Полный текст (215 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الدرس ٥٥
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [سورة التوبة].
قال ﵀:
وهذا -أيضًا- من مخازي المنافقين، فكانوا -قَبَّحهم الله- لا يَدَعون شيئًا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالًا إلا قالوا وطعنوا بغيًا وعدوانًا، فلما حث الله ورسوله ﷺ على الصدقة بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم؛ كلٌّ على حسب حاله، منهم المكثر ومنهم المقل؛ فيَلمزون المكثر منهم بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة، وقالوا للمقل الفقير: إن الله غني عن صدقة هذا! فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾، أي: يعيبون ويطعنون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ فيقولون: مُراءون قصدهم الفخر والرياء، ويلمزون الَّذين لا يَجِدون إلا جُهْدَهم فيخرجون ما استطاعوا، ويقولون: الله غني عن صدقاتهم؛ ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾. فقابلهم الله على صنيعهم بأن سخر منهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾؛ فإنهم جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذيرمنها:
١ - تتبعهم لأحوال المؤمنين وحرصهم على أن يجدوا مقالًا يقولونه فيهم، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
стр. 107
٢ - طعنهم بالمؤمنين؛ لأجل إيمانهم كفرًا بالله تعالى وبُغضًا للدِّين.
٣ - أن اللَّمْزَ مُحرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة فأقبح وأقبح.
٤ - أن من أطاع الله وتطوع بخصلة من خصال الخير، فإن الذي ينبغي هو إعانته وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم وعابوهم عليه.
٥ - أن حكمهم على من أنفق مالًا كثيرًا بأنه مراء- غلطٌ فاحش وحكم على الغيب ورَجْمٌ بالظن، وأيُّ شر أكبر من هذا؟!
٦ - أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: «الله غني عن صدقة هذا» كلام مقصوده باطل؛ فإن الله غني عن صدقة المتصدقين بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله -وإن كان غنيًا- فهم فقراء إليه؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بَيِّن، ولهذا كان جزاؤهم أن يَسخر الله منهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾. [٢/ ٦٧١ - ٦٧٢].
• • •
стр. 108
الدرس ٥٦
قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يقول تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ﴾ وهم سكان البادية والبراري ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة منها:
أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي بخلاف الحاضرة؛ فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ؛ فيحدث لهم بسبب هذا العلم تصورات حسنة وإرادات للخير الذي يعلمون ما لا يكون في البادية، وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية …
وفي هذه الآية دليل على:
١ - أن الأعراب أحرص على الأموال وأشحُّ فيها.
٢ - الأعراب كأهل الحاضرة؛ منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم الله على مجرد تَعَرُّبِهم وباديتهم، إنما ذَمَّهم على ترك أوامر الله وأنهم في مظنة ذلك.
стр. 109
٣ - أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ويَغلظ ويَخف بحسب الأحوال.
٤ - فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الشرِّ ممن يعرفه؛ لأن الله ذم الأعراب وأخبر أنهم أشد كفرًا ونفاقًا وذكر السبب الموجب لذلك، وأنهم أجدر ألَّا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ .
٥ - أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ من أصول الدين وفروعه؛ كمعرفة حدود الإيمان والإسلام والإحسان والتقوى والفلاح والطاعة والبر والصلة والإحسان والكفر والنفاق والفسوق والعصيان والزنا والخمر والربا ونحو ذلك، فإن في معرفتها يُتمكن من فعلها إن كانت مأمورًا بها، أو تركها إن كانت محظورة، ومن الأمر بها أو النهي عنها.
٦ - أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه من الحقوق مُنشرح الصدر مطمئن النفس، ويحرص أن تكون مغنمًا ولا تكون مغرمًا. [٢/ ٦٧٨ - ٦٨٠].
• • •
стр. 110
الدرس ٥٧
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى في هذه الآية:
١ - دلالة على وجوب الزكاة في جميع الأموال، وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة؛ فإنها أموال تُنَمَّى ويكتسب بها، فمن العدل أن يُواسى منها الفقراء؛ بأداء ما أوجب الله فيها من الزكاة، وما عدا أموال التجارة؛ فإن كان المال يُنَمَّى كالحبوب والثمار والماشية المتخذة للنماء والدَّر والنسل فإنها تجب فيها الزكاة، وإلا لم تجب فيها؛ لأنها إذا كانت للقُنْيّة لم تكن بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة مالًا يتمول ويَطلب منه المقاصد المالية، وإنما صُرِف عن المالية بالقنية ونحوها.
