Полный текст (874 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الْعَبْدَ (لَا يُجِيبُهُ) أَيْ الْقَاضِي وَلَا يَقْبَلُ كَلَامَهُ (إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَضِيعَ فَيَبِيعَهُ الْقَاضِي) لَا الْغَاصِبُ (وَيُمْسِكَ ثَمَنَهُ) لِمَالِكِهِ.
(أَوْدَعَ) شَخْصٌ (عَبْدًا) عِنْدَ زَيْدٍ فَغَابَ الشَّخْصُ الْمُودِعُ (فَطَلَبَ) زَيْدٌ (الْمُودَعُ مِنْ الْقَاضِي الْأَمْرَ بِالنَّفَقَةِ فَالْقَاضِي لَا يَأْمُرُ بِهَا) لِتَضَرُّرِ الْمَوْلَى بِهِ لِاحْتِمَالِ اسْتِيعَابِ قِيمَتِهِ بِالنَّفَقَةِ (بَلْ يُؤْجِرُهُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَجْرِهِ (أَوْ يَبِيعُهُ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ لِمَوْلَاهُ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْمُصَنِّفُ لِنَفَقَةِ الْبَهَائِمِ وَهِيَ لَازِمَةٌ دِيَانَةً عَلَى مَالِكِهَا وَيَكُونُ آثِمًا مُعَاقَبًا فِي جَهَنَّمَ بِحَبْسِهَا عَنْ الْبَيْعِ مَعَ عَدَمِ الْإِنْفَاقِ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا عِنْدَنَا وَقِيلَ يُوجِبُهَا أَبُو يُوسُفَ كَمَا تَجِبُ فِي الدَّابَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ اهـ.
وَكَذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُجْبَرُ فِي الْحَيَوَانِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ، وَالْحَقُّ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ يَعْنِي أَبَا يُوسُفَ وَمَنْ وَافَقَهُ،.
وَفِي التَّبْيِينِ: فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَلَا يُفْتَى ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
стр. 422
(كِتَابُ الْعَتَاقِ) الْعِتْقُ وَالْعَتَاقُ لُغَةً: الْقُوَّةُ مُطْلَقًا. وَشَرْعًا: قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ تَظْهَرُ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ بِانْقِطَاعِ حَقِّ الْأَغْيَارِ عَنْهُ (وَالْإِعْتَاقُ) لُغَةً: إثْبَاتُ الْقُوَّةِ مُطْلَقًا، وَشَرْعًا: (إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الْمُعْتَقُ أَهْلًا لِلشَّهَادَاتِ وَالْوِلَايَاتِ قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْأَغْيَارِ وَعَلَى دَفْعِ تَصَرُّفِ الْأَغْيَارِ عَنْ نَفْسِهِ لَا مُطْلَقًا بَلْ (بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ) الَّذِي هُوَ ضَعْفٌ حُكْمِيٌّ كَالْقُوَّةِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الْبَدَنِ بِزَوَالِ ضَعْفٍ حَقِيقِيٍّ وَهُوَ الْمَرَضُ (وَإِزَالَةُ الْمِلْكِ مُطْلَقًا) أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ مَلَّكَهُ وَحَاصِلُهُ: جَعْلُهُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَيَخْرُجُ بِهِ الْبَيْعُ، وَالْهِبَةُ إذْ فِيهِمَا جَعْلُ مَمْلُوكِهِ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ وَيَلْزَمُهُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَصِحُّ) أَيْ الْإِعْتَاقُ (مِنْ حُرٍّ) لِيَكُونَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مُلِّكَ وَلَا عِتْقَ إلَّا فِي الْمِلْكِ (مُكَلَّفٍ) أَيْ عَاقِلٍ بَالِغٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْجُنُونَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ: أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ وَجُنُونُهُ كَانَ ظَاهِرًا كَانَ الْقَوْلُ لَهُ لِإِسْنَادِهِ التَّصَرُّفَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ أَيْ الْإِعْتَاقَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ وَالْوَلِيُّ عَلَيْهِ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلضَّارِّ الْمَحْضِ بِخِلَافِ النَّافِعِ الْمَحْضِ وَالْمُتَرَدِّدِ بَيْنَهُمَا حَيْثُ يَكُونُ أَهْلًا لِلْأَوَّلِ قَبْلَ الْإِذْنِ وَلِلثَّانِي بَعْدَهُ (فِي مِلْكِهِ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَصِحُّ وَإِنَّمَا اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» (وَلَوْ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ) أَيْ وَيَصِحُّ الْإِعْتَاقُ وَلَوْ كَانَ بِإِضَافَتِهِ إلَى الْمِلْكِ كَأَنْ يَقُولَ لِعَبْدِ غَيْرِهِ: إنْ مَلَكْته فَهُوَ حُرٌّ حَيْثُ يُعْتَقُ إذَا مَلَكَهُ وَقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ فِي الطَّلَاقِ (بِصَرِيحِهِ) أَيْ بِصَرِيحِ الْإِعْتَاقِ بِأَنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ وَضْعًا وَشَرْعًا مُتَعَلِّقٌ بِيَصِحُّ (بِلَا نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُشْتَرَطُ إذَا اشْتَبَهَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ وَإِذْ لَا اشْتِبَاهَ فَلَا نِيَّةَ وَذَلِكَ (كَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ أَوْ مُحَرَّرٌ أَوْ حَرَّرْتُك أَوْ أَعْتَقْتُك أَوْ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ) ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَهُوَ آكَدُ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ بِدَلِيلِ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ،
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[كِتَابُ الْعَتَاق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (كِتَابُ الْعَتَاقِ)
(قَوْلُهُ، وَالْإِعْتَاقُ شَرْعًا إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) هَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى مَذْهَبِهِمَا.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتُ الْفِعْلِ الْمُفْضِي إلَى حُصُولِ الْعِتْقِ، فَلِهَذَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَشَرْحِ الْعَيْنِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ ذَكَرَ فِيمَا يَأْتِي فِي بَابِ عِتْقِ الْبَعْضِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ (قَوْلُهُ: لَا مُطْلَقًا) تَعَلُّقُهُ بِإِثْبَاتِ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ خُرُوجُ فَرْدٍ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْحُرُّ فَلَا يُتَّجَهُ نَفْيُ الْإِطْلَاقِ، وَقَوْلُهُ: بَلْ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ لَا وَجْهَ لِلْإِضْرَابِ عَلَى مَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ ضَعْفٌ حُكْمِيٌّ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الضَّعْفَ الْحُكْمِيَّ إنَّمَا هُوَ الرِّقُّ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي عِتْقِ الْبَعْضِ بِقَوْلِهِ وَإِثْبَاتُهَا أَيْ الْقُوَّةُ الْحُكْمِيَّةُ بِإِزَالَةِ ضِدِّهَا الَّذِي هُوَ الرِّقُّ.
(قَوْلُهُ: وَإِزَالَةُ الْمِلْكِ) ذَكَرَهُ شَرْحًا تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ (قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ مَلَّكَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُ) أَيْ يَلْزَمُ إزَالَةَ الْمِلْكِ مُطْلَقًا إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ يَكُونُ أَهْلًا لِلْأَوَّلِ قَبْلَ الْإِذْنِ. . . إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ النَّافِعُ الْمَحْضُ كَالْهِبَةِ وَبِالثَّانِي الْمُتَرَدِّدُ كَالْبَيْعِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَعْتَقْتُكَ) كَذَا أَعْتَقَك اللَّهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْعَتَاقُ عَلَيْك وَعِتْقُك عَلَيَّ وَلَوْ زَادَ وَاجِبٌ لَمْ يَعْتِقْ لِجَوَازِ وُجُوبِهِ بِكَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ. . . إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمَفْهُومُ مِنْ تَرْكِيبِ الِاسْتِثْنَاءِ لُغَةً وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْمَشَايِخِ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْأُصُولِ وَإِنَّهُ لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ الِاسْتِثْنَاءُ التَّكَلُّمُ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا اهـ
стр. 423
وَبِمُجَرَّدِ الْوَصْفِ بِالْحُرِّيَّةِ يَعْتِقُ فَإِذَا أَكَّدَهُ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَعْتِقَ (أَوْ هَذَا مَوْلَايَ أَوْ يَا مَوْلَايَ) فَإِنَّ لَفْظَ الْمَوْلَى مُشْتَرَكٌ أَحَدُ مَعَانِيه الْمُعْتَقُ وَفِي الْعَبْدِ لَا يَلِيقُ إلَّا هَذَا الْمَعْنَى فَيَعْتِقُ بِلَا نِيَّةٍ (أَوْ يَا حُرُّ أَوْ يَا عَتِيقُ) فَإِنَّ لَفْظَ الْإِخْبَارِ جُعِلَ إنْشَاءً فِي التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، كَمَا فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْبَيْعِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْعَاقِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَاجِبٌ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا بِتَقْدِيمِ ثُبُوتِ الْعِتْقِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَحِلِّ لِيَتَحَقَّقَ مِنْهُ هَذَا الْإِخْبَارُ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْكَذِبَ أَوْ حُرِّيَّتَهُ مِنْ الْعَمَلِ صَدَقَ دِيَانَةً لِلِاحْتِمَالِ لَا قَضَاءً، وَالنِّدَاءُ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى فَإِذَا نَادَاهُ بِوَصْفٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ كَانَ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ الْوَصْفِ (إلَّا إذَا سَمَّاهُ بِهِ) أَيْ سَمَّى عَبْدَهُ بِالْحُرِّ أَوْ الْعَتِيقِ فَحِينَئِذٍ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ الْإِعْلَامُ بِاسْمٍ عَلِمَهُ وَهُوَ مَا لَقَّبَهُ بِهِ (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ مَا سَمَّاهُ بِهِ (إذَا نَادَى بِالْعَجَمِيَّةِ) وَقَالَ يَا آزَادَ وَقَدْ سَمَّاهُ بِالْحُرِّ (أَوْ عَكَسَ) بِأَنْ سَمَّاهُ بَازَادَ وَنَادَى بِيَا حُرُّ (عَتَقَ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِدَاءٍ بِاسْمٍ عَلِمَهُ فَيُعْتَبَرُ إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ (كَذَا رَأْسُك حُرٌّ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْبَدَنِ) أَيْ وَجْهُك أَوْ رَقَبَتُك أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: فَرْجُك فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْبَدَنِ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ كَالنِّصْفِ، وَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِمَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيمَا وَرَاءَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا.
(وَبِقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ وَهَبْت لَك نَفْسَك أَوْ بِعْت مِنْك نَفْسَك عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ) الْعَبْدُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ (وَلَمْ يَنْوِ) الْمَوْلَى الْإِعْتَاقَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْهُ إعْتَاقٌ وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ (وَلَوْ زَادَ بِكَذَا لَمْ يَعْتِقْ مَا لَمْ يَقْبَلْ) ، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ (وَبِكِنَايَةٍ) عَطْفٌ عَلَى بِصَرِيحِهِ (إنْ نَوَى) إزَالَةَ الِاشْتِبَاهِ وَالِاحْتِمَالِ (كَلَا مِلْكَ لِي عَلَيْك أَوْ لَا رِقَّ أَوْ لَا سَبِيلَ وَخَرَجْتَ مِنْ مِلْكِي وَخَلَّيْتُ سَبِيلَك) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ نَفْيَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْكِتَابَةِ كَمَا يَحْتَمِلُهُ بِالْعِتْقِ وَإِذَا نَوَاهُ تَعَيَّنَ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت أَوْ تَوَجَّهْ أَنَّى شِئْت مِنْ بِلَادِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَعْتِقُ وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ زَوَالَ الْيَدِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْعِتْقِ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (وَكَقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ قَدْ أَطْلَقْتُك) بِنِيَّةِ الْإِعْتَاقِ تَعْتِقُ إذْ يُقَالُ أَطْلَقَهُ مِنْ السِّجْنِ إذَا خَلَّى سَبِيلَهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ (لَا بِطَلْقَتِك وَأَنْتِ طَالِقٌ) لِمَا سَبَقَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِلَفْظِ الْعِتْقِ بِلَا عَكْسٍ فَإِنَّ إزَالَةَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ يَسْتَلْزِمُ إزَالَةَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بِلَا عَكْسٍ (وَلَا بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ وَإِنْ نَوَى) لِهَذَا الْوَجْهِ (كَذَا) أَيْ لَا يَعْتِقُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ (يَا ابْنِي وَيَا ابْنُ) بِضَمِّ النُّونِ وَإِنْ نَوَى (وَيَا بِنْتِي وَيَا بُنَيَّةُ وَيَا أَخِي وَيَا سَيِّدِي وَيَا مَالِكِي) ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ كَمَا عَرَفْت لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى فَإِنْ نَادَاهُ بِوَصْفٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ كَالْحُرِّيَّةِ كَانَ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ الْوَصْفِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ إنْشَاءَهُ كَانَ لِلْإِعْلَامِ الْمُجَرَّدِ لَا لِتَحْقِيقِ الْوَصْفِ لِتَعَذُّرِهِ وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
(وَ) لَا (بِقَوْلِهِ لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك) وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ هُوَ الْحُجَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أَيْ بِحُجَّةٍ وَيَذْكُرُ وَيُرَادُ بِهِ الْيَدُ وَالِاسْتِيلَاءُ سُمِّيَ السُّلْطَانُ بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِ وَاسْتِيلَائِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حُجَّةَ لِي عَلَيْك وَلَوْ نَصَّ عَلَيْهِ لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ نَوَى فَكَذَا هَذَا.
(وَ) لَا (بِقَوْلِهِ: أَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ) ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ عُرْفًا فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْحُرِّيَّةِ فَلَا تَثْبُتُ (بِخِلَافِ) مَا إذَا قَالَ: (هَذَا ابْنِي لِلْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ أَوْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَوْ هَذَا مَوْلَايَ أَوْ يَا مَوْلَايَ) لَيْسَ مِنْ الصَّرِيحِ بَلْ مُلْحَقٌ بِهِ أَيْ بِالصَّرِيحِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَا حُرُّ أَوْ يَا عَتِيقُ إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ: أَمَّا النِّدَاءُ فَالتَّحْرِيرُ فِيهِ لَا يَثْبُتُ وَضْعًا بَلْ اقْتِضَاءً (قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَفْظَ الْإِخْبَارِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ كَأَنْتَ حُرٌّ وَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عَقِيبَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْعَاقِلِ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَيَنْبَغِي قَطْعُهُ عَنْهُ بِأَنْ يُقَالَ وَلِأَنَّ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْعَاقِلِ.
(قَوْلُهُ: وَبِقَوْلِهِ وَهَبْتُ لَك نَفْسَك أَوْ بِعْتُ) مُلْحَقٌ بِالصَّرِيحِ (قَوْلُهُ: عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ) قَالَ الْكَمَالُ: وَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ (قَوْلُهُ: وَلَا بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ وَإِنْ نَوَى) شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَلْفَاظِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَمَالُ، وَالزَّيْلَعِيُّ وَقَاضِي خَانْ حَتَّى لَوْ قَالَ اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَنَوَى الْعِتْقَ لَا تَعْتِقُ اهـ إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهَا فِي النَّهْرِ نَقْلًا عَنْ الْبَدَائِعِ أَمْرُك بِيَدِك وَاخْتَارِي فَإِنَّهُ يَقَعُ بِالنِّيَّةِ اهـ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ أَمْرُك بِيَدِك وَاخْتَارِي مِنْ كِنَايَاتِ التَّفْوِيضِ لَا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ اهـ.
وَفِيهَا قَالَ لَهَا أَمْرُ عِتْقِك بِيَدِك أَوْ جَعَلْت عِتْقَك فِي يَدِك أَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي الْعِتْقَ أَوْ خَيَّرْتُك فِي عِتْقِك أَوْ فِي الْعِتْقِ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ اخْتِيَارِ الْعِتْقِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَذَا يَا ابْنِي) قَالَ فِي تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ: هَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: لَوْ قَالَ ابْنِي أَوْ يَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ إلَى آخِرِ مَا عَلَّلَ بِهِ هُنَا ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ النَّسَبُ تَصْدِيقًا لَهُ فَيَعْتِقُ (قَوْلُهُ: وَلَا بِقَوْلِهِ لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك، وَإِنْ نَوَى) كَذَا فِي الْبُرْهَانِ وَقِيلَ: يَعْتِقُ إنْ نَوَاهُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ لِتَعْيِينِ النِّيَّةِ نَفْيَ السُّلْطَانِ لِلْعِتْقِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ كَوْنَ نَفْيِ السُّلْطَانِ مِنْ الْكِنَايَاتِ (قَوْلُهُ: وَأَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ) هَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ وَإِنْ نَوَى عَتَقَ لِمَا فِي التَّبْيِينِ، وَالْبُرْهَانِ
стр. 424
الْأَصْغَرِ ثَابِتِ النَّسَبِ) فَإِنَّهُ يُعْتَقُ بِلَا نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْأَكْبَرِيَّةَ فِي الْأَوَّلِ وَثُبُوتَ النَّسَبِ فِي الثَّانِي يَمْنَعَانِ إرَادَةَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ ثُبُوتُ الْبُنُوَّةِ فَيُصَارُ إلَى الْمَجَازِ، وَيُرَادُ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ اللَّازِمُ لِلْبُنُوَّةِ وَفِيهِ خِلَافُ الْإِمَامَيْنِ وَالشَّافِعِيِّ.
(وَأَمَّا غَيْرُ ثَابِتِهِ) أَيْ غَيْرُ ثَابِتِ النَّسَبِ يَعْنِي مَجْهُولَ النَّسَبِ (فِي مَوْلِدِهِ) أَيْ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ إشَارَةً إلَى الْخِلَافِ فِي تَفْسِيرِ مَجْهُولِ النَّسَبِ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: مَجْهُولُ النَّسَبِ الَّذِي يُذْكَرُ فِي الْكُتُبِ هُوَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَمُخْتَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فِي مَوْلِدِهِ وَمَسْقَطِ رَأْسِهِ بِدَلِيلِ الْوِفَاقِ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ الْمَسْبِيَّةَ وَلَدُهَا ثَابِتُ النَّسَبِ فَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُ الْحَمْلِ الْخَارِجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مِنْ النِّكَاحِ لَا مِنْ السِّفَاحِ فَلَأَنْ يَثْبُتَ نَسَبُ الشَّخْصِ الْخَارِجِ مِنْهَا أَوْلَى فَالْجَلِيبُ إنَّمَا يَكُونُ مَجْهُولَ النَّسَبِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ نَسَبُهُ فِي مَوْلِدِهِ وَوَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ (فَيَعْتِقُ وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ جَلِيبًا) أَيْ مَجْلُوبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (أَوْ مُتَوَلِّدًا) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَالَ فِي الْكَافِي: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جَلِيبًا أَوْ مُتَوَلِّدًا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ دَعْوَةِ الْمَوْلَى بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ وَحَاجَةِ الْمَمْلُوكِ إلَى النَّسَبِ وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ: قَوْلُهُ جَلِيبًا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ جَلِيبًا غَيْرَ ثَابِتِ النَّسَبِ فِي مَسْقَطِ رَأْسِهِ أَمَّا إذَا كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ فِي مَوْلِدِهِ فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ مَوْلَاهُ وَلِهَذَا قُلْت هَاهُنَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي مَوْلِدِهِ وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذَا بِنْتِي أَوْ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ ابْنِي قِيلَ هُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَقِيلَ لَا يَعْتِقُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى (كَذَا) أَيْ كَمَا يَعْتِقُ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي عَلَى الْخِلَافِ يَعْتِقُ بِقَوْلِهِ (هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي) بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَمَا ذُكِرَ (لَا هَذَا أَخِي) حَيْثُ لَا يَعْتِقُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَعْنِي إذَا وُجِدَتْ الْأُبُوَّةُ أَوْ الْأُمُومَةُ فِي الْمِلْكِ كَانَتَا مُوجِبَتَيْنِ لِلْعِتْقِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَتَكُونُ الْحُرِّيَّةُ لَازِمَةً لَهُمَا فَيَصِحُّ الْمَجَازُ بِلَا ذِكْرِ وَاسِطَةٍ بِخِلَافِ الْأُخُوَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ وَهَذِهِ الْوَاسِطَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ وَلَا مُوجِبَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْمِلْكِ بِدُونِ هَذِهِ الْوَاسِطَةِ فَإِذَا لَمْ تُذْكَرْ لَغَا الْكَلَامُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمَجَازِ (إلَّا إذَا قَالَ مِنْ النَّسَبِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: إنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْأَخِ إنَّمَا كَانَ إذَا ذَكَرَهُ مُطْلَقًا بِأَنْ قَالَ: هَذَا أَخِي فَأَمَّا إذَا ذَكَرَهُ مُقَيَّدًا بِأَنْ قَالَ: هَذَا أَخِي لِأَبِي أَوْ لِأُمِّي فَيَعْتِقُ بِلَا تَرَدُّدٍ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْأُخُوَّةِ مُشْتَرَكٌ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَأَمَّا إذَا قَيَّدَ بِمَا ذُكِرَ تَعَيَّنَ الْمُرَادُ، فَإِنْ قِيلَ الْبُنُوَّةُ أَيْضًا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ نَسَبٍ وَرَضَاعٍ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي قُلْنَا مِثْلُ هَذَا الْمَجَازِ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ فَإِذَا امْتَنَعَتْ يُصَارُ إلَى مَجَازٍ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَاقَةٌ وَهُوَ هَذَا حُرٌّ فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ لَازِمَةٌ لِلْبُنُوَّةِ فَيَكُونُ الِانْتِقَالُ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ (كَذَا) أَيْ كَقَوْلِهِ هَذَا أَخِي (هَذَا جَدِّي) حَيْثُ لَا يَعْتِقُ (إلَّا إذَا قَالَ أَبُو أَبِي) فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُفِيدُ الْعِتْقَ إلَّا بِوَاسِطَةٍ إذْ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْمِلْكِ إلَّا بِهِ كَمَا سَبَقَ.
ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْعِتْقَ الْحَاصِلَ بِالْإِعْتَاقِ الِاخْتِيَارِيِّ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ مَسَائِلَ الْعِتْقِ الْحَاصِلِ بِلَا اخْتِيَارٍ فَقَالَ (مَنْ مَلَكَ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي عَتَقَ عَلَيْهِ (ذَا رَحِمٍ) الرَّحِمُ فِي الْأَصْلِ وِعَاءُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَسُمِّيَتْ الْقَرَابَةُ مِنْ جِهَةِ الْوِلَادِ رَحِمًا وَمِنْهُ ذُو الرَّحِمِ (مَحْرَمٍ) الْمَحْرَمَانِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَفِيهِ خِلَافُ الْإِمَامَيْنِ) الْخِلَافُ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا لَا فِي الْأَصْغَرِ لِمَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَأَمَّا إذَا كَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ إلَّا أَنَّهُ مَعْرُوفُ النَّسَبِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَا يَسْتَحِيلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَيَعْتِقُ وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا لَا يُعَبِّرُ أَوْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّغِيرِ وَأَمَّا الْكَبِيرُ إذَا ادَّعَى سَيِّدُهُ بُنُوَّتَهُ وَكَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ لَهُ أَوْ أُبُوَّتَهُ أَوْ أُمُومَتَهُ وَكَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ لَهُمَا وَلَا نَسَبَ لِلْمُقِرِّ مَعْرُوفٌ فَقِيلَ لَا يُحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَالِكِ عَلَى مَمْلُوكِهِ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِهِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ فِيمَا سِوَى دَعْوَةِ الْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَلَكِنْ سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْمَوْلَى بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَقَدْ عَلِمْتَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا بِنْتِي) ذَكَرَ فِي الْبُرْهَانِ اسْمَ الْإِشَارَةِ مُؤَنَّثًا (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَعْتِقُ بِالْإِجْمَاعِ) هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى فَالْعِبْرَةُ لِلْمُسَمَّى كَمَا لَوْ بَاعَ فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ كَانَ بَاطِلًا، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى وَهُوَ مَعْدُومٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ فِي الْمَعْدُومِ إيجَابًا أَوْ إقْرَارًا فَيَلْغُو كَذَا فِي الْبُرْهَانِ إلَّا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا إذَا قَالَ هَذِهِ بِنْتِي لِعَبْدِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ عَكْسَهُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِمَا الْكَمَالُ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا قَالَ أَبُو أَبِي) يَنْبَغِي أَنْ لَا حَصْرَ فِي هَذَا إذْ أَبُ الْأُمِّ بَلْ أَعَمُّ مِنْهُ مِثْلُهُ.
(قَوْلُهُ: ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ) يَعْنِي وَمَحْرَمِيَّتُهُ بِالْقَرَابَةِ لَا الرَّضَاعِ حَتَّى لَوْ مَلَكَ ابْنَةَ عَمِّهِ وَهِيَ أُخْتُهُ رَضَاعًا لَا تَعْتِقُ كَمَا فِي الْبَحْرِ
стр. 425
شَخْصَانِ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى وَهُوَ صِفَةُ ذَا وَجَرَّهُ لِلْجِوَارِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» ، وَاللَّفْظُ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ قَرَابَةٍ مُؤَكَّدَةٍ بِالْمَحْرَمِيَّةِ وَلَدًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ، وَالْمُكَاتَبُ إذَا اشْتَرَى أَخَاهُ لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ تَامٌّ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْإِعْتَاقِ، وَاللُّزُومُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ (وَلَوْ) وَصَلْيَةٌ كَانَ الْمَالِكُ (صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) حَتَّى يَعْتِقَ الْقَرِيبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمِلْكِ إذْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَشَابَهُ النَّفَقَةَ (أَوْ أَعْتَقَ) عَطْفٌ عَلَى مَلَكَ (لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ) فَإِنَّهُ أَيْضًا يَعْتِقُ لِوُجُودِ رُكْنِ الْإِعْتَاقِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ، وَوَصْفُ الْقُرْبَةِ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ فَلَا يَخْتَلُّ الْعِتْقُ فِي الْأَخِيرَيْنِ بِعَدَمِهِ بَلْ يَكُونُ الْمُعْتِقُ عَاصِيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْكَفَرَةِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ.
(أَوْ) أَعْتَقَ (مُكْرَهًا أَوْ سَكْرَانَ) فَإِنَّ إعْتَاقَهُمَا صَحِيحٌ لِصُدُورِهِ عَنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحِلِّهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِسْقَاطَاتِ الرِّضَا وَبِالْإِكْرَاهِ يَنْعَدِمُ الرِّضَا وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي انْعِدَامِ الْحُكْمِ أَلَا يُرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ» ، وَالْهَازِلُ لَا يَرْضَى بِالْحُكْمِ.
(أَوْ أَضَافَ) عَطْفٌ عَلَى أَعْتَقَ (عِتْقَهُ إلَى شَرْطٍ وَوُجِدَ) أَيْ الشَّرْطُ بِأَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ عَتِيقٌ فَدَخَلَ (عَتَقَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ مَلَكَ، وَالْمَذْكُورُ بَعْدَهُ (كَعَبْدٍ حَرْبِيٍّ خَرَجَ إلَيْنَا مُسْلِمًا) فَإِنَّهُ يَعْتِقُ «لِقَوْلِهِ ﷺ فِي عَبِيدِ الطَّائِفِ حِين خَرَجُوا إلَيْهِ مُسْلِمِينَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ» وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَا اسْتِرْقَاقَ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً.
(وَالْحَمْلُ يَعْتِقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ) تَبَعًا لَهَا لِاتِّصَالِهِ بِهَا وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ نَفْسَهُ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ، وَالْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَلَمْ يُوجَدْ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْحَمْلِ وَشَيْءٌ مِنْهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِعْتَاقِ ثُمَّ قِيَامُ الْحَمْلِ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ إنَّمَا يُعْرَفُ (إذَا) (وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ كَمَا مَرَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي كُتُبِ الْقَوْمِ أَنَّ الْحَمْلَ يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِ الْأُمِّ تَبَعًا لَهَا مُطْلَقًا فَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ بِأَنْ وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَعْتِقُ الْحَمْلُ وَلَا يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ وَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الْحَمْلِ بِأَنْ وَلَدَتْ لِلْأَكْثَرِ يَعْتِقُ تَبَعًا لِأُمِّهِ لَكِنْ يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ إلَى مَوْلَى الْأَبِ كَمَا مَرَّ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَمْلَ يَعْتِقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ لَا بِطَرِيقِ التَّبِيعَةِ بَلْ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ حَتَّى لَا يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ وَهَذَا إذَا وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ تَسَامُحًا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا مُخَالِفٌ لِعِبَارَةِ الْقَوْمِ حَيْثُ قَالُوا: إنْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ حَمْلُهَا تَبَعًا وَأَيْضًا قَوْلُهُ إذَا وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَيْدٌ، لِقَوْلِهِ يَعْتِقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ وَمُتَمِّمٌ لَهُ، وَقَدْ فَصَلَهُ عَنْهُ بَلْ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا اعْلَمْ أَنَّ الْحَمْلَ يَعْتِقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ وَهِيَ حَامِلٌ بِأَنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَتَّى لَا يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَمْلَ يَعْتِقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ مُطْلَقًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمَالِك مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) قَيَّدَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ مَلَكَ قَرِيبًا مَحْرَمًا حَرْبِيًّا بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَلَوْ مَلَكَ قَرِيبَهُ الذِّمِّيَّ أَوْ الْمُسْلِمَ بِدَارِ الْحَرْبِ عَتَقَ بِالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ:، وَالْمُكَاتَبُ إذَا اشْتَرَى أَخَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَاتَبُ) يَنْبَغِي حَذْفُ لَفْظَةِ؛ لِأَنَّهُ (قَوْلُهُ: إذْ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ تَامٌّ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا لَهُ التَّكَسُّبُ خَاصَّةً وَقَرَابَةُ الْوِلَادِ يَجِبُ مُوَاسَاتُهَا بِالتَّكَسُّبِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَقَارِبِ فَكَذَا التَّكَاتُبُ اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ كَقَوْلِهِمَا يَتَكَاتَبُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَعْتَقَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَمَّا ذَكَرَ الْعِتْقَ الْحَاصِلَ إلَخْ؛ لِأَنَّ هَذَا اخْتِيَارِيٌّ فَكَيْفَ يَكُونُ مِمَّا لَيْسَ بِاخْتِيَارِيٍّ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ ثَابِتًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَعَلَيْهَا الِاعْتِرَاضُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ) مُكْرَهًا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ: أَوْ سَكْرَانَ) يَعْنِي مِنْ مُحَرَّمٍ لَا مِمَّا طَرِيقُهُ مُبَاحٌ كَالْمُضْطَرِّ وَاَلَّذِي لَمْ يَقْصِدْ السُّكْرَ مِنْ مُثَلَّثٍ وَمَنْ حَصَلَ لَهُ بِغَدَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ) هُوَ الصَّوَابُ وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهُوَ سَهْوٌ.
(قَوْلُهُ:، وَالْحَمْلُ يَعْتِقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ تَبَعًا لَهَا. . . إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: تَبَعًا لَهَا مَتْنًا لِيَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ: بَعْدَهُ إذَا وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ يَكُونَ شَرْحًا فَإِنْ كَانَ مَتْنًا يُعَارِضُ تَقْيِيدُهُ التَّبَعِيَّةَ بِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَا سَيَذْكُرُهُ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ تَكُونُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ شَرْحًا لَا يَصِحُّ الْمَتْنُ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْحَمْلُ بِإِعْتَاقِ الْأُمِّ إلَّا أَنْ تَلِدَهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَنَّهُ يَعْتِقُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ تَسَامُحًا) غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الْحَقُّ مَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَصْرِيحٌ بِمَا يُفِيدُهُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الْحَمْلِ بِأَنْ وَلَدَتْ لِلْأَكْثَرِ يَعْتِقُ تَبَعًا اهـ.
فَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ مَقْصُودًا فِيمَا إذَا وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ فِي مَسْأَلَةِ جَرِّ الْوَلَاءِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ إلَى مَوْلَى الْأَبِ) هُوَ الصَّوَابُ خِلَافُ مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ مِنْ ذِكْرِ الْأُمِّ مَكَانَ الْأَبِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) صَوَابُهُ كَمَا سَيَأْتِي إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَلْ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ
стр. 426
فَإِنْ وَقَعَ الْعِتْقُ عَلَيْهِ قَصْدًا بِأَنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَعْتِقُ وَلَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ أَبَدًا إلَى مَوَالِي أَبِيهِ، وَإِنْ وَقَعَ بِمُجَرَّدِ تَبَعِيَّةِ أُمِّهِ بِأَنْ وَلَدَتْ لِلْأَكْثَرِ يَعْتِقُ أَيْضًا لَكِنْ إذَا أُعْتِقَ الْأَبُ بَعْدَهُ فَقَدْ يَجُرُّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى مَوَالِيهِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي الْوَلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (بِلَا عَكْسٍ) يَعْنِي أَنَّ الْأُمَّ لَا تَعْتِقُ بِعِتْقِ الْحَمْلِ بَلْ يَعْتِقُ الْحَمْلُ فَقَطْ إذْ لَا وَجْهَ لِإِعْتَاقِهَا مَقْصُودًا لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَلَا تَبَعًا لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَلْبَ الْمَوْضُوعِ (الْوَلَدُ يَتْبَعُ الْأَبَ فِي النَّسَبِ) ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّعْرِيفِ، وَالْأُمُّ لَا تَشْتَهِرُ.
