Полный текст (874 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الْمُشْتَرِي، كَذَا فِي النِّهَايَةِ (كَذَا الْأَمَةُ) إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا إذْنِ مَوْلَاهَا، ثُمَّ عَتَقَتْ نَفَذَ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ وَامْتِنَاعُ نُفُوذِهِ لِحَقِّ الْمَوْلَى، وَقَدْ زَالَ (بِلَا خِيَارٍ لَهَا) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ نَفَذَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَبَعْدَ النَّفَاذِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا مِلْكٌ فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْخِيَارِ فَلَا يَثْبُتُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ (فَلَوْ وَطِئَ) أَيْ الزَّوْجُ الْأَمَةَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْعِتْقِ (فَالْمُسَمَّى) مِنْ الْمَهْرِ، وَإِنْ كَانَ أَزْيَدَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا (لَهُ) أَيْ لِلْمَوْلَى (أَوْ) وَطِئَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْعِتْقِ (فَلَهَا) أَيْ الْمُسَمَّى لِلْأَمَةِ يَعْنِي إنْ تَزَوَّجَتْ بِلَا إذْنِهِ عَلَى أَلْفٍ، وَمَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةٌ مَثَلًا فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا فَالْأَلْفُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً مَمْلُوكَةً لَهُ فَوَجَبَ الْبَدَلُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى أَعْتَقَهَا فَالْمَهْرُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً مَمْلُوكَةً لَهَا فَوَجَبَ الْبَدَلُ لَهَا اعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ إعْتَاقَ الْعَبْدِ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُ بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَالْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَلِيُّ وَالْقَاضِي وَالْوَصِيُّ وَالْمُكَاتَبُ وَالشَّرِيكُ الْمُفَاوِضُ يَمْلِكُونَ تَزْوِيجَ الْأَمَةِ لَا الْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ وَالشَّرِيكُ شَرِكَةَ عِنَانً لَا يَمْلِكُونَ تَزْوِيجَهَا أَيْضًا
(مَنْ وَطِئَ أَمَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ مِنْهُ فَأَعَادَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لَا مَهْرُهَا) أَيْ عُقْرُهَا (وَ) لَا (قِيمَةُ الْوَلَدِ) سَوَاءٌ ادَّعَى الْأَبُ شُبْهَةً أَوْ لَا صَدَّقَهُ الِابْنُ فِيهِ أَوْ لَا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الِابْنِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إلَى وَقْتِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَيَسْتَدْعِي قِيَامَ وِلَايَةِ التَّمَلُّكِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إلَى وَقْتِ الدَّعْوَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ تَمَلُّكِ مَالِ الِابْنِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى صِيَانَةِ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَمَاؤُهُ جُزْؤُهُ فَوَجَبَ صَوْنُهُ عَنْ الضَّيَاعِ بِمَالِ الِابْنِ وَذَا بِتَمَلُّكِ جَارِيَتِهِ لِتَصْحِيحِ فِعْلِ الِاسْتِيلَادِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا خَلَا عَنْ الْمِلْكِ لَغَا، وَإِذَا تَمَلَّكَهَا غَرِمَ قِيمَتَهَا لِابْنِهِ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ لَيْسَتْ بِكَامِلَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَاتِ الْبَقَاءِ وَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ أَبَاهُ أَمَةً يَسْتَوْلِدُهَا فَلِقِيَامِ الْحَاجَةِ أَوْجَبْنَا لَهُ التَّمَلُّكَ وَلِعَدَمِ الضَّرُورَةِ أَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ صِيَانَةً لِمَالِ الْوَلَدِ وَلَمْ يَجِبْ الْعُقْرُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَضْمَنْ قِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حُرًّا لِاسْتِنَادِ الْمِلْكِ إلَى مَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ (كَذَا) أَيْ كَالْأَبِ (الْجَدُّ) فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ مَوْتِ الْأَبِ (وَلَوْ زَوَّجَهَا) أَيْ الِابْنُ جَارِيَتَهُ (أَبَاهُ) فَوَلَدَتْ مِنْهُ (لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَهَا إلَى مِلْكِ الْأَبِ لِصِيَانَةِ مَائِهِ، وَقَدْ صَارَ مَصُونًا بِدُونِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ (وَيَجِبُ الْمَهْرُ) لِالْتِزَامِهِ بِالنِّكَاحِ (لَا الْقِيمَةُ) لِعَدَمِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (وَوَلَدُهَا حُرٌّ) ؛ لِأَنَّ أَخَاهُ مَلَكَهُ فَعَتَقَ عَلَيْهِ
(حُرَّةٌ قَالَتْ لِمَوْلَى زَوْجِهَا اعْتِقْهُ عَنِّي بِأَلْفٍ فَأَعْتَقَ فَسَدَ النِّكَاحُ) ، وَكَذَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ تَحْتَهُ أَمَةٌ لِمَوْلَاهَا أَعْتِقْهَا عَنِّي بِأَلْفٍ فَفَعَلَ عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَفَسَدَ النِّكَاحُ وَيَسْقُطُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْمَهْرُ لِاسْتِحَالَةِ وُجُوبِهِ عَلَى عَبْدِهَا وَلَا يَسْقُطُ فِي الثَّانِيَةِ،.
وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَتَحْقِيقُ الْخِلَافِ أَنَّ الْبَدَلَ إذَا ذُكِرَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالِاقْتِضَاءِ عِنْدَنَا فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَتْ بِعْهُ مِنِّي بِكَذَا، ثُمَّ اعْتِقْهُ عَنِّي وَقَوْلُ الْمَوْلَى أَعْتَقَتْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ بِعْته مِنْك وَأَعْتَقْتُهُ عَنْك فَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ اقْتِضَاءً فَسَدَ النِّكَاحُ وَزُفَرُ لَا يَقُولُ بِالِاقْتِضَاءِ فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ عِنْدَهُ وَتَمَامُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: كَذَا الْأَمَةُ) شَامِلٌ لِلْقِنَّةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَنْفُذُ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ عَلَيْهَا مِنْ الْمَوْلَى كَمَا عَتَقَتْ وَالْعِدَّةُ تَمْنَعُ نَفَاذَ النِّكَاحِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَإِنَّ نِكَاحَهَا أَيْ أُمِّ الْوَلَدِ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوَقُّفُهُ مَعَ وُجُودِ الْعِدَّةِ؛ إذْ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدٌ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: فَالْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَلِيُّ وَالْقَاضِي وَالْوَصِيُّ. . . إلَخْ) كَذَا أَثْبَتَ الْوَلِيُّ أَيْضًا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ وَالْقَاضِي وِلَايَةٌ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ؛ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ وَهُوَ الصَّوَابُ خِلَافَ مَا ذُكِرَ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ. . . إلَخْ) هَذَا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ تَزْوِيجَ الْأَمَةِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الِابْنِ عَنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إلَى وَقْتِ الدَّعْوَى) احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ عُلِّقَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِ الِابْنِ أَوْ فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا، ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا فَادَّعَى الْأَبُ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَهَذَا إذَا كَذَّبَهُ الِابْنُ فَإِنْ صَدَّقَهُ صَحَّتْ دَعْوَاهُ وَلَا يَمْلِكُ الْجَارِيَةَ كَمَا إذَا ادَّعَاهُ أَجْنَبِيٌّ وَكَمَا لَوْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلِابْنِ أَوْ مُدَبَّرَتَهُ أَوْ مُكَاتَبَتَهُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ مَوْتِ الْأَبِ لَوْ قَالَ حَالَ عَدَمِ وِلَايَتِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيُفِيدَ أَنَّ الْجَدَّ كَالْأَبِ بِمَوْتِهِ أَوْ رِقِّهِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ كُفْرِهِ
(قَوْلُهُ: فَأَعْتَقَ فَسَدَ النِّكَاحُ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ؛ إذْ لَوْ زَادَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ، ثُمَّ أُعْتِقْت لَمْ يَصِرْ مُجِيبًا لِكَلَامِهَا، بَلْ كَانَ مُبْتَدَأً وَوَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ
стр. 352
تَحْقِيقِهِ فِي الْأُصُولِ (وَالْوَلَاءُ لَهَا وَيَقَعُ عَنْ كَفَّارَتِهَا إنْ نَوَتْ) لِكَوْنِهَا مُعْتَقَةً (وَلَوْ تَرَكَتْ) الْحُرَّةُ (الْبَدَلَ) أَيْ لَا تَقُولُ بِأَلْفٍ (لَمْ يَفْسُدْ) النِّكَاحُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ (وَالْوَلَاءُ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَقُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ
، ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ نِكَاحِ الرَّقِيقِ شَرَعَ فِي نِكَاحِ الْكَافِرِ فَقَالَ (أَسْلَمَ الْمُتَزَوِّجَانِ بِلَا شُهُودٍ أَوْ فِي عِدَّةِ كَافِرٍ مُعْتَقِدَيْنِ ذَلِكَ إقْرَارًا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَا) أَيْ الْمُتَزَوِّجَانِ اللَّذَانِ أَسْلَمَا (مُحْرِمَيْنِ أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْمُحْرِمَيْنِ أَوْ تَرَافَعَا) أَيْ عَرَضَا أَمْرَهُمَا إلَيْنَا وَهُمَا عَلَى الْكُفْرِ (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ لِلْمَحْرَمِيَّةِ وَمَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ يَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ بِخِلَافِ مَا مَرَّ (وَبِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا لَا) أَيْ لَا يُفَرَّقُ؛ إذْ بِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْآخَرِ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ وِلَايَةُ إلْزَامِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ
(الْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا) فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا فَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا فَهُوَ كِتَابِيٌّ؛ لِأَنَّهُ أَنْظَرُ لَهُ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَخْتَلِفْ الدَّارُ بِأَنْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَانَ الصَّغِيرُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمَ الْوَالِدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَلَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْوَالِدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ لَا يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ وَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْوَالِدُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَالْمَجُوسِيُّ وَمِثْلُهُ) كَالْوَثَنِيِّ وَسَائِرِ أَهْلِ الشِّرْكِ (شَرٌّ مِنْ الْكِتَابِيِّ) ؛ إذْ لَهُ دِينٌ سَمَاوِيٌّ دَعْوَى وَلِهَذَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَيَجُوزُ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ الْمَجُوسِيُّ شَرًّا حَتَّى إذَا وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يَكُونُ كِتَابِيًّا تَبَعًا
(وَفِي إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمَجُوسِيَّيْنِ أَوْ امْرَأَةِ الْكِتَابِيِّ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ لَهُ وَإِلَّا فُرِّقَ) بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْإِبَاءِ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْكَنْزِ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقِيمُ فِي الْمَجُوسِيَّيْنِ؛ إذْ بِإِسْلَامِ أَحَدُهُمَا مُطْلَقًا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْإِبَاءِ، وَأَمَّا إذَا كَانَا كِتَابِيَّيْنِ فَإِنْ أَسْلَمَتْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا لِجَوَازِ تَزَوُّجِهَا لِلْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً، وَكَذَا إذَا كَانَتْ كِتَابِيَّةً وَالزَّوْجُ مَجُوسِيٌّ فَأَسْلَمَ لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِبَاؤُهُ طَلَاقٌ لَا إبَاؤُهَا) يَعْنِي إذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ الْإِبَاءُ مِنْ طَرَفِ الرَّجُلِ كَانَ التَّفْرِيقُ طَلَاقًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرَفِ الْمَرْأَةِ كَانَ فَسْخًا لَا طَلَاقًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْ الرِّجَالِ لَا النِّسَاءِ (وَلَا مَهْرَ فِي هَذَا) أَيْ إبَائِهَا (إلَّا لِلْمَوْطُوءَةِ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَوْطُوءَةِ فَوَّتَتْ الْمُبْدَلَ قَبْلَ تَأْكِيدِ الْبَدَلِ فَأَشْبَهَ الرِّدَّةَ وَالْمُطَاوَعَةَ، وَأَمَّا فِي صُورَةِ إبَاءِ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً فَلَهَا كُلُّ الْمَهْرِ وَإِلَّا فَنِصْفُهُ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ هُنَا طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ (وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ إسْلَامُ أَحَدِ الْمَجُوسِيَّيْنِ أَوْ امْرَأَةِ الْكِتَابِيِّ (ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (لَمْ تَبِنْ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثًا قَبْلَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَسْلَمَ الْمُتَزَوِّجَانِ بِلَا شُهُودٍ) صِحَّةُ نِكَاحِهِمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ زُفَرُ هُوَ فَاسِدٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فِي عِدَّةِ كَافِرٍ مُعْتَقِدَيْنِ ذَلِكَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالُوا بِفَسَادِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمَا تَرْكًا لَا تَقْرِيرًا فَإِذَا تَرَافَعَا أَوْ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ وَجَبَ التَّفْرِيقُ عِنْدَهُمْ لَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِذَا كَانَتْ الْمُرَافَعَةُ أَوْ الْإِسْلَامُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا لَا يُفَرَّقُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ عَنْ النِّهَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَرَافَعَا) ضَمِيرُهُ لِلْمُحَرَّمَيْنِ خَاصَّةً لَا لِمَا قَبْلَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا مَرَّ) يُرِيدُ بِهِ تَزَوُّجَهُمَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بِلَا شُهُودٍ.
(قَوْلُهُ: وَبِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا لَا) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يُفَرَّقُ بِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا كَإِسْلَامِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ أُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ تَرَافَعُوا إلَيْنَا أَمْ لَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ ارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا فَرَّقْت وَإِلَّا فَلَا اهـ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ نِكَاحَ الْمُرْتَدِّ وَلَا يَنْكِحُ أَحَدًا
(قَوْلُهُ: يَعْرِضُ الْإِسْلَامَ عَلَى الْآخَرِ) يَعْنِي إنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا يَعْقِلُ الْأَدْيَانَ فَإِنْ أَبَى فُرِّقَ، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مَجْنُونًا عَرَضَ عَلَى أَبَوَيْهِ فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ بَقِيَ النِّكَاحُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَجْنُونًا لَكِنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْأَدْيَانَ يُنْتَظَرُ عَقْلُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ غَايَةً مَعْلُومَةً بِخِلَافِ الْجُنُونِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصِرُّ صَبِيًّا مُمَيِّزًا أَوْ بَالِغًا حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِإِبَائِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَإِبَاؤُهُ طَلَاقٌ) هَذَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَ طَلَاقًا، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا يَكُونُ طَلَاقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهِيَ مِنْ أَغْرَبِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ يَقَعُ الطَّلَاقُ مِنْهُمَا وَنَظِيرُهُ إذَا كَانَا مَجْنُونَيْنِ أَوْ كَانَ الْمَجْنُونُ عِنِّينًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ طَلَاقًا اتِّفَاقًا، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا مَهْرَ فِي هَذَا إلَّا لِلْمَوْطُوءَةِ) شَامِلٌ لِلصَّغِيرَةِ الْمَجْنُونَةِ الَّتِي فُرِّقَ بِإِبَاءِ وَالِدِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَلَا نَفْعَ لَهَا فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا بِهِ، فَيَكُونُ وَارِدًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا فِيمَا فِيهِ نَفْعٌ لِلصَّغِيرِ فَلْيُنْظَرْ جَوَابُهُ.
(قَوْلُهُ: لَمْ تَبِنْ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثًا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَلَا تَكُونُ عِدَّةً؛ وَلِذَا يَسْتَوِي فِيهَا الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا وَلَا تَلْزَمُهَا عِدَّةٌ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ بِمُضِيِّ الْحَيْضِ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ تَبَعًا لِلْمَبْسُوطِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا اهـ. وَأَطْلَقَ الطَّحَاوِيُّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى اخْتِيَارِ قَوْلِهِمَا وَهَذِهِ
стр. 353
إسْلَامِ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ مُتَعَذِّرٌ لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْفُرْقَةِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ فَأَقَمْنَا شَرْطَهَا وَهُوَ مُضِيُّ الْحَيْضِ مَقَامَ السَّبَبِ كَمَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْ امْرَأَةِ الْكِتَابِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ هُوَ الزَّوْجُ وَهِيَ كِتَابِيَّةٌ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا
(أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ لَمْ تَبِنْ) ؛ إذْ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا ابْتِدَاءً فَالْبَقَاءُ أَوْلَى (تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ سَبَبُ الْفُرْقَةِ لَا السَّبْيُ) حَتَّى لَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا إلَيْنَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ أَسْلَمَ أَوْ عَقَدَ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِي دَارِنَا أَوْ سُبِيَ وَأُدْخِلَ فِيهَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ سُبِيَا مَعًا لَمْ تَقَعْ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَبَبُهَا السَّبْيُ لَا التَّبَايُنُ
(حَائِلٌ) هِيَ ضِدُّ الْحَامِلِ (هَاجَرَتْ) مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَيْنَا مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً أَوْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً (تُنْكَحُ بِلَا عِدَّةٍ) بِخِلَافِ الْحَامِلِ حَيْثُ لَا تُنْكَحُ قَبْلَ الْوَضْعِ وَجْهُ جَوَازِ النِّكَاحِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] حَيْثُ أَبَاحَ نِكَاحَ الْمُهَاجِرَةِ مُطْلَقًا فَتَقْيِيدُهُ بِمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ وَهُوَ فَسْخٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ
(ارْتِدَادُ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (فَسْخٌ عَاجِلٌ) لِلنِّكَاحِ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى الْحُكْمِ وَفَائِدَةُ كَوْنِهِ فَسْخًا أَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ لَا يُنْتَقَصُ بِهِ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْ الْمَرْأَةِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ فَطَلَاقٌ (فَلِلْمَوْطُوءَةِ كُلُّ الْمَهْرِ) سَوَاءٌ كَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ بِالدُّخُولِ فَلَا يُتَصَوَّرُ سُقُوطُهُ (وَلِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ (النِّصْفُ) أَيْ نِصْفُ الْمَهْرِ (لَوْ ارْتَدَّ) الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ تُوجِبُ نِصْفَ الْمَهْرِ (وَلَا شَيْءَ) مِنْ الْمَهْرِ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ (لَوْ ارْتَدَّتْ) ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِمَعْصِيَةٍ تُوجِبُ سُقُوطَهُ (وَالْإِبَاءُ نَظِيرُهُ) أَيْ نَظِيرُ الِارْتِدَادِ حَتَّى إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ يَجِبُ الْمَهْرُ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنْ كَانَ مِنْهُ يَجِبُ النِّصْفُ، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا لَا يَجِبُ شَيْءٌ (ارْتَدَّا وَأَسْلَمَا مَعًا لَمْ تَبِنْ، وَلَوْ أَسْلَمَا مُتَعَاقِبًا بَانَتْ) فَإِنَّ إسْلَامَ أَحَدِهِمَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْفُرْقَةُ طَلَاقٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَسْخٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ) يُرِيدُ بِهِ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِبَاءُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِشَرْطِ مُضِيِّ الْحَيْضِ أَوْ الْأَشْهُرِ فِيمَنْ لَا تَحِيضُ.
(قَوْلُهُ: وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ مُتَعَذِّرٌ) عَدَلَ بِهِ عَنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ وَالْعَرْضُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوضَ عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَعْقِلَ وَنَظِيرُهُ فِي اللُّغَةِ عَرَضَتْ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَجِّعُ عَلَيْهِ إلَّا أَفْرَادُ الْبُلَغَاءِ.
(قَوْلُهُ: فَأَقَمْنَاهُ شَرْطَهَا) أَيْ شَرْطَ الْفُرْقَةِ وَهُوَ مُضِيُّ الْحَيْضِ مَقَامَ السَّبَبِ يَعْنِي بِهِ الْإِبَاءَ عَنْ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ أَيْ السَّبَبُ تَفْرِيقُ الْقَاضِي عِنْدَ إبَاءِ الزَّوْجِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ سَبَبٌ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ هُوَ الْإِبَاءُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ) يَعْنِي بِهِ أَنَّ لِلْإِضَافَةِ إلَى الشَّرْطِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِضَافَةِ إلَى الْعِلَّةِ نَظِيرًا فِي الشَّرْعِ وَهُوَ حَافِرُ الْبِئْرِ فِي الطَّرِيقِ يُضَافُ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِالسُّقُوطِ فِيهِ إلَى الْحَفْرِ وَهُوَ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ ثِقَلُ الْوَاقِعِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ لِكَوْنِهِ طَبِيعِيًّا فَأُضِيفَ إلَى الشَّرْطِ وَهُوَ الْحَفْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُعَارِضْهُ الْعِلَّةُ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ
(قَوْلُهُ: تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ سَبَبُ الْفُرْقَةِ) يَعْنِي تَبَايُنُهُمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ بِهِ لَا تَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ حَتَّى لَوْ نَكَحَ مُسْلِمٌ حَرْبِيَّةً كِتَابَةً ثَمَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا بَانَتْ عِنْدَنَا، وَلَوْ خَرَجَتْ قَبْلَ الزَّوْجِ لَمْ تَبِنْ، كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ وَعَلَّلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ التَّبَايُنَ وَإِنْ وُجِدَ حَقِيقَةً لَمْ يُوجَدْ حُكْمًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَالزَّوْجُ مِنْ أَهْلِهَا حُكْمًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهَا أَحَدٌ كُرْهًا فَإِنَّهَا تَبِينُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا لِتَحَقُّقِ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا وَزَوْجَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا، وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ أَوْ دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ لَمْ تَبِنْ زَوْجَتُهُ اهـ.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَأْسُورَةَ لَا تَبِينُ بِهِ لِعَدَمِ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حُكْمًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا فَلْيُتَأَمَّلْ فِيمَا يُخَالِفُ هَذَا فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ: حَائِلٌ هَاجَرَتْ تُنْكَحُ بِلَا عِدَّةٍ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَجْهُ جَوَازِ النِّكَاحِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] التِّلَاوَةُ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ لَا بِالْفَاءِ
(قَوْلُهُ: ارْتِدَادُ أَحَدِهِمَا فَسْخٌ فِي الْحَالِ) جَوَابُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَامَّةُ مَشَايِخِ بُخَارَى أَفْتَى بِهِ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَعَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ مَعَ زَوْجِهَا بِمَهْرٍ يَسِيرٍ، وَلَوْ دِينَارًا وَلِكُلِّ قَاضٍ فِعْلُ ذَلِكَ رَضِيَتْ أَمْ لَا وَتُعَزَّرُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ وَبَعْضُ مَشَايِخِ بَلْخِي وَسَمَرْقَنْدَ أَفْتَوْا بِعَدَمِ الْفُرْقَةِ بِرِدَّتِهَا حَسْمًا لِاحْتِيَالِهَا عَلَى الْخَلَاصِ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِبَاءُ نَظِيرُهُ) فِيهِ اسْتِدْرَاكٌ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا مَهْرَ فِي هَذَا أَيْ إبَائِهَا إلَّا لِلْمَوْطُوءَةِ.
(قَوْلُهُ: ارْتَدَّا وَأَسْلَمَا مَعًا لَمْ تَبِنْ) الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَعًا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمَا ارْتَدَّا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ سَبْقَ أَحَدِهِمَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ سَبْقَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الرِّدَّةِ جَعَلَ الْحُكْمَ كَأَنَّهُمَا وُجِدَا مَعًا كَمَا فِي الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى، كَذَا فِي الْبَحْرِ
(تَنْبِيهٌ) : لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ مَنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ هُنَّ كِتَابِيَّاتٌ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقَدَةٍ
стр. 354
إذَا تَقَدَّمَ يَبْقَى الْآخَرُ عَلَى رِدَّتِهِ فَيَتَحَقَّقُ الِاخْتِلَافُ
بَابُ الْقَسْمِ)
هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ مَصْدَرُ قَسَمَ الْقَاسِمُ الْمَالَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَرَّقَهُ بَيْنَهُمْ وَعَيَّنَ أَنْصِبَاءَهُمْ وَمِنْهُ الْقَسْمُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَهُوَ إعْطَاءُ حَقِّهِنَّ فِي الْبَيْتُوتَةِ عِنْدَهَا لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ لَا فِي الْمُجَامَعَةِ؛ لِأَنَّهَا تُبْتَنَى عَلَى النَّشَاطِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِيهَا كَمَا فِي الْمَحَبَّةِ (يَجِبُ الْعَدْلُ فِيهِ وَفِي الْمَلْبُوسِ وَالْمَأْكُولِ) وَلَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا (وَالْبِكْرُ وَالْجَدِيدَةُ وَالْمُسْلِمَةُ كَأَضْدَادِهَا) يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالْقَدِيمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ (فِيهَا) أَيْ الْقَسْمِ وَالْمَلْبُوسِ وَالْمَأْكُولِ (وَلِلْحُرَّةِ ضِعْفُ الْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ الْمَنْكُوحَاتِ) إظْهَارًا لِشَرَفِ الْحُرِّيَّةِ (وَيُسَافِرُ بِمَنْ شَاءَ) أَيْ لَا يُعْتَبَرُ الْقَسْمُ فِي السَّفَرِ حَتَّى جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فِيهِ (وَالْقُرْعَةُ أَوْلَى) تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ (وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ إنْ تَرَكَتْ قَسْمَهَا لِأُخْرَى) ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقًّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ فَلَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَائِمِ، فَيَكُونُ الرُّجُوعُ امْتِنَاعًا بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ حَيْثُ يَرْجِعُ الْمُعِيرُ فِيهَا مَتَى شَاءَ لِمَا قُلْنَا (وَلَا يَسْقُطُ بِمَرَضِهَا) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
. (كِتَابُ الرَّضَاعِ) (هُوَ) فِي اللُّغَةِ مَصُّ الثَّدْيِ مُطْلَقًا وَفِي الشَّرْعِ (مَصُّ) الصَّبِيِّ (الرَّضِيعِ مِنْ ثَدْيِ آدَمِيَّةٍ) احْتِرَازًا عَنْ ثَدْيِ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الرَّضِيعَيْنِ إذَا مَصَّاهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الرَّضَاعِ كَمَا سَيَأْتِي (فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ هُوَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (حَوْلَانِ وَنِصْفٌ، وَعِنْدَهُمَا حَوْلَانِ) فَقَطْ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الرَّضَاعِ إذَا طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَاحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ وَفِي عَقْدٍ فَنِكَاحُ مَنْ يَحِلُّ لِسَبْقِهِ جَائِزٌ وَنِكَاحُ مَنْ تَأَخَّرَ فَوَقَعَ بِهِ الْجَمْعُ أَوْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ بَاطِلٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ
[بَابُ الْقَسْمِ بَيْن الزَّوْجَات]
(بَابُ الْقَسْمِ) .
(قَوْلُهُ: يُجِبْ الْعَدْلُ فِيهِ) لِذَا سُمِّيَ بِالْعَدْلِ كَمَا سُمِّيَ بِالْقَسْمِ وَحَقِيقَتُهُ مُطْلَقًا مُمْتَنِعَةٌ كَمَا أَخْبَرَهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] فَقَدْ أَوْجَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ مُطْلَقًا لَا يُسْتَطَاعُ فَعُلِمَ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا) إخْرَاجٌ لِلْمَتْنِ عَنْ إفَادَتِهِ مُوَافَقَةَ مَا سَيَذْكُرُهُ فِي النَّفَقَةِ مِنْ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ فِي الْأَكْلِ وَاللُّبْسِ بِعَدَمِ تَعَدِّي الْوَاجِبِ فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى نِسَائِهِ غَنِيَّةً لَا تَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأُخْرَى الْفَقِيرَةِ مِثْلَهَا فَتَفْسِيرُ الْعَدْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى تَسَاوِي حَالِ النِّسَاءِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْبِكْرُ. . . إلَخْ) كَذَا الْمَجْنُونَةُ الَّتِي لَا يُخَافُ مِنْهَا مَعَ الْعَاقِلَةِ وَالْمُرَاهِقَةِ وَالْمَرِيضَةِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَالْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا إنْ قَصَدَ رَجْعَتَهَا مَعَ مُقَابَلَتِهَا وَالْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ وَالْعِنِّينُ كَالْفَحْلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ وَلَا يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا وَلَا يَدْخُلُ لَيْلًا عَلَى الَّتِي لَا قَسْمَ لَهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا نَهَارًا لِحَاجَةٍ وَيَعُودَهَا فِي مَرَضِهَا فِي لَيْلَةِ غَيْرِهَا فَإِنْ ثَقُلَ مَرَضُهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حَتَّى تُشْفَى أَوْ تَمُوتَ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ
(تَنْبِيهٌ) : الْقَسْمُ عِنْدَ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ فَمَنْ لَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهَا فِي يَوْمٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيُؤْمَرُ بِأَنْ يَصْحَبَهَا أَحْيَانًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مُسْتَوْلَدَاتٌ وَإِمَاءٌ فَلَا قَسْمَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُعَطِّلَهُنَّ وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ فِي الْمُضَاجَعَةِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) لَيْسَ اللَّازِمُ بَعْدَ تَمَامِ الدَّوْرِ عَلَى نِسَائِهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الدَّوْرَ عَلَيْهِنَّ عَقِبَ تَمَامِهِ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ عِنْدَ الْكُلِّ بَعْضَ اللَّيَالِيِ وَانْفَرَدَ بِنَفْسِهِ أَوْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِ الدَّوْرِ عَلَى نِسَائِهِ مَعَ سَرَارِيهِ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا نَقَلْنَاهُ فِي رِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا تَجَدُّدَ الْمَسَرَّاتِ بِالْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى فَوَائِدَ جَلِيلَةٍ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ قَدْ قَالُوا إنَّ الرَّجُلَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْقَسْمِ يُضْرَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَدْرَكُ الْحَقُّ فِيهِ بِالْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ اهـ.
وَلَا يُعَزَّرُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، بَلْ إذَا عَادَ مَا نَهَاهُ الْقَاضِي أَوْجَعَهُ عُقُوبَةً وَأَمَرَهُ بِالْعَدْلِ لِإِسَاءَةِ أَدَبِهِ وَارْتِكَابِهِ مُحَرَّمًا، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ الْقَاضِي يُخَيَّرُ فِي التَّعْزِيرِ بَيْنَ الْحَبْسِ وَالضَّرْبِ لِاخْتِصَاصِ هَذَا بِغَيْرِ الْحَبْسِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ
[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
(كِتَابُ الرَّضَاعِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ هُوَ الْأَصْلُ وَبِكَسْرِهَا لُغَةٌ فِيهِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ الرَّضَاعُ وَالرَّضَاعَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ فِيهِمَا وَفَتْحِهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَالرَّضْعُ، الْخَامِسَةُ وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْكَسْرَ مَعَ الْهَاءِ وَفَعَلَهُ فِي الْفَصِيحِ مِنْ حَدِّ عَلِمَ يَعْلَمُ وَأَهْلُ نَجْدٍ قَالُوهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَعَلَيْهِ قَوْلُ السَّلُولِ يَذُمُّ عُلَمَاءَ زَمَانِهِ
وَذَمُّوا لَنَا الدُّنْيَا وَهُمْ يَرْضَعُونَهَا
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الشَّرْعِ مَصُّ الصَّبِيِّ) تَعْبِيرُهُ بِالْمَصِّ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ وُصُولُ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهِ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ لَا بِالْإِقْطَارِ فِي الْأُذُنِ وَالْإِحْلِيلِ وَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ وَالْحُقْنَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا حَوْلَانِ فَقَطْ) بِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ
стр. 355
لَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، ثُمَّ مُدَّةُ الرَّضَاعِ إذَا مَضَتْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ» وَلَا يُعْتَبَرُ الْفِطَامُ قَبْلَ الْمُدَّةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ إذَا فُطِمَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَاسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ لَمْ يَكُنْ رَضَاعًا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ يَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَلَا يُبَاحُ الْإِرْضَاعُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَلَى الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهُ ضَرُورِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ الْآدَمِيِّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ (وَيَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِالرَّضَاعِ (وَإِنْ قَلَّ) ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ يَكْتَفِي الصَّبِيُّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا (أُمُومَةُ الْمُرْضِعَةِ) فَاعِلُ يَثْبُتُ (لِلرَّضِيعِ وَأُبُوَّةُ زَوْجِ مُرْضِعَةٍ لَبَنُهَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجِ (لَهُ) أَيْ لِلرَّضِيعِ يَعْنِي يَثْبُتُ بِالرَّضَاعِ كَوْنُ الْمُرْضِعَةِ أُمًّا لِلرَّضِيعِ وَكَوْنُ زَوْجِهَا أَبًا لَهُ إذَا كَانَ لَبَنُهَا مِنْهُ حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ لَبَنُهَا مِنْهُ بِأَنْ تَزَوَّجَتْ ذَاتُ لَبَنٍ رَجُلًا فَأَرْضَعَتْ بِهِ صَبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدًا لَهُ مِنْ الرَّضَاعِ، بَلْ يَكُونُ رَبِيبُهُ مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَوْلَادِ الزَّوْجِ الثَّانِي مِنْ غَيْرِهَا وَبِأَخَوَاتِهِ كَمَا فِي النَّسَبِ وَيَكُونُ وَلَدًا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي فَإِذَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَأَرْضَعَتْ صَبِيًّا فَهُوَ وَلَدُ الثَّانِي بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ مِنْ الثَّانِي فَهُوَ وَلَدُ الْأَوَّلِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّ انْتِفَاءَ هَذَا الْقَيْدِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْأُبُوَّةِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ نِكَاحِ الزَّوْجِ لِلرَّضِيعَةِ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْضِعَةِ الْمَوْطُوءَةِ لَهُ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الْأُمَّهَاتِ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ، وَلَوْ بِجِهَةِ الرَّضَاعِ كَمَا مَرَّ
(فَيَحْرُمُ بِهِ) أَيْ بِالرَّضَاعِ (مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ إلَّا أُمَّ أُخْتِهِ وَأَخِيهِ) فَإِنَّ أُمَّ الْأُخْتِ وَالْأَخِ مِنْ النَّسَبِ هِيَ الْأُمُّ أَوْ مَوْطُوءَةُ الْأَبِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا حَرَامٌ وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ وَهِيَ شَامِلَةٌ لِثَلَاثِ صُوَرٍ: الْأُولَى الْأُمُّ رَضَاعًا لِلْأُخْتِ أَوْ الْأَخِ نَسَبًا كَأَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ أُخْتٌ مِنْ النَّسَبِ وَلَهَا أُمٌّ مِنْ الرَّضَاعَةِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَالثَّانِيَةُ الْأُمُّ نَسَبًا لِلْأُخْتِ أَوْ الْأَخِ رَضَاعًا كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أُخْتٌ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَهَا أُمٌّ مِنْ النَّسَبِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ أُخْتِهِ مِنْ النَّسَبِ، وَالثَّالِثَةُ الْأُمُّ رَضَاعًا لِلْأُخْتِ أَوْ الْأَخِ رَضَاعًا كَأَنْ يَجْتَمِعَ الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ الْأَجْنَبِيَّانِ عَلَى ثَدْيِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَلِلصَّبِيَّةِ أُمٌّ أُخْرَى مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ (وَأُخْتُ ابْنِهِ) فَإِنَّ أُخْتَ الِابْنِ مِنْ النَّسَبِ، أَمَّا الْبِنْتُ أَوْ الرَّبِيبَةُ، وَقَدْ وُطِئَتْ أُمُّهَا وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ (وَجَدَّةُ ابْنِهِ) فَإِنَّ جَدَّةَ ابْنِهِ نَسَبًا أُمُّ مَوْطُوءَتِهِ أَوْ أُمُّهُ وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ (وَأُمُّ عَمِّهِ وَعَمَّتِهِ وَأُمُّ خَالِهِ وَخَالَتِهِ) فَإِنَّ أُمَّ الْأُولَيَيْنِ مَوْطُوءَةُ الْجَدِّ الصَّحِيحِ وَأُمُّ الْأُخْرَيَيْنِ مَوْطُوءَةُ الْجَدِّ الْفَاسِدِ وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ (لِلرَّجُلِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسْتَثْنَى فِي قَوْلِهِ إلَّا أُمَّ أُخْتِهِ. . . إلَخْ يَعْنِي أَنَّ شَيْئًا مِنْ النِّسْوَةِ الْمَذْكُورَاتِ لَا يَحْرُمُ لِلرَّجُلِ إذَا كَانَتْ مِنْ الرَّضَاعِ (وَتَحِلُّ أُخْتُ أَخِيهِ مُطْلَقًا) أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِأُخْتِ أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِ أَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ كَالْأَخِ مِنْ الْأَبِ إذَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ: ثُمَّ مُدَّةُ الرَّضَاعِ إذَا انْقَضَتْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ) أَيْ سَوَاءٌ فُطِمَ أَوْ لَمْ يُفْطَمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ الْكَمَالُ.
وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ الْفَتْوَى عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا أَيْ الْحُرْمَةُ تَثْبُتُ مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الرَّضَاعِ وَلَا يُعْتَبَرُ الْفِطَامُ قَبْلَ الْمُدَّةِ إقَامَةً لِلْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْمَئِنَّةِ فَإِنَّ مَا قَبْلَ الْمُدَّةِ مَظِنَّةُ عَدَمِ الِاسْتِغْنَاءِ اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ وَنُقِلَ مِثْله عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَيْ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ مِنْ عَدَمِ ثُبُوتِهَا بَعْدَهُ خِلَافَ الْمُعْتَمَدِ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى إذَا اخْتَلَفَتْ كَانَ التَّرْجِيحُ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُبَاحُ الْإِرْضَاعُ بَعْدَهُ) هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ الْإِرْضَاعُ بَعْدَ مُدَّتِهِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ الْآدَمِيِّ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ عَلَى الصَّحِيحِ نَعَمْ أَجَازَ الْبَعْضُ التَّدَاوِيَ بِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَزُولُ بِهِ الرَّمَدُ، كَذَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَالْبَعْضُ لَمْ يُجَوِّزُوا شُرْبَهُ لِلتَّدَاوِي اهـ. وَقَدَّمْنَا مَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَمْ يَبْقَ حَرَامًا.
(قَوْلُهُ: وَأُبُوَّةُ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ) كَذَا أُبُوَّةُ مَوْلَى الْمُرْضِعَةِ وَاللَّبَنُ مِنْهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ زِنًا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ لِرَضِيعَتِهِ عَلَى فُرُوعِ الزِّنَى وَأُصُولِهِ وَالْأَوْجَهُ دِرَايَةُ عَدَمِ تَحْرِيمِهِ لَا رِوَايَةُ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْبَحْرِ مِنْ إطْلَاقِهِ كَلَامَ الْكَمَالِ الْأَوْجَهِيَّةِ وَقَيَّدَ أُسْتَاذُنَا بِمَا قُلْنَاهُ فِي هَامِشِ نُسْخَتِهِ مِنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَّلَهُ بِمَا يَأْتِي آخِرَ كَلَامِ الْكَمَالِ اهـ. .
وَفِي الْجَوْهَرَةِ إنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فَحَبِلَتْ مِنْهُ فَأَرْضَعَتْ صَبِيًّا فَهُوَ ابْنُ الْوَاطِئِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الْوَاطِئِ يَثْبُتُ مِنْهُ الرَّضَاعُ، وَمَنْ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ الرَّضَاعُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ وَلَدًا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَجْعَلُهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الثَّانِي إنْ كَانَ رَقِيقًا أَوْ مُطَلِّقًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ دَرَّ بَعْدَمَا جَفَّ اخْتَصَّ بِهَا كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ
[مَا يحرم بِالرَّضَاعِ]
(قَوْلُهُ: وَأُخْتُ ابْنِهِ. . . إلَخْ) لَا حَصْرَ فِيمَا ذُكِرَ؛ إذْ يُتَصَوَّرُ الْحِلُّ فِي أُخْتِ ابْنِهِ وَبِنْتِهِ نَسَبًا بِأَنْ يَدَّعِيَ شُرَكَاءُ فِي أَمَةِ وَلَدِهَا فَإِذَا كَانَ لِكُلِّ بِنْتٍ مِنْ غَيْرِ الْأَمَةِ حَلَّ لِشَرِيكِهِ
стр. 356
كَانَتْ لَهُ أُخْتٌ مِنْ أُمِّهِ جَازَ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا
(وَلَا حِلَّ بَيْنَ رَضِيعَيْ امْرَأَةٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا أَخَوَانِ مِنْ الرَّضَاعِ سَوَاءٌ أَرْضَعَتْهُمَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ وَسَوَاءٌ أَرْضَعَتْهُمَا مِنْ ثَدْيٍ وَاحِدٍ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ ثَدْيٍ وَالْآخَرَ مِنْ آخَرَ (بِخِلَافِ الشَّاةِ) وَنَحْوِهَا حَيْثُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى لَبَنِهَا حُكْمُ الرَّضَاعِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ بِوَاسِطَةِ شُبْهَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمُرْضِعَةُ، ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا وَلَا جُزْئِيَّةَ بَيْنَ الْبَهَائِمِ وَالْآدَمِيِّ وِلَادًا فَكَذَا رَضَاعًا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا.