٢ - أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها.
٣ - استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي أن يكون جهرًا؛ بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه، ويؤخذ من المعنى: أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللَّيِّن والدعاء له ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة وسكون لقلبه، وأنه ينبغي تنشيط مَنْ أنفق نفقة وعمل عملًا صالحًا بالدعاء له والثناء ونحو ذلك. [٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣].
• • •
стр. 111
الدرس ٥٨
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾ [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
في هذه الآيات عدة فوائد منها:
١ - أن اتخاذ المسجد الذي يُقصد به الضرار لمسجد آخر بقُربه أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار الذي اطُّلِع على مقصود أصحابه.
٢ - أن العمل -وإن كان فاضلًا- تُغَيِّرُه النية؛ فينقلب منهيًّا عنه، كما قلبت نيةُ أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.
٣ - أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها؛ لأن الله عَلَّل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله ﷺ .
стр. 112
٤ - النهي عن الصلاة في أماكن المعصية والبعد عنها وعن قربها.
٥ - أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أَثَّرت معصية المنافقين في مسجد الضِّرَار، ونُهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن، كما أثَّرت في مسجد قباء؛ حتى قال الله فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان ﷺ يزور قباء كلَّ سَبْتٍ يُصلي فيه، وحَثَّ على الصلاة فيه.
٦ - يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية أربع قواعد مهمة، وهي:
أ- كل عمل فيه مضارة لمسلم.
ب- أو فيه معصية لله؛ فإن المعاصي من فروع الكفر.
جـ- أو فيه تفريق بين المؤمنين.
د- أو فيه معاونة لمن عادى الله ورسوله ﷺ ؛ فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه.
٧ - أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله؛ بمنزلة الإصرار على المعصية، حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة، بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات.
٨ - أنه إذا كان مسجد قباء مسجدًا أُسِّس على التقوى، فمسجد النبي ﷺ الذي أَسَّسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له مِنْ باب أولى وأحرى.
стр. 113
٩ - أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة هو العمل المؤسس على التقوى الموصل لعامله إلى جنات النعيم، والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال هو العمل المؤسس على شَفَا جُرُف هارٍ فانهار به في نار جهنم، والله لايهدي القوم الظالمين. [٢/ ٦٨٦ - ٦٨٧].
• • •
стр. 114
الدرس ٥٩
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي هذه الآيات:
١ - دليل على أن توبة الله على العبد أجل الغايات وأعلى النهايات؛ فإن الله جعلها نهاية خواص عبادة وامتن عليهم بها حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها.
٢ - لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة.
٣ - أن العبادة الشاقة على النفس لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر.
٤ - أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن مَنْ لا يبالي بالذنب ولا يُحرج إذا فعله- فإن توبته مدخولة وإن زعم أنها مقبولة.
٥ - أن علامة الخير وزوال الشدة إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقًا تامًّا، وانقطع عن المخلوقين.
стр. 115
٦ - أن من لطف الله بالثلاثة أن وَسَمَهم بوسم ليس بعار عليهم؛ فقال: ﴿خُلِّفُوا﴾، إشارة إلى أن المؤمنين خَلَّفوهم، أو خُلِّفوا عمَّن بت في قبول عذرهم أو في رَدِّه، وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل: «تخلفوا».
٧ - أن الله تعالى منَّ عليهم بالصدق، ولهذا أمر بالاقتداء بهم؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾. [٢/ ٦٩١ - ٦٩٢].
• • •
стр. 116
الدرس ٦٠
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يقول تعالى منبهًا لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، أي: جميعًا لقتال عدوهم، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك، ويفوت به كثير من المصالح الأخرى، ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ﴾ - أي: من البلدان والقبائل والأفخاذ- ﴿طَائِفَةٌ﴾ تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى، ثم نَبَّه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾، أي: القاعدون ﴿فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، أي: ليتعلموا العلم الشرعي ويعلموا معانيه ويفقهوا أسراره، وليُعَلِّموا غيرهم ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
١ - ففي هذا فضيلة العلم وخصوصًا الفقه في الدين وأنه أهم الأمور.
٢ - وأن مَنْ تعلم علمًا فعليه نشره وبَثُّه في العباد ونصيحتهم فيه، فإن انتشار العِلم عن العَالِم من بركته وأجره الذي ينمى له.