(وَ) يَتْبَعُ (الْأُمَّ فِي الْمِلْكِ) حَتَّى إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مِلْكَ زَيْدٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا كَانَ الْوَلَدُ أَيْضًا مِلْكًا لَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَانَ الْوَلَدُ كَذَلِكَ (وَالرِّقِّ) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرِّقَّ هُوَ الذُّلُّ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَعْضِ عِبَادِهِ جَزَاءَ اسْتِنْكَافِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقُّ الْعَامَّةِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، وَالْمِلْكُ هُوَ تَمَكُّنُ الشَّخْصِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَهُوَ حَقُّهُ وَأَوَّلُ مَا يُؤْخَذُ الْمَأْسُورُ يُوصَفُ بِالرِّقِّ لَا الْمِلْكِ إلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمِلْكُ يُوجَدُ فِي الْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ لَا الرِّقُّ، وَبِالْبَيْعِ يَزُولُ مِلْكُ الْمَالِكِ لَا الرِّقُّ وَبِالْعِتْقِ يَزُولُ مِلْكُهُ قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ وَيَزُولُ الرِّقُّ ضِمْنًا ضَرُورَةَ فَرَاغِهِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَتَبَيَّنَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْقِنِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ فَإِنَّ الرِّقَّ وَالْمِلْكَ كَامِلَانِ فِي الرَّقِيقِ الْقِنِّ وَرِقُّ أُمِّ الْوَلَدِ نَاقِصٌ حَتَّى لَا يَجُوزُ إعْتَاقُهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَالْمِلْكُ فِيهَا كَامِلٌ، وَالْمُكَاتَبُ رِقُّهُ كَامِلٌ حَتَّى جَازَ إعْتَاقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَمِلْكُهُ نَاقِصٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي كَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
(وَالْعِتْقِ وَفُرُوعِهِ) كَالتَّدْبِيرِ، وَالِاسْتِيلَادِ، وَالْكِتَابَةِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ مَاءَهُ يَكُونُ مُسْتَهْلَكًا بِمَائِهَا فَتَرَجَّحَ جَانِبُهَا وَلِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ مِنْ جَانِبِهَا وَلِهَذَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الزِّنَا وَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ مِنْهَا حَتَّى تَرِثَهُ وَيَرِثَهَا وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ كَعُضْوٍ مِنْهَا حِسًّا وَحُكْمًا حَتَّى يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا وَيَنْتَقِلَ بِانْتِقَالِهَا وَيَدْخُلَ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ تَبَعًا لَهَا فَكَانَ جَانِبُهَا أَرْجَحَ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ جَانِبُ الْأُمِّ فِي الْبَهَائِمِ أَيْضًا حَتَّى إذَا تَوَالَدَ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ أَوْ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ يُؤْكَلُ إذَا كَانَتْ أُمُّهُ مَأْكُولَةً ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَيَتْبَعُ) الْوَلَدُ (خَيْرَهُمَا فِي الدِّينِ) رِعَايَةً لِجَانِبِ الْوَلَدِ (فَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ زَوْجِهَا مِلْكٌ لِسَيِّدِهَا) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِ الْوَلَدِ تَابِعًا لِلْأُمِّ فِي الْمِلْكِ (وَلَوْ كَانَ) الْوَلَدُ (مِنْ سَيِّدِهَا فَحُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَارِضُهُ مَاءُ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا بِخِلَافِ أَمَةِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا فَتَعَارَضَا فَرُجِّحَ جَانِبُهَا بِمَا ذَكَرْنَا، وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِهِ لِعِلْمِهِ (وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ) الْمَغْرُورُ رَجُلٌ اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنَّهَا مِلْكُ الْبَائِعِ أَوْ نَكَحَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا وَلَدًا فَظَهَرَ أَنَّ الْأُولَى مِلْكٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ، وَالثَّانِيَةَ أَمَةٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْوَلَدَيْنِ حُرًّا بِالْقِيمَةِ أَمَّا حُرِّيَّتُهُ فَلِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءِ الْحُرِّ وَلَمْ يَرْضَ الْوَالِدُ بِرَقَبَتِهِ كَمَا رَضِيَ فِي الْأَوَّلِ فَلَا يَتْبَعُهَا وَأَمَّا الْقِيمَةُ فَلِرِعَايَةِ جَانِبِ التَّبَعِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ
(بَابُ عِتْقِ الْبَعْضِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: بَلْ يَعْتِقُ الْحَمْلُ فَقَطْ) أَهْمَلَهُ عَنْ الْقَيْدِ وَهُوَ وَاجِبُ الذِّكْرِ إذْ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ الْوَلَدِ إلَّا أَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ مِنْ وَقْتِ الْإِعْتَاقِ وَلَوْ زَادَ عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ أَوْ جَاءَتْ بِتَوْأَمَيْنِ الْأَوَّلُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالثَّانِي لِأَكْثَرَ (قَوْلُهُ: وَرِقُ أُمِّ الْوَلَدِ نَاقِصٌ) قَالَ الْكَمَالُ: وَمَا أَوْرَدَ مِنْ أَنَّ الرِّقَّ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ فَكَيْفَ يَقْبَلُ النُّقْصَانَ يَنْدَفِعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِنُقْصَانِ الرِّقِّ نُقْصَانُ حَالِهِ لَا نُقْصَانُ ذَاتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْعِتْقِ وَفُرُوعِهِ) مُسْتَدْرَكٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ، وَالْحَمْلُ يَعْتِقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ وَكَذَا وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ وَلَعَلَّ إعَادَتَهُ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَفُرُوعِهِ (قَوْلُهُ: فَوَلَدُ الْأَمَةِ. . . إلَخْ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّعَ عَلَى الْمَذْكُورِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا فَيَقُولُ: فَوَلَدُ الْعَامِّيِّ مِنْ الشَّرِيفَةِ لَيْسَ بِشَرِيفٍ مَثَلًا. . . إلَخْ وَلَمْ يُفَرِّعْ لِقَوْلِهِ: وَالرِّقِّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَوَلَدُ الْمَسْبِيَّةِ بِأَنْ سَبَاهَا حَامِلًا فَوَلَدَتْ (قَوْلُهُ: وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ) أَيْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
[بَابُ عِتْقِ الْبَعْضِ]
стр. 427
أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ لَمْ يَعْتِقْ كُلُّهُ) خِلَافًا لَهُمَا وَلِلشَّافِعِيِّ حَيْثُ يَقُولُونَ: يَعْتِقُ كُلُّهُ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ إعْتَاقَ الْبَعْضِ هَلْ يُوجِبُ زَوَالَ الرِّقِّ عَنْ الْمَحَلِّ كُلِّهِ أَمْ لَا فَعِنْدَهُ لَا يُوجِبُ بَلْ يَبْقَى الْمَحَلُّ رَقِيقًا وَلَكِنْ زَوَالُ الْمِلْكِ بِقَدْرِهِ وَعِنْدَهُمْ يُوجِبُهُ، لَهُمْ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ وَإِثْبَاتُهَا بِإِزَالَةِ ضِدِّهَا الَّذِي هُوَ الرِّقُّ وَهُمَا لَا يَتَجَزَّآنِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا الْإِعْتَاقُ وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ أَوْ تَجْزِيءُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَجَزَّأَ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِإِعْتَاقِ الْبَعْضِ إعْتَاقُ الْكُلِّ أَوْ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ أَوْ يَثْبُتُ بَعْضُهُ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ يَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ وَعَلَى الْأَخِيرِ يَلْزَمُ تَجْزِيءُ الْعِتْقِ فَصَارَ الْإِعْتَاقُ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَالِاسْتِيلَادِ فِي عَدَمِ التَّجْزِيءِ، وَلَهُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إمَّا إثْبَاتُ الْعِتْقِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ أَوْ إزَالَةُ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً لَا إثْبَاتُ الْعِتْقِ بِإِزَالَةِ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الرِّقُّ وَلَا إزَالَةُ الرِّقِّ لِيَلْزَمَ عَدَمُ التَّجْزِيءِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ وَكُلُّ مَا هُوَ تَصَرُّفٌ لَا يَتَعَدَّى وِلَايَةَ الْمُتَصَرِّفِ وَوِلَايَةُ الْمُتَصَرِّفِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَا هُوَ حَقُّهُ وَحَقُّ الْمَالِكِ وَوِلَايَتُهُ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْمِلْكِ، وَالْمِلْكِ مُتَجَزِّئٌ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ وَهُوَ الْعِتْقُ وَتَعَلُّقُهُ بِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَجْزِيهِ كَجَوَازِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ تَعَلَّقَ بِمُتَجَزِّئٍ وَهُوَ الْأَرْكَانُ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْجَوَابَ عَنْ دَلِيلِهِمْ إلَّا بِتَحْقِيقِ مَرَامِ الْإِمَامِ وَرَفْعِ الْإِشْكَالِ الْوَارِدِ عَلَى الْإِمَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِأَنَّ الْعِتْقَ مُطَاوِعٌ لِلْإِعْتَاقِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَجْزِيءُ الْفِعْلِ وَعَدَمُ تَجْزِيءِ مُطَاوِعِهِ وَإِنْ أَرَدْت الْعُثُورَ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَرَامِ فَاسْتَمِعْ لِمَا أُلْقِيَ عَلَيْك مِنْ الْكَلَامِ فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَبِيَدِهِ مَقَالِيدُ التَّحْقِيقِ: إنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِلْإِعْتَاقِ إثْبَاتُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ قُوَّةٌ شَرْعِيَّةٌ كَمَا قَالُوا وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ إثْبَاتَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَةِ الْبَشَرِ وَإِنَّمَا هُوَ مَقْدُورُ خَالِقِ الْقُوَى وَالْقَدَرِ فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَجَبَ أَنْ يُصَارَ إلَى الْمَجَازِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ، وَأَقْرَبُ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةُ إلَى الْحَقِيقَةِ هُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ بِأَنْ يَكُونَ الصَّادِرُ مِنْ الْعَبْدِ إزَالَةَ الْمِلْكِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَنَظِيرُهُ الْكَسْبُ وَالْخَلْقُ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَقْدُورُ الْعَبْدِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْدُورُ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي إزَالَةُ الْمِلْكِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبِهَذَا يُخَرَّجُ الْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِهِمْ الْمَذْكُورِ وَيَنْدَفِعُ أَيْضًا الْإِشْكَالُ الْمَشْهُورُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِأَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّ صُدُورَهُ عَنْ الْعَبْدِ مُحَالٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ إسْنَادُهُ إلَيْهِ حَقِيقَةً فَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ بَطَلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَبِأَنْ يُقَالَ إنْ أَرَدْتُمْ بِكَوْنِ الْعِتْقِ مُطَاوِعًا لِلْإِعْتَاقِ كَوْنَهُ كَذَلِكَ بِحَسَبِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ سَلَّمْنَا لَكِنْ الْمُرَادُ هَاهُنَا لَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَمَا عَرَفْت بَلْ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ وَيَجُوزُ تَخَلُّفُ مُطَاوِعِ الْفِعْلِ عَنْ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ، كَمَا فِي كَسْرَته فَلَمْ يَنْكَسِرْ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَرَدْت كَسْرَهُ فَلَمْ يَنْكَسِرْ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ كَوْنَهُ مُطَاوِعًا لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ هَاهُنَا فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إمَّا إزَالَةُ الْمِلْكِ أَوْ مَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْهَا وَظَاهِرٌ أَنَّ تَجْزِيءَ إزَالَةِ الْمِلْكِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَجْزِيءَ الْعِتْقِ بَلْ تَجْزِيءَ زَوَالِ الْمِلْكِ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ بَلْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا أَعْتَقَ الْبَعْضَ زَالَ بَعْضُ مِلْكِ الْمَوْلَى وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَبَقِيَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ وَلِهَذَا عَقَّبَهَا بِالْمَسْأَلَةِ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَقْدُورُ الْعَبْدِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْدُورُ اللَّهِ تَعَالَى) يُوهِمُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ مُقَارَنَةِ الْمَعْلُولِ لِلْعِلَّةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِنَا بِمُقَارَنَتِهَا لَهُ
стр. 428
الَّتِي تَلِيهَا، وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ الْفَائِضِ عَلَيَّ مِنْ أَنْوَارِ التَّوْفِيقِ اضْمَحَلَّ مَا قَالَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إنَّ أَكْثَرَ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَجَزِّئَ عِنْدَهُ الْإِعْتَاقُ لَا الْعِتْقُ وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَمَّا كَانَ مُتَجَزِّئًا كَانَ الْعِتْقُ مُتَجَزِّئًا ضَرُورَةَ أَنَّ الْعِتْقَ حُكْمُ الْإِعْتَاقِ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِهَذَا قَوْلٌ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ إذْ يُوجَدُ الْإِعْتَاقُ فِي النِّصْفِ وَيَتَأَخَّرُ الْعِتْقُ فِيهِ إلَى وَقْتِ الضَّمَانِ أَوْ السِّعَايَةِ وَإِنَّهُ قَوْلٌ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَلَا حُكْمَ لَهُ وَهُوَ تَفْسِيرُ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
وَمَا قَالَ بَعْضُ مُحَشِّي الْهِدَايَةِ إنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَقْرِيرِ صَاحِبِ الْبَدَائِعِ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْإِعْتَاقِ فِي عَدَمِ التَّجْزِيءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ فَيَظْهَرُ قُوَّةُ قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ وَوَجْهُ الِاضْمِحْلَالِ يَظْهَرُ مِنْ التَّأَمُّلِ فِيمَا ذَكَرْنَا فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ إذَا تَجَزَّأَ الْإِعْتَاقُ بِزَوَالِ بَعْضِ الْمِلْكِ احْتَبَسَ مَالِيَّةَ بَعْضِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ (وَسَعَى) لِمَوْلَاهُ (فِي) قِيمَةِ (الْبَاقِي) مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ (فَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ وَلَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْبَعْضِ تُوجِبُ ثُبُوتَ الْمَالِكِيَّةِ فِي كُلِّهِ وَبَقَاءُ الْمِلْكِ فِي بَعْضِهِ يَمْنَعُهُ فَعَمِلْنَا بِالدَّلِيلَيْنِ بِإِنْزَالِهِ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ يَدًا لَا رَقَبَةً، وَالسِّعَايَةُ كَبَدَلِ الْكِتَابَةِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهُ وَلَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ قَابِلٌ لِلْإِعْتَاقِ (بِلَا رَدٍّ إلَى الرِّقِّ لَوْ عَجَزَ) يَعْنِي أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ إذَا عَجَزَ عَنْ الْأَدَاءِ لَا يُرَدَّ إلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ مَحْضٌ فَلَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْمَقْصُودَةِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ يَقْبَلُ الْفَسْخَ وَلَيْسَ فِي الطَّلَاقِ، وَالْقِصَاصِ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ فَأَثْبَتْنَاهُ فِي الْكُلِّ تَرْجِيحًا لِلْمُحَرَّمِ، وَالِاسْتِيلَادُ مُتَجَزِّئٌ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَدَ نَصِيبَهُ مِنْ مُدَبَّرَةٍ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَفِي الْقِنَّةِ لَمَّا ضَمِنَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالْإِفْسَادِ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَكَمُلَ الِاسْتِيلَادُ.
(أَعْتَقَ رَجُلٌ حِصَّتَهُ) مِنْ الْمَمْلُوكِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ (فَلِشَرِيكِهِ الْإِعْتَاقُ أَوْ الِاسْتِسْعَاءُ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا الْمُعْتِقَانِ (أَوْ تَضْمِينُهُ) أَيْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَضْمَنَهُ (لَوْ) كَانَ الْمُعْتِقُ (مُوسِرًا) بِأَنْ يَمْلِكَ قَدْرَ قِيمَةِ نَصِيبِ الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا فَلِشَرِيكِهِ الْإِعْتَاقُ أَوْ الِاسْتِسْعَاءُ فَقَطْ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا، كَمَا فِي الْأَوَّلِ (وَيَرْجِعُ) الْمُعْتِقُ الضَّامِنُ (بِهِ) أَيْ بِمَا ضَمِنَ (عَلَى الْعَبْدِ) ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ السَّاكِتِ، وَقَدْ كَانَ لِلسَّاكِتِ الِاسْتِسْعَاءُ فَكَذَا لِلْمُعْتِقِ (وَالْوَلَاءُ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ كُلَّهُ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ (شَهِدَ كُلٌّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ (بِعِتْقِ نَصِيبِ الْآخَرِ) (سَعَى) الْعَبْدُ (لَهُمَا) مُوسِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ سَعَى لَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُعْسِرًا وَالْآخَرُ مُوسِرًا سَعَى لِلْمُعْسِرِ لَا الْمُوسِرِ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُولُ: عِتْقُ نَصِيبِ صَاحِبِي عَلَيْهِ بِإِعْتَاقِهِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ وَعِتْقُ نَصِيبِي بِالسِّعَايَةِ وَوَلَاؤُهُ لِي، وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحِيلُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ يَتَبَرَّأُ عَنْهُ فَيَبْقَى مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إعْتَاقِ أَحَدِهِمَا.
(عَلَّقَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (عِتْقَهُ بِفِعْلِ فُلَانٍ غَدًا) فَقَالَ: إنْ دَخَلَ فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ غَدًا فَهُوَ حُرٌّ (وَالْآخَرُ بِعَدَمِهِ) وَقَالَ: إنْ لَمْ يَدْخُلْ فَهُوَ حُرٌّ (فَمَضَى) الْغَدُ (وَجُهِلَ شَرْطُهُ) أَيْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ دَخَلَ أَوْ لَا (عَتَقَ نِصْفُهُ وَسَعَى فِي نِصْفِهِ لَهُمَا) .
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ سَعَى فِي كُلِّهِ؛ لِأَنَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَدَ نَصِيبَهُ مِنْ مُدَبَّرَةٍ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، قَالَ الْكَمَالُ: حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُسْتَوْلِدُ تَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَلَوْ مَاتَ الْمُدَبِّرُ عَتَقَتْ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَكَمُلَ الِاسْتِيلَادُ) يَعْنِي تَبَيَّنَ كَمَالُهُ لِمَا قَالَ الْكَمَالُ وَإِنَّمَا كَمُلَ فِي الْقِنَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالْإِفْسَادِ مَلَكَهُ مِنْ حِينِ الِاسْتِيلَادِ فَصَارَ مُسْتَوْلِدًا جَارِيَةَ نَفْسِهِ فَثَبَتَ عَدَمُ التَّجْزِيءِ ضَرُورَةً.
(قَوْلُهُ: فَلِشَرِيكِهِ الْإِعْتَاقُ) أَيْ مُنَجَّزًا أَوْ مُضَافًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إضَافَتُهُ إلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّدْبِيرِ وَلَوْ دَبَّرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي الْحَالِ فَيَعْتِقُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَى مُدَّةٍ تُشَاكِلُ مُدَّةَ الِاسْتِسْعَاءِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: أَوْ الِاسْتِسْعَاءُ) وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَإِذَا امْتَنَعَ يُؤَجِّرُهُ جَبْرًا وَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِمَا أَدَّى بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: أَوْ يُضَمِّنُهُ) يَعْنِي إذَا أُعْتِقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: لَوْ مُوسِرًا) الْمُرَادُ بِهِ يَسَارُ التَّيْسِيرِ لَا يَسَارُ الْغَنِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمُعْتَبَرُ حَالُهُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ حَتَّى لَوْ أَيْسَرَ بَعْدَهُ أَوْ أَعْسَرَ لَا يُعْتَبَرُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ يُحَكَّمُ الْحَالُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخُصُومَةِ، وَالْعِتْقِ مُدَّةٌ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْأَحْوَالُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُعْتِقِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَمْلِكَ قَدْرَ قِيمَةِ نَصِيبِ الْآخَرِ) يَعْنِي فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَلْبُوسِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَسُكْنَاهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: شَهِدَ كُلٌّ بِعِتْقِ نَصِيبِ الْآخَرِ) كَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى رَفِيقِهِ بِإِعْتَاقِ نِصْفِهِ فَأَنْكَرَ يَسْعَى لَهُمَا (قَوْلُهُ: فَيَبْقَى مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إعْتَاقِ أَحَدِهِمَا) قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَتْحِ: فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَّفِقَا وَجَبَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَيْتُ الْمَالِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: عَلَّقَ أَحَدُهُمَا عِتْقَهُ بِفِعْلِ فُلَانٍ غَدًا. . . إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِكُلٍّ إلَى آخِرِ النَّهَارِ (قَوْلُهُ: وَسَعَى فِي نِصْفِهِ لَهُمَا) لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِمَا مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ سَعَى فِي كُلِّهِ) هَذَا إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
стр. 429
الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِسُقُوطِ السِّعَايَةِ مَجْهُولٌ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَجْهُولِ وَلَهُمَا أَنَّ نِصْفَ السِّعَايَةِ سَاقِطٌ بِيَقِينٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: إنَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ هُوَ نَصِيبِي، وَالسَّاقِطَ نَصِيبُك فَيُنَصَّفُ بَيْنَهُمَا.
(وَلَا عِتْقَ فِي عَبْدَيْنِ) أَيْ قَالَ رَجُلٌ: إنْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ غَدًا فَعَبْدِي كَذَا وَقَالَ الْآخَرُ: إنْ لَمْ يَدْخُلْ فَعَبْدِي كَذَا فَمَضَى وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ دَخَلَ أَوْ لَا لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْ الْعَبْدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، وَالْمَقْضِيَّ لَهُ بِهِ مَجْهُولَانِ فَفَحُشَتْ الْجَهَالَةُ.
(مَلَكَا) أَيْ رَجُلَانِ (وَلَدَ أَحَدِهِمَا) بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ (أَوْ اشْتَرَى) أَحَدُهُمَا (نِصْفَ ابْنِهِ مِنْ مَوْلَاهُ) أَيْ مَوْلَى ابْنِهِ (أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ) أَيْ عِتْقَ عَبْدٍ (بِشِرَاءِ نِصْفِهِ) بِأَنْ قَالَ: زَيْدٌ لَعَبْدِ بَكْرٍ إنْ اشْتَرَيْتُ نِصْفَك فَنِصْفُك حُرٌّ (ثُمَّ اشْتَرَاهُ) أَيْ ذَلِكَ الْعَبْدَ (هُوَ) أَيْ زَيْدٌ (وَرَجُلٌ آخَرُ) بِالِاشْتِرَاكِ (عَتَقَ حِصَّتُهُ) أَيْ حِصَّةُ الْأَبِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ شِقْصَ قَرِيبِهِ وَشِرَاؤُهُ إعْتَاقٌ كَمَا مَرَّ وَحِصَّةُ الْحَالِفِ فِي الثَّالِثَةِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَلَمْ يَضْمَنْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِانْعِدَامِ التَّعَدِّي (عَلِمَ) الشَّرِيكُ (أَوْ لَا) أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُ ابْنُ شَرِيكِهِ أَوْ لَا (كَمَا لَوْ وَرِثَاهُ) أَيْ لَا يَضْمَنُ الْأَبُ نَصِيبَ الشَّرِيكِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا لَا يَضْمَنُ الْأَبُ إذَا وَرِثَ هُوَ وَشَرِيكُهُ ابْنَهُ، صُورَتُهُ امْرَأَةٌ مَاتَتْ وَلَهَا عَبْدٌ هُوَ ابْنُ زَوْجِهَا فَتَرَكَتْ الزَّوْجَ وَالْأَخَ فَوَرِثَ الْأَبُ نِصْفَ ابْنِهِ فَعَتَقَ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُ حِصَّةَ أَخِيهَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ ضَرُورِيٌّ لَا اخْتِيَارَ لِلْأَبِ فِي ثُبُوتِهِ (فَالْآخَرُ أَعْتَقَهُ أَوْ اسْتَسْعَى) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ وِلَايَةُ التَّضْمِينِ بَقِيَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْإِعْتَاقُ أَوْ الِاسْتِسْعَاءُ وَقَالَا فِي غَيْرِ الْإِرْثِ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ غَنِيًّا وَسَعَى لَهُ فَقِيرًا؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَجِبُ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَسْعَى الْعَبْدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَنَّهُ رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا إذَا أَذِنَ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ حَيْثُ شَارَكَهُ فِي عِلَّةِ الْعِتْقِ وَهُوَ الشِّرَاءُ وَإِنْ جُهِلَ فَالْجَهْلُ لَا يَكُونُ عُذْرًا (وَإِنْ اشْتَرَى) أَيْ أَجْنَبِيٌّ (نِصْفَهُ ثُمَّ) اشْتَرَى (الْأَبُ مُوسِرًا بَاقِيَهُ ضَمَّنَهُ) أَيْ الْأَجْنَبِيُّ الْأَبَ؛ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ (أَوْ اسْتَسْعَى) الِابْنَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِاحْتِبَاسِ مَالِيَّتِهِ عِنْدَهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُ وَقَالَا لَا خِيَارَ لَهُ وَيَضْمَنُ الْأَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُمَا (وَإِنْ اشْتَرَاهُ) أَيْ النِّصْفَ (الْأَبُ مُوسِرًا مِنْ مَالِكِ كُلِّهِ لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ الْأَبُ (لَهُ) أَيْ لِمَالِكِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ بِبَيْعِهِ مِنْ الْأَبِ.
(دَبَّرَهُ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ وَأَعْتَقَهُ آخَرُ وَهُمَا مُوسِرَانِ ضَمَّنَ السَّاكِتُ مُدَبِّرَهُ فَقَطْ) لَا الْمُعْتِقَ (وَضَمَّنَ الْمُدَبِّرُ مُعْتِقَهُ ثُلُثَهُ مُدَبَّرًا لَا مَا ضَمِنَهُ) إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْآخَرُ وَهُمَا مُوسِرَانِ وَالثَّالِثُ سَاكِتٌ فَأَرَادَ السَّاكِتُ وَالْمُدَبِّرُ الضَّمَانَ فَلِلسَّاكِتِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبِّرَ دُونَ الْمُعْتِقِ، وَلِلْمُدَبِّرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا وَلَا يُضَمِّنَهُ الثُّلُثَ الَّذِي ضُمِّنَ.
تَوْضِيحُهُ: أَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ إذَا كَانَتْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا مَثَلًا فَإِنَّ السَّاكِتَ يُضَمِّنُ الْمُدَبِّرَ تِسْعَةً، وَالْمُدَبِّرُ يُضَمِّنُ الْمُعْتِقَ سِتَّةً، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَا قِيمَةِ الْقِنِّ لِمَا سَيَأْتِي فَبِالتَّدْبِيرِ تَلِفَتْ مِنْهُ تِسْعَةٌ وَكَانَ الْإِتْلَافُ بِالْإِعْتَاقِ وَاقِعًا عَلَى قِيمَةِ الْمُدَبَّرِ وَهِيَ ثُلُثَا قِيمَةِ الْقِنِّ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثُهَا سِتَّةٌ، فَيُضَمِّنُ الْمُدَبِّرُ الْمُعْتِقَ تِلْكَ السِّتَّةَ فَقَطْ وَلَا يُضَمِّنُهُ التِّسْعَةَ الَّتِي هِيَ نَصِيبُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: مَلَكَا وَلَدَ أَحَدِهِمَا) كَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: عَلِمَ الشَّرِيكُ أَوْ لَا) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ تَضْمِينَ الْأَبِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الشَّرِيكُ أَنَّهُ ابْنُهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ إنَّهُ رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ. . . إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرِّضَا يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى سَبَبِهِ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُبْطَلٌ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اشْتَرَاهُ الْأَبُ مِنْ مَالِك كُلِّهِ) مُكَرَّرٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ مِنْ مَوْلَاهُ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الشِّرَاءِ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَاهُ مِنْهُ مُوسِرًا لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِلْآخَرِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَأَعْتَقَهُ آخَرُ) يَعْنِي بَعْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِهِ (قَوْلُهُ: ضَمِنَ السَّاكِتُ مُدَبَّرَهُ) قَالَ الْكَمَالُ: وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ إنْ شَاءَ (قَوْلُهُ: وَهِيَ ثُلُثَا قِيمَةِ الْقِنِّ) قَالَ الْكَمَالُ:؛ لِأَنَّ لَهُ الِانْتِفَاعَ بِالْوَطْءِ، وَالسِّعَايَةِ، وَالْبَدَلِ وَإِنَّمَا زَالَ الْأَخِيرُ فَقَطْ وَإِلَيْهِ مَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ يَخُصُّ الْمُدَبَّرَةَ دُونَ الْمُدَبَّرِ، وَقِيلَ يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَوْ جَوَّزُوا بَيْعَ هَذَا فَأَبَتْ الْمَنْفَعَةَ الْمَذْكُورَةَ كَمْ يَبْلُغُ فَمَا ذُكِرَ فَهُوَ قِيمَتُهُ وَهَذَا حَسَنٌ عِنْدِي، وَقِيلَ: قِيمَتُهُ قِنًّا وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَقِيلَ: نِصْفُ قِيمَتِهِ قِنًّا وَقِيلَ تُقَوَّمُ خِدْمَتُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ حَزْرًا فِيهِ فَمَا بَلَغَتْ فَهِيَ قِيمَتُهُ اهـ
стр. 430
السَّاكِتِ مَعَ تِلْكَ السِّتَّةِ الَّتِي يُضَمِّنُهُ إيَّاهَا هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا الْعَبْدُ لِلْمُدَبِّرِ وَيَضْمَنُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِشَرِيكَيْهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ، وَالْعِسَارِ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَةٍ.
(قَالَ هِيَ أُمُّ وَلَدِ شَرِيكِي وَأَنْكَرَ) شَرِيكُهُ (تَخْدُمُهُ) أَيْ تَخْدُمُ الْجَارِيَةُ الشَّرِيكَ الْمُنْكِرَ (يَوْمًا وَتُوقَفُ يَوْمًا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ أَنْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهَا فَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَالْمُنْكِرُ يَزْعُمُ أَنَّهَا كَمَا كَانَتْ فَلَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي نِصْفِهَا، وَعِنْدَهُمَا لِلْمُنْكِرِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْجَارِيَةَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا ثُمَّ تَكُونُ حُرَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُصَدِّقْهُ صَاحِبُهُ انْقَلَبَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فَتَعْتِقُ بِالسِّعَايَةِ (لَا قِيمَةً لِأُمِّ وَلَدٍ) وَقَالَا لَهَا الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ مُحْرَزَةٌ مُنْتَفَعٌ بِهَا وَطْئًا وَإِجَارَةً وَاسْتِخْدَامًا فَتَكُونُ مُقَوَّمَةً كَالْمُدَبَّرَةِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي هَذَا تَدْخُلُ أُمُّ الْوَلَدِ، وَاسْتِبَاحَةُ الْوَطْءِ دَلِيلُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالنِّكَاحِ أَوْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَبَقَاءُ الْمِلْكِ دَلِيلُ بَقَاءِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ إذْ الْمَمْلُوكِيَّةُ فِي الْآدَمِيِّ لَيْسَتْ غَيْرَ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ، وَحَقُّ الْحُرِّيَّةِ لَا يُنَافِي التَّقَوُّمَ كَالْمُدَبَّرِ وَلِهَذَا إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ تَسْعَى وَهِيَ آيَةُ التَّقَوُّمِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَمُقْتَضَى الْحُرِّيَّةِ زَوَالُ التَّقَوُّمِ لَكِنَّهُ تَقَاعَدَ عَنْ إفَادَةِ الْحُرِّيَّةِ لِمُعَارِضٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ بَعْدِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ فِي زَوَالِ التَّقَوُّمِ فَيَثْبُتُ (فَلَا يَضْمَنُ غَنِيٌّ أَعْتَقَهَا) أَيْ أُمَّ وَلَدِهِ حَالَ كَوْنِهَا (مُشْتَرَكَةً) بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِأَنْ وَلَدَتْ وَلَدًا فَادَّعَيَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَقَوُّمِهَا وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ بِنَاءً عَلَى تَقَوُّمِهَا.
(رَجُلٌ لَهُ أَعْبُدٌ) ثَلَاثَةٌ (قَالَ فِي صِحَّتِهِ لِاثْنَيْنِ عِنْدَهُ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَخَرَجَ وَاحِدٌ) مِنْهُمَا (وَدَخَلَ آخَرُ فَأَعَادَهُ) هَذَا الْكَلَامَ فَإِنْ كَانَ حَيًّا أُمِرَ بِالْبَيَانِ (وَإِنْ مَاتَ مُجْهِلًا عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّابِتِ وَنِصْفُ كُلٍّ مِنْ الْآخَرَيْنِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رُبْعُ مَنْ دَخَلَ وَغَيْرُهُ كَمَا قَالَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ دَائِرٌ بَيْنَ الْخَارِجِ وَالثَّابِتِ فَيَنْتَصِفُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الْإِيجَابُ الثَّانِي دَائِرٌ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالدَّاخِلِ فَيَنْتَصِفُ بَيْنَهُمَا فَالنِّصْفُ الَّذِي أَصَابَ الثَّابِتَ شَاعَ فِيهِ وَمَا أَصَابَ النِّصْفَ الَّذِي عَتَقَ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ لَغَا وَمَا أَصَابَ النِّصْفَ الْفَارِغَ وَهُوَ الرُّبْعُ بَقِيَ فَيَعْتِقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَيَعْتِقُ مِنْهُ رُبْعُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِيجَابَ لَمَّا أَوْجَبَ عِتْقَ الرُّبْعِ مِنْ الثَّابِتِ أَوْجَبَهُ مِنْ الدَّاخِلِ أَيْضًا لِتَنَصُّفِهِ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا يَقُولَانِ: الْمَانِعُ مِنْ عِتْقِ النِّصْفِ يَخْتَصُّ بِالثَّابِتِ وَلَا مَانِعَ فِي الدَّاخِلِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَقَالَا الْعَبْدُ لِلْمُدَبِّرِ) مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ تَجْزِيءِ التَّدْبِيرِ عِنْدَهُمَا.
(قَوْلُهُ: فَتَعْتِقُ بِالسِّعَايَةِ) لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِنَفَقَتِهَا وَكَسْبِهَا وَجِنَايَتِهَا وَفِي الْمُخْتَلَفِ فِي بَابِ مُحَمَّدٍ نَفَقَتُهَا فِي كَسْبِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَى الْمُنْكِرِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فِي النَّفَقَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ نِصْفُ كَسْبِهَا لِلْمُنْكِرِ وَنِصْفُهُ مَوْقُوفٌ وَنَفَقَتُهَا مِنْ كَسْبِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ فَنِصْفُ نَفَقَتِهَا عَلَى الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْجَارِيَةِ لِلْمُنْكِرِ وَهَذَا اللَّائِقُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِدْمَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَا احْتِبَاسَ وَأَمَّا جِنَايَتُهَا فَتَسْعَى فِيهَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَالْمُكَاتَبِ وَتَأْخُذُ الْجِنَايَةَ مِمَّنْ جَنَى عَلَيْهَا تَسْتَعِينُ بِهَا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ جِنَايَتُهَا مَوْقُوفَةٌ إلَى تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَقَالَا لَهَا الْقِيمَةُ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهِيَ ثُلُثُ قِيمَتِهَا قِنَّةً وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ: ﷺ . . . إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْجَوَابَ عَنْ وَجْهِ قِيَاسِ قَوْلِهِمَا وَلَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ حَيًّا أُمِرَ بِالْبَيَانِ) كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُ حُكْمِهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْكَمَالُ: وَلِلْعَبِيدِ مُخَاصَمَتُهُ فِي ذَلِكَ فَإِذَا بَيَّنَ الْعِتْقَ فِي الثَّابِتِ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ أَيْ بَيَّنَهُ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ عَتَقَ وَبَطَلَ بِالْكَلَامِ الثَّانِي وَإِنْ بَيَّنَ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ عَتَقَ الْخَارِجُ وَيُؤْمَرُ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الثَّانِي، وَيُعْمَلُ بِبَيَانِهِ وَإِنْ بَدَأَ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الثَّانِي، فَقَالَ عَنَيْت بِالْكَلَامِ الثَّانِي الدَّاخِلَ عَتَقَ وَيُؤْمَرُ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَأَيُّهُمَا بَيَّنَهُ مِنْ الْخَارِجِ وَالثَّابِتِ عُمِلَ بِهِ وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِالْكَلَامِ الثَّانِيَ الثَّابِتَ عَتَقَ وَتَعَيَّنَ عِتْقُ الْخَارِجِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا يَبْطُلْ، فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ يُبَيِّنَ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ، ثَانِيهَا: أَنْ يَمُوتَ أَحَدُ الْعَبِيدِ فَالْمَوْتُ بَيَانٌ أَيْضًا فَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ تَعَيَّنَ الثَّابِتُ لِلْعِتْقِ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ لِزَوَالِ الْمُزَاحِمِ وَبَطَلَ الْإِيجَابُ الثَّانِي، وَإِنْ مَاتَ الثَّابِتُ تَعَيَّنَ الْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَالدَّاخِلُ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي، وَإِنْ مَاتَ الدَّاخِلُ أُمِرَ بِبَيَانِ الْأَوَّلِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْخَارِجَ عَتَقَ الثَّابِتُ أَيْضًا بِالْإِيجَابِ الثَّانِي وَإِنْ عَنَى بِهِ الثَّابِتَ بَطَلَ الْإِيجَابُ الثَّانِي، ثَالِثُهَا: أَنْ يَمُوتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْبَيَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ اهـ.
فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ هَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا مِنْ عَدَمِ تَجْزِيءِ الْإِعْتَاقِ فَالْجَوَابُ أَنَّ عَدَمَ تَجَزِّيهِ إذَا وَقَعَ فِي مَحَلٍّ مَعْلُومٍ، وَالِانْقِسَامُ هُنَا ضَرُورِيٌّ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ مِنْ الْكَافِي (قَوْلُهُ: وَمَا أَصَابَ النِّصْفَ الَّذِي عَتَقَ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَمَا أَصَابَ بِالْفَاءِ لَا بِالْوَاوِ.
стр. 431
فَيَعْتِقُ نِصْفُهُ (وَلَوْ) كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ (فِي الْمَرَضِ وَمَاتَ) قَبْلَ الْبَيَانِ وَقِيَمُ الْعَبِيدِ مُتَسَاوِيَةٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُخْرِجُ قَدَرَ الْمُعْتَقِ مِنْ الثُّلُثِ وَذَلِكَ رَقَبَةٌ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ رَقَبَةٍ عِنْدَهُمَا وَرَقَبَةٌ وَنِصْفُ رَقَبَةٍ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يُخْرِجْ وَلَكِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ فَالْجَوَابُ كَمَا ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَى الْعَبِيدِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (قُسِّمَ الثُّلُثُ) بَيْنَهُمْ (عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَبَيَانُهُ أَنَّ حَقَّ الْخَارِجِ فِي النِّصْفِ، وَحَقَّ الثَّابِتِ فِي ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ وَحَقَّ الدَّاخِلِ عِنْدَهُمَا فِي النِّصْفِ أَيْضًا فَيَحْتَاجُ إلَى مَخْرَجٍ لَهُ نِصْفٌ وَرُبْعٌ وَأَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ فَتُعَوَّلُ إلَى سَبْعَةٍ فَحَقُّ الْخَارِجِ فِي سَهْمَيْنِ وَحَقُّ الثَّابِتِ فِي ثَلَاثَةٍ وَحَقُّ الدَّاخِلِ فِي سَهْمَيْنِ فَبَلَغَتْ سِهَامُ الْعِتْقِ سَبْعَةً فَيُجْعَلُ ثُلُثُ الْمَالِ سَبْعَةً؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ وَمَحَلُّ نَفَاذِهَا الثُّلُثُ وَإِذَا صَارَ ثُلُثُ الْمَالِ سَبْعَةً صَارَ ثُلُثَا الْمَالِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَهِيَ سِهَامُ السِّعَايَةِ وَصَارَ جَمِيعُ الْمَالِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ وَمَالُهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ فَيَصِيرُ كُلُّ عَبْدٍ سَبْعَةً فَيَعْتِقُ مِنْ الْخَارِجِ سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ وَيَعْتِقُ مِنْ الدَّاخِلِ سَهْمَانِ، وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ وَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ فَبَلَغَ سِهَامُ الْوَصَايَا سَبْعَةً وَسِهَامُ السِّعَايَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَاسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَقُّ الدَّاخِلِ فِي سَهْمٍ وَكَانَتْ سِهَامُ الْعِتْقِ عِنْدَهُ سِتَّةً وَيُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَةٍ سِتَّةً، وَسِهَامُ السِّعَايَةِ اثْنَيْ عَشَرَ وَجَمِيعُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ، وَيَسْعَى فِي ثَلَاثَةٍ وَمِنْ الْخَارِجِ سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ وَمِنْ الدَّاخِلِ سَهْمٌ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ أَقُولُ يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ أَرْبَابَ الْفَرَائِضِ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ لَا تُعَوَّلُ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ وَأَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ فَتُعَوَّلُ إلَى سَبْعَةٍ وَدَفْعُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَ شُرَّاحُ كَلَامِهِمْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي مَسْأَلَةٍ قَطُّ اجْتِمَاعُ نِصْفَيْنِ وَرُبْعٍ وَهَذَا لَا يُنَافِي وُقُوعَ الْعَوْلِ فِيهَا فِيمَا سِوَى قِسْمَةِ التَّرِكَةِ (وَلَوْ طَلَّقَ كَذَلِكَ قَبْلَ وَطْءٍ سَقَطَ رُبْعُ مَهْرِ مَنْ خَرَجَتْ وَثَلَاثَةُ أَثْمَانِ مَنْ ثَبَتَتْ وَثُمُنُ مَنْ دَخَلَتْ) يَعْنِي إنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ زَوْجَاتٍ مَهْرُهُنَّ عَلَى السَّوَاءِ فَطَلَّقَهُنَّ قَبْلَ الْوَطْءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَبِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ سَقَطَ نِصْفُ مَهْرِ الْوَاحِدَةِ مُنَصَّفًا بَيْنَ الْخَارِجَةِ وَالثَّابِتَةِ فَسَقَطَ رُبْعُ مَهْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُمَّ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي سَقَطَ الرُّبْعُ مُنَصَّفًا بَيْنَ الثَّابِتَةِ وَالدَّاخِلَةِ فَأَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ الثَّمَنُ فَسَقَطَ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ مَهْرِ الثَّابِتَةِ بِالْإِيجَابَيْنِ وَسَقَطَ ثَمَنُ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ وَإِنَّمَا فُرِضَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الْوَطْءِ لِيَكُونَ الْإِيجَابُ الْأَوَّلُ مُوجِبًا لِلْبَيْنُونَةِ فَمَا أَصَابَ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ لَا يَبْقَى مَحِلًّا لِلْإِيجَابِ الثَّانِي فَيَصِيرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَالْعِتْقِ.
(الْوَطْءُ وَالْمَوْتُ بَيَانٌ فِي طَلَاقٍ مُبْهَمٍ) يَعْنِي إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ فَوَطِئَ إحْدَاهُمَا أَوْ مَاتَتْ فَكُلٌّ مِنْهُمَا بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ هِيَ الْأُخْرَى أَمَّا الْوَطْءُ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ وُضِعَ لِحِلِّ الْوَطْءِ، وَالطَّلَاقَ وُضِعَ لِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ أَيْ لِإِزَالَةِ حِلِّ الْوَطْءِ إمَّا فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَالْوَطْءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ لَمْ تَكُنْ مُرَادَةً بِالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الْمَوْتُ فَلِمَا عُرِفَ أَنَّ الْبَيَانَ إنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ (كَبَيْعٍ وَمَوْتٍ وَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ مُسَلَّمَتَيْنِ فِي عِتْقٍ مُبْهَمٍ) أَيْ إذَا قَالَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَقِيَمُ الْعَبِيدِ مُتَسَاوِيَةٌ) لَيْسَ هَذَا الْقَيْدُ لَازِمًا حُكْمًا (قَوْلُهُ: قُسِّمَ الثُّلُثُ عَلَى هَذَا) قَالَ الْكَمَالُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَاصِلَ لِلْوَرَثَةِ لَا يَخْتَلِفُ اهـ.
يَعْنِي بِحَسَبِ جَعْلِ سِهَامِ الْعِتْقِ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، (قَوْلُهُ: لَا يُتَصَوَّرُ فِي مَسْأَلَةٍ قَطُّ اجْتِمَاعُ نِصْفَيْنِ) فِي إلْحَاقٍ قَطُّ لِلْمَنْفِيِّ بِلَا تَسَامُحٍ (قَوْلُهُ: وَثَمَنُ مَنْ دَخَلَتْ) هَذِهِ حُجَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا فَأَلْزَمَهُمَا الْمُنَاقَضَةَ، وَالْجَوَابُ عَنْهَا، وَالْكَلَامُ عَلَى تَفَارِيعِهَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: مَهْرُهُنَّ عَلَى السَّوَاءِ) الْكَلَامُ عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ عَلَى قِيمَةِ الْعَبِيدِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ:، وَالْوَطْءُ وَالْمَوْتُ بَيَانٌ فِي طَلَاقٍ مُبْهَمٍ) هَذَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا لَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا لِطَلَاقِ الْأُخْرَى لِحِلِّ وَطْءِ الْمُعَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الضِّيَاءِ عَنْ قُنْيَةِ الْمُنْيَةِ اهـ.
إلَّا أَنَّ فِيهِ نَوْعَ إشْكَالٍ لِمَا قَالُوا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَفْعَلُ خِلَافَ السُّنَّةِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَطَأَ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا قَبْلَ رَجْعَتِهَا بِالْقَوْلِ فَمَا وَجْهُ حَمْلِهِ هَهُنَا عَلَى هَذَا مَعَ حَمْلِهِمْ إيَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى عَدَمِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَا يَثْبُتُ الْبَيَانُ فِي الطَّلَاقِ بِالْمُقَدِّمَاتِ كَمَا فِي الزِّيَادَاتِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يَثْبُتُ بِالتَّقْبِيلِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: كَبَيْعٍ) شَامِلٌ لِمَا فِيهِ الْخِيَارُ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَلِلْفَاسِدِ بِدُونِ قَبْضٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَالْإِيصَاءُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالتَّزْوِيجُ، وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ كَالْبَيْعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَتَدْبِيرٍ) كَذَا الْكِتَابَةُ، وَالتَّحْرِيرُ بَيَانٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَسَوَاءٌ كَانَ التَّحْرِيرُ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُنَجَّزِ مَا لَا نِيَّةَ لَهُ فِيهِ فَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الَّذِي لَزِمَنِي بِقَوْلِي: أَحَدُكُمَا حُرٌّ صُدِّقَ قَضَاءً، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: أَعْتَقْتُك عَلَى اخْتِيَارِ الْعِتْقِ أَيْ اخْتَرْت عِتْقَك كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ مُسَلَّمَتَيْنِ) هَذَا الْقَيْدُ اتِّفَاقِيٌّ لِمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْكَافِي: ذِكْرُ التَّسْلِيمِ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي الْهِدَايَةِ وَقَعَ اتِّفَاقًا يَعْنِي لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: قَالُوا ذِكْرُ الْإِقْبَاضِ تَوْكِيدٌ لَا لِلشَّرْطِ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَالْمُحِيطِ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْبَيَانَ بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ تَصَرُّفٍ يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ
стр. 432
لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَ إحْدَى أَمَتَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَوْ وَهَبَ أَحَدَهُمَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْآخَرُ فَإِنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ الْإِنْشَاءُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ، وَلِلْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْبَيْعِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَالْهِبَةُ بِالتَّسْلِيمِ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ (لَا وَطْءَ فِيهِ) أَيْ لَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا فِي عِتْقٍ مُبْهَمٍ يَعْنِي لَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ جَامَعَ إحْدَاهُمَا لَمْ يَكُنْ بَيَانًا عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا بَيَانٌ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ فَصَارَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ دَلِيلَ الِاسْتِبْقَاءِ وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ فِيهِمَا وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُمَا وَكَانَ لَهُ الْأَرْشُ إذَا جُنِيَ عَلَيْهِمَا، وَالْمَهْرُ إذَا وُطِئَتَا بِشُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ الْمُبْهَمَ مُعَلَّقٌ بِالْبَيَانِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَا يَنْزِلُ قَبْلَهُ.