(وَ) لَا حِلَّ أَيْضًا (بَيْنَ رَضِيعَةٍ وَوَلَدِ مُرْضِعَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُمَا أَيْضًا أَخَوَانِ (وَوَلَدِ وَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ أُخْتِهَا
(وَيَحْرُمُ) أَيْ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ (لَبَنُ الْبِكْرِ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ النُّشُوءِ وَالنُّمُوِّ فَتَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ كَلَبَنِ غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ.
(وَ) الْمَرْأَةُ (الْمَيِّتَةُ) ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا لَبَنٌ حَقِيقَةً (كَذَا) أَيْ يَحْرُمُ أَيْضًا لَبَنُ الْمَرْأَةِ (الْمَخْلُوطُ بِمَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ أَوْ لَبَنِ) امْرَأَةٍ (أُخْرَى أَوْ) لَبَنِ (شَاةٍ إذَا غَلَبَ) أَيْ لَبَنُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْبَاتَ اللَّحْمِ وَإِنْشَازَ الْعَظْمِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ (لَا) أَيْ لَا يَحْرُمُ (الْمَخْلُوطُ بِالطَّعَامِ) هَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْغَلَبَةُ فِيهِ، وَعِنْدَهُمَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ وَشَرَطَ الْقُدُورِيُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَوْنَ الطَّعَامِ مُسْتَبِينًا كَالثَّرِيدِ قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يَتَقَاطَرْ اللَّبَنُ عِنْدَ حَمْلِ اللُّقْمَةِ فَإِنْ تَقَاطَرَ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَقِيلَ لَا تَثْبُتُ بِكُلِّ حَالٍ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
. (وَ) لَا (لَبَنُ الرَّجُلِ وَ) لَا (لَبَنُهَا إذَا احْتَقَنَ بِهِ) أَيْ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ (الصَّبِيُّ) ، أَمَّا لَبَنُ الرَّجُلِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنٍ حَقِيقَةً فَإِنَّ اللَّبَنَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِلَادَةُ، وَأَمَّا الِاحْتِقَانُ بِلَبَنِهَا فَلِأَنَّ النُّشُوءَ لَا يُوجَدُ فِيهِ وَالتَّحْرِيمُ بِاعْتِبَارِهِ وَإِنَّمَا يُوجَدُ بِالْغِذَاءِ وَهُوَ مِنْ الْأَعْلَى لَا الْأَسْفَلِ (أَرْضَعَتْ ضَرَّتَهَا حَرُمَتَا) يَعْنِي إذَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
التَّزَوُّجُ بِهَا وَهِيَ أُخْتُ وَلَدِهِ نَسَبًا مِنْ الْأَبِ وَأَلْغَزَ بِهَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ وَأَجَابَ عَنْهُ وَمِمَّنْ يَحِلُّ رَضَاعًا لَا نَسَبًا أُمُّ وَلَدِ وَلَدِهِ
(قَوْلُهُ: أَيْ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ لَبَنُ الْبِكْرِ) هَذَا إذَا حَصَلَ مِنْ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ فَصَاعِدًا، وَلَوْ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِلَبَنِهَا التَّحْرِيمُ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَبَنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْلُوطُ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى أَوْ شَاةٍ إذَا غَلَبَ) يَعْنِي أَوْ سَاوَى وَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ إجْمَاعًا إذَا تَسَاوَى لَبَنُهُمَا كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَإِذَا غَلَبَ لَبَنُ إحْدَاهُمَا ثَبَتَ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَعَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ مِثْلُ قَوْلِهِمَا وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَإِلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لِتَأْخِيرِهِ دَلِيلَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْغَايَةِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَظْهَرُ وَأَحْوَطُ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ قِيلَ أَنَّهُ الْأَصَحُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِيهِ إنْبَاتَ اللَّحْمِ وَإِنْشَازَ الْعَظْمِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ إذَا جُعِلَ مَخِيضًا أَوْ رَائِبًا أَوْ شِيرَازًا أَوْ جُبْنًا أَوْ أَقِطًا فَتَنَاوَلَهُ الصَّبِيُّ لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الرَّضَاعِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ؛ وَلِذَا لَا يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَلَا يَنْشِزُ الْعَظْمَ وَلَا يَكْتَفِي بِهِ الصَّبِيُّ فِي الِاغْتِذَاءِ فَلَا يَحْرُمُ بِهِ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ إذَا جُبِّنَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ وَأُطْعِمَ الصَّبِيُّ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ) مُفِيدٌ أَنَّهُ إذَا مَسَّتْهُ لَا يُحَرِّمُ وَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ غَلَبَ اللَّبَنُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ مُنْلَا مِسْكِينٌ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لَوْ كَانَتْ النَّارُ قَدْ مَسَّتْ اللَّبَنَ وَأَنْضَجَتْ الطَّعَامَ حَتَّى تَغَيَّرَ فَلَا يُحَرِّمُ سَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَثْبُتُ بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ مِنْ حَالَتَيْ التَّقَاطُرِ عِنْدَ حَمْلِ اللُّقْمَةِ وَعَدَمِهِ إذَا تَنَاوَلَهُ لُقْمَةً لُقْمَةً، أَمَّا لَوْ حَسَاهُ فَقَدْ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ الْمُسْتَصْفَى إنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يَشْرَبْهُ، أَمَّا إذَا حَسَاهُ حَسْوًا أَيْ شَرِبَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا يَنْبَغِي أَنْ تَثْبُتَ الْحُرْمَةُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَلَفْظَةُ يَنْبَغِي بِمَعْنَى يَجِبُ؛ وَلِذَا حَذَفَهَا قَاضِي خَانْ فَقَالَ هَذَا إذَا أَكَلَ الطَّعَامَ لُقْمَةً لُقْمَةً فَإِنْ حَسَاهُ حَسْوًا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ اللَّبَنَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِلَادَةُ) أَيْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ لَبَنٌ عَلَى التَّحْقِيقِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ حُكْمُهُ اهـ. وَلَبَنُ الْخُنْثَى إنْ كَانَ وَاضِحًا فَوَاضِحٌ، وَإِنْ أَشْكَلَ إنْ قَالَ النِّسَاءُ إنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى غَزَارَتِهِ إلَّا لِامْرَأَةٍ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْنَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا احْتَقَنَ بِهِ الصَّبِيُّ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ صَوَابُهُ حَقَنَ لَا احْتَقَنَ يُقَالُ حَقَنَ الْمَرِيضَ دَاوَاهُ بِالْحُقْنَةِ وَاحْتَقَنَ الصَّبِيُّ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ وَاحْتُقِنَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ غَيْرُ جَائِزٍ فَتَعَيَّنَ حَقَنَ، وَلَكِنْ ذُكِرَ فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ الِاحْتِقَانُ حَقَنَهُ كَرَدَنَ فَجَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ اهـ. كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ مِنْ التَّفْسِيرِ لَا يُفِيدُ الِافْتِعَالَ مِنْهُ لِلْمَفْعُولِ الصَّرِيحِ كَالصَّبِيِّ فِي عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا احْتَقَنَ الصَّبِيُّ، بَلْ إلَى الْحُقْنَةِ وَهِيَ آلَةُ الِاحْتِقَانِ وَالْكَلَامُ فِي بِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ الصَّبِيُّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ قَاصِرٍ يَجُوزُ بِنَاؤُهُ لِلْمَفْعُولِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَجْرُورِ وَالظَّرْفِ كَجَلَسَ فِي الدَّارِ وَمَرَّ بِزَيْدٍ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْبِنَاءِ بِاعْتِبَارِ الْآلَةِ وَالظَّرْفِ جَوَازُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَفْعُولِ، بَلْ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَرْضَعَتْ ضَرَّتَهَا حَرُمَتَا) أَمَّا حُرْمَةُ الْكَبِيرَةِ فَمُؤَيَّدَةٌ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ امْرَأَتِهِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَإِنْ
стр. 357
فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ حَرُمَتَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ رَضَاعًا (وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ تُوطَأْ) ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا حَتَّى لَوْ لَمْ تَجِئْ مِنْ قِبَلِهَا بِأَنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً فَارْتَضَعَتْهَا الصَّغِيرَةُ أَوْ أَخَذَ رَجُلٌ لَبَنَهَا فَأَوْجَرَ بِهِ الصَّغِيرَةَ أَوْ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ مَجْنُونَةً فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لِعَدَمِ إضَافَةِ الْفُرْقَةِ إلَيْهَا (وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُهُ) أَيْ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا مِنْ قِبَلِهَا؛ إذْ لَا عِبْرَةَ لِارْتِضَاعِهَا (وَيَرْجِعُ) أَيْ الزَّوْجُ (بِهِ) أَيْ بِنِصْفِ الْمَهْرِ (عَلَى الْمُرْضِعَةِ إنْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ وَإِلَّا فَلَا، طَلُقَتْ لَبُونٌ فَاعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَحَبِلَتْ وَأَرْضَعَتْ فَحُكْمُهُ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى تَلِدَ) يَعْنِي امْرَأَةً لَهَا لَبَنٌ مِنْ الزَّوْجِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ فَحَبِلَتْ مِنْهُ وَنَزَلَ لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ فَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى تَلِدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِذَا وَلَدَتْ فَاللَّبَنُ يَكُونُ مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ بِيَقِينٍ وَشَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مِنْ الثَّانِي فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ
(أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبِيَّةٌ عَلَى التَّعَاقُبِ حَرُمَتَا) يَعْنِي رَجُلٌ لَهُ امْرَأَتَانِ رَضِيعَتَانِ فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ عَلَى التَّعَاقُبِ حَرُمَتَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا حَرَامٌ (قَالَ) رَجُلٌ مُشِيرًا إلَى امْرَأَتِهِ (هَذِهِ رَضِيعَتِي، ثُمَّ رَجَعَ) عَنْ قَوْلِهِ (صَدَقَ) فِي رُجُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَجْرِي فِيهِ الْغَلَطُ فَكَانَ مَعْذُورًا فَقَدْ يَقَعُ عِنْدَ الرَّجُلِ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانَةَ رَضَاعًا فَيُخْبِرُ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَتَفَحَّصُ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ فَيَتَبَيَّنُ لَهُ غَلَطٌ فِي ذَلِكَ فَإِذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ غَلَطٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ أَنَّ هَذِهِ أُخْتُهُ أَوْ أُمُّهُ أَوْ بِنْتُهُ رَضَاعًا، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَقَالَ أَخْطَأْت أَوْ وَهَمْت أَوْ نَسِيت وَصَدَّقَتْهُ فَهُمَا مُصَدَّقَانِ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ) أَيْ وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ.
وَقَالَ هُوَ حَقٌّ كَمَا قُلْت، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ وَأَنْكَرَ، ثُمَّ أَكَذَبَتْ نَفْسَهَا، وَقَالَتْ أَخْطَأْت وَتَزَوَّجَهَا جَازَ، وَكَذَا إنْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَهَا جَازَ، وَلَوْ أَقَرَّا جَمِيعًا بِذَلِكَ، ثُمَّ أَكْذَبَا أَنْفُسَهُمَا، وَقَالَا أَخْطَأْنَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا جَازَ، وَكَذَا فِي النَّسَبِ لَيْسَ يَلْزَمُهُ إلَّا مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ قَالَ هَذِهِ أُخْتِي أَوْ أُمِّي، وَلَيْسَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، ثُمَّ قَالَ وَهَمْت صُدِّقَ، وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، كَذَا فِي الْكَافِي
(وَيَثْبُتُ) أَيْ الرَّضَاعُ (بِمُثْبِتِ الْمِلْكِ كَالْبَيِّنَةِ) أَيْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ (وَالتَّصَادُقُ) وَثُبُوتُهُ بِهَذَا لَا يُنَافِي ارْتِفَاعَ حُكْمِهِ بِالتَّكَاذُبِ كَمَا عَرَفْت
. (كِتَابُ الطَّلَاقِ) (وَهُوَ) لُغَةً رَفْعُ الْقَيْدِ مُطْلَقًا يُقَالُ أَطْلَقَ الْفَرَسَ أَوْ الْأَسِيرَ، وَلَكِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي النِّكَاحِ بِالتَّفْعِيلِ كَالسَّلَامِ وَالسَّرَاحِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسْرِيحِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَفِي غَيْرِهِ بِالْأَفْعَالِ وَلِهَذَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَبِتَخْفِيفِهَا يَحْتَاجُ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَشَرْعًا (رَفْعُ قَيْدٍ ثَابِتٍ شَرْعًا) خَرَجَ بِهِ قَيْدٌ ثَابِتٌ حِسًّا كَحَلِّ الْوَثَائِقِ (بِالنِّكَاحِ) خَرَجَ بِهِ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ قَيْدٍ ثَابِتٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
كَانَ اللَّبَنُ مِنْ الرَّجُلِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا مُؤَبَّدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا لِانْتِفَاءِ أُبُوَّتِهِ إلَّا إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ فَيَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ لِلدُّخُولِ بِالْأُمِّ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: إنْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ) بِأَنْ تَعْلَمَ قِيَامَ النِّكَاحِ وَأَنَّ الرَّضَاعَ مِنْهَا مُفْسِدٌ وَاعْتُبِرَ الْجَهْلُ لِدَفْعِ قَصْدِ الْفَسَادِ لَا لِدَفْعِ الْحُكْمِ وَأَنْ تَتَعَمَّدَهُ لَا لِدَفْعِ الْجُوعِ أَوْ الْهَلَاكِ عِنْدَ خَوْفِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ لَوْ ظَنَّتْ أَنَّهَا جَائِعَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا شَبْعَانَةُ لَا تَكُونُ مُتَعَمِّدَةً. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْقَوْلُ لِلْكَبِيرَةِ بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: طَلُقَتْ لَبُونٌ. . . إلَخْ) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ زَوْجُ مُرْضِعَةِ لَبَنِهَا مِنْهُ غِنًى عَنْ هَذَا
(قَوْلُهُ: أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبِيَّةٌ عَلَى التَّعَاقُبِ حَرُمَتَا) مُفِيدُ الْحُرْمَةِ بِالْمَعِيَّةِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فَلَوْ كُنَّ ثَلَاثًا فَأَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا بِأَنْ أَوْجَرَتْ وَاحِدَةً وَأَلْقَمَتْ ثَدْيَيْهَا ثِنْتَيْنِ حُرِّمْنَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ بَانَتْ الْأُولَيَانِ فَقَطْ وَالثَّالِثَةُ امْرَأَتُهُ وَالتَّوْجِيهُ وَتَمَامُ التَّفْرِيعِ فِي الْفَتْحِ وَالْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ رَجَعَ صَدَقَ) يَعْنِي رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) وَلَا يَنْفَعُهُ جُحُودُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتْحِ
[مَا يَثْبُت بِهِ الرَّضَاع]
(قَوْلُهُ: وَيَثْبُتُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَالُ) لَكِنْ لَا يَقَعُ الْفُرْقَةُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْعَبْدِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي النِّكَاحِ بِالتَّفْعِيلِ) يُقَالُ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ أَوَّلِ طَلْقَةٍ أَوْقَعَهَا، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّأْكِيدُ، أَمَّا إذَا قَالَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَلِلتَّكْثِيرِ كَغَلَّقَتْ الْأَبْوَابَ
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِسَبَبِهِ وَشَرْطِهِ وَحُكْمِهِ وَرُكْنِهِ وَمَحَاسِنِهِ وَوَصْفِهِ، وَسَبَبُهُ الْحَاجَةُ إلَى الْخَلَاصِ عِنْدَ تَبَايُنِ الْأَخْلَاقِ، وَشَرْطُهُ كَوْنُ الزَّوْجِ مُكَلَّفًا وَالْمَرْأَةِ مَنْكُوحَةً أَوْ فِي عِدَّةٍ تَصْلُحُ مَعَهَا مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ وَحُكْمُهُ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ مُؤَجَّلًا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الرَّجْعِيِّ وَبِدُونِهِ فِي الْبَائِنِ وَرُكْنُهُ نَفْسُ اللَّفْظِ وَمَحَاسِنُهُ مِنْهَا ثُبُوتُ التَّخَلُّصِ بِهِ مِنْ الْمَكَارِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَمِنْهَا جَعْلُهُ بِيَدِ الرِّجَالِ لَا النِّسَاءِ وَشَرَعَهُ
стр. 358
شَرْعًا لَكِنَّ ذَلِكَ الْقَيْدَ لَمْ يَثْبُتْ بِالنِّكَاحِ هَكَذَا وَقَعَ فِي الْكَنْزِ أَقُولُ هَذَا لَيْسَ بِمَانِعٍ لِدُخُولِ الْفَسْخِ وَفِيهِ وَلِهَذَا زِدْت قَوْلِي (يَزِيدُ) أَيْ ذَلِكَ الرَّفْعُ مِنْ وَاحِدٍ (إلَى الثَّلَاثَةِ) فَخَرَجَ الْفَسْخُ؛ إذْ لَا عَدَدَ فِيهِ اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَاقَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحْسَنُ وَحَسَنٌ وَبِدْعِيٌّ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ (طَلْقَةٌ فِي طُهْرٍ لَا وَطْءَ فِيهِ أَحْسَنُ) طَلْقَةٌ مُبْتَدَأٌ وَأَحْسَنُ خَبَرُهُ يَعْنِي أَنَّ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ تَطْلِيقُهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَا وَطْءَ فِيهِ وَتَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسُولِ ﵊ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ النَّدَمِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّدَارُكِ، وَذَكَرَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ (وَطَلَاقُ غَيْرِ مَوْطُوءَةٍ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي حَسَنٌ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الطَّلَاقُ (فِي حَيْضٍ، وَ) طَلَاقُ (مَوْطُوءَةٍ بِتَفْرِيقِ الثَّلَاثِ) مُتَعَلِّقٌ بِالطَّلَاقِ (فِي أَطْهَارٍ لَا وَطْءَ فِيهَا) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّفْرِيقِ (فِيمَنْ تَحِيضُ) أَيْ فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ مُتَعَلِّقٌ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ التَّقْيِيدِ بِتَفْرِيقِ الثَّلَاثِ (وَأَشْهُرٍ) عَطْفٌ عَلَى أَطْهَارٍ (فِي) حَقِّ (الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ حَسَنٌ وَسُنِّيٌّ) يَعْنِي أَنَّ تَطْلِيقَ غَيْرِ مَوْطُوءَةٍ وَاحِدَةً وَتَطْلِيقَ مَوْطُوءَةٍ ثَلَاثًا مُتَفَرِّقَةً فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ أَوْ أَشْهُرٍ حَسَنٌ وَسُنِّيٌّ.
وَقَالَ مَالِكٌ الثَّلَاثُ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَحْظُورٌ فَلَا يُبَاحُ إلَّا لِحَاجَةِ الْخَلَاصِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِالْوَاحِدَةِ وَلَنَا «قَوْلُهُ ﵊ لِعُمَرَ ﵁ مُرْ ابْنَكَ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يَدَعْهَا حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، ثُمَّ تَحِيضُ وَتَطْهُرُ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا إنْ أَحَبَّ. وَقَالَ ﵊ لِابْنِ عُمَرَ ﵁ إنَّكَ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ مَا هَكَذَا أَمَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالًا وَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ وَاحِدَةً فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُطَلِّقَ لَهَا النِّسَاءَ» يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ سُنِّيًّا
(وَحَلَّ طَلَاقُهُنَّ) أَيْ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ (عَقِيبَ الْوَطْءِ) ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي ذَوَاتِ الْحَيْضِ لِتَوَهُّمِ الْحَبَلِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا، وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ (وَثَلَاثٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي بِدْعِيٌّ (أَوْ ثِنْتَانِ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ فِي طُهْرٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ أَوْ وَاحِدَةٌ فِي طُهْرٍ وُطِئَتْ فِيهِ أَوْ) وَاحِدَةٌ (فِي حَيْضِ مَوْطُوءَةٍ بِدْعِيٌّ) ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَسَنِ وَالْأَحْسَنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِدْعِيًّا قَبِيحًا، (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الرَّجْعَةِ فِي الْأَخِيرَةِ) أَيْ الْمُطَلَّقَةِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَدَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ بِرَفْعِ أَثَرِهَا وَهُوَ الْعِدَّةُ، وَعِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا تُسْتَحَبُّ (فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ) وَإِلَّا أَمْسَكَهَا
(قَالَ لِمَوْطُوءَتِهِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
ثَلَاثًا، وَأَمَّا وَصْفُهُ فَالْأَصَحُّ حَظْرُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: أَقُولُ هَذَا لَيْسَ بِمَانِعٍ لِدُخُولِ الْفَسْخِ فِيهِ وَلِهَذَا زِدْت قَوْلِي يَزِيدُ. . . إلَخْ) لَوْ أَبْدَلَ الزِّيَادَةَ بِمَا أَرَادَهُ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَصَرَّحَ بِهِ الْكَمَالُ مِنْ أَنَّهُ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ لَكَانَ أَوْلَى وَاللَّفْظُ الْمَخْصُوصُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَادَّةِ طَلَّقَ صَرِيحًا كَطَالِقٍ أَوْ كِنَايَةً كَمُطْلَقَةٍ بِالتَّخْفِيفِ.
(قَوْلُهُ: طَلْقَةً فِي طُهْرٍ لَا وَطْءَ فِيهِ) أَيْ وَلَا فِي الْحَيْضِ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ فِي أَيِّ زَمَنٍ مِنْهُ يُوقَعُ الطَّلَاقُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ قِيلَ الْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِيقَاعَ إلَى آخِرِ الطُّهْرِ احْتِرَازًا عَنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا كَمَا طَهُرَتْ كَيْ لَا يُبْتَلَى بِالْإِيقَاعِ عَقِبَ الْوَقَاعِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَقَلُّ ضَرَرًا فَكَانَ أَوْلَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَطَلَاقُ مَوْطُوءَةٍ بِتَفْرِيقِ الثَّلَاثِ. . . إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ أَيْضًا زَمَنَ إيقَاعِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى، وَقِيلَ يُؤَخِّرُ الطَّلْقَةَ الْأُولَى إلَى آخِرِ الطُّهْرِ، وَقِيلَ يُطَلِّقُهَا عَقِبَ الطُّهْرِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَيَتَأَتَّى مَا قَالَهُ الْكَمَالُ مِنْ الْأَوْلَوِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: حَسَنٌ وَسُنِّيٌّ) قَالَ الْكَمَالُ تَخْصِيصُ هَذَا بِاسْمِ طَلَاقِ السُّنَّةِ لَا وَجْهَ لَهُ اهـ. أَيْ لِأَنَّ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ سُنِّيٌّ أَيْضًا اهـ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَحْسَنَ سُنِّيٌّ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِ سُنِّيًّا وَصَرَّحَ بِكَوْنِ الْحَسَنِ سُنِّيًّا لِدَفْعِ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنِّيٍّ لَا لِأَنَّهُ عِنْدَنَا سُنِّيٌّ دُونَ الْأَوَّلِ، كَذَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ تَطْلِيقَ غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ) عَبَّرَ بِالتَّطْلِيقِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَطَلَاقُ غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ لِيَصِحَّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ حَسَنًا وَسُنِّيًّا؛ إذْ الْفِعْلُ هُوَ الَّذِي يُوصَفُ بِالسُّنَّةِ اهـ.
وَالسُّنِّيُّ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ وَمِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ وَالْبِدْعِيُّ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ سُنِّيًّا) مَعْنَى السُّنِّيِّ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَوْجِبُ فَاعِلُهُ عِتَابًا إذَا صَدَرَ لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ عِبَادَةً فِي نَفْسِهِ لِيَثْبُتَ لَهُ ثَوَابٌ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَالْأَصَحُّ حَظْرُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْكَمَالِ
(قَوْلُهُ: لِتَوَهُّمِ الْحَبَلِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا) ضَمِيرُ هُوَ رَاجِعٌ لِلتَّوَهُّمِ وَالْإِشَارَةُ بِهُنَا إلَى الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِاشْتِبَاهِ حَالِ الْعِدَّةِ إمَّا بِالْأَقْرَاءِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ عُلُوقٌ أَوْ بِالْوَضْعِ إنْ حَصَلَ وَالِاشْتِبَاهُ مُنْتَفٍ فِيهِنَّ لِعَدَمِ خَفَاءِ أَمْرِ الْحَبَلِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِدْعِيًّا قَبِيحًا) فَفَاعِلُهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الرَّجْعَةِ) كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا تُسْتَحَبُّ) قَالَ الْكَمَالُ كَأَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُجُوبِ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ تَطْلِيقَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَهَا وَرَاجَعَهَا فِيهَا، وَكَذَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ.
وَفِي الْأَصْلِ خِلَافُهُ وَهُوَ نَصُّ الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَا وَإِذَا طَهُرَتْ وَحَاضَتْ، ثُمَّ طَهُرَتْ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا
стр. 359
حَالَ كَوْنِهَا (مِمَّنْ تَحِيضُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ بِلَا نِيَّةٍ) أَوْ نَوَى أَنْ يَقَعَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةٌ (يَقَعُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ وَإِنَّمَا قَالَ مِمَّنْ تَحِيضُ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ يَقَعُ لِلْحَالِ طَلْقَةٌ وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى وَبَعْد شَهْرٍ أُخْرَى، وَكَذَا الْحَالُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَوْطُوءَةٍ وَقَعَتْ لِلْحَالِ طَلْقَةٌ، ثُمَّ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ هَذَا الْكَلَامِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِوَقْتِ السُّنَّةِ وَلَمْ يَبْقَ فِي حَقِّهَا وَقْتَ السُّنَّةِ لِعَدَمِ الْعِدَّةِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْكُلَّ) أَيْ وُقُوعَ الْكُلِّ (الْآنَ أَوْ) يَنْوِيَ (وَاحِدَةً عِنْدَ كُلِّ شَهْرٍ) فَحِينَئِذٍ يَقَعُ مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ كَلَامَهُ؛ لِأَنَّهُ سُنِّيٌّ وُقُوعًا؛ إذْ وُقُوعُ الثَّلَاثِ جُمْلَةً عُرِفَ بِالسُّنَّةِ لَا إيقَاعًا فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ مُطْلَقُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ كَمَا مَرَّ وَهُوَ السُّنِّيُّ وُقُوعًا وَإِيقَاعًا
(يَقَعُ طَلَاقُ كُلِّ زَوْجٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ وَلَا الْمُكَاتَبُ إلَّا الطَّلَاقَ» (وَلَوْ مُكْرَهًا) فَإِنَّ طَلَاقَهُ صَحِيحٌ لَا إقْرَارَهُ بِالطَّلَاقِ (أَوْ هَازِلًا) وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْصِدُ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ (أَوْ سَفِيهًا) أَيْ ضَعِيفَ الْعَقْلِ (أَوْ سَكْرَانَ) زَائِلُ الْعَقْلِ فَإِنَّ طَلَاقَهُ وَاقِعٌ، وَكَذَا خُلْعُهُ وَإِعْتَاقُهُ (أَوْ أَخْرَسَ) فِي الْيَنَابِيعِ هَذَا إذَا وُلِدَ أَخْرَسَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ وَدَامَ، وَإِنْ لَمْ يَدُمْ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ (بِإِشَارَتِهِ) الْمَعْهُودَةِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ إشَارَةٌ تُعْرَفُ فِي نِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ وَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ فَهِيَ كَالْعِبَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ اسْتِحْسَانًا، كَذَا فِي الْكَافِي (أَوْ سَاهِيًا) بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَثَلًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ
(فَلَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمَوْلَى) أَيْ تَطْلِيقُهُ (امْرَأَةَ عَبْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ (وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ) لِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ» (وَالْمُبَرْسَمِ) مِنْ الْبِرْسَامِ بِكَسْرِ الْبَاءِ عِلَّةٌ مَعْرُوفَةٌ كَالْجُنُونِ (وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَعْتُوهِ) مِنْ الْعَتَهِ وَهُوَ اخْتِلَالٌ فِي الْعَقْلِ بِحَيْثُ يَخْتَلِطُ كَلَامُهُ فَيُشْبِهُ مَرَّةً كَلَامَ الْعُقَلَاءِ وَمَرَّةً كَلَامَ الْمَجَانِينِ (وَالنَّائِمِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُمْ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ أَوْ الْعَقْلِ فِيهِمْ
(إذَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (الْآخَرَ) كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ (بَطَلَ النِّكَاحُ) ؛ لِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ تُنَافِي ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ فَتَمْنَعُ بَقَاءَهُ (وَلَوْ حَرَّرَتْهُ) أَيْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا الْمَمْلُوكَ (حِينَ مَلَكَتْهُ فَطَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ خَرَجَتْ الْحَرْبِيَّةُ) مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (مُسْلِمَةً، ثُمَّ خَرَجَ) زَوْجُهَا (مُسْلِمًا فَطَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا) (أَلْغَاهُ) أَيْ الطَّلَاقَ (أَبُو يُوسُفَ) أَيْ قَالَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (وَأَوْقَعَهُ) أَيْ الطَّلَاقَ (مُحَمَّدٌ) فِيهِمَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ قَوْلُهُمَا: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ قَوْلُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَحْكِيَ الْخِلَافَ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِيهِ فَلِذَا قَالَ فِي الْكَافِي إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، كَذَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ) أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَيَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ وَهُوَ السُّنِّيُّ وُقُوعًا وَإِيقَاعًا.
(قَوْلُهُ: لَهُ ثُمَّ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ شَيْءٌ) مُفِيدٌ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا طَلُقَتْ أُخْرَى، وَكَذَا ثَالِثًا وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ فَمَا فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ وُقُوعِ الثَّلَاثِ لِلْحَالِ بِالْإِجْمَاعِ سَهْوٌ ظَاهِرٌ اهـ.
وَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْكَمَالِ أَنَّهُ لَوْ رَاجَعَ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ فَتَطْلُقُ بَعْدَهُ فِي طُهْرَيْنِ طَلْقَتَيْنِ فَلْيُنْظَرْ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُكْرَهًا فَإِنَّ طَلَاقَهُ صَحِيحٌ لِإِقْرَارِهِ بِالطَّلَاقِ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَقِيَامُ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ يُرَجِّحُ جَانِبَ الْكَذِبِ وَلَا كَذَلِكَ الْإِنْشَاءُ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ الشَّيْئَيْنِ فَاخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا، وَفَوْتُ الرَّضَاعِ لَا يُخِلُّ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ كَالْهَازِلِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سَكْرَانَ) أَيْ مِنْ مُحَرَّمٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ فَلَوْ كَانَ مُكْرَهًا الْأَصَحُّ عَدَمُ وُقُوعِ طَلَاقِهِ كَمَا لَا يُحَدُّ، كَذَا فِي قَاضِي خَانْ وَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِيمَا إذَا سَكِرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْحُبُوبِ أَوْ الْعَسَلِ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ إذَا سَكِرَ مِنْ مُحَرَّمٍ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ.
(قَوْلُهُ: زَائِلُ الْعَقْلِ) وَهُوَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ وَفِي شَرْحِ بَكْرٍ السُّكْرُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّصَرُّفَاتُ أَنْ يَصِيرَ بِحَالٍ يَسْتَحْسِنُ مَا يَسْتَقْبِحُهُ النَّاسُ وَيَسْتَقْبِحُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ النَّاسُ لَكِنَّهُ يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: بِإِشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ) أَيْ الْمَقْرُونَةِ بِتَصْوِيتٍ مِنْهُ وَسَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَوْ لَا اسْتِحْسَانًا.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إنْ كَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ لَا تَقَعُ بِالْإِشَارَةِ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِمَا هُوَ أَدَلُّ مِنْ الْإِشَارَةِ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سَاهِيًا) يَعْنِي مُخْطِئًا لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْمِثَالِ وَلَا يَدِينُ لِمَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَجُوزُ الْغَلَطُ فِي الطَّلَاقِ وَفِي الْعَتَاقِ يَدِينُ وَالْغَلَطُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الثَّانِي أَيْ أَبُو يُوسُفَ لَا يَدِينُ فِيهِمَا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّائِمُ) كَذَا لَوْ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ أَجَزْت ذَلِكَ الطَّلَاقَ أَوْ أَوْقَعْته لَا يَقَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعَادَ الضَّمِيرَ إلَى غَيْرِ مُعْتَبَرٍ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ
(قَوْلُهُ: وَإِذَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ) يَعْنِي مِلْكًا حَقِيقِيًّا فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَزَوْجَتِهِ إذَا اشْتَرَاهَا لِقِيَامِ الرِّقِّ وَالثَّابِتُ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ النِّكَاحِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: أَلْغَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَأَوْقَعَهُ مُحَمَّدٌ) كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلِكِ وَنَفْيُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ
стр. 360
(وَاعْتِبَارُهُ) أَيْ الطَّلَاقِ وَالْمُرَادُ عَدَدُهُ (بِالنِّسَاءِ فَطَلَاقُ الْحُرَّةِ) أَيْ جَمِيعُ طَلَاقِهَا (ثَلَاثَةٌ) حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا (وَ) طَلَاقُ (الْأَمَةِ اثْنَتَانِ) حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا (وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِلَفْظِ الْعِتْقِ بِلَا عَكْسٍ) يَعْنِي إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَعْتَقْتُكِ تَطْلُقُ إنْ نَوَى أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ الْحَالُ، وَإِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ طَلَّقْتُكِ لَا تُعْتَقُ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنْ الْقَيْدِ، وَلَيْسَتْ الْأُولَى لَازِمَةً لِلثَّانِيَةِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعَارَةُ الثَّانِيَةِ لِلْأُولَى وَيَصِحُّ الْعَكْسُ
[بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ]
[أَنْوَاع الطَّلَاق]
بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ)
الطَّلَاقُ نَوْعَانِ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ، الصَّرِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ ظُهُورًا بَيِّنًا حَتَّى صَارَ مَكْشُوفَ الْمُرَادِ بِحَيْثُ يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا (صَرِيحُهُ مَا) أَيْ لَفْظٌ (لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا فِيهِ كَطَلَّقْتُك وَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَاقٌ) قَالَ الشَّاعِرُ:
فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ
فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلَّا فِي الطَّلَاقِ (وَيَقَعُ بِهِ) أَيْ بِالصَّرِيحِ (وَاحِدٌ) ، أَمَّا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَلِمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ إنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ فَلَا يُحْتَمَلُ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ وَذِكْرُ الطَّلَاقِ ذِكْرٌ لِطَلَاقٍ هُوَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ لَا لِطَلَاقٍ هُوَ تَطْلِيقٌ وَالْعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ لُغَةً وَيَدُلُّ عَلَى التَّطْلِيقِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الرَّجُلِ اقْتِضَاءً فَاَلَّذِي هُوَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ لَا يَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ فِي ذَاتِهِ وَإِنَّمَا التَّعَدُّدُ فِي التَّطْلِيقِ حَقِيقَةً وَبِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِهِ يَتَعَدَّدُ لَازِمُهُ أَيْ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا الَّذِي هُوَ صِفَةُ الرَّجُلِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً وَبَيَّنَهُ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ الزَّيْلَعِيِّ وَقَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ إنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الطَّلَاقِ لَا الْمَرْأَةِ لَا يَسْتَقِيمُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَأَمَّا الْبَوَاقِي فَلِأَنَّهَا لِلْإِخْبَارِ لُغَةً، وَالشَّارِعُ نَقَلَهَا إلَى الْإِنْشَاءِ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ فِي جَمِيعِ أَوْضَاعِهِ اعْتَبَرَ الْمَعَانِيَ اللُّغَوِيَّةَ حَتَّى اخْتَارَ لِلْإِنْشَاءِ أَلْفَاظًا تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ مَعَانِيهَا فِي الْحَالِ كَأَلْفَاظِ الْمَاضِي فَإِذَا قَالَ طَلَّقْتُك وَهُوَ فِي اللُّغَةِ لِلْإِخْبَارِ وَجَبَ كَوْنُ الْمَرْأَةِ مَوْصُوفَةً بِهِ فِي الْحَالِ فَيُثْبِتُ الشَّرْعُ الْإِيقَاعَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ اقْتِضَاءً لِيَصِحَّ هَذَا الْكَلَامُ، فَيَكُونُ الطَّلَاقُ ثَابِتًا اقْتِضَاءً فَلَا يَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ؛ إذْ لَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضِي؛ وَلِأَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ إنَّمَا تَصِحُّ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بِكَوْنِ الثَّلَاثِ وَاحِدًا اعْتِبَارِيًّا وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْمَجَازِ إلَّا فِي اللَّفْظِ كَنِيَّةِ التَّخْصِيصِ
(رَجْعِيٌّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَقَدْ قَالُوا الْإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ هُوَ الرَّجْعَةُ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ نَوَى وَاحِدًا بَائِنًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُرَادِ فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِعَيْنِ الْكَلَامِ وَقَامَ مَقَامَ مَعْنَاهُ فَاسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ وَبِنِيَّةِ الْإِبَانَةِ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّارِعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَلْغُو قَصْدُهُ كَمَا إذَا سَلَّمَ يُرِيدُ قَطْعَ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ، وَكَذَا نِيَّةُ الثَّلَاثِ تُعْتَبَرُ لِمُقْتَضَى اللَّفْظِ كَمَا سَنُبَيِّنُ فَتَلْغُو (وَلَا يَمْنَعُ) أَيْ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ (الْإِرْثَ أَصْلًا) أَيْ لَا فِي الصِّحَّةِ وَلَا فِي الْمَرَضِ (وَصُدِّقَ فِي نِيَّةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ وَتَطْلُقُ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَيُخَالِفُهُ نَقْلُ الْكَمَالِ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ يَقَعُ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ عَكْسَ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَا لَوْ حَرَّرَهَا بَعْدَ شِرَائِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ وَالْحُكْمُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ هَذَا.
وَقَالَ لَا يَقَعُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى قَالَهُ قَاضِي خَانْ اهـ.
فَعَلَيْهِ تَكُونُ الْفَتْوَى عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْمَجْمَعِ مِنْ عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيمَا لَوْ حَرَّرَتْهُ هِيَ بَعْدَ شِرَائِهَا إيَّاهُ
(بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ) .
