Полный текст (874 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
تَصِلُ إلَى جِلْدَةٍ رَقِيقَةٍ بَيْنَ اللَّحْمِ وَعَظْمِ الرَّأْسِ وَتُسَمَّى سِمْحَاقًا (حُكُومَةُ عَدْلٍ) إذْ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا وَلَا يُمْكِنُ إهْدَارُهَا فَيَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَبَيَّنَ الْحُكُومَةَ بِقَوْلِهِ (فَيُقَوَّمُ عَبْدًا بِلَا هَذَا الْأَثَرِ ثُمَّ مَعَهُ فَقَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الدِّيَةِ هُوَ الْحُكُومَةُ) فَيُفْرَضُ أَنَّ هَذَا الْحُرَّ عَبْدٌ وَقِيمَتُهُ بِلَا هَذَا الْأَثَرِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمَعَهُ تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ وَهُوَ عُشْرُ الْأَلْفِ فَيُؤْخَذُ هَذَا التَّفَاوُتُ مِنْ الدِّيَةِ وَهِيَ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَعُشْرُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهُوَ حُكُومَةُ الْعَدْلِ (وَبِهِ يُفْتَى) احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ الْمُوضِحَةِ فَتَجِبُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ أَصَحُّ لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ اعْتَبَرَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِيمَنْ قَطَعَ طَرَفَ لِسَانِهِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
(وَفِي أَصَابِعِ يَدٍ بِلَا كَفٍّ وَبِهَا نِصْفُ الدِّيَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْأَرْشَ لَا يَزِيدُ بِسَبَبِ الْكَفِّ لِأَنَّهُ تَابِعٌ بَلْ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ فَيَكُونُ فِي الْخَمْسَةِ خَمْسُونَ ضَرُورَةً وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ (وَمَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ نِصْفُ دِيَةٍ) لِلْأَصَابِعِ (وَالْحُكُومَةُ) السَّاعِدُ (فِي كَفٍّ فِيهَا أُصْبُعٌ عُشْرُهَا) لِأُصْبُعٍ (وَإِنْ كَانَ أُصْبُعَانِ فَخُمُسُهَا) لِلْأُصْبُعَيْنِ (وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ) لِمَا مَرَّ (وَفِي أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ) وَهُوَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الْآتِي الْحُكُومَةُ
(وَعَيْنُ صَبِيٍّ وَذَكَرُهُ وَلِسَانُهُ إنْ لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهُ) أَيْ صِحَّةُ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ (بِمَا دَلَّ عَلَى نَظَرِهِ) فِي الْعَيْنِ (وَبِحَرَكَةِ ذَكَرِهِ) فِي الذَّكَرِ (وَكَلَامِهِ) فِي اللِّسَانِ (الْحُكُومَةُ وَإِنْ عُلِمَتْ) أَيْ صِحَّتُهُ (فَالدِّيَةُ) فَإِنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُ الْبَالِغِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ (وَدَخَلَ أَرْشُ مُوضِحَةٍ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ أَوْ شَعْرَ رَأْسِهِ فِي الدِّيَةِ) يَعْنِي إذَا شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْبُتْ دَخَلَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ لِأَنَّ فَوَاتَ الْعَقْلِ يُبْطِلُ مَنْفَعَةَ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ إذْ لَا يَنْتَفِعُ بِدُونِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْضَحَهُ فَمَاتَ وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ سَقَطَ أَرْشُهَا وَالدِّيَةُ وَجَبَتْ بِفَوَاتِ الشَّعْرِ وَقَدْ تَعَلَّقَا جَمِيعًا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فَوَاتُ الشَّعْرِ فَيَدْخُلُ الْجُزْءُ فِي الْكُلِّ كَمَنْ قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ بِهِ يَدُهُ (بِخِلَافِ إذْهَابِ السَّمْعِ أَوْ الْبَصَرِ أَوْ النُّطْقِ) أَيْ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي أَرْشٍ وَاحِدٍ مِنْهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَالْمَنْفَعَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الْأَعْضَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ بِخِلَافِ الْعَقْلِ لِأَنَّ نَفْعَهُ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ كَمَا مَرَّ (طَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَهَابِ السَّمْعِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَغْفُلَ ثُمَّ يُنَادِيَ إنْ أَجَابَ أَوْ الْتَفَتَ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ) كَذَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى (وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَهَابِ الْبَصَرِ أَنْ يُرَى أَهْلَ الْبَصِيرَةِ فَإِنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ) لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْكَافِي وَالْوِقَايَةِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَكَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْفَصْلِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ فَيُفْرَضُ أَنَّ هَذَا الْحُرَّ عَبْدٌ. . . إلَخْ)
قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) صَحِيحٌ بِرُجُوعِهِ إلَى قَوْلِهِ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَبِهِ يُفْتَى احْتِرَازٌ. . . إلَخْ فَلَيْسَ عِبَارَةَ الزَّيْلَعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ حِكَايَةِ قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ فَرُبَّمَا يَكُونُ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يُوجِبَ فِي هَذِهِ الشِّجَاجِ وَهُوَ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَكْثَرُ مِمَّا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ فِي الْمُوضِحَةِ وَأَنَّهُ مُحَالٌ بَلْ الصَّحِيحُ الِاعْتِبَارُ بِالْمِقْدَارِ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ يَنْظُرُ الْمُفْتِي فِي هَذَا إنْ أَمْكَنَهُ الْفَتْوَى بِالثَّانِي بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ يُفْتِي بِالثَّانِي أَيْ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ يُفْتِي بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ قَالَ وَكَانَ الْمَرْغِينَانِيُّ يُفْتِي بِهِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْظُرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ أَقَلِّ شَجَّةٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُهُ مِثْلَ نِصْفِ شَجَّةٍ لَهَا أَرْشٌ أَوْ ثُلُثُهَا وَجَبَ نِصْفُ أَوْ ثُلُثُ أَرْشِ تِلْكَ الشَّجَّةِ وَإِنْ كَانَ رُبْعًا فَرُبْعٌ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْقَوْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ قَوْلًا ثَالِثًا وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ أَصَحُّ إلَى آخِرِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
(قَوْلُهُ يَعْنِي أَنَّ الْأَرْشَ لَا يَزِيدُ بِسَبَبِ الْكَفِّ) هَذَا فِي الثَّلَاثِ فَمَا زَادَ اتِّفَاقًا وَأَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ إصْبَعَانِ أَوْ إصْبَعٌ فَهُوَ تَبَعٌ أَيْضًا عِنْدَهُ وَأَوْجَبَا الْأَكْثَرَ مِنْ الْأَرْشِ وَحُكُومَةَ الْكَفِّ وَأَدْخَلَا الْأَقَلَّ فِي الْأَكْثَرِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ
(قَوْلُهُ طَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَهَابِ السَّمْعِ. . . إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ بَعْدَهُ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ ذَهَابِ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالْكَلَامِ وَرَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ أُسْتَاذِي الْعَلَّامَةِ عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيِّ أَنَّ فِي الْكَلَامِ يَغْرِزُ لِسَانَهُ بِإِبْرَةٍ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ أَسْوَدُ فَصَادِقٌ وَإِنْ خَرَجَ أَحْمَرُ فَلَا وَفِي الشَّمِّ بِالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ اهـ.
(قُلْت) وَالذَّوْقُ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِاسْتِغْفَالِهِ بِإِطْعَامِهِ نَحْوَ حَنْظَلٍ بَعْدَ خُلُوٍّ (قَوْلُهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَهَابِ الْبَصَرِ. . . إلَخْ) هَذَا وَقَالَ قَاضِي خَانْ قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا أَخْبَرَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ﵁ يُقَامُ الْمَضْرُوبُ مُسْتَقْبِلَ الشَّمْسِ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ إنْ دَمَعَتْ عَيْنُهُ عُلِمَ أَنَّ بَصَرَهُ قَائِمٌ وَإِنْ لَمْ تَدْمَعْ عُلِمَ أَنَّهُ ذَهَبَ
стр. 527
قَالُوا بِذَهَابِهِ وَجَبَ الدِّيَةُ وَإِنْ قَالُوا لَا نَدْرِي اُعْتُبِرَ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ) بِأَنْ يَقُولَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي أَذْهَبْت بَصَرِي فَإِذَا أَنْكَرَ يُطَالِبُ الْمُدَّعِيَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِذَا عَجَزَ (فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلضَّارِبِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْبَتَاتِ دُونَ الْعِلْمِ) أَيْ يَحْلِفُ بِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ فَإِنْ نَكَلَ حَكَمَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الصُّغْرَى أَيْضًا
(لَا قَوَدَ فِي إذْهَابِ عَيْنَيْهِ بَلْ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ وَالْعَيْنَيْنِ) يَعْنِي شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً فَذَهَبَتْ عَيْنَاهُ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ فِيهِمَا لِأَنَّ سِرَايَةَ الْفِعْلِ مَعَ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ السِّرَايَةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْجِنَايَةِ وَقَدْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ مِنْ وَجْهٍ بِوَاسِطَةِ اتِّصَالِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ آخِرُ الْفِعْلِ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ لَا يَكُونُ أَوَّلُهُ مُوجِبًا لَهُ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى الِابْتِدَاءِ إنْ كَانَ عَمْدًا فَبِالنَّظَرِ إلَى الِانْتِهَاءِ خَطَأً فَصَارَ خَطَأً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ لِلشُّبْهَةِ
(وَلَا يُقْطَعُ أُصْبُعٌ شُلَّ جَارُهُ) لِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ السِّرَايَةِ (بَلْ الدِّيَةُ فِيهِمَا) لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَمَّا سَقَطَ وَجَبَ أَرْشُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِكَوْنِهَا عُضْوَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ (أَوْ أُصْبُعٌ) أَيْ لَا قَوَدَ أَيْضًا فِي أُصْبُعٍ (قُطِعَ مِفْصَلُهُ الْأَعْلَى فَشُلَّ مَا بَقِيَ) لِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ السِّرَايَةِ (بَلْ دِيَةُ الْمِفْصَلِ) لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ شَرْعًا (فَقَطْ) إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَقِيَ (وَالْحُكُومَةُ فِيمَا بَقِيَ) لِانْتِفَاءِ التَّقْدِيرِ الشَّرْعِيِّ فِيهِ (إنْ انْتَفَعَ بِهِ) وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا عُضْوًا وَاحِدًا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
(وَلَا) قَوَدَ أَيْضًا (بِكَسْرِ نِصْفِ سِنٍّ) أَسْوَدَ بَاقِيهَا أَوْ أَحْمَرَ أَوْ أَخْضَرَ وَدَخَلَهَا عَيْبٌ بِوَجْهٍ مَا (بَلْ) يَجِبُ (كُلُّ دِيَةِ السِّنِّ) كَذَا فِي الْكَافِي وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ ثُمَّ فِيمَا إذَا اخْضَرَّتْ أَوْ اسْوَدَّتْ أَوْ احْمَرَّتْ إنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ (إذَا فَاتَ مَنْفَعَةُ الْمَضْغِ وَإِلَّا فَلَوْ) كَانَ السِّنُّ (مِمَّا يُرَى) حَالَ التَّكَلُّمِ (تَجِبُ) الدِّيَةُ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ) وَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى كَلَامُ الْكَافِي عَلَى إطْلَاقِهِ (وَاخْتُلِفَ فِي الِاصْفِرَارِ وَالْمُخْتَارُ الدِّيَةُ) كَمَا فِي سَائِرِ الْأَلْوَانِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ
(أَقَادَ) يَعْنِي نَزَعَ رَجُلٌ سِنَّ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ الْمَنْزُوعُ سِنُّهُ سِنَّ النَّازِعِ (فَنَبَتَ سِنُّ الْأَوَّلِ أَوْ قَلَعَهَا) أَيْ قَلَعَ رَجُلٌ سِنَّ رَجُلٍ (فَرُدَّتْ إلَى مَكَانِهَا وَنَبَتَ عَلَيْهَا اللَّحْمُ وَجَبَ الْأَرْشُ فِي الصُّورَتَيْنِ) أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَكِنْ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ فَيَجِبُ الْمَالُ لِأَنَّ الْمُوجِبَ فَسَادُ الْمَنْبَتِ وَلَمْ يَفْسُدْ حَيْثُ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى فَانْعَدَمَتْ الْجِنَايَةُ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ نَبَاتَ اللَّحْمِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ لِأَنَّ الْعُرُوقَ لَا تَعُودُ (وَكَذَا الْأُذُنُ) يَعْنِي إذَا قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَلْصَقَهَا فَالْتَحَمَتْ يَجِبُ الْأَرْشُ لِأَنَّهَا لَا تَعُودُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ (لَا) أَيْ لَا يَجِبُ (الْأَرْشُ إنْ قُلِعَتْ فَنَبَتَتْ أُخْرَى) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ زَالَتْ وَلِهَذَا لَوْ قَلَعَ سِنَّ صَبِيٍّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
بَصَرُهُ اهـ. (قُلْت) وَيُمْكِنُ اخْتِبَارُهُ بِإِلْقَاءِ حَيَّةٍ مَيِّتَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ غَفْلَةً وَنَحْوَهَا
(قَوْلُهُ بَلْ دِيَةُ الْمِفْصَلِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَقِيَ وَالْحُكُومَةُ فِيمَا بَقِيَ إنْ انْتَفَعَ بِهِ) سَهْوٌ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الْحُكْمَ مُخَالِفًا لِمَنْقُولِ الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ صَحِيحًا فَإِنَّهُ نَقَلَ فِي النِّهَايَةِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا قَطَعَ مِنْ أُصْبُعٍ مِفْصَلًا وَاحِدًا فَشُلَّ الْبَاقِي مِنْ الْأُصْبُعِ أَوْ الْكَفِّ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَكِنْ تَجِبُ الدِّيَةُ فِيمَا شُلَّ مِنْهُ إنْ كَانَ إصْبَعًا فَدِيَةُ الْإِصْبَعِ وَإِنْ كَانَ كَفًّا فَدِيَةُ الْكَفِّ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مِفْصَلًا مِنْ إصْبَعٍ فَشُلَّ الْبَاقِي أَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ فَشُلَّتْ الْكَفُّ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي الْكُلِّ الْأَرْشُ وَيُجْعَلُ كُلُّهُ جِنَايَةً وَاحِدَةً اهـ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَلْ دِيَةُ الْمِفْصَلِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَقِيَ وَالْحُكُومَةُ فِيمَا بَقِيَ إنْ انْتَفَعَ بِهِ لَا يَسْتَقِيمُ، وَهَذَا أَوَّلُ شَيْءٍ فَتَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيَّ بِهِ كَتَبْته فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَلْفٍ فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) لَمْ يَذْكُرْهُ الزَّيْلَعِيُّ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ وَإِنْ كَانَ عُضْوًا وَاحِدًا بِأَنْ قَطَعَ الْإِصْبَعَ مِنْ الْمِفْصَلِ الْأَعْلَى فَشُلَّ مَا بَقِيَ مِنْهَا يُكْتَفَى بِأَرْشٍ وَاحِدٍ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ تَجِبُ دِيَةُ الْمَقْطُوعِ وَتَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ فِي الْبَاقِي بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا إذَا كَسَرَ نِصْفَ السِّنِّ وَاسْوَدَّ مَا بَقِيَ أَوْ اصْفَرَّ أَوْ احْمَرَّ تَجِبُ دِيَةُ السِّنِّ كُلِّهِ بِالْإِجْمَاعِ اهـ فَإِنْ قِيلَ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ لِأَنَّ الزَّيْلَعِيَّ قَالَ يُكْتَفَى بِأَرْشٍ وَاحِدٍ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَقِيَ وَهُوَ مَفْهُومُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ الَّتِي هِيَ بَلْ دِيَةُ الْمِفْصَلِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَقِيَ (قُلْت) قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ يُكْتَفَى بِأَرْشٍ وَاحِدٍ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَقِيَ الْمُرَادُ بِهِ أَرْشُ إصْبَعٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَكَذَا إذَا كُسِرَ نِصْفُ السِّنِّ. . . إلَخْ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَلْ دِيَةُ الْمِفْصَلِ فَقَطْ فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ دِيَةُ الْمِفْصَلِ لَا دِيَةُ بَاقِي الْإِصْبَعِ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَابَلَهُ بِقَوْلِهِ وَالْحُكُومَةُ فِيمَا بَقِيَ لِانْتِفَاءِ التَّقْدِيرِ الشَّرْعِيِّ فِيهِ إنْ انْتَفَعَ بِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ فَنَبَتَ سِنُّ الْأَوَّلِ) يَعْنِي كَمَا كَانَ أَمَّا إذَا نَبَتَ مُعْوَجًّا فَعَلَيْهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوْ نَبَتَ إلَى النِّصْفِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأَرْشِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَجَبَ الْأَرْشُ فِي الصُّورَتَيْنِ) الْمُرَادُ بِالْأَرْشِ فِي الْأُولَى دِيَتُهَا لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ خَمْسُمِائَةٍ اهـ.
وَلَعَلَّهُ كَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ لِمَا فِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ عَلَى الْقَاطِعِ كَمَالُ الْأَرْشِ ثُمَّ قَالَ.
وَفِي النِّهَايَةِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ هَذَا إذَا لَمْ تَعُدْ إلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ بَعْدَ النَّبَاتِ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْجَمَالِ وَأَمَّا إذَا عَادَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
стр. 528
فَنَبَتَ فِي مَكَانِهَا أُخْرَى لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ فَسَادِ الْمَنْبَتِ حَيْثُ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى فَلَمْ تَفُتْ الْمَنْفَعَةُ وَلَا الزِّينَةُ (أَوْ الْتَحَمَ شَجَّةٌ) يَعْنِي شَجَّ رَجُلًا فَالْتَحَمَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ وَنَبَتَ الشَّعْرُ سَقَطَ الْأَرْشُ لِزَوَالِ الشَّيْنِ الْمُوجِبِ لَهُ (أَوْ جَرَحَ بِضَرْبٍ) يَعْنِي إنْ ضَرَبَ رَجُلًا مِائَةَ سَوْطٍ مَثَلًا فَجَرَحَهُ وَبَرِئَ وَلَمْ يَبْقَ أَثَرٌ سَقَطَ الْأَرْشُ لِزَوَالِ الشَّيْنِ (وَلَمْ يَبْقَ أَثَرٌ) قَيْدٌ لِلصُّورَتَيْنِ.
(صَبِيٌّ ضَرَبَ سِنَّ صَبِيٍّ فَانْتَزَعَهَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الْمَضْرُوبِ إنْ بَلَغَ وَلَمْ تَنْبُتْ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَلَوْ مِنْ الْعَجَمِ فَفِي مَالِهِ) كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ
(لَطَمَ) رَجُلٌ (رَجُلًا فَكَسَرَ بَعْضَ أَسْنَانِهِ يَسْتَحِقُّ) الْمَضْرُوبُ (مِنْ الضَّارِبِ ذَلِكَ الْقَدْرَ) كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَطَرِيقُهُ أَنْ يَبْرُدَ بِالْمِبْرَدِ حَتَّى يَكُونَ سِنُّهُ مِثْلَ سِنِّ الْمَضْرُوبِ فَإِنْ قُلْت هَذَا لَيْسَ بِعَمْدٍ بَلْ شِبْهُهُ وَقَدْ مَرَّ أَنْ لَا قَوَدَ فِيمَا دُونَ الْعَمْدِ قُلْت قَدْ مَرَّ أَيْضًا أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدٌ فَلَا تَغْفُلْ.
(لَا يُقَادُ جُرْحٌ إلَّا بَعْدَ بُرْءٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «يَسْتَأْنِي فِي الْجِرَاحَاتِ سَنَةً» أَيْ يَنْتَظِرُ وَلِأَنَّ الْجِرَاحَاتِ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَآلُهَا لَا حَالُهَا لِاحْتِمَالِ السِّرَايَةِ إلَى النَّفْسِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ قَتْلٌ وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ الْأَمْرُ بِالْبُرْءِ، عَمْدُ الْمَجْنُونَةِ وَالصَّبِيِّ خَطَأٌ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِمَا الدِّيَةُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ جَعَلَ عَقْلَ الْمَجْنُونِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَقَالَ عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ سَوَاءٌ وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ مَظِنَّةُ الْعُذْرِ وَالْعَاقِلُ الْخَاطِئُ لَمَّا اسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ حَتَّى وَجَبَ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَالصَّبِيُّ وَهُوَ أَعْذَرُ أَوْلَى بِهَذَا التَّخْفِيفِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَجَمِ) وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَفِي مَالِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ (بِلَا كَفَّارَةٍ) لِأَنَّهَا كَاسْمِهَا سِتَارَةٌ وَلَا ذَنْبَ لَهُمَا تَسْتُرُهُ لِأَنَّهُمَا مَرْفُوعَا الْقَلَمِ (وَلَا حِرْمَانِ إرْثٍ) لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا
(فَصْلٌ)
(ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ) احْتِرَازٌ عَنْ الْأَمَةِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا (فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَجَبَتْ غُرَّةٌ هِيَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ) وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ (لَوْ) كَانَ الْجَنِينُ (ذَكَرًا وَعُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ لَوْ) كَانَ الْجَنِينُ (أُنْثَى) وَهِيَ أَيْضًا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «فِي الْجَنِينِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ» وَرُوِيَ أَوْ خَمْسُمِائَةٍ فَيَكُونُ الْغُرَّةُ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ إنَّمَا سُمِّيَ الرَّقِيقُ غُرَّةً لِأَنَّهُ غُرَّةُ مَا يَمْلِكُ أَيْ خَيْرُهُ وَأَفْضَلُهُ وَأَطْلَقَ الْغُرَّةَ وَهِيَ الْوَجْهُ عَلَى الْجُمْلَةِ كَمَا قِيلَ رَقَبَةُ كَذَا فِي الْفَائِقِ (فِي سَنَةٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَةٍ» (وَتُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ سِوَى ضَارِبِهِ) إنْ كَانَ وَارِثًا لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) أَيْ الضَّارِبُ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا فِي النُّفُوسِ الْمُطْلَقَةِ فَلَا تَتَعَدَّاهَا (وَدِيَةٌ) عُطِفَ عَلَى غُرَّةٍ أَيْ وَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ (إنْ كَانَ حَيًّا فَمَاتَ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَيًّا بِالضَّرْبِ السَّابِقِ (وَدِيَتَانِ إنْ كَانَ) الْمَضْرُوبُ (جَنِينَيْنِ فَمَاتَا) لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ (وَغُرَّةٌ وَدِيَةٌ إنْ) كَانَ الْجَنِينُ (مَيِّتًا فَمَاتَتْ الْأُمُّ) الْغُرَّةُ لِلْجَنِينِ وَالدِّيَةُ لِلْأُمِّ (وَدِيَةُ الْأُمِّ فَقَطْ إنْ مَاتَتْ) الْأُمُّ (فَأَلْقَتْ) جَنِينًا (مَيِّتًا) لِأَنَّ مَوْتَ الْأُمِّ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ ظَاهِرًا لِأَنَّ حَيَاتَهُ بِحَيَاتِهَا وَتَنَفُّسَهُ بِتَنَفُّسِهَا (وَدِيَتَانِ إنْ أَلْقَتْ حَيًّا فَمَاتَ) دِيَةٌ لِلْأُمِّ وَدِيَةٌ لِلْجَنِينِ لِأَنَّهُ قَتَلَهُمَا فَصَارَ كَمَا إذَا أَلْقَتْهُ حَيًّا وَمَاتَا
(وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ فِي الذَّكَرِ وَعُشْرُ قِيمَتِهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَبَرِيءَ وَلَمْ يَبْقَ أَثَرُ سُقُوطِ الْأَرْشِ) هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَلَمِ وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَسَّرَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَلَمِ بِأُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَالْمُدَاوَاةِ فَعَلَى هَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ كَذَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ ضَرَبَ سِنَّ صَبِيٍّ فَانْتَزَعَهَا يَنْتَظِرُ بُلُوغَ الْمَضْرُوبِ) قَيَّدَ بِالصَّبِيِّ لِمَا فِي النِّهَايَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَأْنَى فِي سِنِّ الْبَالِغِ حَتَّى يَبْرَأَ لِأَنَّ نَبَاتَهُ نَادِرٌ وَلَا يُفِيدُ تَأْجِيلُهُ إلَى سَنَةٍ فَيُؤَخَّرُ إلَى الْبُرْءِ لِيَعْلَمَ عَاقِبَتَهُ وَعَزَاهُ إلَى التَّتِمَّةِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ لَطَمَ رَجُلًا فَكَسَرَ بَعْضَ أَسْنَانِهِ) قَدَّمَ فِي بَابِ الْقَوَدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مَا يُغْنِي عَنْهُ وَقَدَّمْنَا تَقْيِيدَ الْقِصَاصِ فِي كَسْرِ بَعْضِ السِّنِّ بِمَا إذَا كَانَ عُرْضًا وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا أَنَّهُ إنْ كَانَ كَسْرًا مُسْتَوِيًا يُسْتَطَاعُ فِي مِثْلِهِ الْقِصَاصُ اقْتَصَّ مِنْهُ بِمِبْرَدٍ وَإِنْ كَانَ كَسْرًا مُنْثَلِمًا لَيْسَ بِمُسْتَوٍ بِحَيْثُ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْتَصَّ مِثْلُهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ ذَلِكَ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ) الضَّمِيرُ لِلِاسْتِثْنَاءِ.
