← Тафсир

Тафсир · id 1143

الاستنباطات والفوائد السعدية من السور والآيات القرآنية

أحمد مرشد

Полный текст (215 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

العمل الذي هو الترك، فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم أو وقع في زمانهم أنه مما نسوه. ٥ - الخيانة المستمرة التي ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، أي: خيانة لله ولعباده المؤمنين، ومن أعظم الخيانة منهم: كتمهم الحق عمَّن يعظهم ويُحسن فيهم الظن الحق وإبقاؤهم على كفرهم؛ فهذه خيانة عظيمة. وهذه الخصال الذميمة حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم؛ فكل من لم يقم بما أمر الله به وأُخذ به عليه الالتزام- كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا يوفق للصواب ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة؛ نسأل الله العافية. وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظًّا؛ لأنه هو أعظم الحظوظ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية؛ كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾ [القصص: ٧٩]، وقال في الحظ النافع: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥]. [١/ ٤٠٦ - ٤٠٧]. • • •

стр. 72

الدرس ٣٣ قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ [سورة المائدة]. قال ﵀: قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، أي: بشهادتهما وإقرارهما بأن الحجة قد قامت عليهم وعاندوها، ﴿ذَلِكَ﴾ الكفر واللعن ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾، أي: بعصيانهم لله وظلمهم لعباد الله صار سببًا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات، ومن معاصيهم التي أَحَلَّت بهم المَثُلات وأوقعت بهم العقوبات: أنهم ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، أي: كانوا يفعلون المنكر ولا ينهى بعضهم بعضًا؛ فيشترك بذلك المباشر وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم؛ فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجبًا للعقوبة؛ لما فيه من المفاسد العظيمة؛ منها: ١ - أن مجرد السكوت فعل معصية وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية فإنه يجب الإنكار على مَنْ فعل المعصية. ٢ - أنه يدل على التهاون بالمعاصي وقلة الاكتراث بها.

стр. 73

٣ - أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يُردعوا عنها؛ فيزداد الشر وتعظم المصيبة الدينية والدنيويه، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر؛ حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولًا. ٤ - أن في ترك الإنكار للمنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية مع تكرارها وصدورها من كثير من الأشخاص وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها يُظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا، وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقًّا؟! ٥ - أن بالسكوت على معصية العاصين ربما تزينت المعصية في صدور الناس واقتدى بعضهم ببعض؛ فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه. فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة نَصَّ الله تعالى أن بني إسرائيل -الكفار منهم- لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾. [١/ ٤٣٩ - ٤٤٠]. • • •

стр. 74

الدرس ٣٤ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [سورة المائدة]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة، ويخبر أنها من عمل الشيطان، وأنها رجس ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، أي: اتركوه؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾، فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله خصوصًا هذه الفواحش المذكورة، وهي: الخمر: وهو كل ما خامر العقل؛ أي: غطاه بسكره. والميسر: وهو جميع المغالبات التي فيها عِوَض من الجانبين؛ كالمراهنة ونحوها. والأنصاب: وهي الأصنام والأنداد ونحوها مما يُنصب ويعُبد من دون الله، والأزلام التي يستقسمون بها. فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها؛ فمنها: ١ - أنها رجس، أي: نجس خبث معنى، وإن لم تكن نجسة حسًّا، والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها.

стр. 75

٢ - أنها من عمل الشيطان الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، ومن المعلوم أن العدو يُحذر منه وتحذر مصايده وأعماله؛ خصوصًا الأعمال التي يعملها ليوقع فيها عدوه، فإنها فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين والحذر منها والخوف من الوقوع فيها. ٣ - أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو الفوز بالمطلوب المحبوب والنجاة من المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومُعوقة له. ٤ - أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بَثِّها خصوصًا الخمر والميسر؛ ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء؛ فإن في الخمر من انقلاب العقل وذهاب حجاه ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين خصوصًا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل، وما في الميسر -من غلبة أحدهما للآخر وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة- ما هو أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء. ٥ - أن هذه الأشياء تصد القلب -ويتبعه البدن- عن ذكر الله وعن الصلاة اللَّذَيْن خُلِق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر يصدان عن ذلك أعظم صد ويشتغل قلبه ويذهل لُبُّه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة ولا يدري أين هو؟! [١/ ٤٤٣ - ٤٤٤]. • • •