(قَوْلُهُ: الطَّلَاقُ ضَرْبَانِ) أَيْ التَّطْلِيقُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: ظُهُورًا بَيِّنًا) أَيْ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالصَّرِيحُ مَا يَقُومُ لَفْظُهُ مَقَامَ مَعْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا) الضَّمِيرُ لِلصَّرِيحِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ نَوَى وَاحِدًا بَائِنًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ) شَامِلٌ لِقَوْلِهِ وَطَلَاقٌ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ اللَّامِ وَالْمُحَلَّى فَيَقَعُ بِهِ الثَّلَاثُ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ كَلَامَهُ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ (فَإِنْ قِيلَ) كَيْفَ تَقَعُ بِهِ الثَّلَاثُ، وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ طَالِقٍ وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهَا (قُلْنَا) إنَّهُ يُرَادُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ذَاتُ طَلَاقٍ أَوْ يَجْعَلُ ذَاتَهَا طَلَاقًا لِلْمُبَالَغَةِ فَلَا يَرِدُ الْإِيرَادُ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالتَّبْيِينِ
стр. 361
الْوَثَاقِ دِيَانَةً) يَعْنِي إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ وَثَاقٍ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْمَرْأَةُ كَالْقَاضِي لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ إذَا سَمِعَتْ مِنْهُ ذَلِكَ أَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدُ عَدْلٍ عِنْدَهَا لَكِنْ تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ) أَيْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَنْ وَثَاقٍ (صُدِّقَ مُطْلَقًا) أَيْ لَمْ يَقَعْ فِي الْقَضَاءِ أَيْضًا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً (وَفِي نِيَّةِ الْعَمَلِ لَا يُصَدَّقُ أَصْلًا) لَا دِيَانَةً وَلَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْعَمَلِ (كَذَا) أَيْ كَمَا ذَكَرَ مِنْ الصُّوَرِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ (أَنْتِ الطَّلَاقُ أَوْ طَالِقٌ الطَّلَاقَ أَوْ طَالِقٌ طَلَاقًا أَوْ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً لَكِنْ يَقَعُ بِهَا) أَيْ بِهَذَا الصُّوَرِ (وَاحِدٌ رَجْعِيٌّ إنْ لَمْ يَنْوِ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُرَادِ (أَوْ ثِنْتَيْنِ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ عَدَدٌ مَحْضٌ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْفَرْدُ (وَإِنْ نَوَى تَمَامَ الْعَدَدِ) وَهُوَ الثَّلَاثُ فِي الْحُرَّةِ وَالثِّنْتَانِ فِي الْأَمَةِ (صَحَّ) لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ لَفْظَ الْمَصْدَرِ مُفْرَدٌ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَدِ وَالثَّلَاثُ وَاحِدٌ اعْتِبَارِيٌّ لِكَوْنِهِ تَمَامَ الْجِنْسِ، وَكَذَا الثِّنْتَانِ فِي حَقِّ الْأَمَةِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْحُرَّةِ فَعَدَدٌ مَحْضٌ فَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُمَا
(إنْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ، وَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَثَلًا (أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا كَالرَّقَبَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (وَالْعُنُقِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] (وَالرُّوحِ) يُقَالُ هَلَكَ رُوحُهُ (وَالْبَدَنِ وَالْجَسَدِ وَالْفَرْجِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» (وَالْوَجْهِ) يُقَالُ يَا وَجْهَ الْعَرَبِ (وَالرَّأْسِ) فُلَانٌ رَأْسُ الْقَوْمِ (أَوْ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ كَنِصْفِهَا وَثُلُثِهَا وَقَعَ) أَيْ الطَّلَاقُ جَزَاءً لِقَوْلِهِ إنْ أَضَافَ فَإِنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعَ مَحَلٌّ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لَكِنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ فَيَثْبُتُ فِي الْكُلِّ ضَرُورَةً.
(وَ) إنْ أَضَافَهُ (إلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْقَلْبِ لَا) أَيْ لَا تَطْلُقُ؛ إذْ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْكُلِّ فَإِنْ قِيلَ الْيَدُ وَالْقَلْبُ عَبَّرَ بِهِمَا عَنْ الْكُلِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ، وَقَوْلُهُ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ» وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] أَيْ بَيْنَهُمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ اسْتِمْرَارُ اسْتِعْمَالِهِ لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَإِنَّمَا جَاءَ عَلَى وَجْهِ النُّدْرَةِ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ قَوْمٍ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ أَيَّ عُضْوٍ كَانَ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
. (وَ) يَقَعُ (بِنِصْفِ طَلْقَةٍ) أَوْ ثُلُثِهَا وَفَاعِلُ يَقَعُ الْمُقَدَّرُ قَوْلُهُ الْآتِي وَاحِدَةٌ يَعْنِي إذَا طَلَّقَهَا نِصْفَ التَّطْلِيقَةِ أَوْ ثُلُثَهَا وَقَعَتْ وَاحِدَةً، وَكَذَا كُلُّ جُزْءٍ شَائِعٍ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ كُلِّهِ.
(وَ) يَقَعُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةٌ وَإِلَى ثَلَاثٍ) أَيْ يَقَعُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ، أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ (ثِنْتَانِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى عِنْدَهُ تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا لَا الثَّانِيَةُ، وَعِنْدَهُمَا تَدْخُلُ الْغَايَتَانِ حَتَّى يَقَعَ فِي الْأُولَى ثِنْتَانِ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ،.
وَعِنْدَ زُفَرَ لَا تَدْخُلُ الْغَايَتَانِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الْأُولَى شَيْءٌ وَفِي الثَّانِيَةِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ.
(وَ) يَقَعُ (بِثَلَاثِ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ) ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ، وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ يَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ: يَعْنِي إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ وَثَاقٍ) لَعَلَّ إنَّمَا قَالَ يَعْنِي وَحَصَرَ شَرْحَهُ بِالتَّصْوِيرِ بِطَالِقٍ؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ شَامِلٌ لِقَوْلِهِ مُطَلَّقَةٌ وَطَلَاقٌ فَيُنْظَرُ هَلْ تَعْمَلُ نِيَّةُ الطَّلَاقِ عَنْ وَثَاقٍ فِيهِمَا دِيَانَةً أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ كَالْقَاضِي لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ. . . إلَخْ) فَتَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهَا بِغَيْرِ الْقَتْلِ عَلَى الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى وَعَلَى الْقَوْلِ بِقَتْلِهِ نَقْتُلُهُ بِالدَّوَاءِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَهَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَمْ يَكُنْ قَرُبَهَا فِيهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْعِدَّةُ قَائِمَةً فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ رَجْعِيٌّ فَلَا تَمْنَعُهُ عَنْ نَفْسِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ صُدِّقَ مُطْلَقًا) هَذَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَدَدِ فَلَوْ قَالَ طَالِقٌ ثَلَاثًا مِنْ هَذَا الْقَيْدِ وَقَعَ فِي الْقَضَاءِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى تَمَامَ الْعَدَدِ صَحَّ) ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ قَوْلِهِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْمُحْتَمَلِ وَتَطْلِيقَةٌ بِتَاءِ الْوَحْدَةِ لَا يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ قَبْلَ فَصْلِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَسَنَذْكُرُ فِي الْكِنَايَاتِ عَنْ الْكَافِي أَنَّ التَّنْصِيصَ عَنْ الْوَاحِدَةِ يُنَافِي نِيَّةَ الثَّلَاثِ اهـ.
وَذَكَرَ الْكَمَالُ فِي الْكِنَايَاتِ أَنَّ الْمَصْدَرَ الْمَحْدُودَ بِالْهَاءِ لَا يَتَجَاوَزُ الْوَاحِدَةَ.
(قَوْلُهُ: وَالثِّنْتَانِ فِي الْأَمَةِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِيَّتُهُمَا فِي الْحُرَّةِ، وَلَوْ سَبَقَ لَهَا طَلْقَةٌ وَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ مِنْ صِحَّةِ نِيَّتِهِمَا فِيمَنْ سَبَقَ تَطْلِيقُهَا سَهْوٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَضَافَ. . . إلَخْ) الْإِضَافَةُ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ وَبِالتَّجَوُّزِ فِيمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ كَرَقَبَتُك وَسَوَاءٌ أَشَارَ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجَسَدِ كَهَذَا الرَّأْسِ أَمْ قَالَ رَأْسُك، أَمَّا لَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى نَحْوِ الرَّقَبَةِ فَقَالَ هَذَا الْعُضْوُ طَالِقٌ أَوْ قَالَ الرَّقَبَةُ مِنْك طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ عِبَارَةً عَنْ الْكُلِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ جَوَابَ الشَّرْطِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْقَوْلَةِ لِيَحْسُنَ اسْتِدْلَالُهُ لِإِطْلَاقِ نَحْوِ الرَّقَبَةِ عَلَى إرَادَةِ الذَّاتِ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْجُ) كَذَا الِاسْتُ فَيَقَعُ بِقَوْلِهِ اسْتُك طَالِقٌ
стр. 362
(وَ) يَقَعُ بِثَلَاثَةِ أَنْصَافِ (طَلْقَةٍ طَلْقَتَانِ) ؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ تَكُونُ طَلْقَةً وَنِصْفًا فَيَتَكَامَلُ النِّصْفُ فَيَحْصُلُ طَلْقَتَانِ (وَقِيلَ) يَقَعُ (ثَلَاثٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَتَكَامَلُ فَيَحْصُلُ ثَلَاثٌ (وَوَاحِدَةً) بِالنَّصْبِ أَيْ يَقَعُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً (فِي ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يَنْوِ) لِكَوْنِهِ صَرِيحًا (أَوْ نَوَى الضَّرْبَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ شَيْئًا فِي الْمَضْرُوبِ (وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ فَثَلَاثٌ) ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ اللَّفْظِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كَانَ فِي الْمَوْطُوءَةِ
(وَفِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ) أَيْ إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى وَثِنْتَيْنِ يَقَعُ وَاحِدَةً (كَوَاحِدَةٍ وَثِنْتَيْنِ) أَيْ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ حَيْثُ يَقَعُ وَاحِدَةً وَلَا يَبْقَى لِلثِّنْتَيْنِ مَحَلٌّ، وَإِنْ نَوَى مَعَ ثِنْتَيْنِ فَثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ اللَّفْظِ.
(وَ) يَقَعُ (بِثِنْتَيْنِ) أَيْ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ (فِي ثِنْتَيْنِ بِنِيَّةِ الضَّرْبِ ثِنْتَانِ) لِمَا عَرَفْت أَنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي الْمَضْرُوبِ شَيْئًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ مَعَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ وَثِنْتَيْنِ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا فَهِيَ ثَلَاثٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ مُحْتَمَلُ اللَّفْظِ
. (وَ) يَقَعُ (بِمِنْ) أَيْ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ (هُنَا إلَى الشَّامِ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ) .
وَقَالَ زُفَرُ هِيَ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَوِيلَةً، وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ كَانَ بَائِنًا، كَذَا هُنَا، قُلْنَا لَا، بَلْ وَصَفَهُ بِالْقِصَرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا وَنَفْسُ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَمِلُ الْقِصَرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَقَصْرُ حُكْمِهِ بِكَوْنِهِ رَجْعِيًّا (وَقَوْلُهُ) أَنْتِ طَالِقٌ (بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ أَوْ فِي الدَّارِ تَنْجِيزٌ) يَقَعُ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، وَلَوْ عَنَى بِهِ التَّعْلِيقَ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي ثَوْبِ كَذَا تَنْجِيزٌ، وَلَوْ نَوَى التَّعْلِيقَ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الظِّلِّ أَوْ فِي الشَّمْسِ (وَقَوْلُهُ) أَنْتِ طَالِقٌ (إذَا دَخَلْت مَكَّةَ، وَ) قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ (فِي دُخُولِك الدَّارَ تَعْلِيقٌ) ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالدُّخُولِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ فِي لِلظَّرْفِ وَالْفِعْلُ لَا يَصْلُحُ لِلظَّرْفِيَّةِ حَقِيقَةً فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْجَمْعِ فَإِنَّ الْمَظْرُوفَ يُجَامِعُ الظَّرْفَ وَلَا يُوجَدُ بِدُونِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَشْرُوطُ يُجَامِعُ الشَّرْطَ وَلَا يُوجَدُ بِدُونِهِ وَالشَّرْطُ يَكُونُ سَابِقًا عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَكَذَا الظَّرْفُ يَكُونُ سَابِقًا عَلَى الْمَظْرُوفِ فَتَقَارَبَا فَجَازَتْ الِاسْتِعَارَةُ
(وَبَانَتْ) أَيْ بِقَوْلِهِ أَنْتِ (طَالِقٌ غَدًا أَوْ فِي غَدٍ يَقَعُ) أَيْ الطَّلَاقُ (عِنْدَ الصُّبْحِ) لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِهِ (وَصَحَّ فِي الثَّانِي) أَيْ فِي قَوْلِهِ فِي غَدٍ (نِيَّةُ الْعَصْرِ) يَعْنِي آخِرَ النَّهَارِ وَمُرَادُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا دِيَانَةً فَيُصَدَّقُ فِيهِمَا هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِمَا قَضَاءً وَيُصَدَّقُ فِيهِمَا دِيَانَةً.
(وَفِي) أَنْتِ طَالِقٌ (الْيَوْمَ غَدًا أَوْ غَدًا الْيَوْمَ يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ) وَيَلْغُو الثَّانِي يَعْنِي طَلَّقَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فِي الْيَوْمِ وَيَلْغُو ذِكْرُ الْغَدِ وَفِي الثَّانِيَةِ تَطْلُقُ فِي الْغَدِ وَيَلْغُو ذِكْرُ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ إذَا ذَكَرَ ثَبَتَ حُكْمُهُ تَعْلِيقًا أَوْ تَنْجِيزًا فَلَا يَحْتَمِلُ التَّعْبِيرَ بِذِكْرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ لَا يَقْبَلُ التَّنْجِيزَ وَالْمُنَجَّزَ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ غَدٌ حَيْثُ لَا يَقَعُ قَبْلَ غَدٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِمَجِيءِ غَدٍ فَلَا يَقَعُ قَبْلَهُ، وَذَكَرَ الْيَوْمَ لِبَيَانِ وَقْتِ التَّعْلِيقِ
(أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوَّلًا أَوْ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَعَ مَوْتِك لَغْوٌ) ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْوَصْفَ مَتَى قُرِنَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ
(قَوْلُهُ: وَثَلَاثَةُ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ طَلْقَتَانِ) قَالَ الْعَتَّابِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى مَعَ ثِنْتَيْنِ فَثَلَاثٌ) يَشْمَلُ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ مَعَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ وَثِنْتَيْنِ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا فَهِيَ ثَلَاثٌ) كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ اهـ. فَقَيْدُ الدُّخُولِ خَاصٌّ بِالصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ وَيَجِبُ إطْلَاقُ الْأُولَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ لَا يَفْتَرِقُ فِيهَا حَالُ الدُّخُولِ عَنْ عَدَمِهِ كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَهُ كَوَاحِدَةٍ فِي ثِنْتَيْنِ أَنَّ فِي تَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ
стр. 363
بِالْعَدَدِ كَانَ الْوُقُوعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ كَمَا سَيَأْتِي، فَيَكُونُ الشَّكُّ دَاخِلًا فِي الْإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْإِيقَاعِ وَمَوْتُهَا يُنَافِي مَحَلِّيَّةَ الْوُقُوعِ وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا (كَذَا أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك أَوْ أَمَسَّ وَنَكَحَهَا الْيَوْمَ) ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ فِيهِ فَلَغَا كَمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقِي أَوْ طَلَّقْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ أَنْ أَشْتَرِيَك أَوْ أَنْتَ حُرٌّ أَمْسِ، وَقَدْ اشْتَرَاهُ الْيَوْمَ حَيْثُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ قَبْلَ مِلْكِهِ أَلَا يُرَى مَنْ قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَإِنْ نَكَحَهَا قَبْلَ أَمْسِ وَقَعَ الْآنَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا عَنْ طَلَاقِ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ طَلَاقِ غَيْرِهِ لِانْعِدَامِهِمَا فِيهِ فَتَعَيَّنَ الْإِنْشَاءُ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْإِسْنَادِ فَتَعَيَّنَ الْإِنْشَاءُ فِي الْحَالِ
(قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرَيْنِ) أَوْ أَكْثَرَ وَمَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرَيْنِ. . . إلَخْ) كَذَا قَالَ الْكَمَالُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي أَوْ قَبْلَ مَوْتِك بِشَهْرَيْنِ يَعْنِي وَمَاتَ لِتَمَامِهِ عِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَتَرِثُ مِنْهُ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِهِ مُقْتَصِرًا كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَهُ يَقَعُ مُسْتَنِدًا حَتَّى إذَا كَانَ صَحِيحًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا تَرِثُ مِنْهُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ثَلَاثُ حِيَضٍ. اهـ.
(أَقُولُ) فِي الْحُكْمِ بِعَدَمِ تَوْرِيثِهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَالطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ فَمَا دَامَتْ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً وَمَاتَ فِيهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ بَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً تَأَمَّلْته فَظَهَرَ لِي وَجْهُ النَّظَرِ مِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلُ أَنَّ الطَّلَاقَ مُقَيَّدٌ بِالثَّلَاثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَتَرَكَ الْقَيْدَ فِي الدُّرَرِ وَهُوَ مُخِلٌّ بِالْحُكْمِ لِافْتِرَاقِ الْبَائِنِ عَنْ الرَّجْعِيِّ حُكْمًا، وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ فِي الدُّرَرِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ لَيْسَ فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الْجَامِعِ وَالْوُقُوعُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرْطِ فَإِنَّ الشَّرْطَ مَا كَانَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ كَقُدُومِ زَيْدٍ، وَجَائِزٌ أَنْ لَا يَقْدَمَ وَالْمَوْتُ الْمُضَافُ الطَّلَاقُ لِمَا قَبْلَهُ بِكَذَا كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَكَانَ مُعَرِّفًا لِلْوَقْتِ الْمُضَافِ إلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَهُ بِمَعْنًى لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وَهُوَ الْمَوْتُ فَكَانَ مُعَرَّفًا فَيَقَعُ الْجَزَاءُ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ مُسْتَنِدًا لِأَوَّلِ الْمُدَّةِ، وَالثَّالِثِ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا مِيرَاثَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ تَنْقَضِي بِشَهْرَيْنِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ هُوَ كَذَلِكَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لَكِنَّهُ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ بَعْدَهُ بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَجْهَهُ فَإِنَّ مَنْعَهَا الْمِيرَاثِ بِإِمْكَانِ انْقِضَاءِ ثَلَاثِ حِيَضٍ لَا وَجْهَ لَهُ لِكَوْنِ الزَّوْجِ فَارًّا؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ فِي تَصْوِيرِ هَذِهِ بِمَا دُونَ شَهْرَيْنِ وَنَصُّهُ: وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ شَهْرَيْنِ فَمَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَعَ الطَّلَاقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَطْلُقُ وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا لَكِنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي بِمَا دُونَ الشَّهْرَيْنِ فَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ وَيَصِيرُ الزَّوْجُ فَارًّا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى الْمَوْتِ وَيَتَعَلَّقُ حَقُّهَا بِمَالِهِ اهـ.
فَلَوْلَا الْفِرَارُ مَا وَرِثَتْ بِمَوْتِهِ فِي عِدَّتِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِدَّةَ زَوْجَةِ الْفَارِّ أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ وَبِمُضِيِّ ثَلَاثِ حَيْضٍ فِي شَهْرَيْنِ بِالْحَقِيقَةِ لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا وَيَبْقَى مِنْهَا شَهْرَانِ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ لِإِتْمَامِ أَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ فَتَرِثُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ مُضِيِّهِ فَكَيْفَ تُمْنَعُ بِمُضِيِّ الشَّهْرَيْنِ بِإِمْكَانِ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِيهَا هَذَا مَمْنُوعٌ مَعَ أَنَّهُ عَلَى الضَّعِيفِ وَهُوَ اسْتِنَادُ الْعِدَّةِ كَالطَّلَاقِ بِمَبْدَأِ الْمُدَّةِ فَإِنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ بَعْدَ هَذَا بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَقَدْ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيهَا وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَجِبُ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ اهـ.
فَكَانَ فِي اقْتِصَارِ صَاحِبِ الدُّرَرِ عَلَى نَقْلِهِ ذَلِكَ قُصُورٌ عَنْ الْوُصُولِ لِلصَّحِيحِ الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَالْعُذْرُ لَهُ عَدَمُ مُطَالَعَةِ تَمَامِ الْبَابِ وَانْقِطَاعُ الْكَلَامِ الَّذِي يَلِي مَا نَقَلَهُ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِهِ لَكِنَّهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ أَعَادَ فَذَكَرَ الصَّحِيحَ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ اقْتِصَارُ الْعِدَّةِ عَلَى وَقْتِ الْمَوْتِ وَلَا يَلْزَمُ اسْتِنَادُهَا لِأَوَّلِ الْمُدَّةِ كَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ وَلَازِمُ الشَّيْءِ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ لِمُقْتَضٍ لَهُ كَتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ كَالطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ إذَا عَيَّنَهُ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ لِكُلٍّ مِنْ امْرَأَتَيْنِ قَالَ لَهُمَا إحْدَاكُمَا طَالِقٌ كَانَ الْعِدَّةُ عَلَى الَّتِي عَيَّنَهَا مِنْ وَقْتِ الْبَيَانِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي مَتْنِ الصَّدْرِ سُلَيْمَانَ وَشَرْحِهِ لِلْفَخْرِ عُثْمَانَ الْمَارْدِينِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ فَقَالَ: أَمَّا الْعِدَّةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجِبُ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ، كَذَا فِي التَّحْرِيرِ قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الضَّعِيفَ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ فَكَانَ هَذَا الرَّابِعُ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ، ثُمَّ إنَّ الْمَارْدِينِيَّ قَالَ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ التَّفْرِيعُ فِي الْإِرْثِ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ بِاشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْعِدَّةِ وَلَا يَتَأَتَّى عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنَّ عِدَّتَهَا مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ فَتَرِثُ عِنْدَ الْإِمَامِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ الصَّدْرِ سُلَيْمَانَ فِي مَتْنِهِ وَلَا يَتَأَتَّى أَيْ اشْتِرَاطُ تِلْكَ الْعِدَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَا يَتَوَقَّفُ إرْثُهَا عَلَيْهَا فَتَرِثُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِمَا مَضَى؛ إذْ لَا يَظْهَرُ الِاسْتِنَادُ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّهَا الْمُتَعَلِّقِ بِمَالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ عَدَمَ صِحَّةِ الْفَرْعِ الَّذِي قَالَهُ الْكَمَالُ بِمَنْعِ إرْثِهَا بِمُضِيِّ شَهْرٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَتَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ مَا فِي مَنْظُومَةِ الْإِمَامِ عُمَرَ النَّسَفِيِّ ﵀ إنَّمَا هُوَ عَلَى الضَّعِيفِ، وَقَدْ تَبِعَهُ شُرَّاحُهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذِكْرِ الصَّحِيحِ مِنْهُمْ حَيْثُ قَالَ النَّسَفِيُّ ﵀
أَنْتِ كَذَا قَبْلَ مَمَاتِ مَنْ ذَكَرَ ... بِمُدَّةٍ مُسْتَنِدٌ لَا مُقْتَصِرٌ
فَلَمْ تَرِثْ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ كَذَا ... قَبْلَ وَفَاتِي بِكَذَا إذَا مَضَى
стр. 364
شَهْرَيْنِ (لَمْ تَطْلُقْ) لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ طَلُقَتْ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَلَا مِيرَاثَ لَهَا) ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ تَنْقَضِي بِشَهْرَيْنِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، كَذَا فِي التَّحْرِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ (قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْك وَسَكَتَ طَلُقَتْ) ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى زَمَانٍ خَالٍ عَنْ التَّطْلِيقِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْثُ سَكَتَ فَإِنَّ مَتَى صَرِيحٌ فِي الْوَقْتِ لِكَوْنِهَا مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ وَمَا أَيْضًا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ.
(وَ) لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (إنْ لَمْ أُطَلِّقْك لَا) أَيْ لَا تَطْلُقُ بِالسُّكُوتِ، بَلْ يَمْتَدُّ النِّكَاحُ (حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا) قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ (وَإِذَا وَإِذَا مَا بِلَا نِيَّةٍ كَانَ عِنْدَهُ وَمَتَى عِنْدَهُمَا) ، وَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُمَا (وَإِنْ نَوَى الْوَقْتَ أَوْ الشَّرْطَ فَذَاكَ) لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ كُلًّا مِنْهُمَا.
(وَفِي) (قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلُقُ بِالْأَخِيرَةِ) مَعْنَاهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ مَوْصُولًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقَعَ ثِنْتَانِ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى زَمَانٍ خَالٍ عَنْ التَّطْلِيقِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَهُوَ زَمَانُ اشْتِغَالِهِ بِالطَّلَاقِ قُبَيْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ زَمَانَ الْبِرِّ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْيَمِينِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ وَلَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ إلَّا بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ الْقَدْرِ عَنْ الْيَمِينِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(وَفِي) قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَنَكَحَهَا لَيْلًا حَنِثَ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ) اعْلَمْ أَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ يُرَادُ بِهِ الْإِنْهَارُ، وَإِذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ غَيْرِ مُمْتَدٍّ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ إذَا تَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ بِلَا لَفْظِ فِي يَكُونُ مِعْيَارًا لَهُ كَقَوْلِهِ صُمْت السَّنَةَ بِخِلَافِ صُمْت فِي السَّنَةِ فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ مُمْتَدًّا كَالْأَمْرِ بِالْيَدِ كَانَ الْمِعْيَارُ مُمْتَدًّا فَيُرَادُ بِالْيَوْمِ النَّهَارُ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ كَوُقُوعِ الطَّلَاقِ كَانَ الْمِعْيَارُ غَيْرَ مُمْتَدٍّ فَيُرَادُ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي التَّلْوِيحِ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي حَوَاشِيهِ
(وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ مَعَ عِتْقِ سَيِّدِك فَأَعْتَقَ سَيِّدُهَا لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (الرَّجْعَةُ) يَعْنِي رَجُلٌ تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ فَقَالَ لَهَا هَذِهِ الْعِبَارَةُ فَأَعْتَقَهَا الْمَوْلَى فَطَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ؛ لِأَنَّ الثِّنْتَيْنِ فِي حَقِّ الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ لَكِنَّهُ يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْمَوْلَى شَرْطٌ لِلتَّطْلِيقِ وَلَا يُنَافِيهِ لَفْظُ مَعَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى بَعْدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ، فَيَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَهِيَ حُرَّةٌ فَلَا يَكُونُ تَمَامُ طَلَاقِهَا ثِنْتَيْنِ، بَلْ ثَلَاثًا فَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الثِّنْتَيْنِ
(وَلَوْ عُلِّقَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عِتْقُهَا وَطَلَّقْتهَا بِمَجِيءِ الْغَدِ) يَعْنِي قَالَ الْمَوْلَى إذَا جَاءَ الْغَدُ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَقَالَ الزَّوْجُ إذَا جَاءَ الْغَدُ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ (فَجَاءَ) الْغَدُ (لَا) أَيْ لَيْسَ لَهُ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مُقَارِنٌ لِوُقُوعِ الْعِتْقِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَهِيَ أَمَةٌ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْعِتْقَ هُنَاكَ مُقَدَّمٌ رُتْبَةً كَمَا عَرَفْت،.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَسْرَعُ وُقُوعًا لِكَوْنِهِ رُجُوعًا إلَى الْحَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَهُوَ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ أَبْغَضُ الْمُبَاحَاتِ
(بَلْ تَعْتَدُّ كَالْحُرَّةِ) بِالِاتِّفَاقِ لِلِاحْتِيَاطِ (تَطْلُقُ) الْمَرْأَةُ (بِأَنَا) أَيْ بِقَوْلِ الزَّوْجِ أَنَا (مِنْك بَائِنٌ أَوْ عَلَيْك حَرَامٌ إنْ نَوَى لَا بِأَنَا مِنْك طَالِقٌ وَإِنْ نَوَى) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فَقُلْت لَزِمَ عَلَيْنَا نَظْمُ الصَّحِيحِ لِيَتَنَبَّهَ لَهُ الْحَاذِقُ النِّحْرِيرُ الْفَصِيحُ (فَقُلْت)
تَفْرِيعُهُ بِمَنْعِهَا عَنْ إرْثِهَا ... فَرْعُ اسْتِنَادِ عِدَّةٍ كَانَتْ لَهَا
مَبْدَؤُهَا الْوُقُوعُ لِلطَّلَاقِ ... وَالرَّاجِحُ الْقَصْرُ بِالِاتِّفَاقِ
لِعِدَّةٍ عَلَى وَفَاةِ الْفَانِي ... وَرَّثَهَا الْإِمَامُ وَالشَّيْخَانِ
عَلَى اخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِي التَّخْرِيجِ ... أَنْقَيْته مِنْ مُتْعَبٍ مَرِيجٍ
وَتَمَامُهُ مَبْسُوطٌ بِرِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا الْفَرِيدَةَ بَيْنَ الْإِعْلَامِ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يَمْتَدُّ النِّكَاحُ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا) يُفِيدُ أَنَّ مَوْتَهَا كَمَوْتِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَلَيْسَ مِثْلُ هَذَا حَلِفُهُ عَلَى الدُّخُولِ حَيْثُ لَا يَقَعُ بِمَوْتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الدُّخُولُ بَعْدَهُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْيَأْسُ بِمَوْتِهَا بِخِلَافِ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك لِتَحَقُّقِ الْيَأْسِ بِمَوْتِهِ فَيَحْنَثُ قُبَيْلَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ أَتَزَوَّجُك) الْيَوْمُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ قَالَهُ نَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَقِيلَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالنَّهَارُ الْبَيَاضُ خَاصَّةً وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: الْيَوْمُ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ يَمْتَدُّ. . . إلَخْ)
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ إنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الِامْتِدَادِ وَعَدَمِهِ الْجَزَاءُ وَهُوَ الطَّلَاقُ هُنَا وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ تَسَامَحَ فَاعْتَبَرَ الْمُضَافَ إلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْجَوَابُ وَهُوَ مَا يَكُونُ بِهِ الْمُعَلَّقُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ مِمَّا يَمْتَدُّ نَحْوُ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَسِيرُ فُلَانٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ الْأَوْجَهُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمُمْتَدُّ مِنْهُمَا لَيْسَ بِالْأَوْجَهِ وَقَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ الْمُمْتَدُّ مِنْهُمَا لَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي
(قَوْلُهُ: مَعَ عِتْقِ سَيِّدِك) لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَفْعُولِ كَالْكَنْزِ حَيْثُ قَالَ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكَ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِعَارَةِ الْحُكْمِ لِلْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِعْتَاقُ
стр. 365
لِإِزَالَةِ الْقَيْدِ وَهُوَ فِيهَا دُونَ الزَّوْجِ، وَلَوْ كَانَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فَهُوَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ وَالزَّوْجُ مِلْكٌ بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ؛ لِأَنَّهَا لِإِزَالَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا وَبِخِلَافِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الْحِلِّ وَهُوَ أَيْضًا مُشْتَرَكٌ فَصَحَّتْ إضَافَتُهُمَا إلَيْهِمَا وَلَا يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا إلَيْهَا وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ مَا قَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَلَا طَلَاقَ بَعْدَ مَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ شِقْصَهُ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَ قَبْلَ بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا مَلَكَ الْآخَرَ بَطَلَ النِّكَاحُ فَإِنَّهُ إذَا بَطَلَ لَمْ يَحْتَمِلْ الْوُقُوعَ.
(وَ) يَقَعُ (بِأَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا يُشِيرُ بِبَطْنِ الْإِصْبَعِ بِعَدَدِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَقَعُ الْمُقَدَّرِ (الْمَنْشُورِ) أَيْ الْمَنْصُوبِ مِنْ الْإِصْبَعِ.
(وَ) يَقَعُ بِمَا ذَكَرَ مُشِيرًا (بِظَهْرِهِ بِعَدَدِ الْمَضْمُومِ) فَإِنَّهُ إذَا أُشِيرَ بِالْإِصْبَعِ الْمَنْشُورِ فَالْعَادَةُ أَنْ يَكُونَ بَطْنُ الْكَفِّ فِي جَانِبِ الْمُخَاطَبِ فَيُعْتَبَرُ عَدَدُ الْمَنْشُورِ، وَإِذَا عَقَدَ الْإِصْبَعَ يَكُونُ بَطْنُ الْكَفِّ فِي جَانِبِ الْعَاقِدِ فَيُعْتَبَرُ الْعَدَدُ الْمَضْمُومُ اعْتِبَارًا بِطَرِيقِ الْحِسَابِ وَعُرْفِهِمْ.
(وَ) يَقَعُ (بِأَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَشَدُّ الطَّلَاقِ أَوْ أَفْحَشُهُ أَوْ أَخْبَثُهُ أَوْ طَلَاقُ الشَّيْطَانِ أَوْ) طَلَاقُ (الْبِدْعَةِ أَوْ) طَلَاقًا (كَالْجَبَلِ أَوْ كَأَلْفٍ أَوْ مِلْءَ الْبَيْتِ أَوْ تَطْلِيقَةٌ شَدِيدَةٌ أَوْ طَوِيلَةٌ أَوْ عَرِيضَةٌ بِلَا نِيَّةِ ثَلَاثٍ) يَشْمَلُ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ عَدَدًا أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَهَذَا فِي الْحُرَّةِ، وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَثِنْتَانِ بِمَنْزِلَةِ الثَّلَاثِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ اكْتِفَاءً بِمَا مَرَّ مِرَارًا (وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) فَاعِلُ يَقَعُ الْمُقَدَّرُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي إذَا وَصَفَ الطَّلَاقَ بِضَرْبٍ مِنْ الزِّيَادَةِ أَوْ الشِّدَّةِ كَانَ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، فَيَكُونُ هَذَا الْوَصْفُ لِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ.
(وَ) يَقَعُ (بِهَا) أَيْ بِنِيَّةِ الثَّلَاثِ (ثَلَاثٌ) لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَمَامُ الْجِنْسِ فَيَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ
(قَالَ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَعْنَ) أَيْ الثَّلَاثُ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَعَتْ وَاحِدَةً، وَإِذَا قَالَ أَوْقَعْت عَلَيْك ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَقَعْنَ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَا إلَى عِدَّةٍ، وَقَوْلُهُ ثَلَاثًا يُصَادِفُهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ عَطَفَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَوْقَعْت عَلَيْك ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَلَنَا أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ الْعَدَدَ كَانَ الْوُقُوعُ بِالْعَدَدِ كَمَا سَيَأْتِي بِخِلَافِ الْعَطْفِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ وَالْكَنْزِ؛ لِأَنَّ فِيهَا إشَارَةً إلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِهِمَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ فِيهِمَا فَلْيُتَأَمَّلْ (وَإِنْ فَرَّقَ) أَيْ الطَّلَاقَ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ (بَانَتْ بِالْأُولَى) لَا إلَى عِدَّةٍ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا (وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ) لِانْتِفَاءِ الْمَحَلِّ
(وَيَقَعُ) أَيْ الطَّلَاقُ (بِعَدَدٍ قُرِنَ بِهِ) أَيْ بِالطَّلَاقِ (لَا بِهِ) يَعْنِي إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً يَقَعُ الطَّلَاقُ بِوَاحِدَةٍ لَا بِأَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ مَوْقُوفٌ عَلَى ذِكْرِ الْعَدَدِ فَلَا يُفِيدُ الْحُكْمَ قَبْلَهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ (فَلَوْ مَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ لَغَا) أَيْ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ قَيَّدَ بِمَوْتِهَا؛ إذْ بِمَوْتِ الزَّوْجِ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ يَقَعُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِذِكْرِ الْعَدَدِ فِي مَوْتِهَا وَذِكْرُ الْعَدَدِ يَحْصُلُ بَعْدَ مَوْتِهَا وَفِي مَوْتِ الزَّوْجِ ذَكَرَ لَفْظَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ ذِكْرُ الْعَدَدِ فَبَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَهُوَ عَامِلٌ بِنَفْسِهِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ ثَلَاثًا فَأَخَذَ رَجُلٌ فَاهُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا بَعْدَ ذِكْرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَيَقَعُ بِأَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا) قَيَّدَ بِهَكَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مُشِيرًا بِالْأَصَابِعِ تَقَعُ وَاحِدَةً كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: يُشِيرُ بِبَطْنِ الْأُصْبُعِ بِعَدَدِ الْمَنْشُورِ وَبِظَهْرِهِ بِعَدَدِ الْمَضْمُومِ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَبَرُ الْمَنْشُورُ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فَلَا تُعْتَبَرُ الْمَضْمُومَةُ مُطْلَقًا قَضَاءً لِلْعُرْفِ وَالسُّنَّةِ وَتُعْتَبَرُ دِيَانَةً كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْمَوَاهِبِ وَقَاضِي خَانْ وَالْبَحْرِ وَالْفَتْحِ وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ قِيلَ النَّشْرُ لَوْ عَنْ طَيٍّ وَالطَّيُّ لَوْ عَنْ نَشْرٍ، وَقِيلَ إنْ كَانَ بَطْنُ كَفِّهِ إلَى السَّمَاءِ فَالْمَنْشُورُ، وَإِنْ إلَى الْأَرْضِ فَالْمَضْمُومُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ طَوِيلَةً أَوْ عَرِيضَةً. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ عَنْ كَافِي الْحَاكِمِ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طُولَ كَذَا وَكَذَا أَوْ عَرْضَ كَذَا وَكَذَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَلَا تَكُونُ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَاهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَقَعُ بِهَا ثَلَاثٌ بِالنِّيَّةِ) كَذَا فِي الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ، وَكَذَا ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي طَالِقٍ تَطْلِيقَةً شَدِيدَةً أَوْ عَرِيضَةً أَوْ طَوِيلَةً؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى التَّطْلِيقَةِ وَأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَةَ وَنَسَبَهُ إلَى شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَرَجَّحَ بِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْمُحْتَمَلِ وَتَطْلِيقَةُ بِنَاءِ الْوَحْدَةِ لَا تَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ، كَذَا فِي الْفَتْحِ
стр. 366
الطَّلَاقِ يَقَعُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِلَفْظِهِ لَا بِقَصْدِهِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
. (وَ) يَقَعُ فِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ (بِوَاحِدَةٍ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ (وَوَاحِدَةٍ أَوْ قَبْلَ وَاحِدَةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ) طَلْقَةٌ (وَاحِدَةٌ) ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْبَوَاقِي فَلِأَنَّ الْوَاحِدَةَ الْأُولَى فِيهَا وُصِفَتْ بِالْقَبْلِيَّةِ، فَلَمَّا وَقَعَتْ لَمْ يَبْقَ لِلثَّانِيَةِ مَحَلٌّ.
(وَ) يَقَعُ (بِوَاحِدَةٍ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً (قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ) طَلْقَتَانِ (ثِنْتَانِ) ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ صِفَةُ الثَّانِيَةِ لِاتِّصَالِهَا بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ فَاقْتَضَى إيقَاعَهَا فِي الْمَاضِي وَإِيقَاعَ الْأُولَى فِي الْحَالِ لَكِنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ فَيَقْتَرِنَانِ فَيَقَعَانِ مَعًا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ صِفَةٌ لِلْأُولَى فَاقْتَضَى إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ فِي الْحَالِ وَإِيقَاعَ الْأُخْرَى قَبْلَ هَذِهِ فَيَقْتَرِنَانِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ فَلِأَنَّ مَعَ لِلْقِرَانِ.
(وَ) يَقَعُ (بِإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً) طَلْقَةً (وَاحِدَةً إنْ دَخَلَتْ) الدَّارَ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ عِنْدَ وُقُوعِهِ وَفِي الْمُنْجَزِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ مَحَلٌّ فَكَذَا هُنَا (وَإِنْ أَخَّرَ الشَّرْطَ) ، وَقَالَ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ (فَثِنْتَانِ) ؛ لِأَنَّ الْجُزْأَيْنِ يَتَعَلَّقَانِ بِالشَّرْطِ دُفْعَةً فَيَقَعَانِ كَذَلِكَ.