[فَصْلٌ ضَرْب بَطْنِ امْرَأَةٍ حُرَّة فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ جُعِلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَةٍ) أَيْ قُضِيَ بِالْغُرَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَةٍ لِمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَنَا مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ بَلَغْنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْغُرَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَةٍ»
(قَوْلُهُ وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَمَا يَجِبُ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الضَّارِبِ حَالًّا وَقِيلَ يُوجِبُ أَبُو يُوسُفَ نَقْصَ قِيمَةِ الْأُمِّ إنْ تَمَكَّنَ فِيهَا نَقَصَ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ كَالْبَهِيمَةِ اهـ
стр. 529
فِي الْأُنْثَى) لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْأَمَةِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الْوَاجِبِ فِي الْأُنْثَى أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الذَّكَرِ فِيمَا إذَا كَانَ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْغُلَامِ لِأَنَّهُ نَادِرٌ وَالْغَالِبُ أَنَّ قِيمَتَهُ تَزِيدُ عَلَى قِيمَتِهَا بِكَثِيرٍ حَتَّى إنْ قُوِّمَتْ جَارِيَةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يُقَوَّمُ غُلَامُ مِثْلِهَا فِي الصِّفَاتِ الْمَرْغُوبَةِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَلَا تَلْزَمُ الْأَكْثَرِيَّةُ هَذَا إذَا كَانَ الْجَنِينُ مِنْ غَيْرِ مَوْلَاهَا وَمِنْ غَيْرِ الْمَغْرُورِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ الْغُرَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لِأَنَّهُ حُرٌّ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (فَإِنْ ضُرِبَتْ فَأَعْتَقَ سَيِّدُهَا) وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ سَيِّدُهُ كَأَنَّهُ سَهْوٌ مِنْ النَّاسِخِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْحَمْلِ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ مُطْلَقًا (حَمْلَهَا فَأَلْقَتْهُ فَمَاتَ وَجَبَ قِيمَتُهُ حَيًّا لَا دِيَتُهُ) لِأَنَّ قَتْلَهُ بِالضَّرْبِ السَّابِقِ وَهُوَ كَانَ فِي حَالَةِ الرِّقِّ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالَةِ الرَّمْيِ لَا الْوُصُولِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الْقِيمَةِ لِلْمَوْلَى لَا مُورِثِهِ
(وَمَا اسْتَبَانَ بَعْضُهُ كَالتَّامِّ) أَيْ الْجَنِينُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَنِينِ التَّامِّ (فِيمَا ذُكِرَ) مِنْ الْأَحْكَامِ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا (امْرَأَةٌ أَسْقَطَتْ مَيِّتًا بِدَوَاءٍ أَوْ فِعْلٍ) كَضَرْبِهَا بَطْنَهَا مَثَلًا (فَفِيهِ الْغُرَّةُ) تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ) فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ (وَلَوْ أَمَرَتْ امْرَأَةً فَفَعَلَتْ لَا تَضْمَنُ الْمَأْمُورَةُ) كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
(بَابُ مَا يَحْدُثُ فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ)
(أَحْدَثَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ كَنِيفًا) وَهُوَ الْمُسْتَرَاحُ (أَوْ مِيزَابًا) وَهُوَ مَجْرَى الْمَاءِ (أَوْ جُرْصُنًا) وَهُوَ مَجْرَى مَاءٍ يُرَكَّبُ فِي الْحَائِطِ وَقِيلَ جِذْعٌ يُخْرَجُ مِنْ الْحَائِطِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ (أَوْ دُكَّانًا جَازَ) إحْدَاثُهُ (إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ وَلِكُلٍّ) مِنْ الْمَارَّةِ (نَقْضُهُ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَقِّ بِالْمُرُورِ بِنَفْسِهِ وَبِدَوَابِّهِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْضِ كَمَا فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ وَفِي طَرِيقِ الْخَاصَّةِ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ نَافِذٍ (لَا) أَيْ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُ شَيْءٍ مِنْهَا (بِلَا إذْنِ الشُّرَكَاءِ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ) لِأَنَّهُ كَالْمِلْكِ الْخَاصِّ بِهِمْ (وَضَمِنَ دِيَةَ مَنْ مَاتَ بِسُقُوطِهَا) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ صَارَ سَبَبًا لِمَوْتِهِ (كَمَا لَوْ وَضَعَ حَجَرًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ) فِي (غَيْرِ مِلْكِهِ فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ، وَ) ضَمِنَ (قِيمَةَ بَهِيمَةٍ تَلِفَتْ) بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ (إنْ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الْإِمَامُ) فَإِنَّ الضَّمَانَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ إنَّمَا يَكُونُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ الْغُرَّةُ) يَعْنِي وَتَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ مُطْلَقًا) أَيْ لَفْظًا وَرُتْبَةً وَلَيْسَ مِنْ الْمُوَضَّحِ الَّتِي اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى مُتَأَخِّرٍ لَفْظًا وَرُتْبَةً وَهَذَا عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِلْمُصَنِّفِ وَأَمَّا النُّسْخَةُ الصَّحِيحَةُ مِنْ نُسَخِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي فِيهَا تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ فَلَا إشْكَالَ لِأَنَّهَا مِثْلُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَأَعْتَقَ سَيِّدُهَا
(قَوْلُهُ امْرَأَةٌ أَسْقَطَتْ مَيِّتًا بِدَوَاءٍ أَوْ فِعْلٍ) يَعْنِي عَمْدًا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَفِي حَقِّ غَيْرِهَا لَا يُشْتَرَطُ قَصْدًا إسْقَاطُ الْوَلَدِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ) كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ إذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ لَا تَجِبُ الْغُرَّةُ لِعَدَمِ التَّعَدِّي. اهـ. وَأَقُولُ هَذَا يَتَمَشَّى عَلَى الرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ لَا عَلَى الصَّحِيحِ لِمَا قَالَ فِي الْكَافِي قَالَ لِغَيْرِهِ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَجْرِي فِي النُّفُوسِ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ لِأَنَّ نَفْسَهُ حَقُّهُ وَقَدْ أَذِنَ بِإِتْلَافِ حَقِّهِ. اهـ. فَكَذَا الْغُرَّةُ أَوْ دِيَةُ الْجَنِينِ حَقُّهُ غَيْرَ أَنَّ الْإِبَاحَةَ مَنْفِيَّةٌ فَلَا تَسْقُطُ الْغُرَّةُ عَنْ عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ بِمُجَرَّدِ أَمْرِ زَوْجِهَا بِإِتْلَافِ الْجَنِينِ لِأَنَّ أَمْرَهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ فِعْلِهِ فَإِنَّهُ إذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَتِهِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا لَزِمَ عَاقِلَةً الْغُرَّةُ وَلَا يَرِثُ مِنْهَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ فَلَوْ نَظَرْنَا لِكَوْنِ الْغُرَّةِ حَقَّهُ لَمْ يَجِبْ بِضَرْبِهِ شَيْءٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْآدَمِيُّ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ إهْدَارَ آدَمِيَّتِهِ لَزِمَ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ بِإِتْلَافِهِ وَاسْتَحَقَّهُ غَيْرُ الْجَانِي أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْدَعَ عَبْدَهُ صَبِيًّا فَقَتَلَهُ الصَّبِيُّ تَضْمَنُهُ عَاقِلَتُهُ مَعَ كَوْنِهِ مِلْكًا لِمَوْلَاهُ وَقَدْ سُلِّطَ الصَّبِيُّ عَلَى إتْلَافِهِ بِوَضْعِهِ عِنْدَهُ وَلَمْ تُهْدَرْ آدَمِيَّتُهُ بِهِ فَلَزِمَ عَاقِلَتَهُ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْدَعَ الصَّبِيَّ طَعَامًا فَأَكَلَهُ وَأَتْلَفَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي تَحْرِيرُهُ بِحَمْدِ اللَّهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَمَرَتْ امْرَأَةٌ. . . إلَخْ) فِيهِ مَا فِي أَمْرِ الزَّوْجَةِ وَقَدْ عَلِمْته بَلْ اللُّزُومُ هُنَا أَظْهَرُ لِعَدَمِ أَمْرِ الزَّوْجِ وَبُطْلَانِ الْأَمْرِ لَوْ يَكُنْ.