وأما اقتصار العالم على نفسه وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون؛ فأيُّ منفعة حصلت
стр. 117
للمسلمين منه؟! وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان لمن آتاه الله علمًا ومَنَحَه فهمًا.
٣ - وفي هذه الآية -أيضًا- دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة، وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يُعِدُّوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة مَنْ يقوم بها ويوفر وقته عليها ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها لتقوم مصالحهم وتتم منافعهم ولتكون وجهة جميعهم ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب؛ فالأعمال متباينة والقصد واحد، وهذه من الحكمة النافعة في جميع الأمور. [٢/ ٦٩٣ - ٦٩٤].
• • •
стр. 118
الدرس ٦١
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ [سورة يونس].
قال ﵀:
يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾؛ هل هو صحيح أم غير صحيح؟ ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، أي: أسأل أهل الكتاب المنصفين والعلماء الراسخين؛ فإنهم سيُقرون لك بصدق ما أخبرت به وموافقته لما معهم، فإن قيل: إن كثيرًا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى -بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم- كذبوا رسول الله ﷺ وعاندوه ورَدُّوا عليه دعوته، والله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يَستشهد بهم، وجعل شهادتهم حجة لما جاء به وبرهانًا على صدقه؛ فكيف يكون ذلك؟!
فالجواب عن هذا من عدة أوجه:
١ - أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة أو أهل مذهب أو بلد ونحوهم، فإنها إنما تتناول العُدُول الصادقين منهم، وأما مَنْ عداهم فلو كانوا أكثر من غيرهم فلا عبرة فيهم؛ لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربَّانيين؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي ﷺ وخلفائه ومَن بعدهم.
стр. 119
٢ - أن شهادة أهل الكتاب للرسول ﷺ مبنية على كتابهم التوراة الذي يَنتسبون إليه، فإن كان موجودًا في التوراة ما يوافق القرآن ويصدقه ويشهد له بالصحة؛ فلو اتفقوا من أولهم وآخرهم على إنكار ذلك لم يقدح بما جاء به الرسول ﷺ .
٣ - أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه، وأظهر ذلك وأعلنه على رؤوس الأشهاد، ومن المعلوم أن كثيرًا منهم من أحرص الناس على إبطال دعوة الرسول محمد ﷺ ، فلو كان عندهم ما يَردُّ ما ذَكَرَه الله لعبده لأبدوه وأظهروه وبينوه، فلما لم يكن شيء من ذلك كان عدم رد المعادي وإقرار المستجيب من أدل الأدلة على صحة هذا القران وصدقه.
٤ - أنه ليس أكثر أهل الكتاب ردَّ دعوة الرسول ﷺ ، بل أكثرهم استجاب لها وانقاد طوعًا واختيارًا، فإن الرسول ﷺ بُعث وأكثر أهل الأرض المتدينين أهل الكتاب.
فلم يمكث دينه مدة غير كثيرة حتى انقاد للإسلام أكثر أهل الشام ومصر والعراق وما جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب، ولم يبق إلا أهل الرياسات الذين آثروا رياساتهم على الحق ومَن تبعهم من العوام الجهلة ومَن تَدَيَّن بدينهم اسمًا لا معنى؛ كالإفرنج الذين حقيقة أمرهم أنهم دهرية منحلون عن جميع أديان الرسل، وإنما انتسبوا للدين المسيحي ترويجًا
стр. 120
لمُلكهم وتمويهًا لباطلهم، كما يَعرف ذلك مَنْ عرف أحوالهم البينة الظاهرة.
وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ﴾، أي: الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه ﴿مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾؛ كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ٢]، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾، وحاصل هذا: أن الله تعالى نهى عن شيئين:
١ - الشك في هذا القرآن والامتراء منه.
٢ - وأشد من ذلك التكذيب به، وهو آيات الله البينات التي لا تَقبل التكذيب بوجه.
ورَتَّب على هذا الخَسار وهو عدم الربح أصلًا، وذلك بفوت الثواب في الدنيا والآخرة وحصول العقاب في الدنيا والآخرة.
والنهي عن الشيء أمر بضده، فيكون أمرًا بالتصديق التام بالقرآن وطمأنينة القلب إليه والإقبال عليه علمًا وعملًا، فبذلك يكون العبد من الرَّابحين الذين أدركوا أَجَلَّ المطالب وأفضل الرَّغائب وأتم المناقب وانتفى عنهم الخَسار. [٢/ ٧٣٠ - ٧٣٢].
• • •
стр. 121
الدرس ٦٢
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [سورة هود].