(وَفِي الْمَوْطُوءَةِ ثِنْتَانِ فِي كُلِّهَا) لِبَقَاءِ أَثَرِ النِّكَاحِ بِوُجُودِ الْعِدَّةِ هَذَا هُوَ الْمَحَلُّ لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي الْوِقَايَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا
(قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ وَلَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (خِيَارُ التَّعْيِينِ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلَاقٌ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الْإِيلَاءِ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَعْنَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إيقَاعٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا فَيَقَعْنَ جُمْلَةً، وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعًا عَلَى حِدَةٍ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ لَا يُقَالُ النَّصُّ قَدْ وَرَدَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلَا دَلَالَةَ فِي النَّصِّ عَلَى دُخُولِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ
(لَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ الْأَرْبَعِ بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةٌ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَطْلِيقَةٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَتَانِ أَوْ قَالَ ثَلَاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ قِسْمَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ بَيْنَهُنَّ فَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ بَيْنَكُنَّ خَمْسُ تَطْلِيقَاتٍ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلَاقَانِ هَكَذَا إلَى ثَمَانِ تَطْلِيقَاتٍ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا) ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ
(وَكِنَايَتُهُ) وَهِيَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا وَهِيَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ) أَيْ وَجْهُهُ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى لَا إلَى عِدَّةٍ وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِمَا ذُكِرَ عَمَّا لَوْ قَالَ وَاحِدَةً وَنِصْفًا أَوْ وَاحِدَةً وَأُخْرَى أَوْ وَاحِدَةً وَعُشْرَيْنِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ثِنْتَانِ وَالثَّالِثِ ثَلَاثٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا عِبَارَةٌ أَخْصَرُ مِنْهُمَا فَكَانَ فِيهِمَا ضَرُورَةٌ بِخِلَافِ وَاحِدَةٌ وَوَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَثْنِيَتُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ أُخْرَى ابْتِدَاءً وَاسْتِقْلَالًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْبَوَاقِي) مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ الْجَمْعِ وَإِرَادَةِ الْمُثَنَّى؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ صُورَتَانِ وَاحِدَةٌ قَبْلَ وَاحِدَةٍ وَوَاحِدَةٌ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: فَلِأَنَّ الْوَاحِدَةَ الْأُولَى فِيهَا وُصِفَتْ بِالْقَبْلِيَّةِ) يَعْنِي بِالصَّرَاحَةِ فِيمَا صَرَّحَ فِيهَا بِالْقَبْلِيَّةِ وَبِاللَّازِمِ فِيمَا لَمْ يُصَرِّحْ؛ لِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ صِفَةُ الْأَخِيرَةِ فَوَقَعَتْ الْأُولَى قَبْلَهَا ضَرُورَةً.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمُنْجَزِ وَتَقَعُ وَاحِدَةً؛ إذْ لَا يَبْقَى لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ مَحَلٌّ) يَعْنِي فِيمَا لَوْ ذَكَرَ الثَّالِثَ
(قَوْلُهُ: قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَتَانِ إلَى قَوْلِهِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَقِيلَ تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَالْبَيَانُ إلَيْهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا. . . إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ أُعِيدَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْلِيلِ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَنْوِيَ قِسْمَةً كُلَّ وَاحِدَةٍ بَيْنَهُنَّ فَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا) يَعْنِي فِي غَيْرِ قَوْلِهِ بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَتَانِ؛ لِأَنَّهُ بِقِسْمَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ عَلَى الْأَرْبَعِ يُصِيبُ كُلَّ زَوْجَةٍ رُبُعٌ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ فَيُكْمِلُ كُلَّ رُبُعٍ طَلْقَةً فَيَصِيرُ الْمُجْتَمِعُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً وَبِقِسْمَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِ كَذَلِكَ وَزِيَادَةً، وَأَمَّا بِقِسْمَةِ الْوَاحِدَةِ بَيْنَهُنَّ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُصِيبُ كُلَّ وَاحِدَةٍ رُبُعٌ وَبِقِسْمَةِ كُلٍّ مِنْ الثِّنْتَيْنِ يُصِيبُ كُلَّ وَاحِدَةٍ رُبُعٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فَيَجْتَمِعُ لِكُلٍّ رُبُعَانِ فَلَا تَطْلُقُ كُلُّ زَوْجَةٍ ثَلَاثًا فِيهِمَا، وَلَوْ نَوَى؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ مُنْقَسِمَةٌ ضَرُورَةً أَرْبَاعًا وَالرُّبُعُ لَا يَصِيرُ ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ الرُّبُعَانِ مِنْ قِسْمَةِ كُلٍّ مِنْ الطَّلْقَتَيْنِ عَلَيْهِنَّ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، ثُمَّ رَأَيْته نَصًّا بِفَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ بَيْنَكُنَّ خَمْسُ تَطْلِيقَاتٍ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلَاقَانِ هَكَذَا إلَى ثَمَانٍ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَى انْقِسَامَ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَيْهِنَّ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا وَلَا يَخْفَى التَّوْجِيهُ بِفَتْحِ الْقَدِيرِ
(قَوْلُهُ: حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا) قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّنْقِيحِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَتِرُ الْمُرَادُ فَصَرِيحٌ وَإِلَّا فَكِنَايَةٌ فَالْحَقِيقَةُ الَّتِي لَمْ تُهْجَرْ صَرِيحٌ وَاَلَّتِي هُجِرَتْ وَغَلَبَ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيُّ كِنَايَةٌ وَالْمَجَازُ الْغَالِبُ الِاسْتِعْمَالُ صَرِيحٌ وَغَيْرُ الْغَالِبِ كِنَايَةٌ اهـ.
وَقَالَ فِي الْمَنَارِ وَكِنَايَاتُ
стр. 367
هَا هُنَا (مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ) أَيْ لِلطَّلَاقِ (وَاحْتَمَلَهُ وَغَيْرَهُ) فَلَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تُوضَعْ لَهُ وَاحْتَمَلَتْهُ وَغَيْرَهُ وَجَبَ التَّعْيِينُ بِالنِّيَّةِ أَوْ دَلَالَةِ التَّعْيِينِ كَحَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ وَحَالِ الْغَضَبِ (وَهُوَ) أَيْ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ (إمَّا صَالِحٌ لِلْجَوَابِ) عَنْ سُؤَالِ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ (فَقَطْ) أَيْ لَا يَكُونُ رَدًّا لِكَلَامِهَا وَلَا سَبًّا لَهَا وَلَا شَتْمًا (كَاعْتَدِّي) فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ اعْتَدِّي نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نِعَمِي عَلَيْك أَوْ اعْتَدِّي مِنْ النِّكَاحِ فَإِذَا نَوَى الِاعْتِدَادَ مِنْ النِّكَاحِ زَالَ الْإِبْهَامُ وَوَجَبَ بِهَا الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ اقْتِضَاءً كَأَنَّهُ قَالَ طَلَّقْتُك أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فَاعْتَدِّي وَقَبْلَ الدُّخُولِ جُعِلَ مُسْتَعَارًا عَنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا هُنَا وَتَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الْحُكْمِ لِسَبَبِهِ إذَا اخْتَصَّ السَّبَبُ بِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ (اسْتَبْرِئِي رَحِمَك) فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الِاعْتِدَادِ؛ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعِدَّةِ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ وَيَحْتَمِلُ الِاسْتِبْرَاءَ لِيُطَلِّقَهَا فِي حَالِ فَرَاغِ رَحِمِهَا أَيْ تَعَرَّفِي بَرَاءَةَ رَحِمِك لِأُطَلِّقَك (أَنْتِ وَاحِدَةٌ) أَيْ أَنْتِ وَاحِدَةٌ عِنْدَ قَوْمِك أَوْ مُنْفَرِدَةٌ عِنْدِي لَيْسَ لِي مَعَك غَيْرُك وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَلَا عِبْرَةَ بِإِعْرَابِ وَاحِدَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ عَوَامَّ الْأَعْرَابِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ فَإِذَا زَالَ الْإِبْهَامُ بِالنِّيَّةِ كَانَ دَلَالَةً عَلَى الصَّرِيحِ لَا عَامِلًا بِمُوجِبِهِ وَالصَّرِيحُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ فَفِيهِ احْتِمَالُ الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ لَا الرَّدِّ وَلَا السَّبَبِ (أَمْرُك بِيَدِك) أَيْ عَمَلُك بِيَدِك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ الْأَمْرِ بِالْيَدِ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ كَمَا سَيَأْتِي (اخْتَارِي) أَيْ اخْتَارِي نَفْسَك بِالْفِرَاقِ فِي النِّكَاحِ أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك فِي أَمْرٍ آخَرَ فَإِنَّهُمَا لَا يَصْلُحَانِ لِلرَّدِّ وَالشَّتْمِ، فَيَكُونَانِ جَوَابًا لِسُؤَالِ الطَّلَاقِ (وَمُرَادِفُهَا) مِنْ أَيِّ لُغَةٍ كَانَ.
(وَفِي الْأَخِيرَيْنِ) يَعْنِي قَوْلَهُ أَمْرُك بِيَدِك اخْتَارِي (لَا تَطْلُقُ) الْمَرْأَةُ (مَا لَمْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا) كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَكَرَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ (وَإِمَّا) صَالِحٌ (لِلْجَوَابِ) عَنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ (وَالرَّدِّ لِسُؤَالِهَا كَاخْرُجِي) أَيْ مِنْ عِنْدِي لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ اُخْرُجِي وَلَا تَطْلُبِي الطَّلَاقَ (وَكَذَا اذْهَبِي قُومِي) ، وَأَمَّا (تَقَنَّعِي) فَإِمَّا مِنْ الْقِنَاعِ وَهُوَ الْخِمَارُ أَيْ اسْتَتِرِي لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ الْقَنَاعَةِ أَيْ اقْنَعِي بِمَا رَزَقَك اللَّهُ مِنِّي مِنْ أَمْرِ الْمَعِيشَةِ وَلَا تَطْلُبِي الطَّلَاقَ، وَكَذَا (تَخَمَّرِي وَاسْتَتِرِي) وَأَمَّا (اُغْرُبِي) فَمِنْ الْغُرْبَةِ أَيْ اخْتَارِي الْغُرْبَةَ لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ لِتَزُورِي أَهْلَك، وَقِيلَ اُعْزُبِي وَهِيَ إمَّا مِنْ الْعُزُوبَةِ وَهِيَ التَّجَرُّدُ عَنْ الزَّوْجِ أَوْ بِمَعْنَى الْبُعْدِ أَيْ اخْتَارِي الْعُزُوبَةَ أَوْ الْبُعْدَ عَنِّي لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ لِزِيَارَةِ أَهْلِك وَلَا تَطْلُبِي الطَّلَاقَ (تَزَوَّجِي ابْتَغِي الْأَزْوَاجَ) أَيْ لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ اُطْلُبِي النِّسَاءَ؛ إذْ الزَّوْجُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَلَا تَطْلُبِي الطَّلَاقَ (الْحَقِي بِأَهْلِك) أَيْ لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ لِأَنِّي أَذِنْت لَك وَلَا تَطْلُبِي الطَّلَاقَ (حَبْلُك عَلَى غَارِبِك) الْغَارِبُ مَا بَيْنَ السَّنَامِ وَالْعُنُقِ أَيْ اذْهَبِي حَيْثُ شِئْت لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ لِئَلَّا تَطْلُبِي الطَّلَاقَ وَفِي مَعْنَاهُ سَرَّحْتُك وَلِذَا لَمْ يُفْرَدْ بِالذِّكْرِ (لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك لَا نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَك لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك) احْتِمَالُهَا لِلطَّلَاقِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا احْتِمَالُ الرَّدِّ فَلِأَنَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الطَّلَاقِ سُمِّيَتْ بِهَا مَجَازًا اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ فِي التَّحْرِيرِ مَا قِيلَ لَفْظُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهَا عَوَامِلُ بِحَقَائِقِهَا غَلَطٌ؛ إذْ لَا تُنَافِي الْحَقِيقَةُ الْكِنَايَةَ اهـ. وَبَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: إمَّا صَالِحٌ لِلْجَوَابِ فَقَطْ كَاعْتَدِّي إلَى اخْتَارِي) جَعَلَ مِنْهُ فِي الْمَوَاهِبِ سَرَّحْتُك فَارَقْتُك أَنْتِ حُرَّةٌ وَهَبْتُك لِأَهْلِك الْحَقِي بِأَهْلِك.
(قَوْلُهُ: وَقَبْلَ الدُّخُولِ جُعِلَ مُسْتَعَارًا عَنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ فِي الْجُمْلَةِ) كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِمَا قَالَ الْكَمَالُ، أَمَّا إذَا قَالَهُ أَيْ لَفْظَ اعْتَدِّي قَبْلَ الدُّخُولِ فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ كُونِي طَالِقًا بِاسْمِ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ لَا الْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ لِيَرِدَ أَنَّ شَرْطَهُ اخْتِصَاصُ الْمُسَبَّبِ وَالْعِدَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِالطَّلَاقِ لِثُبُوتِهَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ ثُبُوتَهَا فِيمَا ذُكِرَ لِوُجُودِ سَبَبِ ثُبُوتِهَا فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ لَا بِالْأَصَالَةِ غَيْرُ دَافِعٍ سُؤَالَ عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ اهـ. .
وَفِي الْبَحْرِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَيْضًا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكَلُّفِ الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا هُنَا) يَعْنِي قَبْلَ الدُّخُولِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا عِبْرَةَ بِإِعْرَابِ وَاحِدَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ) هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمَا لَا يَصْلُحَانِ لِلرَّدِّ وَالشَّتْمِ) ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ رَاجِعٌ إلَى أَمْرِك بِيَدِك اخْتَارِي لَا لِمُحْتَمِلِ اخْتَارِي.
(قَوْلُهُ: وَمُرَادِفُهَا مِنْ أَيِّ لُغَةٍ كَانَ) وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ التَّطْلِيقِ بِلُغَةِ التُّرْكِ هَلْ هُوَ رَجْعِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ أَوْ بَائِنٌ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِ " سن بوش " أَوْ " بوش أَوَّل "؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ خَالِيَةٌ أَوْ خَلِيَّةٌ فَلْيُنْظَرْ وَفِي الْمُحِيطِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ بِالْفَارِسِيِّ مُفِيدٌ الْحُكْمَ فِي هَذَا فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَإِمَّا صَالِحٌ لِلْجَوَابِ وَالرَّدِّ إلَى قَوْلِهِ الْحَقِي بِأَهْلِك) جَعَلَ فِي الْمَوَاهِبِ الْحَقِي بِأَهْلِك مِمَّا هُوَ صَالِحٌ لِلْجَوَابِ فَقَطْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَفِي مَعْنَاهُ سَرَّحْتُك) جَعَلَهُ فِي الْمَوَاهِبِ مِنْ الصَّالِحِ لِلْجَوَابِ فَقَطْ مَا ذَكَرْنَاهُ
стр. 368
كُلًّا مِنْهَا جُحُودٌ لِلنِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا، بَلْ كَذِبًا كَمَا سَيَأْتِي فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَى الرَّدِّ بِأَبْلَغِ وَجْهٍ (وَمُرَادِفُهَا) مِنْ أَيِّ لُغَةٍ كَانَ، وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ (وَإِمَّا) صَالِحٌ (لِلْجَوَابِ وَالشَّتْمِ كَخَلِيَّةٍ بَرِيَّةٍ بَتْلَةٍ بَتَّةٍ بَائِنٌ) وَفِي مَعْنَاهُ (فَارَقْتُك) وَلِذَا لَمْ يُفْرَدْ بِالذِّكْرِ (حَرَامٌ) احْتِمَالُهَا لِلطَّلَاقِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا احْتِمَالُهَا الشَّتْمَ فَلِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ أَنْتِ خَلِيَّةٌ عَنْ الْخَيْرِ لَا حَيَاءَ لَك بَرِيَّةٍ عَنْ الطَّاعَاتِ وَالْمَحَامِدِ بَتَّةٍ بَتْلَةٍ بَائِنٍ كُلُّهَا بِمَعْنَى الْمُنْقَطِعَةِ أَيْ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كُلِّ رُشْدٍ، وَعَنْ الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ فَارَقْتُك مُفَارَقَةً صُورِيَّةً حَرَامُ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ، ثُمَّ إنَّ الْأَحْوَالَ أَيْضًا ثَلَاثٌ، حَالُ الرِّضَا وَحَالُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ بِأَنْ تَسْأَلَ هِيَ طَلَاقَهَا أَوْ يَسْأَلَهُ أَجْنَبِيٌّ وَحَالُ الْغَضَبِ (فَفِي) حَالِ (الرِّضَا لَا يَقَعُ) الطَّلَاقُ (بِشَيْءٍ مِنْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ) لِلِاحْتِمَالِ وَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي عَدَمِ النِّيَّةِ.
(وَفِي) حَالِ (مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ يَقَعُ) الطَّلَاقُ (بِالصَّالِحِ لِلْجَوَابِ وَالرَّدِّ بِالنِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الْجَوَابَ وَالرَّدَّ ثَبَتَ الْأَدْنَى بِدُونِ النِّيَّةِ وَهُوَ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ إبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَإِذَا وُجِدَتْ تَعَيَّنَ الْجَوَابُ.
(وَ) يَقَعُ الطَّلَاقُ (بِالْبَاقِيَيْنِ) وَهُمَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الصَّالِحُ لِلْجَوَابِ فَقَطْ وَالثَّالِثُ الصَّالِحُ لِلْجَوَابِ وَالشَّتْمِ (بِدُونِهَا) أَيْ بِلَا نِيَّةٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْحَالَ حَالُ الْجَوَابِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ فَصَارَ طَلَاقًا، وَكَذَا الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَصْلُحُ لِلشَّتْمِ فَتَعَيَّنَ الْجَوَابُ.
(وَفِي) حَالِ (الْغَضَبِ يَقَعُ) الطَّلَاقُ (بِالصَّالِحِ لَهُ) أَيْ لِلْجَوَابِ (فَقَطْ بِلَا نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْغَضَبُ وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالشَّتْمِ.
(وَ) يَقَعُ (بِالْبَاقِيَيْنِ) وَهُمَا الْقِسْمُ الثَّانِي الصَّالِحُ لِلْجَوَابِ وَالرَّدِّ وَالثَّالِثُ الصَّالِحُ لِلْجَوَابِ وَالشَّتْمِ (بِهَا) أَيْ بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الْجَوَابَ وَغَيْرَهُ اُحْتِيجَ إلَى مَا يُرَجِّحُ الْجَوَابَ وَهُوَ النِّيَّةُ (وَتَطْلُقُ) الْمَرْأَةُ (بِالثَّلَاثِ الْأُوَلِ) يَعْنِي اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي رَحِمَك أَنْتِ وَاحِدَةٌ (وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً) ، أَمَّا اعْتَدِّي فَلِأَنَّ حَقِيقَتَهُ الْأَمْرُ بِالْحِسَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ اعْتَدِّي نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نِعَمِي عَلَيْك أَوْ اعْتَدِّي مِنْ النِّكَاحِ فَإِذَا نَوَى الْأَخِيرَ زَالَ الْإِبْهَامُ وَوَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ اقْتِضَاءً كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَاعْتَدِّي وَقَبْلَ الدُّخُولِ جُعِلَ مُسْتَعَارًا عَنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ وَتَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الْحُكْمِ لِلسَّبَبِ إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخْتَصًّا بِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَالطَّلَاقُ مُعَقِّبٌ لِلرَّجْعَةِ، وَأَمَّا اسْتَبْرِئِي فَلِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الِاعْتِدَادِ؛ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعِدَّةِ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ وَيُحْتَمَلُ الِاسْتِبْرَاءُ لِيُطَلِّقَهَا فِي حَالِ فَرَاغِ رَحِمِهَا أَيْ تَعَرَّفِي بَرَاءَةَ رَحِمِك لِأُطَلِّقَك، وَأَمَّا أَنْتِ وَاحِدَةٌ فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنْتِ وَاحِدَةٌ عِنْدَ قَوْمِك أَوْ مُنْفَرِدَةٌ عِنْدِي لَيْسَ لِي مَعَك غَيْرُك وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ عَوَامَّ الْأَعْرَابِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ فَإِذَا زَالَ الْإِبْهَامُ بِالنِّيَّةِ كَانَ دَلَالَةً عَلَى الصَّرِيحِ لَا عَامِلًا بِمُوجِبِهِ وَالصَّرِيحُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ (وَلَا تَصِحُّ) فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ (نِيَّةُ الثَّلَاثِ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَبَتَ اقْتِضَاءً فِي اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك وَمُضْمَرًا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَ مُصَرَّحًا لَمْ يَقَعْ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ فَإِذَا كَانَ مُقْتَضًى أَوْ مُضْمَرًا أَوْلَى أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ فَإِنْ قِيلَ الْمَصْدَرُ لَمَّا كَانَ مُضْمَرًا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ وَاحِدَةٌ، وَجَبَ أَنْ تَصِحَّ نِيَّةُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ: وَفِي مَعْنَاهُ فَارَقْتُك) هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ.
(قَوْلُهُ: فَفِي حَالَةِ الرِّضَا) يَعْنِي الْمُجَرَّدَةَ عَنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا اعْتَدِّي فَلِأَنَّ حَقِيقَتَهُ الْأَمْرُ بِالْحِسَابِ إلَى قَوْلِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ عَوَامَّ الْأَعْرَابِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ) مُكَرَّرٌ
стр. 369
الثَّلَاثِ، قُلْنَا التَّنْصِيصُ عَلَى الْوَاحِدَةِ يُنَافِي نِيَّةَ الثَّلَاثِ، كَذَا فِي الْكَافِي
. (وَ) تَطْلُقُ (بِغَيْرِهَا) مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ طَلْقَةً وَاحِدَةً (بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ) ، أَمَّا الْبَيْنُونَةُ فَلِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ كِنَايَةً عَنْ مُجَرَّدِ الطَّلَاقِ، بَلْ عَنْ الطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْنُونَةِ، وَأَمَّا امْتِنَاعُ إرَادَةِ الثِّنْتَيْنِ فَلِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الطَّلَاقَ مَصْدَرٌ لَا يَحْتَمِلُ مَحْضَ الْعَدَدِ (وَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ) فِي غَيْرِهَا مِنْ الْكِنَايَاتِ (إلَّا فِي اخْتَارِي) لِمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَمْ يَقَعْ فِي الْكَنْزِ (قَالَ اعْتَدِّي ثَلَاثًا) أَيْ قَالَ اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي (وَنَوَى) أَيْ قَالَ نَوَيْت (بِالْأُولًى طَلَاقًا وَبِالْبَاقِي حَيْضًا صُدِّقَ) فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) أَيْ قَالَ لَمْ أَنْوِ (بِهِ) أَيْ بِالْبَاقِي (شَيْئًا فَثَلَاثٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِالْأَوَّلِ الطَّلَاقَ صَارَ الْحَالُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَتَعَيَّنَ الْبَاقِيَانِ لِلطَّلَاقِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ النِّيَّةِ (لَسْت لِي بِامْرَأَةٍ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ لَسْت لِي بِامْرَأَةٍ.
(وَ) كَذَا قَوْلُهُ لَهَا أَنَا (لَسْت لَك) بِزَوْجٍ (طَلَاقٌ بَائِنٌ إنْ نَوَاهُ) ، وَقَالَا لَا يَكُونُ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ نَفَى النِّكَاحَ وَهُوَ لَا يَكُونُ طَلَاقًا، بَلْ كَذِبًا لِكَوْنِ الزَّوْجِيَّةِ مَعْلُومَةً فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لَمْ أَتَزَوَّجْك أَوْ سُئِلَ هَلْ لَك امْرَأَةٌ فَقَالَ لَا وَنَوَى الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فَكَذَا هُنَا وَلَهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَصْلُحُ لِإِنْكَارِ النِّكَاحِ وَتَصْلُحُ لِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَيْسَتْ لِي بِامْرَأَةٍ؛ لِأَنِّي طَلَّقْتهَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَيْسَتْ بِامْرَأَةٍ؛ لِأَنِّي مَا تَزَوَّجْتهَا فَإِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ نَوَى مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ لَا نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنِك (طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَجَعَلَهَا ثَلَاثًا صَارَتْ ثَلَاثًا) وَقَالَا لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثًا وَلَهُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ تَكُونُ ثَلَاثًا بِانْضِمَامِ الثِّنْتَيْنِ إلَيْهَا فَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ (طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا فَجَعَلَهُ) أَيْ فَقَالَ (قَبْلَ الرَّجْعَةِ) جَعَلْت ذَلِكَ الطَّلَاقَ (بَائِنًا صَارَ بَائِنًا) ،.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَصِيرُ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ إبْطَالُ وِلَايَةِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا فَيَلْغُو وَلَهُمَا أَنَّهُ مَالِكٌ لِلطَّلَاقِ بِوَصْفِ الْبَيْنُونَةِ ابْتِدَاءً لِوُجُودِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَيَصِحُّ إلْحَاقُ هَذَا الْوَصْفِ بِهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ وَتَحْصِيلًا لِغَرَضِهِ وَإِنَّمَا قَالَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ لِمَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ هَذَا إذَا كَانَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَاجَعَهَا، ثُمَّ قَالَ جَعَلْتهَا بَائِنَةً لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ بِالرَّجْعَةِ أَبْطَلَ عَمَلَ الطَّلَاقِ فَتَعَذَّرَ بِهِ جَعْلُهَا بَائِنَةً
(الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ) أَيْ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ تَطْلُقُ ثِنْتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَ) الصَّرِيحُ يَلْحَقُ (الْبَائِنَ) أَيْ إذَا أَبَانَهَا، ثُمَّ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يَعْنِي الْخُلْعَ، ثُمَّ قَالَ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ الْوَصْلِ، فَيَكُونُ هَذَا نَصًّا عَلَى وُقُوعِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الْخُلْعِ الَّذِي هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ، وَقَدْ حُقِّقَ هَذَا فِي التَّلْوِيحِ وَأَوْضَحْنَاهُ فِي حَوَاشِيهِ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيُرَاجِعْهُ ثَمَّةَ (وَالْبَائِنُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ) يَعْنِي إذَا قَالَ لِلْمَوْطُوءَةِ أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ أَنْتِ بَائِنٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ الْبَائِنُ (لَا الْبَائِنَ) أَيْ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنُ الْبَائِنَ (إلَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا) بِأَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ بَائِنٌ، ثُمَّ قَالَ أَنْتِ بَائِنٌ، ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ، أَمَّا لُحُوقُ الْبَائِنِ الصَّرِيحَ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْقَيْدَ الْحُكْمِيَّ بَاقٍ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا عَدَمُ لُحُوقِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَمْ يَقَعْ فِي الْكَنْزِ) هُوَ وَاقِعٌ فِي الْكَنْزِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِيهِ وَالِاعْتِرَاضُ أَصْلُهُ لِلزَّيْلَعِيِّ وَالْجَوَابُ أَنَّ اخْتَارِي لَيْسَ مِنْ الْكِنَايَاتِ فَذِكْرُهُ هُنَا اسْتِطْرَادٌ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كِنَايَاتِ التَّفْوِيضِ وَلَهُ بَابٌ مُسْتَقِلٌّ، وَقَدْ قَيَّدَهُ فِي بَابِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ أَيْ بِالْبَاقِي شَيْئًا فَثَلَاثٌ) جَعَلَهُ فِي التَّبْيِينِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَاهُ) مَحَلُّ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِ، أَمَّا إذَا لَمْ يُؤَكِّدْ النَّفْيَ بِالْيَمِينِ، أَمَّا إذَا أَكَّدَهُ بِهِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى بِاتِّفَاقِهِمْ جَمِيعًا لِمَا فِي الْحَدَّادِيِّ، وَقَدْ اتَّفَقُوا جَمِيعًا أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ لِي بِامْرَأَةٍ أَوْ لَسْت وَاَللَّهِ لِي بِامْرَأَةٍ أَوْ عَلَيَّ حَجَّةٌ مَا أَنْتِ لِي بِامْرَأَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سُئِلَ هَلْ لَك امْرَأَةٌ فَقَالَ لَا وَنَوَى الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ) كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ قَالَ إنْ نَوَى كَانَ طَلَاقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ طَلَاقًا وَلَوْ نَوَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَصِيرُ بَائِنًا) أَخَذَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا مِنْ عَدَمِ جَعْلِهَا ثَلَاثًا اهـ.
وَيُخَالِفُهُ تَصْحِيحُ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ يَصِيرُ بَائِنًا وَثَلَاثًا
стр. 370
الْبَائِنِ الْبَائِنَ فَلِإِمْكَانِ جَعْلِهِ خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِهِ إنْشَاءً؛ لِأَنَّهُ اقْتِضَاءٌ ضَرُورِيٌّ حَتَّى لَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْبَيْنُونَةَ الْغَلِيظَةَ أَوْ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ وَتَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فِي الْمَحَلِّ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ إخْبَارًا عَنْ ثَابِتٍ فَيُجْعَلُ إنْشَاءً ضَرُورَةً وَلِهَذَا يَقَعُ الْمُعَلَّقُ كَمَا ذُكِرَ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ قَبْلَهُ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ هِيَ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ فَيَقَعُ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ أَقُولُ قَوْلُهُمْ حَتَّى لَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْبَيْنُونَةَ الْغَلِيظَةَ إلَى آخِرِهِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا، ثُمَّ قَالَ فِي الْعِدَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَقَعُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ إذَا ثَبَتَتْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ بِلَا ذِكْرِ الثَّلَاثِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا فِي الْمَحَلِّ فَلَأَنْ تَثْبُتَ إذَا صَرَّحَ بِالثَّلَاثِ أَوْلَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الصَّرِيحَ يَلْحَقُ الْبَائِنَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا صَرِيحٌ بِلَا رَيْبٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يُفِيدُ الْبَيْنُونَةَ الْغَلِيظَةَ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ وَالْفُرْقَةَ الْكَامِلَةَ لَا الْبَيْنُونَةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ الْكِنَايَاتِ
(طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ثَلَاثًا وَقَعْنَ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إيقَاعٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا فَيَقَعْنَ جُمْلَةً، وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعًا عَلَى حِدَةٍ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ أَقُولُ يَظْهَرُ بِهِ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ثَلَاثًا لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَقِّ الْمَوْطُوءَةِ بَاطِلٌ مَحْضٌ مَنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْأُصُولِ أَنَّ خُصُوصَ سَبَبِ النُّزُولِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(بَابُ التَّفْوِيضِ) (إذَا قَالَ) لِامْرَأَتِهِ (طَلِّقِي نَفْسَكِ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، أَوْ اخْتَارِي يَنْوِي بِهِمَا) أَيْ بِالْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ (الطَّلَاقَ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ فَلَا يَعْمَلَانِ بِلَا نِيَّةٍ (لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ) أَيْ لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ عَزْلَهَا لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لَا تَوْكِيلٌ لِامْتِنَاعِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا (وَتَقَيَّدَ بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا) فَإِنْ كَانَتْ تَسْمَعُ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهَا ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمَجْلِسُ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهَا فَإِنْ طَلُقَتْ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا؛ إذْ لِلْمُخَيَّرَةِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (طَالَ) أَيْ الْمَجْلِسُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (إلَّا إذَا زَادَ) عَلَى قَوْلِهِ " طَلِّقِي نَفْسَكِ " وَأَخَوَاتِهِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ تَقَيَّدَ بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا (مَتَى) شِئْتِ (أَوْ مَتَى مَا) شِئْتِ (أَوْ إذَا) شِئْتِ (أَوْ إذَا مَا) شِئْتِ، أَمَّا " مَتَى " وَ " مَتَى مَا " فَلِأَنَّهُمَا لِعُمُومِ الْأَوْقَاتِ كَأَنَّهُ قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتِ فَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَأَمَّا " إذَا "، وَ " إذَا مَا " فَإِنَّهُمَا وَ " مَتَى " سَوَاءٌ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَيُسْتَعْمَلَانِ لِلشَّرْطِ كَمَا يُسْتَعْمَلَانِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَأَقُولُ قَوْلُهُمْ حَتَّى لَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْبَيْنُونَةَ الْغَلِيظَةَ. . . إلَخْ) يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا. . . إلَخْ (قُلْت) مَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزِّيِّ بِقَوْلِهِ اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مِنْ قَبِيلِ الصَّرِيحِ اللَّاحِقِ لَصَرِيحٌ وَبَائِنٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهِيَ حَادِثَةُ حَلَبَ، وَكَذَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ بَعْدَ الْبَائِنِ فَإِنَّهُ وَاقِعٌ فَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ لَا الْمَعْنَى وَالْكِنَايَاتُ الَّتِي تَقَعُ رَجْعِيَّةً تَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ كَقَوْلِهِ بَعْدَ الْخُلْعِ أَنْتِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْجَوَاهِرِ لَوْ قَالَ لِلْمُخْتَلِعَةِ الَّتِي هِيَ مُطَلَّقَةٌ بِتَطْلِيقَتَيْنِ أَنْتِ طَالِقٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِكَوْنِهِ صَرِيحًا، وَإِنْ كَانَ يَصِيرُ ثَلَاثًا وَهُوَ بَائِنٌ اهـ. قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اعْتِبَارِ اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا نُسِبَ نَقْلُهُ إلَى بَعْضِ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بَائِنًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَالَ بَعْضُهُمْ يَقَعُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي اللَّفْظِ وَالصَّرِيحُ يَلْحَقُ الْبَائِنَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَقَعُ الثَّلَاثُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ بَائِنٌ فِي الْمَعْنَى وَالْبَائِنُ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْأَوْلَى مِنْ اللَّفْظِ اهـ. بِلَفْظِهِ هَكَذَا وَقَفْت عَلَيْهِ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مَنْسُوبًا إلَى قَاضِي خَانْ وَلَكِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي فَتَاوَاهُ الْمَشْهُورَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ أَيْضًا مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَالْمُحِيطِ لَوْ قَالَ لِلْمُبَانَةِ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ يَقَعُ أُخْرَى مَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ أَعْنِي كَوْنَهُ بَائِنًا فِي الْمَعْنَى.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا قَالَ لِلْمُبَانَةِ أَبَنْتُكِ بِأُخْرَى يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ جَوَابًا فَهَذَا لَيْسَ الصَّرِيحُ فِيهِ ظَاهِرًا، وَقَدْ حَكَمَ بِالْوُقُوعِ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِتَطْلِيقَةٍ أُخْرَى وَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ: طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ. . . إلَخْ) قَدْ تَكَرَّرَ ثَانِيًا فِيمَا مَضَى وَهَذِهِ ثَالِثُ مَرَّةٍ
[بَابُ التَّفْوِيضِ]
(بَابُ التَّفْوِيضِ) (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ) الصَّوَابُ أَنَّهُمَا مِنْ كِنَايَاتِ التَّفْوِيضِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَعْمَلَانِ بِلَا نِيَّةٍ) هَذَا فِي غَيْرِ حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ أَمَّا إذَا خَيَّرَهَا بَعْدَ الْمُذَاكَرَةِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَالَ لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَكَذَا إذَا كَانَا فِي غَضَبٍ، أَوْ شَتِيمَةٍ فَلَا يَسَعُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ مُسْتَقْبَلٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ
(تَنْبِيهٌ) : لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهَا بِالتَّخْيِيرِ حَتَّى لَوْ خَيَّرَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ بِهِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَمْ تَطْلُقْ عِنْدَنَا كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ وَقَالَ زُفَرُ: طَلُقَتْ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كَالْوَصِيِّ لَوْ تَصَرَّفَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوِصَايَةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ. (قَوْلُهُ: وَأَخَوَاتِهِ) مِنْ إطْلَاقِ الْجَمْعِ، وَإِرَادَةِ الْمُثَنَّى وَالْأَوْلَى وَأُخْتَيْهِ.
стр. 371
لِلظَّرْفِ لَكِنَّ الْأَمْرَ صَارَ بِيَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ
(وَفِي طَلِّقِي ضَرَّتَكِ، أَوْ طَلِّقِي امْرَأَتِي عَكْسُهُمَا) يَعْنِي إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي ضَرَّتَكِ، أَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ طَلِّقْ امْرَأَتِي صَحَّ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ مَحْضٌ لَا يَشُوبُهُ تَمْلِيكٌ وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالْمَجْلِسِ كَمَا هُوَ حُكْمُ التَّوْكِيلِ (إلَّا إذَا عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ) فَحِينَئِذٍ لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ وَيُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَقَالَ زُفَرُ: هُوَ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ كَالْأَوَّلِ وَعَامِلٌ لِغَيْرِهِ وَبِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ لَا يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَمَالِكًا لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ سَوَاءٌ ذَكَرَهَا الْمُوَكِّلُ، أَوْ لَا فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا قَالَ لَهُ بِعْهُ إنْ شِئْتَ وَلَنَا أَنَّ الْمَأْمُورَ يَصْلُحُ وَكِيلًا وَمَالِكًا لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ غَيْرِهِ وَالْمَالِكُ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، سَوَاءٌ تَصَرَّفَ فِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِذَا قَالَ لَهُ طَلِّقْهَا إنْ شِئْتَ كَانَ تَمْلِيكًا لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَمَطْلُوبٌ مِنْهُ الْفِعْلُ شَاءَ، أَوْ لَمْ يَشَأْ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ إلَى آخِرِهِ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْمَشِيئَةِ مَشِيئَةٌ تَثْبُتُ بِالصِّيغَةِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَشِيئَةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِلْزَامِ وَكَلَامُنَا فِي مُوجَبِ الصِّيغَةِ (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ فِي الْأَوَّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ يَعْنِي إذَا قَالَ الزَّوْجُ: طَلِّقِي نَفْسَكِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا (أَوْ نَوَى) طَلْقَةً (وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ) نَفْسَهَا (فِيهِ) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ (وَقَعَتْ) طَلْقَةٌ (رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا الصَّرِيحَ (وَلَوْ) نَوَى ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ (ثَلَاثًا وَقَعْنَ) أَيْ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّطْلِيقِ لُغَةً فَيَقْتَضِي مَصْدَرًا هُوَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ.
. (وَ) فِي قَوْلِهِ (اخْتَارِي إنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا) بِأَنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي (بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَتَّى لَوْ قَالَ اخْتَرْتُكِ مِنْ نَفْسِي، أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي مِنْكِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا الْإِيقَاعَ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَوَجْهُ وُقُوعِ الْبَائِنِ أَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا إنَّمَا يَكُونُ بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِهَا بِهَا وَهُوَ فِي الْبَائِنِ؛ إذْ فِي الرَّجْعِيِّ يَتَمَكَّنُ الزَّوْجُ مِنْ رَجْعَتِهَا بِلَا رِضَاهَا أَوْ قَالَتْ: أَخْتَارُ نَفْسِي، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ وَعْدٍ، أَوْ يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ فَلَا تَطْلُقُ بِالشَّكِّ كَمَا إذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ: أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْحَالِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَاءِ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ فَيَكُونُ حِكَايَةً عَنْ اخْتِيَارِهَا فِي الْقَلْبِ بِخِلَافِ قَوْلِهَا أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حِكَايَةً عَنْ تَطْلِيقِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِأَنَّهُ فِعْلُ اللِّسَانِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا (وَلَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ) أَيْ لَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْخُلُوصِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ إلَى الْغِلْظَةِ وَالْخِفَّةِ كَالطَّلَاقِ بِخِلَافِ الْبَيْنُونَةِ.
(وَفِي) قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ مَتَى شِئْتِ، أَوْ نَحْوِهِ) أَيْ مَتَى مَا شِئْتِ، أَوْ إذَا شِئْتِ، وَإِذَا مَا شِئْتِ (لَا يَتَقَيَّدُ) بِالْمَجْلِسِ (وَلَا يَرْجِعُ) الزَّوْجُ (وَلَا يَرْتَدُّ الْأَمْرُ) بِرَدِّهَا (بَلْ تُطَلِّقُ) الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا (مَتَى شَاءَتْ) أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَتْ فَلَا تَمْلِكُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ لِيَرْتَدَّ بِالرَّدِّ وَلَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا إلَّا (وَاحِدَةً فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْأَزْمَانَ لَا الْأَفْعَالَ فَتَمْلِكُ التَّطْلِيقَ فِي كُلِّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فِي تِلْكَ الْحَالَةِ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فِعْلُ اللِّسَانِ) أَيْ لِأَنَّ التَّطْلِيقَ فِعْلُ اللِّسَانِ وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِعْلُ اللِّسَانِ الَّذِي هُوَ التَّطْلِيقُ مَعَ نُطْقِهَا بِهَذَا الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ إنْشَاءُ التَّطْلِيقِ بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْقَلْبِ فَلَا يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْبَيْنُونَةِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَبِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ وَضْعًا بِصِفَةِ الْعُمُومِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلَانِ) يَعْنِي بِهِ عَدَمَ التَّقْيِيدِ بِالْمَجْلِسِ وَرُجُوعَ الزَّوْجِ وَقَوْلُهُ: فَلِمَا مَرَّ يَعْنِي مِنْ أَنَّ مَتَى شِئْتِ وَمَتَى مَا شِئْتِ لِعُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَمِنْ أَنَّهُ تَمْلِيكُ طَلَاقِهَا لَهَا لَا تَوْكِيلٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّالِثُ) يَعْنِي عَدَمَ الرَّدِّ بِرَدِّهَا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْأَزْمَانَ) أَيْ وَضْعًا
стр. 372
زَمَانٍ لَا تَطْلِيقًا بَعْدَ تَطْلِيقٍ.
