتنافس الجميع في القتال وتمكنوا أن يصدوا بني حنيفة الى حديقة الموت ثم اقتحموها عليهم وقتلوا مسيلمة والرجَّال بن عنفوة ومحكم اليمامة وهم زعماء بني حنيفة. وقد أسفرت المعركة عن استشهاد عدد كبير من المسلمين قدرتهم الروايات مابين ٤٥٠ (١) إلى (١٧٠٠) شهيد (٢)، وثمة روايات ذكرت أنهم (١٢٠٠) شهيد (٣) فيهم ثلاثون أو خمسون من حملة القرآن (٤)، مما اعتبر حافزاً لجمع القرآن في خلافة أبي بكر.
أما قتلى بني حنيفة فقد بلغت بهم بعض الروايات (٠٠٠) , (١٠) قتيل (٥)، بينما أوصلتهم روايات أخرى إلى (٠٠٠) , (٢١) قتيل (٦). ومازالت آثار قبور الشهداء من الصحابة ظاهرة على مقربة من بلدة الجبيلة القريبة من حديقة الموت (٧).
стр. 380
وقد انتهت المعركة بالصلح بعد أن كادت بنو حنيفة أن تفنى وبعد أن أنهكت الحرب قوات المسلمين وأتت على صفوة من خيارهم وأثخنت بالجراح بقيتهم، وعقد خالد الصلح مع مجاعة بن مرارة الحنفي- وكان قد أسره قبل المعركة- على أن يعود بنو حنيفة إلى الاسلام ويسلمون حصونهم ونصف أموالهم وسلاحهم ونصف السبي (أو ربعه) وبعض مزارعهم (١).
وقد استعرض أحد الباحثين المعاصرين آراء بعض المستشرقين وتقويمهم لحركة مسيلمة ثم قال: "وقد يتفق الباحث مع كثير من آراء الباحثين السابقين عن طبيعة حركة مسيلمة، من حيث كونها حركة لبست مسوح الدين وادعت النبوة لتحقيق أغراضها في الاستقلال، في ظل فراغ سياسي كان يخيم على الجزيرة العربية وتعزيز المكانة القبلية لبني حنيفة ومنافستهم لقريش، وعدم قبولهم الخضوع والتبعية للمدينة، وتطلعاتهم إلى إقامة كيان قوي مماثل لكيان المدينة، يحافظ على مصالحهم السياسية والزراعية والتجارية، لكن حركة مسيلمة تظل مع ذلك حركة مصطنعة ضحلة الفكر والعقيدة، وبخاصة إذا ما قورنت بالإسلام وسمو مبادئه وشمول عقيدته وشريعته، التي تخطت كثيراً القبلية والاقليمية والقومية، وجاوزتها إلى الانسانية العالمية وبذلك هزمت تلك الحركة وأمثالها بالفكر والعقيدة، قبل أن تهزم في ميادين الجهاد والاستشهاد، فكانت أقرب ما تكون بذلك إلى حركة رد فعل متسرع ومفتعل ضد حركة اسلامية صادقة وأصيلة". (٢)
القضاء على ردة البحرين:
стр. 381
كان بنو بكر وبنو عبد القيس من قبائل ربيعة يقيمون بالبحرين، وكان ملكهم المنذر بن ساوى أسلم على يد العلاء بن الحضرمي في سنة ٩ هـ ومات المنذر في الشهر الذي مات فيه النبي ﷺ فارتد أهل البحرين عن الاسلام إلا بنو عبد القيس تمكن سيدهم الجارود من إقناعهم بالثبات على الاسلام، وتزعم الردة الحطم بن ضبيعة وحاصر الجارود في جواثى وبينما هم محاصرون قدم العلاء بن الحضرمي إلى البحرين على رأس جيش واتصل بالجارود، ومكث يقاتل الحطم شهراً دون التحام فاصل، وعرف المسلمون أن المرتدين سكروا في إحدى الليالي فهاجموهم وقضوا عليهم وقتل الحطم وفرَّ بعض المرتدين إلى جزيرة دارين المواجهة للبحرين على الشراع، فاقتحم المسلمون الماء بخيولهم إلى الجزيرة وقتلوا بقية المرتدين وغنموا غنائم عظيمة وعادوا إلى البحرين.
القضاء على ردة عمان ومهرة:
كانت عمان على عهد النبي ﷺ خاضعة لفارس، ثم أسلم جيفر أميرها وأرسل إليه النبي ﷺ عمرو بن العاص يعلمهم الدين، فاتفقا على قسمة أموال الزكاة بين فقراء البلاد، فلما توفي الرسول ﷺ ارتد أهل عمان بقيادة ذي التاج لقيط بن مالك الأزدي، وادعى النبوة، ففرَّ جيفر إلى الجبال.