стр. 76

الدرس ٣٥ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [سورة المائدة]. قال ﵀: وحاصل هذا: أن الميت إذا حضره الموت في سفر ونحوه مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين، فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة أنهما ما خانا ولا كذبا ولا غَيَّرا ولا بدَّلَا فيبرآن بذلك مِنْ حق يتوجه إليهما، فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين؛ فإن شاء أولياء الميت فليقم منهم اثنان فيقسمان بالله لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين وأنهما خانا وكذبا فيَستحقون منهما ما يدَّعون، وهذه الآيات الكريمة نزلت في قصة تميم الداري وعدي بن بداء المشهورة حين أوصى لهما العدويُّ، والله أعلم.

стр. 77

ويستدل بالآيات الكريمات على عدة أحكام منها: ١ - أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي. ٢ - أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلامته ما دام عقله ثابتًا. ٣ - أن شهادة الوصية لا بد فيها من اثنين عدلين. ٤ - أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة، وهذا مذهب الإمام أحمد، وزعم كثير من أهل العلم أن هذا الحكم منسوخ، وهذه دعوى لا دليل عليها. ٥ - أنه ربما استُفيد من تلميح الحكم، ومعناه: أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم- حتى في غير هذه المسألة مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. ٦ - جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذورٌ. ٧ - جواز السفر للتجارة. ٨ - أن الشاهدين إذا ارتيب منهما ولم تَبد قرينة تدل على خيانتهما وأراد الأولياء أن يؤكدوا عليهم اليمين يَحبسوهما من بعد الصلاة؛ فيقسمان بصفةِ ما ذكر الله تعالى. ٩ - أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما وتأكيد اليمين عليهما.

стр. 78

١٠ - تعظيم أمر الشهادة؛ حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط. ١١ - أنه يجوز امتحان الشاهدين عند الريبة منهما وتفريقهما؛ لينظر عن شهادتهما. ١٢ - أنه إذا وجدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة- قام اثنان من أولياء الميت فأقسما بالله أن أيماننا أصدق من أيمانهما ولقد خانا وكذبا، ثم يدفع إليهما ما ادَّعَياه، وتكون القرينة مع أيمانهما قائمة مقام البينة. [١/ ٤٥٣ - ٤٥٤]. • • •

стр. 79

الدرس ٣٦ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ [سورة الأنعام]. قال ﵀: أي: ولكن ليذكرهم ويعظهم؛ لعلهم يتقون الله تعالى، وفي هذا دليل على: ١ - أنه ينبغي أن يستعمل المُذَكِّر من الكلام ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى. ٢ - وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ مما يزيد الموعوظ شرًّا إلى شره كان تركه هو الواجب؛ لأنه إذا ناقض المقصود كان تركه مقصودًا. [١/ ٤٨٢ - ٤٨٣]. • • •

стр. 80

الدرس ٣٧ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [سورة الأنعام]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلمًا ولا أكبر جرمًا ممن كذب على الله بأن نسب إلى الله قولًا أو حكمًا وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق؛ لأن فيه من الكذب وتغيير الأديان أصولها وفروعها ونسبة ذلك إلى الله ما هو من أكبر المفاسد، ويدخل في ذلك: ١ - ادِّعاء النبوة، وأن الله يوحي إليه وهو كاذب في ذلك، فإنه مع كذبه على الله وجرأته على عظمته وسلطانه يوجب على الخلق أن يَتَّبعوه، ويجاهدهم على ذلك، ويستحل دماء مَنْ خالفه وأموالهم. ٢ - ويدخل في هذه الآية كل مَنْ ادعى النبوة؛ كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمختار وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أي: ومن أظلم ممن زعم أنه يقدر على ما يقدر الله عليه ويجاري الله في أحكامه ويشرع من الشرائع كما يشرعه الله. ٣ - ويدخل في هذا كل مَنْ يزعم أنه يقدر على معارضة القرآن، وأنه