(وَفِي) قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ (كُلَّمَا شِئْتِ تُطَلِّقُ) الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا (إلَى الثَّلَاثِ) لِأَنَّ كُلَّمَا يُفِيدُ عُمُومَ الْأَفْعَالِ (بِالتَّفْرِيقِ) لِأَنَّهَا تُفِيدُ عُمُومَ الِانْفِرَادِ دُونَ الِاجْتِمَاعِ (وَلَا تُطَلِّقُ) الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا (بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ) ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمِلْكِ الْقَائِمِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمِلْكَ الْحَادِثَ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ.
(وَفِي) قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (حَيْثُ) شِئْتِ (وَأَيْنَ) شِئْتِ (لَا) تَطْلُقُ حَتَّى تَشَاءَ (وَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ) لِأَنَّ حَيْثُ وَأَيْنَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَكَانِ وَالطَّلَاقُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَكَانِ حَتَّى إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الشَّامِ تَطْلُقُ الْآنَ فَيَلْغُو وَيَبْقَى ذِكْرُ مُطْلَقِ الْمَشِيئَةِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ بِخِلَافِ الزَّمَانِ فَإِنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ حَتَّى يَقَعَ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ خُصُوصًا كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا إنْ شِئْت، أَوْ عُمُومًا كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت.
(وَفِي) قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (كَيْفَ) شِئْتِ (يَقَعُ) قَبْلَ الْمَشِيئَةِ طَلْقَةٌ (رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ (فَإِنْ شَاءَتْ) أَيْ قَالَتْ شِئْتُ (بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَنَوَاهُ) أَيْ الزَّوْجُ أَيْ قَالَ نَوَيْتُ ذَلِكَ (وَقَعَ) ذَلِكَ لِثُبُوتِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ مَشِيئَتِهَا، وَإِرَادَتِهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَشِيئَتَاهُمَا) بِأَنْ أَرَادَتْ ثَلَاثًا وَالزَّوْجُ وَاحِدَةً، أَوْ بِالْعَكْسِ (فَرَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّ تَصَرُّفَهَا لَغَا لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ فَبَقِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) أَيْ الزَّوْجُ (فَمَا شَاءَتْ) أَيْ يُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا جَرْيًا عَلَى مُوجَبِ التَّخْيِيرِ.
(وَفِي) قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (كَمْ) شِئْتِ (أَوْ مَا) شِئْتِ (طَلَّقَتْ) نَفْسَهَا (مَا شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ) لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلْعَدَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا أَيَّ عَدَدٍ شَاءَتْ، وَإِنْ قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ بَطَلَ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ وَخِطَابٌ فِي الْحَالِ فَيَقْتَضِي الْجَوَابَ فِي الْحَالِ (وَإِنْ رَدَّتْ ارْتَدَّ) لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ فَيَقْبَلُ الرَّدَّ.
(وَفِي) قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ تُطَلِّقُ مَا دُونَهَا) أَيْ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ دُونَ الثَّلَاثِ وَعِنْدَهُمَا تُطَلِّقُ ثَلَاثًا أَيْضًا إنْ شَاءَتْ لِأَنَّ مَا يُحْكَمُ فِي الْعُمُومِ وَ " مِنْ " قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّمْيِيزِ فَيُحْمَلُ عَلَى تَمْيِيزِ الْجِنْسِ كَمَا إذَا قَالَ كُلْ مِنْ طَعَامِي مَا شِئْت، أَوْ طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ وَلَهُ أَنَّ " مِنْ " حَقِيقَةٌ فِي التَّبْعِيضِ وَ " مَا " فِي التَّعْمِيمِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا، وَفِيمَا اسْتَشْهَدَا بِهِ تُرِكَ التَّبْعِيضُ لِدَلَالَةِ إظْهَارِ السَّمَاحَةِ، أَوْ لِعُمُومِ الصِّفَةِ وَهِيَ الْمَشِيئَةُ حَتَّى لَوْ قَالَ مَنْ شِئْت كَانَ عَلَى الْخِلَافِ.
ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْمَجْلِسَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ وَمَا لَا يَخْتَلِفُ فَقَالَ (وَالْمَجْلِسُ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِقِيَامِهَا) إنْ كَانَتْ قَاعِدَةً (أَوْ ذَهَابِهَا) إنْ كَانَتْ قَائِمَةً (أَوْ شُرُوعِهَا فِي قَوْلٍ، أَوْ عَمَلٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا مَضَى) مِنْ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ، فَجُلُوسُ الْقَائِمَةِ، وَاتِّكَاءُ الْقَاعِدَةِ، وَقُعُودُ الْمُتَّكِئَةِ، وَدُعَاءُ الْأَبِ لِلْمَشُورَةِ وَشُهُودٍ تُشْهِدُهُمْ، وَوَقْفُ دَابَّةٍ - هِيَ رَاكِبَتُهَا - لَا يَقْطَعُ الْمَجْلِسَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا لِجَمْعِ الرَّأْيِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَا مَضَى وَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْإِعْرَاضِ بِخِلَافِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ هُنَاكَ الِافْتِرَاقُ لَا عَنْ قَبْضٍ دُونَ الْإِعْرَاضِ (وَفُلْكُهَا كَبَيْتِهَا، وَسَيْرُ دَابَّتِهَا كَسَيْرِهَا) حَتَّى لَا يَتَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ بِجَرْيِ الْفُلْكِ، وَيَتَبَدَّلُ بِسَيْرِ الدَّابَّةِ فَإِنَّ سَيْرَهَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تُفِيدُ عُمُومَ الِانْفِرَادِ) أَيْ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَزْمَانِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَطْلُقُ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ) يَعْنِي إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَلَوْ طَلَّقَتْ دُونَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَى أَنْ تُوقِعَ الثَّلَاثَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ) يَعْنِي خُصُوصًا وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِيَصِحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ: أَوْ عُمُومًا بَعْدَهُ عَلَيْهِ كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ.
(قَوْلُهُ: يَقَعُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَقَعُ عِنْدَهُمَا مَا لَمْ تَشَأْ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْتَ، وَقَوْلُهُ " تَقَعُ رَجْعِيَّةٌ " ظَاهِرٌ أَنَّهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ وَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا لِعَدَمِ الْعِدَّةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهَا مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَتْ نِيَّتُهُمَا) فِيهِ تَسَاهُلٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ اخْتِلَافُ مَشِيئَتِهَا مَعَ نِيَّتِهِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ أَرَادَتْ) يَعْنِي شَاءَتْ.
(قَوْلُهُ: فَبَقِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ) أَيْ بِالصَّرِيحِ وَنِيَّتُهُ لَا تَعْمَلُ فِي جَعْلِهِ بَائِنًا وَلَا ثَلَاثًا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَمَا شَاءَتْ) لَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ وَيَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ مَشِيئَتُهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: طَلُقَتْ مَا شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ) لَا يُقَالُ: كَيْفَ أُبِيحَ لَهَا ذَلِكَ وَلَا يُبَاحُ لِلزَّوْجِ وَهِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَشِيئَةُ الْقُدْرَةِ لَا مَشِيئَةُ الْإِبَاحَةِ، أَوْ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي حَقِّهَا لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفَرِّقَ عَلَى الْأَطْهَارِ لِخُرُوجِ الْأَمْرِ مِنْ يَدِهَا بِالتَّفْرِيقِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ لِقُدْرَتِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا أَيَّ عَدَدٍ شَاءَتْ) مُفِيدٌ أَنَّ الْوَاحِدَ عَدَدٌ عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ صَرَّحَ الْكَمَالُ فَقَالَ الْوَاحِدُ عَدَدٌ عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ لِمَا تَكَرَّرَ لَهُمْ مِنْ إطْلَاقِ الْعَدَدِ، وَإِرَادَتِهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ فِي " كَمْ "، وَأَمَّا فِي " مَا " فَقَدْ أَوْرَدَ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْعَدَدِ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي تَفْوِيضِ الْعَدَدِ فَلَا يَثْبُتُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْمِثْلِ وَتَرَجَّحَ اعْتِبَارُهَا بِالْعَدَدِ بِأَنَّ التَّفْوِيضَ تَمْلِيكٌ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَقَّتًا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ) أَيْ شَأْنٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ تَطْلُقُ مَا دُونَهَا) عِبَارَةُ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ، وَفِي طَلِّقِي مِنْ ثَلَاثٍ فَلْيُنْظَرْ مَعَ هَذَا.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّمْيِيزِ) أَيْ لِلتَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِعُمُومِ الصِّفَةِ) أَيْ فِي طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ.
(قَوْلُهُ: وَسَيْرُ دَابَّتِهَا كَسَيْرِهَا) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ
стр. 373
وَوُقُوفَهَا غَيْرُ مُضَافٍ إلَى رَاكِبِهَا فَافْتَرَقَا.
(وَشُرِطَ) فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ (ذِكْرُ النَّفْسِ مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجِ، أَوْ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ فِي الْمُفَسَّرَةِ بِذِكْرِ النَّفْسِ مِنْ أَحَدِهِمَا.
(فَلَوْ قَالَ اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت بَطَلَ) وَلَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ (إلَّا أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى اخْتِيَارِهَا) أَيْ اخْتَارَ النَّفْسَ قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ ذِكْرِ النَّفْسِ شَرْطًا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهَا الزَّوْجُ أَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَمَّا إذَا صَدَّقَهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِتَصَادُقِهِمَا، وَإِنْ خَرَجَ الْكَلَامُ مِنْهُمَا مُجْمَلًا (أَوْ يَقُولَ) الزَّوْجُ (اخْتَارِي اخْتِيَارَهُ فَتَقُولَ) الْمَرْأَةُ (اخْتَرْتُ) فَإِنَّ ذِكْرَ الِاخْتِيَارِ كَذِكْرِ النَّفْسِ لِأَنَّ تَاءَ الْوَحْدَةِ تُنْبِئُ عَنْ الِاتِّحَادِ، وَاخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ تَارَةً وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى بِأَنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَكِ بِمَا شِئْتِ أَوْ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ (وَلَوْ ثَلَّثَهَا) أَيْ ذَكَرَ لَفْظَةَ اخْتَارِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (فَقَالَتْ اخْتَرْت اخْتِيَارَهُ، أَوْ) قَالَتْ (اخْتَرْت الْأُولَى، أَوْ الْوُسْطَى، أَوْ الْأَخِيرَةَ فَثَلَاثٌ) أَمَّا وُقُوعُ الثَّلَاثِ فِي الْأُولَى فَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: تَطْلُقُ وَاحِدَةً لِأَنَّ ذِكْرَ الْأُولَى وَنَحْوِهَا إنْ كَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ فَيُعْتَبَرُ فِيمَا يُفِيدُ وَلَهُ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ لَغْوٌ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ فِي الْمِلْكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالْمُجْتَمَعِ فِي الْمَكَانِ، وَالْكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ، وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ فَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ فَبَقِيَ قَوْلُهُ اخْتَرْت فَيَقَعُ الثَّلَاثُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَا يُؤَيِّدُ دَلَالَةَ الْحَالِ لِأَنَّهُ صَارَ جَوَابًا لِكُلِّ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا (بِلَا نِيَّةٍ) مِنْ الزَّوْجِ لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ؛ إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ.
(لَوْ قَالَتْ) فِي جَوَابِ اخْتَارِي ثَلَاثًا (طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت) نَفْسِي (بِتَطْلِيقَةٍ فَبَائِنَةٌ) أَيْ بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ لَا إيقَاعُهَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالزِّيَادَاتِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَجَوَامِعِ الْفِقْهِ وَلِذَا اُعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِ الْهِدَايَةِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ بِأَنَّهُ غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ وَالصَّوَابُ لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا تَتَصَرَّفُ حُكْمًا لِلتَّفْوِيضِ وَالتَّفْوِيضُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ لِكَوْنِهِ مِنْ الْكِنَايَاتِ فَتَمْلِكُ الْإِبَانَةَ لَا غَيْرُ فَقِيلَ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا وُقُوعُ وَاحِدَةٍ رَجْعِيَّةٍ لِأَنَّ لَفْظَهَا صَرِيحٌ ذَكَرَهَا صَدْرُ الْإِسْلَامِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأُخْرَى وُقُوعُ الْبَائِنَةِ وَهَذَا أَصَحُّ (وَبِأَمْرِكِ بِيَدِكِ) الْبَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْآتِي يَقَعُ (فِي تَطْلِيقَةٍ، أَوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا يَقَعُ رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّهُ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ إلَيْهَا لَكِنَّهُ بِتَطْلِيقَةٍ وَهِيَ مُعَقِّبَةٌ لِلرَّجْعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، أَوْ اخْتَارِي يُفِيدُ الْبَيْنُونَةَ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا قَرَنَهُ بِالصَّرِيحِ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الرَّجْعِيَّ كَمَا لَوْ قَرَنَ الصَّرِيحَ بِالْبَائِنِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
تَكُونَ مُنْفَرِدَةً، أَوْ كَانَ مَعَهَا زَوْجُهَا عَلَى الدَّابَّةِ، أَوْ الْمَحْمِلِ، أَوْ لَا يَكُونَ وَلَوْ كَانَا فِي الْمَحْمِلِ يَقُودُهُ الْجَمَّالُ وَهُمَا فِيهِ لَا يَبْطُلُ ذَكَرَهُ فِي التَّبْيِينِ عَنْ الْغَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الْمُفَسَّرَةِ) ضَمِيرُ هُوَ رَاجِعٌ لِلطَّلَاقِ الْوَاقِعِ بِالِاخْتِيَارِ أَيْ وَالطَّلَاقُ فِي الطَّلَاقِ الْمُفَسَّرِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهَا اخْتَرْت مُبْهَمٌ فَلَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِمُبْهَمٍ إلَّا بِذِكْرِ النَّفْسِ، أَوْ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْمُفَسَّرِ مُتَّصِلًا، وَإِنْ انْفَصَلَ فَإِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ. . . إلَخْ) نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا يُخَالِفُهُ مِنْ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّصَادُقِ ثُمَّ قَالَ: فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ ذِكْرَ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَذِكْرِ النَّفْسِ) كَذَا ذِكْرُ التَّطْلِيقَةِ، أَوْ تَكْرَارُ قَوْلِهِ اخْتِيَارِيٌّ يَقُومُ مَقَامَ ذِكْرِ النَّفْسِ كَمَا سَيَأْتِي وَكَذَا قَوْلُهَا: أَخْتَارُ أَبِي أَوْ أُمِّي أَوْ أَهْلِي أَوْ الْأَزْوَاجَ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ النَّفْسِ بِخِلَافِ اخْتَرْت أُخْتِي، أَوْ عَمَّتِي، وَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي وَزَوْجِي فَالْعِبْرَةُ لِلسَّابِقِ وَلَوْ قَالَتْ، أَوْ زَوْجِي يَبْطُلُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ثَلَّثَهَا. . . إلَخْ) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْطِفَ بِالْوَاوِ، أَوْ بِالْفَاءِ، أَوْ بِثُمَّ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا وُقُوعُ الثَّلَاثِ فِي الْأُولَى) يَعْنِي قَوْلَهَا اخْتَرْت الْأُولَى، أَوْ الْوُسْطَى، أَوْ الْأَخِيرَةَ جَوَابًا لِقَوْلِ الزَّوْجِ اخْتَارِي ثَلَاثًا.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا) يَعْنِي الْوُسْطَى، أَوْ الْأَخِيرَةَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ) أَيْ الصِّفَةُ كَالْأَوَّلِيَّةِ وَالْوَسَطِيَّةِ لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الطَّلَقَاتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْوَحْدَةُ فَإِنَّ أَوَّلِيَّةَ الْأُولَى إذَا كَانَتْ لَغْوًا فَوَحْدَتُهُ وَانْفِرَادُهُ مُتَحَقَّقٌ فِي نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ) أَيْ أَصَالَةً فِي أَصْلِهِ وَصِفَةُ الْوَحْدَةِ تَابِعَةٌ لَهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ) أَيْ أَصْلِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ التَّرْتِيبُ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ أَيْ التَّبَعِ الَّذِي هُوَ الْإِفْرَادُ.
(قَوْلُهُ: بِلَا نِيَّةٍ مِنْ الزَّوْجِ) أَيْ قَضَاءً كَذَا فِي الدِّرَايَةِ وَذَهَبَ قَاضِي خَانْ وَأَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ إلَى اشْتِرَاطِهَا لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا يُزِيلُ الْإِبْهَامَ قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ الْوَجْهُ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِ الْخِلَافِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ رِوَايَةً وَدِرَايَةً اشْتِرَاطُهَا أَيْ النِّيَّةِ دُونَ اشْتِرَاطِ النَّفْسِ اهـ.
(قَوْلُهُ: إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ) أَيْ فَتَعَيَّنَ لَهُ وَاخْتِيَارُ الزَّوْجِ لَا يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ تَكْرِيرِ اعْتَدِّي لِاحْتِمَالِهِ نِعَمُ اللَّهِ وَهِيَ لَا تُحْصَى.
(قَوْلُهُ: فَقِيلَ فِيهِ رِوَايَتَانِ) لَيْسَ مُسَبَّبًا عَمَّا قَبْلَهُ فَيَنْبَغِي التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ
стр. 374
حَيْثُ يَقَعُ الْبَائِنُ (وَبِأَمْرِكِ بِيَدِكِ) الْبَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْآتِي يَقَعْنَ (وَنَوَى الثَّلَاثَ فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ، أَوْ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ يَقَعْنَ) أَيْ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصْلُحُ لِجَوَابِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ وَالْوَاحِدَةُ صِفَةُ الِاخْتِيَارَةِ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِهِ يَقَعُ الثَّلَاثُ (أَوْ) قَالَتْ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ (طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً، أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ يَقَعُ بَائِنَةٌ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَفْوِيضُ الزَّوْجِ لَا إيقَاعُهَا فَتَكُونُ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي التَّفْوِيضِ مَذْكُورَةً فِي الْجَوَابِ ضَرُورَةَ الْمُوَافَقَةِ.
(وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي: أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ) يَعْنِي إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ بِاللَّيْلِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْيَوْمَيْنِ ذُكِرَ مُفْرَدًا، وَالْيَوْمُ الْمُفْرَدُ لَا يَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ (وَبِرَدِّهَا أَمْرَ الْيَوْمِ) بِاخْتِيَارِهَا الزَّوْجَ (رُدَّ) أَمْرُ الْيَوْمِ (لَا الْأَمْرُ بَعْدَ غَدٍ) يَعْنِي إنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ الْأَمْرُ فِيهِ وَكَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لِانْفِصَالِ وَقْتِهِمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي كُلٍّ مِنْ الْوَقْتَيْنِ عَلَى حِدَةٍ فَبِرَدِّ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ (وَيَدْخُلُ) أَيْ اللَّيْلُ (فِي) قَوْلِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ (الْيَوْمَ وَغَدًا) إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمْرُ فَكَانَ أَمْرًا وَاحِدًا، وَتَخَلُّلُ اللَّيْلَةِ لَا يَفْصِلُهُمَا لِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ يَجْلِسُونَ لِلْمَشُورَةِ فَيَهْجُمُ اللَّيْلُ وَلَا يَنْقَطِعُ مَشُورَتُهُمْ وَمَجْلِسُهُمْ (وَبِرَدِّهَا أَمْرَ الْيَوْمِ) بِاخْتِيَارِهَا الزَّوْجَ (رُدَّ أَمْرُ غَدٍ) حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْغَدِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ أَمْرٌ وَاحِدٌ فَلَا يَبْقَى لَهَا الْخِيَارُ بَعْدَ الرَّدِّ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ فَرَدَّتْهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَا يَبْقَى لَهَا الْخِيَارُ فِي آخِرِهِ.
(قَالَ طَلِّقِي نَفْسَكِ فَطَلَّقَتْهَا ثَلَاثًا إنْ نَوَاهَا) أَيْ الزَّوْجُ الثَّلَاثَ (وَقَعَتْ، وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ثَلَاثًا، سَوَاءٌ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا أَوْ نَوَى وَاحِدَةً (فَرَجْعِيَّةٌ وَلَغَا نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ: طَلِّقِي مَعْنَاهُ افْعَلِي طَلَاقًا وَالطَّلَاقُ لَفْظٌ فَرْدٌ يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَ الِاعْتِبَارِيَّ وَهُوَ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ تَمَامُ الْجِنْسِ كَمَا مَرَّ لَا الْعَدَدُ الْمَحْضُ وَهُوَ الثِّنْتَانِ (كَذَا) أَيْ كَمَا يَلْغُو نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ يَلْغُو أَيْضًا قَوْلُهَا (اخْتَرْت نَفْسِي) فِي جَوَابِ طَلِّقِي نَفْسَكِ حَيْثُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِهِ.
(وَ) يَقَعُ (بِأَبَنْتُ نَفْسِي رَجْعِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْهُ فِي جَوَابِ طَلِّقِي نَفْسَك وَلَيْسَ لَهَا إيقَاعُ الْبَائِنِ بَلْ مُطْلَقُ الطَّلَاقِ فَبَطَلَتْ الْإِبَانَةُ فِي قَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي وَبَقِيَ مُطْلَقُ الطَّلَاقِ وَهُوَ رَجْعِيٌّ.
(أُمِرَتْ بِالثَّلَاثِ) أَيْ قَالَ الزَّوْجُ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا (فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْ إيقَاعَ الثَّلَاثِ فَتَمْلِكُ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ ضَرُورَةً لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ.
(وَلَغَا عَكْسُهُ) أَيْ إذَا قَالَ طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا لَا يَقَعُ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً.
(أُمِرَتْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ: وَبِأَمْرِكِ بِيَدِكِ وَنَوَى الثَّلَاثَ فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي) ذِكْرُ النَّفْسِ خَرَجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ حَتَّى لَوْ لَمْ تَذْكُرْهَا لَا يَقَعُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ قَالَتْ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ أَمْرُك. . . إلَخْ) ذِكْرُ النَّفْسِ فِي قَوْلِهَا طَلَّقْت نَفْسِي شَرْطٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ عَنْ الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ الْيَوْمَ وَغَدًا) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَعَادَ لَفْظَ الْأَمْرِ مَعَ ذِكْرِ الْغَدِ كَانَ أَمْرًا مُبْتَدَأً لِأَنَّهُمَا جُمْلَتَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلَّةٌ بِذَاتِهَا وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا لَيْلًا فَلَا يُغْفَلُ عَنْهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ يَجْلِسُونَ. . . إلَخْ) كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْهِدَايَةِ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ تَعْلِيلًا لِدُخُولِ اللَّيْلِ فِي التَّمْلِيكِ الْمُضَافِ إلَى الْيَوْمِ وَغْدِهِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي دُخُولَ اللَّيْلِ فِي الْيَوْمِ الْمُفْرَدِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَهُوَ هُجُومُ اللَّيْلِ، وَمَجْلِسُ الْمَشُورَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك إلَى قَوْلِهِ وَلَغَا نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ فِيهِ) مُسْتَدْرَكٌ بِمَا ذُكِرَ أَوَّلَ الْبَابِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ثَلَاثًا سَوَاءٌ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا، أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ) لَيْسَ قَوْلَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ بِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْوَاحِدَةِ، وَنِيَّتَهَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ وُقُوعِ شَيْءٍ بِتَطْلِيقِهَا ثَلَاثًا فِي جَوَابِ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ وَصَرَّحَ قَاضِي خَانْ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَلَمْ يَنْوِ الْعَدَدَ فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا لَا يَقَعُ شَيْءٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ فِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ اهـ.
وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ مَفْهُومِ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ الَّتِي هِيَ: وَإِنْ طَلَّقَتْ ثَلَاثًا وَنَوَاهُ وَقَعْنَ. اهـ. لِأَنَّ مُوجَبَ طَلِّقِي هُوَ الْفَرْدُ الْحَقِيقِيُّ فَيَثْبُتُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَالْفَرْدُ الِاعْتِبَارِيُّ - أَعْنِي الثَّلَاثَ - مُحْتَمَلَةٌ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنِيَّتِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِابْنِ الْمَلِكِ فَإِتْيَانُهَا بِالثَّلَاثِ حِينَئِذٍ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ مَا فُوِّضَ إلَيْهَا فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الزَّيْلَعِيُّ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ لِسَائِرِ هَذَا الْمُحْتَرَزِ عَنْهُ وَقَدْ عَلِمْته فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
(قَوْلُهُ: وَلَغَا نِيَّتُهُ الثِّنْتَيْنِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ أَصْلًا كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ كَذَا اخْتَرْت بَلْ يَقَعُ بِنِيَّةِ الثِّنْتَيْنِ وَاحِدَةٌ بِتَطْلِيقِهَا وَيَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ إنْ كَانَتْ أَمَةً لِكَوْنِهِمَا جَمِيعَ الْجِنْسِ فِي حَقِّهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَبِأَبَنْت نَفْسِي رَجْعِيَّةٌ) ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِجَوَابِهَا أَبَنْت نَفْسِي كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَغَا عَكْسُهُ. . . إلَخْ) هَذَا إذَا طَلَّقَتْ ثَلَاثًا دَفْعَةً أَمَّا لَوْ فَرَّقَتْ الثَّلَاثَ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِالْأَوْلَى اتِّفَاقًا، ثُمَّ لَا يَقَعُ شَيْءٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ
стр. 375
بِالْبَائِنِ) أَوْ (الرَّجْعِيِّ فَعَكَسَتْ) أَيْ قَالَ لَهَا الزَّوْجُ طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً بَائِنًا فَقَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدًا رَجْعِيًّا أَوْ قَالَ لَهَا الزَّوْجُ طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدًا رَجْعِيًّا فَقَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدًا بَائِنًا (وَقَعَ مَا أَمَرَ بِهِ) الزَّوْجُ وَيَلْغُو مَا وَصَفَتْ لِأَنَّ الزَّوْجَ فَوَّضَ إلَيْهَا ذَاتَ الطَّلَاقِ مَعَ الْوَصْفِ، وَإِنَّهَا أَتَتْ بِذَاتِ مَا فَوَّضَ بِهِ إلَيْهَا وَخَالَفَتْ فِي الْوَصْفِ فَصَارَتْ مُخَالِفَةً فِي الْوَصْفِ مُوَافِقَةً فِي الْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ فَيَقَعُ الْأَصْلُ وَيُسْتَتْبَعُ الْوَصْفُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّوْجُ.
(وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِطَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا إنْ شِئْتِ لَوْ طَلَّقَتْ وَاحِدَةً وَلَا) يَقَعُ (بِعَكْسِهِ أَيْضًا) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً إنْ شِئْتِ فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ شِئْتِ الثَّلَاثَ فَصَارَتْ مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ شَرْطًا لِوُقُوعِ الثَّلَاثِ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَإِذَا بُنِيَ عَلَيْهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا مَشِيئَةُ الْوَاحِدَةِ، وَأَجْزَاءُ الشَّرْطِ لَا تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ بِخِلَافِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الثَّلَاثَ هُنَاكَ وَلَمْ يُعَلِّقْ وُقُوعَهَا بِمَشِيئَةِ الثَّلَاثِ فَلَهَا أَنْ تُوقِعَ بَعْضَ مَا مَلَكَتْ وَلَوْ قَالَتْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شِئْتُ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا دَخَلَ بِهَا، أَوْ لَا لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ قَدْ وُجِدَتْ وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ إلَّا بِمَشِيئَةِ الثَّلَاثِ وَمَشِيئَتُهَا لَا تُوجَدُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْكُلِّ فَوُجِدَتْ مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ فَبَانَتْ بِثَلَاثٍ جُمْلَةً، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُنْفَصِلًا عَنْ بَعْضٍ بِأَنْ سَكَتَتْ عِنْدَ الْأُولَى، أَوْ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ شَاءَتْ الْبَاقِيَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ إذْ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ ثَلَاثٍ لِكَوْنِ السُّكُوتِ فَاصِلًا، وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ وَاحِدَةٌ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ إيقَاعٌ لِلْوَاحِدَةِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا.
(وَلَا) يَقَعُ أَيْضًا (بِأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ فَقَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ فَقَالَ: شِئْتُ يَنْوِي الطَّلَاقَ) حَيْثُ يَبْطُلُ الْأَمْرُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالْمَشِيئَةِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ أَتَتْ بِالْمُعَلَّقَةِ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، وَإِيتَاؤُهَا بِالْمُعَلَّقَةِ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَيُوجِبُ خُرُوجَ الْأَمْرِ مِنْ يَدِهَا وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ شِئْتُ، وَإِنْ نَوَاهُ؛ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمَرْأَةِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ لِيَكُونَ الزَّوْجُ شَائِيًا طَلَاقَهَا، وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ حَتَّى لَوْ قَالَ: شِئْتُ طَلَاقَكِ يَقَعُ إنْ نَوَى لِأَنَّهُ إيقَاعٌ مُبْتَدَأٌ؛ إذْ الْمَشِيئَةُ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَرَدْتُ طَلَاقَكِ حَيْثُ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ (كَذَا كُلُّ تَعْلِيقٍ بِمَعْدُومٍ) كَمَا إذَا قَالَتْ شِئْتُ إنْ شَاءَ أَبِي، أَوْ شِئْتُ إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ مَشِيئَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَبْطُلُ الْأَمْرُ (بِخِلَافِ الْمَوْجُودِ) فَإِنَّهَا لَوْ قَالَتْ قَدْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ قَدْ مَضَى طَلُقَتْ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ. .
(بَابُ التَّعْلِيقِ) (شَرْطُ صِحَّتِهِ الْمِلْكُ كَقَوْلِ الزَّوْجِ) لِزَوْجَتِهِ (إنْ ذَهَبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ الْإِضَافَةُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدًا بَائِنًا) قَيَّدَ بِهِ لِمَا قَالَ الشَّيْخُ الشَّلَبِيُّ مَحَلُّهُ مَا إذَا قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي بَائِنَةٌ أَمَّا إذَا قَالَتْ أَبَنْتُ نَفْسِي لَا يَقَعُ شَيْءٌ فَاغْتَنِمْ هَذَا الْقَيْدَ فَإِنَّك لَا تَجِدُهُ فِي شَرْحٍ مِنْ الشُّرُوحِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا وَهَبَ. اهـ. كَلَامُهُ.
(قَوْلُهُ: وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ إلَّا بِمَشِيئَةِ الثَّلَاثِ، وَمَشِيئَتُهَا) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الثَّلَاثِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الثَّلَاثُ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي) يَعْنِي: بِهِ قَوْلَهُ لَا بِعَكْسِهِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَرَدْت طَلَاقَك حَيْثُ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ) قَالَ الْكَمَالُ بَلْ هِيَ أَيْ الْإِرَادَةُ طَلَبُ النَّفْسِ الْوُجُودَ عَنْ مَيْلٍ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَشِيئَةَ وَالْإِرَادَةَ فِي صِفَةِ الْعِبَادِ مُخْتَلِفَانِ، وَفِي صِفَةِ اللَّهِ مُتَرَادِفَانِ كَمَا هُوَ اللُّغَةُ فِيهِمَا مُطْلَقًا وَتَمَامُهُ فِيهِ.
[بَابُ التَّعْلِيقِ فِي الطَّلَاق]
(بَابُ التَّعْلِيقِ) التَّعْلِيقُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ عَلَّقَهُ تَعْلِيقًا جَعَلَهُ مُعَلَّقًا، وَفِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ رَبْطُ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِحُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ أُخْرَى.
وَشَرْطُ صِحَّتِهِ كَوْنُ الشَّرْطِ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ فَخَرَجَ مَا كَانَ مُحَقَّقًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَانَ السَّمَاءُ فَوْقَنَا فَهُوَ تَنْجِيزٌ وَخَرَجَ مَا كَانَ مُسْتَحِيلًا كَإِنْ دَخَلَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَقَعُ أَصْلًا لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ تَحْقِيقُ الْمَنْفِيِّ حَيْثُ عَلَّقَهُ بِأَمْرٍ مُحَالٍ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمَا: إمْكَانُ الْبِرِّ شَرْطُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ لِلْغَزِّيِّ.
(قَوْلُهُ: شَرْطُ صِحَّتِهِ الْمِلْكُ. . . إلَخْ) هَذَا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِصَرِيحِ الشُّرُوطِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً كَقَوْلِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ لَا يَقَعُ إذَا تَزَوَّجَهَا لِأَنَّهُ عَرَّفَهَا بِالْإِشَارَةِ فَلَا يُرَاعَى فِيهَا الصِّفَةُ فَبَقِيَ قَوْلُهُ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ طَالِقٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَنَقَلَ فِي فَتْحٍ عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَجْتَمِعُ مَعَهَا فِي فِرَاشِي فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا تَطْلُقُ وَكَذَا كُلُّ جَارِيَةٍ أَطَؤُهَا حُرَّةٌ فَاشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا لَا تَعْتِقُ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يُضَفْ إلَى الْمِلْكِ
стр. 376
إلَيْهِ) أَيْ التَّعْلِيقِ بِالْمِلْكِ (كَإِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَإِنَّ التَّزَوُّجَ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْمِلْكِ أُقِيمَ مَقَامَهُ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ أَحَدُهُمَا لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَخْفِيًّا لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ التَّقَوِّي بِهِ عَلَى مَنْعِ النَّفْسِ وَلَوْلَا الْمِلْكُ فِي الْحَالِ، أَوْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ لَمَا حَصَلَ الْفَائِدَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ الْيَمِينِ؛ إذْ لَا جَزَاءَ فِي مِلْكِهِ فِي الْحَالِ حَتَّى يَتَحَرَّزَ عَنْ الشَّرْطِ وَلَا إضَافَةَ إلَى الْمِلْكِ حَتَّى يَتَحَرَّزَ عَنْ تَحْصِيلِ الْمِلْكِ فَإِذَا لَمْ يُفِدْ الْيَمِينُ فَائِدَتَهَا لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلًا، وَفِي الثَّانِي خِلَافُ الشَّافِعِيِّ (فَلَا تَطْلُقُ أَجْنَبِيَّةٌ قَالَ لَهَا: إنْ كَلَّمْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَنَكَحَهَا فَكَلَّمَهَا) لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَالْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَتَطْلُقُ بَعْدَ الشَّرْطِ إنْ قَالَهُ لِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهَا لِوُجُودِ الْمِلْكِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ، أَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَنَكَحَهَا لِوُجُودِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ.
(وَيُبْطِلُهُ) أَيْ التَّعْلِيقَ (زَوَالُ الْحِلِّ لَا زَوَالُ الْمِلْكِ فَتَنْجِيزُ الثَّلَاثِ يُبْطِلُ تَعْلِيقَهَا لَا تَنْجِيزُ مَا دُونَهَا) يَعْنِي إذَا قَالَ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى الْأَوَّلِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّ الْجَزَاءَ طَلَقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَانِعَةُ؛ إذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ مَا يَحْدُثُ وَالْيَمِينُ تُعْقَدُ لِلْمَنْعِ أَوْ الْحَمْلِ، وَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ فَاتَ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ الْمُبْطِلِ لِلْمَحَلِّيَّةِ فَلَا يَبْقَى الْيَمِينُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَانَهَا لِأَنَّ الْجَزَاءَ بَاقٍ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْوِقَايَةِ: وَالتَّنْجِيزُ يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ. . . إلَخْ عَلَى إطْلَاقِهِ لَا يَخْلُو عَنْ مُسَامَحَةٍ.
(وَأَلْفَاظُ الشَّرْطِ: إنْ، وَإِذَا، وَإِذَا مَا، وَكُلُّ) وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ حَقِيقَةً لِأَنَّ مَا يَلِيهَا اسْمٌ وَالشَّرْطُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَزَاءُ، وَالْأَجْزِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ لَكِنَّهُ الْحَقُّ بِالشَّرْطِ لِتَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ الَّذِي يَلِيهَا كَقَوْلِك: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَكَذَا (وَكُلَّمَا، وَمَتَى، وَمَتَى مَا، وَفِي كُلَّمَا يَنْحَلُّ الْيَمِينُ) أَيْ تَبْطُلُ الْيَمِينُ بِبُطْلَانِ التَّعْلِيقِ (بَعْدَ) وُقُوعِ الطَّلَقَاتِ (الثَّلَاثِ) يَعْنِي إذَا قَالَ لِلْمَوْطُوءَةِ كُلَّمَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ فِي الْعِدَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا (فَلَا يَقَعُ) الطَّلَاقُ (إنْ نَكَحَهَا بَعْدَ) زَوْجٍ (آخَرَ) فَدَخَلَتْ الدَّارَ لِبُطْلَانِ الْيَمِينِ (إلَّا إذَا دَخَلَتْ) أَيْ كُلَّمَا (فِي التَّزَوُّجِ) بِأَنْ قَالَ كُلَّمَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهَا إذَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ تَطْلُقُ فَإِنَّ " كُلَّمَا " يُفِيدُ عُمُومَ الْأَفْعَالِ كَمَا أَنَّ كُلَّ يُفِيدُ عُمُومَ الْأَسْمَاءِ (وَفِيمَا سِوَاهَا) أَيْ سِوَى كُلَّمَا مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ
(إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فِي الْمِلْكِ يَنْحَلُّ) أَيْ الْيَمِينُ (إلَى جَزَاءٍ) أَيْ تَبْطُلُ الْيَمِينُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ (وَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمِلْكِ (يَنْحَلُّ) الْيَمِينُ (لَا إلَيْهِ) أَيْ لَا إلَى جَزَاءٍ أَيْ يَبْطُلُ الْيَمِينُ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ فَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَأَرَادَ أَنْ تَدْخُلَ الدَّارَ وَلَا يَقَعَ الثَّلَاثُ فَحِيلَتُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَتَدْخُلَ الدَّارَ حَتَّى يَبْطُلَ الْيَمِينُ وَلَا يَقَعَ الثَّلَاثُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا فَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِبُطْلَانِ الْيَمِينِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهَا إنْ دَخَلَتْ فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ الثَّلَاثُ.
(اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ لَهُ إلَّا أَنْ تُبَرْهِنَ) أَيْ الْمَرْأَةُ لِأَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الشَّرْطِ وَلِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَزَوَالَ الْمِلْكِ وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِيهِ.
(وَفِي شَرْطٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي خِلَافُ الشَّافِعِيِّ) أَيْ فِي إضَافَةِ التَّعْلِيقِ إلَى الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَطْلُقُ أَجْنَبِيَّةٌ) مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمِلْكِ، أَوْ مُضَافًا إلَيْهِ لَا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀.
(قَوْلُهُ: وَيُبْطِلُهُ - أَيْ التَّعْلِيقَ - زَوَالُ الْحِلِّ) أَيْ الْحِلِّ الْكَامِلِ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ.
(قَوْلُهُ: وَيَعْنِي إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) أَتَى بِالْفَاءِ فِي الْجَوَابِ لِأَنَّ الْجَوَابَ إذَا تَأَخَّرَ عَنْ الشَّرْطِ يَكُونُ بِالْفَاءِ إنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الشَّرْطُ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، وَإِنْ حَذَفَ الْفَاءَ إنْ نَوَى تَعْلِيقَهُ دُيِّنَ وَنَظَمَ الْكَمَالُ مَوَاضِعَ الْفَاءِ بِقَوْلِهِ:
تَعَلَّمْ جَوَابَ الشَّرْطِ حَتْمَ قِرَانِهِ ... بِفَاءٍ إذَا مَا فِعْلُهُ طَلَبًا أَتَى
كَذَا جَامِدًا أَوْ مُقْسَمًا كَانَ أَوْ بِقَدْ ... وَرُبَّ وَسِينٍ أَوْ بِسَوْفَ ادْرِ يَا فَتَى
أَوْ اسْمِيَّةً أَوْ كَانَ مَنْفِيَّ مَا وَإِنْ ... وَلَنْ مَنْ يَحِدْ عَمَّا حَدَّدْنَاهُ قَدْ عَتَى
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَانَهَا) أَيْ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ.
(قَوْلُهُ: إنْ) أَيْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَلَوْ بِالْفَتْحِ طَلُقَتْ لِلْحَالِ وَكَذَا إنْ دَخَلَتْ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ أَرَادَ التَّعْلِيقَ دُيِّنَ كَمَا فِي السِّرَاجِ.