قال ﵀:
وشعيب ﵇ كان يسمى خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته لقومه، وفي قصته من الفوائد والعبر شيء كثير:
١ - أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام فكذلك بشرائعه وفروعه؛ لأن شعيبًا دعا قومه إلى التوحيد وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجعل الوعيد مرتبًا على مجموع ذلك.
٢ - أن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذنوب، وتُخشى العقوبة العاجلة على مَنْ تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد؛ فسرقتهم على وجه القهر والغلبة من باب أولى وأحرى.
٣ - أن الجزاء من جنس العمل؛ فمن بَخَسَ أموال الناس يريد زيادة ماله عوقب بنقيض ذلك، وكان سببًا لزوال الخير الذي عنده من الرزق؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾، أي: فلا تتسببوا إلى زواله بفعلكم.
٤ - أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله ويقنع بالحلال عن الحرام
стр. 122
وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خيرٌ له؛ لقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ففي ذلك من البركة وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المَحْق وضد البركة.
٥ - أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره؛ فإنه رتب العمل به على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل، فالإيمان ناقص أو معدوم.
٦ - أن الصلاة لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه؛ فبإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها تختل أحواله الدينية.
٧ - أن المال الذي يرزقه الله الإنسان وإن كان الله قد خوله إياه، فليس له أن يصنع فيه ما يشاء؛ فإنه أمانة عنده؛ عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله ﷺ ، لا كما يزعمه الكفار ومَن أشبههم أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون؛ سواء وَافَقَ حكم الله أو خالفه.
٨ - أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها: أن يكون أول مُبادر لما يأمر غيره به وأول مُنته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢].
стр. 123
٩ - أن وظيفة الرسل وسنتهم ومِلتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يقدر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة.
وحقيقة المصلحة: هي التي تَصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية.
١٠ - أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملومًا ولا مذمومًا في عدم فعله ما لا يقدر عليه؛ فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه.
١١ - أن العبد ينبغي له ألَّا يتكل على نفسه طرفة عين، بل لا يزال مستعينًا بربه متوكلًا عليه سائلًا له التوفيق، وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لمُولِيه ومُسديه، ولا يعجب بنفسه؛ لقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
١٢ - الترهيب بأخَذَات الأمم وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تُذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر.
كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى.
١٣ - أن التائب من الذنب كما يُسمح له عن ذنبه ويعفى عنه، فإن الله تعالى يحبه ويَوده، ولا عبرة بقول من يقول: «إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه بالعفو، وأما عود الود والحب فإنه لا يعود».
стр. 124
فإن الله تعالى قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾.
١٤ - أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة؛ قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئًا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجمَ قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك؛ لأن الإصلاح مطلوب حسب القدرة والإمكان. [٢/ ٧٦٤ - ٧٦٦].
• • •
стр. 125
الدرس ٦٣
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى بعد تفسيره لسورة يوسف ﵇:
فصل في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة التي قال الله في أولها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾، وقال في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
غير ما تقدم في مطاويها من الفوائد -ثم سرد ٤٥ فائدة ﵀ فمن ذلك:
١ - أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذل إلى عز، ومن رق إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكار إلى إقرار؛ فتبارك من قَصَّها فأحسنها ووضحها وبَيَّنها.
٢ - أن فيها أصلًا لتعبير الرؤيا؛ فإن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله مَنْ يشاء من عباده، وإن أغلب ما تُبنى عليه المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة.
٣ - ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد ﷺ ؛ حيث قص على قومه هذه القصة الطويلة وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا دَارَس أحدًا؛
стр. 126
يراه قومه بين أظهرهم صباحًا ومساءً وهو أمي لا يخطُّ ولا يقرأ، وهي موافقة لما في الكتب السابقة وماكان لديهم؛ إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون.
٤ - ينبغي البعد عن أسباب الشر وكتمان ما تُخشى مضرته؛ لقول يعقوب ليوسف: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾.
٥ - أن نعمة الله على العبد نعمة على مَنْ يتعلق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، وأنه ربما شملتهم وحصل لهم ما حصل له بسببه، كما قال يعقوب في تفسيره لرؤيا يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾، ولما تَمَّت النعمة على يوسف حصل لآل يعقوب من العِزِّ والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف.