(وَبِالْأَوَّلِ وَلَدٌ) أَيْ بِقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ أَوَّلُ وَلَدٍ (تَلِدِينَهُ لَوْ) كَانَ (ابْنًا) إشَارَةٌ بِزِيَادَةِ لَوْ فِي الْعِبَارَةِ إلَى أَنَّ عِبَارَةَ الْوِقَايَةِ لَا تَسْتَقِيمُ بِدُونِهَا (فَأَنْتِ حُرَّةٌ إنْ وَلَدْت ابْنًا وَبِنْتًا وَلَمْ يَدْرِ الْأَوَّلَ عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَ) نِصْفُ (الْبِنْتِ، وَالِابْنُ عَبْدٌ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ يَعْتِقُ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، الْأُمُّ بِالشَّرْطِ وَالْبِنْتُ بِتَبَعِيَّتِهَا لِكَوْنِهَا حُرَّةً حِينَ وَلَدَتْهَا، وَتُرَقُّ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْبِنْتَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرْطِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَتَسْعَى فِي النِّصْفِ وَأَمَّا الِابْنُ فَيُرَقُّ فِي الْحَالَيْنِ.
(شَهِدَا) أَيْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى زَيْدٍ (بِعِتْقِ أَحَدِ مَمْلُوكَيْهِ) عَبْدَيْنِ كَانَا أَوْ أَمَتَيْنِ (لَغَتْ الشَّهَادَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ لَا تُقْبَلُ بِلَا دَعْوَى الْعَبْدِ عِنْدَهُ وَلَا دَعْوَى مِنْهُ هَاهُنَا لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ بِلَا دَعْوَى فَلَا تَلْغُو.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي حَقِّ الْأَمَةِ لَكِنْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ مَرْدُودَةٌ، كَمَا فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) شَهَادَتُهُمَا (فِي وَصِيَّةٍ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ إذَا شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ شَهِدَا عَلَى تَدْبِيرِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَأَدَّيَا الشَّهَادَةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ الْوَفَاةِ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَلِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ) أَيْ وَلَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ الْعِتْقُ الْمُلْتَزَمِ بِقَوْلِهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، فَإِنَّ حَاصِلَهُ تَعْلِيقٌ كَامِلٌ بِالْبَيَانِ، وَبِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ لَمْ يَبْقَ عِتْقُهُ عِتْقًا كَامِلًا لِاسْتِحْقَاقِهِ الْعِتْقَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: لَا وَطْءَ فِيهِ) قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ عُلُوقٌ أَمَّا لَوْ عَلِقَتْ عَتَقَتْ الْأُخْرَى اتِّفَاقًا، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا بَيَانٌ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ عُلُوقٌ وَبِهِ يُفْتَى، كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ: أَشَارَ بِزِيَادَةِ لَوْ فِي الْعِبَارَةِ. . . . إلَخْ) قِيلَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ جُمْلَةَ تَلِدِينَهُ ابْنًا وَقَعَتْ صِفَةً لِوَلَدٍ فَيَنْحَلُّ الْكَلَامُ إلَى قَوْلِك: أَوَّلُ وَلَدٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَانْظُرْ هَلْ لِقَوْلِك فَأَنْتِ حُرَّةٌ ارْتِبَاطٌ بِمَا قَبْلَهُ بِوَجْهٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُدِّرَتْ أَدَاةُ الشَّرْطِ كَإِنْ وَلَوْ فَقُلْت أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ إنْ ابْنًا لَوْ ابْنًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَإِنَّهُ يَرْتَبِطُ بِمَا قَبْلَهُ عَلَى الْجَزَائِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْحَلُّ إلَى قَوْلِك: أَوَّلُ وَلَدٍ مَوْصُوفٍ بِالْوِلَادَةِ إنْ كَانَ ابْنًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا قِيلَ وَجْهُ الْفَسَادِ إنْ كَانَ عَدَمُ وُجُودِ الرَّابِطِ فِي جُمْلَةِ الْخَبَرِ فَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِهِ تَقْدِيرُهُ كَعِنْدِ وِلَادَتِهِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ وُجُودُ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ فَقَدْ يَجُوزُ دُخُولُهُ عَلَى قِلَّةٍ وَقَائِلَةُ خَوْلَانَ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ خُصُوصًا إذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِجُمْلَةٍ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي مَحِلِّهِ هَذَا مَا تَيَسَّرَ لِي اهـ.
قَالَهُ فَاضِلٌ ﵀ وَفِي حُكْمِهِ بِالسُّقُوطِ بِمَا ذَكَرَهُ تَأَمُّلٌ.
(قَوْلُهُ: عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَنِصْفُ الْأُنْثَى) هَذَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْمَوْلُودِ الْأَوَّلِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا مَا تَقَدَّمَ ثَانِيهَا أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى أَوَّلِيَّةِ الْغُلَامِ فَتَعْتِقُ الْأُمُّ، وَالْبِنْتُ دُونَهُ، ثَالِثُهَا أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى أَوَّلِيَّةِ الْبِنْتِ فَلَا يَعْتِقُ أَحَدٌ، رَابِعُهَا أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ أَوَّلِيَّةَ الْغُلَامِ وَالْبِنْتُ صَغِيرَةٌ وَيُنْكِرَ الْمَوْلَى فَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لَمْ يَعْتِقْ أَحَدٌ مِنْهُمَا، خَامِسُهَا: أَنْ تُقِيمَ الْأَمُّ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَوَّلِيَّتِهِ فَتَعْتِقَا، سَادِسُهَا: أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَنْكُلَ عَلَى الْيَمِينِ فَتَعْتِقَا، سَابِعُهَا: أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ أَوَّلِيَّةَ الْغُلَامِ وَالْبِنْتُ كَبِيرَةٌ وَلَمْ تَدَّعِ شَيْئًا مِنْ الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهَا، وَيَنْكُلَ فَتَعْتِقُ الْأُمُّ خَاصَّةً، ثَامِنُهَا: أَنْ تُقِيمَ الْأُمُّ بَيِّنَةً وَالْبِنْتُ سَاكِتَةٌ فَتَعْتِقُ الْأُمُّ دُونَهَا، تَاسِعُهَا: أَنْ تَدَّعِيَا أَوَّلِيَّتَهُ وَيَنْكُلَ فَتَعْتِقَا.
عَاشِرُهَا: أَنْ يُقِيمَا بَيِّنَةً بِأَوَّلِيَّةٍ فَتَعْتِقَا، حَادِيَ عَشَرَهَا أَنْ تُقِيمَ الْبِنْتُ بَيِّنَةً بِأَوَّلِيَّتِهِ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ فَتَعْتِقُ دُونَهَا ثَانِيَ، عَشَرَهَا أَنْ تَدَّعِيَ كَذَلِكَ وَيَنْكُلَ فَتَعْتِقُ دُونَ أُمِّهَا كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ الْبُرْهَانِ بِفَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ) كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَالْمَذْكُورُ لِمُحَمَّدٍ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدَةٍ وَصَحَّحَ فِي النِّهَايَةِ مَا فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ وَحَقِيقَتُهُ إبْطَالُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ تَرِدْ عَنْهُمَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ تُخَالِفُ ذَلِكَ الْجَوَابَ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى زَيْدٍ بِعِتْقِ أَحَدِ مَمْلُوكَيْهِ لَغَتْ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ تُقْبَلُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اعْتِبَارًا لِلشُّيُوعِ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَأَدَّيَا الشَّهَادَةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ نَصَّ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ عَلَى أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا جَعَلَهُ شَارِحُ الْهِدَايَةِ وَجْهًا لِقَبُولِهَا حَالَ الْحَيَاةِ، وَقَدْ بَيَّنْته بِرِسَالَةٍ مُهِمَّةٍ.
стр. 433
حَيْثُمَا وَقَعَ وَقَعَ وَصِيَّةً وَكَذَا الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ، وَالْخَصْمُ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ الْمُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ وَعَنْهُ خَلَفٌ، وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ أَقُولُ مُرَادُهُ أَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ تَلْغُوَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَيْضًا لِجَهَالَةِ الْمُدَّعِي لَكِنَّهَا تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا لِوُجُودِ الْمُدَّعِي تَقْرِيرًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ تَحْقِيقًا؛ لِأَنَّ هَذَا وَصِيَّةٌ، وَالْخَصْمُ فِي الْوَصِيَّةِ هُوَ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ إلَيْهِ فَيَكُونُ مُدَّعِيًا تَقْدِيرًا وَعَنْهُ خَلَفٌ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمُخَاصَمَاتِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُدَّعًى عَلَيْهِ تَحْقِيقًا فَكَأَنَّ الْمُوصِيَ ادَّعَى عَلَى أَحَدِهِمَا حَقَّهُ وَأَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ فَيَكُونُ الْمُوصِي مُدَّعِيًا مِنْ وَجْهٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ مِنْ آخَرَ فَاضْمَحَلَّ بِهَذَا الْحَلِّ مَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ التَّنَازُعَ فِيهِ مَا إذَا أَنْكَرَ الْمَوْلَى تَدْبِيرَ أَحَدِ عَبْدَيْهِ أَوْ الْوَارِثُ يُنْكِرُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، وَالْعَبْدَانِ يُرِيدَانِ إثْبَاتَهُ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ الْمُوصِي أَوْ نَائِبُهُ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مَا ذُكِرَ بَلْ إنْكَارُ الْمَوْلَى تَدْبِيرَ أَحَدِ عَبْدَيْهِ وَإِرَادَةُ الْعَبْدَيْنِ إثْبَاتَهُ لَيْسَ إلَّا فِيمَا إذَا شَهِدَا فِي صِحَّةِ الْمَوْلَى عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ كَيْفَ لَا، وَقَدْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا شَهِدَا فِي صِحَّتِهِ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ وَقَالَ بَعْدَهُ: أَمَّا إذَا أَشْهَدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. . . إلَخْ وَأَيْضًا لَمْ يَقُلْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: إنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ الْمُوصِي أَوْ نَائِبُهُ بَلْ جَعَلَ الْمُوصِيَ مُدَّعِيًا وَنَائِبَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مَا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَمَّا كَانَ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَوْ التَّدْبِيرِ وَصِيَّةً كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ فِي تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ هُوَ الْمُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ فَقُبِلَتْ الشَّهَادَةُ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَدَّعِي، وَالْعَبْدُ الَّذِي وَقَعَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ مَجْهُولٌ وَأَعْجَبُ مِنْ قَوْلِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مَا قَالَ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ حَتَّى اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَالتَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَالْخَصْمُ فِي تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ هُوَ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ لِحَقِّهِ وَنَفْعُهُ يَعُودُ إلَيْهِ وَإِنْكَارُهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَهُوَ مَعْلُومٌ وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ فَتَتَحَقَّقُ الدَّعْوَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَصِيِّهِ أَوْ وَارِثِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ إنْكَارَ الْمَوْلَى لَيْسَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ فِيمَا إذَا شَهِدَا فِي صِحَّةِ الْمَوْلَى كَمَا مَرَّ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ تَحَقُّقَ الدَّعْوَى مِنْ الْوَارِثِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: أَعْتَقَ مُوَرِّثِي أَحَدَ عَبْدَيْهِ كَانَ إقْرَارًا لَا دَعْوَى فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الشَّاهِدِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِقِ الْأَقْدَامِ وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (أَوْ طَلَاقٍ مُبْهَمٍ) بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ تُقْبَلُ بِلَا دَعْوَى لِتَضَمُّنِهِ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ فَيَكُونُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى إجْمَاعًا
(بَابُ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ)
(قَالَ: إنْ دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَوْمَئِذٍ حُرٌّ) أَيْ يَوْمَ أَدْخُلُهَا (عَتَقَ مَنْ لَهُ وَقْتَ الدُّخُولِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ دَخَلَ أَوْ كَانَ فِي
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَوْ طَلَاقٍ مُبْهَمٍ) قَالَ فِي الْهِدَايَة: وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَاهُنَّ اهـ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ لَا أَنَّهُ يُنْشِئُ الطَّلَاقَ فِي إحْدَاهُنَّ.
[بَابُ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ]
الْحَلِفُ: بِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ سَمَاعِيٌّ، وَلَهُ مَصْدَرٌ آخَرُ أَعْنِي حَلْفًا بِالْإِسْكَانِ، يُقَالُ: حَلِفًا وَحَلْفًا، وَتَدْخُلُهُ التَّاءُ لِلْمَرَّةِ، كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ
أَلَمْ تَرَنِي عَاهَدْت رَبِّي وَإِنَّنِي ... لَبَيْنَ رِتَاجٍ قَائِمًا وَمَقَامِ
عَلَى حَلْفَةٍ لَا أَشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ... وَلَا خَارِجًا مِنْ فِي زُورُ كَلَامِ
، وَالْمُرَادُ بِالْحَلِفِ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: قَالَ إنْ دَخَلْتُ) الْمُرَادُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التَّنْجِيزِ لِمَا قَالَ فِي الْبُرْهَانِ لَوْ قَالَ عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ مَا سَأَمْلِكُهُ حُرٌّ فَعَتَقَ فَمَلَكَ عَبْدًا فَهُوَ قِنٌّ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ لَيْسَ أَهْلًا لِتَعْلِيقِهِ، وَحَكَمَا بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُجُودِهِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: فِي بَابِ التَّدْبِيرِ لَوْ قَالَ الْعَبْدُ أَوْ الْمُكَاتَبُ إذَا أُعْتِقْت فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ فَعَتَقَ فَمَلَكَ مَمْلُوكًا عَتَقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إلَى خَمْسِينَ سَنَةً فَهُوَ حُرٌّ فَعَتَقَ قَبْلَ ذَلِكَ فَمَلَكَهُ لَا يَعْتِقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يَعْتِقُ اهـ.
فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ حُرٌّ) ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَى لَفْظَةِ فَهُوَ (قَوْلُهُ: وَقْتَ الدُّخُولِ) عَدَلَ إلَى لَفْظَةِ وَقْتَ عَنْ لَفْظَةِ يَوْمَ لِيُفِيدَ أَنَّ لَفْظَ الْيَوْمِ مُرَادٌ بِهِ الْوَقْتَ حَتَّى لَوْ دَخَلَ لَيْلًا عَتَقَ مَا فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى فِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ وَهُوَ الدُّخُولُ فِي الْمِلْكِ
стр. 434
مِلْكِهِ فِي مَمْلُوكٍ يَوْمَ حَلِفِهِ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى دَخَلَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيَامُ الْمِلْكِ وَقْتَ الدُّخُولِ وَهُوَ حَاصِلٌ فِيهِمَا (وَبِلَا يَوْمَئِذٍ مَنْ لَهُ يَوْمَ حَلِفِهِ فَقَطْ) أَيْ إنْ لَمْ يَقُلْ فِي يَمِينِهِ يَوْمَئِذٍ بَلْ قَالَ: إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَعْتِقُ مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِلْحَالِ، وَالْجَزَاءُ حُرِّيَّةُ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ إلَّا أَنَّهُ بِدُخُولِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ تَأَخَّرَ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ فَيَعْتِقُ إذَا بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الدُّخُولُ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَهُ لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ نَحْوَ إنْ مَلَكْتُ أَوْ سَبَبِهِ نَحْوَ: إنْ اشْتَرَيْتُ (كَذَا) أَيْ إذَا قَالَ (كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ) قَالَ كُلُّ (مَا أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ) وَلَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ غَدٍ (أَوْ) قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ أَمْلِكُهُ حُرٌّ (بَعْدَ مَوْتِي) وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ حَيْثُ (يَتَنَاوَلُ) الْعِتْقُ، وَالتَّدْبِيرُ (مَنْ مَلَكَهُ مُذْ حَلَفَ فَقَطْ) وَلَا يَتَنَاوَلَانِ مَنْ يَشْتَرِيهِ بَعْدَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لِلْحَالِ وَكَذَا كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ وَلِهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ بِلَا قَرِينَةٍ وَفِي الِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ فَيَنْصَرِفُ مُطْلَقُهُ إلَى الْحَالِ فَكَانَ الْجَزَاءُ حُرِّيَّةَ الْمَمْلُوكِ أَوْ تَدْبِيرَهُ فِي الْحَالِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ الْيَمِينِ (لَكِنْ بِمَوْتِهِ) أَيْ بِمَوْتِ الْمَوْلَى (عَتَقَا) أَيْ مَنْ مَلَكَ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَهُ (مِنْ ثُلُثِهِ) .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَعْتِقُ مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْحَالِ كَمَا مَرَّ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا سَيَمْلِكُهُ وَلِهَذَا صَارَ مَنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ مُدَبَّرًا دُونَ الْآخَرِ، وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا إيجَابُ عِتْقٍ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ حَتَّى اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَالْوَصِيَّةُ إنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا حَالَ الْمَوْتِ أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَاسْتَحْدَثَ غَيْرَهُ يَتَنَاوَلهُمَا إذَا بَقِيَا فِي مِلْكِهِ إلَى الْمَوْتِ (الْمَمْلُوكُ) أَيْ لَفْظُ الْمَمْلُوكِ (لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ) ؛ لِأَنَّ مُتَنَاوَلَهُ الْمَمْلُوكُ الْمُطْلَقُ، وَالْحَمْلُ مَمْلُوكٌ تَبَعًا لِأُمِّهِ وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ إعْتَاقُهُ عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ وَجْهٍ وَاسْمُ الْمَمْلُوكِ يَتَنَاوَلُ الْأَنْفُسَ لَا الْأَعْضَاءَ (فَلَا يَعْتِقُ حَمْلُ جَارِيَةِ مَنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي ذَكَرٍ فَهُوَ حُرٌّ) قَيَّدَ بِالذَّكَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ عَتَقَتْ الْأُمُّ فَيَعْتِقُ الْحَمْلُ تَبَعًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: كَذَا) أَيْ يَعْتِقُ مَنْ فِي مِلْكِهِ دُونَ مَا سَيَمْلِكُهُ إذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ يَشْتَرِيهِ بَعْدَ الْحَلِفِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَمْلِكُهُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً يُقَالُ أَنَا أَمْلِكُ كَذَا وَكَذَا وَيُرَادُ بِهِ الْحَالُ وَلِذَا اُسْتُعْمِلَ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، وَفِي الِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ فَيَكُونُ مُطْلَقُهُ لِلْحَالِ فَكَانَ الْجَزَاءُ حُرِّيَّةَ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ الْيَمِينِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الْعِتْقُ) أَيْ فِي صُورَةِ قَوْلِهِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ مَنْ مَلَكَهُ مُذْ حَلَفَ فَقَطْ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ يَشْتَرِيهِ بَعْدَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّدْبِيرُ) أَيْ فِي صُورَةِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي مَنْ مَلَكَهُ مُذْ حَلَفَ فَقَطْ لَا مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْحَلِفِ فَاَلَّذِي كَانَ عِنْدَهُ مُدَبَّرٌ مُطْلَقٌ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ وَاَلَّذِي يَشْتَرِيهِ مُدَبَّرٌ مُقَيَّدٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِلْحَالِ) قَالَ الْكَمَالُ: وَوَجْهُ كَوْنِ كُلِّ مَمْلُوكٍ حَالًّا أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْوَصْفِ مِنْ اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ أَنَّ مَعْنَاهُ قَائِمٌ حَالَ التَّكَلُّمِ بِمَنْ نُسِبَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ قِيَامِهِ بِهِ أَوْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ لِاخْتِصَاصِ مَنْ جَرَتْ مَعْنَى مُتَعَلِّقِهَا إلَيْهِ بِهِ أَيْ بِمَعْنَى الْمُتَعَلِّقِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ فَلَزِمَ مِنْ التَّرْكِيبِ اخْتِصَاصُ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْمُتَّصِفِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ لِلْحَالِ وَهِيَ أَثَرُ مِلْكِهِ فَيَلْزَمُ قِيَامُ مِلْكِهِ فِي الْحَالِ ضَرُورَةَ اتِّصَافِهِ بِأَثَرِهَا فِي الْحَالِ وَإِلَّا ثَبَتَ الْأَثَرُ بِلَا مُؤَثِّرٍ (قَوْلُهُ: لَكِنْ بِمَوْتِهِ) أَيْ مَوْتِ الْمَوْلَى عَتَقَا مِنْ ثُلُثِهِ فَإِنْ خَرَجَا مِنْهُ فَبِهَا وَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا يُضْرَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ بِقِيمَتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَنْ الْكُلِّ أَيْ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لَا يَعْتِقُ مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ) لَيْسَ الظَّاهِرُ عَنْهُ بَلْ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي النَّوَادِرِ. . . إلَخْ، وَكَذَا فِي الْفَتْحِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عِتْقِ الْجَمِيعِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عَنْ الْكُلِّ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا صَارَ مَنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ مُدَبَّرًا) أَيْ فِي الْحَالِ دُونَ الْآخَرِ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا) أَيْ مَجْمُوعَ التَّرْكِيبِ لَا لَفْظَ أَمْلِكُهُ فَقَطْ، كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَالْوَصِيَّةُ إنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ إنَّمَا تَقَعُ مُعْتَبَرَةً فِي التَّعْلِيقِ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْوَصَايَا الْحَالَّةُ الْمُنْتَظَرَةُ، وَالْحَالَّةُ الرَّاهِنَةُ حَتَّى تَعَلَّقَتْ بِمَا كَانَ مَوْجُودًا وَمَا سَيَكُونُ لِلْمُوصِي (قَوْلُهُ: قَيَّدَ بِالذَّكَرِ. . . إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ: هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ مَمْلُوكٍ إمَّا لِذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ وَقَيْدُ التَّذْكِيرِ لَيْسَ جُزْءًا لِمَفْهُومٍ وَإِنْ كَانَ التَّأْنِيثُ جُزْءَ مَفْهُومِ مَمْلُوكَةٍ فَيَكُونُ مَمْلُوكٌ أَعَمَّ مِنْ مَمْلُوكَةٍ فَالتَّأْنِيثُ فِيهِ عَدَمُ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّأْنِيثِ لَا الدَّلَالَةُ عَلَى عَدَمِ التَّأْنِيثِ وَأَمَّا أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ اسْتَمَرَّ فِيهِ عَلَى الْأَعَمِّيَّةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ كَذَلِكَ اهـ
стр. 435
(وَ) الْمَمْلُوكُ (لَا) يَتَنَاوَلُ (الْمُكَاتَبَ) أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ يَدًا.
(بَابُ الْعِتْقِ عَلَى جُعْلٍ)
هُوَ بِالضَّمِّ مَا يُجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ يَفْعَلُهُ وَكَذَا الْجِعَالَةُ بِالْكَسْرِ (أَعْتَقَ) عَبْدَهُ (عَلَى مَالٍ أَوْ بِهِ) بِأَنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ (فَقَبِلَ) الْعَبْدُ (عَتَقَ) ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ وَلَوْ بِغَيْرِ الْمَالِ إذْ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَمُقْتَضَى الْمُعَاوَضَةِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِقَبُولِ الْعِوَضِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِذَا قَبِلَ صَارَ حُرًّا (وَالْمَالُ) الَّذِي شُرِطَ (دَيْنٌ) صَحِيحٌ (عَلَيْهِ) لِكَوْنِهِ دَيْنًا عَلَى حُرٍّ (حَتَّى يَكْفُلَ بِهِ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَمَا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِهِ (بِخِلَافِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ) حَيْثُ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ قِيَامُ الرِّقِّ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمَالُ يَتَنَاوَلُ النَّقْدَ وَالْعَرْضَ وَالْحَيَوَانَ وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُعَاوَضَةَ الْمَالِ بِغَيْرِهِ شَابَهَ النِّكَاحَ، وَالطَّلَاقَ وَالصُّلْحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَكَذَا الطَّعَامَ، وَالْمَكِيلَ، وَالْمَوْزُونَ إذَا عُلِمَ جِنْسُهُ وَلَا تَضُرُّهُ جَهَالَةُ الْوَصْفِ؛ لِأَنَّهَا يَسِيرَةٌ (الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِالْأَدَاءِ) بِأَنْ قَالَ مَوْلَاهُ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتَ حُرٌّ (مَأْذُونٌ) أَيْ عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ الْمَالِ (لَا مُكَاتَبٌ) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ وَإِنَّمَا صَارَ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى رَغَّبَهُ فِي الِاكْتِسَابِ بِطَلَبِهِ الْأَدَاءَ مِنْهُ وَمُرَادُهُ التِّجَارَةُ لَا التَّكَدِّي فَكَانَ إذْنًا لَهُ دَلَالَةٌ (فَجَازَ بَيْعُهُ) أَيْ إذَا كَانَ عَبْدًا مَأْذُونًا مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِالْأَدَاءِ لَا مُكَاتَبًا جَازَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَبِيعَهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ (وَلَا يَكُونُ) الْعَبْدُ (أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ) حَتَّى جَازَ لِلْمَوْلَى أَخْذُهَا مِنْهُ بِلَا رِضَاهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ (وَلَا يَسْرِي) أَيْ حُكْمُهُ (إلَى) الْوَلَدِ (الْمَوْلُودِ قَبْلَ الْأَدَاءِ) كَمَا يَسْرِي فِي الْمُكَاتَبِ (وَعَتَقَ) الْعَبْدُ (بِأَدَاءِ كُلِّهِ) لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِهِ (وَلَوْ) كَانَ أَدَاؤُهُ (بِالتَّخْلِيَةِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْلَى يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَحْضَرَ الْمَالَ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمَوْلَى مِنْ قَبْضِهِ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَالِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ وَنَزَّلَهُ قَابِضًا وَحُكِمَ بِعِتْقِ الْعَبْدِ قَبَضَ أَوْ لَا (وَبِبَعْضِهِ لَا) أَيْ بِأَدَاءِ بَعْضِ الْمَالِ لَا يَعْتِقُ لِانْتِفَاءِ الْمُعَلَّقِ بِهِ (وَلَوْ أُجْبِرَ) الْمَوْلَى (عَلَى الْقَبُولِ) اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ (فَإِنْ كَانَ) الْمَالُ الَّذِي أَدَّاهُ (مِمَّا كَسَبَهُ قَبْلَ التَّعْلِيقِ رَجَعَ بِهِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَلَا الْمُكَاتَبُ) قَالَ الْكَمَالُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَلَا يَدْخُلُ الْمَمْلُوكُ الْمُشْتَرَكُ كَالْجَنِينِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُمْ وَلَا عَبِيدُ عَبْدِهِ التَّاجِرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَعْتِقُونَ نَوَاهُمْ أَوْ لَا عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَتَقُوا إذَا نَوَاهُمْ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْتِقُوا وَلَوْ نَوَاهُمْ اهـ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْعِتْقِ عَلَى جُعْلٍ]
(قَوْلُهُ: الْجُعْلُ مَا يُجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ. . . إلَخْ) كَذَا الْجَعِيلَةُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْجِعَالَةُ بِالْكَسْرِ) ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي دِيوَانِ الْأَدَبِ بِالْفَتْحِ فَيَكُونُ فِيهِ وَجْهَانِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: الْجَعَائِلُ جَمْعُ جَعِيلَةٍ أَوْ جَعَالَةٍ بِالْحَرَكَاتِ بِمَعْنَى الْجُعْلِ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَعْتَقَ عَلَى مَالٍ أَوْ بِهِ فَقَبِلَ الْعَبْدُ) يَعْنِي فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ أَوْ مَجْلِسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَ بِأَدَائِهِ كَمَا سَنَذْكُرُ وَلَيْسَ لَهُ الْقَبُولُ بَعْدَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ الْكُلَّ فَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي بَعْضِهِ.
وَقَالَا يَجُوزُ، وَيَعْتِقُ كُلُّهُ بِالْأَلْفِ بِنَاءً عَلَى تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ وَعَدَمِهِ، كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُعَاوَضَةَ الْمَالِ بِغَيْرِهِ شَابَهَ النِّكَاحَ) أَيْ فِي أَنَّ الْجَهَالَةَ الْيَسِيرَةَ مُغْتَفَرَةٌ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ مَوْلَاهُ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتَ حُرٌّ) فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ بِذَلِكَ إذْ جَمِيعُ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ وَقَيَّدَ الْجَوَابَ بِالْفَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَتَنَجَّزُ عِتْقُهُ إذَا قَالَهُ بِالْوَاوِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِحَرْفِ عَطْفٍ لِكَوْنِهِ ابْتِدَاءً لَا جَوَابًا، كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: مَأْذُونٌ) لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ هُنَا أَيْ فِيمَا إذَا عُلِّقَ عِتْقُهُ بِأَدَائِهِ إذْ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَبْطُلُ بِالرَّدِّ.
كَمَا فِي التَّبْيِينِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ. . . إلَخْ) بَقِيَ مَسَائِلُ أُخْرَى يُخَالِفُ فِيهَا الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ الْعَبْدُ وَتَرَكَ مَالًا لَا يُؤَدَّى مِنْهُ عَنْهُ، وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ وَفِي يَدِ الْعَبْدِ كَسْبٌ يُبَاعُ وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً وَأَدَّتْ لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا تَبَعًا، وَلَوْ حَطَّ عَنْهُ الْمَوْلَى بَعْضَ الْبَدَلِ وَأَدَّى الْبَاقِيَ لَا يَعْتِقُ وَيُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ إنْ عَلَّقَ بِأَنْ فَلَوْ أَعْرَضَ أَوْ أَخَذَ فِي عَمَلٍ آخَرَ فَأَدَّى لَا يَعْتِقُ وَلِلْمَوْلَى أَخْذُ مَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ كَسْبِهِ قَبْلَ أَدَاءِ بَدَلِهِ، وَإِذَا فَضَلَ عَنْ بَدَلِهِ شَيْءٌ بَعْدَ أَدَائِهِ أَخَذَهُ الْمَوْلَى كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَزَادَ صَاحِبُ الْبَحْرِ مَا إذَا قَالَ سَيِّدُهُ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فِي كِيسٍ أَبْيَضَ فَأَدَّاهَا فِي أَسْوَدَ لَا يَعْتِقُ وَإِذَا قَيَّدَ أَدَّاهُ بِشَهْرٍ وَأَدَّاهُ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَعْتِقْ وَفِي الْمُكَاتَبِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِالْحُكْمِ أَوْ التَّرَاضِي، وَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْأَدَاءِ فَأَدَّى لَا يَعْتِقُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أُجْبِرَ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ) ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِيضَاحِ: وَهُوَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْأَوْجَهُ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ قَبُولِ الْكُلِّ لِتَحَقُّقِ شَرْطِ الْعِتْقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَعْضُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجَزُ عَنْ الْأَدَاءِ دَفْعَةً وَمَا تَحَمَّلَ مَشَقَّةَ الِاكْتِسَابِ إلَّا لِذَلِكَ الْغَرَضِ.
كَذَا فِي الْفَتْحِ
стр. 436
مِلْكُ الْمَوْلَى (وَلَوْ) كَانَ مِمَّا كَسَبَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ التَّعْلِيقِ (لَا) يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ مِنْ جِهَتِهِ بِالْأَدَاءِ مِنْهُ (وَعَتَقَ فِي حَالَيْهِ) أَيْ حَالَ أَدَائِهِ مِنْ كَسْبِهِ قَبْلَ التَّعْلِيقِ أَوْ بَعْدَهُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ (فَإِنْ عَلَّقَ) الْمَوْلَى (بِأَنْ) قَالَ إنْ أَدَّيْت. . . إلَخْ (تَقَيَّدَ أَدَاؤُهُ) أَيْ أَدَاءُ الْعَبْدِ أَوْ أَدَاءُ الْمَالِ (بِالْمَجْلِسِ) فَإِنْ أَدَّى فِيهِ عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ كَمَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ (وَبِإِذَا لَا) يَتَقَيَّدُ بِهِ، لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ كَمَتَى كَمَا مَرَّ.
(قَالَ) الْمَوْلَى (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِأَلْفٍ إنْ قَبِلَ) الْعَبْدُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ عَتَقَ بِهِ) أَيْ بِالْأَلْفِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْعَبْدُ الْعِتْقَ بِالْأَلْفِ بَعْدَهُ أَوْ قَبِلَ وَلَمْ يُعْتِقْهُ الْوَارِثُ (فَلَا) أَيْ لَا يَعْتِقُ بِالْأَلْفِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُعْتِقَهُ الْوَارِثُ مَجَّانًا اُعْتُبِرَ الْقَبُولُ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعِتْقِ أُضِيفَ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْقَبُولِ قَبْلَ وُجُودِ الْإِيجَابِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا إنْ شِئْتِ حَيْثُ لَا يُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا قَبْلَ غَدٍ وَاعْتُبِرَ إعْتَاقُ الْوَارِثِ حَتَّى أَنَّ الْعَبْدَ إنْ قَبِلَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُعْتِقْهُ الْوَارِثُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ بِالْمَوْتِ فَفِي مِثْلِهِ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِإِعْتَاقِ الْوَارِثِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ تَعَلَّقَ بِنَفْسِ الْمَوْتِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إعْتَاقُ أَحَدٍ.
(حَرَّرَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً فَقَبِلَ عَتَقَ) ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ عَلَى شَيْءٍ يَقْتَضِي وُجُودَ الْقَبُولِ لَا وُجُودَ الْمَقْبُولِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي كَذَا سَنَةً وَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ خَدَمْتنِي كَذَا مُدَّةً فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَخْدُمَهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، وَالْأَوَّلُ مُعَاوَضَةٌ (وَلَزِمَتْهُ) أَيْ لَزِمَتْ الْخِدْمَةُ الْعَبْدَ إذَا سَلَّمَ لَهُ الْمُبْدَلَ فَلَزِمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْبَدَلِ (فَإِنْ مَاتَ هُوَ) أَيْ الْعَبْدُ (أَوْ مَوْلَاهُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْخِدْمَةِ (تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَيْهِ) وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْعَبْدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ فِي الْمُدَّةِ (كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْهُ بِعَيْنٍ فَهَلَكَتْ) الْعَيْنُ (تَجِبُ قِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْخِلَافِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى خِلَافِيَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: بِعْت نَفْسَك مِنْك بِهَذِهِ الْعَيْنِ فَهَلَكَتْ الْعَيْنُ تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ عِنْدَهُمَا وَقِيمَةُ الْعَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لَهُ أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّهِ إذْ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ لَا بِقِيمَةِ الْبُضْعِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَكَذَا الْمَنَافِعُ صَارَتْ مَالًا بِإِيرَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَبَاهُ بِأَمَةٍ فَهَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْأَبِ لَا بِقِيمَةِ الْأَمَةِ.
(قَالَ) رَجُلٌ لِمَوْلَى أَمَةٍ (اعْتِقْهَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيهَا إنْ فَعَلَ) أَيْ أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى (وَأَبَتْ) أَيْ امْتَنَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى النِّكَاحِ (عَتَقَتْ) الْأَمَةُ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَدَلِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ فِي الطَّلَاقِ لَا الْعَتَاقِ كَمَا مَرَّ (وَلَوْ ضَمَّ) الْقَائِلُ (عَنِّي) وَقَالَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَوْ أَدَاءُ الْمَالِ بِالْمَجْلِسِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ وَفَاعِلُهُ الْعَبْدُ لِاخْتِصَاصِ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ، لِمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْأَدَاءِ فَأَدَّى لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَدَاؤُهُ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَدَاءِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ حَقِيقَةً فِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْمُعَاوَضَةُ وَحُصُولُ الْبَدَلِ هُوَ الْمَقْصُودُ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ) كَذَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَنْ الْمَشَايِخِ لَا يَعْتِقْ مَا لَمْ يُعْتِقْهُ الْوَرَثَةُ وَزَادَ غَيْرُهُ أَوْ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَاضِي إنْ امْتَنَعُوا وَتَوَقَّفَ عِتْقُهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ هُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ يَعْتِقُ بِلَا إعْتَاقٍ، وَالْوَارِثُ يَمْلِكُ عِتْقَهُ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا، وَالْوَصِيُّ يَمْلِكُهُ تَنْجِيزًا فَقَطْ وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْوَارِثُ عَنْ كَفَّارَةٍ عَلَيْهِ وَقَعَ عَنْ الْمَيِّتِ لَا عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَالْوَلَاءُ لِلْمَيِّتِ لَا لِلْوَارِثِ مِنْ الْفَتْحِ، وَالْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي هَذِهِ الْخِلَافِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى خِلَافَتِهِ أُخْرَى) قَالَ الْكَمَالُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ بِنَاءَ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ بَلْ الْخِلَافُ فِيهِمَا مَعًا ابْتِدَائِيٌّ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ خَدَمْتنِي كَذَا مُدَّةً. . . إلَخْ) قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ إنْ عَلَّقَ بِإِنْ تَقَيَّدَ أَدَاؤُهُ بِالْمَجْلِسِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ أَدَاءَ الْمَالِ مُمْكِنٌ فِي الْمَجْلِسِ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ، وَالْخِدْمَةُ سَنَةً لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا فِيهِ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلَوْ عَلَّقَهَا بِإِنْ فَلْيُنْظَرْ.