(قَوْلُهُ: وَأَلْفَاظُ الشَّرْطِ إنْ. . . إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ كَلِمَةَ إنْ صَرْفُ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْوَقْتِ وَمَا وَرَاءَهَا مُلْحَقٌ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ عَلَمٌ عَلَيْهِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفَاظِ لَوْ وَمَنْ وَأَيُّ وَأَيَّانَ وَأَيْنَ وَأَنَّى كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ) الْإِشَارَةُ إلَى كُلِّ وَهِيَ مِنْ الْعَامِّ الْمَعْنَوِيِّ فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى الْمُنْكَرِ أَوْجَبَتْ عُمُومَ أَفْرَادِهِ، وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى الْمُعَرَّفِ أَوْجَبَتْ عُمُومَ أَجْزَائِهِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ كُلَّمَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ) كَذَا إذَا قَالَ تَزَوَّجْت امْرَأَةً كَمَا فِي الْفَتْحِ
(فَرْعٌ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ) قَالَ فِي السِّرَاجِ نَقْلًا عَنْ الْمُنْتَقَى قَالَ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَكُلَّمَا حَلَّتْ حَرُمَتْ فَتَزَوَّجَهَا فَبَانَتْ بِثَلَاثٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ قَالَ يَجُوزُ قَالَ فَإِنْ عَنَى بِقَوْلِهِ " كُلَّمَا حَلَّتْ حَرُمَتْ " الطَّلَاقَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ بِهِ طَلَاقًا فَهُوَ يَمِينٌ.
(قَوْلُهُ: اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ مَعَ الْيَمِينِ كَمَا فِي الْغَايَةِ وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهِ كَمَا فِي الْمَجْمَعِ
стр. 377
لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهَا كَإِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ صُدِّقَتْ فِي حَقِّهَا) إذَا قَالَتْ حِضْتُ (فَقَطْ) أَيْ لَا فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُصَدَّقَ فِي حَقِّ نَفْسِهَا أَيْضًا لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا تُصَدَّقُ فِيهِ كَمَا فِي الدُّخُولِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا كَمَا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ وَالْوَطْءِ، لَكِنَّهَا شَاهِدَةٌ فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا بَلْ هِيَ مُتَّهَمَةٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّهَا، نُقِلَ فِي النِّهَايَةِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ بَلْ هَذَا فِيمَا إذَا كَذَّبَهَا الزَّوْجُ فِي قَوْلِهَا حِضْتُ، وَأَمَّا إذَا صَدَّقَهَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا (فَيُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِهَا) يَعْنِي إذَا رَأَتْ الدَّمَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ حَتَّى تَسْتَمِرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّ مَا يَنْقَطِعُ دُونَهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا فَإِذَا تَمَّتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ حَكَمْنَا بِالطَّلَاقِ مِنْ حِينِ حَاضَتْ لِأَنَّهُ بِالِامْتِدَادِ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الرَّحِمِ فَكَانَ حَيْضًا مِنْ الِابْتِدَاءِ (وَبِإِنْ حِضْت) أَيْ إذَا قَالَ إنْ حِضْت (حَيْضَةً) فَأَنْتِ طَالِقٌ (تَطْلُقُ إذَا طَهُرَتْ) لِأَنَّ الْحَيْضَةَ بِالْهَاءِ هِيَ الْكَامِلَةُ مِنْهَا وَكَمَالُهَا بِانْتِهَائِهَا وَذَلِكَ بِالطُّهْرِ.
(وَبِإِنْ صُمْت) يَعْنِي إذَا قَالَ إنْ صُمْتِ (يَوْمًا) فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلُقُ (إذَا غَرَبَتْ) الشَّمْسُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تَصُومُ فِيهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ يُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ (بِخِلَافِ) مَا إذَا قِيلَ (إنْ صُمْتِ) وَلَمْ يَقُلْ يَوْمًا لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ بِمِعْيَارٍ وَقَدْ وُجِدَ الصَّوْمُ بِرُكْنِهِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَبِشَرْطِهِ وَهُوَ النَّهَارُ وَالنِّيَّةُ.
(عَلَّقَ طَلْقَةً بِوِلَادَةِ ذَكَرٍ وَطَلْقَتَيْنِ بِأُنْثَى) يَعْنِي إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَلَدْتِ غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِذَا وَلَدْتِ جَارِيَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ (فَوَلَدَتْهُمَا وَلَمْ يُعْلَمْ الْأَوَّلُ طَلُقَتْ وَاحِدَةً قَضَاءً وَثِنْتَيْنِ تَنَزُّهًا) أَيْ احْتِيَاطًا (وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَخِيرِ) مِنْ الْوَلَدَيْنِ فَإِنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْجَارِيَةِ، ثُمَّ لَا يَقَعُ بِهِ أُخْرَى لِأَنَّهُ حَالُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَوْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا وَقَعَتْ طَلْقَتَانِ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْغُلَامِ، ثُمَّ لَا يَقَعُ شَيْءٌ آخَرُ بِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ حَالُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِذًا يَقَعُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٌ، وَفِي حَالٍ ثِنْتَانِ فَلَا يَقَعُ الثَّانِيَةُ بِالشَّكِّ وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِالثِّنْتَيْنِ احْتِيَاطًا حَتَّى لَوْ كَانَ الزَّوْجُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً قَبْلَ الْيَمِينِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ آخَرَ فَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وِلَادَةُ الْجَارِيَةِ أَوَّلًا.
(عَلَّقَ الثَّلَاثَ بِشَيْئَيْنِ يَقَعُ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: كَإِنْ حِضْت. . . إلَخْ) مِثْلُهُ التَّعْلِيقُ بِمَحَبَّتِهَا وَبُغْضِهَا قَالَ الْكَمَالُ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَحَبَّةِ إنَّمَا يُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِالْحَيْضِ فِي أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ تَخْيِيرًا وَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَاذِبَةً تَطْلُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْحَيْضِ لَا يُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَلَا تَطْلُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: صُدِّقَتْ فِي حَقِّهَا إذَا قَالَتْ حِضْت) وَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إذَا أَخْبَرَتْ وَالْحَيْضُ قَائِمٌ فَإِذَا انْقَطَعَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ قِيَامُ الشَّرْطِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ فِي السِّرَاجِ لَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ هُوَ مَرِيضٌ إذَا مَرِضْتُ فَهُوَ عَلَى حَيْضٍ وَمَرَضٍ مُسْتَقْبَلٍ فَإِذَا عَنَى بِهِ مَا يَحْدُثُ مِنْ هَذَا الْحَيْضِ، أَوْ مَا يَزِيدُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ فَهُوَ كَمَا نَوَى بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ صَحِيحًا إنْ صَحَحْتُ، أَوْ بَصِيرًا إنْ أَبْصَرْتُ، أَوْ سَمِيعًا إنْ سَمِعْتُ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ حِينَ سَكَتَ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: فَيُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِهَا) قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَيَكُونُ بِدْعِيًّا.
(قَوْلُهُ: تَطْلُقُ إذَا طَهُرَتْ) قَالَ فِي السِّرَاجِ وَكَانَ سُنِّيًّا اهـ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ لِأَنَّهُ الشَّرْطُ فَلَا يُقْبَلُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: فَوَلَدَتْهُمَا وَلَمْ يُعْلَمْ الْأَوَّلُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ.
(قَوْلُهُ: عَلَّقَ الثَّلَاثَ بِشَيْئَيْنِ) عَدَلَ بِهِ عَنْ قَوْلِ الْكَنْزِ وَالْمِلْكُ يُشْتَرَطُ لِآخِرِ الشَّرْطَيْنِ لِمَا قَالَ الْكَمَالُ وَجَعْلُهُ فِي الْكَنْزِ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ مِنْ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ لَيْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الشَّرْطِ بِتَعَدُّدِ فِعْلِ الشَّرْطِ وَلَا تَعَدُّدَ فِي الْفِعْلِ هُنَا بَلْ فِي مُتَعَلَّقِهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدُ الْمُتَعَلَّقِ تَعَدُّدَ الْفِعْلِ فَإِنَّهَا لَوْ كَلَّمَتْهُمَا مَعًا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَغَايَتُهُ تَعَدُّدٌ بِالْقُوَّةِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ اعْتِرَاضُ الْكَمَالِ عَلَى الشَّارِحِ فِي جَعْلِهِ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ مِنْ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ سَهْوٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى وَصْفَيْنِ وَعَلَيْهِ حَمْلُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لَا مِنْ قَبِيلِ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ وَقَدْ رَدَّهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ بِقَوْلِهِ أَقُولُ كَيْفَ يُقَالُ فِي حَقِّهِ - أَيْ الْكَمَالِ - ذَلِكَ - أَيْ نِسْبَتُهُ إلَى السَّهْوِ - مَعَ أَنَّهُ حَقَّقَ الْكَلَامَ وَبَيَّنَ الْمُرَادَ فَقَالَ: وَأَمَّا الشَّرْطَانِ فَتَحَقُّقُهُمَا حَقِيقَةٌ بِتَكْرَارِ أَدَاتِهِمَا وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ بِوَاوٍ وَبِغَيْرِهِ. . . إلَخْ وَلَا شَكَّ أَنَّ صَاحِبَ الْكَنْزِ قَالَ الشَّرْطَيْنِ فَسَّرَهُ الشَّارِحُ وَجَعَلَ مِنْهُ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ وَلَا تَكْرَارَ فِي أَدَاتِهَا فَلَا يَكُونُ مِنْ تَعَدُّدِ الشَّرْطَيْنِ حَقِيقَةً فَلَا سَهْوَ فِي كَلَامِ الْمُحَقِّقِ أَصْلًا فَقَدْ أَقَرَّ اعْتِرَاضَهُ عَلَى الْكَنْزِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْهِدَايَةِ فَيَكُونُ وَارِدًا عَلَيْهَا أَيْضًا وَنَفْيُ تَعَدُّدِ الْفِعْلِ فِي أَصْلِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فَرَضَ الْخِلَافِيَّةَ فِيمَا إذَا أَبَانَهَا بَعْدَ كَلَامِ أَحَدِهِمَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ رَدَّهَا فَكَلَّمَتْ الثَّانِيَ عِنْدَنَا يَقَعُ لَا عِنْدَ زُفَرَ وَكَلَامُهَا لِلثَّانِي غَيْرُ كَلَامِهَا لِلْأَوَّلِ فَقَدْ تَعَدَّدَ الْفِعْلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لِلْحِنْثِ لِوُجُودِهِ بِكَلَامِهِمَا مَعًا فَلْيُحَرَّرْ وَقَدْ حَرَّرْته بِرِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا بُغْيَةَ أَعْيَانِ الْفَرِيقَيْنِ.
стр. 378
الثَّلَاثُ (إنْ وُجِدَ الثَّانِي فِي الْمِلْكِ) يَشْمَلُ مَا إذَا وُجِدَا فِي الْمِلْكِ، أَوْ وُجِدَ الثَّانِي فِيهِ فَقَطْ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا وَبَكْرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَبَانَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَكَلَّمَتْ زَيْدًا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَكَلَّمَتْ بَكْرًا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا (وَإِلَّا فَلَا) يَشْمَلُ مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي الْمِلْكِ، أَوْ وُجِدَ الْأَوَّلُ فِيهِ لَا الثَّانِي وَذَلِكَ لِأَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ بِأَهْلِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ لَكِنَّ الْمِلْكَ يُشْتَرَطُ حَالَ التَّعْلِيقِ لِيَصِيرَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَيَصِحُّ الْيَمِينُ وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ أَيْضًا لِيَنْزِلَ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ إلَّا فِي الْمِلْكِ، وَالْحَالُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ حَالُ بَقَاءِ الْيَمِينِ فَيُسْتَغْنَى عَنْ قِيَامِ الْمِلْكِ؛ إذْ بَقَاؤُهُ بِمَحَلِّهِ وَهُوَ الذِّمَّةُ.
(عَلَّقَهَا هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ الثَّلَاثَ (أَوْ مَوْلَى الْأَمَةِ الْعِتْقَ بِالْوَطْءِ) فَقَالَ الزَّوْجُ إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ الْمَوْلَى لِأَمَتِهِ إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ (فَأَوْلَجَ) أَيْ أَدْخَلَ الْحَشَفَةَ حَتَّى الْتَقَى الْخِتَانَانِ طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ وَعَتَقَتْ الْأَمَةُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَلَبِثَ) بَعْدَ الْإِيلَاجِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ (فَلَا عُقْرَ) وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَقِيلَ هُوَ مِقْدَارُ أُجْرَةِ الْوَطْءِ لَوْ كَانَ الزِّنَا حَلَالًا (بِهِ) أَيْ بِاللَّبْثِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى كُلٍّ مِنْ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى (وَلَمْ يَصِرْ بِهِ) أَيْ بِاللَّبْثِ (مُرَاجِعًا فِي) الطَّلَاقِ (الرَّجْعِيِّ) لِأَنَّ الْجِمَاعَ إدْخَالُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ لِأَنَّ الْإِدْخَالَ لَا دَوَامَ لَهُ حَتَّى يَكُونَ لِدَوَامِهِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُدْخِلُ دَابَّتَهُ الْإِصْطَبْلَ وَهِيَ فِيهِ لَا يَحْنَثُ بِإِمْسَاكِهَا فِيهِ (بَلْ) يَجِبُ الْعُقْرُ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا فِي الثَّانِي (بِإِيلَاجِهِ ثَانِيًا) لِوُجُودِ الْجِمَاعِ فِيهِ حَقِيقَةً بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، لَكِنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ نَظَرًا إلَى اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَالْمَقْصُودِ وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فَإِذَا امْتَنَعَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَجَبَ الْمَهْرُ لِأَنَّهُ يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ.
(قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الشَّرْطِ لَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ مُغَيِّرٌ لِصَدْرِ الْكَلَامِ وَلِهَذَا اُشْتُرِطَ اتِّصَالُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَنْ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا، وَالْمَوْتُ يُنَافِي الْمُوجِبَ لَا الْمُبْطِلَ (وَإِنْ مَاتَ) الزَّوْجُ قَبْلَ الشَّرْطِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ؛ إذْ لَمْ يَتَّصِلْ بِكَلَامِهِ الشَّرْطُ.
(قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ وَحُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ طَلُقَتْ) الْمَرْأَةُ (ثَلَاثًا وَعَتَقَ) الْعَبْدُ وَقَالَا: لَا تَطْلُقُ وَلَا يَعْتِقُ لِأَنَّ التَّكْرَارَ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ فَلَا يَبْطُلُ اتِّصَالُ الشَّرْطِ وَلَهُ أَنَّ اللَّفْظَ الثَّانِيَ لَغْوٌ؛ إذْ لَا يُفِيدُ فَوْقَ مَا يُفِيدُهُ الْأَوَّلُ وَلَا وَجْهَ لِكَوْنِهِ تَأْكِيدًا لِلْفَصْلِ بِالْوَاوِ فَيُمْنَعُ الْمَعْطُوفُ عَنْ اتِّصَالِ الشَّرْطِ بِهِ فَيَقَعُ. (كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ) فَإِنَّهُ تَطْلِيقٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَتَعْلِيقٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ أَنَّ الْمُبْطِلَ مُتَّصِلٌ بِالْإِيجَابِ فَيَبْطُلُ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ أُخِّرَ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَوْضُوعَ لِارْتِبَاطِ الْجُمْلَتَيْنِ هُوَ الْفَاءُ فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى الِارْتِبَاطُ فَيَبْقَى قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مُنَجَّزًا بِخِلَافِ تَأْخِيرِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مُغَيِّرًا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صَدْرُ الْكَلَامِ (وَبِأَنْتِ طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أَوْ بِإِرَادَتِهِ، أَوْ بِمَحَبَّتِهِ، أَوْ بِرِضَاهُ لَا) أَيْ لَا تَطْلُقُ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ إذْ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، وَفِي التَّعْلِيقِ إلْصَاقُ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ (وَإِضَافَتُهَا) أَيْ إضَافَةُ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْمَشِيئَةِ وَغَيْرِهَا (إلَى الْعَبْدِ تَمْلِيكٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَبْدِ (كَإِنْ شَاءَ فُلَانٌ) ، أَوْ أَرَادَ، أَوْ أَحَبَّ، أَوْ رَضِيَ فَيُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْمِلْكَ يُشْتَرَطُ حَالَ التَّعْلِيقِ) خَاصٌّ بِنَحْوِ هَذَا الْمِثَالِ، وَإِلَّا فَالتَّعْلِيقُ بِنَحْوِ طَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا الْمِلْكُ فِيهِ مُنْعَدِمٌ مَعَ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ لِإِضَافَتِهِ إلَى الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا عُقْرَ) أَيْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَهُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ دِيَةُ الْفَرْجِ الْمَغْصُوبِ وَصَدَاقُ الْمَرْأَةِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ أَنَّهُ دِيَةُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ إذَا غُصِبَ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَهْرِ وَبِفَتْحِهَا الْجُرْحُ كَذَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: بِاللَّبْثِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُكْثُ مِنْ لَبِثَ كَسَمِعَ وَهُوَ نَادِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مِنْ فَعِلَ بِالْكَسْرِ قِيَاسُهُ بِالتَّحْرِيكِ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ كَذَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ: بَلْ بِإِيلَاجِهِ ثَانِيًا) قَالَ فِي النَّهْرِ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنْتَ حُرٌّ وَحُرٌّ) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ عَطَفَ بِمُرَادِفِهِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ وَعَتِيقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْعَلُ فَاصِلًا وَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ اهـ
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّرْطِ الِاتِّصَالُ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَعُرُوضُ اللَّغْوِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَزَاءِ فَاصِلٌ يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ وَيَجْعَلُ أَبُو يُوسُفَ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " لِلتَّعْلِيقِ وَهُمَا لِلْإِبْطَالِ وَبِهِ يُفْتَى وَقِيلَ الْخِلَافُ بِالْعَكْسِ فَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ كَذَا بِلَا فَاءٍ يَقَعُ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَلْغُو عَلَى الثَّانِي وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ صَاحِبُ النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ) مُفِيدٌ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ إنْ شَاءَ الْجِنُّ، أَوْ الْحَائِطُ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوقَفْ عَلَى مَشِيئَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ
стр. 379
فَإِنْ عَلِمَهُ الْعَبْدُ فِي الْمَجْلِسِ وَشَاءَ وَقَعَ الطَّلَاقُ.
. (وَ) قَوْلُهُ (أَنْتِ طَالِقٌ بِأَمْرِهِ، أَوْ حُكْمِهِ، أَوْ قَضَائِهِ، أَوْ إذْنِهِ أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ قُدْرَتِهِ تَنْجِيزٌ) يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ (سَوَاءٌ أُضِيفَ إلَيْهِ تَعَالَى، أَوْ إلَى الْعَبْدِ) إذْ يُرَادُ بِمِثْلِهِ التَّنْجِيزُ عُرْفًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ بِحُكْمِ الْقَاضِي.
. (وَ) إنْ قَالَ (بِاللَّامِ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ لِأَمْرِهِ، أَوْ لِحُكْمِهِ. . . إلَخْ (يَقَعُ) الطَّلَاقُ (فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي الْوُجُوهِ الْعَشَرَةِ كُلِّهَا، سَوَاءٌ أَضَافَ إلَى اللَّهِ، أَوْ إلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ كَأَنَّهُ أَوْقَعَ وَعَلَّلَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِدُخُولِكِ الدَّارَ.
(وَ) إنْ قَالَ (بَقِيَ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ. . . إلَخْ (فَإِنْ أَضَافَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَقَعُ) الطَّلَاقُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ فِي بِمَعْنَى الشَّرْطِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَلَا يَقَعُ (إلَّا فِي الْعِلْمِ) لِأَنَّهُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَعْلُومُ وَهُوَ وَاقِعٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ تَعَالَى بِحَالٍ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ وَلَا يَلْزَمُ الْقُدْرَةُ لِأَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا التَّقْدِيرُ وَقَدْ يُقَدِّرُ شَيْئًا وَلَا يُقَدِّرُ شَيْئًا حَتَّى لَوْ أَرَادَ بِهِ صِفَةً تُؤَثِّرُ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ يَقَعُ فِي الْحَالِ.
(وَ) إنْ أَضَافَ (إلَى الْعَبْدِ صَحَّ تَمْلِيكًا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ) فَيُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَمَا مَرَّ تَعْلِيقًا فِي غَيْرِهَا وَهِيَ السِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ عَشَرَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا لِلتَّمْلِيكِ وَهِيَ الْمَشِيئَةُ وَأَخَوَاتُهَا وَسِتٌّ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ وَهِيَ الْأَمْرُ وَأَخَوَاتُهُ وَالْكُلُّ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يُضَافَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ إلَى الْعَبْدِ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْبَاءِ، أَوْ بِاللَّامِ، أَوْ بِفِي (بِأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ وَبِإِلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ ثِنْتَانِ وَبِإِلَّا ثَلَاثًا) يَقَعُ (ثَلَاثٌ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا فَشَرْطُ صِحَّتِهِ أَنْ يَبْقَى وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى شَيْءٌ لِيَصِيرَ مُتَكَلِّمًا بِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى جَمِيعَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْءٌ لِيَتَكَلَّمَ بِهِ (لَا بِإِنْ نَكَحْتُهَا عَلَيْكِ فَهِيَ طَالِقٌ فَنَكَحَهَا عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ) أَيْ لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ الْجَدِيدَةُ فِيمَا إذَا قَالَ لِلَّتِي تَحْتَهُ إنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ امْرَأَةً فَاَلَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَطَلَّقَ الَّتِي مَعَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ عَلَيْهَا أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا مَنْ يُنَازِعُهَا فِي الْفِرَاشِ وَيُزَاحِمُهَا فِي الْقَسْمِ وَلَمْ يُوجَدْ (سَأَلَتْ) الْمَرْأَةُ (الطَّلَاقَ فَقَالَ) الزَّوْجُ (أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسِينَ تَطْلِيقَةً فَقَالَتْ ثَلَاثٌ يَكْفِينِي فَقَالَ) الزَّوْجُ (ثَلَاثٌ لَك وَالْبَاقِي لِصَوَاحِبِكِ وَلَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ غَيْرِهَا تَطْلُقُ الْمُخَاطَبَةُ ثَلَاثًا لَا غَيْرُهَا أَصْلًا) كَذَا فِي وَاقِعَاتِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ
(بَابُ طَلَاقِ الْفَارِّ) (مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الْهَلَاكُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي فَارٌّ بِالطَّلَاقِ (كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجَ الْبَيْتِ) فَمَنْ يَقْضِيهَا فِي خَارِجِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَشْتَكِي لَا يَكُونُ فَارًّا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْهُ هُوَ الصَّحِيحُ (وَمَنْ بَارَزَ رَجُلًا) فِي الْمُحَارَبَةِ (أَوْ قَدِمَ لِيُقْتَلَ بِقِصَاصٍ، أَوْ رَجْمٍ) وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: إذَا قَدِمَ لِلْقِصَاصِ لَا يَكُونُ فَارًّا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ عَلِمَهُ الْعَبْدُ فِي الْمَجْلِسِ وَشَاءَ) أَيْ بِأَنْ قَالَ شِئْت مَا جَعَلَهُ إلَى فُلَانٍ وَقَعَ ذِكْرُ الطَّلَاقِ أَوَّلًا كَذَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْوُجُوهِ الْعَشَرَةِ) أَوَّلُهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. (قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْعِلْمِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْكَافِي، ثُمَّ قَالَ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُرَادَ الْعِلْمُ عَلَى مَفْهُومِهِ، وَإِذَا كَانَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهَا طَالِقٌ فَهُوَ فَرْعُ تَحَقُّقِ طَلَاقِهَا وَكَذَا نَقُولُ الْقُدْرَةُ عَلَى مَفْهُومِهَا فَلَا يَقَعُ لِأَنَّ مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ فِي قُدْرَتِهِ تَعَالَى وُقُوعَهُ وَلَا يَسْتَلْزِمُ سَبْقُ تَحَقُّقِهِ يُقَالُ لِلْفَاسِدِ الْحَالِ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَلَاحُهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي الْحَالِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبِإِلَّا ثَلَاثًا يَقَعُ ثَلَاثٌ) كَذَا نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي أَمَّا إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَنِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبَ وَهِنْدَ وَبَكْرَةَ وَعَمْرَةَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَوْ أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: فَطَلَّقَ الَّتِي مَعَهُ) يَعْنِي طَلَاقًا بَائِنًا لِأَنَّ الْمُبَانَةَ لَا قَسْمَ لَهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، إذْ لَهَا الْقَسْمُ فَمَتْنُهُ خَيْرٌ مِنْ شَرْحِهِ.
[بَابُ طَلَاقِ الْفَارِّ]
(بَابُ طَلَاقِ الْفَارِّ) (قَوْلُهُ: كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجَ الْبَيْتِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَ الْكَمَالُ إذَا أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِهَا فِي الْبَيْتِ لَا فِي خَارِجِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَحِيحٌ. اهـ. .
وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا فِي الْمَرْأَةِ فَقَالَ فِي النَّهْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ فَبِأَنْ تَعْجِزَ عَنْ الْمَصَالِحِ الدَّاخِلَةِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهَا الصُّعُودُ إلَى السَّطْحِ فَهِيَ مَرِيضَةٌ اهـ.
وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الذَّخِيرَةِ وَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّهَا لَوْ قَدَرَتْ عَلَى نَحْوِ الطَّبْخِ دُونَ صُعُودِ السَّطْحِ لَمْ تَكُنْ مَرِيضَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ. اهـ. .
(فَرْعٌ) الشَّخْصُ الصَّحِيحُ فِي فَشْوِ الطَّاعُونِ كَالْمَرِيضِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي الْفَتْحِ لَمْ أَرَهُ لِمَشَايِخِنَا اهـ لَكِنَّ قَوَاعِدَهُمْ تَقْتَضِي أَنَّهُ كَالصَّحِيحِ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ بَذْلُ الْمَاعُونِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِي جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَفِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَاَلَّذِي طَلَّقَ وَهُوَ فِي صَفِّ الْقِتَالِ فَلَا يَكُونُ فَارًّا اهـ.
وَلَيْسَ مُسَلَّمًا إذْ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ مَنْ هُوَ مَعَ قَوْمٍ يَدْفَعُونَ عَنْهُ فِي الصَّفِّ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ مَعَ قَوْمٍ هُمْ مِثْلُهُ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ أَحَدٍ حَالَ فَشْوِ الطَّاعُونِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ بَارَزَ رَجُلًا) قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُبَارَزَ لَيْسَ مِنْ أَقْرَانِهِ بَلْ أَقْوَى مِنْهُ كَذَا فِي النَّهْرِ
стр. 380
لِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِخِلَافِ الرَّجْمِ وَعَلَى الْأَوَّلِ الِاعْتِمَادُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (أَوْ رَكِبَ سَفِينَةً فَانْكَسَرَتْ وَبَقِيَ عَلَى لَوْحٍ أَوْ افْتَرَشَهُ السَّبُعُ وَبَقِيَ فِي فِيهِ) وَالْمُقْعَدُ وَالْمَفْلُوجُ مَا دَامَ يَزْدَادُ مَا بِهِ كَالْمَرِيضِ فَإِنْ صَارَ قَدِيمًا وَلَمْ يَزْدَدْ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ (وَالْمَرْأَةُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَالرَّجُلِ) حَتَّى لَوْ بَاشَرَتْ سَبَبَ الْفُرْقَةِ كَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَالتَّمْكِينِ مِنْ ابْنِ الزَّوْجِ وَالِارْتِدَادِ بَعْدَمَا حَصَلَ لَهَا مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ يَرِثُهَا الزَّوْجُ لِكَوْنِهَا فَارَّةً ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَالْحَامِلُ كَالصَّحِيحَةِ) فَإِنْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ فَهِيَ كَالْمَرِيضَةِ لِأَنَّ هَلَاكَهَا لَا يَغْلِبُ مَا لَمْ يَأْخُذْهَا الطَّلْقُ كَذَا فِي الْكَافِي (فَارٌّ بِالطَّلَاقِ وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ إلَّا مِنْ الثَّالِثِ فَلَوْ أَبَانَهَا بِلَا رِضَاهَا) حَتَّى لَوْ رَضِيَتْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ فَارًّا (وَمَاتَ) الزَّوْجُ (وَلَوْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ) مِنْ الْمَرَضِ وَالْمُبَارَزَةِ وَنَحْوِهِمَا بِأَنْ يُقْتَلَ الْمَرِيضُ أَوْ يَمُوتَ بِمَرَضٍ آخَرَ (وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ تَرِثُ) هَذَا فِي الْبَائِنِ، وَأَمَّا فِي الرَّجْعِيِّ فَتَرِثُ مِنْهُ مُطْلَقًا إذَا مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ السَّبَبُ لِإِرْثِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَإِنَّ الزَّوْجَ قَصَدَ إبْطَالَهُ فَرُدَّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ بِتَأْخِيرِ عَمَلِهِ إلَى زَمَانِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا وَلِهَذَا يَرِثُهَا هُوَ إذَا مَاتَتْ بِخِلَافِ الْبَائِنِ لِأَنَّ السَّبَبَ - وَهُوَ النِّكَاحُ - قَدْ زَالَ.
(كَذَا) تَرِثُ (طَالِبَةُ رَجْعِيٍّ طَلُقَتْ ثَلَاثًا) لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ وَلِهَذَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا يَحْرُمُ بِهِ الْمِيرَاثُ فَلَمْ تَكُنْ بِسُؤَالِهَا إيَّاهُ رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ حَقِّهَا وَكَذَا لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً.
. (وَ) كَذَا تَرِثُ (مُبَانَةٌ قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا) يَعْنِي: أَبَانَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ فَقَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا لَا يَمْنَعُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَوْ رَكِبَ سَفِينَةً فَانْكَسَرَتْ) لَيْسَ كَسْرُهَا شَرْطًا بَلْ كَذَلِكَ لَوْ تَلَاطَمَتْ الْأَمْوَاجُ وَخِيفَ الْغَرَقُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ وَقَيَّدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِأَنْ يَمُوتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْجِ أَمَّا لَوْ سَكَنَ، ثُمَّ مَاتَ لَا تَرِثُ. اهـ. .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا شَرْطُ كَوْنِهِ فَارًّا فَلَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَفْلُوجُ. . . إلَخْ) اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ أَحَدُ خَمْسَةِ أَقْوَالٍ فِيهِ لِأَنَّهُ أَفْتَى بِهِ بُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَالرَّجُلِ) فِيهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِي اشْتِرَاطِ عَجْزِهَا عَنْ الْمَصَالِحِ خَارِجَ الْبَيْتِ، وَعُلِمَتْ مُخَالَفَتُهَا لَهُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ. . . إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَيْ بَعْدَ مَا تَمَّ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ اهـ.
(قُلْتُ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَادَةَ صُعُوبَةُ طَلْقِ السِّقْطِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ فِي تَمَامِ الْمُدَّةِ اهـ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الطَّلَاقِ فَقِيلَ هُوَ الْوَجَعُ الَّذِي لَا يَسْكُنُ حَتَّى الْمَوْتِ أَوْ تَلِدَ وَقِيلَ: وَإِنْ سَكَنَ لِأَنَّ الْوَجَعَ يَسْكُنُ تَارَةً وَيَهِيجُ أُخْرَى وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَلَاكَهَا لَا يَغْلِبُ مَا لَمْ يَأْخُذْهَا الطَّلْقُ) فِي مَفْهُومِهِ تَأَمُّلٌ، إذْ الْمَعْلُومُ أَنَّهُ لَا يَغْلِبُ الْهَلَاكُ بِالطَّلْقِ، وَالْفَارُّ مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الْهَلَاكُ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ أَبَانَهَا بِلَا رِضَاهَا) أَيْ وَهُوَ طَائِعٌ لَا مُكْرَهٌ وَكَذَا يَكُونُ فَارًّا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِمَرَضِهِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ، أَوْ وَكَّلَ بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَأَوْقَعَهُ وَكِيلُهُ حَالَ مَرَضِهِ قَادِرًا عَلَى عَزْلِهِ لَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَاتَ وَلَوْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ) هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ.
(قَوْلُهُ: هَذَا فِي الْبَائِنِ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فَارٌّ بِالطَّلَاقِ لِيَخْرُجَ الرَّجْعِيُّ لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ ظَاهِرٌ فِي الرَّجْعِيِّ فَقَيَّدَ بِالْبَائِنِ لِيَخْرُجَ الرَّجْعِيُّ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ أَيْ كَمَا ذُكِرَ إذْ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ مَتْنًا وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَيَّدَ بِالْبَائِنِ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ تَرِثُ فِيهِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءً كَانَ صَحِيحًا، أَوْ مَرِيضًا وَقْتَ التَّطْلِيقِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا السَّبَبُ لِإِرْثِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) غَيْرُ جَيِّدٍ لِأَنَّهَا - أَيْ الزَّوْجِيَّةَ - سَبَبُ إرْثِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ عَنْ مَرَضٍ، أَوْ فَجْأَةٍ، وَالْوَجْهُ أَنْ نَقُولَ الزَّوْجِيَّةُ سَبَبُ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالزَّوْجُ قَصَدَ. . . إلَخْ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ هَذَا فِي الْبَائِنِ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ: فَإِنَّ الزَّوْجَ قَصَدَ إبْطَالَهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الزَّوْجَ قَصَدَ إبْطَالَهُ. . . إلَخْ) مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَصْدَ الْإِبْطَالِ إنَّمَا هُوَ فِي الْبَائِنِ لَا الرَّجْعِيِّ فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ اَ هـ.
وَيُشْتَرَطُ لِكَوْنِهِ فَارًّا أَهْلِيَّتُهَا لِلْإِرْثِ فِي الْبَائِنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إلَى الْمَوْتِ، وَفِي الرَّجْعِيِّ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا وَقْتَ الْمَوْتِ وَلَوْ كَذَّبَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي كَوْنِ الطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ فَالْقَوْلُ لَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَادَّعَتْ الْعِتْقَ - قَبْلَ مَوْتِهِ - وَالْوَرَثَةُ بَعْدَهُ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ لَهُمْ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يَرِثُهَا) هُوَ إذَا مَاتَتْ كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ﵀ عَدَمُ ذِكْرِهِ هُنَا لِإِيهَامِ ذِكْرِهِ تَعَلُّقَهُ بِالْبَائِنِ وَلَيْسَ صَحِيحًا بَلْ بِالرَّجْعِيِّ فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سَابِقًا لِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا فَيَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يَرِثُهَا هُوَ إذَا مَاتَتْ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ: عَقِبَهُ بِخِلَافِ الْبَائِنِ لِأَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ النِّكَاحُ قَدْ زَالَ يَعْنِي بِالنَّظَرِ إلَيْهِ لِقَصْدِهِ الَّذِي رُدَّ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ عَمَلِهِ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ هِيَ فِي الْعِدَّةِ حَيْثُ لَا يَرِثُهَا هُوَ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَتْ مُوجِبَةً لِإِرْثِهِ مِنْهَا مُؤَاخِذَةً لَهُ بِقَصْدِهِ وَرِضَاهُ بِهِ هَكَذَا يَجِبُ حَلُّ هَذَا الْمَحَلِّ لِدَفْعِ الِاشْتِبَاهِ الْحَاصِلِ فِيهِ وَلَعَلَّهُ مِنْ النَّاسِخِ الْأَوَّلِ بِوَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ السَّبَبَ - وَهُوَ النِّكَاحُ - قَدْ زَالَ) فِيهِ قُصُورٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ: لَكِنْ لَمَّا صَارَ فَارًّا رُدَّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ فَوَرِثَتْ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: كَذَا تَرِثُ طَالِبَةُ رَجْعِيٍّ) سَوَاءٌ فِيهِ مَا لَوْ صَرَّحَتْ بِهِ، أَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَلَمْ تَزِدْ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: كَذَا تَرِثُ مُبَانَةٌ قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا)
стр. 381
تَقْبِيلُهَا الْإِرْثَ إذْ الْبَيْنُونَةُ وَقَعَتْ بِإِبَانَتِهِ لَا بِتَقْبِيلِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَانَتْ بِالتَّقْبِيلِ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ.
. (وَ) كَذَا تَرِثُ (مَنْ لَاعَنَهَا، أَوْ آلَى مِنْهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْمَرَضِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ لَاعَنَ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهَا تَرِثُ وَكَذَا إذَا قَذَفَ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّ هَذَا مُلْحَقٌ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِفِعْلٍ لَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي؛ إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْخُصُومَةِ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ نَفْسِهَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ إذَا حَلَفَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَلَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ وَوَقَعَتْ الْبَيْنُونَةُ، ثُمَّ مَاتَ تَرِثُ الْمَرْأَةُ (وَلَوْ آلَى فِي صِحَّتِهِ وَبَانَتْ بِهِ) أَيْ بِالْإِيلَاءِ (فِي مَرَضِهِ لَا) أَيْ لَا تَرِثُ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ أَيْضًا فِي الْمَرَضِ تَرِثُ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي مَعْنَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَعْنَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ خَالِيَةٍ عَنْ الْوِقَاعِ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِالتَّعَلُّقِ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (بِخِلَافِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ كَمَرِيضٍ عَجَزَ إلَى آخِرِهِ (مَنْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ، أَوْ حُمَّ، أَوْ حُبِسَ لِقِصَاصٍ، أَوْ رَجْمٍ، أَوْ حُصِرَ فَإِنَّ الْمُطَلَّقَةَ حِينَئِذٍ لَا تَرِثُ) لِأَنَّ الْهَلَاكَ لَيْسَ بِغَالِبٍ فِيهَا
(كَذَا) لَا تَرِثُ (الْمُخْتَلِعَةُ فِي مَرَضِهِ وَمُخَيَّرَةٌ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِيهِ وَمَنْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا بِأَمْرِهَا، ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِبُطْلَانِ حَقِّهَا وَالتَّأْخِيرُ كَانَ لِحَقِّهَا (أَوْ لَا بِهِ) أَيْ وَكَذَا لَا تَرِثُ مَنْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا لَا بِأَمْرِهَا (ثُمَّ صَحَّ) الزَّوْجُ مِنْ مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فَارًّا لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ تَبَرُّعَاتُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَلِذَا إذَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ غُرَمَاءُ الصِّحَّةِ.
(تَصَادَقَا عَلَى ثَلَاثٍ فِي الصِّحَّةِ وَمَضَى الْعِدَّةُ أَوْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا فَأَقَرَّ لَهَا بِمَالٍ أَوْصَى فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْهُ وَمِنْ الْإِرْثِ) أَيْ قَالَ لَهَا فِي مَرَضِهِ كُنْت طَلَّقْتُكِ وَأَنَا صَحِيحٌ فَانْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَصَدَّقَتْهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِمَالٍ، أَوْ أَوْصَى لَهَا بِهِ، أَوْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا فِي مَرَضِهِ فَأَقَرَّ لَهَا، أَوْ أَوْصَى، ثُمَّ مَاتَ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْهُ وَمِنْ مِيرَاثِهَا مِنْهُ.
(إذَا عَلَّقَ) الْمَرِيضُ (طَلَاقَهَا بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ - وَالتَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا (فِي مَرَضِهِ -، أَوْ) عَلَّقَ طَلَاقَهَا (بِفِعْلِ نَفْسِهِ - وَهُمَا) أَيْ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ (فِي الْمَرَضِ، أَوْ الشَّرْطُ فَقَطْ) فِيهِ (-، أَوْ) عَلَّقَ طَلَاقَهَا (بِفِعْلِهَا وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ) كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَكَلَامِ الْأَبَوَيْنِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَاسْتِيفَائِهِ (- وَهُمَا فِي الْمَرَضِ، أَوْ الشَّرْطُ -) فَقَطْ فِيهِ وَجَوَابُ إذَا قَوْلُهُ (وَرِثَتْ) الْمَرْأَةُ لِكَوْنِ الزَّوْجِ فَارًّا (وَفِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ هَذِهِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ (لَا) أَيْ لَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الصِّحَّةِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، أَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ فِيمَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ، أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ، أَوْ كَيْفَمَا كَانَ إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا الَّذِي لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَجِيءِ الزَّمَانِ، أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، أَوْ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ، أَوْ كَانَ فِي الْمَرَضِ: أَمَّا الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
خَرَجَ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ رَجْعِيًّا كَاَلَّتِي فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ لِكَوْنِهَا بَانَتْ بِالتَّقْبِيلِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ طَائِعَةً، أَوْ مُكْرَهَةً لِرِضَاهَا بِإِبْطَالِ حَقِّهَا فِي الطَّوْعِ وَلِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِفِعْلِ غَيْرِ الزَّوْجِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إبْطَالُ حَقِّهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ أَيْضًا. . . إلَخْ) مُسْتَدْرَكٌ بِدُونِ سَطْرٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْهُ وَمِنْ الْإِرْثِ) هَذَا إذَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا أَمَّا إذَا انْقَضَتْ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ، ثُمَّ مَاتَ فَلَهَا جَمِيعُ مَا أَقَرَّ لَهَا بِهِ، أَوْ أَوْصَى كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ فُصُولِ الْعِمَادِيِّ. اهـ. .