٦ - أن العدل مطلوب في كل الأمور؛ لا في معاملة السلطان رعيته فقط ولا فيما دونه، بل حتى في معاملة الوالد لأولاده في المحبة والإيثار وغيره، وأن في الإخلال بذلك يختل عليه الأمر وتفسد الأحوال، ولهذا لما قدَّم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته جرى منهم ما جرى على أنفسهم وعلى أبيهم وأخيهم.
٧ - الحذر من شؤم الذنوب، وأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبًا متعددة، ولا يتم لفاعله إلا بعدة جرائم؛ فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكَذَبوا عدة مرات وزَوَّروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه وفي إتيانهم عشاء يبكون.
стр. 127
٨ - أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب ﵇ جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح والسماح التام من يوسف ومن أبيهم والدعاء بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه فالله خير الراحمين، ولهذا في أصح الأقوال: أنهم كانوا أنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء؛ فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هُداة.
٩ - ما منَّ الله به على يوسف ﵊ من العلم والحلم ومكارم الأخلاق والدعوة إلى الله وإلى دينه وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوًا بادرهم به وتَمَّم ذلك بأن لا يُثرب عليهم ولا يُعيرهم به، ثم بره العظيم بأبويه وإحسانه لإخوته، بل لعموم الخلق.
١٠ - أن بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما، فإن إخوة يوسف لما اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضًا، وقال قائل منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]- كان قوله أحسن منهم وأخف، وبسببه خفَّ عن إخوته ا لإثم الكبير.
١١ - أن الشيء إذا تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال ولم يُعلم أنه
стр. 128
كان على غير وجه الشرع: أنه لا إثم على مَنْ باشره ببيع أو شراء أو خدمة أو انتفاع أو استعمال، فإن يوسف ﵇ باعه إخوتُه بيعًا حرامًا لا يجوز، ثم ذهبت به السيارة إلى مصر؛ فباعوه بها، وبقي عند سيده غلامًا رقيقًا، وسماه الله سيدًا، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم.
١٢ - الحذر من الخلوة بالنساء التي يُخشى منهن الفتنة، والحذر -أيضًا- من المحبة التي يخشى ضررها، فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحُّدها بيوسف وحبها الشديد له الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه؛ فسجن بسببها مدة طويلة.
١٣ - أن الهم الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله مما يُرَقِّيه إلى الله زلفى؛ لأن الهم داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهي طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين محبة الله وخشيته غلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى، فكان ممن ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾، ومن السبعة الذين يُظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظَلَّ إلا ظله أحدهم: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وإنما الهَمُّ الذي يلام عليه العبد: الهَمُّ الذي يساكنه ويصير عزمًا ربما اقترن به الفعل.
١٤ - أن من دخل الإيمان قلبه وكان مخلصًا لله في جميع أموره، فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه؛ لقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ
стр. 129
رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ٢٤﴾ [يوسف: ٢٤]، على قراءة مَنْ قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح فإنه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله وخَلَّصه من السوء والفحشاء.
١٥ - أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلًّا فيه فتنة وأسباب معصية أن يَفر منه ويهرب غاية ما يمكنه؛ ليتمكن من التخلص من المعصية؛ لأن يوسف ﵇ لما راودته التي هو في بيتها فَرَّ هاربًا يطلب الباب؛ ليتخلص من شرها.
١٦ - أن القرائن يُعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار، فما يصلح للرجل فإنه للرجل، وما يصلح للمرأة فهو لها، هذا إذا لم يكن بينة، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر من هذا الباب؛ فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قَدِّ القميص، واستدل بقدِّه من دُبره على صدق يوسف وكذبها، ومما يدل على هذه القاعدة أنه استدل بوجود الصُّواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة من غير بينة شهادة ولا إقرار، فعلى هذا إذا وجد المسروق في يد السارق -خصوصًا إذا كان معروفًا بالسرقة- فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر -أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيد- حاملًا، فإنه يقام بذلك الحد، ما لم يقم مانع منه، ولهذا سمى الله هذا الحكم شاهدًا؛ فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦].
стр. 130
١٧ - ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن، فإن جماله الظاهر أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لُمْنَها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ [يوسف: ٣١]، وأما جماله الباطن فهو العفة العظيمة عن المعصية مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ولهذا قالت امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقالت بعد ذلك: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ [يوسف: ٥١]، وقالت النسوة: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١].
١٨ - أن يوسف ﵇ اختار السجن على المعصية، فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتُلي بين أمرين؛ إما فعل معصية وإما عقوبة دنيوية: أن يختار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان: أن يكره العبد أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار.