стр. 81

في إمكانه أن يأتي بمثله، وأيُّ ظلم أعظم من دعوى الفقير -العاجز بالذات الناقص من كل وجه- مشاركة القوي الغنى الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه في ذاته وأسمائه وصفاته؟! [١/ ٤٩١]. • • •

стр. 82

الدرس ٣٨ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [سورة الأنعام]. قال ﵀: ويدخل تحت هذا المنهي عنه: ١ - ما ذُكِر عليه اسم غير الله؛ كالذي يذبح للأصنام وآلهة المشركين، فإن هذا مما أُهِلَّ لغير الله به المُحَرَّم بالنص عليه خصوصًا. ٢ - ويدخل في ذلك متروك التسمية مما ذُبِح لله؛ كالضحايا والهدايا أو للحم والأكل إذا كان الذابح متعمدًا ترك التسمية عند كثير من العلماء. ويخرج من هذا العموم: الناسي بالنصوص الأُخر الدالة على رفع الحرج عنه. ٣ - ويدخل في هذه الآية: ما مات بغير ذكاة من الميتات، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه … ٤ - ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف التي يَكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم لا تدل بمجردها على أنها حق ولا تُصدق حتى تُعرض على كتاب الله وسنة رسوله؛ ﷺ فإن شَهِدَا لها بالقبول قُبلت، وإن ناقضتهما رُدَّت، وإن لم يُعلم شيء من

стр. 83

ذلك تُوقف فيها ولم تُصدق ولم تُكذب؛ لأن الوحي والإلهام يكون من الرحمن ويكون من الشيطان، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان، وبعدم التفريق بين الأمرين حصل من الغلط والضلال ما لا يُحصيه إلا الله. [١/ ٥٠٥ - ٥٠٦]. • • •

стр. 84

الدرس ٣٩ قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [سورة الأنعام]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: ١ - وفي هذه الآية دليلٌ على وجوب الزكاة في الثمار، وأنه لا حَوْلَ لها، بل حَوْلُها: حصادها في الزروع وجذاذ النخيل. ٢ - وأنه لا تتكرر فيها الزكاة لو مكثت عند العبد أحوالًا كثيرة إذا كانت لغير التجارة؛ لأن الله لم يأمر بالإخراج منه إلا وقت حصاده. ٣ - وأنه لو أصابها آفة قبل ذلك بغير تفريط من صاحب الزرع والثمر أنه لا يضمنها. ٤ - وأنه يجوز الأكل من النخل والزرع قبل إخراج الزكاة منه، وأنه لا يحسب ذلك من الزكاة، بل يزكي المال الذي يبقى بعده. وقد كان النبي ﷺ يبعث خارصًا يخرص للناس ثمارهم، ويأمره أن يدع لأهلها الثُّلُث أو الرُّبُع بحسب ما يعتريها من الأكل وغيره من أهلها وغيرهم. [١/ ٥١٦]. • • •

стр. 85

الدرس ٤٠ قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [سورة الأنعام]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: هذا إخبار من الله أن المشركين سيحتجون على شركهم -وتحريمهم ما أَحَلَّ اللهُ- بالقضاء والقدر، ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر حجة لهم في دفع اللوم عنهم، وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولونه كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]. فأخبر تعالى أن هذه الحجة لم تَزل الأمم المكذبة تدفع بها عنهم دعوة الرسل، ويحتجون بها فلم تُجْدِ فيهم شيئًا ولم تنفعهم، فلم يزل هذا دأبهم حتى أهلكهم الله وأذاقهم بأسه، فلو كانت حجة صحيحة لدفعت عنهم العقاب، ولما أحل الله بهم العذاب؛ لأنه لا يحل بأسه إلا بمن استحقه، فعلم أنها حجة فاسدة وشبهه كاسدة من عدة أوجه: ١ - ما ذكر الله من أنها لو كانت صحيحة لم تحل بهم العقوبة. ٢ - أن الحجة لا بد أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان، فأما إذا