وَلَيْسَتْ " مِنْ " فِيهِمَا صِلَةً لِأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لِاقْتِضَائِهِ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ أَقَلَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ لِلْبَيَانِ، وَأَفْعَلُ اُسْتُعْمِلَ بِاللَّامِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ: أَوْ مِنْ الْإِرْثِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَقَلَّ بَيَّنَهُ بِأَحَدِهِمَا وَصِلَةُ الْأَقَلِّ مَحْذُوفٌ وَهُوَ مِنْ الْأُخْرَى أَيْ فَلَهَا أَحَدُهُمَا الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْآخَرِ فَتَكُونُ الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ "، أَوْ تَكُونُ عَلَى مَعْنَاهَا لَكِنْ لَا يُرَادُ بِهِمَا الْمَجْمُوعُ بَلْ الْأَقَلُّ الَّذِي هُوَ الْإِرْثُ تَارَةً وَالْمُوصَى بِهِ أُخْرَى فَتَكُونُ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ لِأَنَّ الْأَقَلِّيَّةَ ثَابِتَةٌ لَكِنْ بِحَسَبِ زَمَانَيْنِ قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَاعْتَرَضَهُ يَعْقُوبُ بَاشَا بِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لِلْجَمْعِ فِي أَفْعَلَ بِحَسَبِ زَمَانَيْنِ لَا يَجِبُ إذَا كَانَتْ صِلَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ أَقَلُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَهَا أَحَدَهُمَا لَا غَيْرُ، نَعَمْ لَا يَجْتَمِعُ " مِنْ " وَاللَّامُ، وَجَعَلَهَا فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ مُتَعَلِّقَةً بِالظَّرْفِ أَيْ ثَبَتَ لَهَا دَائِمًا مِنْ الْمُوصَى بِهِ وَمِنْ الْإِرْثِ مَا هُوَ أَقَلُّ. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) : عِدَّتُهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمَا تَأْخُذُهُ لَهُ شَبَهٌ بِالْمِيرَاثِ فَمَا نَوَى كَانَ عَلَى الْكُلِّ وَشُبِّهَ بِالدَّيْنِ حَتَّى كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُعْطُوهَا مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ) أَيْ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ وَسَوَاءٌ كَانَ فِعْلُ الْأَجْنَبِيِّ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ. . . إلَخْ) قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مُطْلَقًا حَتَّى بِفِعْلِهَا الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ: إنَّهَا عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ وَجْهًا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ إمَّا بِمَجِيءِ الْوَقْتِ أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ بِفِعْلِهِ، أَوْ فِعْلِهَا، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَالشَّرْطَ إمَّا أَنْ يُوجَدَا فِي الصِّحَّةِ، وَفِي الْمَرَضِ، أَوْ يُوجَدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ اهـ.
стр. 382
أَعْنِي مَا إذَا عَلَّقَهُ بِمَجِيءِ الزَّمَانِ، أَوْ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ لِلْفِرَارِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ لَمْ تَرِثْ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَتَرِثُ كَيْفَمَا كَانَ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، أَوْ فِي الْمَرَضِ وَكَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَوْ لَا لِأَنَّهُ صَارَ قَاصِدًا إبْطَالَ حَقِّهَا بِالتَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ، أَوْ بِالشَّرْطِ وَحْدَهُ لِأَنَّ لِلشَّرْطِ شَبَهًا بِالْعِلَّةِ لِأَنَّ الْوُجُودَ عِنْدَهُ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا مِنْ وَجْهٍ صِيَانَةً لِحَقِّهَا، وَاضْطِرَارُهُ لَا يُبْطِلُ حَقَّ غَيْرِهِ كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ حَالَ الِاضْطِرَارِ، أَوْ النَّوْمِ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا فَإِنْ كَانَ فِعْلًا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ لَمْ تَرِثْ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ، أَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، وَالشَّرْطُ وَالْمَرَضِ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِالشَّرْطِ، وَالرِّضَاءُ بِهِ يَكُونُ رِضًا بِالْمَشْرُوطِ.
(أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ) وَقَدْ دَخَلَ بِهَا فَصَحَّ (فَمَاتَ، أَوْ أَبَانَهَا فَارْتَدَّتْ فَأَسْلَمَتْ فَمَاتَ) الزَّوْجُ (لَمْ تَرِثْ) أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الصِّحَّةَ لَمَّا تَخَلَّلَتْ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَارٍّ، وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ بِارْتِدَادِهَا أَبْطَلَتْ أَهْلِيَّةَ الْإِرْثِ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا فَإِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ لَا يُمْكِنُ عَوْدُ السَّبَبِ (قَالَ لَهَا إنْ مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا كَانَ فَارًّا) حَتَّى إذَا مَرِضَ وَمَاتَ فِيهِ تَرِثُ (قَالَتْ لِزَوْجِهَا الْمَرِيضِ: طَلِّقْنِي فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَرِثَتْ) لِأَنَّ مَدْلُولَ طَلِّقْنِي طَلَبُ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الرِّضَا بِهِ الرِّضَا بِالثَّلَاثِ فَإِذَا أَتَى بِهَا الزَّوْجُ كَانَ فَارًّا وَوَرِثَتْ الْمَرْأَةُ.
(قَالَ: آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ أُخْرَى ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ طَلُقَتْ) الْمَرْأَةُ الْأُخْرَى (عِنْدَ التَّزَوُّجِ فَلَا يَصِيرُ) الزَّوْجُ (فَارًّا فَلَا تَرِثُ) الْمَرْأَةُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا طَلُقَتْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَصِيرُ فَارًّا وَتَرِثُ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ الْآخِرِيَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِعَدَمِ تَزَوُّجِ غَيْرِهَا بَعْدَهَا وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالْمَوْتِ فَكَانَ الشَّرْطُ مُتَحَقِّقًا عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنَّ الْمَوْتَ مُعَرَّفٌ وَاتِّصَافُهُ بِالْآخِرِيَّةِ مِنْ وَقْتِ الشَّرْطِ فَيَثْبُتُ مُسْتَنِدًا.
(بَابُ الرَّجْعَةِ) (هِيَ اسْتِدَامَةُ الْقَائِمِ فِي الْعِدَّةِ) أَيْ إبْقَاءُ النِّكَاحِ عَلَى مَا كَانَ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] فَإِنَّ الْإِمْسَاكَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ الْقَائِمِ لَا عَنْ إعَادَةِ الزَّائِلِ فَيَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وَشَرْطِيَّةِ بَقَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ مَا دَامَتْ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً؛ إذْ الْمِلْكُ بَاقٍ فِي الْعِدَّةِ زَائِلٌ بَعْدَ انْقِضَائِهَا (بِنَحْوِ رَاجَعْتُك وَبِمَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ) مِنْ الْوَطْءِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا مَرَّ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ عِنْدَهُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْقَوْلِ فَلَا يَجُوزُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: قَالَ لَهَا: إنْ مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا كَانَ فَارًّا) هُوَ الصَّحِيحُ فَتَرِثُ بِمَوْتِهِ فِي عِدَّتِهَا وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ: لَا تَرِثُ وَكَذَا يَكُونُ فَارًّا إذَا عَلَّقَ الْمَرِيضُ الثَّلَاثَ بِعِتْقِهَا، أَوْ إسْلَامِهَا، أَوْ قَالَ سَيِّدُ الْأَمَةِ: أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا، وَقَالَ زَوْجُهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْدَ غَدٍ إنْ عَلِمَ بِكَلَامِ الْمَوْلَى يَكُونُ فَارًّا، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَهَا وَطَلَاقَهَا ثَلَاثًا بِالْغَدِ فَجَاءَ وَقَعَا، وَلَا تَرِثُ بِمَوْتِهِ فِي عِدَّتِهَا كَذَا فِي قَاضِي خَانْ وَقَدَّمْنَا عَنْ التَّحْرِيرِ مَسْأَلَةَ تَعْلِيقِهِ بِمَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَيْنِ، وَالْكَلَامَ عَلَى عِدَّتِهَا، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ صَارَ فَارًّا وَتُزَادُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ عَلَى السِّتَّةَ عَشَرَ مَسْأَلَةً فِي تَعْلِيقِ الْفَارِّ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهَا.
(قَوْلُهُ: قَالَتْ لِزَوْجِهَا الْمَرِيضِ. . . إلَخْ) فِيمَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ: كَذَا تَرِثُ طَالِبَةُ رَجْعِيٍّ طَلُقَتْ ثَلَاثًا غَنِيَّةً عَنْ هَذَا.
(قَوْلُهُ: آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَلَا تَرِثُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءً دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا إلَّا أَنَّهُ إنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرٌ وَنِصْفٌ وَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَهَا مَهْرٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ.
[بَابُ الرَّجْعَةِ]
(بَابُ الرَّجْعَةِ) الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَ فِيهَا أَفْصَحُ مِنْ الْكَسْرِ خِلَافًا لِلْأَزْهَرِيِّ فِي دَعْوَى أَكْثَرِيَّةِ الْكَسْرِ، وَلِمَكِّيٍّ تَبَعًا لِابْنِ دُرَيْدٍ فِي إنْكَارِ الْكَسْرِ عَلَى الْفُقَهَاءِ تَتَعَدَّى وَلَا تَتَعَدَّى يُقَالُ: رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَرَجَعْتُهُ إلَيْهِمْ رَدَدْتُهُ رَجْعًا وَرُجُوعًا وَمَرْجِعًا كَذَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: بِنَحْوِ رَاجَعْتُكِ) يُرِيدُ بِهِ رَاجَعْت امْرَأَتِي وَارْتَجَعْتُكِ وَرَجَعْتُكِ وَرَدَدْتُكِ وَأَمْسَكْتُكِ وَمَسَكْتُكِ وَهَذَا صَرِيحٌ وَاشْتُرِطَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فِي رَدَدْتُكِ الصِّلَةُ كَإِلَيَّ أَوْ إلَى نِكَاحِي، أَوْ إلَى عِصْمَتِي وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الصِّلَةِ فِي الِارْتِجَاعِ وَالْمُرَاجَعَةِ قَالَ الْكَمَالُ: وَهُوَ حَسَنٌ، إذْ مُطْلَقُهُ يُسْتَعْمَلُ فِي ضِدِّ الْقَبُولِ وَمِنْ الصَّرِيحِ النِّكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الرَّاوِيَةِ،.
وَفِي الْيَنَابِيعِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهَذَا رُكْنُ الرَّجْعَةِ لِأَنَّهُ إمَّا قَوْلٌ، أَوْ فِعْلٌ وَالْقَوْلُ الصَّرِيحُ مَا تَقَدَّمَ وَالْكِنَايَةُ أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْتِ وَأَنْتِ امْرَأَتِي فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا إلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَبِمَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ) بَيَانٌ لِلرَّجْعَةِ بِالْفِعْلِ وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ وَنُقِلَ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ إذَا رَاجَعَهَا بِقُبْلَةٍ، أَوْ لَمْسٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْإِشْهَادِ ثَانِيًا. اهـ. لِأَنَّ السُّنَّةَ الرَّجْعَةُ بِالْقَوْلِ وَالْإِشْهَادِ وَإِعْلَامِهَا كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْوَطْءِ وَغَيْرِهِ) يَعْنِي بِهِ اللَّمْسَ وَالْقُبْلَةَ عَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهَا وَالنَّظَرَ إلَى فَرْجِهَا الدَّاخِلِ بِشَهْوَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُرَاجَعَةَ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ مِنْهُ، أَوْ مِنْهَا بَعْدَ كَوْنِهِ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهَا
стр. 383
عِنْدَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ الرَّجْعَةِ بِالْقَوْلِ (وَتَصِحُّ) أَيْ الرَّجْعَةُ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ طَلْقَةٍ وَطَلْقَتَيْنِ وَهَذَا فِي الْحُرَّةِ، وَالثِّنْتَانِ فِي الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ فِي الْحُرَّةِ وَقَدْ مَرَّ مِرَارًا (وَإِنْ أَبَتْ) الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجْعَةِ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِمْسَاكِ مُطْلَقٌ فَيَشْمَلُ التَّقَادِيرَ.
(وَنُدِبَ إعْلَامُهَا) أَيْ إعْلَامُ الزَّوْجِ إيَّاهَا بِالرَّجْعَةِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْلِمْهَا لَرُبَّمَا تَقَعُ الْمَرْأَةُ فِي الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَزَوَّجُ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهَا أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يُرَاجِعْهَا وَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَيَطَؤُهَا الزَّوْجُ الثَّانِي فَكَانَتْ عَاصِيَةً وَزَوْجُهَا الَّذِي أَوْقَعَهَا فِيهِ مُسِيئًا بِتَرْكِ الْإِعْلَامِ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُعْلِمْهَا صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةٌ لِلْقَائِمِ وَلَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ فَكَانَ الزَّوْجُ بِرَجْعَتِهِ مُتَصَرِّفًا فِي خَالِصِ حَقِّهِ، وَتَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْغَيْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ عَاصِيَةً بِغَيْرِ عِلْمٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ سُؤَالٍ فَقَدْ تَرَكَتْ التَّثَبُّتَ فَوَقَعَتْ فِي الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ جِهَتِهَا.
(وَ) نُدِبَ (الْإِشْهَادُ) أَيْضًا احْتِرَازًا عَنْ التَّجَاحُدِ وَعَنْ الْوُقُوعِ فِي مَوَاقِعِ التُّهَمِ لِأَنَّ النَّاسَ عَرَفُوهُ مُطْلَقًا فَيُتَّهَمُ بِالْقُعُودِ مَعَهَا، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ صَحَّتْ.
. (وَ) نُدِبَ أَيْضًا (عَدَمُ دُخُولِهِ عَلَيْهَا بِلَا إذْنِهَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ الرَّجْعَةَ) أَيْ يُعْلِمُهَا بِدُخُولِهِ عَلَيْهَا بِالنِّدَاءِ، أَوْ التَّنَحْنُحِ، أَوْ صَوْتِ النَّعْلِ لِتَتَأَهَّبَ لِدُخُولِهِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ نَظَرُهُ فِيهَا لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فِي الْجُمْلَةِ.
(ادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ الرَّجْعَةَ فِيهَا إنْ صَدَّقَتْهُ فَرَجْعَةٌ) لِأَنَّ النِّكَاحَ يَثْبُتُ بِتَصَادُقِ الزَّوْجَيْنِ فَالرَّجْعَةُ أَوْلَى (وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَلَا) أَيْ لَا يَكُونُ رَجْعَةً لِأَنَّهُ مُدَّعٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ وَلَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فِي الْحَالِ وَهِيَ مُنْكِرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ (وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا) لِمَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ الرَّجْعَةَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَمِينَ فِيهَا (كَمَا فِي رَاجَعْتُكِ) أَيْ كَمَا لَا يَكُونُ رَجْعَةً إذَا قَالَ رَاجَعْتُكِ يُرِيدُ بِهِ الْإِنْشَاءَ (فَقَالَتْ - مُجِيبَةً لَهُ -: مَضَتْ عِدَّتِي) لِأَنَّ هَذِهِ الرَّجْعَةَ صَادَفَتْ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا تَصِحُّ، وَهَذَا لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي الْإِخْبَارِ فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهَا فَإِذَا أَخْبَرَتْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى سَبْقِ الِانْقِضَاءِ، وَأَقْرَبُ أَحْوَالِهِ حَالُ قَوْلِ الزَّوْجِ رَاجَعْتُك فَيَكُونُ مُقَارِنًا لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا تَصِحُّ بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَتَتْ، ثُمَّ أَخْبَرَتْ بِالِانْقِضَاءِ لِأَنَّ أَقْرَبَ الْأَحْوَالِ فِيهَا حَالُ السَّكْتَةِ فَيُصَارُ إلَيْهِ.
. (وَ) كَمَا (فِي زَوْجِ أَمَةٍ أَخْبَرَ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الْعِدَّةِ (بِالرَّجْعَةِ وَصَدَّقَهُ سَيِّدُهَا وَكَذَّبَتْهُ) الْأَمَةُ فَإِنَّ الْقَوْلَ لَهَا فَإِنَّ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ بِنَاءٌ عَلَى قِيَامِ الْعِدَّةِ، وَالْقَوْلُ فِي الْعِدَّةِ قَوْلُهَا بَقَاءً وَانْقِضَاءً فَكَذَا فِيمَا بُنِيَ عَلَيْهِ (أَوْ قَالَتْ) الْأَمَةُ (مَضَتْ) عِدَّتِي (وَأَنْكَرَا) أَيْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ مُضِيَّ الْعِدَّةِ فَإِنَّ الْقَوْلَ لَهَا لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِشَأْنِهَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
اتِّفَاقًا قَالَ فِي الْفَتْحِ: بِشَرْطِ أَنْ يُصَدِّقَهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَاسًا مِنْهَا كَأَنْ كَانَ نَائِمًا، أَوْ فَعَلَتْهُ وَهُوَ مُكْرَهٌ، أَوْ مَعْتُوهٌ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا بِإِدْخَالِهَا فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ مَجْنُونٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ: وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ رَجْعَةٌ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي النَّهْرِ وَرَجْعَةُ الْمَجْنُونِ بِالْفِعْلِ، وَلَا تَصِحُّ بِالْقَوْلِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ بِهِمَا كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ) بَيَانُ شَرْطِ الرَّجْعَةِ وَلَهَا شُرُوطٌ خَمْسٌ تُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَبَتْ) أَيْ بَعْدَ الْعِلْمِ وَكَذَا وَلَمْ تَعْلَمْ بِهَا أَصْلًا وَمَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ اشْتِرَاطِ إعْلَامِ الْغَائِبَةِ بِهَا فَسَهْوٌ كَذَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: أُجِيبَ بِأَنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ سُؤَالٍ. . . إلَخْ)
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَهَذَا مُشْكِلٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهَا السُّؤَالُ، وَالْمَعْصِيَةُ بِالْعَمَلِ بِمَا ظَهَرَ عِنْدَهَا اهـ قَالَ الْكَمَالُ: وَلَيْسَ السُّؤَالُ إلَّا لِدَفْعِ مَا هُوَ مُتَوَهَّمُ الْوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِ عَدَمِهِ فَهُوَ وِزَانُ إعْلَامِهِ إيَّاهَا، إذْ هُوَ أَيْضًا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذًا كَانَ مُسْتَحَبًّا.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَقْصِدْ الرَّجْعَةَ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَأَطْلَقَهُ فِي الْكَنْزِ وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ قَدْ تَقَعُ الْمُرَاجَعَةُ بِالنَّظَرِ لِدَاخِلِ فَرْجِهَا وَهُوَ مَكْرُوهٌ فَيُنْدَبُ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْذِنَهَا وَلَوْ قَصَدَ الرَّجْعَةَ دَفْعًا لِوُقُوعِ الرَّجْعَةِ بِالْمَكْرُوهِ وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ بِالْإِطْلَاقِ كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ نَظَرُهُ إلَيْهِ) فِيهِ تَأَمُّلٌ، إذْ الْكَلَامُ فِي الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا وَلَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا فَالنَّظَرُ لَهُ مِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ إنَّمَا نُدِبَ إعْلَامُهَا بِدُخُولِهِ لِخَوْفِ أَنْ يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَوْضِعٍ يَصِيرُ بِهِ مُرَاجِعًا وَهُوَ لَا يُرِيدُهَا فَيَحْتَاجَ إلَى طَلَاقِهَا فَتَطُولَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَيَلْزَمَهَا الضَّرَرُ بِذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا لِمَا يَأْتِي) أَيْ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ: وَتُحَلَّفُ عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي رَاجَعْتُكِ) لَيْسَ هُوَ مِثْلَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْيَمِينِ لِأَنَّهَا تُحَلَّفُ هُنَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَوَقَعَ فِي التَّبْيِينِ - وَتَبِعَهُ فِي الْفَتْحِ - أَنَّهَا تُحَلَّفُ هُنَا بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ بَحْثٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ صَحَّتْ عِنْدَهُمَا فَعَلَامَ تُسْتَحْلَفُ وَاَلَّذِي فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَجَابَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا لَوْ قَالَا: كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ فَرَاجِعْهَا اهـ. وَبَعْدُهُ لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ كَذَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَصَدَّقَهُ سَيِّدُهَا وَكَذَّبَتْهُ) أَيْ وَلَا بَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ لَهَا، وَفِي قَلْبِهِ الْقَوْلُ لِسَيِّدِهَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ، وَفِي النَّهْرِ هُوَ الْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ قَالَتْ مَضَتْ عِدَّتِي وَأَنْكَرَ. . . إلَخْ) أَيْ وَاسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ، إذْ لَوْ أَخْبَرَتْ بِأَنَّهُ كَانَ كَذَّابًا لَهُ
стр. 384
(تَنْقَطِعُ) أَيْ الْعِدَّةُ (إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ الْأَخِيرِ لِعَشَرَةٍ) وَهُوَ الْحَيْضُ الثَّالِثُ مِنْ الْعِدَّةِ (وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ) حَتَّى لَوْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ مَا تَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الِاغْتِسَالِ وَتُحْرِمُ لِلصَّلَاةِ فَذَهَبَ ذَلِكَ الْقَدْرُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَتَيَقَّنَّا بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ فَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ وَانْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ.
(وَ) إذَا طَهُرَتْ مِنْهُ (لِأَقَلَّ) مِنْ الْعَشَرَةِ (لَا) أَيْ لَا تَنْقَطِعُ الْعِدَّةُ (حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ يَمْضِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ، أَوْ تَتَيَمَّمَ وَتُصَلِّيَ) مَكْتُوبَةً، أَوْ تَطَوُّعًا فَإِنَّهُ إذَا انْقَطَعَ فِيمَا دُونَهَا يَحْتَمِلُ عَوْدَ الدَّمِ فَلَمْ يُتَيَقَّنْ بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَيْضًا لِأَنَّ مُدَّةَ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ أَيَّامُهَا أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فَالِاغْتِسَالُ مُؤَكِّدٌ لِلِانْقِطَاعِ، وَكَذَا مُضِيُّ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ إذْ بِمُضِيِّ وَقْتِهَا صَارَتْ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا عَلَى الطَّاهِرَةِ عَنْ الْحَيْضِ، وَإِذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَمَا طَهُرَتْ، وَأَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَتَيَمَّمَتْ وَصَلَّتْ فَقَدْ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهَا حَيْثُ جَوَّزْنَا صَلَاتَهَا بِالتَّيَمُّمِ.
(نَسِيَتْ غَسْلَ عُضْوٍ رَاجَعَ) الزَّوْجُ (وَ) نَسِيَتْ (مَا دُونَهُ) أَيْ دُونَ عُضْوٍ (لَا) أَيْ لَا يُرَاجِعُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ فِي الْعُضْوِ الْكَامِلِ أَنْ لَا تَبْقَى الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا غَسَلَتْ أَكْثَرَ الْبَدَنِ وَالْقِيَاسُ فِيمَا دُونَهُ أَنْ تَبْقَى لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ لِقِلَّتِهِ فَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ وَلَا يَحِلُّ لَهَا التَّزَوُّجُ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الرَّجْعَةِ وَالتَّزَوُّجِ بِخِلَافِ الْعُضْوِ الْكَامِلِ؛ إذْ لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ وَلَا يُغْفَلُ عَنْهُ عَادَةً فَافْتَرَقَا.
(طَلَّقَ حَامِلًا مُنْكِرًا وَطْئَهَا فَرَاجَعَهَا فَوَلَدَتْ لِأَقَلِّ الْمُدَّةِ) فَصَاعِدًا (صَحَّتْ الرَّجْعَةُ) يَعْنِي: لَهُ امْرَأَةٌ حَامِلٌ طَلَّقَهَا وَأَنْكَرَ وَطْئَهَا، ثُمَّ رَاجَعَهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ لِأَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ وَلَا عِبْرَةَ بِإِنْكَارِهِ لِلْوَطْءِ لِأَنَّ الشَّرْعَ كَذَّبَهُ بِجَعْلِ الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ وَالْكَنْزِ لِأَنَّهَا خَالِيَةٌ عَنْ مُسَامَحَةٍ ذَكَرَهَا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (وَ) طَلَّقَ (مَنْ وَلَدَتْ) لِأَقَلِّ الْمُدَّةِ فَصَاعِدًا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الطَّلَاقِ (مُنْكِرًا وَطْئَهَا فَلَهُ الرَّجْعَةُ) يَعْنِي لَهُ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ لِأَقَلِّ الْمُدَّةِ وَأَنْكَرَ وَطْئَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَلَا عِبْرَةَ لِإِنْكَارِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الشَّرْعَ كَذَّبَهُ (وَإِنْ خَلَا بِهَا) خَلْوَةً صَحِيحَةً (فَأَنْكَرَ) الْوَطْءَ (فَلَا) أَيْ لَا تَصِحُّ رَجْعَتُهَا لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْوَطْءَ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ الشَّرْعُ فَيَكُونُ إنْكَارُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ بَعْدَمَا خَلَا بِهَا وَأَنْكَرَ وَطْئَهَا إنْ طَلَّقَهَا (فَرَاجَعَهَا فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ صَحَّتْ) الرَّجْعَةُ فَإِنَّهَا إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْهُمَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ ثَبَتَ نَسَبُ هَذَا الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَلَدُ يَبْقَى فِي الْبَطْنِ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُجْعَلَ الزَّوْجُ وَاطِئًا قَبْلَ الطَّلَاقِ لَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَطَأْ قَبْلَهُ يَزُولُ الْمِلْكُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ الْوَطْءُ بَعْدَ الطَّلَاقِ حَرَامًا فَيَجِبُ صِيَانَةُ فِعْلِ الْمُسْلِمِ عَنْهُ فَإِذَا جُعِلَ وَاطِئًا قَبْلَ الطَّلَاقِ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ.
(قَالَ: إذَا وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا، ثُمَّ) وَلَدَتْ وَلَدًا (آخَرَ بِبَطْنَيْنِ فَهُوَ رَجْعَةٌ) الْمُرَادُ بِبَطْنَيْنِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوِلَادَتَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، أَوْ أَكْثَرُ أَمَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ يَكُونُ بِبَطْنٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا طَلُقَتْ بِالْوِلَادَةِ الْأُولَى ثُمَّ الْوِلَادَةُ الثَّانِيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ رَاجَعَهَا بَعْدَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الرَّجْعَةُ وَلَوْ قَالَتْ: انْقَضَتْ بِالْوِلَادَةِ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَوْ قَالَتْ أَسْقَطْتُ سِقْطًا مُسْتَبِينَ بَعْضِ الْخَلْقِ فَلَهُ طَلَبُ يَمِينِهَا عَلَى أَنَّ صِفَتَهُ كَذَلِكَ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْحَيْضُ الثَّالِثُ) لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَهُ إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ الْأَخِيرِ لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ الْأَمَةَ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ إلَى قَوْلِهِ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا) يَعْنِي لِلُزُومِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا لِأَنَّ طَهَارَتَهَا بِالنَّظَرِ لِحِلِّ الْوَطْءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا، ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَدْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِدُونِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ مِنْ حَيْثِيَّةِ لُزُومِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَكَانَ الْأَنْسَبُ حَذْفَ هَذَا الْمُفَرَّعِ مِنْ ذَا الْمَحَلِّ وَاقْتِصَارَهُ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدَهُ: لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ. . . إلَخْ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى تَغْتَسِلَ) هَذَا إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً وَلَوْ كَانَ غُسْلُهَا بِسُؤْرِ حِمَارٍ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَالْكِتَابِيَّةُ تَنْقَطِعُ رَجْعَتُهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لِعَدَمِ خِطَابِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمَجْنُونَةُ وَالْمَعْتُوهَةُ كَذَلِكَ فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَتَيَمَّمَ وَتُصَلِّيَ مَكْتُوبَةً، أَوْ تَطَوُّعًا) يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّبْيِينِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ،.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ تَصْحِيحُ خِلَافِ هَذَا وَنَصُّهُ صَحَّحَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهَا تَنْقَطِعُ بِالشُّرُوعِ اهـ.
وَلَوْ مَسَّتْ الْمُصْحَفَ، أَوْ قَرَأَتْ الْقُرْآنَ أَوْ دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ قَالَ الْكَرْخِيُّ تَنْقَطِعُ وَقَالَ الرَّازِيّ لَا تَنْقَطِعُ بِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: نَسِيَتْ غَسْلَ عُضْوٍ) الْمُرَادُ بِهِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا مَا دُونَهُ كَالْأُصْبُعِ وَبَعْضِ السَّاعِدِ وَلَوْ بَقِيَ أَحَدُ الْمَنْخَرَيْنِ لَمْ تَنْقَطِعْ قَالَهُ الْكَمَالُ وَقَيَّدَ بِالنِّسْيَانِ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَمَّدَتْ إبْقَاءَ مَا دُونَ عُضْوٍ لَا تَنْقَطِعُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَطَلَّقَ مَنْ وَلَدَتْ لِأَقَلِّ الْمُدَّةِ) يَعْنِي مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ
стр. 385
الْوِلَادَةِ الْأُولَى لِيَكُونَ الْوَطْءُ حَلَالًا أَمَّا إذَا كَانَتْ الْوِلَادَتَانِ بِبَطْنٍ وَاحِدٍ فَلَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ لِأَنَّ عُلُوقَ الْوَلَدِ الثَّانِي كَانَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ الْأُولَى.
. (وَ) لَوْ قَالَ (كُلَّمَا وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَوَلَدَتْ ثَلَاثَةً بِبُطُونٍ يَقَعُ) طَلَقَاتٌ (ثَلَاثٌ، وَ) الْوَلَدُ (الثَّانِي وَالثَّالِثُ رَجْعَةٌ) فَإِنَّهَا طَلُقَتْ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ وَصَارَتْ مُعْتَدَّةً وَبِالْوَلَدِ الثَّانِي صَارَ مُرَاجِعًا فِي الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ؛ إذْ يُجْعَلُ الْعُلُوقُ بِوَطْءٍ حَادِثٍ فِي الْعِدَّةِ حَمْلًا لِأَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ وَطَلُقَتْ ثَانِيًا بِالْوَلَدِ الثَّانِي لِأَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ بِكُلَّمَا وَبِالْوَلَدِ الثَّالِثِ صَارَ مُرَاجِعًا فِي الطَّلَاقِ الثَّانِي لِمَا مَرَّ وَطَلُقَتْ ثَالِثًا بِالْوَلَدِ الثَّالِثِ (فَتَعْتَدُّ بِالْحَيْضِ) ؛ لِأَنَّهَا حَائِلٌ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ حِينَ وَقَعَ الطَّلَاقُ.
(الرَّجْعِيُّ) مِنْ الطَّلَاقِ (لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ) لِبَقَاءِ أَصْلِ النِّكَاحِ كَمَا مَرَّ حَتَّى لَوْ وَطِئَ لَا يَغْرَمُ الْعُقْرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُحَرِّمُهُ حَتَّى يَغْرَمَ الْعُقْرَ (وَمُطَلَّقَتُهُ) أَيْ مُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيِّ (تَتَزَيَّنُ) لِيَرْغَبَ الزَّوْجُ فِي رَجْعَتِهَا (وَلَا يُسَافِرُ بِهَا بِلَا إشْهَادٍ عَلَى رَجْعَتِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ الرَّجْعِيِّ لِسِيَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣١] وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ رَجْعِيٌّ بِالْإِجْمَاعِ.
(يَنْكِحُ) الزَّوْجُ (مُبَانَتَهُ بِلَا ثَلَاثٍ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا) لِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ بَاقٍ لِأَنَّ زَوَالَهُ مُعَلَّقٌ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فَيَنْعَدِمُ قَبْلَهَا وَمُنِعَ الْغَيْرُ فِي الْعِدَّةِ لِاشْتِبَاهِ النَّسَبِ وَلَا اشْتِبَاهَ فِي حَقِّهِ (لَا مُطَلَّقَتَهُ بِهَا) أَيْ بِالثَّلَاثِ (لَوْ حُرَّةً وَبِالثِّنْتَيْنِ لَوْ أَمَةً حَتَّى يَطَأَهَا غَيْرُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَالْمُرَادُ مِنْهُ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، وَالثِّنْتَانِ فِي الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ فِي الْحُرَّةِ لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ لِحِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالنِّكَاحُ فِي الْآيَةِ حُمِلَ عَلَى الْعَقْدِ، وَلُزُومُ الْوَطْءِ ثَبَتَ بِحَدِيثٍ مَشْهُورٍ يَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ وَهُوَ حَدِيثُ الْعُسَيْلَةِ وَقَدْ حُقِّقَ هَذَا الْبَحْثُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَأَوْضَحْنَاهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ فِي شَرْحِ الْمِرْقَاةِ وَحَوَاشِي التَّلْوِيحِ بِمَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ (مُرَاهِقًا) غَيْرَ بَالِغٍ؛ لِأَنَّهُ فِي التَّحْلِيلِ كَالْبَالِغِ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْإِيلَاجُ دُونَ الْإِنْزَالِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ (بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " يَطَأَهَا " (وَتَمْضِيَ) عَطْفٌ عَلَى " يَطَأَهَا " (عِدَّتُهُ) أَيْ عِدَّةُ الزَّوْجِ الثَّانِي (لَا سَيِّدُهَا) عَطْفٌ عَلَى " غَيْرُهُ " يَعْنِي أَنَّ وَطْءَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ لَا يَكُونُ مُحَلِّلًا لِتَعَيُّنِ مِلْكِ النِّكَاحِ لِلتَّحْلِيلِ بِالنَّصِّ.
(وَكُرِهَ نِكَاحُ الزَّوْجِ الثَّانِي بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ، وَإِنْ حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ) بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنْ أُحِلّكِ، أَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ أَوْ وَكِيلُهَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَالْوَلَدُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ رَجْعَةٌ) الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْوَلَدِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ رَجْعَةً أَنَّهُ ظَهَرَ صِحَّةُ الرَّجْعَةِ السَّابِقَةِ بِهِ كَذَا فِي الْبَحْرِ اهـ.
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ حَرَامًا إذْ قَدْ لَا تَرَى النِّفَاسَ أَصْلًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيِّ تَتَزَيَّنُ) فِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ الزَّوْجَ حَاضِرٌ وَقَيَّدَهُ مُلَّا مِسْكِينٍ بِكَوْنِ الرَّجْعَةِ مَرْجُوَّةً فَإِنْ كَانَتْ لَا تَرْجُوهَا لِشِدَّةِ بُغْضِهِ لَهَا فَإِنَّهَا لَا تَفْعَلُ.
(قَوْلُهُ: لِسِيَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣١] كَذَا فِي النُّسَخِ بِالْفَاءِ، وَالتِّلَاوَةُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا﴾ [الطلاق: ١] الْآيَةَ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ بَاقٍ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ الْكَمَالُ: هَذَا تَرْكِيبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّ بَاقٍ، أَوْ لِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ بَاقِيَةٌ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ هِيَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَحَلًّا وَلَا مَعْنَى لِنِسْبَةِ الْحِلِّ إلَيْهَا، إذْ لَا مَعْنَى لِحِلِّ كَوْنِهَا مَحَلًّا اهـ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمُنِعَ الْغَيْرُ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَطَأَهَا غَيْرُهُ) يَعْنِي لَوْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا، وَإِنْ أَفْضَاهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا لَا يُحِلُّهَا، وَالشَّرْطُ الْإِيلَاجُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ فَلَا يُحِلُّهَا الشَّيْخُ بِإِيلَاجِهِ بِمُسَاعَدَةِ يَدِهِ إلَّا إذَا انْتَعَشَ، وَعَمِلَ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُحِلُّهَا كَذَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَلُزُومُ الْوَطْءِ ثَبَتَ بِحَدِيثٍ مَشْهُورٍ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بِإِشَارَةِ الْكِتَابِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ اهـ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى رُجُوعِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ بِأَنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ شَرْطًا لِحِلِّهَا لِلْأَوَّلِ نَصَّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ فِي الْقُنْيَةِ وَنَقَلَهُ عَنْهَا فِي الْبَحْرِ وَمُرَادُ الزَّيْلَعِيِّ الْإِجْمَاعُ الْعَالِي فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ كَوْنُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَالشِّيعَةِ قَائِلِينَ بِمَا رَجَعَ عَنْهُ سَعِيدٌ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ ﵁: مَنْ أَفْتَى بِهَذَا الْقَوْلِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُرَاهِقًا غَيْرَ بَالِغٍ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ: الْمُرَاهِقُ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْبُلُوغَ وَتَحَرَّكَ آلَتُهُ وَاشْتَهَى قَيَّدَ بِالْمُرَاهِقِ لِأَنَّهُ ﵊ شَرَطَ اللَّذَّةَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ اهـ،.
وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِعَشْرِ سِنِينَ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) يَخْرُجُ الْفَاسِدُ وَنِكَاحُ غَيْرِ الْكُفْءِ إذَا كَانَ لَهَا وَلِيٌّ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَالنِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ.
(قَوْلُهُ: وَتَمْضِي عِدَّتُهُ) أَيْ الزَّوْجِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَلَوْ قَالَ أَيْ عِدَّةُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لَكَانَ أَوْلَى قَالَ الْعَيْنِيُّ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَالثَّانِي أَظْهَرُ.
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ) أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ يَعْنِي عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّرْطَانِ جَائِزَانِ حَتَّى إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا بَعْدَ مَا جَامَعَهَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: هَذَا الْإِجْبَارُ مِمَّا لَمْ يُعْرَفْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وَلَا يُحْكَمَ بِهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ كَوْنِهِ ضَعِيفَ الثُّبُوتِ تَنْبُو عَنْهُ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا خِيفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا الْمُحَلِّلُ تَقُولُ زَوَّجْتُك نَفْسِي
стр. 386
أَمَّا لَوْ أَضْمَرَا ذَلِكَ فِي قَلْبِهِمَا فَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (وَيَهْدِمُ الزَّوْجُ الثَّانِي مَا دُونَ الثَّلَاثِ) أَيْ حُكْمَهُ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَهْدِمُ حُكْمَ الثَّلَاثِ يَعْنِي إذَا طَلَّقَ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ وَمَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ عَادَتْ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَهَدَمَ الزَّوْجُ الثَّانِي حُكْمَ مَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ الْحُرْمَةِ الْخَفِيفَةِ كَمَا يَهْدِمُ حُكْمَ الثَّلَاثِ مِنْ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ،.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ وَهَذَا الْبَحْثُ أَيْضًا ذُكِرَ مُسْتَوْفًى فِي الْكِتَابَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
(مُطَلَّقَةُ الثَّلَاثِ أُخْبِرَتْ بِمُضِيِّ الْعِدَّتَيْنِ) عِدَّةٍ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَعِدَّةٍ مِنْ الثَّانِي (وَالْمُدَّةُ تَحْتَمِلُهُ) أَيْ مُضِيَّهُمَا وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ الْعِدَّةِ أَنَّ مُضِيَّهَا إنْ كَانَ بِحَيْضٍ: فَأَقَلُّ مَا تُصَدَّقُ فِيهِ عِنْدَهُ شَهْرَانِ وَعِنْدَهُمَا تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا (لَهُ) أَيْ جَازَ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ (تَصْدِيقُهَا إنْ ظَنَّ صِدْقَهَا) لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ - لِكَوْنِ الْبُضْعِ مُقَوَّمًا عِنْدَ الدُّخُولِ -، أَوْ الدِّيَانَاتِ - لِتَعَلُّقِ الْحِلِّ بِهِ -، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِيهِمَا.