١٩ - ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية ويتبرأ من حوله وقوته؛ لقول يوسف ﵇ ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣].
٢٠ - أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير وينهيانه عن الشر، وأن
стр. 131
الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس -وإن كان معصية- ضارًّا لصاحبه.
٢١ - أنه كما على العبد عبودية الله في الرخاء فعليه عبودية في الشدة؛ فيوسف ﵇ لم يزل يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمر على ذلك ودعا الفتيين إلى التوحيد ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته ﵇: أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته؛ حيث ظنَّا فيه الظن الحسن وقالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف: ٣٦]، وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما، فرآهما مُتشوقين لتعبيرها عنده- رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما؛ ليكون أنجح لمقصوده وأقرب لحصول مطلوبه، وبَيَّن لهما أولًا: أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم: إيمانه وتوحيده وتركه ملة مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاء لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبَيَّن فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقةَ التوحيد وبرهن عليه.
٢٢ - أنه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سُئل المفتي -وكان السائل حاجته من غير سؤاله أشد- أنه ينبغي أن يُعَلِّمَه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته وحسن إرشاده وتعليمه؛ فإن يوسف لما سأله الفَتَيَان عن الرؤيا قَدَّم لهما -قبل تعبيرها- دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له.
٢٣ - أن مَنْ وقع في مكروه وشدة لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه أو الإخبار بحاله، وأن هذا لا يكون شكوى للمخلوق، فإن هذا من
стр. 132
الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف للذي ظَنَّ أنه ناج من الفَتَيَيْن: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢].
٢٤ - أنه ينبغي ويتأكد على المعلم استعمال الإخلاص التام في تعليمه، وألَّا يجعل تعليمه وسيلة لمعاوضة أحد في مال أو جاه أو نفع، وألَّا يمتنع من التعليم- أو لا ينصح فيه- إذا لم يفعل السائل ما كَلَّفه به المعلم؛ فإن يوسف ﵇ قد قال ووَصَّى أحد الفَتَيَيْن أن يَذكره عند ربه فلم يذكره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى وجاءه سائلًا مستفتيًا عن تلك الرؤيا؛ فلم يُعنفه يوسف ولا وبَّخه لتركه ذكره، بل أجابه عن سؤاله جوابًا تامًّا من كل وجه.
٢٥ - أنه ينبغي للمسئول أن يدل السائل على أمر ينفعه مما يتعلق بسؤاله، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه، فإن هذا من كمال نصحه وفطنته وحسن إرشاده؛ فإن يوسف ﵇ لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دَلَّهم مع ذلك على ما يصنعون في تلك السِّنين المُخصبات من كثرة الزرع وكثرة جبايته.
٢٦ - أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن نفسه وطلب البراءة لها، بل يحمد على ذلك، كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن حتى تتبين لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهن.
٢٧ - فضيلة العلم؛ علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم
стр. 133
التدبير والتربية، وأنه أفضل من الصورة الظاهرة ولو بلغت في الحسن جمال يوسف؛ فإن يوسف بسبب جماله حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العِزُّ والرفعة والتمكين في الأرض، فإن كل خير في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته.
٢٨ - أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى؛ لقوله للفَتَيَيْن: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ [يوسف: ٤١]، وقال المَلِكُ: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾، وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ الآيات؛ فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم.
٢٩ - أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل؛ إذا كان في ذلك مصلحة ولم يَقصد به العبد الرياء وسَلِم من الكذب؛ لقول يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾، وكذلك لا تُذم الولاية؛ إذا كان المُتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها؛ إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنما الذي يُذم؛ إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودًا غيره مثله أو أعلى منه، أو لم يُرد بها إقامة أمر الله؛ فبهذه الأمور يُنهى عن طلبها والتعرض لها.
٣٠ - أن الله واسع الجود والكرم؛ يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة، وأن خير الآخرة له سببان:
стр. 134
١ - الإيمان.
٢ - التقوى، وأنه خير من ثواب الدنيا وملكها، وأن العبد ينبغي له أن يدعو نفسه ويُشَوِّقها لثواب الله، ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها وهي غير قادرة عليها، بل يسليها بثواب الله الأخروي وفضله العظيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾.
٣١ - أن جباية الأرزاق إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضرر يلحقهم لا بأس بها؛ لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المُخصبات؛ للاستعداد للسنين المجدبة، وأن هذا غير مناقض للتوكل على الله، بل يتوكل العبد على الله ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه.