стр. 86

كانت مستندة إلى مجرد الظن والخرص الذي لا يغني من الحق شيئًا فإنها باطلة، ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾. فلو كان لهم علم وهم خصوم ألداء لأخرجوه، فلما لم يخرجوه عُلم أنه لا علم عندهم؛ ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾، ومن بنى حججه على الخرص والظن فهو مبطل خاسر؛ فكيف إذا بناها على البغي والعناد والشر والفساد؟! ٣ - أن الحجة لله البالغة -التي لم تُبق لأحد عذرًا- التي اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون والكتب الإلهية والآثار النبوية والعقول الصحيحة والفِطَر المستقيمة والأخلاق القويمة، فعلم بذلك أن كل ما خالف هذه الآية القاطعة باطل؛ لأن نقيض الحق لا يكون إلا باطلًا. ٤ - أن الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة وإرادة يتمكن بها من فعل ما كُلِّف به، فلا أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حَرَّم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر ظلم محض وعناد صِرف. ٥ - أن الله تعالى لم يُجبر العباد على أفعالهم، بل جعل أفعالهم تبعًا لاختيارهم، فإن شاءوا فعلوا وإن شاءوا كفوا، وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر وأنكر المحسوسات، فإن كل أحد يفرق بين الحركة الاختيارية والحركة القسرية وإن كان الجميع داخلًا في مشيئة الله ومندرجًا تحت إرادته.

стр. 87

٦ - أن المحتجين على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك، فإنهم لا يمكنهم أن يَطَّرِدُوا ذلك، بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك واحتج بالقضاء والقدر لما قَبِلوا منه هذا الاحتجاج ولغضبوا من ذلك أشد الغضب؛ فيا عجبًا كيف يحتجون به على معاصي الله ومساخطه، ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة مساخطهم؟! ٧ - أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودًا ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق ويرون أنه الحق بمنزلة الصائل؛ فهم يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام ولو كانوا يعتقدونه خطأ. [١/ ٥٢٠ - ٥٢١]. • • •

стр. 88

الدرس ٤١ قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ [سورة الأنعام]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: وفي هذه الآيات: ١ - دليل على أن علم القرآن أَجَلُّ العلوم وأبركها وأوسعها، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم هداية تامة لا يحتاج معها إلى تخرُّص المتكلفين ولا إلى أفكار المتفلسفين، ولا لغير ذلك من علوم الأولين والآخرين. ٢ - أن المعروف أنه لم ينزل جنس الكتاب إلا على الطائفتين من اليهود والنصارى؛ فهم أهل الكتاب عند الإطلاق، لا يدخل فيهم سائر الطوائف لا المجوس ولا غيرهم. ٣ - فيه ما كان عليه الجاهلية قبل نزول القرآن من الجهل العظيم وعدم العلم بما عند أهل الكتاب الذين عندهم مادة العلم، وغفلتهم عن دراسة كتبهم. [١/ ٥٢٦]. • • •

стр. 89

الدرس ٤٢ قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ [سورة الأنعام]. قال ﵀: وفي هذه الآية: ١ - دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختياريه لله تعالى؛ كالاستواء والنزول والإتيان لله ﵎ من غير تشبيه له بصفات المخلوقين، وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير. ٢ - أن من جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها. ٣ - أن الله تعالى حكيم قد جَرَت عادته وسُنَّته: أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريًّا لا اضطراريًّا، كما تقدم. ٤ - أن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه؛ فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع وتنمو إذا كان مع العبد إيمان، فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء من ذلك. [١/ ٥٢٧]. • • •