وقد أشارت رواية إلى تذمر أهل عمان من الزكاة، فقد قال قرة بن هبيرة لعمرو بن العاص منصرفه من عمان: "يا هذا إن العرب لا تطيب لكم نفساً بالأتاوة، فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا أرى أن
стр. 382
تجتمع عليكم" (١).
وأرسل أبو بكر ﵁ عرفجة بن هرثمة البارقي إلى مهرة، وحذيفة بن محصن الغلفاني إلى عمان، ثم أتبعهما عكرمة بعد هزيمة بني حنيفة له، وجعل القيادة لعكرمة على عرفجة وحذيفة وقد تمكن عكرمة من القضاء على لقيط الأزدي وإعادة عمان إلى حظيرة الاسلام بالتعاون مع جيفر ومع بني عبد القيس التي أمدته من البحرين. ثم اتجه عكرمة إلى مهرة حيث ارتد أهلها أيضاً، فلما وصلهم وجدهم منقسمين فانضم اليه بعضهم وقاتل بعضهم الآخر فغلبهم، وسار نحو حضرموت واليمن للتعاون مع المهاجر بن أبي أمية في القضاء على الردة هناك (٢).
القضاء على ردة اليمن:
ما إن علم أهل اليمن بوفاة الرسول ﷺ حتى ارتد قيس بن عبد يغوث عن الاسلام، وقتل داذويه، وكاتب أتباع الأسود، واستعان بهم، وسيطر على صنعاء وطرد الأبناء منها، كذلك ارتد عمرو بن معد يكرب في نجران. وعيَّن أبو بكر ﵁ فيروز والياً على اليمن، فاستعان بأخواله خولان، وساعدته قبائل عك وعقيل، فتمكن من طرد قيس من صنعاء. واتحد قيس مع عمرو بن معد يكرب واستمرت الاضطرابات حتى قدم عكرمة بن أبي جهل من عمان والمهاجر بن أبي أمية من المدينة، وقاما بتطهير اليمن من المرتدين، وتمكنا من توثيق عمرو بن معد يكرب وقيس بن عبد يغوث وإرسالهما إلى أبي بكر ﵁ حيث
стр. 383
استتابهما وعفا عنهما.
وهكذا انتهت أحداث الردة الثانية باليمن (١)، وقد تمثلت فيها الصراعات القبلية، والطموحات الشخصية، ولعل مما أثار القبائل أن الأبناء- حكام اليمن- ليست أصولهم عربية.
القضاء على ردة حضرموت:
منع بنو عمرو بن معاوية بقيادة الملوك الأربعة الزكاة واعتصموا بمحاجرهم وخرج من بقي على الاسلام منهم إلى عامل المسلمين زياد بن لبيد البياضي الذي واجه المرتدين وتمكن من قتل الملوك الأربعة، وأمده أبو بكر ﵁ بالمهاجر بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل لمواجهة كندة بزعامة الأشعث بن قيس، وقد تمكن المسلمون بعد معارك طويلة من هزيمة كندة وإرسال الأشعث إلى المدينة حيث رجع إلى الاسلام (٢). وذكرت روايات ضعيفة أن أبا بكر ﵁ زوَّجه من أخته أم فروة (٣).
وقد نتج عن حركة الردة والقضاء عليها إعادة وحدة الدولة الاسلامية، وتجريد البدو من سلاحهم وخيلهم خلال خلافة أبي بكر ﵁، ولا شك أنها أكسبت المسلمين المزيد من الخبرات القتالية والمعرفة بجغرافية الجزيرة العربية مما أفادهم في حشد الجيوش في حركة الفتح الاسلامي.
стр. 384
الفصل الثاني: فتنة مقتل الخليفة عثمان رضى الله عنه
стр. 385
فتنه مقتل عثمان ﵁
تعتبر فتنة مقتل الخليفة عثمان ﵁ من أخطر الأحداث التي مرَّت بها الدولة الاسلامية في عصر الخلافة الراشدة، وقد تركت من الاختلاف والانقسام في صفوف الأمة ما كاد يودي بها، وقد أعقبتها فتن داخلية أخرى تتصل بها وتتفرع عنها وهي موقعة الجمل وصفين والنهروان، كما استمرت آثارها متمثلة في أحزاب المعارضة للدولة الأموية وهما الخوارج والشيعة. كما استمر الحزبان في التأثير على الحياة السياسية خلال العصر العباسي الأول خاصة، بل يمكن أن نعتبر الانقسامات الكبرى الناجمة عن الفتنة مؤثرة في الأمة حتى الوقت الحاضر.