٣٢ - حُسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض حتى كثرت عندهم الغلات جدًّا، وحتى صار أهل الأقطار يقصدون مصر لطلب المِيرة منها؛ لعلمهم بوفورها فيها، وحتى إنه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله.
٣٣ - مشروعية الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف؛ لقول يوسف لإخوته: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾.
٣٤ - أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم، فإن يعقوب قال لأولاده بعدما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشد المعالجة، ثم قال لهم بعد ما أتوه وزعموا أن الذئب أكله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ
стр. 135
لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، وقال لهم في الأخ الآخر: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم لما احتبسه يوسف عنده وجاء إخوته لأبيهم قال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، فهم في الأخيرة وإن لم يكونوا مفرطين فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال من غير إثم عليه ولا حرج.
٣٥ - أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره أو الرافعة لها بعد نزولها غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر؛ فإن الأسباب -أيضًا- من القضاء والقدر لأمر يعقوب؛ حيث قال لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾.
٣٦ - جواز استعمال المكايد التي يُتوصل بها إلى الحقوق، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يُحمد عليه العبد، وإنما الممنوع التحيل على إسقاط واجب أو فعل محرم.
٣٧ - أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره بأمر لا يُحِب أن يَطَّلع عليه أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف؛ حيث ألقى الصواع في رحل أخيه ثم استخرجها منه موهمًا أنه سارق، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾، ولم يقل: من سرق متاعنا، وكذلك لم يقل: إنا وجدنا متاعنا عنده، بل أتى بكلام عام يصلح له ولغيره، وليس في
стр. 136
ذلك محذور، وإنما فيه إيهام أنه سارق؛ ليحصل المقصود الحاضر وأنه يبقى عند أخيه، وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعدما تبينت الحال.
٣٨ - لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما علمه وتحَقَّقه؛ إما بمشاهدة أو خبر مَنْ يثق به وتطمئن إليه النفس؛ لقولهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾.
٣٩ - ومنها هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيَّه وصَفِيَّه يعقوب ﵇؛ حيث قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة ويحزنه ذلك أشد الحزن؛ فحصل التفريق بينه وبينه مدة طويلة لا تقصر عن ثلاثين سنة، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه المدة، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾، ثم ازداد به الأمر شدة حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، هذا وهو صابر لأمر الله محتسب الأجر من الله قد وعد من نفسه الصبر الجميل.
ولا شك أنه وَفَّى بما وعد به، ولا ينافي ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه الشكوى إلى المخلوقين.
٤٠ - أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا؛ فإنه لما طال الحزن على يعقوب واشتد به إلى أنهى ما يكون ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسهم الضر- أذن الله حينئذ بالفرج؛ فحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجةً واضطرارًا، فتم بذلك الأجر وحصل السرور، وعلم من ذلك أن الله يبتلي
стр. 137
أولياءه بالشدة والرخاء والعسر واليسر؛ ليمتحن صبرهم وشكرهم، ويزداد بذلك إيمانهم ويقينهم وعرفانهم.
٤١ - جواز إخبار الإنسان بما يجد وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما على غير وجه التسخط؛ لأن إخوة يوسف قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، ولم ينكر عليهم يوسف.
٤٢ - فضيلة التقوى والصبر وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة أهلهما أحسن العواقب؛ لقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾.
٤٣ - ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة بعد شدة وفقر وسوء حال أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكرًا حاله الأولى؛ ليُحدث لذلك شكرًا كلما ذكرها؛ لقول يوسف ﵇: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾.
٤٤ - لطف الله العظيم بيوسف؛ حيث نقله في تلك الأحوال وأوصل إليه الشدائد والمِحن؛ ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات.
٤٥ - أنه ينبغي للعبد أن يتملق إلى الله دائمًا في تثبيت إيمانه، ويعمل الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حسن الخاتمة وتمام النعمة؛ لقول يوسف ﵊: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾.
стр. 138
فهذا ما يَسَّر الله من الفوائد والعبر في هذه القصة المباركة، ولا بد أن يظهر للمتدبر المتفكر غير ذلك؛ فنسأله تعالى علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا؛ إنه جواد كريم. [٢/ ٨١٠ - ٨١٩].
• • •
стр. 139
الدرس ٦٤
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [سورة الإسراء].