стр. 90

الدرس ٤٣ قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [سورة الأعراف]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: قال إبليس معارضًا لربه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾، وموجب هذا: أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين لعلو النار على الطين وصعودها، وهذا القياس من أفسد الأقيسة؛ فإنه باطل من عدة أوجه: ١ - أنه في مقابلة أمر الله له بالسجود والقياس إذا عارض النص فإنه قياس باطل؛ لأن المقصود بالقياس أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص يقارب الأمور المنصوص عليها ويكون تابعًا لها، فأما قياس يعارضها ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص فهذا القياس من أشنع الأقيسة. ٢ - أن قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ بمجردها كافية لنقص إبليس الخبيث، فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبره والقول على الله بلا علم؛ وأيُّ نقص أعظم من هذا؟! ٣ - أنه كَذَب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب؛ فإن مادة الطين فيها من الخشوع والسكون والرزانة، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخفة

стр. 91

والطيش والإحراق، ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى انحط من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين. [٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦]. • • •

стр. 92

الدرس ٤٤ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [سورة الأعراف]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: وفي هذه الآيات: ١ - دليل على أن الأوامر والنواهي تابعة للحكمة والمصلحة؛ حيث ذكر تعالى أنه لا يُتَصَوَّر أن يأمر بما تَستفحشه وتنكره العقول. ٢ - أنه لايأمر إلا بالعدل والإخلاص. ٣ - أن الهدايه بفضل الله ومَنِّه. ٤ - أن الضلالة بخذلانه للعبد إذا تَوَلَّى -بجهله وظُلمه- الشيطانَ، وتسبب لنفسه بالضلال. ٥ - أن مَنْ حسب أنه مهتد وهو ضال، فإنه لا عذر له؛ لأنه متمكن من الهدى، وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى. [٢/ ٥٤١]. • • •

стр. 93

الدرس ٤٥ قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [سورة الأعراف]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾، أي: يمتنع على مثلنا أن نعود فيها، فإن هذا من المحال؛ فآيسهم ﵊ من كونه يوافقهم من وجوه متعددة: ١ - من جهة أنهم كارهون لها مبغضون لما هم عليه من الشرك. ٢ - من جهة أنه جعل ما هم عليه كذبًا، وأشهدهم أنه إن اتبعهم ومن معه فإنهم كاذبون. ٣ - اعترافهم بمنة الله عليهم؛ إذ أنقذهم الله منها. ٤ - أن عودهم فيها بعد ما هداهم الله من المحالات بالنظر إلى حالتهم الراهنة وما في قلوبهم من تعظيم الله تعالى والاعتراف له بالعبودية، وأنه الإله وحده الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، وأن آلهة المشركين أبطل الباطل وأمحل المحال. وحيث إن الله مَنَّ عليهم بعقول يعرفون بها الحق والباطل والهدى

стр. 94

والضلال، وأما من حيث النظر إلى مشيئة الله وإرادته النافذة في خلقه التي لا خروج لأحد عنها ولو تواترت الأسباب وتوافقت القوى، فإنهم لا يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئًا أو يتركونه، ولهذا استثنى ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، أي: فلا يمكننا ولا غيرنا الخروج عن مشيئته التابعة لعلمه وحكمته، وقد ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾؛ فيعلم ما يصلح للعباد وما يُدبرهم عليه، ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾، أي: اعتمدنا أنه سيثبتنا على الصراط المستقيم، وأن يعصمنا من جميع طرق الجحيم؛ فإن من توكل على الله كفاه ويَسَّر له أمر دينه ودنياه. [٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥]. • • •

стр. 95

الدرس ٤٦ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَالَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ [سورة الأعراف]. قال ﵀: وهذا الذي آتاه الله آياته يحتمل أن المراد به شخص معين قد كان منه ما ذكره الله؛ فقص الله قصته تنبيهًا للعباد، ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس وأنه شامل لكل من آتاه الله آياته فانسلخ منها. وفي هذه الآيات: ١ - الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه وعصمة من الشيطان. ٢ - الترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين وتسليط للشيطان عليه. ٣ - اتباع الهوى وإخلاد العبد إلى الشهوات يكون سببًا للخذلان. [٢/ ٥٩٣]. • • •