ومثل هذه الفتنة لابد أن تختلف فيها الآراء وتتلاعب في نقل أخبارها الأهواء، وقد شحنت مصادرنا التأريخية بألوف الروايات المتعارضة وهي تمثل الاتجاهات المختلفة السائدة وقت الرواية ثم في عصر التدوين.
ومن هنا تظهر أهمية نقد الروايات، والتعرف على اتجاهات الرواة، والظروف التي أحاطت بشاهد العيان الذي يرتقي إليه الإسناد مع فحص المتون ومعرفة سلامتها من العلل مثل التناقض والاضطراب، وتقدم كتب علم الرجال المعلومات الأولية عن الرواة، كما يقدم مصطلح الحديث منهج التعامل النقدي مع المعلومات الأولية تلك، ومع الرواية سنداً ومتناً.
وتقدم الروايات الصحيحة والحسنة- لذاتها ولغيرها- صورة مغايرة إلى حدٍ كبير للصورة التي يُقدمها الأخباريون من خلال ما نقلته عنهم المصادر التأريخية، وإن كانت تبقي معها في بعض التفاصيل أحياناً.
فما هي معالم الأحداث من خلال الروايات الصحيحة والحسنة؟
لماذا نقم المعارضون على عثمان ﵁؟
يبدو أن المعارضة كانت تتذرع بأسباب دينية وسياسية واقتصادية، فمما
стр. 386
أثاروه من القضايا الدينية قضية تدوين المصحف واعتماد النسخة المدونة وإحراق ما سواها من النسخ، ولا يرد ذلك على لسان المعارضة، ولكن توحي به الرواية التالية:
قال سويد بن غفلة- مخضرم من كبار التابعين (ت (٨٠) هـ) وعمره (١٣٠) سنة-: والله لا أحدثكم إلا شيئاً سمعته من علي بن أبي طالب، سمعته يقول:
يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل إلا عن ملأ منا جميعاً، فقال: ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفراً؟
قلنا: فما ترى؟
قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف.
قلنا: فنعم ما رأيت.
قال- يعني علي ﵁: فقيل: أي الناس أفصح؟ وأي الناس أقرأ؟
قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت.
فقال: ليكتب أحدهما، ويملي الآخر. ففعلا، وجمع الناس على مصحف قال علي: والله لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثل الذي فعل (١).
وقد عهد عثمان اعتماد النسخة الموحدة من المصحف إلى أربعة من الصحابة هم: زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن
стр. 387
الحارث بن هشام، وقال لهم: "اذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أُنزل بلسانهم". ففعلوا، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق (١). واذا تأملنا في النص فإنه يدل على وجود معارضة لاعتماد نسخة واحدة من المصحف، وإحراق ما سواها، منعاً لاختلاف القراءات والزيادة والنقص في كتاب الله تعالى.
ويبدو أن المعارضة أثارت هذه القضية وأن عليا ﵁ دافع عن موقف عثمان ﵁ مبيناً أنه فعله عن إجماع من الصحابة، وليس لدى المعارضة علماء كبار يدركون مغزى هذا العمل العظيم، بل ربما أدرك بعضهم فائدة ذلك، ولكن الغضب والحقد أعمى بصيرته، فاستغل القضية ضد الخليفة، وليس العامة بقادرين على تمييز الأمور وتمحيص الدعاية، بل هم يتبعون كل ناعق، وكلام علي ﵁ يدل على أن المعارضة غلت في دعايتها، وقلبت الحق باطلاً، والمعروف منكراً.
ويُستشف من الرواية أنه كان يتكلم في ظروف الفتنة قبل توليه الخلافة. ويحتمل أنه تكلم بذلك بعد وقوع الفتنة ومقتل الخليفة وتوليه الأمر وأراد أنه لو ولي قبل إنفاذ الجمع لجمعه.
ومن المسائل التي أثيرت ضد عثمان ﵁ بعد مقتله وتبناها الخوارج عدم شهوده بدراً وعدم ثباته يوم أحد وعدم اشتراكه في بيعة الرضوان، فقد سأل أحد الخوارج- قيل أنه العلاء بن عرار- عبد الله بن عمر ﵄ في المسجد الحرام بمكة عن مواقف عثمان هذه، فبَّين له ابن عمر ذلك معللاً بأن
стр. 388
عدم شهود عثمان بدراً كان بأمر النبي ﷺ لمرض زوجته رقية، وأنه وعده: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه" (١) وأما فراره مع الفارين يوم أحد فقد عفا الله عنهم جميعاً (٢) , وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلأن النبي ﷺ أرسله من الحديبية إلي مكة رسولاً، ووقعت البيعة بسبب حجز قريش له, وضرب النبي ﷺ بيده وقال: "هذه لعثمان" (٣) وبذلك قطع ابن عمر على الخارجي سبيل التلبيس على الناس بأمور لا يعلمون حقيقتها.