قال ﵀:
وفي هذه الآيات:
١ - دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه، وأنه ينبغي له ألَّا يزال متملقًا لربه أن يثبته على الإيمان ساعيًا في كل سبب مُوَصِّل إلى ذلك؛ لأن النبي ﷺ وهو أكمل الخلق- قال الله له: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئا قَلِيلًا (٧٤)﴾ فكيف بغيره؟!
٢ - وفيها تذكير الله لرسوله ﷺ مِنَّته عليه وعصمته من الشر؛ فدل ذلك على أن الله يحب من عباده أن يتفطنوا لإنعامه عليهم -عند وجود أسباب الشر- بالعصمة منه والثبات على الإيمان.
٣ - أنه بحسب علو مرتبة العبد وتواتر النعم عليه من الله يَعظم إثمه ويتضاعف جرمه إذا فعل ما يُلام عليه؛ لأن الله ذَكَّر رسوله ﷺ لو فعل- وحاشاه من ذلك- بقوله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾.
стр. 140
٤ - أن الله إذا أراد إهلاك أمة تضاعف جُرمها وعظم وكبر، فيحق عليها القول من الله فيوقع بها العقاب، كما هي سنته في الأمم إذا أخرجوا رسولهم. [٢/ ٩٣٣].
• • •
стр. 141
الدرس ٦٥
قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [سورة الإسراء].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يأمر تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ بإقامة الصلاة تامَّة -ظاهرًا وباطنًا- في أوقاتها ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، أي: ميلانها إلى الأفق الغربي بعد الزوال، فيدخل في ذلك صلاة الظهر وصلاة العصر، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، أي: ظلمته، فدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، أي: صلاة الفجر، وسميت قرآنًا؛ لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث يشهدها الله وملائكة الليل وملائكة النهار؛ ففي هذه الآية:
١ - ذكر الأوقات الخمسة للصلوات المكتوبات، وأن الصلوات المُوقعة فيه فرائض؛ لتخصيصها بالأمر.
٢ - أن الوقت شرط لصحة الصلاة، وأنه سبب لوجوبها؛ لأن الله أمر بإقامتها لهذه الأوقات.
٣ - أن الظهر والعصر يُجمعان، والمغرب والعشاء كذلك للعذر؛ لأن الله جمع وقتهما جميعًا.
٤ - فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة إطالة القراءة فيها، وأن القراءة فيها ركن؛ لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها دل على فرضية ذلك. [٢/ ٩٣٤].
• • •
стр. 142
الدرس ٦٦
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وقد دَلَّت هاتان الآيتان على عدة فوائد:
١ - الحث على العلم وعلى المباحثة فيه؛ لكون الله بعثهم لأجل ذلك.
٢ - الأدب فيمن اشتبه عليه العلم: أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده.
٣ - صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك.
٤ - جواز أكل الطيبات والمطاعم اللذيذة إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾، وخصوصًا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك، ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك؛ لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها.
٥ - الحث على التحرز والاستخفاء والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين.
стр. 143
٦ - شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتركهم أوطانهم في الله.
٧ - ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة هي طريقة المؤمنين المتقدمين والمتأخرين؛ لقولهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾. [٣/ ٩٥٣].
• • •
стр. 144
الدرس ٦٧
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى -بعد تفسير الآية ٢١ من سورة الكهف وما قبلها- وفي هذه القصة- أي: قصة أصحاب الكهف:
١ - دليل على أن مَنْ فَرَّ بدينه من الفتن سَلَّمه الله منها.
٢ - أن من حرص على العافية عافاه الله.
٣ - ومَن أوى إلى الله آواه الله وجعله هدايةً لغيره.
٤ - ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته كان آخر أمره وعاقبته العِز العظيم من حيث لا يحتسب، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾. [٣/ ٩٥٤].
• • •
стр. 145
الدرس ٦٨
قال تعالى: ﴿ … وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
١ - ففيها دليل على المنع من استفتاء مَنْ لا يصلح للفتوى؛ إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به، وليس عنده ورع يَحجزه، وإذا نُهي عن استفتاء هذا الجنس فنهيه هو عن الفتوى من باب أولى وأحرى.
٢ - وفي الآية -أيضًا- دليل على أن الشخص قد يكون منهيًّا عن استفتائه في شيء دون آخر؛ فيُستفتى فيما هو أهل له بخلاف غيره؛ لأن الله لم يَنْهَ عن استفتائهم مطلقًا، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف وما أشبهها. [٣/ ٩٥٥].
• • •
следующие страницы →