(قَوْلُهُ: وَأَبَتْ) أَيْ امْتَنَعَتْ الْأَمَةُ عَنْ النِّكَاحِ عَتَقَتْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَلَا يَلْزَمُهَا تَزَوُّجُهُ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا بِالْعِتْقِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَدَلِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ فِي الطَّلَاقِ لَا فِي الْعَتَاقِ) قَالَ الْكَمَالُ: لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ فِي الْخُلْعِ كَالْمَرْأَةِ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مِلْكٌ مَا لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُهُ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ فِيهِ قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ هِيَ مِلْكُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ الْعِوَضُ إلَّا عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ الْمُعَوَّضُ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: يَعْنِي فِي خُلْعِ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْعِتْقِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ اهـ
стр. 437
اعْتِقْهَا عَنِّي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيهَا (قُسِّمَ) الْأَلْفُ (عَلَى قِيمَتِهَا وَمَهْرِ مِثْلِهَا فَحِصَّةُ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ وَحِصَّةُ الْمَهْرِ تَسْقُطُ) فَمَا أَصَابَ الْقِيمَةَ أَدَّاهُ الْآمِرُ وَمَا أَصَابَ الْمَهْرَ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ عَنِّي تَضَمَّنَ الشِّرَاءَ اقْتِضَاءً كَمَا مَرَّ فِي آخِرِ بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَابَلَ الْأَلْفَ بِالرَّقَبَةِ شِرَاءً وَبِالْبُضْعِ نِكَاحًا فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا وَوَجَبَ عَلَيْهِ حِصَّةُ مَا سَلَّمَ لَهُ وَهُوَ الرَّقَبَةُ وَبَطَلَ عَنْهُ حِصَّةُ مَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَهُوَ الْبُضْعُ وَلَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعِتْقِ عَنْهُ فَيَكُونُ مُدْرَجًا فِيهِ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهُ بَلْ شَرَائِطُ الْمُقْتَضَى وَهُوَ الْعِتْقُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ حِصَّتُهُ مِنْ الْأَلْفِ الْمُسَمَّى وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ فَلَوْ لَمْ تَأْبَ الْأَمَةُ بَلْ (تَزَوَّجَتْ) مِنْ الْقَائِلِ (فَمَهْرُهَا حِصَّةُ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْأَلْفِ وَهُوَ ثُلُثُ الْأَلْفِ (فِي صُورَتَيْ الضَّمِّ) أَيْ ضَمِّ عَنِّي (وَتَرْكِهِ) وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا فَزَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا كَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَصْلُحُ لِلْمَهْرِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَنَكَحَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا مَهْرَهَا قُلْنَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَخْصُوصًا بِالنِّكَاحِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَإِنْ أَبَتْ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَإِنْ فَعَلَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَإِنْ أَبَى فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
(بَابُ التَّدْبِيرِ) هُوَ لُغَةً النَّظَرُ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَكَأَنَّ الْمَوْلَى نَظَرَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ فَأَخْرَجَ عَبْدَهُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بَعْدَهُ وَشَرْعًا يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْ لَفْظِ التَّدْبِيرِ، وَالْمُدَبَّرِ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِرَاكَهُ بَيْنَهُمَا مَعْنَوِيٌّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظِيَّ يَحْتَاجُ إلَى تَعَدُّدِ الْوَضْعِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ بِلَا دَلِيلٍ وَلَيْسَ فَلَيْسَ فَلَا بُدَّ هَاهُنَا مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ أَوَّلًا ثُمَّ تَقْسِيمِهِ إلَى ذَيْنِك الْقِسْمَيْنِ وَبَيَانِ أَحْكَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا وَقَعَ هَاهُنَا حَيْثُ قُلْت (هُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ) أَيْ تَعْلِيقُ الْمَوْلَى عِتْقَ مَمْلُوكِهِ بِالْمَوْتِ سَوَاءً كَانَ مَوْتَهُ أَوْ مَوْتَ غَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ ثُمَّ قَسَمْته إلَى قِسْمَيْنِ وَبَيَّنْت أَحْكَامَهُمَا.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ اشْتِرَاكِهِ مَعْنَوِيًّا قَوْلُ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ: التَّدْبِيرُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِتْقِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: قُسِّمَ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَتِهَا وَمَهْرِ مِثْلِهَا) طَرِيقُ الْقِسْمَةِ أَنْ تُضَمَّ قِيمَةُ الْأَمَةِ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَتُقَسَّمُ عَلَيْهِمَا الْأَلْفُ الَّتِي اشْتَرَطَهَا الْأَجْنَبِيُّ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَى الْقِيمَةُ وَمَهْرُ الْمِثْلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الَّذِي سَمَّاهُ لِلْمَوْلَى وَيَسْقُطُ عَنْهُ النِّصْفُ وَإِمَّا أَنْ يَتَفَاوَتَا بِأَنْ كَانَ قِيمَتُهَا مَثَلًا أَلْفَيْنِ وَمَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا فَيَجِبُ لِلْمَوْلَى ثُلُثُ الْأَلْفِ وَسَقَطَ ثُلُثَاهَا وَهَكَذَا مِثْلَ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَمَهْرُهَا أَلْفًا يَجِبُ رُبْعُ الْأَلْفِ كَمَا يُعْلَمُ بِفَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ تَأْبَ الْأَمَةُ فَمَهْرُهَا حِصَّةُ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْهُ) أَيْ وَيَجِبُ لَهَا دُونَ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ بُضْعِهَا وَقَدْ مَلَكَتْهُ بِالْإِعْتَاقِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ثُلُثُ الْأَلْفِ) لَا يَكُونُ لَهَا ثُلُثُ الْأَلْفِ إلَّا فِي صُورَةِ مَا إذَا كَانَ قِيمَتُهَا أَلْفَيْنِ وَمَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا أَمَّا إذَا تَسَاوَى الْقِيمَةُ وَمَهْرُ الْمِثْلِ فَيَكُونُ لَهَا نِصْفُ الْأَلْفِ وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَمَهْرُ الْمِثْلِ أَلْفًا وَجَبَ لَهَا رُبْعُ الْأَلْفِ فَلَا يَخْتَصُّ بِمَا قَيَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فَكَانَ تَرْكُهُ مِمَّا يَنْبَغِي (قَوْلُهُ: فِي صُورَتَيْ الضَّمِّ أَيْ ضَمِّ عَنِّي وَتَرْكِهِ) لَكِنَّهُ فِي صُورَةِ الضَّمِّ يَسْتَحْقِقُ الْمَوْلَى مَا يَخُصُّ الْقِيمَةَ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْقَائِلِ فِي تَرْكِهِ الضَّمَّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا) شَامِلٌ لِلْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ دُونَ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ أَبَتْ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لَا يَشْمَلُ أُمَّ الْوَلَدِ لِمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: أُمُّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ فَقَبِلَتْ عَتَقَتْ فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ لَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا. اهـ.
[بَابُ التَّدْبِيرِ]
(قَوْلُهُ: وَشَرْعًا يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْ لَفْظِ التَّدْبِيرِ، وَالْمُدَبَّرِ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ) خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ عَامَّةِ أَئِمَّتِنَا حَيْثُ قَصَرُوهُ شَرْعًا عَلَى الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي الْمُقَيَّدِ كَمَا قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ: التَّدْبِيرُ شَرْعًا الْعِتْقُ الْمُوقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْمَمْلُوكِ مُعَلَّقًا بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى اهـ.
وَلَمَّا كَانَتْ عِبَارَةُ الْمَبْسُوطِ تُخَالِفُ ذَلِكَ اعْتَرَضَهَا الزَّيْلَعِيُّ وَالْعَيْنِيُّ حَيْثُ قَالَا بَعْدَ سِيَاقِهِمَا: قَوْلُ الْكَنْزِ هُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ أَيْ مَوْتِ الْمَالِكِ،.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: التَّدْبِيرُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِتْقِ الْمُوقَعِ فِي الْمَمْلُوكِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَالِكِ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَيْ صَاحِبُ الْكَنْزِ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُدَبَّرُ الْمُقَيَّدُ بِأَنْ قَالَ: إنْ مِتّ مِنْ سَفَرِي أَوْ مَرَضِي هَذَا أَوْ مَرَضِي كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ وَاحْتَرَزَ الشَّيْخُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ اهـ.
فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ شَرْعًا لَيْسَ إلَّا لِلْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ فِي الْمُقَيَّدِ لَمْ تُعْقَدْ فِي الْحَالِ لِلتَّرَدُّدِ فِي وُقُوعِ تِلْكَ الصِّفَةِ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ إلَّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاةِ سَيِّدِهِ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّفَةِ فَإِنَّ ذَاكَ يَصِيرُ مُدَبَّرًا وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ إذَا انْتَفَى مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْعَدَمِ بَقِيَ تَعْلِيقًا كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مَوْتَهُ أَوْ مَوْتَ غَيْرِهِ) يُعَارِضُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَحْرِ خَرَجَ بِتَعْلِيقِهِ بِمَوْتِهِ تَعْلِيقُهُ بِمَوْتِ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: إنْ مَاتَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا أَصْلًا لَا مُطْلَقًا وَلَا مُقَيَّدًا فَإِذَا مَاتَ فُلَانٌ عَتَقَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ اشْتِرَاكِهِ مَعْنَوِيًّا قَوْلُ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ) عَلِمْت اعْتِرَاضَ الزَّيْلَعِيِّ وَالْعَيْنِيِّ عَلَيْهِ وَأَنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الْكَنْزِ أَحْسَنُ فَالِاعْتِرَاض عَلَى الْكَنْزِ وَشَارِحِهِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ
стр. 438
الْوَاقِعِ فِي الْمَمْلُوكِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَالِكِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَ الْكَنْزِ هُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ، وَقَوْلَ شَارِحِهِ الزَّيْلَعِيِّ احْتَرَزَ الشَّيْخُ عَنْ الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ بِقَوْلِهِ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَلَفْظَ الْوِقَايَةِ مَنْ أَعْتَقَ عَنْ دُبُرٍ مُطْلَقًا وَقَوْلَ شَارِحِهِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ إنَّمَا قَالَ: مُطْلَقًا احْتِرَازًا عَنْ الْمُقَيَّدِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي نَعَمْ يَرِدُ عَلَى الْمَبْسُوطِ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَالِك لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي لِخُرُوجِ الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِ الْغَيْرِ عَنْ الْمُقَيَّدِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ كَلَامُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَمَا ذُكِرَ نَادِرُ الْوُقُوعِ.
(وَهُوَ إمَّا مُطْلَقٌ كَإِذَا مِتّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَمُوتُ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ دَبَّرْتُك أَوْ) أَنْتَ (حُرٌّ إنْ مِتّ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ) أَيْ إنْ مِتّ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ (وَغَلَبَ مَوْتُهُ قَبْلَهَا) بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ ثَمَانِينَ سَنَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُقَيَّدٌ، وَفِي الْمَعْنَى مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ الْمُطْلَقِ بِقَوْلِهِ (فَلَا يُرْهَنُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْمِلْكِ) بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (إلَّا بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْكِتَابَةِ) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ انْتِقَالُهُ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ (وَيُسْتَخْدَمُ وَيُسْتَأْجَرُ) ، وَالْأَمَةُ تُوطَأُ وَتُنْكَحُ، وَالْمَوْلَى أَحَقُّ بِكَسْبِهِ وَأَرْشِهِ وَمَهْرِ الْمُدَبَّرَةِ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْجُمْلَةِ (وَبِمَوْتِهِ) أَيْ مَوْتِ الْمَوْلَى (يَعْتِقُ) الْمُدَبَّرُ (مِنْ الثُّلُثِ، وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ إنْ لَمْ يَتْرُكْ) الْمَوْلَى (غَيْرَهُ) مِنْ الْمَالِ (وَلَهُ وَارِثٌ) أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ لِلْمَوْلَى وَارِثًا (وَلَمْ يُجِزْهُ) أَيْ التَّدْبِيرَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْ كَانَ لَكِنَّهُ أَجَازَهُ يَعْتِقُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَيُقَدَّمُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَيَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ.
(وَ) يَسْعَى (فِي كُلِّهِ) أَيْ كُلِّ قِيمَتِهِ (لَوْ) كَانَ الْمَوْلَى (مَدْيُونًا) وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُ الْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ.
(وَوَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا (وَإِمَّا مُقَيَّدٌ) عَطْفٌ عَلَى إمَّا مُطْلَقٌ (كَأَنْ مِتّ فِي سَفَرِي هَذَا أَوْ مَرَضِي هَذَا أَوْ مَاتَ فُلَانٌ أَوْ مِتّ إلَى سَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) أَيْ عَشْرِ سِنِينَ مَثَلًا (مِمَّا يَقَعُ غَالِبًا) هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ مِمَّا يُمْكِنُ غَالِبًا (فَيُبَاعُ وَيُوهَبُ وَيُرْهَنُ) فَإِنَّ الْمَوْتَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لَيْسَ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ فَلَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا فِي الْحَالِ وَإِذَا انْتَفَى مَعْنَى السَّبِيَّةِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْعَدَمِ بَقِيَ تَعْلِيقًا كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ فَلَا يُمْنَعُ الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ (وَيَعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ) ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَمَّا صَارَتْ مُتَعَيَّنَةً فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَاةِ أَخِذَ حُكْمَ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ لِوُجُودِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَوْتِ وَزَوَالِ التَّرَدُّدِ.
(صَحِيحٌ قَالَ) لِعَبْدِهِ (أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَمَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ عَتَقَ مِنْ كُلِّ مَالِهِ) يَعْنِي رَجُلٌ صَحِيحٌ قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذَا الْكَلَامَ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْتِقُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: نَعَمْ يَرِدُ عَلَى الْمَبْسُوطِ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَالِكِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي لِخُرُوجِ الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِ الْغَيْرِ عَنْ الْمُقَيَّدِ) الْإِيرَادُ سَاقِطٌ بِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ أَنَّ الْمُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمَوْتِ غَيْرِ سَيِّدِهِ لَيْسَ مُدَبَّرًا أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَمُوتُ) هَذَا إذْ لَمْ يَنْوِ النَّهَارَ فَقَطْ إذْ لَوْ نَوَاهُ دُونَ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ بِاللَّيْلِ، كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَنْتَ حُرٌّ إنْ مِتّ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ. . . إلَخْ) هَذَا عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلتَّوْقِيتِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى طُولِ الْمُدَّةِ أَوْ قِصَرِهَا كَمَا فِي التَّوْقِيتِ فِي النِّكَاحِ، وَالْمُخْتَارُ هُوَ الْأَوَّلُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْهِدَايَةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ كَالْكَائِنِ لَا مَحَالَةَ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَالْمُصَنِّفُ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ كَالْمُتَنَاقِضِ فَإِنَّهُ فِي النِّكَاحِ اعْتَبَرَهُ تَوْقِيتًا وَأَبْطَلَ بِهِ النِّكَاحَ وَهُنَا جَعَلَهُ تَأْبِيدًا مُوجِبًا لِلتَّدْبِيرِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ اعْتَبَرَهُ تَوْقِيتًا لِلنَّهْيِ عَنْ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ فَالِاحْتِيَاطُ فِي مَنْعِهِ تَقْدِيمًا لِلْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُبِيحِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الصُّورَةِ يُحَرِّمُهُ وَإِلَى الْمَعْنَى يُبِيحُهُ وَأَمَّا هُنَا فَنُظِرَ إلَى التَّأْبِيدِ الْمَعْنَوِيِّ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ فَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ فَلَا تَنَاقُضَ وَلِذَا كَانَ هُوَ الْمُخْتَارَ وَإِنْ كَانَ الْوَلْوَالِجِيِّ جَزَمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ مُطْلَقٍ تَسْوِيَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْجُمْلَةِ) فِيهِ تَأَمُّلٌ لِعِتْقِهَا بِقَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ (قَوْلُهُ: وَيَسْعَى فِي كُلِّهِ لَوْ مَدْيُونًا) يَعْنِي مُسْتَغْرِقًا رَقَبَةَ الْمُدَبَّرِ أَمَّا لَوْ كَانَ دُونَهُ فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الدَّيْنِ ثُلُثُهَا وَصِيَّةٌ وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ الزِّيَادَةِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَيَانُ قِيمَةِ الْمُدَبَّرِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُ الْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدَّ قِيمَتِهِ) يَعْنِي لِوُجُودِ الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ بِوُجُودِ شَرْطِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عِتْقُهُ عَلَى أَدَاءِ السِّعَايَةِ وَتَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ، وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْأَرِقَّاءِ إلَى أَدَاءِ السِّعَايَةِ لَمْ يُحَرِّرْ الْحُكْمَ وَلَنَا فِيهِ رِسَالَةٌ سَمَّيْتهَا " إيقَاظُ ذَوِي الدِّرَايَةِ لِوَصْفِ مَنْ كُلِّفَ السِّعَايَةَ ".
(قَوْلُهُ: وَوَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ) يَعْنِي الْمُدَبَّرَةَ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا أَمَّا وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مُقَيَّدًا فَلَا يَكُونُ مُدَبَّرًا، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ) يَعْنِي الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: أَوْ مَاتَ فُلَانٌ) قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدَبَّرًا أَصْلًا بَلْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِشَرْطٍ (قَوْلُهُ: وَيُعْتَقُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ) شَامِلٌ لِتَعْلِيقِهِ عِتْقَهُ بِمَوْتِ فُلَانٍ كَمَا ذَكَرَهُ وَإِذَا مَاتَ فُلَانٌ، وَالسَّيِّدُ حَيٌّ كَيْفَ يُحْكَمُ بِالْعِتْقِ مِنْ الثُّلُثِ.
стр. 439
مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَنِدُ إلَى أَوَّلِ الشَّهْرِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَهُوَ كَانَ صَحِيحًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَلَوْ مَاتَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ شَهْرٍ (لَمْ يَعْتِقْ) ؛ لِأَنَّهُ مُدَبَّرٌ مُقَيَّدٌ، وَالْقَيْدُ لَمْ يُوجَدْ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَمَاتَ بَعْدَهُ) لَا يَعْتِقُ بِالْمَوْتِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْمَوْلَى لِلْإِعْتَاقِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِهِ (بَلْ يَعْتِقُهُ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ أَوْ الْقَاضِي) لِانْتِقَالِ الْوِلَايَةِ بَعْدَهُ إلَيْهِمْ، كَذَا فِي التُّحْفَةِ (قِيمَةُ) الْمُدَبَّرِ (الْمُطْلَقِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لَوْ) كَانَ (قِنًّا، وَالْمُقَيَّدُ يُقَوَّمُ قِنًّا) اخْتَلَفُوا فِي قِيمَةِ الْمُدَبَّرِ قِيلَ قِيمَتُهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ قِنًّا، وَقِيلَ ثُلُثَا قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ قِنًّا وَقِيلَ يُنْظَرُ بِكَمْ يُسْتَخْدَمُ مُدَّةَ عُمْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْحَزْرُ وَالظَّنُّ فَيُجْعَلَ قِيمَتَهُ ذَلِكَ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: نِصْفُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ قِنًّا وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ؛ لِأَنَّ لِلَّقِنِ مَنْفَعَتَيْنِ: مَنْفَعَةُ الْبَيْعِ وَمَا شَاكَلَهَا مِنْ التَّمْلِيكِ بِالدَّيْنِ وَالْأَمْهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: مَنْفَعَةُ الْإِجَارَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ، وَالتَّدْبِيرِ فَتَفُوتُ الْأُولَى وَتَبْقَى الثَّانِيَةُ فَتَكُونُ قِيمَتُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ قِنًّا وَلَوْ كَانَ التَّدْبِيرُ مُقَيَّدًا يُقَوَّمُ قِنًّا، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(بَابٌ الِاسْتِيلَادِ) هُوَ لُغَةً: طَلَبُ الْوَلَدِ، وَشَرْعًا: طَلَبُ الْمَوْلَى الْوَلَدَ مِنْ أَمَتِهِ بِالْوَطْءِ (أَمَةٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي لَمْ تُمْلَكْ (وَلَدَتْ مِنْ مَوْلَاهَا بِإِقْرَارِهِ) أَيْ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى بِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ (وَلَوْ) كَانَ إقْرَارُهُ حَالَ كَوْنِهَا (حَامِلًا) بِأَنْ يَقُولَ: حَمْلُ هَذِهِ الْأَمَةِ مِنِّي (أَوْ) وَلَدَتْ (مِنْ زَوْجِهَا) بِأَنْ زَوَّجَهَا الْمَوْلَى مِنْ رَجُلٍ فَوَلَدَتْ مِنْهُ (فَاشْتَرَاهَا) الزَّوْجُ (لَمْ تُمْلَكْ) أَيْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً مِلْكًا تَامًّا وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا الْمِلْكُ فِي الْجُمْلَةِ (وَحُكْمُهَا) أَيْ حُكْمُ الْمُسْتَوْلَدَةِ (كَالْمُدَبَّرَةِ) ، وَقَدْ مَرَّ (لَكِنَّهَا) أَيْ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسْتَوْلَدَةَ (تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ مِنْ الْكُلِّ) ، وَالْمُدَبَّرَةَ مِنْ الثُّلُثِ (وَلَمْ تَسْعَ لِدَيْنِهِ) ، وَالْمُدَبَّرَةُ تَسْعَى (فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِلَا دَعْوَةٍ) إذْ بِدَعْوَةِ الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الْوَلَدُ مَقْصُودًا مِنْهَا فَصَارَتْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعِتْقَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَنِدُ إلَى أَوَّلِ شَهْرٍ قَبْلَ الْمَوْتِ. . . إلَخْ) كَذَا عَلَّلَهُ الْكَمَالُ وَيُوَضِّحُهُ مَا قَالَهُ أَيْ الْكَمَالُ فِي بَابِ الِاسْتِيلَادِ: التَّدْبِيرُ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ فِي الْحَالِ وَثُبُوتُ سَبَبِيَّتِهِ فِي الْحَالِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ لِضَرُورَةٍ هِيَ أَنَّ تَأْخِيرَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّعْلِيقَاتِ يُوجِبُ بُطْلَانَهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ زَمَانُ زَوَالِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَلَا يَتَأَخَّرُ سَبَبِيَّةُ كَلَامِهِ إلَيْهِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ) نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْهَا أَيْضًا ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ إذَا مَضَى شَهْرٌ فَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ إذَا مَضَى شَهْرٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى لَا يَكُونُ مُدَبَّرًا وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَمْ يُذْكَرْ الْخِلَافُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَذَكَرَ وَجْهَهُ (قُلْت) وَيُقَيَّدُ صِحَّةُ بَيْعِهِ بِأَنْ يَعِيشَ الْمَوْلَى بَعْدَ الْبَيْعِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ لِيَنْتَفِيَ الْمَحَلُّ لِلْعِتْقِ حَالَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَلِيهَا مَوْتُ الْمَوْلَى تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَمَاتَ بَعْدَهُ) لَفْظَةُ بَعْدَهُ زَائِدَةٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا (قَوْلُهُ: بَلْ يُعْتِقُهُ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ أَوْ الْقَاضِي) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَيُعْتِقُهُ الْقَاضِي إذَا امْتَنَعَ الْوَارِثُ.
(قَوْلُهُ: قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ قِنًّا) هُوَ الْمُخْتَارُ، كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ وَاخْتَارَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ ثُلُثَا قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ قِنًّا) هُوَ الْمُفْتَى بِهِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ أَيْضًا.
[بَابٌ الِاسْتِيلَادِ]
سَبَبُهُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ ثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدِ شَرْعًا.
وَقَالَ زُفَرُ: ثُبُوتُ النَّسَبِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ثَبَتَ شَرْعًا أَوْ حَقِيقَةً فَلَوْ مَلَكَ مَنْ أَقَرَّ بِأُمُومَةِ وَلَدِهَا مِنْ زِنًا بِهَا وَصَدَّقَهُ مَوْلَاهَا لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدِهِ عِنْدَنَا وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ تَصِيرُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الْوَلَدَ عَتَقَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: هُوَ لُغَةً طَلَبُ الْوَلَدِ) أَيْ مُطْلَقًا، وَأُمُّ الْوَلَدِ تَصْدُقُ لُغَةً عَلَى الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ لَهَا وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ وَغَيْرُ ثَابِتِ النَّسَبِ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا طَلَبُ الْمَوْلَى الْوَلَدَ مِنْ أَمَتِهِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الْعُمُومِ إلَى الْخُصُوصِ كَالتَّيَمُّمِ، وَالْحَجِّ وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ أَمَتِهِ وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْمُشْتَرَكَةِ وَمَنْ وَلَدَتْ بِنِكَاحٍ فَمَلَكَهَا كَذَلِكَ نَظَرًا لِلْغَالِبِ وَلِحَمْلِ الْحَالِ عَلَى الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ هِيَ الَّتِي ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْ مَالِكِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا.
(قَوْلُهُ: بِإِقْرَارِهِ) شَامِلٌ لِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لَكِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ وَلَا بِهَا حَمْلٌ مِنْهُ تَعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ، كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: لَمْ تُمْلَكْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: أَيْ لَا يَجُوزُ تَمْلِيكُهَا وَهُوَ الصَّوَابُ خِلَافُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَيْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً مِلْكًا تَامًّا وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا الْمِلْكُ فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنَاقِضُهُ مَا قَدَّمَهُ فِي كِتَابِ الْإِعْتَاقِ أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا كَامِلٌ وَهُوَ الصَّوَابُ وَكَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ لَفْظَ الْمَمْلُوكِ يَتَنَاوَلُ أُمَّ الْوَلَدِ فَتَعْتِقُ بِقَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ اهـ.
أَيْ الْمِلْكِ الْكَامِلِ لِقَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ: إنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَمِلْكُهُ كَامِلٌ لِلْمُدَبَّرِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ نَاقِصٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا كَالْمُدَبَّرَةِ) مِنْهُ أَنَّهَا تَعْتِقُ بِبَيْعِهِ خِدْمَتَهَا مِنْهَا كَبَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهَا تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ مِنْ الْكُلِّ) يَعْنِي إلَّا إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَلَيْسَ مَعَهَا وَلَدٌ وَلَا بِهَا حَمْلٌ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَإِنَّهَا تَعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِلَا دَعْوَةٍ إذْ بِدَعْوَةِ الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الْوَلَدُ مَقْصُودًا مِنْهَا فَصَارَتْ
стр. 440
فِرَاشًا كَالْمَنْكُوحَةِ وَلِهَذَا لَزِمَهَا الْعِدَّةُ بِثَلَاثِ حِيَضٍ بَعْدَ الْعِتْقِ.
(وَ) لَكِنْ (انْتَفَى) بِنَفْيِهِ؛ لِأَنَّ فِرَاشَهَا ضَعِيفٌ حَتَّى يَمْلِكُ نَقْلَهُ بِالتَّزْوِيجِ بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَةِ حَيْثُ لَا يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِنَفْيِهِ إلَّا بِاللِّعَانِ لِتَأْكِيدِ الْفِرَاشِ حَتَّى لَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِالتَّزْوِيجِ وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ حُكْمُ الْقَضَاءِ وَأَمَّا الدِّيَانَةُ فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا وَحَصَّنَهَا وَلَمْ يَعْزِلْ عَنْهَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ وَيَدَّعِيَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ، وَإِنْ عَزَلَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُحَصِّنْهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ يُقَابِلُهُ ظَاهِرٌ آخَرُ، وَإِنْ زَوَّجَهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ أَمَةٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ، وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُ وَلَوْ ادَّعَاهُ الْمَوْلَى يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَيَعْتِقُ الْوَلَدُ وَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِإِقْرَارِهِ، وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
(أُمُّ وَلَدِ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَتْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ لَهُ، وَإِلَّا تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا وَعَتَقَتْ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ السِّعَايَةِ.
(ادَّعَى وَلَدَ أَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ (ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إذَا ثَبَتَ مِنْهُ فِي نِصْفِهِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ ثَبَتَ فِي الْبَاقِي ضَرُورَةً أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ لِمَا أَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْعُلُوقُ لَا يَتَجَزَّأُ إذْ الْوَلَدُ الْوَاحِدُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِرَاشًا) ، كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي تَعْرِيفِ الْفِرَاشِ كَوْنُ الْمَرْأَةِ مَقْصُودًا مِنْ وَطْئِهَا الْوَلَدُ ظَاهِرًا كَمَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَهُوَ الَّذِي عَرَّفُوا بِهِ الْفِرَاشَ وَظَهَرَ أَنْ لَيْسَ الْفِرَاشُ ثَلَاثَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ بَلْ فِرَاشَانِ قَوِيٌّ هُوَ فِرَاشُ الْمَنْكُوحَةِ، وَضَعِيفٌ وَهُوَ فِرَاشُ أُمِّ الْوَلَدِ فَانْتَفَى وَلَدُهَا بِمُجَرَّدِ النَّفْيِ، وَوَلَدُ الْمَنْكُوحَةِ بِاللِّعَانِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْأَمَةَ لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ لِمَوْلَاهَا وَذَلِكَ لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّ الْفِرَاشِ عَلَيْهَا وَهُوَ كَوْنُ الْمَرْأَةِ مُعَيَّنَةً لِثُبُوتِ نَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ أَوْ كَوْنِهَا يُقْصَدُ بِوَطْئِهَا الْوَلَدُ اهـ.
وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ هُوَ مِثْلُ مَا فِي الْبَدَائِعِ: الْفِرَاشُ ثَلَاثَةٌ قَوِيٌّ وَهُوَ فِرَاشُ الْمَنْكُوحَةِ حَتَّى يَثْبُتُ النَّسَبُ بِلَا دَعْوَةٍ وَلَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ، وَضَعِيفٌ وَهُوَ فِرَاشُ الْأَمَةِ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ النَّسَبُ إلَّا بِالدَّعْوَةِ، وَالْوَسَطُ فِرَاشُ أُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى يَثْبُتُ فِيهِ النَّسَبُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ وَيَنْتَفِي مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ اهـ.
وَمَحَلُّ ثُبُوتِ نَسَبِ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَانِعٌ مِنْ حِلِّ وَطْئِهَا كَحُرْمَتِهَا مُؤَبَّدَةً بِوَطْءِ مَوْلَاهَا أُمَّهَا أَوْ بِنْتَهَا أَوْ وَطْءِ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ لَهَا أَوْ حُرْمَتِهَا بِإِرْضَاعِهَا زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَوْ بِكِتَابَتِهَا أَوْ بِتَزْوِيجِهَا فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ انْتَفَى بِنَفْيِهِ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ أَعْتَقَهَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ كَمَا إذَا مَاتَ وَلَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ فِرَاشَهَا تَأْكِيدٌ بِالْحُرِّيَّةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: إنَّمَا يَمْلِكُ نَفْيَ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِهِ أَوْ لَمْ يَتَطَاوَلْ الزَّمَانُ فَأَمَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ فَقَدْ لَزِمَهُ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ، وَالتَّطَاوُلُ دَلِيلُ إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مِنْهُ فِيهَا دَلِيلُ إقْرَارِهِ مِنْ قَبُولِ التَّهْنِئَةِ وَنَحْوِهِ فَيَكُونُ كَالتَّصْرِيحِ بِإِقْرَارِهِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي التَّطَاوُلِ سَبَقَ فِي اللِّعَانِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ) أَيْ كَوْنَ الْوَلَدِ مِنْهُ بِسَبَبِ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ زِنَا الْمُسْلِمَةِ يُقَابِلُهُ أَيْ يُعَارِضُهُ ظَاهِرٌ آخَرُ وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِهِ لِوُجُودِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَهُمَا الْعَزْلُ أَوْ عَدَمُ التَّحْصِينِ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ كَوْنَهُ مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ ضَبْطِهِ الْعَزْلَ ظَاهِرٌ وَأَمَّا ظُهُورُ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا قُضِيَ إلَيْهَا وَلَمْ يَعْزِلْ عَنْهَا مَحَلُّ نَظَرٍ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ زَوَّجَهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ أُمِّهِ) أَيْ فِيمَا لَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَوْ كَانَ جَارِيَةً لَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أُمَّهَا، وَهَذِهِ إجْمَاعِيَّةٌ قَالَ الْكَمَالُ: وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى إطْلَاقِهِ حَيْثُ قَالَ: هُوَ فِي حُكْمِ أُمِّهِ اهـ.
، وَالْجَوَابُ عَنْهُ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُ) تَتِمَّةُ: عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا فَإِنَّهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ اهـ.
وَهَذَا إذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ ادَّعَاهُ الْمَوْلَى يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ) أَيْ: وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقَهَا إذْ لَوْ ادَّعَاهُ السَّيِّدُ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ وَلَدَهُ بَلْ لَا يَحْتَاجُ إلَى دَعْوَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَيَظْهَرُ عَدَمُ صِحَّةِ النِّكَاحِ (قَوْلُهُ: وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِإِقْرَارِهِ) لَمْ يُسْتَحْسَنْ هَذَا مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ الْوَلَدِ وَإِنَّمَا يُسْتَحْسَنُ لَوْ كَانَ فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أُمَّ وَلَدٍ كَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَبْسُوطِ: زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ فَوَلَدَتْ إلَخْ قَالَهُ الْكَمَالُ (قَوْلُهُ: وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ) كَانَ يَنْبَغِي عَدَمُ ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ مَتْنًا وَلَيْسَ مِنْ تَعَلُّقِ السَّابِقَةِ خَاصَّةً فِي كَلَامِ الْهِدَايَةِ بَلْ حُكْمٌ لِأُمِّ الْوَلَدِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا وَلِذَا قَالَ الْكَمَالُ: عَتَقَتْ يَعْنِي أُمَّ الْوَلَدِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَمَالِيَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ يُعْتِقُهَا الذِّمِّيُّ مُتَقَوِّمَةٌ وَيَتْرُكُ وَمَا يَعْتَقِدُهُ وَلِأَنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً فَهِيَ مُحْتَرَمَةٌ اهـ.
وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ بِنَفْيِ مَالِيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ اهـ.
وَقِيمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ ثُلُثُ قِيمَتِهَا قِنَّةً، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَعَتَقَتْ بَعْدَهَا) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَا تُرَدُّ إلَى الرِّقِّ لَوْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا، وَالْمُدَبَّرُ إذَا أَسْلَمَ كَأُمِّ الْوَلَدِ اهـ.
وَقَالَ زُفَرُ: تَعْتِقُ لِلْحَالِ، وَالسِّعَايَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا وَإِذَا مَاتَ مَوْلَاهَا عَتَقَتْ وَسَقَطَتْ عَنْهَا السِّعَايَةُ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
стр. 441
لَا يَعْلَقُ مِنْ مَاءَيْنِ (وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ يَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّمَلُّكِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مِنْ أَسْبَابِ الْحُرِّيَّةِ شَيْءٌ كَالتَّدْبِيرِ وَغَيْرِهِ (وَضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ حِينَ اسْتَكْمَلَ الِاسْتِيلَادَ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْعُلُوقِ؛ لِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ ثَبَتَتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْعِتْقِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ.
(وَ) نِصْفَ (عُقْرِهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً إذْ مِلْكُهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْوَطْءِ حُكْمًا لِلِاسْتِيلَادِ فَيَعْقُبُهُ الْمِلْكُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِخِلَافِ الْأَبِ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ ابْنِهِ حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُقْرُ (لَا قِيمَةَ وَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ عَلَقُ حُرِّ الْأَصْلِ إذْ النَّسَبُ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَالضَّمَانُ يَجِبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَحْدُثُ الْوَلَدُ عَلَى مِلْكِهِ وَلَمْ يَعْلَقْ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى مِلْكِ شَرِيكِهِ (وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا فَمِنْهُمَا) أَيْ الْوَلَدُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْهُمَا، وَمَعْنَاهُ إذَا حَبِلَتْ فِي مِلْكِهِمَا وَكَذَا إذَا اشْتَرَيَاهَا حُبْلَى لَا يَخْتَلِفُ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْعُقْرِ وَالْوَلَاءِ وَضَمَانِ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعُقْرُ لِصَاحِبِهِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي وَاحِدًا وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيرٌ عَلَى مَا عُرِفَ وَإِنَّمَا كَانَ مِنْهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ (وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُمَا) لِصِحَّةِ دَعْوَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ فِي الْوَلَدِ فَيَصِيرُ نَصِيبُهُ مِنْهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ تَبَعًا لِوَلَدِهَا (وَعَلَى كُلٍّ) مِنْهُمَا (نِصْفُ عُقْرِهَا) قِصَاصًا بِمَا لَهُ عَلَى الْآخَرِ (وَيَرِثُ) الِابْنُ (مِنْ كُلٍّ) مِنْ شَرِيكَيْنِ (إرْثَ ابْنٍ) كَامِلٍ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِمِيرَاثِهِ كُلِّهِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ (وَوَرِثَا مِنْهُ إرْثَ أَبٍ) وَاحِدٍ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ كَمَا إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبُنُوَّةِ.
(ادَّعَى وَلَدَ أَمَةٍ مُكَاتَبَةٍ) يَعْنِي إذَا وَطِئَ الْمَوْلَى جَارِيَةً مُكَاتَبَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ (وَصَدَّقَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبُ الْمَوْلَى (لَزِمَهُ عُقْرُهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ بِغَيْرِ نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ، وَقَدْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدِهِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاسْتِيلَادَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَتَكَامَلُ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِ التَّكَامُلِ وَشَرْطِهِ وَهُوَ إمْكَانُ التَّكَامُلِ وَقِيلَ إنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ أَيْضًا لَكِنْ فِيمَا يَحْتَمِلُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهِ وَأَمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ فَهُوَ مُتَجَزِّئٌ عِنْدَهُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّمْلِيكِ) عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ لِلتَّمَلُّكِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ تَعْلِيلُ تَمَلُّكِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ بِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّمَلُّكِ تَعْلِيلٌ بِعَدَمِ الْمَانِعِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ يُقَالُ سَافَرَ لِلتِّجَارَةِ وَالْعِلْمِ وَلَوْ قِيلَ لِأَمْنِ الطَّرِيقِ عُدَّ جُنُونًا اهـ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مِنْ أَسْبَابِ الْحُرِّيَّةِ شَيْءٌ كَالتَّدْبِيرِ وَغَيْرِهِ) يَعْنِي قَبْلَ تَمَلُّكِهِ (قَوْلُهُ: وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْعُلُوقِ) كَذَا الْعُقْرُ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَبِ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ ابْنِهِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ضَمَانِ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَالْعُقْرِ بَيْنَ مَا لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ أَجْنَبِيًّا وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانَ أَبًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِيلَادِ الْأَبِ لَهَا وَلَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا وَبَيْنَ كَوْنِهِ شَرِيكًا لِابْنِهِ فِيهَا أَنَّهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيهَا سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ نَفْيًا لَهُ عَنْ الزِّنَا فَلَا عُقْرَ وَإِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ كَفَى لِذَلِكَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْعُقْرِ كَذَا قِيلَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا فَمِنْهُمَا) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا مُرَجِّحٌ فَلَوْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُعَارِضْهُ الْمَرْجُوحُ فَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ، وَالْمُسْلِمُ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَالْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ، وَالذِّمِّيُّ عَلَى الْمُرْتَدِّ، وَالْكِتَابِيُّ عَلَى الْمَجُوسِيِّ، وَالْعِبْرَةُ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ وَقْتُ الدَّعْوَةِ لَا الْعُلُوقِ، كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِمَا اثْنَيْنِ لِلِاخْتِلَافِ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِمَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ وَإِنْ كَثُرُوا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَثْبُتُ مِنْ اثْنَيْنِ لَا مِنْ ثَلَاثَةِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَثْبُتُ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا غَيْرُ، وَقَالَ زُفَرُ: يَثْبُتُ مِنْ خَمْسَةٍ فَقَطْ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ الْإِمَامِ وَلَوْ تَنَازَعَ فِيهِ امْرَأَتَانِ قُضِيَ بِهِ بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُمَا لَا يُقْضَى لِلْمَرْأَتَيْنِ وَتَمَامُ التَّفْرِيعِ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْعُقْرِ) كَذَا يَخْتَلِفُ فِي كَوْنِهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِمَا فَلَا تَصِيرُ الْمُشْتَرَاةُ حُبْلَى أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا بِادِّعَائِهِمَا وَلَدَهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ عِتْقٍ لَا دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ فَيَعْتِقُ الْوَلَدُ مُقْتَصِرًا عَلَى وَقْتِ الدَّعْوَةِ بِخِلَافِ دَعْوَةِ الِاسْتِيلَادِ فَإِنَّ شَرْطَهَا كَوْنُ الْعُلُوقِ فِي الْمِلْكِ، كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَضَمَانِ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ) صَوَابُهُ " قِيمَةِ الْوَلَدِ " بِإِسْقَاطِهِ لَفْظَةَ " أُمِّ " كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ حَتَّى تَفَرَّعَ عَلَيْهِ ضَمَانُ نِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ بِادِّعَاءِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَقَدْ اشْتَرَيَاهَا حُبْلَى بِخِلَافِ مَا إذَا حَبِلَتْ فِي مِلْكِهِمَا فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ (قَوْلُهُ: وَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ الْوَلَاءُ) يَعْنِي إذَا ادَّعَيَاهُ مَعًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَحْرِيرٌ عَلَى مَا عُرِفَ) يَعْنِي مِنْ أَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ عِتْقِ فَيَعْتِقُ مُقْتَصَرًا عَلَى وَقْتِ الدَّعْوَةِ لَا دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا الْعُلُوقُ فِي الْمِلْكِ وَهُوَ مُنْتَفٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَوَرِثَا مِنْهُ إرْثَ أَبٍ) يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْوَلَدِ فَجَمِيعُ مِيرَاثِهِ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا وَأَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ مُشْتَرَكَةٌ وَهَذَا عِنْدَهُمَا،.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْفَرِدُ، كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَأَمَّا وِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: النَّسَبُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مُتَجَزِّئَةٌ كَالْمِيرَاثِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْحَضَانَةِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ وَأَحْكَامٌ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ كَالنَّسَبِ وَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ وَصَدَقَةِ فِطْرِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا صَدَقَةٌ تَامَّةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا صَدَقَةٌ
стр. 442
سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ.