ومن المحتمل أن المعارضة استغلت هذه القضايا في دعايتها ضد الخليفة وأنها استمرت تثيرها بعد مقتله ولكن ليس ثمة ما يقطع بذلك.
ومن القضايا التي أثيرت ضد الخليفة أنه أتمَّ الصلاة بمني أواخر خلافته خلافاً لسنة النبي ﷺ وعمل أبي بكر وعمر (٤) وكان عثمان يتأول ذلك ويري أن له حكم المقيم كذلك كانت عائشة ﵂ تتم الصلاة بمني (٥) بل إن عبد الله بن مسعود فعل ذلك وهو لا يراه صحيحاً - فقهياً - لأنه لم يشأ أن يخالف فعل عثمان - وهو الخليفة الشرعي (٦) وكان ابن عمر إذا صلي مع الإمام صلي أربعاً وإذا صلاها وحده صلي ركعتين (٧).
стр. 389
وقد أثار وفد مصر عندما استقبلهم عثمان بالمدينة حمايته الحمى، فوضَّح لهم أن عمر حماه قبله لإبل الصدقة، وأنه زاد فيه لما زادت إبل الصدقة (١).
وورد في كلام لعائشة ﵂ مع الثائرين ما يحدد أهم الانتقادات التي وجهوها إلى سياسة عثمان ﵁، قالت: "اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له، إنكم عتبتم على عثمان في ثلاث خلال، في إمارة الفتى، وموضع الغمامة- تريد الحمى- وضربه بالسوط والعصا. حتى إذا مصتموه- تريد غسلتموه - موص الثوب بالصابون عددتم عليه الفقر الثلاث، حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، وان كان عثمان لأحصنهم فرجاً وأوصلهم للرحم" (٢).
وقد أوضح محمد بن سيرين (٣٣ - (١١٠) هـ) أن عثمان بعث إلى المعارضين علي بن أبي طالب ورجلاً معه فاصطلحوا على خمس: أن المنفي يُقلب، والمحروم يُعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويُستعمل ذو الأمانة والقوة. كتبوا ذلك في كتاب، وأن يرد ابن عامر على البصرة، وأبو موسي الأشعري على
стр. 390
الكوفة (١).
وهذه الروايات تكشف عن شعارات المعارضة المعلنة، وترجع الدراسات الحديثة الفتنة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية فيشيرون إلى تدفق الأموال في المجتمع الاسلامي نتيجة الفتوح، وظهور بوادر الترف في المجتمع، وحدوث تفاوت كبير في مستوى المعيشة نتيجة التباين في توزيع الثروة، وإلى توقف الفتوح في النصف الثاني من خلافة عثمان ﵁ مما جعل الناس في الأمصار يحسون بالفراغ وينغمسون في الفتن والشغب على الحكام.
وأما كتب الأخبار والتأريخ فتعطي ابن سبأ دوراً كبيراً في الأحداث، وخلاصة الصورة التي يقدمها سيف بن عمر وآخرون نقلت عنهم كتب التأريخ وخاصة تأريخ الطبري، أن ابن سبأ يهودي من صنعاء أسلم في خلافة عثمان، وقام ببثِّ الدعاية ضده في الحجاز والعراق والشام ومصر وأن الولاة كانوا إذا أحسوا به طردوه إلى بلد آخر ...
وأنه أثار أبا ذر ضد معاوية زاعماً أن معاوية يقول إن المال مال الله، وأقنعه أنه يريد بذلك احتجاز المال ومنعه عن الرعية، لذلك طلب أبو ذر من معاوية أن يقول إن المال مال المسلمين، فوافقه معاوية ترضية له، ولكن أبا ذر استمر يعلن آراءه في سياسة المال والإنفاق، وأن فضول أموال الأغنياء يجب أن تُرد على الفقراء وإلا فإنها كنز حرام، فشكاه معاوية إلى عثمان فطلبه عثمان. وتذكر الروايات التأريخية أن ابن سبأ أثار تذمر عمار بن ياسر في مصر ضد عثمان، وأنه كان ذا عقلية ذكية فاستطاع أن ينظم دعاية واسعة ضد الخليفة عثمان وعمال الأمصار،