(بَابُ الْإِيلَاءِ)
(هُوَ) لُغَةً الْحَلِفُ مُطْلَقًا وَشَرْعًا (حَلِفٌ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِهَا مُدَّةً) وَحُكْمُهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ إنْ بَرَّ وَالْكَفَّارَةُ وَالْجَزَاءُ إنْ حَنِثَ (وَأَقَلُّهَا لِلْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلِلْأَمَةِ شَهْرَانِ) وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا فَلَا إيلَاءَ لَوْ حَلَفَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ الْأَقَلَّيْنِ بِأَنْ قَالَ لِلْحُرَّةِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ شَهْرَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (فَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك، أَوْ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) الْأَوَّلُ مُؤَبَّدٌ وَالثَّانِي مُؤَقَّتٌ (أَوْ إنْ قَرِبْتُك فَعَلَيَّ حَجٌّ، أَوْ نَحْوُهُ، أَوْ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ عَبْدُهُ حُرٌّ فَإِنْ قَرِبَهَا فِي الْمُدَّةِ حَنِثَ) وَإِذَا حَنِثَ (فَفِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ) وَجَبَتْ (الْكَفَّارَةُ وَفِي غَيْرِهِ) وَجَبَ الْجَزَاءُ وَسَقَطَ الْإِيلَاءُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا (بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ وَسَقَطَ الْحَلِفُ الْمُؤَقَّتُ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُوَقَّتًا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَقْرَبْهَا بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ وَسَقَطَ الْحَلِفُ حَتَّى لَوْ نَكَحَهَا فَلَمْ يَقْرَبْهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَبِينُ (لَا) أَيْ لَا يَسْقُطُ الْحَلِفُ (الْمُؤَبَّدُ) وَفَرَّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ نَكَحَهَا ثَانِيًا وَثَالِثًا وَمَضَتْ الْمُدَّتَانِ بِلَا فَيْءٍ) أَيْ بِلَا قُرْبَانٍ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
عَلَى أَنَّ أَمْرِي بِيَدِي، أَوْ يَدِ فُلَانٍ أُطَلِّقُ نَفْسِي كُلَّمَا أُرِيدُ فَإِذَا قَبِلَ جَازَ النِّكَاحُ وَصَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا، أَوْ يَدِ مَنْ شُرِطَ لَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا أَضْمَرَا ذَلِكَ فِي قَلْبِهِمَا فَلَا يُكْرَهُ) أَقُولُ بَلْ يَكُونُ مَأْجُورًا لِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَقِيلَ الْمُحَلِّلُ مَأْجُورٌ، وَتَأْوِيلُ اللَّعْنِ إذَا شَرَطَ الْأَجْرَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَيَهْدِمُ الزَّوْجُ الثَّانِي مَا دُونَ الثَّلَاثِ) هَذَا إذَا دَخَلَ بِهَا وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَا يَهْدِمُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَهْدِمُ) انْتَصَرَ الْكَمَالُ لِمُحَمَّدٍ بِمَا يَطُولُ، ثُمَّ قَالَ - أَيْ بَحْثًا -: فَظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ.
(قَوْلُهُ: مُطَلَّقَةُ الثَّلَاثِ أَخْبَرَتْ بِمُضِيِّ الْعِدَّتَيْنِ) أَيْ قَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَتَزَوَّجْتُ وَدَخَلَ بِي الزَّوْجُ الثَّانِي وَطَلَّقَنِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي النِّهَايَةِ إنَّمَا ذَكَرَ إخْبَارَهَا هَكَذَا مَبْسُوطًا لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ: حَلَلْت لَكَ فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي دَخَلَ بِي إنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِشَرَائِطِ الْحِلِّ لَمْ تُصَدَّقْ، وَإِلَّا تُصَدَّقُ، وَفِيمَا ذَكَرَتْهُ مَبْسُوطًا لَا تُصَدَّقُ فِي كُلِّ حَالٍ وَعَنْ السَّرَخْسِيِّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى يَسْتَفْسِرَهَا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي حِلِّهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْعِدَّةِ) يَعْنِي فِي آخِرِ فَصْلِ الْإِحْدَادِ.
[بَابُ الْإِيلَاءِ]
[مُدَّة الْإِيلَاء]
(بَابُ الْإِيلَاءِ) (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا حَلِفٌ عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِهَا مُدَّةً) تَعْرِيفٌ لِأَحَدِ قِسْمَيْ الْإِيلَاءِ وَهُوَ الْحَقِيقِيُّ لَا لِمَا فِي مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِمَا يَشُقُّ عَلَى نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ، أَوْ تَعْلِيقٌ بِمَا يَسْتَشِقُّهُ.
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ. . . إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ رُكْنَهُ نَصًّا وَهُوَ الْحَلِفُ، أَوْ التَّعْلِيقُ بِمَا يَسْتَشِقُّهُ وَشَرْطُهُ وَهُوَ مَحَلِّيَّةُ الْمَرْأَةِ وَسَبَبُهُ وَهُوَ قِيَامُ الْمُشَاجَرَةِ وَعَدَمُ الْمُوَافَقَةِ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ) هَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونَ حَائِضًا كَمَا فِي النَّهْرِ. (وَأَقُولُ) يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهَا عَالِمًا بِحَيْضِهَا لِيَنْصَرِفَ يَمِينُهُ إلَى مَا هُوَ مَمْنُوعٌ عَنْهُ شَرْعًا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَا أَقْرَبُك. . . إلَخْ) لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْحَائِضِ وَغَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ: فَعَلَيَّ حَجٌّ، أَوْ نَحْوُهُ) يُرِيدُ بِنَحْوِهِ صَوْمَ يَوْمٍ، أَوْ شَهْرٍ، أَوْ صَدَقَةً وَهَذَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا لِأَنَّ إيلَاءَ الذِّمِّيِّ بِاَللَّهِ مُنْعَقِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ دُونَ الْكَفَّارَةِ وَقَالَا لَا يَكُونُ إيلَاءً وَبِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَصِحُّ اتِّفَاقًا وَبِصَوْمٍ، أَوْ صَدَقَةٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَا بِقَوْلِهِ فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ وَلَا بِقَوْلِهِ فِي رَجَبٍ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك حَتَّى أَصُومَ شَعْبَانَ وَكَذَا بِقَوْلِهِ فَعَلَيَّ صَلَاةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَقَالَ الْكَمَالُ لَا يَكُونُ مُولِيًا بِنَحْوِ إنْ وَطِئْتُك فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَغْزُوَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ وَإِنْ تَعَلَّقَ إشْقَاقُهُ بِعَارِضٍ ذَمِيمٍ فِي النَّفْسِ مِنْ الْجُبْنِ وَالْكَسَلِ وَيَجِبُ صِحَّةُ الْإِيلَاءِ فِيمَا لَوْ قَالَ: فَعَلَيَّ مِائَةُ رَكْعَةٍ، وَنَحْوَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَبْدُهُ حُرٌّ) هَذَا إذَا اسْتَمَرَّ فِي مِلْكِهِ لَا إنْ مَاتَ أَوْ بَاعَهُ وَلَمْ يَسْتَرِدَّهُ، أَوْ اسْتَرَدَّهُ بَعْدَ وَطْئِهَا وَإِنْ اسْتَرَدَّهُ قَبْلَ وَطْئِهَا، أَوْ مَلَكَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ قَبْلَ الْوَطْءِ عَادَ الْإِيلَاءُ مِنْ وَقْتِ الْمِلْكِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَرِبَهَا. . . إلَخْ) لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ فِي الْحِنْثِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ نَكَحَهَا ثَانِيًا وَثَالِثًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْكِحْهَا وَبَقِيَتْ عِدَّتُهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ لَا تَبِينُ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَمَضَتْ الْمُدَّتَانِ) اُخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ ابْتِدَائِهَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: ذَكَرَ فِي الْكَافِي وَالْهِدَايَةِ أَنَّ مُدَّةَ هَذَا الْإِيلَاءِ تُعْتَبَرُ مِنْ
стр. 387
(بَانَتْ بِأُخْرَيَيْنِ) يَعْنِي إنْ نَكَحَهَا وَلَمْ يَقْرَبْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ تَبِينُ ثَانِيًا، ثُمَّ إنْ نَكَحَهَا وَلَمْ يَقْرَبْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ تَبِينُ ثَالِثًا (فَإِنْ نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لَمْ تَطْلُقْ) إذْ لَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ (وَإِنْ وَطِئَهَا كَفَّرَ) لِبَقَاءِ الْيَمِينِ إنْ كَانَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ طَلَاقِهَا، وَإِنْ كَانَ بِهِ لَا يَبْقَى لِمَا عَرَفْت أَنَّ تَنْجِيزَ الثَّلَاثِ يُبْطِلُ تَعْلِيقَهَا.
(قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ وَشَهْرَيْنِ بَعْدَ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ إيلَاءٌ) لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ الْجَمْعِ فَصَارَ كَجَمْعِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَيَتَحَقَّقُ الْمُدَّةُ (لَا قَوْلُهُ بَعْدَ يَوْمٍ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ وَشَهْرَيْنِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ) لِأَنَّهُ لَمَّا فَصَلَ بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَالشَّهْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِيَوْمٍ لَمْ تَتَكَامَلْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (وَكَذَا قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك سَنَةً إلَّا يَوْمًا) لَا يَكُونُ إيلَاءً لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَوْمٌ مُنَكَّرٌ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَيَّ يَوْمٍ شَاءَ فَلَا يَمُرُّ عَلَيْهِ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ إلَّا وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ الْمُسْتَثْنَى وَكَذَا إذَا قَالَ إلَّا يَوْمًا أَقْرَبُك فِيهِ لَا يَكُونُ مُولِيًا لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى كُلَّ يَوْمٍ يَقْرَبُهَا فِيهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا أَبَدًا وَلَوْ قَرِبَهَا يَوْمًا وَالْبَاقِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، أَوْ أَكْثَرُ صَارَ مُولِيًا لِسُقُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى لَمَّا مَضَى لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُهَا إلَّا بِكَفَّارَةٍ.
. (وَ) كَذَا قَوْلُهُ (بِالْبَصْرَةِ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ الْكُوفَةَ وَامْرَأَتُهُ بِهَا) لَا يَكُونُ إيلَاءً لِإِمْكَانِ قُرْبَانِهَا بِلَا لُزُومِ شَيْءٍ بِأَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ الْكُوفَةِ. (الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةَ كَالزَّوْجَةِ فِيهِ) أَيْ فِي حَقِّ الْإِيلَاءِ لِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ (لَا الْمُبَانَةُ وَلَا أَجْنَبِيَّةٌ نَكَحَهَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْإِيلَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِمَا لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَنْ تَكُونُ مِنْ نِسَائِهِ بِالنَّصِّ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْهَا فَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلطَّلَاقِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُولِيًا وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْإِيلَاءَ بِمَنْزِلَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ، أَوْ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ كَمَا سَبَقَ بِأَنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك وَلَمْ يُوجَدْ وَلَوْ وَطِئَهَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْحِنْثِ.
(عَجَزَ عَنْ الْوَطْءِ لِمَرَضٍ بِأَحَدِهِمَا، أَوْ صِغَرِهَا، أَوْ رَتَقِهَا، أَوْ لِمَسَافَةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بَيْنَهُمَا فَفَيْؤُهُ قَوْلُهُ فِئْت إلَيْهَا) فَلَا تَطْلُقُ بَعْدَهُ إنْ مَضَتْ مُدَّتُهُ وَهُوَ عَاجِزٌ (وَإِنْ قَدَرَ) عَلَى الْجِمَاعِ (فِي الْمُدَّةِ فَفَيْؤُهُ الْوَطْءُ) ؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ بِاللِّسَانِ خَلَفٌ عَنْ الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ بَطَلَ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ.
(قَوْلُهُ) لِامْرَأَتِهِ (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إيلَاءٌ إنْ نَوَى التَّحْرِيمَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا) فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُجْمَلٌ فَكَانَ بَيَانُهُ إلَى الْمُجْمَلِ فَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِهِ التَّحْرِيمَ، أَوْ لَمْ أُرِدْ بِهِ شَيْئًا كَانَ يَمِينًا وَيَصِيرُ بِهِ مُولِيًا لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ (وَظِهَارٌ إنْ نَوَاهُ) ؛ لِأَنَّ فِي الظِّهَارِ حُرْمَةً فَإِذَا نَوَاهُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَقْتِ التَّزَوُّجِ أَيْ فَقَدْ أَطْلَقَا فِي ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ إنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الثَّانِيَةِ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الطَّلَاقَ يَتَكَرَّرُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ. اهـ. .
قَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ نَقْلِهِ: فَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الْإِطْلَاقِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ وَشَهْرَيْنِ) أَشَارَ بِهِ إلَى مَا قَالَ فِي النَّهْرِ لَوْ ذَكَرَ مَعَ الْمَعْطُوفِ حَرْفَ النَّفْيِ أَوْ الْقَسَمِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا.
(قَوْلُهُ: لَا قَوْلُهُ بَعْدَ يَوْمٍ) يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ، أَوْ أَنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ وَشَهْرَيْنِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ) مَقُولُ الْقَوْلِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ مِثَالًا لِلْمَنْفِيِّ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِحَرْفِ الْجَمْعِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَصَارَ كَالْجَمْعِ بِلَفْظِهِ وَبِهِ يَصِيرُ مُولِيًا لِمَنْعِهِ عَنْ وَطْئِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ نَفْيُ الْإِيلَاءِ عَنْهُ فَالصَّوَابُ أَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ هَكَذَا: لَا قَوْلُهُ بَعْدَ يَوْمٍ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لِتَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ ﵀ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَمَّا فَصَلَ بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَالشَّهْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِيَوْمٍ لَمْ تَتَكَامَلْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ اهـ فَهَذَا يُعَيِّنُ مَا ذَكَرْنَاهُ صَوَابًا.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا قَوْلُهُ: بِالْبَصْرَةِ) نَفْيُ الْإِيلَاءِ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَمَّا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ عَلَى مَا فَرَّعَ قَاضِي خان والمرغيناني فَفَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ لِلْبُعْدِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ إمْكَانُ الِاجْتِمَاعِ بِخُرُوجِهِمَا فَيَلْتَقِيَانِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ الْتِقَاؤُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَلَا يَصِيرُ مُولِيًا إلَّا إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقَهَا، فَإِذَا كَانَ يَصِيرُ الْفَيْءُ بِاللِّسَانِ اهـ.
وَعُلِمَ مِنْ الْبَحْرِ بِفَتْحِ الْقَدِيرِ حُسْنُ هَذَا التَّقْدِيرِ.
(قَوْلُهُ: عَجَزَ عَنْ الْوَطْءِ. . . إلَخْ) هَذَا إذَا كَانَ عَاجِزًا مِنْ وَقْتِ الْإِيلَاءِ إلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ حَتَّى لَوْ آلَى قَادِرًا، ثُمَّ عَجَزَ عَنْ الْوَطْءِ، أَوْ عَاجِزًا، ثُمَّ قَدَرَ فِي الْمُدَّةِ لَمْ يَصِحَّ فَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ وَلَوْ آلَى مَرِيضًا إيلَاءً مُؤَبَّدًا وَبَانَتْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، ثُمَّ صَحَّ وَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ فَفَاءَ بِلِسَانِهِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمَا وَصَحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَقَوْلُهُمَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ اهـ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ حُبِسَ هَلْ يَفِيءُ بِلِسَانِهِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْفِعْلِ؟ صَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ الْأَوَّلَ،.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَا يَكُونُ فَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ وَهُوَ جَوَابُ الرِّوَايَةِ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِالْإِمْكَانِ وَعَدَمِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: فَفَيْؤُهُ قَوْلُهُ فِئْت إلَيْهَا) لَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ هَذَا اللَّفْظِ بَلْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَرَجَعْتُ عَمَّا قُلْت، أَوْ رَجَعْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُ
стр. 388
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ ظِهَارًا لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ (وَهَدَرٌ إنْ نَوَى الْكَذِبَ) لِأَنَّهُ وَصَفَ الْمُحَلَّلَةَ بِالْمُحَرَّمَةِ فَكَانَ كَذِبًا حَقِيقَةً فَإِذَا نَوَاهُ صُدِّقَ.
(وَ) تَطْلِيقَةٌ (بَائِنَةٌ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَثَلَاثٌ إنْ نَوَاهَا) وَقَدْ مَرَّ فِي الْكِنَايَاتِ (وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ) وَجُعِلَ نَاوِيًا عُرْفًا وَلِهَذَا لَا يَحْلِفُ بِهِ إلَّا الرِّجَالُ وَعَنْ هَذَا قَالُوا لَوْ نَوَى غَيْرَهُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا تَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَقِيلَ: تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَإِلَيْهِ الْبَيَانُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (كَذَا كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ " وَهَرْجه بدست راسث كيرم بروي حرام ") أَيْ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ " وَلَوْ قَالَ بدست جب كيرم " لَا يَكُونُ طَلَاقًا لِعَدَمِ الْعُرْفِ وَلَوْ قَالَ " هرجه بدست كيرم " كَانَ طَلَاقًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
(بَابُ الْخُلْعِ) وَمَا صَلُحَ مَهْرًا صَلُحَ بَدَلَ الْخُلْعِ، الْخُلْعُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِهَا لُغَةً الْإِزَالَةُ مُطْلَقًا وَبِضَمِّهَا شَرْعًا الْإِزَالَةُ الْمَخْصُوصَةُ (هُوَ فَصْلٌ مِنْ نِكَاحٍ بِمَالٍ بِلَفْظِ الْخُلْعِ غَالِبًا) إنَّمَا قَالَ غَالِبًا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي (وَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (بِمَا يَصْلُحُ لِلْمَهْرِ) لِأَنَّ مَا يَكُونُ عِوَضًا لِلْمُتَقَوِّمِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِغَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ لَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا يَصْلُحُ لِبَدَلِ الْخُلْعِ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ كَمَا دُونَ الْعَشَرَةِ (وَيَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ) كَسَائِرِ الْعُقُودِ (وَهُوَ فِي جَانِبِ الزَّوْجِ يَمِينٌ) لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِشَرْطِ قَبُولِهَا الْمَالَ (حَتَّى لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ قَبْلَ قَبُولِهَا) كَمَا لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْيَمِينِ (وَلَمْ يَبْطُلْ بِقِيَامِهِ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ قَبُولِهَا) كَمَا لَا يَبْطُلُ الْيَمِينُ بِهِ بَلْ يَصِحُّ إنْ قَبِلَتْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى حُضُورِهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا لَا يَتَوَقَّفُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ (بَلْ) يَتَوَقَّفُ (عَلَى عِلْمِهَا) فَإِذَا بَلَغَهَا فَلَهَا الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِهَا (وَجَازَ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، أَوْ وَقْتٍ) كَمَا جَازَ فِي الْيَمِينِ (لَا) أَيْ لَمْ يَجُزْ (بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْيَمِينِ.
(وَ) هُوَ (فِي جَانِبِهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ، عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي جَانِبِهِ (كَبَيْعٍ) يَعْنِي مُعَاوَضَةً لِأَنَّهَا تَبْذُلُ مَالًا لِتُسَلَّمَ لَهَا نَفْسُهَا (حَتَّى انْعَكَسَ الْأَحْكَامُ) أَيْ جَازَ رُجُوعُهَا قَبْلَ قَبُولِهِ وَبَطَلَ بِقِيَامِهَا عَنْ مَجْلِسِ عِلْمِهَا وَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، أَوْ وَقْتٍ وَجَازَ شَرْطُ الْخِيَارِ لَهَا كَمَا هِيَ أَحْكَامُ الْمُعَاوَضَةِ (وَطَرَفُ الْعَبْدِ فِي الْعَتَاقِ كَطَرَفِهَا فِي الطَّلَاقِ) فَيَكُونُ مِنْ طَرَفِ الْعَبْدِ مُعَاوَضَةً وَمِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى يَمِينًا وَهِيَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِشَرْطِ قَبُولِ الْعَبْدِ فَيَتَرَتَّبُ أَحْكَامُ الْمُعَاوَضَةِ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ لَا الْمَوْلَى.
(وَ) الْخُلْعُ (قَدْ يَكُونُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْمُبَارَأَةِ) بِأَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ خَالَعْتُكِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِعْتُك نَفْسَكِ، أَوْ طَلَاقَكِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ اشْتَرَيْتُ نَفْسِي، أَوْ طَلَاقِي مِنْكَ بِأَلْفٍ، أَوْ يَقُولَ الزَّوْجُ: طَلَّقْتُكِ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ بَارَأْتُكِ أَيْ فَارَقْتُكِ فَقَبِلَتْ الْمَرْأَةُ.
(وَ) قَدْ يَكُونُ (بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا لَوْ قَالَ) رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ (" خويشتن زَمَن خريدي " فَقَالَتْ " خريدم " فَقَالَ) الزَّوْجُ (فرختم بَانَتْ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
إيلَاءَهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَهَدَرٌ إنْ نَوَى الْكَذِبَ) قَالَ السَّرَخْسِيُّ إنَّمَا يُصَدَّقُ فِي نِيَّةِ الْكَذِبِ دِيَانَةً لِأَنَّ هَذَا يَمِينٌ ظَاهِرًا فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ فِي نِيَّتِهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْعُرْفِ الْحَادِثِ اهـ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْفَتْوَى إنَّمَا هُوَ فِي انْصِرَافِهِ إلَى الطَّلَاقِ لَا فِي كَوْنِهِ يَمِينًا كَذَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. . . إلَخْ) لَا يَتِمُّ هَذَا عَلَى مَا فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَةَ مُفْرَدَةٌ بِهِ فَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَيْهَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، ثُمَّ رَأَيْت مُوَافَقَتَهُ فِي النَّهْرِ مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَعْنِي فِي التَّحْرِيمِ لَا بِقَيْدِ " أَنْتِ " كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ. .
(قُلْتُ) : يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدَةً وَلَهُ نِسْوَةٌ لَا أَنَّهُ قَالَ مُخَاطِبًا لِمُعَيَّنَةٍ مِنْهُنَّ وَلَا أَنَّهُ عَمَّمَ فَقَالَ نِسَائِي عَلَيَّ حَرَامٌ.
[بَابُ الْخُلْعِ.]
(بَابُ الْخُلْعِ) (قَوْلُهُ: هُوَ فَصْلٌ مِنْ نِكَاحٍ) الْمُرَادُ بِهِ الصَّحِيحُ فَخَرَجَ الْفَاسِدُ وَمَا بَعْدَهُ الرِّدَّةُ فَإِنَّهُ لَغْوٌ لَا مِلْكَ فِيهِ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْفُصُولِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِهِ) بَلْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. (قَوْلُهُ: بِمَا يَصْلُحُ لِلْمَهْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بِمَالٍ وَكَانَ يَنْبَغِي إسْقَاطُ لَفْظِ بِمَا مِنْ " بِمَا يَصْلُحُ " وَتَأْخِيرُ قَوْلِهِ وَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْكَنْزِ وَمَا صَلَحَ مَهْرًا صَلَحَ بَدَلَ الْخُلْعِ وَقَالَ فِي النَّهْرِ: ظَاهِرٌ أَنَّ الْقَضِيَّةَ الْمُوجَبَةَ تَنْعَكِسُ جُزْئِيَّةً وَانْعِكَاسُهَا كُلِّيَّةً قَضِيَّةٌ كَاذِبَةٌ قَالَ: وَجَوَّزَ الْأَتْقَانِيُّ انْعِكَاسَهَا كُلِّيَّةً صَادِقَةً وَعَلَيْهِ جَرَى الْعَيْنِيُّ وَمَنَعَ الْمُحَقِّقُونَ انْعِكَاسَهَا كُلِّيَّةً.
(قَوْلُهُ: وَيَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ) يَعْنِي إنْ شُرِطَ فِيهِ الْمَالُ. (قَوْلُهُ: أَيْ جَازَ رُجُوعُهَا قَبْلَ قَبُولِهِ) الضَّمِيرُ لِلْخُلْعِ.
(قَوْلُهُ: وَبَطَلَ بِقِيَامِهَا عَنْ مَجْلِسِ عِلْمِهَا) وَكَذَا بِتَبَدُّلِهِ حُكْمًا.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ شَرْطُ الْخِيَارِ لَهَا) هُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثَّلَاثِ ذَكَرَهُ الْبَزْدَوِيُّ، وَالْفَرْقُ فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: كَمَا هِيَ أَحْكَامُ الْمُعَاوَضَةِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهَا
[أَلْفَاظ الخلع]
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ خَالَعْتُكِ) لَيْسَ هُوَ مِنْ صُوَرِ
стр. 389
أَيْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ.
(وَالْوَاقِعُ بِهِ) أَيْ بِالْخُلْعِ (وَبِالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ) - وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: طَلَّقْتُكِ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى كَذَا مِنْ الْمَالِ، أَوْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ: طَلِّقْنِي عَلَى كَذَا وَيَقُولَ الزَّوْجُ: طَلَّقْتُكِ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ بِمَنْزِلَةِ الْخُلْعِ فِي الْأَحْكَامِ إلَّا أَنَّ بَدَلَ الْخُلْعِ إذَا بَطَلَ بَقِيَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَعِوَضَ الطَّلَاقِ إنْ بَطَلَ يَقَعُ رَجْعِيًّا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ - (طَلَاقٌ بَائِنٌ) لِأَنَّهَا لَا تُسَلِّمُ الْمَالَ إلَّا لِتُسَلَّمَ لَهَا نَفْسُهَا وَذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْخُلْعُ (مِنْ الْكِنَايَاتِ) لِاحْتِمَالِهِ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ (فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا) مِنْ قَرَائِنَ تُرَجِّحُ جَانِبَ الطَّلَاقِ (وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ فَإِنْ ذَكَرَ بَدَلًا لَمْ يُصَدَّقْ) فِي نَفْيِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الطَّلَاقِ وَيَكُونُ ذِكْرُ الْبَدَلِ مُغْنِيًا عَنْ النِّيَّةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ بَدَلًا (صُدِّقَ فِي الْخُلْعِ وَالْمُبَارَأَةِ) أَيْ فِيمَا وَقَعَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، أَوْ الْمُبَارَأَةِ لِأَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ ذِكْرُ الْبَدَلِ وَقَدْ انْتَفَيَا وَلَا يُصَدَّقُ فِي لَفْظِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ لِكَوْنِهِمَا صَرِيحَيْنِ كَذَا فِي الْكَافِي وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
أَقُولُ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ صَرِيحًا فِيهِ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ قَطْعًا بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أَصْلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِ الْيَمِينِ فَيَلْزَمُهُ قَطْعًا زَوَالُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ وَلِهَذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِلَفْظِ الْعِتْقِ لَا الْعِتْقُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ كَمَا مَرَّ فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ وَبِالْقَبُولِ حَقِيقٌ.
(وَكُرِهَ أَخْذُهُ) أَيْ أَخْذُ الزَّوْجِ الْبَدَلَ (إنْ نَشَزَ) أَيْ الزَّوْجُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وَلِأَنَّهُ أَوْحَشَهَا بِالِاسْتِبْدَالِ فَلَا يَزِيدُ فِي وَحْشَتِهَا بِأَخْذِ الْمَالِ.
. (وَ) كُرِهَ (أَخْذُ الْفَضْلِ) أَيْ الزَّائِدِ عَلَى مَا دَفَعَ إلَيْهَا مِنْ الْمَهْرِ (إنْ نَشَزَتْ) وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُكْرَهُ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
(أَكْرَهَهَا) أَيْ أَكْرَهَ الزَّوْجُ الْمَرْأَةَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخُلْعِ (تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ) لِأَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَاقِعٌ (بِلَا مَالٍ) أَيْ بِلَا لُزُومِ مَالٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ مَالٌ بَلْ الْتَزَمَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ مَالًا لِتَتَخَلَّصَ، أَوْ بِلَا سُقُوطِ مَالٍ إنْ كَانَ لَهَا عَلَيْهِ مَالٌ كَالْمَهْرِ وَنَحْوِهِ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْمَالِ وَسُقُوطِهِ، وَالْإِكْرَاهُ يَعْدَمُ الرِّضَا.
(هَلَكَ بَدَلُهُ فِي يَدِهَا يَعْنِي) خَالَعَتْ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى مَالٍ فَقَبْلَ أَنْ تَدْفَعَهُ إلَيْهِ هَلَكَ الْمَالُ (أَوْ اُسْتُحِقَّ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ) إنْ كَانَ قِيَمِيًّا (أَوْ مِثْلُهُ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَلَا يَبْطُلُ الْخُلْعُ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهَا تَحْقِيقًا لِلْمُعَاوَضَةِ.
(خَلَعَ أَوْ طَلَّقَ بِخَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ مَيْتَةٍ) وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ (وَقَعَ) طَلَاقٌ (بَائِنٌ فِي الْخُلْعِ، رَجْعِيٌّ فِي غَيْرِهِ مَجَّانًا) أَيْ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ مُعَلَّقٌ بِالْقَبُولِ وَقَدْ وُجِدَ فَيَقَعُ فِي الْخُلْعِ الْبَائِنِ، وَفِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَقَدْ نَقَلْنَاهُ مِنْ الْمُحِيطِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا لَمْ تُسَمِّ مَالًا مُتَقَوِّمًا لِتَصِيرَ غَارَّةً لَهُ وَأَيْضًا لَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْمُسَمَّى لِلْإِسْلَامِ وَلَا إيجَابِ غَيْرِهِ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ (كَخَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي وَلَا شَيْءَ فِي يَدِهَا) أَيْ كَمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مَجَّانًا إذَا قَالَتْ: خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي وَلَيْسَ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَإِنَّهَا لَمْ تُسَمِّ مَالًا مُتَقَوِّمًا فَلَمْ تَصِرْ غَارَّةً لَهُ وَالرُّجُوعُ بِالْغُرُورِ وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ هَهُنَا الْيَدُ الْحِسِّيُّ (وَإِنْ زَادَتْ) عَلَى قَوْلِهَا " خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي " قَوْلَهَا (مِنْ مَالٍ، أَوْ دَرَاهِمَ) وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ (رَدَّتْ) عَلَيْهِ فِي الْأُولَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِي حُكْمِهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَالٍ) شَامِلٌ لِلْمَبْذُولِ وَلِلْمُبْرَأِ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ أَصَالَةً، أَوْ كَفَالَةً كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ بِمَنْزِلَةِ الْخُلْعِ فِي الْأَحْكَامِ) لَيْسَ هُوَ الْفَرْقَ بَلْ الْجَمْعُ وَمَا الْفَرْقُ إلَّا قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ بَدَلَ الْخُلْعِ. . . إلَخْ.
(قَوْلُهُ: طَلَاقٌ بَائِنٌ) لَوْ قُضِيَ بِكَوْنِهِ فَسْخًا فَفِي نَفَاذِهِ قَوْلَانِ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قُضَاةَ هَذَا الزَّمَانِ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا الْقَضَاءُ بِالصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ كَوْنُهُ بَائِنًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ لَمْ أَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ. . . إلَخْ) كَذَا لَوْ ادَّعَى فِيهِ شَرْطًا، أَوْ اسْتِثْنَاءً، إذْ الْفَتْوَى عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ إلَّا إذَا وُجِدَ الْتِزَامُ الْبَدَلِ أَوْ قَبَضَهُ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ إنْ نَشَزَ) يَعْنِي كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، وَالْحَرَامُ يُسَمَّى مَكْرُوهًا لِأَنَّ الْأَخْذَ حَرَامٌ قَطْعًا كَذَا فِي الْبَحْرِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْإِبْرَاءُ مِنْ صَدَاقِهَا كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُكْرَهُ) هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الْمَوَاهِبِ. (قَوْلُهُ: أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْخُلْعِ تَطْلُقُ) أَيْ بَائِنًا إنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَاقِعٌ) فِي التَّعْلِيلِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ هُوَ الزَّوْجُ وَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ بَلْ هُوَ الْحَامِلُ عَلَيْهِ،.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْكُرْهِ وَالطَّوْعِ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا لَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْمُسَمَّى لِلْإِسْلَامِ) أَيْ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَانِعٌ عَنْ تَمَلُّكِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَتَمْلِيكِهَا أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ فِي يَدِهَا) قَيَّدَ بِهِ إذْ لَوْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ كَانَ لَهُ وَلَوْ قَلِيلًا فِيمَا إذَا قَالَتْ مِنْ مَالٍ (قَوْلُهُ: أَوْ دَرَاهِمَ) لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا ذَكَرَتْهَا مُنَكَّرَةً أَوْ مُعَرَّفَةً فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: رَدَّتْ
стр. 390
(مَهْرَهَا) الَّذِي أَخَذَتْهُ مِنْهُ (أَوْ) دَفَعَتْ إلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ (ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ) وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهَا دِرْهَمَانِ تُؤْمَرُ بِإِتْمَامِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَلَهُ ذَلِكَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ أَمَّا رَدُّ مَا أَخَذَتْهُ فِي الْأُولَى فَلِأَنَّهَا لَمَّا سَمَّتْ مَالًا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ رَاضِيًا بِزَوَالِ مِلْكِهِ إلَّا بِعِوَضٍ وَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْمُسَمَّى، وَقِيمَتِهِ لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا وَلَا لِإِيجَابِ قِيمَةِ الْبُضْعِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ حَالَ الْخُرُوجِ فَتَعَيَّنَ إيجَابُ مَا قَامَ بِهِ الْبُضْعُ عَلَى الزَّوْجِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَأَمَّا دَفْعُ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهَا سَمَّتْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ فَتَجِبُ عَلَيْهَا لِلتَّيَقُّنِ بِهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ قَرَأَ، أَوْ أَوْصَى بِدَرَاهِمَ
(خَالَعَتْ عَلَى عَبْدٍ آبِقٍ لَهَا عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ ضَمَانِهِ لَمْ تَبْرَأْ) بَلْ عَلَيْهَا تَسْلِيمُ عَيْنِهِ إنْ قَدَرَتْ وَتَسْلِيمُ قِيمَتِهِ إنْ عَجَزَتْ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي سَلَامَةَ الْعِوَضِ وَاشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ عَنْهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَيَبْطُلُ هُوَ لَا الْخُلْعُ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (طَلَبَتْ) طَلَقَاتٍ (ثَلَاثًا) أَيْ قَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا (بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً يَقَعُ فِي الْأُولَى بَائِنَةٌ بِثُلُثِ الْأَلْفِ، وَفِي الثَّانِيَةِ رَجْعِيَّةٌ مَجَّانًا) فَإِنَّهَا إذَا قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ جُعِلَ الْأَلْفُ عِوَضًا لِلثَّلَاثِ فَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَجَبَ ثُلُثُ الْأَلْفِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْعِوَضِ تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُعَوَّضِ أَمَّا إذَا قَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَجُعِلَ عَلَى لِلشَّرْطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالطَّلَاقُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَأَجْزَاءُ الشَّرْطِ لَا تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ فَيَقَعُ رَجْعِيَّةٌ بِلَا شَيْءٍ وَعِنْدَهُمَا تَقَعُ بَائِنٌ بِثُلُثِ الْأَلْفِ لِأَنَّهُمَا حَمَلَاهُ عَلَى الْعِوَضِ بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا فِي بِعْت عَبْدًا بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ وَلَهُ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْعِوَضِ ضَرُورَةً وَلَا ضَرُورَةَ فِي الطَّلَاقِ لِصِحَّةِ تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ.
(وَإِنْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْبَيْنُونَةِ إلَّا بِسَلَامَةِ الْأَلْفِ كُلِّهَا لَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهَا لَهُ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا رَضِيَتْ بِالْبَيْنُونَةِ بِأَلْفٍ كَانَتْ بِبَعْضِهَا أَوْلَى أَنْ تَرْضَى.
(وَبَانَتْ) أَيْ إذَا قَالَ أَنْتِ (طَالِقٌ بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ بَانَتْ) الْمَرْأَةُ (وَلَزِمَ الْأَلْفُ) لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ، أَوْ تَعْلِيقٌ فَيَقْتَضِي سَلَامَةَ الْبَدَلَيْنِ، أَوْ وُجُودَ الشَّرْطِ وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا.
(وَبِأَنْتِ طَالِقٌ) أَيْ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (وَعَلَيْكِ أَلْفٌ، أَوْ) قَالَ لِعَبْدِهِ (أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْكَ أَلْفٌ طَلُقَتْ) الْمَرْأَةُ (وَعَتَقَ) الْعَبْدُ (مَجَّانًا) سَوَاءٌ قَبِلَا، أَوْ لَا عِنْدَهُ وَقَالَا: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَلْفُ إذَا قَبِلَ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ بِلَا قَبُولٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُعَاوَضَةِ فَيُقَالُ احْمِلْ هَذَا الْمَتَاعَ، وَلَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ بِدِرْهَمٍ وَلَهُ أَنَّهُ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ فَلَا تَرْتَبِطُ بِمَا قَبْلَهُ إلَّا بِدَلَالَةِ الْحَالِ؛ إذْ الْأَصْلُ فِيهَا الِاسْتِقْلَالُ وَلَا دَلَالَةَ هُنَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ يَنْفَكَّانِ عَنْ الْمَالِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُوجَدَانِ بِدُونِهِ.
(قَالَ طَلَّقْتُكِ أَمْسِ عَلَى أَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلِي وَقَالَتْ قَبِلْتُ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَفِي الْبَيْعِ) الْقَوْلُ (لِلْمُشْتَرِي) يَعْنِي مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْتُ مِنْكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَمْسِ فَلَمْ تَقْبَلْ وَقَالَ الْمُشْتَرِي قَبِلْتُ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ بِمَالٍ يَمِينٌ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ، وَالْقَبُولُ شَرْطُ الْحِنْثِ، فَيَتِمُّ الْيَمِينُ بِلَا قَبُولِهَا فَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْيَمِينِ إقْرَارًا بِشَرْطِ الْحِنْثِ لِصِحَّتِهَا بِدُونِهِ فَصَارَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ فَأَمَّا الْبَيْعُ فَإِيجَابٌ وَقَبُولٌ وَلَا صِحَّةَ لِأَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
مَهْرَهَا) فِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ مَقْبُوضٌ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسَمًّى، أَوْ مَهْرَ الْمِثْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ كَذَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: خَالَعَتْ عَلَى عَبْدٍ آبِقٍ لَهَا عَلَى بِرَاءَتِهَا مِنْ ضَمَانِهِ لَمْ تَبْرَأْ) يُخَالِفُ الْبَرَاءَةَ مِنْ عَيْبِهِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً. . . إلَخْ) هَذَا إذَا طَلَّقَ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى لَوْ قَامَ فَطَلَّقَهَا لَا يَجِبُ شَيْءٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَدَأَ هُوَ فَقَالَ: خَالَعْتُكِ عَلَى أَلْفٍ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهَا فِي الْقَبُولِ لَا مَجْلِسُهُ حَتَّى لَوْ ذَهَبَ مِنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ قَبِلَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ صَحَّ قَبُولُهَا كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: يَقَعُ فِي الْأُولَى بَائِنَةٌ بِثُلُثٍ) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثِنْتَيْنِ فَإِنْ كَانَ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً كَانَ لَهُ كُلُّ الْأَلْفِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا دَفْعَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي النَّهْرِ وَالْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: فَقَبِلَتْ بَانَتْ الْمَرْأَةُ وَلَزِمَ) يَعْنِي إذَا قَبِلَتْ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ مُسْتَدْرَكٌ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ: الْوَاقِعُ بِهِ وَبِالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ طَلَاقٌ بَائِنٌ كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَتْ قَبِلْت فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ بِيَمِينِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَةً فَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ أَوْلَى كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة،.
وَفِي الْقُنْيَةِ: أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى خُلْعِ زَوْجِهَا الْمَجْنُونِ فِي صِحَّتِهِ وَأَقَامَ وَلِيُّهُ، أَوْ هُوَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ أَنَّهُ فِي جُنُونِهِ فَبَيِّنَتُهَا أَوْلَى كَمَا فِي النَّهْرِ
следующие страницы →