(وَ) لَزِمَهُ (نَسَبُ الْوَلَدِ) لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ فَصَارَ كَمَا لَوْ ادَّعَى نَسَبَ وَلَدِ جَارِيَةِ الْأَجْنَبِيِّ فَصَدَّقَهُ (وَقِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَغْرُورِ حَيْثُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ كَسْبٌ كَسَبَهُ فَلَمْ يَرْضَ بِكَوْنِهِ رَقِيقًا فَيَكُونُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ كَمَا أَنَّ الْمَغْرُورَ اعْتَمَدَ دَلِيلًا وَهُوَ الْمِلْكُ ظَاهِرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً (لَا الْأَمَةِ) إذْ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا حَقِيقَةً، وَمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ كَافٍ لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ فَلَا حَاجَةَ إلَى النَّقْلِ وَتَقْدِيمِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ أَمَةِ الِابْنِ إذْ لَيْسَ لِلْأَبِ فِيهَا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ وَلَا حَقُّهُ وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ فَاحْتَجْنَا إلَى نَقْلِهَا إلَى مِلْكِ الْأَبِ لِيَصِحَّ الِاسْتِيلَادُ (وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ الْمَوْلَى فِي دَعْوَتِهِ (فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ) أَيْ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ كَسْبٌ كَسَبَهُ فَصَارَتْ كَجَارِيَةِ الِابْنِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى فِي الْمُكَاتَبِ مِلْكَ الرَّقَبَةِ بِخِلَافِ الِابْنِ، وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَالَ ابْنِهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُقْرُهَا وَلَا قِيمَةُ الْوَلَدِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَتَمَلَّكَ مَالَ مُكَاتَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ حَجَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَلْحَقَهَا بِالْأَجْنَبِيِّ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُقْرُهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَيُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَطِئَ الْمُكَاتَبَةَ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ حَيْثُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ فَقَطْ مِنْهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهَا؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ (إلَّا إذَا مَلَكَهُ) أَيْ الْوَلَدَ (يَوْمًا) فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ أَيْضًا إذَا مَلَكَهَا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بَاقٍ وَهُوَ الْمُوجِبُ وَزَوَالَ حَقِّ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ الْمَانِعُ.
(وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ جَدِّهِ فَوَلَدَتْ، وَادَّعَاهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ) لِلشُّبْهَةِ (فَإِنْ قَالَ: أَحَلَّهَا لِي الْمَوْلَى لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ) أَيْ الْمَوْلَى (فِيهِ وَفِي أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ) وَلَوْ صَدَّقَهُ فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ (وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمَوْلَى ثُمَّ مَلَكَهَا يَوْمًا ثَبَتَ النَّسَبُ) لِبَقَاءِ الْإِقْرَارِ كَمَا مَرَّ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ
[كِتَابُ الْكِتَابَةِ]
[أَرْكَان الْكِتَابَة]
(كِتَابُ الْكِتَابَةِ) أَوْرَدَهُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ تَوَابِعِ الْعِتْقِ كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ (هِيَ) لُغَةً: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ لِلْجَيْشِ الْعَظِيمِ، وَالْكُتُبُ لِجَمْعِ الْحُرُوفِ فِي الْخَطِّ، وَشَرْعًا: (جَمْعُ حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ مَآلًا مَعَ حُرِّيَّةِ الْيَدِ حَالًا) فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ مَالِكٌ يَدًا وَمَمْلُوكٌ رَقَبَةً وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (وَرُكْنُهَا الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ) كَأَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَشَرْطُهَا كَوْنُ الْبَدَلِ مَعْلُومًا مَالًا كَانَ أَوْ عَمَلًا، وَأَمَّا كَوْنُهُ مُنَجَّمًا أَوْ مُؤَجَّلًا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى تَجُوزَ الْكِتَابَةُ عَلَى الْمَالِ الْحَالِّ وَالْمُنَجَّمِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجُوزُ إلَّا مُؤَجَّلًا بِنَجْمَيْنِ، وَحُكْمُهُمَا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ انْتِفَاءُ الْحَجْرِ وَثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الْيَدِ لَا الرَّقَبَةِ حَتَّى يَكُونُ أَحَقَّ بِمَنَافِعِهِ وَمَكَاسِبِهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْكِتَابَةِ وُصُولُ الْمَوْلَى إلَى بَدَلِهَا، وَالْعَبْدِ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِأَدَائِهِ وَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِذَلِكَ، وَفِي جَانِبِ الْمَوْلَى بَقَاءُ رَقَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى مِلْكِهِ وَثُبُوتُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَاحِدَةٌ، كَذَا فِي الْبَحْرِ
(كِتَابُ الْكِتَابَةِ) (قَوْلُهُ: أَوْرَدَهُ هَا هُنَا. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ ذِكْرَ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ عَقِيبَ الْعِتْقِ أَنْسَبُ وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي عَقِيبَ كِتَابِ الْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَآلُهَا الْوَلَاءُ، وَالْوَلَاءُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إخْرَاجُ الرَّقَبَةِ عَنْ الْمِلْكِ بِلَا عِوَضٍ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ فِيهَا مِلْكُ الرَّقَبَةِ لِشَخْصٍ وَمَنْفَعَتُهُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنْسَبُ لِلْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الذَّاتِيَّاتِ أَوْلَى مِنْ الْعَرَضِيَّاتِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَشَرْعًا. . . إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَسُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ كِتَابَةً وَمُكَاتَبَةً؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَمَّ حُرِّيَّةِ الْيَدِ إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ أَوْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَكْتُبُ الْوَثِيقَةَ وَهُوَ أَظْهَرُ اهـ. .
وَفِي الْبُرْهَانِ مَعْنَاهُ كَتَبْتُ لَك عَلَى نَفْسِي أَنْ تَعْتِقَ مِنِّي إذَا وَفَّيْت بِالْمَالِ وَكَتَبْت لِي عَلَى نَفْسِك أَنْ تَفِيَ بِذَلِكَ أَوْ كَتَبْتُ عَلَيْك الْوَفَاءَ بِالْمَالِ، وَكَتَبْتُ عَلَيَّ الْعِتْقَ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ مَالِكٌ يَدًا) قَالَ الْكَمَالُ: فِي أَوَّلِ بَابِ التَّدْبِيرِ لَا مَعْنَى فِي التَّحْقِيقِ لِقَوْلِهِمْ الْمُكَاتَبُ مَالِكٌ يَدًا بَلْ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ مِلْكُهُ مُتَزَلْزِلٌ إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مَالِكٌ شَرْعًا لَكِنَّهُ بِعَرَضِ أَنْ يَزُولَ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ) مُنَاقِضٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي بَابِ الْعِتْقِ عَلَى جُعْلٍ فَإِنَّهُ قَالَ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِالْأَدَاءِ بِأَنْ قَالَ مَوْلَاهُ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتَ حُرٌّ مَأْذُونٌ لَا مُكَاتَبٌ فَجَازَ بَيْعُهُ وَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ اهـ.
فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ مِنْ صِيَغِ الْمُكَاتَبَةِ وَحُكْمُهُمَا مُتَبَايِنٌ، فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَشَرْطُهَا كَوْنُ الْبَدَلِ مَعْلُومًا) زَادَ الزَّيْلَعِيُّ كَغَيْرِهِ وَكَوْنُ الرِّقِّ فِي الْمَحَلِّ اهـ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِسَبَبِهَا وَهُوَ الرَّغْبَةُ فِي الْبَدَلِ عَاجِلًا وَفِي الثَّوَابِ آجِلًا وَلِصِفَتِهَا، وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ لِمَنْ عُلِمَ فِيهِ خَيْرٌ وَنُدِبَ حَطُّ شَيْءٍ مِنْ بَدَلِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ وَقِيلَ خَيْرٌ أَيْ وَفَاءً وَأَمَانَةً وَصَلَاحًا، وَقِيلَ الْمَالُ، وَالْخَيْرُ يُرَادُ بِهِ الْمَالُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أَيْ مَالًا ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢] أَيْ مَالٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَسُوبًا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الْبَدَلِ قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
стр. 443
حَقِّ الْمُطَالَبَةِ بِبَدَلِهَا مَتَى شَاءَ وَاسْتِرْدَادُهُ إلَى مِلْكِهِ إذَا عَجَزَ.
(إذَا كَاتَبَ قِنَّهُ وَلَوْ صَغِيرًا يَعْقِلُ) الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فَإِنَّهُ إذَا عَقَلَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَالتَّصَرُّفُ نَافِعٌ فِي حَقِّهِ فَيَجُوزُ (بِمَالٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ) بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ مَثَلًا (أَوْ مُنَجَّمٍ) أَيْ مُؤَقَّتٍ بِأَزْمِنَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أُخِذَ مِنْ التَّوْقِيتِ بِطُلُوعِ النَّجْمِ ثُمَّ شَاعَ فِي مُطْلَقِ التَّوْقِيتِ (أَوْ قَالَ جَعَلْت عَلَيْك أَلْفًا تُؤَدِّيهِ نُجُومًا أَوَّلُهَا كَذَا وَآخِرُهَا كَذَا فَإِنْ أَدَّيْته فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ عَجَزْت فَقِنٌّ وَقَبِلَ) أَيْ الْقِنُّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَاتَبَ شُرِطَ قَبُولُهُ إذْ يَلْزَمُهُ الْمَالُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامِهِ (صَحَّ) جَوَابُ إذَا كَاتِب أَيْ صَحَّ عَقْدُ الْكِتَابَةِ سَوَاءٌ عَبَّرَ بِلَفْظِ الْكِتَابَةِ أَوْ بِمَا يُؤَدِّي مُؤَدَّاهُ لِوُجُودِ رُكْنِهِ وَهُوَ الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ (وَعَتَقَ) الْقِنُّ (إنْ أَدَّى كُلَّهُ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَقُلْ إذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْكِتَابَةِ هُوَ الْعِتْقُ عَنْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ جَمْعِ حُرِّيَّةِ الْيَدِ إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ (فَخَرَجَ) عَطْفٌ عَلَى صَحَّ وَفَرَعٌ لَهُ أَيْ إذَا صَحَّ عَقْدُ الْكِتَابَةِ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ (مِنْ يَدِهِ) أَيْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْكِتَابَةِ مَالِكِيَّةُ الْيَدِ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ وَلِهَذَا لَا يَكُونُ لِلْمَوْلَى مَنْعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى السَّفَرِ (لَا) مِنْ (مِلْكِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَأَصْلُ الْبَدَلِ يَجِبُ لِلْمَوْلَى فِي ذِمَّتِهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مَعَ الْمُنَافِي إذْ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَيَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِمُقَابَلَتِهِ مَالِكِيَّةٌ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا فَإِذَا تَمَّ لِلْمَوْلَى الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ تَمَّ الْمَالِكِيَّةُ لِلْعَبْدِ أَيْضًا، وَتَمَامُ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْحُرِّيَّةِ فَيَعْتِقُ لِضَرُورَةِ الْمَالِكِيَّةِ فَتَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً (وَعَتَقَ مَجَّانًا) أَيْ بِلَا بَدَلٍ (إنْ أَعْتَقَ مَوْلَاهُ) لِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ (وَغَرِمَ) الْمَوْلَى (الْعُقْرَ إنْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ) أَوْ أَرْشَ الْجِنَايَةِ (إنْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ) مِثْلُ الْمَالِ أَوْ قِيمَتِهِ إنْ جَنَى (عَلَى مَالِهَا) ؛ لِأَنَّهَا بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ خَرَجَتْ مِنْ يَدِ الْمَوْلَى فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَصَارَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا وَوَلَدِهَا وَمَالِهَا.
(إذَا كَاتَبَ عَلَى قِيمَتِهِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ قِيمَتَك فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ كَاتَبْتُك عَلَى قِيمَتِك (أَوْ) عَلَى (عَيْنٍ لِغَيْرِهِ) بِأَنْ قَالَ: كَاتَبْتُك عَلَى هَذَا الْعَبْدِ وَهُوَ لِغَيْرِهِ هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَصِحُّ حَتَّى إذَا مَلَكَهَا وَسَلَّمَهَا عَتَقَ وَإِنْ عَجَزَ رُدَّ إلَى الرِّقِّ (وَتَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ) احْتِرَازًا عَنْ دَرَاهِمِ الْغَيْرِ وَدَنَانِيرِهِ فَإِنَّ الْكِتَابَةَ عَلَيْهَا جَائِزَةٌ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا (أَوْ عَلَى مِائَةٍ) مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ (لِيَرُدَّ مَوْلَاهُ) إلَيْهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: إذَا كَاتَبَ قِنَّهُ) جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَ نَحْوَ أُمِّ وَلَدِهِ صَحَّ، وَالْوَصِيُّ وَالْأَبُ يَصِحُّ مِنْهُمَا اسْتِحْسَانًا عَنْ الصَّغِيرِ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ صَغِيرًا يَعْقِلُ) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ كَانَ لَا يَعْقِلُ فَلَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَبَعًا فَلَا تَصِحُّ مُكَاتَبَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَعْقِلْ وَلَوْ قَبِلَ عَنْهُ رَجُلٌ وَرَضِيَ الْمَوْلَى وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي الصَّحِيحِ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ بِمَا أَدَّاهُ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ الْعِتْقُ لِعَدَمِ الْقَبُولِ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ شَرْطٌ مُنْتَفٍ بِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ الْمُكَاتَبِ لَهُ، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: بِمَالٍ) لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا عَنْ الْخِدْمَةِ لِمَا سَيَأْتِي.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْرًا الْقِيَاسُ لَا يَجُوزُ، وَالِاسْتِحْسَانُ: يَجُوزُ، كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُؤَجَّلٍ) هُوَ أَفْضَلُ، كَمَا فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ: جَعَلْت عَلَيْك أَلْفًا تُؤَدِّيهِ نُجُومًا. . . إلَخْ) ذَكَرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ مُنَجَّمٍ لِيُفِيدَ ثُبُوتَ حُكْمِ الْكِتَابَةِ بِلَفْظِهَا وَبِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، ثُمَّ الْكِتَابَةُ إمَّا عَنْ النَّفْسِ خَاصَّةً أَوْ عَنْهَا وَعَنْ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْعَبْدِ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ وَلَوْ كَانَ مَا فِي يَدِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَدَلِهَا وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى إلَّا بَدَلُ الْكِتَابَةِ لَا غَيْرُ، كَمَا فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ: وَغَرِمَ الْمَوْلَى الْعُقْرَ إنْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ) الْعُقْرُ إذَا ذُكِرَ فِي الْحَرَائِرِ يُرَادُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِذَا ذُكِرَ فِي الْإِمَاءِ فَهُوَ عُشْرُ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهَا، كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَلَوْ وَطِئَ مِرَارًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا عُقْرٌ وَاحِدٌ وَلَوْ شَرَطَ وَطْأَهَا فَسَدَتْ الْكِتَابَةُ، كَمَا فِي الدِّرَايَةِ وَتَعْتِقُ بِأَدَاءِ الْبَدَلِ وَلَا يَثْبُتُ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَا قَبْلَ الْأَدَاءِ وَهَذَا حُكْمُ الْفَاسِدَةِ بِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَأَمَّا الْبَاطِلَةُ وَهِيَ الَّتِي فَاتَهَا شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا إنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ الْمَالِ فَيَعْتِقُ بِهِ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ خَرَجَتْ مِنْ يَدِ الْمَوْلَى. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ وَطِئَهَا الْمَوْلَى غَرِمَ الْعُقْرَ لَهَا تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مَنْفَعَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهَا اهـ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ قَبْلَ هَذَا: ثُمَّ مَالُ الْعَبْدِ مَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِتِجَارَةٍ أَوْ بِقَبُولِ الْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْسَبُ إلَى الْعَبْدِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَ مِنْ مَالِ الْمَوْلَى فِي يَدِ الْعَبْدِ وَقْتَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْسَبُ إلَى الْعَبْدِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَرْشُ وَالْعُقْرُ وَإِنْ حَصَلَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَيَكُونُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَى الْعَبْدِ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَكَذَا قَالَ الْحَدَّادِيُّ: وَأَمَّا أَرْشُ الْجِرَاحَةِ، وَالْعُقْرُ فَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ وَهُوَ لِلْمَوْلَى اهـ. فَلْيُنْظَرْ فِيهِ مَعَ إلْزَامِ الْمَوْلَى الْعُقْرَ بِوَطْئِهَا، وَالْأَرْشَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ قِيمَتَك فَأَنْتَ حُرٌّ) قَدَّمْنَا أَنَّهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ يَكُونُ مَأْذُونًا لَا مُكَاتَبًا فَلْيُتَأَمَّلْ
стр. 444
(وَصِيفًا) أَيْ خَادِمًا عَبْدًا كَانَ أَوْ أَمَةً حَتَّى لَوْ شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ عَبْدًا مُعَيَّنًا أَوْ أَمَةً مُعَيَّنَةً صَحَّ (أَوْ الْمُسْلِمُ) عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ كَاتَبَ وَجَازَ لِلْفَصْلِ (عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) وَقَوْلُهُ (فَسَدَ) جَوَابٌ إذَا كَاتَبَ أَيْ فَسَدَ الْعَقْدُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مَجْهُولَةٌ قَدْرًا وَجِنْسًا وَوَصْفًا فَتَفَاحَشَتْ الْجَهَالَةُ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِعَجْزِهِ عَنْ تَسْلِيمِ مِلْكِ الْغَيْرِ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ اشْتَمَلَ عَلَى بَيْعٍ وَكِتَابَةٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْمِائَةِ بِإِزَاءِ الْوَصِيفِ الَّذِي يَرُدُّهُ الْمَوْلَى بَيْعٌ وَمَا كَانَ مِنْهَا بِإِزَاءِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةٌ فَيَكُونُ صَفْقَةً فِي صَفْقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِلنَّهْيِ عَنْهَا كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْعَقْدِ إذَا شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا مُعَيَّنًا أَوْ أَمَةً مُعَيَّنَةً، وَالْقَوْمُ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ فَالصَّوَابُ مَا فِي الْكَافِي أَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَجْهُولُ الْقَدْرِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى قِيمَةِ الْوَصِيفِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَإِنَّمَا يُسْتَثْنَى قِيمَتُهُ، وَالْقِيمَةُ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ لِجَهَالَتِهَا قَدْرًا فَكَذَا لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنْ بَدَلِ الْبَدَلِ وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنَّ الْخَمْرَ أَوْ الْخِنْزِيرَ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْعِوَضِ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ (وَعَتَقَ فِيهِمَا) أَيْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ يَعْنِي فِي أَدَائِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ وَمُوجَبُهُ الْعِتْقُ عِنْدَ أَدَاءِ الْعِوَضِ الْمَشْرُوطِ (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ مَا عَتَقَ بِأَدَاءِ الْمُسَمَّى (سَعَى فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ هُوَ الْقِيمَةُ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَفِي نُسَخِ الْهِدَايَةِ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ الْخَمْرِ وَأَنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ رِوَايَاتِ الْكُتُبِ فَإِنَّ فِيهَا لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ (لَا يُنْقِصُ مِنْهُ وَيُزَادُ عَلَيْهِ) هَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَهَا نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِمَا قَبْلَهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَا يَعْنِي أَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى فَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً عَنْ الْمُسَمَّى لَا تَنْقُصُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً زِيدَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَقَبَتِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ بِالْعِتْقِ فَوَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَرْضَ بِالنُّقْصَانِ، وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ فَوَجَبَ ذَلِكَ.
(وَلَوْ عَلَى مَيْتَةٍ وَنَحْوِهَا بَطَلَ) أَيْ عَقْدُ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ. . . إلَخْ) الْإِيرَادُ مَدْفُوعٌ؛ لِأَنَّ مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْكَافِي قَدْ صَدَّرَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ قَالَ ثَانِيًا: وَلِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيْعٍ. . . إلَخْ، وَلَيْسَ ضَارًّا فَلَا يُنْسَبُ إلَى الْخَطَأِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي فِي أَدَائِهِمَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ الْمَوْلَى عَلَى تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِأَدَائِهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) : لِلْمَوْلَى فَسْخُ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ (الثَّانِي) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ ﵀ حُكْمَ الْعِتْقِ فِي بَاقِي الصُّوَرِ الْفَاسِدَةِ فَنَقُولُ: إنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ قِيمَتِهِ إذَا كَاتَبَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَتَصِيرُ مَعْلُومَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عِنْدَ الْأَدَاءِ حَتَّى تَصِيرُ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ، وَالْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ اهـ.
وَإِنَّمَا يَثْبُتُ أَدَاءُ الْقِيمَةِ بِتَصَادُقِهِمَا أَوْ بِأَدَاءِ أَقْصَى مَا يَقَعُ بِهِ تَقْوِيمُ الْمُقَوِّمِينَ وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى عَيْنٍ لِغَيْرِهِ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ أَصْلًا اهـ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: لَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَّا إذَا قَالَ لَهُ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ فَحِينَئِذٍ يَعْتِقُ بِحُكْمِ الشَّرْطِ اهـ.
فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا فَاسِدٌ وَأَمَّا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةٍ لِيَرُدَّ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ وَصِيفًا فَبَدَلُ الْكِتَابَةِ مَجْهُولُ الْقَدْرِ فَلَا تَصِحُّ كَذَا عَلَّلَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ يَعْنِي فَتَكُونُ بَاطِلَةً لِمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْمُسَمَّى مَتَى كَانَ شَيْئًا لَا يَصْلُحُ عِوَضًا لِجَهَالَةِ الْقَدْرِ أَوْ لِجَهَالَةِ الْجِنْسِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْتِقُ بِأَدَاءِ الْمُسَمَّى وَلَا بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ إذْ لَا يَنْعَقِدُ هَذَا الْعَقْدُ أَصْلًا لَا عَلَى وَجْهِ الْمُسَمَّى وَلَا عَلَى الْقِيمَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ مُعَلِّلًا لَهُ: لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ هُوَ الْقِيمَةُ فَيَعْتِقُ بِأَدَائِهِ وَلَا يَعْتِقُ بِأَدَاءِ مَا لَيْسَ بِبَدَلٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ، وَالذَّخِيرَةِ وَ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَفِي نُسَخِ الْهِدَايَةِ) يَعْنِي فِي بَعْضِ نُسَخِهَا مَنْسُوبًا لِزُفَرَ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ الْخَمْرِ لِمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُوَافَقَةِ الْهِدَايَةِ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَالذَّخِيرَةِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْهِدَايَةِ وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ الْخَمْرِ وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ غَلَطٌ، وَقَدْ تَبِعَ هَذَا الْغَلَطَ فِي الِاخْتِيَارِ فَلْيَكُنْ فِي عِلْمِك.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَى مَيْتَةٍ وَنَحْوِهَا بَطَلَ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ: وَالْكِتَابَةُ عَلَى الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ أَصْلًا وَلَا مُوجَبَ لَهَا وَلَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِأَدَائِهِمَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَأَدَّى لَا يَعْتِقُ لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ اهـ.
(قُلْت) وَيُخَالِفُهُ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّهُ يَعْتِقُ ذَكَرَهُ قَرِيبًا مِنْ قَوْلِهِ قَالَ: وَصَحَّ عَلَى حَيَوَانٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، وَنَصُّهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى ثَوْبٍ حَيْثُ لَا يَعْتِقُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا فَاحِشًا لَا يُوقَفُ عَلَى مُرَادِ الْمَوْلَى فَكَانَتْ الْكِتَابَةُ بَاطِلَةً فَلَا تُعْتَبَرُ أَصْلًا حَتَّى لَوْ أَدَّى قِيمَتَهُ أَيْضًا لَا يَعْتِقُ إلَّا إذَا عَلَّقَهُ بِهِ قَصْدًا بِأَنْ قَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ ثَوْبًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَحِينَئِذٍ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ صَرِيحٌ فَصَارَ مِنْ بَابِ الْأَيْمَانِ وَهِيَ تَنْعَقِدُ مَعَ الْجَهَالَةِ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الثَّوْبِ اهـ.
стр. 445
بِمَالٍ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ (وَصَحَّتْ) الْكِتَابَةُ عَلَى حَيَوَانٍ (ذَكَرَ جِنْسَهُ) كَالْعَبْدِ (فَقَطْ) أَيْ لَا نَوْعَهُ وَصِفَتَهُ (وَيُؤَدِّي الْوَسَطَ أَوْ قِيمَتَهُ) فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ أَمَّا الْوَسَطُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا قِيمَتُهُ فَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْقِيمَةِ فَصَارَتْ أَصْلًا فَدَفْعُ الْقِيمَةِ قَضَاءً فِي مَعْنَى الْأَدَاءِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.
(وَمِنْ كَافِرٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى حَيَوَانٍ أَيْ صَحَّتْ الْكِتَابَةُ مِنْ كَافِرٍ (كَاتَبَ عَبْدًا مِثْلَهُ) يَعْنِي كَافِرًا (بِخَمْرٍ مُقَدَّرَةٍ) اُعْتُبِرَ التَّقْدِيرُ لِيُعْلَمَ الْبَدَلُ وَإِنَّمَا صَحَّتْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِّ عِنْدَنَا (وَأَيٌّ) مِنْ الْمَوْلَى وَالْعَبْدِ (أَسْلَمَ لِلْمَوْلَى قِيمَتَهَا) ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ الْخَمْرِ وَتَمْلِيكِهِ (وَعَتَقَ) الْعَبْدُ (بِقَبْضِ الْخَمْرِ) ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُتَعَلِّقٌ بِقَبْضِهَا لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ كَمَا مَرَّ (وَعَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى حَيَوَانٍ (لَهُ) أَيْ لِلْمَوْلَى (أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ بِنَاءِ دَارٍ إذَا بَيَّنَ قَدْرَ الْمَعْمُولِ، وَالْآجُرِّ بِمَا يَرْفَعُ النِّزَاعَ) لِحُصُولِ الرُّكْنِ، وَالشَّرْطِ (وَأَلْفٍ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَى غَرِيمِهِ وَأَلْفٍ وَوَصِيفٍ وَأَلْفٍ وَخِدْمَتِهِ سَنَةً وَخِدْمَتِهِ أَبَدًا لَا) أَيْ لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكِتَابَةِ كَوْنُ الْمَمْلُوكِ مَالِكًا يَدًا وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ لِيَكُونَ مَالِكًا مُطْلَقًا بَعْدَهُ، كَمَا فِي الْكِتَابَةِ عَلَى الْخِدْمَةِ سَنَةً وَهَذَا يُنَافِيهِ (لَا تَفْسُدُ) الْكِتَابَة (بِشَرْطٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ الشَّرْطُ (فِي صُلْبِ الْعَقْدِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: الْكِتَابَةُ تُشْبِهُ الْبَيْعَ يَعْنِي انْتِهَاءً؛ لِأَنَّهَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ انْتِهَاءً وَتُشْبِهُ النِّكَاحَ يَعْنِي ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ وَهُوَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَصَحَّتْ عَلَى حَيَوَانٍ ذُكِرَ جِنْسُهُ كَالْعَبْدِ) كَذَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: إذَا كَاتَبَهُ عَلَى حَيَوَانٍ وَبَيَّنَ جِنْسَهُ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ وَلَمْ يُبَيِّنْ النَّوْعَ أَنَّهُ تُرْكِيٌّ أَوْ هِنْدِيٌّ وَلَا الْوَصْفَ أَنَّهُ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ جَازَتْ وَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ وَإِنَّمَا صَحَّ الْعَقْدُ مَعَ الْجَهَالَةِ؛ لِأَنَّهَا يَسِيرَةٌ وَمِثْلُهَا يُتَحَمَّلُ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ فَيُعْتَبَرُ جَهَالَةُ الْبَدَلِ بِجَهَالَةِ الْأَجَلِ فِيهِ حَتَّى لَوْ كَاتَبَهُ إلَى الْحَصَادِ صَحَّتْ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَجَازَ الْكِتَابَةَ عَلَى الْوَصْفِ جَمْعُ وَصِيفٍ وَهُوَ الْعَبْدُ لِلْخِدْمَةِ اهـ.
وَلَكِنْ قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ: وَالْكِتَابَةُ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَالثَّوْبِ كَالنِّكَاحِ إنَّ عَيَّنَ النَّوْعَ صَحَّ وَإِنْ أَطْلَقَ لَا يَصِحُّ اهـ.
فَلْيَتَأَمَّلْ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالنَّوْعِ الْجِنْسَ وَإِلَّا نَاقَضَهُ مَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَيُؤَدِّي الْوَسَطَ) قَدَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعَبْدِ بِمَا قِيمَتُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَقَالَا هُوَ عَلَى قَدْرِ غَلَاءِ السِّعْرِ وَرُخْصِهِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَعَتَقَ بِقَبْضِ الْخَمْرِ) ، كَذَا فِي الْكَنْزِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: قَالَ فِي الْكَافِي هَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ كَالْقَاضِي ظَهِيرِ الدِّينِ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ والتمرتاشي لَوْ أَدَّى الْخَمْرَ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْتَقَلَتْ إلَى الْقِيمَةِ وَلَمْ يَبْقَ الْخَمْرُ بَدَلًا اهـ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فَكَانَ فِي الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ رِوَايَتَانِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ) اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ مُخْتَلِفَةٌ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْخِدْمَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْهُودَةِ فَتَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالْعَادَةِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ بِنَاءِ دَارٍ إذَا بَيَّنَ قَدْرَ الْمَعْمُولِ) بَيَانُهُ: أَنْ يُسَمَّى لَهُ طُولُ الْبِئْرِ وَعُمْقُهَا وَمَكَانُهَا.
وَفِي الدِّرَايَةِ آجُرُّهَا وَجِصُّهَا وَمَا يُبْنَى بِهَا فَتَصِحُّ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى بَدَلٍ مَعْلُومٍ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: وَالْآجُرِّ) بِالْمَدِّ وَضَمِّ الْجِيمِ اللَّبِنُ الْمُحْرَقُ (قَوْلُهُ: وَأَلْفٍ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَى غَرِيمِهِ) أَيْ صَحَّتْ عَلَيْهَا وَكَذَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ يَضْمَنُهَا لِرَجُلٍ عَنْ سَيِّدِهِ فَالْمُكَاتَبَةُ، وَالضَّمَانُ جَائِزَانِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: وَأَلْفٍ وَوَصِيفٍ وَأَلْفٍ وَخِدْمَتِهِ سَنَةً) أَيْ صَحَّتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مَعْلُومٌ وَلَيْسَ صَفْقَةً فِي صَفْقَةٍ (قَوْلُهُ: وَخِدْمَتِهِ أَبَدًا لَا) يَعْنِي إذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ وَخِدْمَتِهِ أَبَدًا لَا تَصِحُّ لِمَا ذُكِرَ مِنْ مُنَافَاتِهِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَإِنْ أَدَّى الْأَلْفَ عَتَقَ.
وَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ: هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْزِلُ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ جَمِيعِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ، وَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَعَ الْأَلْفِ شَيْئًا آخَرَ فَكَيْفَ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ الْأَلْفِ قُلْنَا اشْتِرَاطُ الْخِدْمَةِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ لِمَا أَوْجَبَهُ لَهُ بَلْ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ مِلْكِ نَفْسِهِ فِي الْخِدْمَةِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ قَبْلُ فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً لِمُوجَبِ الْعَقْدِ فَأَمَّا الْبَدَلُ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ هُوَ الْأَلْفُ فَإِذَا أَدَّاهُ يَعْتِقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، كَمَا فِي الْبُرْهَانِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَجُوزُ هَذَا) يُرِيدُ بِهِ الصُّورَةَ الْأَخِيرَةَ فَقَطْ وَهِيَ مَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ وَخِدْمَتِهِ أَبَدًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ فَشَرْحُهُ أَوْضَحَهُ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: الْكِتَابَةُ تُشْبِهُ الْبَيْعَ يَعْنِي انْتِهَاءً؛ لِأَنَّهَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ انْتِهَاءً) أَقُولُ لَمْ يَعْنِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ شَبَهَ الْكِتَابَةِ بِالْبَيْعِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوَضَةُ وَعَدَمُ صِحَّتِهِمَا بِلَا بَدَلٍ وَاحْتِمَالُهُمَا الْفَسْخَ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ، وَقَدْ نَفَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ شَبَهَ الْكِتَابَةِ بِالْبَيْعِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَيْ عَقْدُ الْكِتَابَةِ عَلَى حَيَوَانٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ وَلَنَا أَنَّهَا مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ بِمَالٍ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ الْمِلْكَ فِيهِ فَأَشْبَهَتْ النِّكَاحَ، وَالْجَامِعُ أَنَّهَا تُبْنَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ اهـ.
وَقَدْ مَنَعَ فِي الْعِنَايَةِ شَبَهَ الْكِتَابَةِ بِالْبَيْعِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَقَالَ: وَلَنَا أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْبَيْعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ ابْتِدَاؤُهَا أَوْ مِنْ حَيْثُ الِانْتِهَاءُ، وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَالْكِتَابَةَ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ فَكِّ الْحَجْرِ فِي الِابْتِدَاءِ وَكَذَلِكَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الِانْتِهَاءِ مُعَاوَضَةَ مَالٍ بِمَالٍ وَهُوَ الرَّقَبَةُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ الْمِلْكُ فِيهِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ فِي الِانْتِهَاءِ وَفِي أَنَّ مَبْنَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَهَذَا الْمِقْدَارُ كَافٍ فِي إلْحَاقِهَا بِالنِّكَاحِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ وَهُوَ الْبُضْعُ) صَوَابُهُ
стр. 446
الْبُضْعُ ابْتِدَاءً فَأَلْحَقْنَاهَا بِالْبَيْعِ فِي شَرْطِ تَمَكُّنٍ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَمَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً مَجْهُولَةً؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَدَلِ وَبِالنِّكَاحِ فِي شَرْطٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ.
(فَصْلٌ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُكَاتَبِ)
(صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَلَوْ بِالْمُحَابَاةِ) فَإِنَّهَا مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ فَإِنَّ التَّاجِرَ قَدْ يُحَابِي فِي صَفْقَةٍ لِيَرْبَحَ فِي أُخْرَى (وَسَفَرُهُ وَإِنْ شُرِطَ تَرْكُهُ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ مَالِكِيَّةُ الْيَدِ وَلَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ بِمِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ (وَتَزْوِيجُ أَمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمَالَ وَهُوَ الْمَهْرُ (لَا) تَزْوِيجُ (عَبْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَنْقِيصُ الْعَبْدِ وَتَعْيِيبُهُ وَشَغْلُ ذِمَّتِهِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ (وَصَحَّ كِتَابَةُ رَقِيقِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ اكْتِسَابٍ لِلْمَالِ فَيَمْلِكُهُ كَتَزْوِيجِ أَمَتِهِ (وَالْوَلَاءُ) أَيْ وَلَاءُ الثَّانِي (لَهُ) أَيْ لِلْأَوَّلِ (إنْ أَدَّى) الثَّانِي (بَعْدَ عِتْقِهِ) أَيْ عِتْقِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ مِنْ أَهْلِ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ وَهُوَ الْأَصْلُ فَيَثْبُتُ لَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ بَعْدَ عِتْقِهِ بَلْ قَبْلَهُ (فَلِمَوْلَاهُ) أَيْ مَوْلَى الْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ فِيهِ نَوْعُ مِلْكٍ وَتَصِحُّ إضَافَةُ الْإِعْتَاقِ إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا تَعَذَّرَ إضَافَتُهُ إلَى الْمُبَاشِرِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أُضِيفَ إلَيْهِ كَمَا فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا (وَإِنْ أَدَّيَا) أَيْ الْمُكَاتَبَانِ بَدَلَهُمَا (جَمِيعًا مَعًا فَوَلَاؤُهُمَا لِلْمَوْلَى) تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ وَإِنْ (عَجَزَ الْأَوَّلُ) عَنْ أَدَاءِ الْبَدَلِ وَرُدَّ إلَى الرِّقِّ وَلَمْ يُؤَدِّ الثَّانِي بَدَلَهُ (بَقِيَ الثَّانِي مُكَاتَبًا) فَإِنْ أَدَّى الْبَدَلَ إلَى الْمَوْلَى عَتَقَ وَإِنْ عَجَزَ رُدَّ إلَى الرِّقِّ كَالْأَوَّلِ (لَا التَّزَوُّجُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بَيْعُهُ أَيْ لَا يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ الْمَوْلَى (وَلَا التَّسَرِّي) وَهُوَ اتِّخَاذُ السُّرِّيَّةِ يَعْنِي اشْتِرَاءَ جَارِيَةٍ يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَطْئًا (وَلَوْ بِهِ) أَيْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى (كَذَا الْمَأْذُونُ، وَالْمُدَبَّرُ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَبْنَى التَّسَرِّي عَلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ دُونَ الْمُتْعَةِ فَالرَّقِيقُ وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ مَأْذُونًا أَوْ مُدَبَّرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ مِلْكِ الْمَالِ لِكَوْنِ رَقَبَتِهِ مَمْلُوكَةً وَلَا يَنْفَعُ إذْنُ الْمَوْلَى (وَلَا الْهِبَةُ) وَلَوْ بِعِوَضٍ، وَالتَّصَدُّقُ إلَّا بِيَسِيرٍ، وَالتَّكَفُّلُ، وَالْإِقْرَاضُ وَإِعْتَاقُ عَبْدِهِ وَلَوْ بِمَالٍ وَبَيْعُ نَفْسِهِ أَيْ الْعَبْدِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَبَرُّعَاتٌ فَلَا يَمْلِكُهَا الْمُكَاتَبُ (الْأَبُ وَالْوَصِيُّ فِي رَقِيقِ الصَّغِيرِ كَالْمُكَاتَبِ) أَيْ كُلُّ تَصَرُّفٍ يَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ فِي عَبْدِهِ يَمْلِكَانِهِ فِي رَقِيقِ الصَّغِيرِ وَمَا لَا فَلَا؛ لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ فِيهِ تَصَرُّفًا يَحْصُلُ بِهِ الْمَالُ لِلصَّغِيرِ كَالْمُكَاتَبِ يَمْلِكُ كَسْبَ الْمَالِ فَحُكْمُهُمَا حُكْمُهُ فَيَمْلِكَانِ كِتَابَةَ عَبْدِهِ لَا إعْتَاقَهُ عَلَى مَالٍ وَبَيْعَ عَبْدِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَيَمْلِكَانِ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ لَا إعْتَاقَهَا عَلَى مَالٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَهُوَ فَكُّ الْحَجْرِ كَمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالْكِتَابَةُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ فِي الِابْتِدَاءِ إذْ الْبَدَلُ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ ابْتِدَاءً وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْعِنَايَةِ.
[فَصْلٌ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُكَاتَبِ]
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ) كَذَا إجَارَتُهُ وَإِعَارَتُهُ وَإِيدَاعُهُ وَإِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ وَاسْتِيفَاؤُهُ وَقَبُولُ حَوَالَةٍ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَهُ عَنَانًا لَا مُفَاوَضَةً لِاسْتِلْزَامِهَا الْكَفَالَةَ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَذَكَرَ فِيهَا حُكْمَ وَصِيَّتِهِ مَبْسُوطًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِالْمُحَابَاةِ) يَعْنِي الْيَسِيرَةِ لِمَا قَالَ قَاضِي خَانْ وَلَا يُحَابِي مُحَابَاةً فَاحِشَةً كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ) يَعْنِي لَيْسَ مُتَمَكِّنًا فِي صُلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ لِمَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ الشَّرْطُ الْبَاطِلُ إنَّمَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ إذَا تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ كَمَا إذَا قَالَ: كَاتَبْتُك عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي مُدَّةً أَوْ زَمَانًا وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرْطَ لَا فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَا فِيمَا يُقَابِلُهُ فَلَا تَفْسُدُ بِهِ الْكِتَابَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ كِتَابَةُ رَقِيقِهِ) يَعْنِي الَّذِي لَمْ يَتَكَاتَبْ عَلَيْهِ بِقَرَابَةِ الْوِلَادِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ بَعْدَ عِتْقِهِ بَلْ قَبْلَهُ فَلِمَوْلَاهُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ بِأَدَاءِ الْأَوَّلِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى جُعِلَ مُعْتِقًا، وَالْوَلَاءُ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْمُعْتِقِ إلَى غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَدَّيَا جَمِيعًا مَعًا. . . إلَخْ) ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ) بِمَعْنَى لَا يَنْفُذُ تَزَوُّجُهُ بِلَا إذْنِ الْمَوْلَى (قَوْلُهُ: وَالتَّصَدُّقُ إلَّا بِيَسِيرٍ) يَعْنِي مِنْ الْمَأْكُولِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: حَتَّى لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ فَقِيرًا دِرْهَمًا وَلَا يَكْسُوهُ ثَوْبًا وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ إلَّا بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مِنْ الْمَأْكُولِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَلَا يَهَبُ وَلَا يَتَصَدَّقُ إلَّا بِالْيَسِيرِ يَعْنِي كَالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ، وَالْبَصَلِ، وَالْمِلْحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ.
وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ عَتَقَ رُدَّ إلَيْهِ حَيْثُ كَانَتْ الْهِبَةُ، وَالصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ لَا مُجِيزَ لَهُ حَالَ وُقُوعِهِ فَلَا يُتَوَقَّفُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّكَفُّلُ) أَيْ لَا بِالنَّفْسِ وَلَا بِالْمَالِ لَا بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَلَا بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ، وَالْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ فَلَا يَصِحُّ إذْنُهُ بِالتَّبَرُّعِ بِهِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: فَإِنْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي الْكَفَالَةِ فَكَفَلَ أُخِذَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْمَقْدِسِيُّ ﵏ فِي شَرْحِهِ نَظْمُ الْكَنْزِ: وَلَوْ كَفَلَ عَنْ سَيِّدِهِ صَحَّ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا اهـ
وَيَعْنِي لَوْ كَانَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لِيَلْتَقِيَ قِصَاصًا بِمَا أَدَّى عَنْ بَدَلِ كِتَابَتِهِ، (قَوْلُهُ: الْأَبُ وَالْوَصِيُّ فِي رَقِيقِ الصَّغِيرِ كَالْمُكَاتَبِ فَيَمْلِكَانِ كِتَابَةَ عَبْدِهِ) يَعْنِي اسْتِحْسَانًا وَإِذَا أَقَرَّ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ بِقَبْضِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ يُصَدَّقُ وَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ إقْرَارٌ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ فَيَصِحُّ وَفِي الثَّانِي بِالْعِتْقِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ
стр. 447
(وَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهُمَا مُضَارِبٌ وَشَرِيكٌ) شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ أَوْ عَنَانٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ إلَّا التِّجَارَةَ، وَالتَّزْوِيجُ وَالْكِتَابَةُ لَيْسَا مِنْهَا (وَيَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ مِنْ بَيْنِهِمَا وِلَادٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَهْلٌ لَأَنْ يُكَاتِبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْعِتْقِ فَيُجْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمْ مُكَاتَبًا مَعَهُ تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَأَقْوَاهُمْ دُخُولًا الْوَلَدُ الْمَوْلُودُ فِي كِتَابَتِهِ ثُمَّ الْوَلَدُ الْمُشْتَرَى ثُمَّ الْأَبَوَانِ وَلِهَذَا يَتَفَاوَتُونَ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّ الْمَوْلُودَ فِي كِتَابَتِهِ يَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ أَبِيهِ حَتَّى إذَا مَاتَ أَبُوهُ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً سَعَى عَلَى نُجُومِ أَبِيهِ، وَالْوَلَدُ الْمُشْتَرَى يُؤَدِّي بَدَلَ الْكِتَابَةِ حَالًّا وَإِلَّا رُدَّ إلَى الرِّقِّ، وَالْوَالِدَانِ يُرَدَّانِ إلَى الرِّقِّ لَوْ مَاتَ وَلَا يُؤَدِّيَانِ حَالًّا وَلَا مُؤَجَّلًا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الْمَوْلُودَ فِي الْكِتَابَةِ تَبَعِيَّتُهُ ثَابِتَةٌ بِالْمِلْكِ، وَالْبَعْضِيَّةُ الثَّابِتَةُ حَقِيقَةٌ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَالْوَلَدُ الْمُشْتَرَى تَبَعِيَّتُهُ ثَابِتَةٌ بِالْمِلْكِ وَبِالْبَعْضِيَّةِ بَيْنَهُمَا حُكْمًا فِي حَقِّ الْعَقْدِ لَا حَقِيقَةً فِي حَقِّهِ إذْ لَا بَعْضِيَّةَ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَالْوَالِدَانِ تَبَعِيَّتُهُمَا بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ لَا الْبَعْضِيَّةِ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِبَعْضٍ لَهُ فَاخْتَلَفَتْ الْأَحْكَامُ لِذَلِكَ (لَا غَيْرُ وَلَوْ مُحَرَّمًا كَالْأَخِ وَالْعَمِّ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الصِّلَةِ يَشْمَلُ الْقَرَابَةَ الْمَحْرَمِيَّةَ وَلِهَذَا يَعْتِقُ عَلَى الْحُرِّ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ وَتَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ لَهُمْ وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ إذَا سَرَقَ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَهُ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ كَسْبًا لَا مِلْكًا حَقِيقَةً لِوُجُودِ مَا يُنَافِيهِ وَهُوَ الرِّقُّ وَلِهَذَا إذَا اشْتَرَى امْرَأَتَهُ لَا يَفْسُدُ نِكَاحُهُ وَيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ وَلَوْ وَجَدَ كَنْزًا إلَّا أَنَّ الْكَسْبَ يَكْفِي لِلصِّلَةِ فِي الْوِلَادِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ يُخَاطَبُ بِنَفَقَةِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَلَا يُكَلَّفُ فِي غَيْرِهِمَا حَتَّى لَا يُخَاطَبُ الْأَخُ بِنَفَقَةِ أَخِيهِ إلَّا إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَالدُّخُولُ فِي الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ فَيَخْتَصُّ الْوُجُوبُ بِمَحِلِّهِ (حَتَّى جَازَ لَهُ) أَيْ لِلْمُكَاتَبِ (بَيْعُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُمْ لِيَمْتَنِعَ بَيْعُهُمْ (لَكِنَّهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (إذَا أَدَّى الْبَدَلَ عَتَقُوا) ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ مَوْقُوفٌ بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَيَتَقَرَّرَ لَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَعْجَزَ فَيَتَقَرَّرَ لِلْمَوْلَى وَهَاهُنَا تَقَرَّرَ لَهُ فَعَتَقُوا عَلَيْهِ (وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ ابْتِدَاءً.
(اشْتَرَى) الْمُكَاتَبُ (أُمَّ وَلَدِهِ لَوْ) كَانَتْ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ وَلَدِهَا (لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمَّا دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ امْتَنَعَ بَيْعُهُ لِمَا ذُكِرَ فَتَبِعَتْهُ أُمُّهُ فَامْتَنَعَ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لَهُ قَالَ ﵊ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدُهَا مَعَهَا (جَازَ) أَيْ بَيْعُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَهُ أَنَّ الْقِيَاسَ جَوَازُ بَيْعِهَا وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ مَوْقُوفٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا بِتَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ لِلْحَدِيثِ وَبِدُونِ الْوَلَدِ لَوْ ثَبَتَ ثَبَتَ ابْتِدَاءً، وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهِ. .
(زَوَّجَ) الْمُكَاتَبُ (أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ فَكَاتَبَهُمَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ) وَلَدًا (دَخَلَ) أَيْ الْوَلَدُ (فِي كِتَابَتِهَا وَكَسْبُهُ لَهَا) ؛ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأُمِّ أَرْجَحُ وَلِهَذَا يَتْبَعُهَا فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ كَمَا مَرَّ.
(مُكَاتَبٌ أَوْ مَأْذُونٌ نَكَحَ بِالْإِذْنِ حُرَّةً) لَا فِي الْوَاقِعِ بَلْ (بِزَعْمِهَا) حَيْثُ قَالَتْ: أَنَا حُرَّةٌ (فَوَلَدَتْ الْمَنْكُوحَةُ) وَلَدًا (فَاسْتُحِقَّتْ فَوَلَدُهَا عَبْدٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حُرٌّ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ الْحُرَّ فِي سَبَبِ ثُبُوتِ هَذَا الْحَقِّ وَهُوَ الْغُرُورُ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ فِي نِكَاحِهَا إلَّا لِيَنَالَ حُرِّيَّةَ الْأَوْلَادِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ وَلَدٌ بَيْنَ رَقِيقَيْنِ فَيَكُونُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهُمَا) أَيْ التَّزْوِيجِ، وَالْكِتَابَةِ (قَوْلُهُ: وَيَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ مِنْ بَيْنِهِمَا وِلَادٌ) هُمْ الْأُصُولُ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْفُرُوعُ لَهُ وَإِنْ سَفَلُوا (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يَتَفَاوَتُونَ فِي الْأَحْكَامِ) مِنْهَا أَنَّ الْمَوْلَى لَا يُطَالِبُ مَنْ دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ تَبَعًا بَلْ مَقْصُودًا وَلَا يُطَالِبُ التَّبَعَ حَالَ قِيَامِ الْمَتْبُوعِ (قَوْلُهُ: وَالْوَالِدَانِ يُرَدَّانِ إلَى الرِّقِّ كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَا يُؤَدِّيَانِ حَالًّا وَلَا مُؤَجَّلًا) ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَالْعِنَايَةِ وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ يُقَالُ لِلْوَلَدِ الْمُشْتَرَى أَوْ لِلْوَالِدَيْنِ إمَّا أَنْ تُؤَدُّوا الْكِتَابَةَ حَالًا وَإِلَّا رَدَدْنَاكُمْ فِي الرِّقِّ بِخِلَافِ الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ اهـ.
لَكِنْ تَنْتَفِي الْمُخَالَفَةُ بِحَمْلِ مَا فِي الْبَدَائِعِ عَلَى قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ وَيُحْمَلُ غَيْرُهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ وَسَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ: وَقَالَا يُكَاتَبُ عَلَيْهِ) أَيْ وَيَسْعَى عَلَى نُجُومِهِ عِنْدَهُمَا، كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ
(قَوْلُهُ: زَوَّجَ الْمُكَاتَبُ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ) هَكَذَا فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْمُكَاتَبِ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ لَيْسَ مُفِيدًا صِحَّةَ عَقْدِهِ وَمِلْكَهُ إيَّاهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ عَامٌّ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ النَّسَبِ وَدُخُولَ الْوَلَدِ فِي كِتَابَةِ أُمِّهِ فَإِنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ لِلشُّبْهَةِ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَكَمَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَمْلِكُ التَّسَرِّي وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ وَطِئَ أَمَةً اشْتَرَاهَا فَادَّعَى وَلَدَهَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَيَكُونُ كَسْبُهُ لَهُ دُونَ أُمِّهِ، كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهُنَا كَسْبُهُ لِأُمِّهِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا لَهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَيْسَ تَزْوِيجُ الْمُكَاتَبِ عَبْدَهُ كَتَزَوُّجِهِ يَكُونُ مَوْقُوفًا إذْ لَا مُجِيزَ لَهُ حَالَ صُدُورِهِ وَتَزْوِيجُهُ هُوَ لَهُ مُجِيزٌ وَهُوَ الْمَوْلَى الْحُرُّ فَصَارَ تَزْوِيجُهُ كَهِبَتِهِ الْكَثِيرَ،.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ: هِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ غَيْرُ الْيَسِيرِ لَا تَصِحُّ فَيَسْتَرِدُّهُ بَعْدَ عِتْقِهِ إذْ لَا مُجِيزَ لَهُمَا حَالَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ.
стр. 448
رَقِيقًا، وَقَدْ مَرَّ مِرَارًا أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ لَكِنْ تُرِكَ هَذَا الْأَصْلُ فِي الْمَغْرُورِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِيَلْحَقَ بِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى هُنَاكَ مَجْبُورٌ بِقِيمَةٍ نَاجِزَةٍ وَهَاهُنَا بِقِيمَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ.
(وَطِئَ الْمُكَاتَبُ أَمَةً اشْتَرَاهَا فَاسِدًا فَرُدَّتْ) عَلَى مَوْلَاهَا (أَوْ) اشْتَرَاهَا شِرَاءً (صَحِيحًا فَاسْتُحِقَّتْ ضَمِنَ عُقْرَهَا حَالًّا) أَيْ يُؤْخَذُ حَالَ الْكِتَابَةِ (كَالْمَأْذُونِ بِالتِّجَارَةِ) فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ هَكَذَا يَضْمَنُ عُقْرَهَا حَالًّا (نَكَحَهَا بِلَا إذْنٍ فَاسْتُحِقَّتْ ضَمِنَ) الْعُقْرَ (بَعْدَ عِتْقِهِ) ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ ظَهَرَ الدَّيْنُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ وَتَوَابِعَهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْكِتَابَةِ وَهَذَا الْعُقْرُ مِنْ تَوَابِعِهَا إذْ لَوْلَا الشِّرَاءُ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ وَمَا لَمْ يَسْقُطْ لَا يَجِبُ الْعُقْرُ وَفِي الثَّانِي لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ الِاكْتِسَابِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْعُقْرَ ثَبَتَ بِالْوَطْءِ لَا بِالشِّرَاءِ، وَالْإِذْنُ بِالشِّرَاءِ لَيْسَ إذْنًا بِالْوَطْءِ، وَالْوَطْءُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ فِي شَيْءٍ فَلَا يَكُونُ ثَابِتًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى أَقُولُ جَوَابُهُ: أَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ الْعُقْرَ يَثْبُتُ بِالْوَطْءِ لَا بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً لَكِنَّ الْوَطْءَ مُسْتَنِدٌ إلَى الشِّرَاءِ إذْ لَوْلَاهُ لَكَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا بِلَا شُبْهَةٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْعُقْرُ فَيَجِبُ الْحَدُّ فَيَكُونُ الْإِذْنُ بِالشِّرَاءِ إذْنًا بِالْوَطْءِ، وَالْوَطْءُ نَفْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ التِّجَارَةِ لَكِنَّ الشِّرَاءَ مِنْهَا فَيَكُونُ ثَابِتًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى.
(لِلْمَوْلَى أَنْ يُدَبِّرَهُ) أَيْ يَجُوزُ لِمَوْلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يُدَبِّرَهُ (فَإِنْ عَجَزَ بَقِيَ مُدَبَّرًا وَإِلَّا سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ ثُلُثَيْ الْبَدَلِ بِمَوْتِهِ مُعْسِرًا) يَعْنِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ بَعْدَ التَّدْبِيرِ مُخَيَّرٌ إمَّا أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ، وَيَكُونُ مُدَبَّرًا أَوْ يَمْضِيَ عَلَى الْكِتَابَةِ فَإِنْ مَضَى عَلَيْهَا فَمَاتَ الْمَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إمَّا أَنْ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ ثُلُثَيْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ مُوسِرًا بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِهِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِالتَّدْبِيرِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ (وَيَسْتَوْلِدَهَا) عَطْفٌ عَلَى يُدَبِّرَهُ أَيْ لِلْمَوْلَى يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْلِدَ مُكَاتَبَتَهُ بِأَنْ وَطِئَهَا فَوَلَدَتْ فَادَّعَى الْوَلَدَ فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ (وَمَضَتْ عَلَيْهَا أَوْ عَجَزَتْ وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ) أَيْ خُيِّرَتْ بَيْنَ أَنْ تَمْضِيَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَتُؤَدِّيَ الْبَدَلَ فَتَعْتِقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَتَأْخُذَ الْعُقْرَ مِنْهُ وَبَيْنَ أَنْ تُعَجِّزَ نَفْسَهَا فَتَعْتِقَ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى (وَيُكَاتِبَ) عَطْفٌ عَلَى يُدَبِّرَهُ أَوْ يَسْتَوْلِدَهَا أَيْ لِلْمَوْلَى أَنْ يُكَاتِبَ (أُمَّ وَلَدِهِ وَعَتَقَتْ بِمَوْتِهِ) لِتَعَلُّقِ عِتْقِهَا بِمَوْتِهِ (مَجَّانًا) أَيْ سَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ إيجَابِهِ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ فَإِذَا عَتَقَتْ قَبْلَهُ لَا يُمْكِنُ تَوْفِيرُ الْغَرَضِ عَلَيْهِ (وَمُدَبَّرَهُ) عَطْفٌ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ مُدَبَّرَهُ (وَسَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ كُلِّ الْبَدَلِ بِمَوْتِهِ) أَيْ مَوْلَاهُ (مُعْسِرًا) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا،.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثَيْ الْبَدَلِ، وَالْخِيَارُ وَعَدَمُهُ فَرْعُ التَّجْزِيءِ وَعَدَمُهُ كَمَا مَرَّ.
(وَيُصَالِحُ) الْمَوْلَى (مَعَ مُكَاتَبِهِ مِنْ أَلْفَيْنِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى) أَيْ مَوْلَى الْأَمَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً (هُنَاكَ) الْإِشَارَةُ إلَى مَسْأَلَةِ الْحُرِّ الْمَغْرُورِ (قَوْلُهُ: وَهَا هُنَا بِقِيمَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ) إلْزَامٌ لِمُحَمَّدٍ ﵀ بِمَا يَقُولُهُ مِنْ أَنَّ الْقِيمَةَ لَازِمَةٌ لِلْمَغْرُورِ بَعْدَ حُرِّيَّتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ أَنَّ قِيمَةَ الْأَوْلَادِ عِنْدَهُ أَيْ مُحَمَّدٍ يَتَأَخَّرُ أَدَاؤُهَا إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ فَكَأَنَّ الْمَانِعَ عَنْ إلْحَاقِهِ بِالْحُرِّ مَوْجُودٌ وَهُوَ الضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالْمُسْتَحَقِّ بِالتَّأْخِيرِ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ (قَوْلُهُ: فَبَقِيَ) أَيْ الْوَلَدُ عَلَى الْأَصْلِ فِي تَبَعِيَّةِ الْأُمِّ فِي الرِّقِّ أَوْ فَبَقِيَ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ رِقُّ وَلَدِهِ لِرِقِّ أُمِّهِ وَلَمْ يَلْحَقْ أَيْ الْمُكَاتَبُ وَلَا الْمَأْذُونُ بِهِ أَيْ بِالْحُرِّ فَلَا يَكُونُ وَلَدُهُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ اشْتَرَاهَا شِرَاءً صَحِيحًا فَاسْتُحِقَّتْ) الِاسْتِحْقَاقُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الشِّرَاءِ فَكَيْفَ يُوصَفُ الشِّرَاءُ بِهَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ، كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ: لَوْ وَطِئَ مُشْتَرَاتَهُ فَاسْتُحِقَّتْ أَوْ رُدَّتْ لِفَسَادِ الْبَيْعِ. . . إلَخْ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْإِذْنُ بِالشِّرَاءِ إذْنًا بِالْوَطْءِ) غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَكَانَ يَنْبَغِي تَرْكُهُ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، يُوَضِّحُهُ مَا فَرَّقَ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ أَوْجَبَتْ الشِّرَاءَ وَالشِّرَاءَ أَوْجَبَ سُقُوطَ الْحَدِّ وَسُقُوطَ الْحَدِّ أَوْجَبَ الْعُقْرَ فَالْكِتَابَةُ أَوْجَبَتْ الْعُقْرَ وَلَا كَذَلِكَ النِّكَاحُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ ثُلُثَيْ الْبَدَلِ بِمَوْتِهِ مُعْسِرًا) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ مُسْتَحَقٌّ بِالتَّدْبِيرِ الْمُتَأَخِّرِ فَيَسْقُطُ بِهِ ثُلُثُ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَهُمَا أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَيَّنَا الْأَقَلَّ مِنْهُمَا لِلسِّعَايَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْخِلَافُ هُنَا فِي الْخِيَارِ وَأَمَّا الْمِقْدَارُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِالثُّلُثَيْنِ، كَمَا فِي الْبُرْهَانِ: (قَوْلُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْلِدَ مُكَاتَبَتَهُ) غَيْرُ جَيِّدٍ فَإِنَّ مُرَادَهُ بِالْجَوَازِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَوْلَى وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الْأَكْمَلُ وَغَيْرُهُ، فَلَوْ قَالَ كَالْكَنْزِ وَلَدَتْ مُكَاتَبَةٌ مِنْ سَيِّدِهَا. . . إلَخْ لَتَخَلَّصَ عَنْ هَذَا (قَوْلُهُ: فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ) يَعْنِي وَإِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ رَقَبَةً كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ حَالَ كِتَابَتِهَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ لِحُرْمَةِ وَطْئِهَا عَلَيْهِ وَإِذَا مَاتَتْ مِنْ غَيْرِ وَفَاءٍ سَعَى هَذَا الْوَلَدُ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ تَبَعًا لَهَا وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ عَتَقَ وَبَطَلَ عَنْهُ تَعَبُ السِّعَايَةِ، كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَتَأْخُذُ الْعُقْرَ مِنْهُ) ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا حَالَ كِتَابَتِهَا أَمَّا لَوْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْكِتَابَةِ وَلَمْ يُقِرَّ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ لَا يَتَوَجَّهُ اسْتِحْقَاقُهَا الْعُقْرَ عَلَيْهِ فَلْيُنْظَرْ
стр. 449
مُؤَجَّلٍ عَلَى أَلْفٍ حَالٍّ) وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ الْأَجَلِ بِالْمَالِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَجَلَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِهِ وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِمَالٍ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَاعْتَدَلَا.
(مَاتَ مَرِيضٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ) فِي مَرَضِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ سِوَى الْعَبْدِ (عَلَى ضِعْفِ قِيمَتِهِ) بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا فَكَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ (بِأَجَلٍ وَرَدَّ وَرَثَتُهُ) هَذَا التَّصَرُّفَ (أَدَّى) أَيْ الْمُكَاتَبُ (ثُلُثَيْ الْبَدَلِ حَالًّا وَبَاقِيَهُ مُؤَجَّلًا أَوْ اُسْتُرِقَّ) يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ ثُلُثَيْ الْبَدَلِ حَالًّا وَالْبَاقِيَ مُؤَجَّلًا وَبَيْنَ أَنْ يَأْبَى فَيُسْتَرَقَّ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفِ حَالًّا، وَالْبَاقِيَ إلَى أَجَلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ لَيْسَ لَهُ التَّأْجِيلُ فِي ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ إذْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَفِيمَا وَرَاءَهُ يَصِحُّ لَهُ التَّرْكُ فَيَصِحُّ التَّأْخِيرُ وَلَهُمَا أَنَّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى بَدَلُ الرَّقَبَةِ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَلِ فَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي ثُلُثَيْهِ (وَلَوْ) كَاتَبَهُ الْمَرِيضُ (عَلَى نِصْفِهَا) أَيْ نِصْفِ قِيمَتِهِ بِأَنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ (أَدَّى ثُلُثَيْهَا حَالًّا) وَسَقَطَ الْبَاقِي مِنْ الْقِيمَةِ (أَوْ اُسْتُرِقَّ) يَعْنِي أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ وَقَعَتْ فِي الْمِقْدَارِ وَفِي التَّأْخِيرِ فَيَنْفُذُ بِالثُّلُثِ لَا الثُّلُثَيْنِ.
(حُرٌّ كَاتَبَ عَنْ عَبْدٍ بِأَلْفٍ وَأَدَّى الْحُرُّ عَتَقَ) الْعَبْدُ (وَلَا يَرْجِعُ) الْحُرُّ (عَلَيْهِ وَإِنْ قَبِلَ الْعَبْدُ فَمُكَاتَبٌ) صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ حُرٌّ لِمَوْلَى الْعَبْدِ: كَاتِبْ عَبْدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت إلَيْك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ وَكَاتَبَهُ الْمَوْلَى عَلَى ذَلِكَ يَعْتِقُ بِأَدَائِهِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ وَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ صَارَ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى إجَازَتِهِ، وَقَبُولُهُ إجَازَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت إلَيْك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَأَدَّى لَا يَعْتِقُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَعْدُومٌ، وَالْعَقْدَ مَوْقُوفٌ، وَالْمَوْقُوفُ لَا حُكْمَ لَهُ وَيَعْتِقُ اسْتِحْسَانًا إذْ لَا ضَرَرَ لِلْعَبْدِ الْغَائِبِ فِي تَعْلِيقِ عِتْقِهِ بِأَدَاءِ الْقَابِلِ فَيَصِحُّ فِي حَقِّي هَذَا الْحُكْمُ وَيُتَوَقَّفُ عَلَى لُزُومِ الْأَلْفِ وَلَوْ أَدَّى الْحُرُّ الْبَدَلَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.
(كُوتِبَ عَبْدٌ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ وَقَبِلَ الْحَاضِرُ) الْعَقْدَ (فَأَيٌّ) مِنْهُمَا (أَدَّى) الْبَدَلَ (قَبِلَ) الْمَوْلَى ذَلِكَ الْبَدَلَ (جَبْرًا وَعَتَقَا) صُورَتُهُ: رَجُلٌ لَهُ عَبْدَانِ قَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: كَاتِبْنِي بِأَلْفٍ عَنْ نَفْسِي وَعَنْ فُلَانٍ فَفَعَلَ وَقَبِلَ الْحَاضِرُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَصِحَّ فِي حِصَّةِ الْحَاضِرِ وَيُتَوَقَّفَ فِي حِصَّةِ الْغَائِبِ عَلَى قَبُولِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاضِرَ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ ابْتِدَاءً جَعَلَ نَفْسَهُ فِيهِ أَصِيلًا، وَالْغَائِبُ تَبَعًا كَأَمَةٍ كُوتِبَتْ دَخَلَ أَوْلَادُهَا تَبَعًا حَتَّى عَتَقُوا بِأَدَائِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ فَإِذَا صَحَّتْ عَنْ الْحَاضِرِ فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِكُلِّ الْبَدَلِ لِأَصَالَتِهِ فَأَيُّهُمَا أَدَّى يُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ، أَمَّا الْحَاضِرُ فَلِكَوْنِ الْبَدَلِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَلِأَنَّهُ يَنَالُ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَدَلُ عَلَيْهِ وَصَارَ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ إذَا أَدَّى الدَّيْنَ يُجْبَرُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْقَبُولِ لِحَاجَتِهِ إلَى تَخْلِيصِ دَيْنِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ عَلَيْهِ.
(وَ) أَيُّهُمَا أَدَّى (لَمْ يَرْجِعْ) عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِي حَقِّ الْآخَرِ (وَقَبُولُ الْغَائِبِ لَغْوٌ) فَلَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ لِنَفَاذِ الْعَقْدِ عَلَى الْحَاضِرِ (فَإِنْ حَرَّرَهُ) أَيْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى الْغَائِبَ (سَقَطَ عَنْ الْحَاضِرِ حِصَّتُهُ) مِنْ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ مَقْصُودًا فَكَانَ الْبَدَلُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي ثُلُثِهِ) كَذَا بِصُورَةِ إفْرَادِ الثُّلُثِ فِي النُّسَخِ وَصَوَابُهُ فِي ثُلُثَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَى الثُّلُثَيْنِ رَاجِعٌ لِلْحَقِّ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ اللُّزُومِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِالثُّلُثَيْنِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى نِصْفِهَا) أَيْ إلَى أَجَلٍ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ أَدَّى ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ حَالًّا أَوْ رُدَّ رَقِيقًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا (قَوْلُهُ: فَيَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ لَا الثُّلُثَيْنِ) أَيْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي ثُلُثِ قِيمَتِهِ فِي الْإِسْقَاطِ، وَالتَّأْخِيرِ لَكِنْ لَمَّا سَقَطَ ذَلِكَ الثُّلُثُ لَمْ يَبْقَ التَّأْخِيرُ أَيْضًا وَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِي ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ لَا فِي حَقِّ الْإِسْقَاطِ وَلَا فِي حَقِّ التَّأْخِيرِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَبِلَ الْعَبْدُ فَمُكَاتَبٌ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لَا أَقْبَلُهُ فَأَدَّى عَنْهُ الرَّجُلُ الَّذِي كَاتَبَ عَنْهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ ارْتَدَّ بِرَدِّهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: صُورَتُهُ. . . إلَخْ) إنَّمَا صُوِّرَ بِهَذِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ فِيهَا الْعَبْدُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا بِأَدَاءِ الْحُرِّ الْقَابِلِ وَإِلَّا فَقَدْ قِيلَ صُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْحُرُّ فِي مُكَاتَبَتِهِ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ عَلَى أَدَائِهِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: كَاتِبْ عَبْدَك فُلَانًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَكِنَّهُ يَعْتِقُ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَدَّى الْحُرُّ الْبَدَلَ لَا يُرْجَعُ عَلَى الْعَبْدِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مَوْلَاهُ، كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ) يَعْنِي، وَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهُ وَهُوَ عِتْقُ الْعَبْدِ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَدَّى بَعْضَ الْبَدَلِ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّاهُ عَلَى الْمَوْلَى لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ الْعِتْقُ سَوَاءٌ أَدَّى بِضَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ ضَمَانٍ وَإِذَا أَدَّى كُلَّ الْبَدَلِ بِضَمَانٍ يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَاطِلًا كَمَا لَوْ ضَمِنَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ فَأَدَّى يَرْجِعُ بِمَا أَدَّاهُ فَهَاهُنَا أَوْلَى بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّاهُ بِلَا ضَمَانٍ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ فَتَمَّ مُرَادُهُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: كُوتِبَ عَبْدٌ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ وَقَبِلَ الْحَاضِرُ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَهُ صَحَّ (قَوْلُهُ: لِحَاجَتِهِ إلَى تَخْلِيصِ عَيْنِهِ) هُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ دَيْنِهِ بَدَلَ عَيْنِهِ، وَهُوَ غَلَطٌ (قَوْلُهُ: وَقَبُولُ الْغَائِبِ لَغْوٌ) كَذَا رَدَّهُ، كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ حَرَّرَهُ سَقَطَ عَنْ الْحَاضِرِ حِصَّتُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَبْرَأَهُ) أَيْ الْمَوْلَى
стр. 450
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَالَبًا بِهِ بِخِلَافِ الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْأَمَةِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ مَقْصُودًا وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا وَإِنَّمَا دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ تَبَعًا وَكَذَا وَلَدُهَا الْمُشْتَرَى (وَإِنْ حَرَّرَ) الْمَوْلَى الْمُكَاتَبَ (الْحَاضِرَ أَوْ مَاتَ) الْحَاضِرُ (سَقَطَ) حِصَّةُ الْحَاضِرِ (وَأَدَّى الْغَائِبُ حِصَّتَهُ حَالًّا، وَإِلَّا رُدَّ قِنًّا) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْعَقْدِ مَقْصُودًا بِخِلَافِ الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ حَيْثُ يَبْقَى عَلَى نُجُومِ، وَالِدِهِ إذَا مَاتَ.
(كُوتِبَتْ أَمَةٌ وَطِفْلَانِ لَهَا وَقَبِلَتْ فَأَيٌّ أَدَّى لَمْ يَرْجِعْ وَعَتَقُوا) لِمَا مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
(بَابُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ)
(أَحَدُ شَرِيكَيْ عَبْدٍ أَذِنَ لِلْآخَرِ بِكِتَابَةِ حِصَّتِهِ) أَيْ حِصَّةِ الْآخَرِ (بِأَلْفٍ وَقَبْضِهِ) أَيْ قَبْضِ أَلْفٍ (فَفَعَلَ وَقَبَضَ بَعْضَهُ فَهُوَ لَهُ) أَيْ لِلْقَابِضِ (إنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ وَقَالَا هُوَ مُكَاتَبٌ بَيْنَهُمَا وَمَا أَدَّى فَهُوَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْكِتَابَةَ عِنْدَهُمَا غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ فَالْإِذْنُ بِكِتَابَةِ نَصِيبِهِ إذْنٌ بِكِتَابَةِ الْكُلِّ فَالْقَابِضُ أَصِيلٌ فِي الْبَعْضِ وَوَكِيلٌ فِي الْبَعْضِ، وَالْمَقْبُوضُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَبَقِيَ كَذَلِكَ بَعْدَ الْعَجْزِ، وَعِنْدَهُ مُتَجَزِّئَةٌ فَيَكُونُ الْإِذْنُ مُقْتَصِرًا عَلَى نَصِيبِهِ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ حَقُّ الْفَسْخِ فَبِالْإِذْنِ لَا يَبْقَى لَهُ ذَلِكَ وَإِذْنُهُ لِشَرِيكِهِ بِالْقَبْضِ إذْنٌ لِلْعَبْدِ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي نَصِيبِهِ عَلَى الْقَابِضِ فَيَكُونُ لَهُ (وَلَوْ) قَبَضَ (كُلَّهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ) أَيْ الْقَابِضِ.
(مُكَاتَبَةٌ لِرَجُلَيْنِ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ وَطِئَ الْآخَرُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ فَعَجَزَتْ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمَّا ادَّعَى الْوَلَدَ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فَصَارَ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَيَقْتَصِرُ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ عَلَى نَصِيبِهِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَإِذَا ادَّعَى الْآخَرُ وَلَدَهَا الثَّانِيَ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ أَيْضًا لِقِيَامِ مِلْكِهِ ثُمَّ إذَا عَجَزَتْ جُعِلَتْ الْكِتَابَةُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمَةَ كُلَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الِانْتِقَالِ قَدْ زَالَ وَوَطْؤُهُ سَابِقٌ (وَضَمِنَ) لِلْآخَرِ (نِصْفَ قِيمَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَهُ لَمَّا اسْتَكْمَلَ الِاسْتِيلَادَ (وَنِصْفَ عُقْرِهَا) لِوَطْئِهِ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً (وَضَمِنَ شَرِيكُهُ عُقْرَهَا) بِالتَّمَامِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ الْغَيْرِ حَقِيقَةً فَلَزِمَهُ كَمَالُ الْعُقْرِ وَ (قِيمَةَ الْوَلَدِ) يَعْنِي الْوَلَدَ الثَّانِيَ (وَهُوَ ابْنُهُ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْرُورِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وَطِئَهَا كَانَ مِلْكُهُ قَائِمًا ظَاهِرًا وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْهُ وَحُرٌّ بِالْقِيمَةِ كَمَا عَرَفْت (وَأَيٌّ دَفَعَ إلَيْهَا الْعُقْرَ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً فَحَقُّ الْقَبْضِ لَهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِمَنَافِعِهَا وَأَبْدَالِهَا وَإِذَا عَجَزَتْ تُرَدُّ إلَى الْمَوْلَى لِظُهُورِ اخْتِصَاصِهِ (وَإِنْ دَبَّرَ الثَّانِي وَلَمْ يَطَأْهَا فَعَجَزَتْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الْمِلْكَ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْلِدَ تَمَلَّكَهَا قَبْلَ الْعَجْزِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْغَائِبُ أَوْ وَهَبَهُ مَالَ الْكِتَابَةِ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ أَبْرَأَ الْحَاضِرُ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ عَتَقَا جَمِيعًا، كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: كُوتِبَتْ أَمَةٌ وَطِفْلَانِ لَهَا) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ ثُبُوتَ الْجَوَازِ هَا هُنَا قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لَهَا بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ اسْتِحْسَانٌ لَا قِيَاسٌ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَأَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ. اهـ.
[بَابُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ]
(قَوْلُهُ: وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ حَقُّ الْفَسْخِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالْكِتَابَةِ فِي الْحَالِ، وَفِي ثَانِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ مُكَاتَبٌ وَفِي ثَانِي الْحَالِ يَصِيرُ مُسْتَسْعًى فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ، وَالْكِتَابَةُ تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَلَا يَصِحُّ فَسْخُهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِرِضَى الْعَبْدِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَدَّى الْعَبْدُ عَتَقَ نِصْفُهُ وَيَرْجِعُ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ مَا أَخَذَ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدٍ بَيْنَهُمَا وَيَرْجِعُ الَّذِي كَاتَبَ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا قَبَضَ شَرِيكُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى بَدَلٍ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَى تَمَامِ الْبَدَلِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ الْكَسْبِ فِي يَدِ الْعَبْدِ لَهُ نِصْفُهُ بِالْكِتَابَةِ وَنِصْفُهُ لِشَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ هَذَا فِي الْكَسْبِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ يَصِيرُ مُسْتَسْعًى وَهُوَ أَحَقُّ بِمَنَافِعِهِ وَمَكَاسِبِهِ مِنْ السَّيِّدِ، وَالْقَوْلُ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ حَادِثٌ فَيُحَالُ حُدُوثُهُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَبَضَ كُلَّهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ) أَيْ الْقَابِضُ الَّذِي أَذِنَهُ شَرِيكُهُ فِي مُكَاتَبَةِ نَصِيبِهِ وَلَيْسَ لَهُ مُشَارَكَتُهُ فِيمَا قَبَضَ إنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ بِقَبْضِ الْبَدَلِ وَإِلَّا شَارَكَهُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَضَمِنَ لِلْأَوَّلِ نِصْفَ قِيمَتِهَا) يَعْنِي حَالَ كَوْنِهَا مُكَاتَبَةً وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهُ فِي حَالِ كِتَابَتِهَا وَسَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ بِهِمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَجْزِ عَنْ الْأَدَاءِ وَفِي نِصْفِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَدَاءِ، وَالْأَقَلُّ مُتَيَقَّنٌ فَيَجِبُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ نِصْفُ قِيمَتِهِ قِنًّا؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ يَدًا وَبَقِيَتْ الرَّقَبَةُ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَأَيُّ دَفَعَ إلَيْهَا الْعُقْرَ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهَا حَالَ قِيَامِ الْكِتَابَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِنَفْسِهَا فَإِذَا عَجَزَتْ تَرُدُّهُ إلَى الْمَوْلَى لِظُهُورِ اخْتِصَاصِهِ بِهَا
стр. 451
وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّهُ بِالْعَجْزِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَهُ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَادَفَ مِلْكَ غَيْرِهِ، وَالتَّدْبِيرُ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ بِخِلَافِ النَّسَبِ فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ الْغُرُورَ كَمَا مَرَّ (وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ وَكَمُلَ الِاسْتِيلَادُ (وَالْوَلَدُ لَهُ) لِمَا مَرَّ أَنَّ دَعْوَتَهُ صَحِيحَةٌ لِقِيَامِ الْمُصَحِّحِ (وَضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ عُقْرِهَا) لِوَطْئِهِ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً (وَنِصْفَ قِيمَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نِصْفَهَا بِالِاسْتِيلَادِ وَهُوَ تَمَلُّكٌ بِالْقِيمَةِ (فَإِنْ حَرَّرَهَا) يَعْنِي إنْ كَانَا كَاتَبَاهَا ثُمَّ حَرَّرَهَا (أَحَدُهُمَا غَنِيًّا فَعَجَزَتْ ضَمِنَ الْمُحَرِّرُ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِشَرِيكِهِ وَرَجَعَ) الضَّامِنُ بِهِ (عَلَيْهَا) عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَرْجِعُ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ السَّاكِتَ إذَا ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ يَرْجِعُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا.
(عَبْدٌ لِرَجُلَيْنِ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا فَحَرَّرَهُ الْآخَرُ غَنِيًّا أَوْ عَكَسَا) أَيْ حَرَّرَهُ أَحَدُهُمَا غَنِيًّا ثُمَّ دَبَّرَهُ الْآخَرُ (أُعْتِقَ الْمُدَبَّرُ أَوْ اسْتَسْعَى فِيهِمَا) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ (أَوْ ضَمِنَ شَرِيكُهُ فِي الْأُولَى فَقَطْ) وَهِيَ مَا إذَا دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا أَوَّلًا فَإِنَّهُ إذَا دَبَّرَهُ أَوَّلًا فَلِشَرِيكِهِ تَضْمِينُهُ أَوْ إعْتَاقُ حِصَّتِهِ أَوْ الِاسْتِسْعَاءُ مِنْ الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِذَا أَعْتَقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ التَّضْمِينِ وَالِاسْتِسْعَاءِ وَأَفْسَدَ بِهِ نَصِيبَ الْمُدَبَّرِ فَلَهُ أَنْ يُعْتِقَ أَوْ يَسْتَسْعِيَ أَوْ يَضْمَنَ قِيمَتَهُ مُدَبَّرًا وَهِيَ نِصْفُ قِيمَتِهِ قِنًّا أَوْ ثُلُثَاهَا كَمَا مَرَّ وَبِالضَّمَانِ لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ صُورَةُ الْعَكْسِ إذَا حَرَّرَ الْأَوَّلُ فَلِلْآخَرِ الْخِيَارَاتُ الثَّلَاثُ عِنْدَهُ فَإِذَا دَبَّرَهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ التَّضْمِينِ بَلْ وِلَايَةُ الْإِعْتَاقِ أَوْ الِاسْتِسْعَاءِ فَوِلَايَةُ الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ ثَابِتَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَالتَّضْمِينُ يَخْتَصُّ بِالْأُولَى وَعِنْدَهُمَا إذَا دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا فَإِعْتَاقُ الْآخَرِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَيَمْلِكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالتَّدْبِيرِ وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ قِنًّا مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْعِسَارِ وَالْيَسَارِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا فَتَدْبِيرُ الْآخَرِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَيَسْعَى الْعَبْدُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ إعْتَاقٍ فَيَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْعِسَارِ. .