стр. 96

الدرس ٤٧ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [سورة الأنفال]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين اتصفوا بتلك الصفات ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾؛ لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق الله وحقوق عباده، وقدَّم تعالى أعمال القلوب؛ لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها. ١ - فيها دليل على أن الإيمان يزيد وينقص؛ فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها. ٢ - ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه ويُنميه. ٣ - أَنَّ أَولى ما يحصُلُ به ذلك تدبر كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه. [٢/ ٦٠٦]. • • •

стр. 97

الدرس ٤٨ قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [سورة الأنفال]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: أي: اذكروا نعمة الله عليكم لما قارب التقاؤكم بعدوكم استغثتم بربكم وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم؛ ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ وأغاثكم بعدة أمور؛ منها: ١ - أن الله أمدكم ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾، أي: يردف بعضهم بعضًا. ٢ - ومِن نصره واستجابته لدعائكم: أن أنزل عليكم نعاسًا ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾، أي: فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون ﴿أَمَنَةً﴾ لكم وعلامة على النصر والطمأنينة. ٣ - ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرًا؛ ليُطهركم به من الحدث والخَبَث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه. ٤ - ومن ذلك: أن الله أوحى إلى الملائكة: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصر والتأييد. [٢/ ٦٠٨]. • • •

стр. 98

الدرس ٤٩ قصة غزوة بدر في سورة الأنفال من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ [سورة الأنفال]. قال ﵀: وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدل على أن ما جاء به محمد ﷺ رسول الله حقًّا: ١ - منها أن الله وعدهم وعدًا فأنجزهموه. ٢ - ومنها ما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ … ﴾ الآية [آل عمران: ١٣]. ٣ - ومنها إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذكره من الأسباب. ٤ - الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض الأسباب التي بها ثبت إيمانهم وثبتت أقدامهم وزال عنهم المكروه الوساوس الشيطانية. ٥ - أن من لطف الله بعبده أن يُسهل عليه طاعته وييسرها بأسباب داخلية وخارجية. [٢/ ٦٠٩]. • • •

стр. 99

الدرس ٥٠ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [سورة الأنفال]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: فذكر هنا أن مَنْ اتَّقى الله حصل له أربعة أشياء؛ كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها: ١ - الفرقان، وهو العلم والهدى الذي يُفَرِّق به صاحبه بين الهدى والضلال والحق والباطل والحلال والحرام وأهل السعادة من أهل الشقاوة. ٢، ٣ - تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق، وعند الاجتماع يُفَسَّر تكفير السيئات بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر. ٤ - الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه. [٢/ ٦١٥]. • • •

стр. 100

الدرس ٥١ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [سورة الأنفال]. قال ﵀: يقول تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾، أي: الكفار المحاربون، أي: مالوا إلى السَّلْم، أي: الصلح وترك القتال ﴿فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلًا على ربك؛ فإن في ذلك فوائد كثيرة منها: ١ - أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك كان أولى لإجابتهم. ٢ - أن في ذلك إجمامًا لِقُواكم واستعدادًا منكم لقتالهم في وقت آخر إن احتيج إلى ذلك. ٣ - أنكم إذا أصلحتُم وأمن بعضكم بعضًا وتمكن كلٌّ من معرفة ما عليه الآخر؛ فإن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. فكل مَنْ له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان؛ لحُسنه في أوامره ونواهيه، وحُسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجهٍ؛ فحينئذ يَكثر الراغبون فيه والمُتَّبعون له، فصار هذا السَّلْم عونًا للمسلمين على الكافرين. ولا يُخاف من السَّلْم إلا خَصْلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم

стр. 101

بذلك خَدْع المسلمين وانتهاز الفرصة فيهم؛ فأخبرهم الله أنه حسبهم وكافيهم خداعهم، وأن ذلك يعود عليهم ضرره؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهماتك؛ فقد سبق لك من كفايته لك ونصره ما يطمئن به قلبك. [٢/ ٦٢٧ - ٦٢٨]. • • •