[بَابُ مَا يَحْدُثُ فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ]
(بَابُ مَا يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ)
(قَوْلُهُ وَلِكُلٍّ مِنْ الْمَارَّةِ نَقْضُهُ) هَذَا إذَا كَانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَلَوْ بِالْإِذْنِ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمَا وَكَانَ لَيْسَ لَهُ مِثْلُهُ وَلَمْ يَأْذَنْ الْإِمَامُ لَهُ بِإِحْدَاثِهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ كَالْمِلْكِ الْخَاصِّ بِهِمْ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ وَضَمِنَ دِيَةَ مَنْ مَاتَ بِسُقُوطِهَا) يَعْنِي مَعَ عَاقِلَتِهِ لَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَهَذَا إذَا أَصَابَهُ الطَّرَفُ الْخَارِجُ لِأَنَّ بِهِ التَّعَدِّيَ لَا الدَّاخِلَ وَلَوْ أَصَابَاهُ وَعَلِمَ ذَلِكَ وَجَبَ النِّصْفُ وَهُدِرَ النِّصْفُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَضْمَنُ النِّصْفَ وَبَقِيَّةُ تَفَارِيعِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ إذْنِ الْفُعَلَاءِ بِالْبِنَاءِ وَغَيْرِهِ فِي التَّبْيِينِ وَالْهِدَايَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَضَمِنَ قِيمَةَ بَهِيمَةٍ) أَيْ فِي مَالِهِ خَاصَّةً
стр. 530
إذَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الْإِمَامُ (لَا إنْ أَذِنَ أَوْ مَاتَ وَاقِعٌ فِي بِئْرِ طَرِيقٍ جُوعًا أَوْ غُمًّا) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْكُرْبَةُ وَالْمُرَادُ هُنَا اخْتِنَاقٌ مِنْ هَوَاءِ الْبِئْرِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ مَاتَ غُمًّا يَجِبُ الضَّمَانُ لِأَنَّ الْغُمَّ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ
(نَحَّى حَجَرًا وَضَعَهُ آخَرُ) فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ ضَمِنَ الْمُنَحِّي لِأَنَّ فِعْلَ الْأَوَّلِ انْتَسَخَ بِفِعْلِهِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ (كَمَنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ ظَهْرِهِ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ) شَيْءٌ مِنْهُمَا عَلَى آخَرَ فَتَلِفَ بِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ (أَوْ أَدْخَلَ حَصِيرًا أَوْ قِنْدِيلًا أَوْ حَصَاةً فِي مَسْجِدِ غَيْرِهِ) فَسَقَطَ شَيْءٌ مِنْهَا فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ ضَمِنَ قَيَّدَ بِمَسْجِدِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَسْجِدُ حَيِّهِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ لِأَهْلِهِ لَا غَيْرِهِمْ كَنَصْبِ الْإِمَامِ وَاخْتِيَارِ الْمُتَوَلِّي وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَانَ فِعْلُهُمْ مُبَاحًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَفِعْلُ غَيْرِهِمْ تَعَدِّيًا أَوْ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ (أَوْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ) سَوَاءٌ كَانَ مَسْجِدَ حَيِّهِ أَوْ مَسْجِدَ غَيْرِهِ حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ مُصَلٍّ فَعَطِبَ بِهِ أَحَدٌ) بِأَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ أَعْمَى فَتَلِفَ يَضْمَنُ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُصَلٍّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُصَلِّيًا سَوَاءٌ صَلَّى الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا سَوَاءٌ جَلَسَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ نَامَ فِيهِ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ ضَمِنَ (لَا) أَيْ لَا يَضْمَنُ (مَنْ سَقَطَ مِنْهُ رِدَاءٌ لَبِسَهُ) عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ بِهِ قَيَّدَ بِاللُّبْسِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَامِلًا لَهُ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ بِهِ أَوْ سَقَطَ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ ضَمِنَ وَالْفَرْقُ أَنَّ حَامِلَ الشَّيْءِ يَقْصِدُ حِفْظَهُ فَلَا حَرَجَ فِي التَّقْيِيدِ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ بِخِلَافِ اللَّابِسِ فَلَوْ قُيِّدَ بِمَا ذُكِرَ لَزِمَ الْحَرَجُ فَجُعِلَ مُبَاحًا مُطْلَقًا
(وَضَمِنَ ذُو حَائِطٍ مَالَ إلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ وَطَلَبَ نَقْضَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ) رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ حُرٌّ أَوْ مُكَاتَبٌ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ شُرَكَاءُ وَطَرِيقُ الطَّلَبِ أَنْ يَقُولَ إنِّي تَقَدَّمْت إلَى هَذَا الرَّجُلِ لِهَدْمِ حَائِطِهِ وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِشْهَادِ وَذَكَرَهُ فِي الْكُتُبِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِثْبَاتِ عِنْدَ الْإِنْكَارِ (مِمَّنْ) مُتَعَلِّقٌ بِطَلَبَ (يَمْلِكُهُ) أَيْ النَّقْضَ (كَالرَّاهِنِ) لِلْحَائِطِ فَإِنَّهُ (يَمْلِكُهُ بِفَكِّهِ) أَيْ بِفَكِّ الرَّهْنِ وَإِرْجَاعِ الْمَرْهُونِ إلَى يَدِهِ (وَأَبُ الطِّفْلِ وَالْوَصِيُّ) فَإِنَّ لَهُمَا وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ (وَالْمُكَاتَبُ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ يَدًا فَوِلَايَةُ النَّقْضِ لَهُ (وَالْعَبْدُ التَّاجِرُ) وَلَوْ مَدْيُونًا لِأَنَّ وِلَايَةَ النَّقْضِ لَهُ ثُمَّ مَا تَلِفَ بِالسُّقُوطِ إنْ كَانَ مَالًا فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ وَإِنْ كَانَ نَفْسًا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى لَوْ لَهُ عَاقِلَةٌ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْمَوْلَى وَضَمَانُ الْمَالِ أَلْيَقُ بِالْعَبْدِ وَضَمَانُ النَّفْسِ بِالْمَوْلَى (فَلَمْ يَنْقُضْ) مَنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ لَا إنْ أَذِنَ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ أَوْ مَاتَ وَاقِعٌ فِي بِئْرِ طَرِيقٍ جُوعًا وَقَيَّدَ بِالْجُوعِ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعَطَشِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ بَلْ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ فِي الْبِئْرِ عَطَشًا (قَوْلُهُ أَوْ غُمًّا بِضَمِّ الْغَيْنِ الْكُرْبَةُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النَّفَسُ مَأْخُوذًا مِنْ الْحُرِّ نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِيَّةِ أَوْ التَّمْيِيزِ أَوْ مَفْعُولٍ لَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. . . إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُ يَضْمَنُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ) يَعْنِي أَوْ مَالٌ (قَوْلُهُ فَسَقَطَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى آخَرَ فَتَلِفَ بِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ) وَكَذَا لَوْ تَعَثَّرَ بِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ أَوْ أَدْخَلَ حَصِيرًا أَوْ قِنْدِيلًا. . . إلَخْ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَبِقَوْلِهِمَا يُفْتَى ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِلَا إذْنِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَعَلَّقَ الْقِنْدِيلَ لِلْإِضَاءَةِ أَمَّا لَوْ عَلَّقَهُ لِلْحِفْظِ فَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ أَوْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ مُصَلٍّ. . . إلَخْ)
قَالَ قَاضِي خَانْ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ الْجَالِسُ مَشْغُولًا بِعَمَلٍ لَا يُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ كَدَرْسِ الْفِقْهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا أَوْ كَانَ جَالِسًا لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا عِنْدَ الْكُلِّ اهـ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَعَطِبَ بِهِ أَحَدٌ ضَمِنَ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا لَا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ نَامَ فِيهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ مَرَّ فِيهِ أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِلْحَدِيثِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْأَظْهَرَ مَا قَالَاهُ لِأَنَّ الْجُلُوسَ مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِهَا لِأَنَّ مَا ثَبَتَ ضَرُورَةً لِشَيْءٍ يَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا. . . إلَخْ) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ أَنَّ الْأَظْهَرَ مَا قَالَاهُ مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَصَاحِبُ الْبُرْهَانِ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُنْتَظِرِ لِلصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
(قَوْلُهُ وَطَلَبَ نَقْضَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ. . . إلَخْ) يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الطَّلَبِ فَخَرَجَ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْمُطَالَبَةِ بِحَقِّهِمَا فَكَذَا بِحَقِّ الْعَامَّةِ إلَّا إنْ أَذِنَ لَهُمَا فِي الْخُصُومَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَالْمُكَاتَبُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ ثُمَّ إنْ تَلِفَ حَالَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِتَعَذُّرِ الدَّفْعِ وَبَعْدَ عِتْقِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى وَبَعْدَ الْعَجْزِ لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْمُكَاتَبِ وَعَدَمِ الْإِشْهَادِ عَلَى الْمَوْلَى
стр. 531
يَمْلِكُهُ (فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ) أَيْ نَقْضُهُ (فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (مَالًا) مَفْعُولُ ضَمِنَ (وَعَاقِلَتُهُ) عُطِفَ عَلَى ضَمِيرِ ضَمِنَ وَجَازَ لِلْفَصْلِ (نَفْسًا) مَفْعُولُ ضَمِنَ الْمُقَدَّرُ (تَلَفَا) أَيْ الْمَالُ وَالنَّفْسُ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْحَائِطِ (لَا) أَيْ لَا يَضْمَنُ (مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ فَبَاعَ دَارِهِ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي أَوَّلًا) كَذَا فِي الْكَافِي وَلَيْسَ فِي الْهِدَايَةِ لَفْظُ أَوَّلًا (فَسَقَطَ) الْحَائِطُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَتَلِفَ بِهِ مَالٌ أَوْ نَفْسٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِتَرْكِ الْهَدْمِ مَعَ تَمَكُّنِهِ وَقَدْ زَالَ بِالْبَيْعِ بِخِلَافِ إشْرَاعِ الْجُنَاحِ لِأَنَّهُ كَانَ جَانِيًا بِالْوَضْعِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْبَيْعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي إذْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ بَعْدَ شِرَائِهِ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ لِتَرْكِهِ التَّفْرِيغَ مَعَ تَمَكُّنِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ (أَوْ طَلَبَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ نَقْضَهُ) أَيْ لَا يَضْمَنُ مَنْ لَا يَمْلِكُ نَقْضَهُ وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ (كَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُودِعِ وَالسَّاكِنِ) لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّصَرُّفِ (مَالَ) الْحَائِطُ (إلَى دَارِ رَجُلٍ فَلَهُ الطَّلَبُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (فَيَصِحُّ تَأْجِيلُهُ وَإِبْرَاؤُهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْجِنَايَةِ (لَا إنْ مَالَ إلَى الطَّرِيقِ فَأَجَّلَهُ الْقَاضِي أَوْ الطَّالِبُ) لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَامَّةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا إبْطَالُهُ (وَإِنْ بُنِيَ مَائِلًا بَدْءًا ضَمِنَ بِلَا طَلَبٍ كَمَا فِي إشْرَاعِ الْجُنَاحِ) وَهُوَ إخْرَاجُ الْجُذُوعِ مِنْ الْجِدَارِ إلَى الطَّرِيقِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ (وَنَحْوُهُ) كَالْكَنِيفِ مَثَلًا
(حَائِطٌ لِخَمْسَةٍ طُلِبَ نَقْضُهُ مِنْ أَحَدِهِمْ وَسَقَطَ عَلَى رَجُلٍ) فَعَطِبَ بِهِ (ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ) أَيْ عَاقِلَةُ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ (خُمُسَ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الطَّلَبَ صَحَّ فِي الْخُمُسِ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا فَإِنْ قِيلَ الْوَاحِدُ مِنْ الشُّرَكَاءِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَهْدِمَ شَيْئًا مِنْ الْحَائِطِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الطَّلَبُ مِنْهُ قُلْنَا إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ هَدْمِ نَصِيبِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ إصْلَاحِهِ بِوَجْهٍ وَهُوَ الْمُرَافَعَةُ إلَى الْحُكَّامِ وَبِهِ يَحْصُلُ الْغَرَضُ فَإِنْ تَرَكَ ضَمِنَ الْعَاقِلَةُ (كَمَا ضَمِنُوا) أَيْ الْعَاقِلَةُ (ثُلُثَيْهَا إنْ حَفَرَ أَحَدُ ثَلَاثَةٍ فِي دَارِهِمْ بِئْرًا أَوْ بَنَى حَائِطًا) فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لِأَنَّ الْحَافِرَ وَالْبَانِيَ فِي الثُّلُثَيْنِ مُتَعَدٍّ.
[بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا]
الْأَصْلُ أَنَّ الْمُرُورَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مُبَاحٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ كُلِّ النَّاسِ فَقُلْنَا بِالْإِبَاحَةِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِيمَا يُمْكِنُ الِاعْتِرَاضُ عَنْهُ لَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِهَا مُطْلَقًا يُؤَدِّي إلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ وَسَدِّ بَابِهِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ (ضَمِنَ الرَّاكِبُ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ مَا وَطِئَتْ دَابَّتُهُ وَمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ رَأْسِهَا أَوْ كَدَمَتْ) أَيْ عَضَّتْ بِمُقَدَّمِ أَسْنَانِهَا (أَوْ خَبَطَتْ) أَيْ ضَرَبَتْ (بِيَدِهَا أَوْ صَدَمَتْ) أَيْ ضَرَبَتْ بِنَفْسِهَا شَيْئًا يُقَالُ اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ إذَا ضَرَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُمْكِنٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ فَقُيِّدَ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَنْهَا (فَلَوْ حَدَثَتْ) هَذِهِ الْأَشْيَاءُ (فِي السَّيْرِ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ (إلَّا فِي الْوَطْءِ) وَهُوَ رَاكِبُهَا لِأَنَّ الْإِيطَاءَ مُبَاشَرَةٌ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ حَتَّى يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَغَيْرُهُ بِسَبَبٍ وَفِيهِ يُشْتَرَطُ التَّعَدِّي فَصَارَ كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي مِلْكِهِ وَفِي الْمُبَاشَرَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ (وَلَوْ) حَدَثَتْ (فِي السَّيْرِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَوْ) كَانَ سَيْرُهُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ بِإِذْنِ الْغَيْرِ (كَانَ ذَلِكَ الْمِلْكُ كَمِلْكِهِ) وَالسَّيْرُ فِيهِ كَالسَّيْرِ فِي مِلْكِهِ حَيْثُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ (ضَمِنَ مَا تَلِفَ مُطْلَقًا) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَعَاقِلَتَهُ عُطِفَ عَلَى ضَمِيرِ ضَمِنَ) الصَّوَابُ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى ذُو حَائِطٍ وَلَيْسَ فِيهِ ضَمِيرٌ لِكَوْنِهِ عَامِلًا فِي ظَاهِرٍ
(بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا) (قَوْلُهُ وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ مُطْلَقًا) أَيْ إذَا كَانَ مَعَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَوْ أَدْخَلَهَا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَمْ يُدْخِلْهَا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ
стр. 532
(لَا مَا نَفَحَتْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ مَا وَطِئَتْ دَابَّتُهُ نَفْحُ الدَّابَّةِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ضَرْبُهَا بِحَدِّ حَافِرِهَا أَيْ لَا يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ (بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا سَائِرَةً) إذْ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا مَعَ سَيْرِهَا حَتَّى لَوْ وَافَقَهَا فِي الطَّرِيقِ ضَمِنَ لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِيقَافِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ عَنْ النَّفْحَةِ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا بِالْإِيقَافِ (أَوْ عَطِبَ بِمَا رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ فِي الطَّرِيقِ سَائِرَةً) فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مِنْ امْتِنَاعِ الِاحْتِرَازِ أَوْ أَوْقَفَهَا لَهُ فَإِنَّ بَعْضَ الدَّوَابِّ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ (فَلَوْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِهِ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْإِيقَافِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْإِيقَافُ (فِي مَوْضِعٍ أَذِنَ) مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ (بِإِيقَافِهَا فِيهِ) فَحِينَئِذٍ لَا يَضْمَنُ لِعَدَمِ التَّعَدِّي (وَإِنْ أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا حَصَاةٌ أَوْ نَوَاةً أَوْ أَثَارَتْ غُبَارًا أَوْ حَجَرًا صَغِيرًا فَفَقَأَ عَيْنًا أَوْ أَفْسَدَ ثَوْبًا لَا يَضْمَنُ) لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ (وَبِالْكَبِيرِ يَضْمَنُ) لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ (ضَمِنَ السَّائِقُ) لِلدَّابَّةِ (وَالْقَائِدُ لَهَا مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا لَا بِرِجْلِهَا) أَيْ فِي كُلِّ صُورَةٍ يَضْمَنُ فِيهَا الرَّاكِبُ يَضْمَنُ فِيهَا السَّائِقُ وَالْقَائِدُ لِأَنَّهُمَا مُسَبَّبَانِ كَالرَّاكِبِ فِي غَيْرِ الْإِيطَاءِ فَيَجِبُ فِيهَا الضَّمَانُ بِالتَّعَدِّي كَالرَّاكِبِ وَهَذَا الْحُكْمُ مُطَّرِدٌ وَمُنْعَكِسٌ فِي الصَّحِيحِ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ السَّائِقَ يَضْمَنُ النَّفْحَةَ بِالرِّجْلِ لِأَنَّهُمَا بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا مَعَ السَّيْرِ وَغَائِبَةٌ عَنْ بَصَرِ الرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ فَلَا يُمْكِنُهُمَا الِاحْتِرَازُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الرَّاكِبِ (الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ وَهِيَ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ (وَلَا يَرِثُ) إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُورِثَهُ (لِذَلِكَ أَيْضًا بِخِلَافِهِمَا) أَيْ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ حَيْثُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا وَيَرِثَانِ لِأَنَّهُمَا مُسَبَّبَانِ وَالْكَفَّارَةُ وَحِرْمَانُ الْإِرْثِ لَيْسَا مِنْ أَحْكَامِ التَّسْبِيبِ
(ضَمِنَ عَاقِلَةُ كُلِّ حُرٍّ فَارِسٍ أَوْ رَاجِلٍ) ذَكَرَ الرَّاجِلَ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ (دِيَةُ الْآخَرِ إنْ اصْطَدَمَا) وَقَدْ مَرَّ مَعْنَى الِاصْطِدَامِ (وَمَاتَا وَلَمْ يَكُونَا مِنْ الْعَجَمِ) حَتَّى لَوْ كَانَا مِنْهُمْ وَجَبَ الدِّيَةُ فِي مَالِهِمْ كَمَا مَرَّ مِرَارًا (أَوْ كَانَ) أَيْ الِاصْطِدَامُ (خَطَأً) لِأَنَّ مَوْتَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُضَافٌ إلَى فِعْلِ صَاحِبِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ وَهُوَ الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الضَّمَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ مُطْلَقًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَوْ اُعْتُبِرَ لَوَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِيمَا إذَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ إذْ لَوْلَا مَشْيُهُ وَثِقَلُهُ فِي نَفْسِهِ لَمَا هَوَى فِي الْبِئْرِ وَفِعْلُ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عِنْدَ وُجُودِ التَّلَفِ بِهِ وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (وَلَوْ) كَانَ الِاصْطِدَامُ (عَمْدًا فَنِصْفُهَا) أَيْ الْوَاجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ الْآخَرِ فَيُعْتَبَرُ نِصْفُ الدِّيَةِ وَيُهْدَرُ النِّصْفُ كَمَا إذَا جَرَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي صُورَةَ الْعَمْدِ صَرِيحًا بَلْ فِي ضِمْنِ دَلِيلِ الْخَصْمِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْكِفَايَةِ يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ وَفِي الْخَطَأِ تَجِبُ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ خَلَا أَنَّهُ ذَكَرَ الْخَطَأَ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ وَالْعَمْدَ فِي بَيَانِ قَوْلِ الْخَصْمِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُصْطَدِمَانِ (عَبْدَيْنِ يُهْدَرُ دَمُهُمَا) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِمَا دَفْعًا وَفِدَاءً وَقَدْ فَاتَتْ لَا إلَى خَلْفٍ (وَلَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا حُرًّا وَالْآخَرُ عَبْدًا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ) الْمَقْتُولِ (قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي الْخَطَأِ) فَيَأْخُذُهَا وَرَثَةُ حُرِّ الْمَقْتُولِ إذْ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْآدَمِيِّ عِنْدَهُمَا فَقَدْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَإِنْ أَصَابَتْ بِيَدِهَا. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَالرَّاكِبُ وَالرَّدِيفُ وَالسَّائِقُ وَالْقَاعِدُ فِي الضَّمَانِ سَوَاءٌ (قَوْلُهُ ضَمِنَ السَّائِقُ لِلدَّابَّةِ وَالْقَائِدُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا لَا رِجْلِهَا) الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا رِجْلِهَا النَّفْحَةُ بِهَا لَا وَطْؤُهَا بِهَا لِقَوْلِهِ كُلُّ صُورَةٍ فِيهَا الرَّاكِبُ يَضْمَنُ فِيهَا السَّائِقُ وَالْقَائِدُ (قَوْلُهُ فَيَجِبُ فِيهَا الضَّمَانُ بِالتَّعَدِّي) يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ) يَعْنِي مَشَايِخَ الْعِرَاقِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ) قَالَ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ يُرِيدُ مَشَايِخَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فَمُحَصَّلُهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْقَائِدِ فِي النَّفْحَةِ اتِّفَاقًا وَخَالَفَ الْقُدُورِيُّ فِي السَّائِقِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْقَائِدِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي الْمَوَاهِبِ وَالْجَوْهَرَةِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ أَيْ الرَّاكِبُ الْكَفَّارَةُ. . . إلَخْ)
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَمُرَادُهُ فِي الْإِيطَاءِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِلَأَنَّهُ مُبَاشِرٌ
(قَوْلُهُ أَوْ رَاجِلٍ دِيَةُ الْآخَرَيْنِ اصْطَدَمَا وَمَاتَا) هَذَا إذَا وَقَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى قَفَاهُ وَإِنْ عَلَى وَجْهِهِمَا فَلَا شَيْءَ وَإِنْ أَحَدُهُمَا عَلَى قَفَاهُ، وَالْآخَرُ عَلَى وَجْهِهِ فَدَمُ الَّذِي وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ هَدَرٌ وَهَذَا بِخِلَافِ تَجَاذُبِ الْحَبْلِ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ دِيَةُ الْآخَرِ إذَا وَقَعَا عَلَى وُجُوهِهِمَا وَإِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِهِ وَالْآخَرُ عَلَى قَفَاهُ فَدِيَةُ الَّذِي عَلَى قَفَاهُ هَدَرٌ لِأَنَّهُ سَقَطَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَدِيَةُ الْآخَرِ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ عَبْدَيْنِ يُهْدَرُ دَمُهُمَا) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً كَمَا فِي الْبُرْهَانِ
стр. 533
أَخْلَفَ الْعَبْدُ الْجَانِي بَدَلًا بِهَذَا الْقَدْرِ فَيَأْخُذُهُ وَرَثَةُ الْحُرِّ الْمَقْتُولِ وَيَبْطُلُ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْخَلْفِ (وَنِصْفُهَا فِي الْعَمْدِ) أَيْ يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ فِي الْعَمْدِ النِّصْفُ وَهَذَا الْقَدْرُ يَأْخُذُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ وَمَا عَلَى الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ وَهُوَ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ يَسْقُطُ إلَّا قَدْرُ مَا أَخْلَفَ مِنْ الْبَدَلِ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ.