[بَابُ مَوْتِ الْمُكَاتَب وَعَجْزِهِ]
(بَابُ الْمَوْتِ وَالْعَجْزِ)
(مُكَاتَبٌ عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ) النَّجْمُ الطَّالِعُ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ مَا يُؤَدَّى فِيهِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا (لَوْ) كَانَ (لَهُ مَالٌ سَيَصِلُ لَمْ يُعَجِّزْهُ الْحَاكِمُ) أَيْ لَمْ يَحْكُمْ بِعَجْزِهِ (إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ فَإِنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ كَإِمْهَالِ الْخَصْمِ لِلدَّفْعِ، وَالْمَدْيُونِ لِلْقَضَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ سَيَصِلُ (عَجَّزَهُ) هَذَا عِنْدَهُمَا،.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُعَجِّزُهُ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ (وَفَسَخَهَا) أَيْ فَسَخَ الْحَاكِمُ الْكِتَابَةَ بَعْدَ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ (بِطَلَبِ مَوْلَاهُ أَوْ) فَسَخَ مَوْلَاهُ (بِرِضَاهُ) أَيْ رِضَا الْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْعَبْدُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ تَامٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَاءِ، كَمَا فِي الرُّجُوعِ عَنْ الْهِبَةِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَنْفَرِدُ الْمَوْلَى بِالْفَسْخِ وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ كَمَا إذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ، كَذَا فِي الْكَافِي: اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْلَى حَقُّ الْفَسْخِ وَإِعَادَتِهِ إلَى الرِّقِّ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْعَبْدِ وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَفْسَخَ فِي الْجَائِزَةِ وَالْفَاسِدَةِ بِغَيْرِ رِضَاءِ الْمَوْلَى، كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ (وَعَادَ رِقُّهُ) لِانْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ (وَمَا فِي يَدِهِ) مِنْ الْأَكْسَابِ (لِمَوْلَاهُ) إذْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ (وَإِنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ لَمْ تُفْسَخْ) الْكِتَابَةُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تُفْسَخُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَنَحْنُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فَعَجَزَتْ ضَمِنَ الْمُحَرِّرُ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِشَرِيكِهِ) يَعْنِي إذَا اخْتَارَ تَضْمِينَهُ وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ أَوْ اسْتَسْعَى (قَوْلُهُ: وَرَجَعَ الضَّامِنُ بِهِ عَلَيْهَا عِنْدَهُ) يَعْنِي إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ السَّاكِتِ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا لَا يَرْجِعُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَيَسْتَسْعِيهَا السَّاكِتُ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا اهـ
يَعْنِي أَوْ يُعْتِقُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ السَّاكِتَ إذَا ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ يَرْجِعُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا) لَمْ يُقَدِّمْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَلِكَ بَلْ سَكَتَ عَنْهُ وَذَكَرْته ثَمَّةَ وَوَجْهُ عَدَمِ الرُّجُوعِ عَلَيْهَا عِنْدَهُمَا أَنَّهُ ضَمِنَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ بِإِعْتَاقِهِ وَهُوَ فِعْلُهُ فَلَا يَلْزَمُهَا ضَمَانُ مَا لَزِمَهُ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا
(بَابُ الْمَوْتِ وَالْعَجْزِ)
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ تَامٌّ) يَعْنِي فِي حَقِّ الْمَوْلَى أَمَّا فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَغَيْرُ لَازِمٍ نَظَرًا لَهُ فَيَمْلِكُ الْفَسْخَ مِنْ غَيْرِ رِضَى مَوْلَاهُ، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ
стр. 452
نَقُولُ تَسْتَنِدُ الْحُرِّيَّةُ إلَى مَا قَبْلَ الْمَوْتِ (وَقَضَى بَدَلَهُ مِنْهُ وَحَكَمَ بِمَوْتِهِ حُرًّا، وَالْإِرْثِ مِنْهُ وَعِتْقِ بَنِيهِ سَوَاءٌ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ أَوْ شَرَاهُمْ حَالَ كِتَابَتِهِ أَوْ كُوتِبَ هُوَ وَابْنُهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بِمَرَّةٍ) أَيْ بِكِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَتْبَعُهُ فِي الْكِتَابَةِ وَبِعِتْقِهِ عَتَقُوا (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَمَنْ وُلِدَ فِي كِتَابَتِهِ يَسْعَى عَلَى نُجُومِهِ وَبِأَدَائِهِ حُكِمَ بِعِتْقِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَبِعِتْقِهِ) أَيْ عِتْقِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي كِتَابَتِهِ، وَكَسْبُهُ كَكَسْبِهِ فَيَخْلُفُهُ فِي الْأَدَاءِ وَصَارَ كَمَا إذَا تَرَكَ وَفَاءً.
(تَرَكَ وَلَدًا شَرَاهُ فِيهَا) أَيْ فِي كِتَابَتِهِ (أَدَّى) الْوَلَدُ (الْبَدَلَ حَالًّا أَوْ رُدَّ رَقِيقًا) عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يُؤَدِّيهِ إلَى أَجَلِهِ اعْتِبَارًا بِالْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ وَلَهُ أَنَّ الْأَجَلَ ثَبَتَ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ فَيَدْخُلُ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ الْعَقْدِ، وَالْمُشْتَرَى لَمْ يَدْخُلْ إذْ لَمْ يُضَفْ إلَى الْعَقْدِ وَلَمْ يَسْرِ حُكْمُهُ إلَيْهِ لِانْفِصَالِهِ بِخِلَافِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ وَقْتَهَا فَيَسْرِي الْحُكْمُ إلَيْهِ وَإِذَا دَخَلَ فِي حُكْمِهِ سَعَى عَلَى نُجُومِهِ.
(تَرَكَ وَلَدًا مِنْ حُرَّةٍ وَدَيْنًا يَفِي بِالْبَدَلِ فَجَنَى الْوَلَدُ وَقُضِيَ بِهِ) أَيْ بِمُوجَبِ الْجِنَايَةِ (عَلَى عَاقِلَةِ أُمِّهِ لَمْ يَكُنْ تَعْجِيزًا لِأَبِيهِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ يُقَرَّرُ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي إلْحَاقَ الْوَلَدِ بِمَوَالِي الْأُمِّ وَإِيجَابَ الْعَقْلِ عَلَيْهِمْ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ فَيَنْجَرُّ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَالْقَضَاءُ بِمَا يُقَرِّرُ حُكْمَهُ لَا يَكُونُ تَعْجِيزًا وَإِنَّمَا قَالَ وَدَيْنًا يَفِي؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَيْنًا لَا يَتَأَتَّى الْقَضَاءُ بِالْإِلْحَاقِ بِالْأُمِّ لِإِمْكَانِ الْوَفَاءِ فِي الْحَالِ (وَإِنْ اخْتَصَمَ قَوْمُ أُمِّهِ وَأَبِيهِ فِي وَلَائِهِ فَقُضِيَ بِهِ لِقَوْمِ أُمِّهِ فَهُوَ تَعْجِيزٌ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَضَاءِ بِكَوْنِ وَلَاءِ الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأُمِّ أَنَّ الْأَبَ مَاتَ رَقِيقًا وَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ فَيَكُونُ الْقَضَاءُ فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ وَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ.
(طَابَ لِمَوْلَاهُ صَدَقَةٌ أَدَّاهَا إلَيْهِ فَعَجَزَ) يَعْنِي أَنَّ مَوْلَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَصْرِفًا لِلصَّدَقَةِ زَكَاةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، فَأَخَذَ الْمُكَاتَبُ الزَّكَاةَ مَثَلًا لِكَوْنِهِ مِنْ الْمَصَارِفِ وَأَدَّاهُ إلَى الْمَوْلَى عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ ثُمَّ عَجَزَ فَظَهَرَ أَنَّ الْمَوْلَى أَخَذَ الزَّكَاةَ غَنِيًّا وَمَعَ ذَلِكَ يَطِيبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عِوَضًا عَنْ الْعِتْقِ زَمَانَ الْأَخْذِ، وَالْعَبْدُ قَدْ أَخَذَهُ صَدَقَةً وَمِنْ الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ تَبَدُّلَ الْمِلْكِ قَائِمٌ مَقَامَ تَبَدُّلِ الذَّاتِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِبَرِيرَةَ هِيَ لَك صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.
(جَنَى) الْمُكَاتَبُ (جِنَايَةً أَوْ جِنَايَاتٍ خَطَأً كَانَ عَلَيْهِ حَالًّا) أَيْ عَلَى الْمُكَاتَبِ (فِي كَسْبِهِ) لَا عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى رَقَبَةً وَذَاتًا حُرٌّ يَدًا وَتَصَرُّفًا فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ رَقَبَةً يَكُونُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمَوْلَى وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حُرٌّ يَدًا وَكَسْبًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْلَى فَجُعِلَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ فِي كَسْبِهِ حَتَّى يَكُونَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ لَهُمَا حَقًّا فِي أَكْسَابِهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ دَفْعُهُ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ وَهِيَ حَقُّهُمَا فَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ فِي مَالِهِمَا (الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ لَكِنْ تَعَذَّرَ دَفْعُهُ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ وَلَوْ كَانَ مُمْكِنَ الدَّفْعِ يَتَخَلَّصُ الْمَوْلَى بِدَفْعِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَعِتْقِ بَنِيهِ) لَوْ قَالَ وَلَدَهُ كَالْكَنْزِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْبَنَاتَ (قَوْلُهُ: وَبِأَدَائِهِ حُكِمَ بِعِتْقِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَبِعِتْقِهِ) كَذَا جَعَلَ الْعِتْقَ مُسْتَنِدًا صَاحِبُ الْكَنْزِ وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ وَأُدِّيَتْ كِتَابَتُهُ يَسْتَنِدُ الْعِتْقُ إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَإِنْ مَاتَ لَا عَنْ وَفَاءٍ لَكِنْ تَرَكَ وَلَدًا وُلِدَ فِي الْكِتَابَةِ وَسَعَى عَلَى نُجُومِ أَبِيهِ وَأَدَّى لَا يَسْتَنِدُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ اهـ.
وَيُنْظَرُ الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا رَضِيعًا أَوْ لَمْ يَصِلْ لِقُدْرَةِ الْكَسْبِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: تَرَكَ وَلَدًا اشْتَرَاهُ فِيهَا إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْوَالِدَيْنِ لَيْسَا كَالْوَلَدِ فَيُبَاعَانِ كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَلَدًا مُشْتَرًى أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا يَسْعَى عَلَى نُجُومِ الْمُكَاتَبِ كَالْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ، كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَتْرُوكَ إنْ كَانَ عَيْنًا يَعْنِي يَفِي بِالْبَدَلِ لِتَعْلِيلِهِ بِإِمْكَانِ الْوَفَاءِ فِي الْحَالِ.
تَرَكَ وَلَدًا مِنْ حُرَّةٍ وَدَيْنًا يَفِي بِالْبَدَلِ فَجَنَى الْوَلَدُ وَقُضِيَ بِهِ أَيْ بِمُوجَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى عَاقِلَةِ أُمِّهِ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْقَضَاءُ فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ وَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ) جَوَابٌ عَمَّا قِيلَ فَسْخُ الْكِتَابَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى نُفُوذِ الْقَضَاءِ وَلُزُومِهِ وَذَلِكَ لِصِيَانَةِ الْقَضَاءِ عَنْ الْبُطْلَانِ وَفِي صِيَانَتِهِ بُطْلَانُ مَا يَجِبُ رِعَايَتُهُ وَهُوَ الْكِتَابَةُ رِعَايَةً لِحَقِّ الْمُكَاتَبِ وَلَيْسَ حَدُّ الْبُطْلَانِ أَرْجَحَ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا لَاقَى فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ نَفَذَ بِالْإِجْمَاعِ وَصِيَانَةُ مَا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ صِيَانَةِ كِتَابَةٍ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي بَقَائِهَا، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: طَابَ لِمَوْلَاهُ صَدَقَةٌ أَدَّاهَا إلَيْهِ فَعَجَزَ) هَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا يَطِيبُ لِلسَّيِّدِ مَا يَجِدُهُ فِي يَدِ عَبْدِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ بَعْدَ الْعَجْزِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا طَابَ مَا أَخَذَهُ الْفَقِيرُ صَدَقَةً ثُمَّ اسْتَغْنَى أَوْ تَرَكَهُ لِوَارِثِهِ الْغَنِيِّ وَمَا أَخَذَهُ ابْنُ السَّبِيلِ ثُمَّ وَصَلَ إلَى مَالِهِ، كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَالْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ. . . إلَخْ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَبَدَّلْ كَمَا إذَا أَبَاحَ الْفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ أَوْ الْهَاشِمِيِّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّكَاةِ لَا يَحِلُّ أَوْ أَبَاهُ مَا اشْتَرَاهُ فَاسِدًا لَا يَطِيبُ بِالْإِبَاحَةِ وَلَوْ مَلَكَهُ يَطِيبُ، كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ) هَكَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: الْجِنَايَةُ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِلْقِيمَةِ وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقِيمَةُ لَا الْأَقَلُّ مِنْهَا وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ، وَالْمَبْسُوطِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَأْوِيلُ كَلَامِهِ إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ
стр. 453
فَإِذَا تَعَذَّرَ دَفْعُهُ يَتَخَلَّصُ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ (وَإِنْ تَكَرَّرَتْ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَزِمَتْهُ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ) وَلَوْ جَنَى فَقُضِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ جَنَى أُخْرَى يُقْضَى عَلَيْهِ بِقِيمَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْمُكَاتَبِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الصُّلْحِ أَوْ الْيَأْسِ عَنْ الدَّفْعِ بِأَنْ يَعْتِقَ أَوْ يَمُوتَ فَيَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْقِيمَةِ عَلَى مَا يُوجِبُ تَوْكِيدَهَا بِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ.
(أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ خَطَأٍ لَزِمَتْهُ فِي كَسْبِهِ) يَعْنِي لَوْ أَقَرَّ الْمُكَاتَبُ بِجِنَايَةٍ خَطَأٍ لَزِمَتْهُ وَحُكِمَ بِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ مُسْتَحَقَّةٌ فِي كَسْبِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِأَكْسَابِهِ فَيَنْفُذُ إقْرَارُهُ كَالْحُرِّ وَإِذَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ حَتَّى عَجَزَ بَطَلَتْ، كَذَا فِي الْقَاعِدِيَّةِ.
(جَنَى عَبْدُ فَكَاتَبَهُ مَوْلَاهُ جَاهِلًا) بِجِنَايَتِهِ (فَعَجَزَ أَوْ) جَنَى (مُكَاتَبٌ فَلَمْ يُقْضَ بِهِ) أَيْ بِمُوجَبِ جِنَايَتِهِ (فَعَجَزَ دَفَعَ) الْمَوْلَى الْعَبْدَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ (أَوْ فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ الْمُوجَبُ لِجِنَايَةِ الْعَبْدِ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ حَتَّى يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لَكِنْ الْكِتَابَةَ مَانِعَةٌ لِلدَّفْعِ فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ (وَإِنْ قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ مُكَاتَبًا فَعَجَزَ بِيعَ فِيهِ) لِانْتِقَالِ الْحَقِّ مِنْ رَقَبَتِهِ إلَى قِيمَتِهِ بِالْقَضَاءِ (لَا تَنْفَسِخُ) أَيْ الْكِتَابَةُ (بِمَوْتِ مَوْلَاهُ) ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ وَسَبَبُ حَقِّ الْمَرْءِ حَقُّهُ (وَيُؤَدِّي الْبَدَلَ إلَى وَرَثَتِهِ عَلَى نُجُومِهِ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْحُرِّيَّةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالسَّبَبُ انْعَقَدَ كَذَلِكَ فَيَبْقَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا يَتَغَيَّرُ لَكِنَّ الْوَرَثَةَ يَخْلُفُونَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْضُهُمْ لَا يَعْتِقُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَمْلِكُ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، وَالْوِرَاثَةُ مِنْهَا (فَإِنْ أَعْتَقُوهُ عَتَقَ مَجَّانًا) ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَعْتِقَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ يُجْعَلُ إبْرَاءً عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ حَقُّهُمْ، وَقَدْ جَرَى فِيهِ الْإِرْثُ فَيَكُونُ الْإِعْتَاقُ مِنْهُمْ إبْرَاءً اقْتِضَاءً أَوْ إقْرَارًا بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ فَيَعْتِقُ كَمَا إذَا أَبْرَأَهُ الْمَوْلَى عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ كُلِّهِ وَشَرَطَ أَنْ يَعْتِقُوهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ أَعْتَقُوهُ كُلَّهُ مُتَفَرِّقًا لَمْ يَعْتِقْ وَقِيلَ يَعْتِقُ إذَا أَعْتَقَهُ الْبَاقُونَ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْأَوَّلُ.
(تَحْتَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (أَمَةٌ طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ) فَحَصَلَتْ حُرْمَةٌ غَلِيظَةٌ (فَمَلَكَهَا لَا تَحِلُّ لَهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا (حَتَّى تَنْكِحَ) تِلْكَ الْمَرْأَةُ زَوْجًا (غَيْرَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَإِنَّ النِّكَاحَ هَاهُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَاشْتِرَاطُ الدُّخُولِ ثَبَتَ بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ.
(كِتَابُ الْوَلَاءِ) (هُوَ) لُغَةً: مِنْ الْوَلِيِّ بِمَعْنَى الْقُرْبِ، وَشَرْعًا: (قَرَابَةٌ حُكْمِيَّةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ الْعِتْقِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ تَكَرَّرَ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَزِمَتْهُ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ) فِيهِ قُصُورٌ لِحُكْمِهِ بِلُزُومِ الْقِيمَةِ، وَاللَّازِمُ الْأَقَلُّ مِنْهَا وَمِنْ الْأَرْشِ وَفِيهِ نَوْعُ اسْتِدْرَاكٍ بِقَوْلِهِ سَابِقًا أَوْ جِنَايَاتٍ خَطَأً وَكَانَ يُغْنِيهِ عَنْ هَذَا أَنْ يَقُولَ ثَمَّةَ أَوْ جِنَايَاتٍ خَطَأً قَبْلَ الْقَضَاءِ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْ) (الْيَأْسِ عَنْ الدَّفْعِ) أَيْ دَفْعِ رَقَبَتِهِ لِرَدِّهِ إلَى الرِّقِّ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ حَتَّى عَجَزَ بَطَلَتْ، كَذَا فِي الْقَاعِدِيَّةِ) قَدْ أَوْهَمَ الْمُصَنِّفُ وَأَبْعَدَ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَأَمَّا الْإِيهَامُ فَلِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ أَصْلًا بَلْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِلْعَوْدِ فِي الرِّقِّ وَيُؤَاخَذُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَنَصَّ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَوْ قَتَلَ خَطَأً فَصَالَحَ عَلَى مَالٍ أَوْ أَقَرَّ بِهِ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ عَجَزَ أَوْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ عَمْدٍ ثُمَّ صَالَحَ وَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى عَجَزَ فَهُوَ مُطَالَبٌ بَعْدَ الْعِتْقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا مُطْلَقًا أَيْ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْحَالِ وَيُبَاعُ فِيهِ بَعْدَهُ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قُضِيَ بِهِ) أَيْ بِمُوجَبِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا (قَوْلُهُ: وَيُؤَدِّي الْبَدَلَ إلَى وَرَثَتِهِ عَلَى نُجُومِهِ) هَذَا إذَا كَاتَبَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَوْ كَاتَبَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ أَيْ فَيُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْبَدَلِ حَالًّا، وَالْبَاقِيَ عَلَى نُجُومِهِمْ، كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْإِعْتَاقُ مِنْهُمْ إبْرَاءً اقْتِضَاءً) يُشِيرُ إلَى عَدَمِ صِحَّةِ إبْرَاءِ بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ جَمِيعًا لَمْ تَثْبُتْ إلَّا اقْتِضَاءً فِي ضِمْنِ الْعِتْقِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُقْتَضِي لَا يَثْبُتْ الْمُقْتَضَى وَهُوَ إبْرَاءُ الْبَعْضِ، كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ: فَمَلَكَهَا لَا تَحِلُّ لَهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَبْقَى عَلَى الْكِتَابَةِ حَتَّى مَلَكَهَا، وَالْمَمْلُوكَةُ لَا يَنْكِحُهَا مَوْلَاهَا وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ التَّسَرِّي بِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَعْتِقَ قَبْلَ مِلْكِهَا ثُمَّ مَلَكَهَا، وَالْحُكْمُ فِي عَدَمِ صِحَّةِ نِكَاحِهَا كَذَلِكَ وَتَصْحِيحُ عِبَارَةِ مَتْنِهِ أَنْ يُقَالَ: فَمَلَكَهَا يَعْنِي بِعَدَمِ عِتْقِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَيْ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ اهـ.
وَلَكِنْ يَأْبَاهُ قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى. . . إلَخْ) الِاسْتِدْلَال بِهِ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّهُ قُدِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقَالَ، وَالثِّنْتَانِ فِي الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ.
[كِتَابُ الْوَلَاءِ]
(قَوْلُهُ: هُوَ لُغَةً مِنْ الْوَلِيِّ بِمَعْنَى الْقُرْبِ) وَلِذَا يُقَالُ بَيْنَهُمَا وَلَاءٌ أَيْ: قَرَابَةٌ (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا قَرَابَةٌ حُكْمِيَّةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ الْعِتْقِ
стр. 454
أَوْ الْمُوَالَاةِ الْأُوَلُ) أَيْ الْوَلَاءُ الْحَاصِلُ مِنْ الْعِتْقِ يَكُونُ (لِمُعْتَقٍ غَيْرِ حَرْبِيٍّ) يَعْنِي لَوْ أَعْتَقَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَبْدَهُ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا خَرَجَا إلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ لَا يَرِثُهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، كَذَا فِي الْكَافِي وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: الذِّمِّيُّونَ يَتَوَارَثُونَ بِالْوَلَاءِ كَالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِ الْإِرْثِ (وَلَوْ بِتَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إيلَادٍ) أَيْ جَعْلِ الْأَمَةِ أُمَّ وَلَدِهِ (أَوْ مِلْكِ قَرِيبٍ) بِأَنْ يَمْلِكَ قَرِيبَهُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا إعْتَاقٌ يَثْبُتُ بِهِ الْوَلَاءُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . (وَإِنْ شَرَطَ عَدَمَهُ) يَعْنِي لَوْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ وَشَرَطَ أَنْ لَا يَرِثَهُ كَانَ الشَّرْطُ لَغْوًا لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَيَرِثُهُ كَمَا فِي النَّسَبِ إذَا شَرَطَ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَأُورِدَ بِأَنَّ الْوَلَاءَ بِالتَّدْبِيرِ أَوْ الِاسْتِيلَادِ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمَوْلَى وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرُ إنَّمَا يَعْتِقَانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَأُجِيبُ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَرْتَدَّ الْمَوْلَى وَيَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ حَتَّى يُحْكَمَ بِعِتْقِ مُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا فَمَاتَ مُدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ فَالْوَلَاءُ لَهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لِعَصَبَةِ الْمَوْلَى إنَّمَا يَكُونُ بِسَبَبِ ثُبُوتِهِ لِلْمَوْلَى فَإِنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ أَوْ لَا لِصُدُورِ سَبَبِ الْعِتْقِ مِنْهُ ثُمَّ يَسْرِي مِنْهُ إلَى عَصَبَتِهِ.
(أَعْتَقَ أَمَةً زَوْجُهَا قِنُّ الْغَيْرِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ زَوْجُهَا قِنٌّ (فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ مِنْ الْإِعْتَاقِ فَلَهُ وَلَاءُ الْوَلَدِ بِلَا نَقْلٍ عَنْهُ) يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَ عَبْدُ رَجُلٍ أَمَةً لِآخَرَ فَأَعْتَقَ مَوْلَى الْأَمَةِ الْأَمَةَ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الْعَبْدِ عَتَقَتْ وَعَتَقَ حَمْلُهَا ثُمَّ يَسْرِي مِنْهُ وَوَلَاءُ الْحَمْلِ لِمَوْلَى الْأُمِّ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا يَقْبَلُ الْإِعْتَاقَ قَصْدًا؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ كَشَخْصٍ عَلَى حِدَةٍ حَيْثُ يَجُوزُ انْفِرَادُهُ بِالْعِتْقِ فَلَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ عَنْهُ لِمَا رَوَيْنَا وَهَذَا إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِعْتَاقِ لِلتَّيَقُّنِ بِقِيَامِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ (وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ مِنْ وَقْتِ الْإِعْتَاقِ (وَالْآخَرُ لِأَكْثَرَ مِنْهُ وَبَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ (أَقَلُّ مِنْ الْأَقَلِّ) أَيْ أَقَلُّ مِنْ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ يَعْنِي أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا حِينَئِذٍ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعِتْقِ وَتَيَقَّنَّا أَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ حَمَلَتْ بِهِمَا جُمْلَةً لِعَدَمِ تَخَلُّلِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ بَيْنَهُمَا فَإِذَا تَنَاوَلَ الْإِعْتَاقُ الْأَوَّلَ تَنَاوَلَ الْآخَرَ أَيْضًا ضَرُورَةً فَصَارَ مُعْتِقًا لَهُمَا وَوَلَاؤُهُمَا لَهُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْهُ أَبَدًا (وَلَوْ وَلَدَتْ) وَلَدًا بَعْدَ عِتْقِهَا (لِلْأَكْثَرِ) أَيْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (فَوَلَاؤُهُ) أَيْ وَلَاءُ الْوَلَدِ (لِمَوْلَاهَا) ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ تَبَعًا لِلْأُمِّ لِاتِّصَالِهِ بِهَا عِنْدَ عِتْقِهَا، وَقَدْ تَعَذَّرَ جَعْلُهُ تَبَعًا لِلْأَبِ لِرِقِّيَّتِهِ (فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى قَوْمِهِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ قَالَ ﷺ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ» ثُمَّ النَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ فَكَذَا الْوَلَاءُ، وَالنِّسْبَةُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ كَانَتْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْأَبِ ضَرُورَةً فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ.
(عَجَمِيٌّ لَهُ مَوْلَى مُوَالَاةٍ نَكَحَ مُعْتَقَةً) سَوَاءٌ كَانَ مُعْتِقُهَا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (فَوَلَدَتْ) وَلَدًا (فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَاهَا) عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ حُكْمُهُ حُكْمُ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إلَى الْأَبِ كَمَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ هَالِكٌ مَعْنًى وَلَهُمَا أَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ قَوِيٌّ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ حَتَّى اُعْتُبِرَتْ الْكَفَاءَةُ فِيهِ، وَالنَّسَبُ فِي حَقِّ الْعَجَمِ ضَعِيفٌ لِتَضْيِيعِهِمْ أَنْسَابَهُمْ وَلِهَذَا لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ بِالنَّسَبِ بَيْنَهُمْ، وَالضَّعِيفُ لَا يُعَارِضُ الْقَوِيَّ بِخِلَافِ مَا إذَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَوْ الْمُوَالَاةِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ نَوْعَانِ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ الْعِتْقُ عَلَى الْمِلْكِ فِي الصَّحِيحِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّ سَبَبَهُ الْإِعْتَاقُ وَوَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْعِتْقَ يَكُونُ بِلَا إعْتَاقٍ كَعِتْقِ الْقَرِيبِ بِالْوِرَاثَةِ وَسَبَبُ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ الْعَقْدُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: لِمُعْتِقٍ غَيْرِ حَرْبِيٍّ. . . إلَخْ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ إعْتَاقُ الْمُسْلِمِ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهِ بِالْقَوْلِ وَإِنَّمَا يَعْتِقُ بِالتَّخْلِيَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ مَوْلَاهُ لِثُبُوتِ الْعِتْقِ بِالْقَوْلِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ حَتَّى لَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ لَا وَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إعْتَاقٌ) فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ بِمِلْكِ الْقَرِيبِ يَحْصُلُ الْعِتْقُ بِلَا إعْتَاقٍ وَكَذَا الِاسْتِيلَادُ (قَوْلُهُ: وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لِعَصَبَةِ الْمَوْلَى) يَعْنِي الْمُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ) يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ قَضَاءُ دُيُونِهِ وَنَحْوِهَا مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ يَجُوزُ انْفِرَادُهُ) الْأَوْلَى إفْرَادُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ عِتْقِهَا لِلْأَكْثَرِ) أَيْ مِنْ الْأَقَلِّ فَهُوَ شَامِلٌ لِلسِّتَّةِ فَمَا فَوْقَهَا فَقَوْلُهُ: أَيْ لِلْأَكْثَرِ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَاصِرٌ عَنْ إفَادَةِ مَتْنِهِ حُكْمَ السِّتَّةِ كَمَا فَوْقَهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى قَوْمِهِ) هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّةً فَإِنْ كَانَتْ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ لَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ عِتْقِ الْأُمِّ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: عَجَمِيٌّ لَهُ مَوْلَى مُوَالَاةٍ) إنَّمَا فَرْضُهُ فِيمَنْ لَهُ مَوْلَى مُوَالَاةٍ لِيَكُونَ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَوْلَى مُوَالَاةٍ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مُعْتِقُهَا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ غَيْرِهَا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَضْعَ الْقُدُورِيِّ الْخِلَافَ فِي مُعْتَقَةِ الْعَرَبِ اتِّفَاقِيٌّ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَصَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ.
стр. 455
كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا؛ لِأَنَّ أَنْسَابَ الْعَرَبِ قَوِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي حُكْمِ الْكَفَاءَةِ، وَالْعَقْلُ مِنْ الْعَاقِلَةِ لِكَوْنِ تَنَاصُرِهِمْ بِهَا فَأَغْنَتْ عَنْ الْوَلَاءِ.
(الْأُمُّ إذَا كَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ بِمَعْنَى عَدَمِ الرِّقِّ فِي أَصْلِهَا فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْأَبُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْ عَرَبِيًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَلَوْ عَجَمِيًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِقَوْمِ الْأَبِ وَيَرِثُهُ مُعْتِقُ الْأُمِّ وَعَصَبَتُهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ حُرُّ الْأَصْلِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا مَنْ لَمْ يَجْرِ عَلَى نَفْسِهِ رِقٌّ بَلْ تَوَلَّدَ مِنْ مُعْتِقِهِ بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ وَالْعُلُوقِ أَوْ مِمَّنْ فِي أَصْلِهَا رَقِيقٌ، وَالثَّانِي مَنْ لَا يَكُونُ فِي أَصْلِهِ رِقٌّ أَصْلًا وَأَنَّ الْوَلَاءَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ وَلِهَذَا قَالُوا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فِي الْوَلَاءِ، كَمَا فِي الْعِتْقِ، وَزَوَالُهُ فَرْعُ ثُبُوتِهِ وَثُبُوتُهُ عَلَى الْوَلَدِ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَلَا يَسْرِي مِلْكُ الْأَبِ إلَى الْوَلَدِ فَلَا يَكُونُ زَوَالُهُ عَنْ الْوَلَدِ إلَّا مِنْ قِبَلِ مُعْتِقِ الْأُمِّ، وَعَصَبَتُهُ فِي حُكْمِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِ الْأُمِّ رِقٌّ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَى الْوَلَدِ وَلَاءٌ وَأَنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ قَطْعِيًّا فِي مَعْنًى وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ الْمُحْتَمِلُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الرِّوَايَاتِ إذَا عَرَفْت هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ فَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ أَنْ لَا تَكُونَ الْأُمُّ حُرَّةً أَصْلِيَّةً فَإِنْ كَانَتْ فَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَى وَلَدِهَا وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْتَقًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَى أُمِّهِ فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِهَا فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ الْحُرِّيَّةَ الْأَصْلِيَّةَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَى أُمِّهِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْوَلَاءَ مَبْنِيٌّ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ وَزَوَالُ الْمِلْكِ بِالْوَاسِطَةِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ فَإِذَا كَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ بِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْوَلَدِ مِلْكٌ فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ وَوَافَقَهُ كَلَامُ الشَّيْخِ رَشِيدِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيِّ فِي شَرْحِ التَّكْمِلَةِ وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُحِيطِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَسْعُودِ بْنِ الْحُسَيْنِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمَشْهُورِ بِالْمَسْعُودِيِّ وَكَلَامُهُ فِيمَا صَنَّفَهُ فِي الْفَرَائِضِ وَسَمَّاهُ بِالْكَافِي وَأَمَّا مَا قَالَ فِي الْمُنْيَةِ الْوَلَدُ وَإِنْ عَلَقَ حُرَّ الْأَصْلِ بِأَنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً أَصْلِيَّةً أَوْ عَارِضِيَّةً يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ إمَّا لِقَوْمِ الْأَبِ أَوْ لِقَوْمِ الْأُمِّ ثُمَّ قَالَ: إنْ كَانَ الْأَبُ حُرَّ الْأَصْلِ لَا وَلَاءَ لِقَوْمِ الْأَبِ وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ حُرَّةَ الْأَصْلِ لَا وَلَاءَ لِقَوْمِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ حُرَّ الْأَصْلِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ عِتْقٌ فَالْمُتَبَادِرُ مِنْ ظَاهِرِهِ أَنَّ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ مُطْلَقًا جَازَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى وَلَدِهَا الْوَلَاءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُرَادُهُ بِالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ هَاهُنَا الْحُرِّيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ بِقَرِينَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْوَلَدَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ حُرَّةٍ عَارِضِيَّةٍ وَهِيَ الْمُعْتَقَةُ حُرَّ الْأَصْلِ ثُمَّ جَعَلَ الْحُرِّيَّةَ الْأَصْلِيَّةَ مُقَابِلَةً لِلْعَارِضِيِّ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ الْحَقِّ فَصُورَةُ كَوْنِ الْوَلَاءِ لِقَوْمِ الْأَبِ مَا إذَا كَانَ فِي نَسَبِ الْأَبِ رَقِيقٌ وَالْوَلَدُ وُلِدَ مِنْ مُعْتِقِهِ أَوْ مِمَّنْ وَلَدَتْ مِنْ مُعْتِقِهِ، وَصُورَةُ كَوْنِ الْوَلَاءِ لِقَوْمِ الْأُمِّ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ نِبْطِيًّا حُرَّ الْأَصْلِ تَزَوَّجَ بِمُعْتَقَةِ إنْسَانٍ أَوْ مَنْ وُلِدَتْ مِنْ مُعْتَقَةٍ فَإِنَّ وَلَاءَ الْوَلَدِ فِي الْأَوَّلِ لِقَوْمِ الْأَبِ اتِّفَاقًا وَفِي الثَّانِي لِقَوْمِ الْأُمِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ إذَا كَانَا حُرَّيْنِ أَصْلِيَّيْنِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَلَا وَلَاءَ عَلَى الْوَلَدِ وَإِذَا كَانَا مُعْتَقَيْنَ أَوْ فِي أَصْلِهِمَا مُعْتَقٌ فَالْوَلَاءُ لِقَوْمِ الْأَبِ، وَإِذَا كَانَ الْأَبُ مُعْتَقًا أَوْ فِي أَصْله مُعْتَقٌ وَالْأُمُّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَالْأَبُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْ عَرَبِيًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَلَدِهِ مُطْلَقًا تَقْيِيدُهُ بِالْعَرَبِيِّ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَبُ مَوْلَى عَرَبِيٍّ لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَى وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَرَبِيِّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَجَمِيًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ. . . إلَخْ) مُسْتَدْرَكٌ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ عَجَمِيٌّ لَهُ مَوْلَى مُوَالَاةٍ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالُوا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فِي الْوَلَاءِ) هَذَا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَثُبُوتُهُ عَلَى الْوَلَدِ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ) يَعْنِي بِالْأَصَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ لِمَوَالِيهِ بِإِعْتَاقِهِ، وَقَدْ حَمَلَتْ بِالْوَلَدِ بَعْدَ عِتْقِهَا ثُمَّ أُعْتِقَ الْأَبُ فَجَرَّ وَلَاءَ وَلَدِهِ إلَى مَوَالِيه كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ زَوَالُهُ عَنْ الْوَلَدِ إلَّا مِنْ قِبَلِ مُعْتِقِ الْأُمِّ) يَعْنِي زَوَالًا بِوَاسِطَةٍ كَمَا سَيَذْكُرُ وَإِلَّا فَالْحَصْرُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إذَا مُلِكَ ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَالِكُهُ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ لَا لِمَوَالِي الْأُمِّ وَلَا لِمَوَالِي الْأَبِ وَكَذَا لَوْ كَانَ حَمْلًا أَوْصَى بِهِ فَأَعْتَقَهُ الْمُوصَى لَهُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُرَادُهُ بِالْحُرِّيَّةِ. . . إلَخْ) فِيهِ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فَالْمُخَالَفَةُ ثَابِتَةٌ، وَحَصَلَ التَّدَافُعُ فِي كَلَامِ الْمُنْيَةِ عَلَى هَذَا لِتَجْوِيزِهِ الْوَلَاءَ عَلَى مَنْ أُمُّهُ حُرَّةٌ بِالْأَصَالَةِ ثُمَّ نَفْيِهِ عَنْهُ بَعْدَهُ
стр. 456
حُرَّةَ الْأَصْلِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى سَوَاءٌ كَانَتْ عَرَبِيَّةً أَوْ لَا فَلَا وَلَاءَ عَلَى الْوَلَدِ لِقَوْمِ الْأَبِ، وَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ مُعْتَقَةً وَالْأَبُ حُرَّ الْأَصْلِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فَلَا وَلَاءَ عَلَى الْوَلَدِ لِقَوْمِ الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَرَبِيٍّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ يَكُونُ لِقَوْمِ الْأُمِّ عَلَيْهِ وَلَاءٌ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَهَاهُنَا فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي رِسَالَتِنَا الْمَعْمُولَةِ فِي الْوَلَاءِ فَمَنْ أَرَادَهَا فَلْيُرَاجَعْ ثَمَّةَ.
(ثُمَّ الْمُعْتَقُ عَصَبَةٌ) أَيْ شَخْصٌ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ مِنْ صَاحِبِ الْفَرْضِ وَكُلَّ الْمَالِ عِنْدَ عَدَمِهِ (أُخِّرَتْ عَنْ) الْعَصَبَةِ (النِّسْبِيَّةِ) وَهِيَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ إمَّا عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ أَيْ ذَكَرٌ لَا فَرْضَ لَهُ وَلَا يَدْخُلُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ أُنْثَى، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ وَهِيَ أُنْثَى يُعَصِّبُهَا ذَكَرٌ، وَإِمَّا مَعَ غَيْرِهِ كَ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ تَصِيرُ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ وَكُلُّهُمْ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُعْتَقِ (وَقُدِّمَتْ) الْعَصَبَةُ (عَلَى ذِي رَحِمٍ) وَهُوَ مَنْ لَا فَرْضَ لَهُ وَيَدْخُلُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ أُنْثَى.
(فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ ثُمَّ الْمُعْتَقُ فَإِرْثُهُ لِأَقْرَبِ عَصَبَةِ سَيِّدِهِ) أَيْ إنْ مَاتَ السَّيِّدُ (ثُمَّ الْمُعْتَقُ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ النَّسَبِ فَإِرْثُهُ لِأَقْرَبِ عَصَبَةِ سَيِّدِهِ) عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَعْرُوفِ (وَيَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِالْوَلَاءِ (الْعَقْلُ) وَهُوَ مِنْ الْعَاقِلَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ (وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ) ، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِهِ.
(ادَّعَيَا) أَيْ شَخْصَانِ (وَلَاءَ مَيِّتٍ وَبَرْهَنَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (أَنَّهُ أَعْتَقَهُ يُقْضَى بِالْمِيرَاثِ وَالْوَلَاءِ لَهُمَا) لِجَوَازِ اشْتِرَاكِهِمَا فِيهِ كَمَا فِي الْمِلْكِ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْيَةِ.