стр. 102

الدرس ٥٢ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ [سورة التوبة]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: النسيء: هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة: أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال في بعض أوقات الأشهر الحرم رأوا بآرائهم الفاسدة أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم أو يقدموه ويجعلوا مكانه من أشهر الحِل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حرامًا؛ فهذا -كما أخبر الله عنهم- أنه زيادة في كفرهم وضلالهم لما فيه من المحاذير؛ منها: ١ - أنهم ابتدعوه مِنْ تلقاء أنفسهم وجعلوه بمنزلة شرع الله ودينه، والله ورسوله ﷺ بريئان منه. ٢ - أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حرامًا والحرام حلالًا. ٣ - أنهم مَوَّهوا على الله بزعمهم وعلى عباده ولَبَّسوا عليهم دينهم، واستعملوا الخداع والحيلة في دين الله. ٤ - أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها يزول قُبحها عن

стр. 103

النفوس، وربما ظُنَّ أنها عوائد حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل. ولهذا قال: ﴿ … يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، أي: ليوافقوها في العدد؛ ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾. أي: زَيَّنت لهم الشياطين الأعمال السيئة؛ فرأوها حسنة بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾، أي: الذي انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، فلو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا. [٢/ ٦٥١ - ٦٥٢]. • • •

стр. 104

الدرس ٥٣ قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [سورة التوبة]. قال ﵀: وفي هذه الآية الكريمة: ١ - فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدوا مَنْ أنكر صحبة أبي بكر ﵁ للنبي ﷺ كافرًا؛ لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها. ٢ - فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش لها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته. ٣ - أن الحزن قد يَعرض لخواص عباده الصِّدِّيقين، مع أن الأولى إذا نزل بالعبد أن يسعى في ذهابه عنه؛ فإنه مضعف للقلب موهن للعزيمة. [٢/ ٦٥٥]. • • •

стр. 105

الدرس ٥٤ قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ [سورة التوبة]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: أي: ومِن هؤلاء المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ بالأقوال الرديَّة والعيب له ولدينه. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: لا يُبالون بما يقولون من الأذية للنبي ﷺ ، ويقولون: إذا بلغه عنَّا بعض ذلك جئنا نعتذر إليه فيقبل منا؛ لأنه أُذُنٌ، أي: يقبل كل ما يقال له لا يميز بين صادق وكاذب. وقصدهم -قَبَّحهم الله- فيما بينهم: أنهم غير مكترثين بذلك ولا مهتمين به؛ لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل؛ فأساءوا كل الإساءة من أوجه كثيرة: ١ - أعظمها أذية نبيهم ﷺ الذي جاء لهدايتهم وإخراجهم من الشَّقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة. ٢ - عدم اهتمامهم -أيضًا- بذلك، وهو قَدْرٌ زائد على مجرد الأذية. ٣ - قدحهم في عقل النبي ﷺ وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلًا وأتمهم إدراكًا وأثقبهم رأيًا وبصيرة، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، أي: يقبل من قال له خيرًا وصدقًا. [٢/ ٦٦٣]. • • •

стр. 106

الدرس ٥٥ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [سورة التوبة]. قال ﵀: وهذا -أيضًا- من مخازي المنافقين، فكانوا -قَبَّحهم الله- لا يَدَعون شيئًا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالًا إلا قالوا وطعنوا بغيًا وعدوانًا، فلما حث الله ورسوله ﷺ على الصدقة بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم؛ كلٌّ على حسب حاله، منهم المكثر ومنهم المقل؛ فيَلمزون المكثر منهم بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة، وقالوا للمقل الفقير: إن الله غني عن صدقة هذا! فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾، أي: يعيبون ويطعنون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ فيقولون: مُراءون قصدهم الفخر والرياء، ويلمزون الَّذين لا يَجِدون إلا جُهْدَهم فيخرجون ما استطاعوا، ويقولون: الله غني عن صدقاتهم؛ ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾. فقابلهم الله على صنيعهم بأن سخر منهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾؛ فإنهم جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذيرمنها: ١ - تتبعهم لأحوال المؤمنين وحرصهم على أن يجدوا مقالًا يقولونه فيهم، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