(وَضَمِنَهَا) أَيْ الدِّيَةَ (عَاقِلَةُ سَائِقِ دَابَّةٍ وَقَعَ بَعْضُ أَدَاتِهَا) كَالسَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَنَحْوِهِمَا (عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ) لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ إذْ سُقُوطُهُ إمَّا لِعَدَمِ شَدِّهِ عَلَيْهَا أَوْ لِعَدَمِ إحْكَامِهِ.
(وَ) ضَمِنَ أَيْضًا عَاقِلَةُ (قَائِدٍ قِطَارٍ وَطِئَ بَعِيرٌ مِنْهُ رَجُلًا فَمَاتَ) لِأَنَّ الْقَائِدَ عَلَيْهِ حِفْظُ الْقِطَارِ كَالسَّائِقِ وَقَدْ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا بِالتَّقْصِيرِ فِيهِ إلَّا أَنَّ ضَمَانَ النَّفْسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَضَمَانَ الْمَالِ فِي مَالِهِ كَذَا فِي الْكَافِي (وَلَوْ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْقَائِدِ (سَائِقٌ فِي جَانِبِ الْإِبِلِ ضَمِنَا) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا عَاقِلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ ضَمِنَ عَاقِلَتُهُمَا لِأَنَّ الْقَائِدَ الْوَاحِدَ قَائِدٌ لِلْكُلِّ وَكَذَا سَائِقُهُ لِاتِّصَالِ الْأَزِمَّةِ (وَأَمَّا إذَا) لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِ الْإِبِلِ بَلْ (تَوَسَّطَهَا) أَيْ دَخَلَ بَيْنَ الْإِبِلِ (وَأَخَذَ زِمَامَ وَاحِدٍ) مِنْهَا (ضَمِنَ وَحْدَهُ) مَا عَطِبَ بِمَا هُوَ خَلْفَهُ وَيَضْمَنَانِ مَا عَطِبَ بِمَا هُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّ الْقَائِدَ لَا يَقُودُ مَا خَلْفَ السَّائِقِ لِانْقِطَاعِ الزِّمَامِ وَالسَّائِقُ يَسُوقُ مَا كَانَ إمَامَهُ
(قَتَلَ بَعِيرٌ رُبِطَ عَلَى قِطَارٍ يَسِيرُ بِلَا عِلْمِ قَائِدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِرُبِطَ (رَجُلًا) مَفْعُولُ قَتَلَ (ضَمِنَ عَاقِلَةُ الْقَائِدِ الدِّيَةَ) لِأَنَّهُ قَائِدٌ لِلْكُلِّ فَيَكُونُ قَائِدًا لِذَلِكَ الْبَعِيرِ وَالْقَوَدُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الضَّمَان وَمَعَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الضَّمَانِ مِنْهُ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ بِجَهْلِهِ (وَرَجَعُوا) أَيْ الْعَاقِلَةُ (بِهَا) أَيْ بِالدِّيَةِ (عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ) لِأَنَّ الرَّابِطَ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي هَذَا الضَّمَانِ حَيْثُ رَبَطَهُ بِالْقِطَارِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيمَا صَنَعَ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ هُوَ الْجَانِي (فَلَوْ رَبَطَ وَالْقِطَارُ وَاقِفٌ ضَمِنَهَا) أَيْ الدِّيَةَ (عَاقِلَةُ الْقَائِدِ بِلَا رُجُوعٍ) لِأَنَّهُ قَادَ بَعِيرَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ لَا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً فَلَا يَرْجِعُونَ بِمَا لَحِقَهُمْ عَلَى أَحَدٍ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالرَّبْطِ وَالْإِيقَافِ عَلَى الطَّرِيقِ لَكِنَّهُ زَالَ بِالْقَوَدِ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَضَعَ حَجَرًا أَوْ حَوَّلَهُ غَيْرُهُ (كَذَا إذَا عَلِمَ الْقَائِدُ) بِالرَّبْطِ لَا يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلِهِ الرَّابِطِ بِمَا لَحِقَهُمْ مِنْ الضَّمَانِ لِأَنَّ الْقَائِدَ رَضِيَ بِهِ وَالتَّلَفُ قَدْ اتَّصَلَ بِفِعْلِهِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ
(أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ طَيْرًا أَوْ سَاقَهُ) أَيْ مَشَى خَلْفَهُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَمْشِ خَلْفَهُ فَمَا دَامَ فَوْرُهُ فَهُوَ سَائِقٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ فَيُلْحَقُ بِالسَّوْقِ وَإِنْ تَرَاخَى انْقَطَعَ السَّوْقُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (فَأَصَابَ فِي فَوْرِهِ ضَمِنَ فِي الْكَلْبِ) مَا أَتْلَفَهُ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ فَأُضِيفَ فِعْلُهُ إلَيْهِ كَالْمُكْرَهِ يُضَافُ فِعْلُهُ إلَى الْمُكْرَهِ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةً لَهُ (لَا) أَيْ لَا يَضْمَنُ (فِي الطَّيْرِ) أَيْ الْبَازِي وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَلْبَ يَحْتَمِلُ السَّوْقَ فَاعْتُبِرَ سَوْقُهُ وَالطَّيْرُ لَا يَحْتَمِلُهُ فَصَارَ وُجُودُ السَّوْقِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً (وَلَا كَلْبٌ لَمْ يَسُقْهُ) لِعَدَمِ سَبَبِ الضَّمَانِ (وَلَا دَابَّةٌ مُنْفَلِتَةٌ أَصَابَتْ نَفْسًا أَوْ مَالًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» أَيْ هَدَرٌ وَهِيَ الْمُنْفَلِتَةُ وَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ إذْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ النِّسْبَةَ إلَيْهِ مِنْ الْإِرْسَالِ وَالسَّوْقِ وَنَحْوِهِمَا لَهُ كَلْبٌ يَأْكُلُ عِنَبَ الْكُرُومِ وَاشْتُهِرَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَمْ يَحْفَظْ حَتَّى أَكَلَ الْعِنَبَ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إذَا اُشْتُهِرَ عَلَيْهِ فِيمَا يَخَافُ مِنْهُ تَلَفُ بَنِي آدَمَ كَالْحَائِطِ الْمَائِلِ وَنَطْحِ الثَّوْرِ وَعَقْرِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ فَيَضْمَنُ إذَا لَمْ يَحْفَظْ
(ضَرَبَ دَابَّةً عَلَيْهَا رَاكِبٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ ضَرَبَ دَابَّةً عَلَيْهَا رَاكِبٌ أَوْ نَخَسَهَا) يَعْنِي بِلَا أَمْرٍ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ
стр. 534
أَوْ نَخَسَهَا) أَيْ طَعَنَهَا بِعَوْدٍ وَنَحْوِهِ (فَنَفَحَتْ أَوْ ضَرَبَتْ بِيَدِهَا شَخْصًا آخَرَ) غَيْرَ الطَّاعِنِ (أَوْ نَفَرَتْ) مَنْ ضَرَبَهُ أَوْ نَخَسَهُ (فَصَدَمَتْهُ وَقَتَلَتْهُ ضَمِنَ هُوَ) أَيْ الضَّارِبُ وَالنَّاخِسُ (لَا الرَّاكِبُ) لِأَنَّهُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ وَلِأَنَّ النَّاخِسَ مُتَعَدٍّ فِي التَّسْبِيبِ وَالرَّاكِبُ فِي فِعْلِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُهُ فِي التَّغْرِيمِ لِلتَّعَدِّي حَتَّى لَوْ كَانَ مُوقِفًا دَابَّتَهُ عَلَى الطَّرِيقِ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ وَالنَّاخِسِ نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْإِيقَافِ أَيْضًا (وَإِنْ نَفَحَتْ النَّاخِسَ فَأَهْلَكَتْهُ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا) لِأَنَّهُ كَالْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ (وَإِنْ أَلْقَتْ الرَّاكِبُ فَقَتَلَتْهُ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ النَّاخِسِ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيبِهِ ثُمَّ النَّاخِسُ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ الْوَطْءُ فِي فَوْرِ النَّخْسِ حَتَّى يَكُونَ السَّوْقُ مُضَافًا إلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي فَوْرِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ لِانْقِطَاعِ أَثَرِ النَّخْسِ فَبَقِيَ السَّوْقُ مُضَافًا إلَى الرَّاكِبِ
. (وَ) ضَمِنَ (فِي فَقْءِ عَيْنِ شَاةِ الْقَصَّابِ مَا نَقَصَهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا اللَّحْمُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا النُّقْصَانُ إلَّا بِحَسْبِهِ (وَ) ضَمِنَ (فِي عَيْنِ بَقَرِ جَزَّارٍ وَجَزُورِهِ) أَيْ إبِلِهِ (وَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ رُبْعَ الْقِيمَةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ الْقِيمَةِ» وَهَكَذَا قَضَى عُمَرُ ﵁ وَلِأَنَّ إقَامَةَ الْعَمَلِ بِهَا إنَّمَا تُمْكِنُ بِأَرْبَعِ أَعْيُنٍ عَيْنَاهَا وَعَيْنَا الْمُسْتَعْمِلِ لَهَا فَصَارَتْ كَأَنَّهَا ذَاتُ أَعْيُنٍ أَرْبَعٍ فَيَجِبُ الرُّبْعُ بِفَوَاتِ أَحَدِهَا.
[بَابُ جِنَايَةِ الرَّقِيقِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ]
(جَنَى عَبْدٌ عَمْدًا فَفِي النَّفْسِ يَجِبُ الْقَوَدُ) لِمَا مَرَّ (إلَّا أَنْ يُصَالِحَ) وَلِيُّ الْقَتِيلِ مَوْلَى الْعَبْدِ أَيْ يَقَعُ الصُّلْحُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالْمَوْلَى (أَوْ يَعْفُوَ) أَيْ يَقَعَ الْعَفْوُ مِنْ الْوَلِيِّ (وَلَمْ يَجُزْ الِاسْتِرْقَاقُ) لِكَوْنِهِ مُبَاحَ الدَّمِ (وَيَثْبُتُ) أَيْ الْقَوَدُ (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (لَا إقْرَارِ الْمَوْلَى) لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ مِنْ الْعَبْدِ لَا تُهْمَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ عَائِدًا عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ فَيُقْبَلُ وَهُوَ يَجْرِي عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْآدَمِيَّةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الدَّمِ فَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِحَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ وَإِنْ كَانَ هَذِهِ الْإِقْرَارُ يُصَادِفُ حَقَّ الْمَوْلَى لَكِنَّهُ ضِمْنِيٌّ فَلَمْ تَجِبْ مُرَاعَاتُهُ (وَفِيمَا) عُطِفَ عَلَى فِي النَّفْسِ (دُونَهَا) أَيْ دُونَ النَّفْسِ (كَالْخَطَأِ) أَيْ يَكُونُ كَالْقَتْلِ الْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ وَبَيَّنَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ (دَفَعَهُ سَيِّدُهُ بِهَا) أَيْ بِمُقَابَلَةِ الْجِنَايَةِ (وَيَمْلِكُهُ وَلِيُّهَا) أَيْ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ (أَوْ فَدَاهُ بِأَرْشِهَا) يَعْنِي أَنَّ سَيِّدَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ دَفْعِ الْعَبْدِ وَالْفِدَاءِ بِالْأَرْشِ لِتَخْلِيصِ عَبْدِهِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ فِي الصَّحِيحِ وَلِهَذَا سَقَطَ الْوَاجِبُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْوَاجِبِ بِخِلَافِ مَوْتِ الْحُرِّ الْجَانِي حَيْثُ يَجِبُ الْأَرْشُ عَلَى عَاقِلَتِهِ (حَالًّا) أَيْ كَائِنًا، كُلٌّ مِنْ الدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ عَلَى الْحُلُولِ أَمَّا الدَّفْعُ فَلِأَنَّهُ عَيْنٌ وَلَا تَأْجِيلَ فِي الْأَعْيَانِ وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ بَدَلُ الْعَيْنِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ بَطَلَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ حَقِّهِ كَمَا مَرَّ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ لَمْ يَبْرَأْ لِتَحَوُّلِ الْحَقِّ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَى ذِمَّةِ الْمَوْلَى (فَإِنْ فَدَاهُ فَجَنَى فَهِيَ كَالْأُولَى) فَإِنَّهُ إذَا فَدَى خَلَصَ الْجَانِي عَنْ الْأُولَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
بَابُ جِنَايَةِ الرَّقِيقِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ)
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَجُزْ الِاسْتِرْقَاقُ لِكَوْنِهِ مُبَاحَ الدَّمِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الدَّفْعِ بِمُوجِبِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ مُوجِبَهَا الْقِصَاصُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْيُ الدَّفْعِ فِدَاءً عَنْ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي قَوْلِهِ عَبْدٌ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ عَمْدًا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِيمَا دُونَهُمَا كَالْخَطَأِ) لَمْ يَذْكُرْ مَا ثَبَتَ بِهِ الْخَطَأُ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَهَذِهِ الْجِنَايَةُ تَظْهَرُ بِالْبَيِّنَةِ وَإِقْرَارُ الْمَوْلَى وَعِلْمُ الْقَاضِي وَلَا تَظْهَرُ بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ مَحْجُورًا كَانَ أَوْ مَأْذُونًا وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الْعَتَاقِ أَنَّهُ كَانَ جَنَى فِي حَالِ الرِّقِّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ.