(لَا وَلَاءَ لِلنِّسَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ) وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ أَوْ دَبَّرْنَ أَوْ دَبَّرَ مَنْ دَبَّرْنَ أَوْ جَرُّ وَلَاءِ مُعْتَقِهِنَّ أَوْ مُعْتَقِ مُعْتَقِهِنَّ» أَيْ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقْنَهُ أَوْ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَهُ وَأَمَّا وَلَاءُ الْمُدَبَّرِ فَقَدْ عَرَفْت بَيَانَهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَعَرَفْت أَيْضًا مَسْأَلَةَ جَرِّ الْوَلَاءِ (وَالثَّانِي) أَيْ الْوَلَاءُ الْحَاصِلُ مِنْ الْمُوَالَاةِ (إذَا وَالَى حُرٌّ مُكَلَّفٌ) أَيْ عَاقِلٌ بَالِغٌ قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُوَالَاةِ تَصَرُّفٌ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إيجَابَ الْإِرْثِ وَالْتِزَامَ الْعَقْلِ فَلَا يَصِحُّ بِدُونِ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنٍ كَمَا سَيَأْتِي (مَجْهُولَ النَّسَبِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ عُرِفَ نَسَبُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَالِيَ غَيْرَهُ (غَيْرَ عَرَبِيٍّ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ تَنَاصُرَ الْعَرَبِ بِالْقَبَائِلِ فَأَغْنَى عَنْ الْوَلَاءِ (أَوْ) ، وَالَى (صَبِيٌّ عَاقِلٌ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْقِلْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَصَرُّفُهُ أَصْلًا (بِإِذْنِ أَبِيهِ أَوْ وَصِيِّهِ) ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ إذَا ثَبَتَ سَبَبُهُ بِأَنْ مَلَكَ قَرِيبَهُ أَوْ كَاتَبَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ عَبْدَهُ وَعَتَقَ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلصَّبِيِّ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ إذَا صَدَرَ عَنْهُ عَقْدُهَا بِالْإِذْنِ (أَوْ) ، وَالَى (الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) فَإِنَّهُ يَكُونُ وَكِيلًا مِنْ سَيِّدِهِ لِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ (آخَرَ) مَفْعُولُ، وَالَى (عَلَى أَنَّهُ يَرِثُهُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ، وَالَى بَيَانٌ لِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ أَيْ إنْ مَاتَ الْأَسْفَلُ وَرِثَهُ الْأَعْلَى (وَيَعْقِلُ عَنْهُ) أَيْ إنْ جَنَى الْأَسْفَلُ فَدِيَتُهُ عَلَى الْأَعْلَى سَوَاءٌ (أَسْلَمَ) الْأَسْفَلُ (فِي يَدِهِ) أَيْ يَدِ الْأَعْلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ مُعْتَقَةً وَالْأَبُ حُرَّ الْأَصْلِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا) صَوَابُهُ حَذْفُ إنْ مِنْ " وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا " لِكَوْنِهِ قَسِيمًا لِقَوْلِهِ " بَعْدَهُ " وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَرَبِيٍّ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) أَيْ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْوَلَدُ يَتْبَعُ الْأَبَ فِي الْوَلَاءِ كَمَا فِي الْعَرَبِيِّ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لِلْآبَاءِ وَإِنْ ضَعُفَ وَلَهُمَا أَنَّهُ لِلنُّصْرَةِ وَلَا نُصْرَةَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ مَنْ سِوَى الْعَرَبِ لَا يَتَنَاصَرُونَ بِالْقَبَائِلِ.
(قَوْلُهُ: يُقْضَى بِالْمِيرَاثِ وَالْوَلَاءِ لَهُمَا) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا لَوْ كَانَ الْمَالُ بِيَدِ أَحَدِهِمَا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ صَاحِبُ الْيَدِ لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَهُمَا سِيَّانِ وَلَمْ يُرَجَّحْ صَاحِبُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوَلَاءِ وَهُوَ الْعِتْقُ لَا يَتَأَكَّدُ بِالْقَبْضِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ، كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ اهـ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يُؤَقِّتَا وَلَمْ يَسْبِقْ الْقَضَاءُ بِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ لِمَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ وَقَّتَا فَالسَّابِقُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْعِتْقَ فِي وَقْتٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ كَانَ صَاحِبُ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَالْفَسْخَ فَكَانَ عَقْدُ الثَّانِي نَقْضًا لِلْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ شُهُودُ صَاحِبِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كَانَ عَقَلَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَأَشْبَهَ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ فَقُضِيَ لَهُ ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهُ فَيَبْطُلُ قَضَاءُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ بَاطِلًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: مَجْهُولَ النَّسَبِ) مَفْعُولُ، وَالَى لَا صِفَةٌ لِحُرٍّ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ جَهْلُ النَّسَبِ، وَلَا كَوْنُهُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ وَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُصَنِّفِ تَأْخِيرَ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ عَنْ مُوَالَاةِ الْعَبْدِ، وَالصَّبِيُّ غَيْرَهُمَا فَيَجْعَلُ الْعِبَارَةَ هَكَذَا، وَالَى حُرٌّ مُكَلَّفٌ أَوْ صَبِيٌّ عَاقِلٌ أَوْ عَبْدٌ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَسَيِّدِهِ مَجْهُولَ النَّسَبِ عَلَى أَنْ يَرِثَهُ. . . إلَخْ (قَوْلُهُ: وَغَيْرَ) عَرَبِيٍّ يُغْنِي وَلَا مَوْلَى عَرَبِيٍّ، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ: وَيُغْنِي عَنْ هَذَا كَوْنُهُ مَجْهُولَ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ أَنْسَابُهُمْ مَعْلُومَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ صَبِيٌّ بِإِذْنِ أَبِيهِ) عَطْفٌ عَلَى حُرٍّ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ يَرِثُهُ وَيَعْقِلُ عَنْهُ إلَخْ) لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لِمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْإِرْثِ، وَالْعَقْلِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ بِالِالْتِزَامِ وَهُوَ بِالشَّرْطِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَمِنْهَا أَيْ الشَّرَائِطِ أَنْ يُشْتَرَطَ الْمِيرَاثُ وَالْعَقْلُ اهـ.
وَاعْتَرَضَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ عَلَى وُجُوبِ اشْتِرَاطِ الْإِرْثِ وَالْعَقْلِ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْمُوَالَاةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْحَاكِمِ فِي الْكَافِي وَرَدَّهُ قَاضِي زَادَهْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ
стр. 457
(أَوْ لَا) فَإِنَّ مَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ فِي يَدِهِ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ (صَحَّ) هَذَا الْعَقْدُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَعَقْلُهُ عَلَيْهِ وَإِرْثُهُ لَهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ، وَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَهْلٌ لِلْإِرْثِ وَالْتِزَامِ الْمَالِ (وَلِلسَّيِّدِ فِي الْأَخِيرِ) أَيْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُمَا بَلْ هُوَ وَكِيلٌ مِنْ الْأَهْلِ كَمَا مَرَّ.
(وَلَوْ شُرِطَ) أَيْ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ (مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَتَوَارَثَانِ) إذْ لَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهِ (بِخِلَافِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ) حَيْثُ لَا يَرِثُ إلَّا الْأَعْلَى (وَأُخِّرَ) مَوْلَى الْمُوَالَاةِ (عَنْ ذِي رَحِمٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ عَقْدُهُمَا فَلَا يَلْزَمُ غَيْرَهُمَا وَذُو الرَّحِمِ وَارِثٌ شَرْعًا فَلَا يَمْلِكَانِ إبْطَالَهُ (لِلْأَسْفَلِ النَّقْلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ) أَيْ يَجُوزُ لِلْأَسْفَلِ أَنْ يَنْقُلَ وَلَاءَهُ عَنْ الْأَعْلَى إلَى غَيْرِهِ (مَا لَمْ يَعْقِلْ) عَنْهُ فَإِنَّهُ إذَا عَقَلَ عَنْ الْأَسْفَلِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَوِّلَ وَلَاءَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ (أَوْ عَنْ وَلَدِهِ) فَإِنَّهُمَا فِي حَقِّ الْوَلَاءِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ (وَلِلْأَعْلَى التَّبَرِّي عَنْهُ) أَيْ عَنْ وَلَاءِ الْأَسْفَلِ (بِمَحْضَرٍ مِنْهُ) أَيْ الْأَسْفَلِ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: لِلْأَعْلَى أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ وَلَائِهِ لِعَدَمِ اللُّزُومِ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْآخَرِ كَمَا فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ قَصْدًا بِخِلَافِ مَا إذَا عَقَدَ الْأَسْفَلُ مَعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ حُكْمِيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ فِي الْوَكَالَةِ.
(الْمُعْتَقُ لَا يُوَالِي أَحَدًا) ؛ لِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ لَازِمٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ (وَالَتْ امْرَأَةٌ) أَيْ عَقَدَتْ عَقْدَ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ مَعَ شَخْصٍ (فَوَلَدَتْ مَجْهُولَ النَّسَبِ) أَيْ وَلَدًا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ (صَحَّ) هَذَا الْعَقْدُ (وَتَبِعَهَا) وَلَدُهَا وَيَصِيرَانِ مَوْلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ (كَذَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ) أَيْ بِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ (أَوْ أَنْشَأَتْهُ وَهُوَ) أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ وَلَدَهَا الْمَجْهُولَ النَّسَبِ (مَعَهَا) فَإِنَّهُ صَحِيحٌ أَيْضًا وَتَبِعَهَا وَلَدُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا لَا يَتْبَعُهَا؛ لِأَنَّ الْأُمَّ لَا وِلَايَةَ لَهَا فِي مَالِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا فِي نَفْسِهِ وَلَهُ أَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ وَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فِي حَقِّ صَغِيرٍ لَا يُدْرَى لَهُ أَبٌ فَلْتَمْلِكْهُ الْأُمُّ كَقَبُولِ الْهِبَةِ، قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَالَى ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا جَازَ وَهُوَ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ فَكَذَلِكَ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ حَرْبِيٍّ وَوَالَاهُ هَلْ يَصِحُّ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ، وَفِيهِ خِلَافٌ قِيلَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْحَرْبِيِّ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَكَذَا وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ كَمَا فِي الذِّمِّيِّ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ فِي عَقْدِ الْمُوَالَاةِ مَعَ الْحَرْبِيِّ تَنَاصُرَ الْحَرْبِيِّ وَمُوَالَاتَهُ وَقَدْ نُهِينَا عَنْهُ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ أَقُولُ ظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ لَازِمٌ لِلْوَلَاءِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينَيْنِ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ يَثْبُتُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَكِنْ لَا يَظْهَرُ مَا دَامَا عَلَى حَالِهِمَا فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ يَعُودُ الْمَمْنُوعُ كَمَا أَنَّ كُفْرَ الْعَصَبَةِ أَوْ صَاحِبِ الْفَرْضِ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ فَإِذَا زَالَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَعُودُ الْمَمْنُوعُ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِرْثِ وَالْعَقْلِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ شُرِطَ مِنْ الْجَانِيَيْنِ يَتَوَارَثَانِ) أَيْ جَازَ أَنْ يَرِثَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إذْ حَقِيقَةُ التَّفَاعُلِ مُنْتَفِيَةٌ اهـ.
وَذُكِرَ مِثْلُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ كَالْجَوْهَرَةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْخُجَنْدِيِّ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَلَكِنْ نَقَلَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيُّ ﵀ عَنْ ابْنِ الضِّيَاءِ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ لَيْسَ لَهُمَا وَارِثٌ مُسْلِمٌ وَهُمَا مُسْلِمَانِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَوَالَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ، وَالَاهُ الْآخَرُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ الثَّانِي مَوْلَى الْأَوَّلِ وَيَبْطُلُ وَلَاءُ الْأَوَّلِ وَقَالَا كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْلًى لِصَاحِبِهِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْوِلَايَتَيْنِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَخْصَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَرِثُ مِنْ صَاحِبِهِ وَيَعْقِلُ عَنْهُ كَالْأَخَوَيْنِ وَابْنَيْ الْعَمِّ فَلَا يَتَضَمَّنُ صِحَّةُ أَحَدِهِمَا انْتِقَاضَ الْآخَرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَوْلَى الْأَسْفَلَ تَابِعٌ لِلْأَعْلَى، وَقَوْمُهُ كَالْمُعْتَقِ تَابِعٌ لِلْمُعْتِقِ وَلِذَا يَرِثُ الْأَعْلَى الْأَسْفَلَ وَيَعْقِلُ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ التَّبَعُ مَتْبُوعًا، وَالْمَتْبُوعُ تَبَعًا فَلَمْ يَجُزْ الْجَمْعُ وَتَضَمَّنَ صِحَّةُ الثَّانِي انْتِفَاضَ الْأَوَّلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ حَيْثُ لَا يَرِثُ إلَّا الْأَعْلَى) قَدْ يَرِثُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِاعْتِبَارِ إعْتَاقِهِ لَهُ كَمَا إذَا اشْتَرَى مُسْتَأْمَنٌ عَبْدًا بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ رَجَعَ الْمُسْتَأْمَنُ لِدَارِ الْحَرْبِ فَسُبِيَ فَاشْتَرَاهُ عَتِيقُهُ فَأَعْتَقَهُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَكُونُ مَوْلَى صَاحِبِهِ وَكَذَا الذِّمِّيُّ إذَا أَعْتَقَ ذِمِّيًّا كَانَ عَبْدًا لَهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ هَرَبَ سَيِّدُهُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَسُبِيَ وَأَسْلَمَ فَاشْتَرَاهُ عَتِيقُهُ فَأَعْتَقَهُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَوْلَى صَاحِبِهِ، وَكَذَا لَوْ ارْتَدَّتْ امْرَأَةٌ بَعْدَ إعْتَاقِ عَبْدِهَا وَلَحِقَتْ ثُمَّ سُبِيَتْ فَاشْتَرَاهَا عَتِيقُهَا فَأَعْتَقَهَا وَأَسْلَمَتْ، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَيْ فِي فَسْخِ عَقْدِ الْمُوَالَاةِ) ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْكِفَايَةِ وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: أَيْ فِي انْتِقَالِ الْوَلَاءِ إلَى غَيْرِهِ وَتَبْرِيءِ الْأَعْلَى عَنْ وَلَاءِ الْأَسْفَلِ (قَوْلُهُ: بِمَحْضَرٍ مِنْ الْآخَرِ) الْمُرَادُ مِنْ الْحَضْرَةِ الْعِلْمُ حَتَّى إذَا وُجِدَ الْعِلْمُ بِلَا حُضُورٍ كَفَى، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ: كَذَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ كَالشَّهَادَةِ الْمُفَسِّرَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: أَقُولُ ظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ. . . إلَخْ) الْإِشْكَالُ مَدْفُوعٌ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ فَيَصِحُّ وَيَجُوزُ مُوَالَاةُ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّ، وَالذِّمِّيِّ الْمُسْلِمَ، وَالْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ وَلَوْ أَوْصَى ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ أَوْ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمٌ لِذِمِّيٍّ بِالْمَالِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ كَذَا الْمُوَالَاةُ، وَكَذَا الذِّمِّيُّ إذَا وَالَى ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْأَسْفَلُ جَازَ لِمَا قُلْنَا اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 458
(كِتَابُ الْأَيْمَانِ) ذَكَرَهَا عَقِيبَ الْعَتَاقِ لِمُنَاسَبَتِهَا لَهُ فِي عَدَمِ تَأْثِيرِ الْهَزْلِ وَالْإِكْرَاهِ فِيهِمَا (الْيَمِينُ) لُغَةً: الْقُوَّةُ، وَشَرْعًا: (تَقْوِيَةُ الْخَبَرِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى) نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا (أَوْ التَّعْلِيقُ) يَعْنِي تَعْلِيقُ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ نَحْوَ إنْ فَعَلْت فَكَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ فَكَذَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَقْوِيَةُ عَزْمِ الْحَالِفِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَهَذَا لَيْسَ بِيَمِينٍ وَضْعًا وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِحُصُولِ مَعْنَى الْيَمِينِ بِهِ وَهُوَ الْحَمْلُ أَوْ الْمَنْعُ (وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ) الْقِسْمِ (الْأَوَّلِ ثَلَاثَةٌ) أَيْ الْأَيْمَانُ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ وَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْأَحْكَامَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ وَإِلَّا فَمُطْلَقُ الْيَمِينِ أَكْثَرُ مِنْهَا كَالْيَمِينِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي صَادِقًا، وَالْمُرَادُ بِتَرَتُّبِ أَلِأَحْكَامِ عَلَيْهَا تَرَتُّبُ الْمُؤَاخَذَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ عَلَى الْغَمُوسِ وَعَدَمُهَا عَلَى اللَّغْوِ، وَالْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُنْعَقِدَةِ إحْدَاهَا الْيَمِينُ (الْغَمُوسُ) سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ فِي الدُّنْيَا وَفِي النَّارِ فِي الْعُقْبَى (وَهِيَ حَلِفُهُ عَلَى كَذِبٍ يَعْلَمُ كَذِبَهُ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَظَنَّ صِدْقَهُ تَكُونُ لَغْوًا كَمَا سَيَأْتِي (كَوَاللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا عَالِمًا بِفِعْلِهِ وَوَاللَّهِ مَا لَهُ عَلَى دَيْنٌ عَالِمًا بِخِلَافِهِ وَوَاللَّهِ إنَّهُ زَيْدٌ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْرُهُ) الْمَشْهُورُ فِي عِبَارَةِ الْقَوْمِ أَنَّ الْغَمُوسَ حَلِفٌ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ مَاضٍ كَاذِبًا عَمْدًا، وَقَدْ صَرَّحَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ وَالْمُضِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ هُوَ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ وَإِيرَادُ الْمِثَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكَلُّفٍ ارْتَكَبَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْت إذَا قِيلَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا حَجَرٌ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْحَلِفُ عَلَى الْفِعْلِ قُلْت يُقَدَّرُ كَلِمَةُ كَانَ أَوْ يَكُونُ إنْ أُرِيدَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَاضِي أَوْ الِاسْتِقْبَالِ فِي هَذَا الْحَلِفِ بَاطِلٌ لِتَعَيُّنِ إرَادَةِ الْحَالِ فَتَدَبَّرْ.
وَبَيَّنَ حُكْمَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[كِتَابُ الْأَيْمَانِ] [أَنْوَاع الْيَمِين]
(قَوْلُهُ: الْيَمِينُ لُغَةً الْقُوَّةُ) قَالَ الْكَمَالُ: لَفْظُ الْيَمِينِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجَارِحَةِ وَالْقَسَمِ وَالْقُوَّةِ لُغَةً
(تَنْبِيهٌ) : لِبَيَانِ مَفْهُومِهِ وَسَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَحُكْمِهِ فَأَمَّا مَفْهُومُهُ اللُّغَوِيُّ فَجُمْلَةٌ أُولَى إنْشَائِيَّةٌ صَرِيحَةُ الْجُزْأَيْنِ يُؤَكَّدُ بِهَا جُمْلَةٌ بَعْدَهَا خَبَرِيَّةٌ وَتَرْكُ لَفْظِ أُولَى يُصَيِّرُهُ غَيْرَ مَانِعٍ لِدُخُولِ نَحْوِ: زَيْدٌ قَائِمٌ زَيْدٌ قَائِمٌ، وَهُوَ عَلَى عَكْسِهِ فَإِنَّ الْأُولَى هِيَ الْمُؤَكَّدَةُ بِالثَّانِيَةِ مِنْ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وَجُمْلَةٌ أَعَمُّ مِنْ الْفِعْلِيَّةِ، كَحَلَفْت بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ أَوْ أَحْلِفُ، وَالِاسْمِيَّةِ مُقَدَّمَةِ الْخَبَرِ: كَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ أَوْ مُؤَخَّرَتِهِ نَحْوَ: لَعَمْرُك لَأَفْعَلَنَّ، وَهُوَ مِثَالٌ أَيْضًا لِغَيْرِ الْمُصَرَّحِ بِجُزْأَيْهَا وَمِنْهُ وَاَللَّهِ وَتَاللَّهِ فَإِنَّ الْحَرْفَ جُعِلَ عِوَضًا عَنْ الْفِعْلِ وَأَسْمَاءُ هَذَا الْمَعْنَى التَّوْكِيدِيِّ سِتَّةٌ: الْحَلِفُ، وَالْقَسَمُ، وَالْعَهْدُ، وَالْمِيثَاقُ، وَالْإِيلَاءُ، وَالْيَمِينُ.
وَخَرَجَ بِإِنْشَائِيَّةٍ نَحْوُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ فَلَيْسَتْ التَّعَالِيقُ أَيْمَانًا لُغَةً وَسَبَبُهَا الْغَائِيُّ تَارَةً إيقَاعُ صِدْقِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَتَارَةً حَمْلُ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ فَبَيْنَ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ لِتَصَادُقِهِمَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَانْفِرَادِ اللُّغَوِيِّ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَعْظُمُ وَانْفِرَادِ الِاصْطِلَاحِيِّ فِي التَّعْلِيقَاتِ ثُمَّ قِيلَ يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ» الْحَدِيثَ.
وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لِمَنْعِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ التَّعْلِيقِ مِمَّا هُوَ بِحَرْفِ الْقَسَمِ وَرُكْنُهَا: اللَّفْظُ الْخَاصُّ وَشَرْطُهَا: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ وَحُكْمُهَا الَّذِي يَلْزَمُ وُجُودَهَا وُجُوبُ الْبِرِّ فِيمَا إذَا انْعَقَدَتْ عَلَى طَاعَةٍ أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ فَيَثْبُتُ وُجُوبَانِ لِأَمْرَيْنِ الْفِعْلِ، وَالْبِرِّ، وَوُجُوبُ الْحِنْثِ فِي الْحَلِفِ عَلَى ضِدِّهِمَا، وَنَدْبُهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ جَائِزًا وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْحِنْثُ أَوْ يَحْرُمُ، كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَالْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَشَرْعًا تَقْوِيَةُ الْخَبَرِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ) الْأَوْلَى مِنْهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْكَنْزِ تَقْوِيَةُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْخَبَرِ بِالْمُقْسَمِ بِهِ لِشُمُولِهِ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ الذَّاتِ وَلِكَوْنِ التَّقْوِيَةِ لِمُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ لَا ذَاتِ الْخَبَرِ (قَوْلُهُ: وَالتَّعْلِيقُ) عَطْفٌ عَلَى تَقْوِيَةِ الْخَبَرِ يُوَضِّحُهُ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ وَأَمَّا مَفْهُومُهُ الِاصْطِلَاحِيُّ، فَجُمْلَةٌ أُولَى إنْشَائِيَّةٌ مُقْسَمٌ فِيهَا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ يُؤَكَّدُ بِهَا مَضْمُونُ ثَانِيَةٍ فِي نَفْسِ السَّامِعِ ظَاهِرًا أَوْ تَحْمِلُ الْمُتَكَلِّمَ عَلَى تَحْقِيقِ مَعْنَاهَا فَدَخَلَتْ بِقَيْدِ ظَاهِرًا الْغَمُوسُ أَوْ الْتِزَامِ مَكْرُوهٍ كَفَّرَ أَوْ زَوَالِ مِلْكٍ عَلَى تَقْدِيرٍ لِيُمْنَعَ عَنْهُ أَوْ مَحْبُوبٍ لِيُحْمَلَ عَلَيْهِ فَدَخَلَتْ التَّعْلِيقَاتُ مِثْلَ: إنْ فَعَلَ فَهُوَ يَهُودِيٌّ وَإِنْ دَخَلْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ مَنْ دَخَلَتْ لِمَنْعِ نَفْسِهِ وَبِكَسْرِهَا لِمَنْعِهَا أَيْ الْمَرْأَةِ وَإِنْ بَشَّرْتنِي فَأَنْتَ حُرٌّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ) يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْلِفَ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ حَنِثَ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِتَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا. . . إلَخْ) أَنَّهُ يَثْبُتُ أَنَّ الْأَيْمَانَ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْمَاضِي صَادِقًا كَاللَّغْوِ فِي عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فَكَانَ لَهُ حُكْمٌ فَلَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِهِ (قَوْلُهُ: الْغَمُوسُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمَبْسُوطِ: الْغَمُوسُ لَيْسَ يَمِينًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْيَمِينُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ، وَالْكَبِيرَةُ ضِدُّ الْمَشْرُوعِ وَلَكِنْ سُمِّيَتْ يَمِينًا مَجَازًا؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الْكَبِيرَةِ بِصُورَةِ الْيَمِينِ كَمَا سُمِّيَ بَيْعُ الْحُرِّ بَيْعًا مَجَازًا لِوُجُودِ صُورَةِ الْبَيْعِ فِيهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: إحْدَاهَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) عَلَى الْوَصْفِ كَمَا فِي أَصَحِّ نُسَخِ الْهِدَايَةِ فِي بَعْضِهَا يَمِينُ الْغَمُوسِ فَهِيَ إضَافَةُ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَالْغَمُوسُ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
стр. 459
الْغَمُوسِ بِقَوْلِهِ (وَيَأْثَمُ بِهَا) أَيْ الْحَالِفُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَدْخَلَهُ النَّارَ» .
(وَ) ثَانِيهَا الْيَمِينُ (اللَّغْوُ) سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُعْتَبَرُ بِهَا فَإِنَّ اللَّغْوَ اسْمٌ لِمَا لَا يُفِيدُ يُقَالُ لَغَا إذَا أَتَى بِشَيْءٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ (وَهِيَ حَلِفُهُ كَاذِبًا يَظُنُّهُ صَادِقًا) كَمَا إذَا حَلَفَ أَنَّ فِي هَذَا الْكُوزِ مَاءً بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رَآهُ كَذَلِكَ ثُمَّ أُرِيقَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ وَبَيَّنَ حُكْمَهَا بِقَوْلِهِ (وَيُرْجَى عَفْوُهُ) فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى تَعْلِيقُ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالرَّجَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قُلْنَا نَعَمْ لَا شَكَّ فِي نَفْيِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي كَوْنِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا لَغْوًا فَإِنَّ اللَّغْوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ بِلَا قَصْدٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَاضِي أَوْ الْآتِي بِأَنْ قَصَدَ التَّسْبِيحَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ الْيَمِينُ مَثَلًا.
(وَ) الثَّالِثُ الْيَمِينُ (الْمُنْعَقِدَةُ وَهِيَ حَلِفُهُ عَلَى شَيْءٍ آتٍ) فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِعْلًا كَانَ أَوْ تَرْكًا، قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت الْحَلِفُ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْمَاضِي وَالْآتِي يَكُونُ عَلَى الْحَالِ أَيْضًا فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْهُ وَهُوَ مِنْ أَيِّ أَقْسَامِ الْحَلِفِ قُلْت: إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِمَعْنًى دَقِيقٍ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ يَحْصُلُ أَوَّلًا فِي النَّفْسِ فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللِّسَانِ فَإِنَّ الْإِخْبَارَ الْمُتَعَلِّقَ بِزَمَانِ الْحَالِ إذَا حَصَلَ فِي النَّفْسِ وَعُبِّرَ عَنْهُ بِاللِّسَانِ فَإِذَا تَمَّ التَّعْبِيرُ بِاللِّسَانِ انْعَقَدَ الْيَمِينُ بِزَمَانِ الْحَالِ صَارَ مَاضِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَإِذَا قَالَ: كَتَبْت لَا بُدَّ مِنْ الْكِتَابَةِ قَبْلَ ابْتِدَاءِ التَّكَلُّمِ، وَإِذَا قَالَ: سَوْفَ أَكْتُبُ لَا بُدَّ مِنْ الْكِتَابَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكَلُّمِ فِي الزَّمَانِ الَّذِي مِنْ ابْتِدَاءِ التَّكَلُّمِ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ زَمَانُ الْحَالِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَهُوَ مَاضٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى آنِ الْفَرَاغِ وَهُوَ آنُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَيَكُونُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ حَلِفًا عَلَى الْمَاضِي أَقُولُ حَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مَا يُظَنُّ مِنْ كَوْنِ الْحَلِفِ عَلَى الْحَالِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ حَلِفٌ عَلَى الْمَاضِي وَلَا يُوجَدُ الْحَلِفُ عَلَى الْحَالِ حَقِيقَةً وَلِذَا لَمْ يَذْكُرُوهُ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْحَالَ الْمُقَابِلَ لِلْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ رَضِيُّ الدِّينِ وَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَجْزَاءٌ مِنْ أَوَاخِرِ الْمَاضِي وَأَوَائِلِ الْمُسْتَقْبَلِ يُعْتَبَرُ امْتِدَادُهَا بِحَسَبِ الْعُرْفِ حَتَّى قَالُوا إنَّ زَيْدًا إذَا صَلَّى فَهُوَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ مَا دَامَ مُصَلِّيًا وَإِذَا كَتَبَ فَهُوَ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ مَا دَامَ كَاتِبًا فَإِذَا قَالَ زَيْدٌ حِينَ كِتَابَتِهِ: وَاَللَّهِ إنِّي كَاتِبٌ يَكُونُ يَمِينًا عَلَى الْحَالِ بِلَا مِرْيَةٍ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ مَاضِيًا فَالسُّؤَالُ بَاقٍ بَلْ الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ لَا وَجْهَ لِهَذَا السُّؤَالِ بَعْدَ مَا قَالَ أَوَّلًا: إنَّ مُطْلَقَ الْيَمِينِ أَكْثَرُ مِنْ الثَّلَاثِ فَتَدَبَّرْ وَبَيَّنَ حُكْمَ الْمُنْعَقِدَةِ بِقَوْلِهِ (وَكَفَّرَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْقَسَمِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحِفْظُ عَنْ الْحِنْثِ وَالْهَتْكِ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ (إنْ حَنِثَ) الْحَالِفُ وَقَوْلُهُ فَقَطْ إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فِي الْغَمُوسِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ فِيهَا أَيْضًا عِنْدَهُ (وَلَوْ) كَانَ الْحَالِفُ (مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا) أَيْ مُخْطِئًا كَمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: اسْقِنِي الْمَاءَ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ وَقِيلَ ذَاهِلًا عَنْ التَّلَفُّظِ بِهِ بِأَنْ قِيلَ لَهُ أَلَا تَأْتِينَا، فَقَالَ: بَلَى وَاَللَّهِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْيَمِينِ وَإِنَّمَا وَجَبَ فِيهِمَا الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْيَمِينُ»
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فَإِنَّ اللَّغْوَ اسْمٌ لِمَا لَا يُفِيدُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا لَغْوَ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ لِمَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ، رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: لَا يَكُونُ اللَّغْوُ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَغَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَلْغُو الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَيَبْقَى قَوْلُهُ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَوْ عَبْدُهُ حُرٌّ وَعَلَيْهِ حَجٌّ فَيَلْزَمُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيُرْجَى عَفْوُهُ) كَذَا عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ حَيْثُ قَالَ: نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ بِهَا صَاحِبَهَا (قَوْلُهُ: قُلْنَا. . . . إلَخْ) أَحَدُ مَا قِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنْ التَّعْلِيقِ بِالرَّجَاءِ مَعَ الْقَاطِعِ بِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ اللَّغْوَ بِالتَّفْسِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ فَلَمْ يَتِمَّ الْعُذْرُ عَنْ التَّعْلِيقِ بِالرَّجَاءِ فَالْأَوْجُهُ مَا قِيلَ: أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّعْلِيقَ بَلْ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّأَدُّبَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَالِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْت. . . إلَخْ) كَيْفَ يَتَأَتَّى هَذَا السُّؤَالُ مَعَ قَوْلِ صَاحِبِ الِاخْتِيَارِ الْيَمِينُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَاضِي أَوْ عَلَى الْحَالِ أَوْ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَاضِي أَوْ عَلَى الْحَالِ فَإِمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ فِيهَا وَهِيَ الْأُولَى أَيْ الْغَمُوسُ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَهِيَ الثَّانِيَةُ أَيْ اللَّغْوُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَهِيَ الثَّالِثَةُ الْمُنْعَقِدَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ: بَلْ الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ. . . إلَخْ) يُفِيدُ الْجَوَابُ عَنْ عَدَمِ ذِكْرِ الْحَلِفِ عَلَى الْحَالِ وَلَا يُفِيدُ بَيَانَ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الْأَقْسَامِ وَيُعْلَمُ حُكْمُهُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدَ الْكَذِبِ فَهِيَ الْغَمُوسُ أَوْ لَا فَهِيَ اللَّغْوُ (قَوْلُهُ: أَيْ مُخْطِئًا) فُسِّرَ بِهِ النَّاسِي؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ نَاسِيًا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَحْلِفَ ثُمَّ نَسِيَ فَحَلَفَ وَعَلَى تَفْسِيرِهِ النِّسْيَانَ بِهَذَا هُنَا وَفِي الْحِنْثِ بِحَقِيقَتِهِ يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وَجَبَ فِيهِمَا الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ ﷺ . . . إلَخْ) كَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ جَعْلُ الْهَزْلِ بِالْيَمِينِ جِدًّا، وَالْهَازِلُ قَاصِدٌ لِلْيَمِينِ
стр. 460
(فِي الْيَمِينِ أَوْ الْحِنْثِ) أَيْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْمُنْعَقِدَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِكْرَاهُ أَوْ النِّسْيَانُ فِي الْيَمِينِ أَوْ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُعْدِمُهُ الْإِكْرَاهُ وَالنِّسْيَانُ وَكَذَا الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ كَيْفَمَا كَانَ.
(وَالْقَسَمُ بِاَللَّهِ أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالْحَقِّ) وَجَمِيعِ أَسَامِي اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ أَوْ لَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ اسْمٍ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَاَللَّهِ، وَالرَّحْمَنِ فَهُوَ يَمِينٌ وَمَا سُمِّيَ بِهِ غَيْرُهُ كَالْحَكِيمِ، وَالْعَلِيمِ، وَالْقَادِرِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ يَمِينًا فَهُوَ يَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا، كَذَا فِي الْكَافِي، وَالْحَقُّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ (أَوْ بِصِفَةٍ يُحْلَفُ بِهَا عُرْفًا مِنْ صِفَاتِهِ كَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا فَلَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ لِلْحَمْلِ أَوْ الْمَنْعِ وَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِمَا يَعْتَقِدُ الْحَالِفُ تَعْظِيمَهُ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَهُوَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ مُعَظَّمٌ فَصَارَتْ حُرْمَةُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ حَامِلًا لِلْحَالِفِ أَوْ مَانِعًا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِهَا مُتَعَارَفًا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا.
(لَا) أَيْ لَا يُقْسِمُ (بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَالنَّبِيِّ، وَالْقُرْآنِ، وَالْكَعْبَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» هَذَا إذَا قَالَ: وَالنَّبِيِّ، وَالْقُرْآنِ وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا كُفْرٌ وَتَعْلِيقُ الْكُفْرِ بِالشَّرْطِ يَمِينٌ وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْمُصْحَفِ لَا يَكُونُ يَمِينًا.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِي الْمُصْحَفِ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَ) لَا (بِصِفَةٍ لَا يُحْلَفُ بِهَا عُرْفًا كَرَحْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ وَعَذَابِهِ) لِمَا سَبَقَ أَنَّ مَبْنَى الْيَمِينِ عَلَى الْعُرْفِ. .
(وَأَمَّا قَوْلُهُ لَعَمْرُ اللَّهِ) جَوَابُ أَمَّا قَوْلُهُ الْآتِي فَقَسَمٌ، وَجْهُ كَوْنِ لَعَمْرُ اللَّهِ قَسَمًا أَنَّ عَمْرَ اللَّهِ بَقَاؤُهُ وَالْبَقَاءُ صِفَةٌ وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَاللَّامُ لِتَوْكِيدِ الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ لَعَمْرُ اللَّهِ قَسَمِي، وَمَعْنَاهُ أَحْلِفُ بِبَقَاءِ اللَّهِ وَدَوَامِهِ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَاَيْمُ اللَّهِ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ أَيْمَنُ اللَّهِ وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ حُذِفَ نُونُهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَدَوَاتِ الْقَسَمِ، وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهِ (وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ) فَإِنَّ الْعَهْدَ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] ، وَالْمِيثَاقُ بِمَعْنَى الْعَهْدِ (وَأُقْسِمُ وَأَحْلِفُ وَأَشْهَدُ وَأَعْزِمُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ) فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْحَلِفِ فَجُعِلَ حَلِفًا فِي الْحَالِ سَوَاءٌ قَالَ بِاَللَّهِ أَوْ لَا.
(وَعَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ يَمِينٌ أَوْ عَهْدٌ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا يَكُونُ قَسَمًا (وَإِنْ لَمْ يُضِفْ) إلَى اللَّهِ حَتَّى إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ فَإِنْ نَوَى قُرْبَةً مِنْ الْقُرَبِ الَّتِي يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا لَزِمَتْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَكَذَا قَوْلُهُ عَلَيَّ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَلَيَّ مُوجَبِ يَمِينٍ، وَالْعَهْدُ بِمَعْنَى الْيَمِينِ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ) فَإِنَّهُ قَسَمٌ يَسْتَوْجِبُ الْكَفَّارَةَ إذَا حَنِثَ إنْ كَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَأَمَّا إنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ عَدَمُ رِضَاهُ بِهِ شَرْعًا بَعْدَ مُبَاشَرَتِهِ السَّبَبَ مُخْتَارًا وَالنَّاسِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَصْلًا وَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعَ وَكَذَا الْمُخْطِئُ لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ التَّلَفُّظَ بِهِ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَا يَكُونُ الْوَارِدُ فِي الْهَازِلِ وَارِدًا فِي النَّاسِي اهـ.
(قَوْلُهُ: فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ كَيْفَ مَا كَانَ) أَيْ الْحِنْثُ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُلُّ اسْمٍ إلَخْ) رَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِغَيْرِهِ لَا يَتَعَيَّنُ إرَادَةُ أَحَدِهِمَا إلَّا بِالنِّيَّةِ اهـ
كَذَا فِي الْفَتْحِ وَرَجَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَإِنْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْخَلْقِ لَكِنْ تَعَيَّنَ الْخَالِقُ مُرَادًا بِدَلَالَةِ الْقَسَمِ إذْ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى حَمْلًا لِكَلَامِهِ عَلَى الصِّحَّةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ اللَّهِ فَيَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِصِفَةٍ) الْمُرَادُ بِهِ اسْمُ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ ذَاتًا وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا بِهُوَ هُوَ كَالْعِزَّةِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَظَمَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَظِيمِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى يَكُونُ يَمِينًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ أَوْ الذَّاتِ وَهُوَ قَوْلُ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمَ صِفَاتِهِ.
وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ صِفَاتُ الذَّاتِ مُطْلَقًا يَمِينٌ كَعِزَّةِ اللَّهِ لَا صِفَاتُ الْفِعْلِ كَالرِّضَى، وَالْغَضَبِ؛ لِأَنَّ صِفَاتِ الذَّاتِ كَذِكْرِ الذَّاتِ وَصِفَاتَ الْفِعْلِ لَيْسَ كَذِكْرِ الذَّاتِ، وَالْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَشْرُوعٌ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا فِي الْبُرْهَانِ
(قَوْلُهُ: لَعَمْرُ اللَّهِ) فِيهِ ضَمُّ الْعَيْنِ وَفَتْحُهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ الْمَضْمُومُ فِي الْقَسَمِ وَلَا يَلْحَقُ الْمَفْتُوحَةَ الْوَاوُ فِي الْخَطِّ بِخِلَافِ " عَمْرٍو " الْعَلَمَ فَإِنَّهَا أُلْحِقَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ بَيْنَ عُمَرَ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ) أَيْ لِدُخُولِ اللَّامِ وَإِذَا لَمْ تَدْخُلْهُ اللَّامُ نُصِبَ نَصْبَ الْمَصَادِرِ فَتَقُولُ: عَمْرَ اللَّهِ مَا فَعَلْت وَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ، كَمَا فِي: اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَالْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ: وَعَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ) إذَا قَصَدَ بِهِ غَيْرَ الْيَمِينِ يُدَيَّنُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَأُقْسِمُ وَأَحْلِفُ وَأَشْهَدُ وَأَعْزِمُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ) إنَّمَا يَنْعَقِدَا إذَا ذُكِرَ مُقْسَمٌ عَلَيْهِ لَا كَمَا ظَنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ أَقْسِمُ وَنَحْوَهُ يَنْعَقِدُ وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الضِّيَاءِ.
следующие страницы →