стр. 107

٢ - طعنهم بالمؤمنين؛ لأجل إيمانهم كفرًا بالله تعالى وبُغضًا للدِّين. ٣ - أن اللَّمْزَ مُحرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة فأقبح وأقبح. ٤ - أن من أطاع الله وتطوع بخصلة من خصال الخير، فإن الذي ينبغي هو إعانته وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم وعابوهم عليه. ٥ - أن حكمهم على من أنفق مالًا كثيرًا بأنه مراء- غلطٌ فاحش وحكم على الغيب ورَجْمٌ بالظن، وأيُّ شر أكبر من هذا؟! ٦ - أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: «الله غني عن صدقة هذا» كلام مقصوده باطل؛ فإن الله غني عن صدقة المتصدقين بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله -وإن كان غنيًا- فهم فقراء إليه؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بَيِّن، ولهذا كان جزاؤهم أن يَسخر الله منهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾. [٢/ ٦٧١ - ٦٧٢]. • • •

стр. 108

الدرس ٥٦ قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ [سورة التوبة]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى: يقول تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ﴾ وهم سكان البادية والبراري ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة منها: أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي بخلاف الحاضرة؛ فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ؛ فيحدث لهم بسبب هذا العلم تصورات حسنة وإرادات للخير الذي يعلمون ما لا يكون في البادية، وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية … وفي هذه الآية دليل على: ١ - أن الأعراب أحرص على الأموال وأشحُّ فيها. ٢ - الأعراب كأهل الحاضرة؛ منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم الله على مجرد تَعَرُّبِهم وباديتهم، إنما ذَمَّهم على ترك أوامر الله وأنهم في مظنة ذلك.

стр. 109

٣ - أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ويَغلظ ويَخف بحسب الأحوال. ٤ - فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الشرِّ ممن يعرفه؛ لأن الله ذم الأعراب وأخبر أنهم أشد كفرًا ونفاقًا وذكر السبب الموجب لذلك، وأنهم أجدر ألَّا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ . ٥ - أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ من أصول الدين وفروعه؛ كمعرفة حدود الإيمان والإسلام والإحسان والتقوى والفلاح والطاعة والبر والصلة والإحسان والكفر والنفاق والفسوق والعصيان والزنا والخمر والربا ونحو ذلك، فإن في معرفتها يُتمكن من فعلها إن كانت مأمورًا بها، أو تركها إن كانت محظورة، ومن الأمر بها أو النهي عنها. ٦ - أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه من الحقوق مُنشرح الصدر مطمئن النفس، ويحرص أن تكون مغنمًا ولا تكون مغرمًا. [٢/ ٦٧٨ - ٦٨٠]. • • •

стр. 110

الدرس ٥٧ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [سورة التوبة]. قال رَحِمَه اللهُ تَعالى في هذه الآية: ١ - دلالة على وجوب الزكاة في جميع الأموال، وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة؛ فإنها أموال تُنَمَّى ويكتسب بها، فمن العدل أن يُواسى منها الفقراء؛ بأداء ما أوجب الله فيها من الزكاة، وما عدا أموال التجارة؛ فإن كان المال يُنَمَّى كالحبوب والثمار والماشية المتخذة للنماء والدَّر والنسل فإنها تجب فيها الزكاة، وإلا لم تجب فيها؛ لأنها إذا كانت للقُنْيّة لم تكن بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة مالًا يتمول ويَطلب منه المقاصد المالية، وإنما صُرِف عن المالية بالقنية ونحوها. ٢ - أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها. ٣ - استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي أن يكون جهرًا؛ بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه، ويؤخذ من المعنى: أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللَّيِّن والدعاء له ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة وسكون لقلبه، وأنه ينبغي تنشيط مَنْ أنفق نفقة وعمل عملًا صالحًا بالدعاء له والثناء ونحو ذلك. [٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣]. • • •
следующие страницы →