وَقَوْلُ الْبَدَائِعِ أَوْ عَلِمَ الْقَاضِي عَلَى غَيْرِ الْمُفْتِي بِهِ لِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْعَمَلِ بِعِلْمِ الْقَاضِي فِي زَمَانِنَا كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ (قَوْلُهُ لَكِنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ فِي الصَّحِيحِ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الْفِدَاءُ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَالْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا سَقَطَ الْوَاجِبُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ) أَيْ سَوَاءٌ مَاتَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بَعَثَهُ الْمَوْلَى فِي حَاجَةٍ فَعَطِبَ فِيهَا أَوْ اسْتَخْدَمَهُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ هَذَا يَعْنِي الْقَوْلَ بِسُقُوطِ الْوَاجِبِ بِالْمَوْتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ حُكْمُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ تَخْيِيرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَعَيَّنَ الْفِدَاءُ عِنْدَ هَلَاكِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُخَيَّرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْآخَرُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ بَدَلُ الْعَيْنِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِهِ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فِي حُكْمِهِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ لِصِحَّتِهِ مِنْ الْمُفْلِسِ اخْتَارَهُ عِنْدَ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ.
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَصْلَ حَقِّهِمْ فَبَطَلَ حَقُّهُمْ فِي الْعَبْدِ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّعْيِينِ لِلْمَوْلَى لَا لِلْأَوْلِيَاءِ وَقَالَا لَا يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ الْفِدَاءَ إذَا كَانَ مُفْلِسًا إلَّا بِرِضَى الْأَوْلِيَاءِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَصْلَ حَقِّهِمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَحَدِ الِاخْتِيَارَيْنِ فِيهِ
стр. 535
فَصَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ فَيَجِبُ بِالثَّانِيَةِ الدَّفْعُ أَوْ الْفِدَاءُ
(وَإِنْ جَنَى جِنَايَتَيْنِ دَفَعَهُ بِهِمَا إلَى وَلِيِّهِمَا يَقْتَسِمَانِهِ بِنِسْبَةِ حَقَّيْهِمَا) أَيْ عَلَى قَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَتَيْنِ (أَوْ فَدَاهُ بِأَرْشِهِمَا) لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْأُولَى بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الثَّانِيَةِ بِهَا كَالدُّيُونِ الْمُتَلَاحِقَةِ أَلَا يُرَى أَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَمْ يَمْنَعْ تَعَلُّقَ الْجِنَايَةِ فَحَقُّ الْمَحْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً يَقْتَسِمُونَ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِجَمِيعِ أُرُوشِهِمْ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأُولَى بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الثَّانِيَةِ بِهَا
(وَإِنْ وَهَبَهُ) أَيْ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الْجَانِيَ (أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا) أَيْ الْجَارِيَةَ (وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ (ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ وَإِنْ عَلِمَ غَرِمَ الْأَرْشَ) فَإِنَّ الْمَوْلَى قَبْلَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ وَلَمَّا لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلدَّفْعِ بِلَا عِلْمِ الْمَوْلَى بِالْجِنَايَةِ لَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا لِلْأَرْشِ فَقَامَتْ الْقِيمَةُ مَقَامَ الْعَبْدِ وَلَا فَائِدَةَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فَوَجَبَ الْأَقَلُّ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْأَرْشِ (كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِقَتْلِ زَيْدٍ أَوْ رَمْيِهِ أَوْ شَجِّهِ فَفَعَلَ) أَيْ قَالَ إنْ قَتَلْت زَيْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَتَلَ أَوْ قَالَ إنْ رَمَيْت زَيْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَرَمَى أَوْ قَالَ إنْ شَجَجْت رَأْسَهُ فَأَنْتَ حُرٌّ فَشَجَّ غَرِمَ الْأَرْشَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ حَيْثُ أَعْتَقَهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْجِنَايَةِ.
(قَطَعَ عَبْدٌ يَدَ حُرٍّ عَمْدًا وَدَفَعَ إلَيْهِ) بِقَضَاءٍ أَوَّلًا (فَأَعْتَقَهُ فَسَرَى) فَمَاتَ مِنْهُ (فَالْعَبْدُ صَلَحَ بِهَا) فَإِنَّهُ إذَا أُعْتِقَ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُ تَصْحِيحُ الصُّلْحِ إذْ لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ صُلْحًا عَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا (وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ يُرَدُّ عَلَى سَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَسَرَى ظَهَرَ أَنَّ الْوَاجِبَ لَيْسَ الْمَالَ بَلْ الْقَوَدَ فَكَانَ الدَّفْعُ بَاطِلًا فَيُرَدُّ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ (فَيَقْتُلُهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَعْفُو) أَيْ يُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ كَمَا مَرَّ
(جَنَى مَأْذُونٌ مَدْيُونٌ خَطَأً فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بِلَا عِلْمٍ بِهَا غَرِمَ لِرَبِّ الدَّيْنِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ دَيْنِهِ وَلِوَلِيِّهَا) أَيْ غَرِمَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ (الْأَقَلَّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْقِيمَةِ (وَمِنْ الْأَرْشِ) فَإِنَّ السَّيِّدَ إذَا أَعْتَقَ الْمَأْذُونَ الْمَدْيُونَ غَرِمَ لِرَبِّ الدَّيْنِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ وَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ جِنَايَةً خَطَأً غَرِمَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ بَيْنَهُمَا إذْ لَوْلَا الْإِعْتَاقُ لَدُفِعَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ
(وَلَدَتْ مَأْذُونَةٌ مَدْيُونَةٌ وَلَدًا لَا يُدْفَعُ مَعَهَا لِجِنَايَتِهَا وَيُبَاعُ لِدَيْنِهَا) لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهَا فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ وَالدَّفْعُ لِلْجِنَايَةِ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى وَإِنَّمَا يُلَاقِيهَا أَثَرُ الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الدَّفْعُ وَالسِّرَايَةُ تَكُونُ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ لَا الْحَقِيقِيَّةِ
(عَبْدٌ لِرَجُلٍ) زَعَمَ رَجُلٌ (آخَرُ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ فَقَتَلَ) أَيْ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ (وَلِيًّا لَهُ) أَيْ لِلزَّاعِمِ (خَطَأً فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلزَّاعِمِ لِأَنَّهُ لَمَّا زَعَمَ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمَوْلَى دَفْعَ الْعَبْدِ وَلَا الْفِدَاءَ بِالْأَرْشِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ حُرٌّ فَيَصْدُقُ الزَّاعِمُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيَسْقُطُ الدَّفْعُ وَالْفِدَاءُ وَلَا يَصْدُقُ فِي دَعْوَاهُ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ إلَّا بِحُجَّةٍ
(قَالَ قَتَلْت أَخَا زَيْدٍ قَبْلَ عِتْقِي خَطَأً وَقَالَ زَيْدٌ بَلْ بَعْدَهُ صَدَقَ الْأَوَّلُ) لِأَنَّ زَيْدًا يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْقَتْلَ الْخَطَأَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْإِقْرَارِ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ فَمُرَادُهُ قَتَلْته قَبْلَ عِتْقِي مَا قَتَلْته بَعْدَهُ حَذَرًا مِنْ لُزُومِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَإِنْ فَدَاهُ بِجَمِيعِ أُرُوشِهِمْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَفْدِيَ مِنْ بَعْضِهِمْ وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَيَدْفَعَ الْبَاقِيَ إلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ وَاحِدًا وَلَهُ وَلِيَّانِ أَوْ أَوْلِيَاءُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ مِنْ الْبَعْضِ وَيَدْفَعَ الْبَاقِيَ إلَى الْبَعْضِ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ مُتَّحِدٌ لِاتِّحَادِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْجِنَايَةُ الْمُتَّحِدَةُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ وَهَبَهُ أَيْ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الْجَانِيَ. . . إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ فِي النَّفْسِ أَوْ فِي الْأَطْرَافِ لِأَنَّ الْكُلَّ مُوجِبٌ لِلدَّفْعِ فَلَا يُخْتَلَفُ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِقَتْلِ زَيْدٍ) يَعْنِي قَتْلًا يُوجِبُ الْمَالَ كَالْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ وَإِنْ عَلَّقَهُ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ الْقِصَاصَ بِأَنْ قَالَ لَهُ إنْ ضَرَبْته بِالسَّيْفِ فَأَنْتَ حُرٌّ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ فِي الْقِصَاصِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى مُفَوِّتًا حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِالْعِتْقِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ وَلَدَتْ مَأْذُونَةٌ مَدْيُونَةٌ وَلَدًا) أَيْ بَعْدَ لُحُوقِ الدَّيْنِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ لِأَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ ثُمَّ لَحِقَهَا الدَّيْنُ لَا يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالْوَلَدِ بِخِلَافِ الْإِكْسَابِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِمَا كَسَبَتْ قَبْلَ الدَّيْنِ وَبَعْدَهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ اكْتَسَبَ الْعَبْدُ الْجَانِي أَكْسَابًا أَوْ وَلَدَتْ الْجَانِيَةُ وَلَدًا فَاخْتَارَ الْمَوْلَى الدَّفْعَ لَمْ يَدْفَعْ الْوَلَدُ وَالْكَسْبَ. اهـ. إذْ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ لَوْ اكْتَسَبَ الْعَبْدُ الْجَانِي أَنَّهُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فَلْيُتَأَمَّلْ
стр. 536
لَا مَعْنَاهُ الظَّاهِرُ لِيُفْهِمَ لُزُومَ الضَّمَانِ عَلَى الْمَوْلَى بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ وَالدِّيَةِ إنْ عَلِمَ بِهَا مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمَوْلَى
(وَإِنْ قَالَ قَطَعْت يَدَهَا قَبْلَ إعْتَاقِهَا وَقَالَتْ كَانَ بَعْدَهُ صُدِّقَتْ وَكَذَا فِي أَخْذِهِ مِنْهَا) أَيْ عَتَقَ أَمَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا قَطَعْت يَدَك أَوْ أَخَذْت مِنْك هَذَا الْمَالَ قَبْلَ مَا أَعْتَقْتُك وَقَالَتْ بَلْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ لَهَا لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى الْبَرَاءَةَ وَهِيَ تُنْكِرُ فَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ (لَا الْجِمَاعُ وَالْغَلَّةُ) يَعْنِي إذَا قَالَ جَامَعْتهَا قَبْلَ الْإِعْتَاقِ أَوْ أَخَذْت الْغَلَّةَ قَبْلَهُ فَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرُ كَوْنُهُمَا حَالَ الرِّقِّ
(أَمَرَ عَبْدُ مَحْجُورٍ أَوْ صَبِيٌّ صَبِيًّا بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ) لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ هُوَ الصَّبِيُّ الْمَأْمُورُ فَتَضْمَنُ عَاقِلَتُهُ (وَرَجَعُوا عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهِ) لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الصَّبِيَّ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِحَقِّ الْمَوْلَى فَيَضْمَنُ بَعْدَ الْعِتْقِ (لَا) عَلَى (الصَّبِيِّ الْآمِرِ) لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ (وَلَوْ كَانَ مَأْمُورُ الْعَبْدِ) الْمَحْجُورِ عَبْدًا مَحْجُورًا (مِثْلَهُ دَفَعَ السَّيِّدُ) الْعَبْدَ (الْقَاتِلَ أَوْ فَدَاهُ فِي الْخَطَأِ بِلَا رُجُوعٍ حَالًّا) لِأَنَّ الْأَمْرَ قَوْلٌ وَقَوْلُ الْمَحْجُورِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ بَلْ بَعْدَ عِتْقِهِ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى (بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْفِدَاءِ) لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي دَفْعِ الزِّيَادَةِ لَا مُضْطَرٌّ (كَذَا) الْحُكْمُ (فِي الْعَمْدِ) أَيْ دَفَعَ السَّيِّدُ الْقَاتِلَ أَوْ فَدَاهُ ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ الْآمِرِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْفِدَاءِ (إنْ كَانَ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ صَغِيرًا) لِأَنَّ عَمْدَ الصَّغِيرِ كَالْخَطَأِ (وَلَوْ) كَانَ (كَبِيرًا اقْتَصَّ) لِأَنَّهُ يَجْرِي بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ
(قَتَلَ قِنٌّ عَمْدًا حُرَّيْنِ وَلِكُلٍّ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُ وَلِيَّيْ كُلٍّ مِنْهُمَا دَفَعَ نِصْفَهُ إلَى الْآخَرَيْنِ أَوْ فَدَى بِدِيَةٍ) هِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ بِحُكْمِ الْقَوَدِ صَارَتْ بَيْنَهُمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهُ فَإِذَا عَفَا اثْنَانِ بَطَلَ حَقُّهُمَا وَبَقِيَ حَقُّ الْآخَرَيْنِ فِي النِّصْفِ فَلِذَا قِيلَ لَهُ ادْفَعْ نِصْفَهُ وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَقَدْ كَانَ بِعِشْرِينَ أَلْفًا فَإِذَا عَفَا اثْنَانِ بَطَلَ حَقُّهُمَا فَبَقِيَ حَقُّ كُلٍّ مِنْ الْبَاقِيَيْنِ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ فَلِذَا فَدَاهُ بِعَشْرَةِ آلَافٍ إنْ شَاءَ (وَإِنْ قَتَلَ) الْقِنُّ (أَحَدَهُمَا) أَيْ أَحَدَ الْحُرَّيْنِ (خَطَأً وَالْآخَرَ عَمْدًا فَعَفَا أَحَدُ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ فَدَى بِدِيَةٍ لِوَلِيِّ الْخَطَأِ وَبِنِصْفِهَا لِأَحَدِ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ) الَّذِي لَمْ يَعْفُ لِأَنَّ نِصْفَ الْحَقِّ بَطَلَ بِالْعَفْوِ فَبَقِيَ النِّصْفُ وَصَارَ مَالًا وَيَكُونُ خَمْسَةَ آلَافٍ وَلَمْ يَبْطُلْ شَيْءٌ مِنْ حَقِّ وَلِيِّ الْخَطَأِ وَكَانَ حَقُّهُمَا فِي كُلِّ الدِّيَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ (أَوْ دَفَعَ) أَيْ الْقِنُّ (إلَيْهِمْ) يَعْنِي أَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْفِدَاءِ وَالدَّفْعِ فَإِنْ دَفَعَهُ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ (أَثْلَاثًا) ثُلُثَاهُ لِوَلِيِّ الْخَطَأِ وَثُلُثُهُ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ مِنْ وَلِيِّ الْعَمْدِ (عَوْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) فَيُضْرَبُ وَلِيَّا الْخَطَأِ بِالْكُلِّ وَغَيْرُ الْعَافِي بِالنِّصْفِ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي النِّصْفِ وَحَقَّهُمَا فِي الْكُلِّ فَصَارَ كُلُّ نِصْفٍ بَيْنَهُمَا فَصَارَ حَقُّ وَلِيِّ الْخَطَأِ فِي سَهْمَيْنِ وَحَقُّ غَيْرِ الْعَافِي فِي سَهْمٍ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا (وَأَرْبَاعًا مُنَازَعَةً عِنْدَهُمَا) ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِوَلِيِّ الْخَطَأِ وَرُبْعُهُ لِأَحَدِ وَلِيِّ الْعَمْدِ لِأَنَّ النِّصْفَ سَلِمَ لِوَلِيِّ الْخَطَأِ بِلَا مُنَازَعَةٍ وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَةُ الْفَرِيقَيْنِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَيُنَصِّفُ لِهَذَا يُقْسَمُ أَرْبَاعًا
(قَتَلَ عَبْدُهُمَا قَرِيبَهُمَا وَعَفَا أَحَدُهُمَا بَطَلَ كُلُّهُ) لِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الْمَالِ يَكُونُ حَقَّ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ بَدَلُ دَمِهِ وَلِهَذَا يُقْتَضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ ثُمَّ الْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَهُ فِيهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَاجَتِهِ وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا فَلَا يَخْلُفُهُ الْوَرَثَةُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ لَا الْجِمَاعُ وَالْغَلَّةُ) قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ إلَّا فِيمَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ الْمُقِرِّ لِأَنَّهُ مَتَى أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا فَقَدْ أَقَرَّ بِيَدِهَا ثُمَّ ادَّعَى التَّمْلِيكَ عَلَيْهَا وَهِيَ تُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ فَلِذَا أَمَرَ بِالرَّدِّ وَكَذَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ وَرَجَعُوا عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ هَذَا وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ لِلْعَتَّابِيِّ لَا تَرْجِعُ الْعَاقِلَةُ عَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا أَبَدًا لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ جِنَايَةٍ وَهُوَ عَلَى الْمَوْلَى لَا عَلَى الْعَبْدِ وَقَدْ تَعَذَّرَ إيجَابُهُ عَلَى الْمَوْلَى لِمَكَانِ الْحَجْرِ وَهَذَا أَوْفَقُ لِلْقَوَاعِدِ (قَوْلُهُ بَلْ بَعْدَ عِتْقِهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْفِدَاءِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ ﵀ لَا يَجِبُ شَيْءٌ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا
стр. 537
[فَصْل دِيَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ]
فَصْلٌ (دِيَةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ قِيمَتُهَا فَإِنْ بَلَغَتْ) أَيْ قِيمَتُهَا (دِيَةَ حُرٍّ) وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ (أَوْ حُرَّةٍ) وَهِيَ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ (نَقَصَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا عَشَرَةٌ) أَيْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إشْعَارًا بِانْحِطَاطِ دَرَجَةِ الرَّقِيقِ عَنْ الْحُرِّ وَتَعْيِينُ الْعَشَرَةِ بِأَثَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (وَلَوْ) كَانَتْ الْقِيمَةُ (أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ) مِنْ الدَّرَاهِمِ (فِي الْعَبْدِ وَمِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ فِي الْأَمَةِ) .
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ يَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
(وَفِي الْغَصْبِ) يُعْتَبَرُ (قِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا (بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ) فَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَلْزَمُهُ تِلْكَ الْقِيمَةُ (وَمَا قُدِّرَ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ قُدِّرَ مِنْ قِيمَةِ الْقِنِّ) لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْقِنِّ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ لِأَنَّهُ بَدَلُ الدَّمِ (فَفِي يَدِهِ) أَيْ إتْلَافِ يَدِ الْقِنِّ يَلْزَمُ (نِصْفُ قِيمَتِهِ) كَمَا فِي دِيَةِ الْحُرِّ (بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فِي الصَّحِيحِ) إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجِبُ فِي قَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ
(عَبْدٌ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا فَأُعْتِقَ فَسَرَى أُقِيدَ إنْ وَرِثَهُ سَيِّدُهُ فَقَطْ) أَيْ إنْ كَانَ وَارِثُ الْمُعْتَقِ سَيِّدَهُ فَقَطْ أَقَادَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا لِأَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ بِالْمَوْتِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْجُرْحِ فَإِنْ اُعْتُبِرَ وَقْتُ الْجُرْحِ فَسَبَبُ الْوِلَايَةِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ وَقْتُ الْمَوْتِ فَسَبَبُهَا الْوَرَثَةُ بِالْوَلَاءِ فَجَهَالَةُ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ تَمْنَعُ الْقَوَدَ كَجَهَالَةِ الْمُسْتَحَقِّ وَلَهُمَا أَنَّ جَهَالَةَ السَّبَبِ لَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ تَيَقُّنِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَارِثُ السَّيِّدَ فَقَطْ بَلْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ لَمْ يُقَدْ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ إنْ كَانَ وَقْتَ الْجُرْحِ فَالْمُسْتَحِقُّ السَّيِّدُ وَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْمَوْتِ فَذَلِكَ الْوَارِثُ أَوْ هُوَ مَعَ السَّيِّدِ فَجَهَالَةُ الْمُقْتَضِي لَهُ تَمْنَعُ الْحُكْمَ
(قَالَ) الْمَوْلَى لِعَبْدَيْهِ (أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَشُجَّا) أَيْ صَارَا مَشْجُوجَيْنِ (فَعَيَّنَ) الْمَوْلَى (وَاحِدًا) لِلْحُرِّيَّةِ بِأَنْ قَالَ أَرَدْت هَذَا (فَأَرْشُهُمَا لَهُ) أَيْ لِلْمَوْلَى (وَإِنْ قَتَلَهُمَا رَجُلٌ وَجَبَ دِيَةُ حُرٍّ وَقِيمَةُ عَبْدٍ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيَانَ إنْشَاءٌ فِي حَقِّ الْمَحَلِّ إظْهَارٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَلِهَذَا إذَا مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْبَيَانِ يَشِيعُ الْعِتْقُ بَيْنَهُمَا وَبَعْدَ الشَّجَّةِ بَقِيَ مَحَلًّا لِلْبَيَانِ فَاعْتُبِرَ إنْشَاءً فِي حَقِّهِمَا وَبَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْبَيَانِ فَاعْتُبِرَ إظْهَارًا مَحْضًا وَأَحَدُهُمَا حُرٌّ بِيَقِينٍ فَيَجِبُ قِيمَةُ عَبْدٍ وَدِيَةُ حُرٍّ (وَلَوْ) قَتَلَ (كُلًّا) مِنْهُمَا (رَجُلٌ فَقِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ) لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِقَتْلِ كُلِّ وَاحِدٍ حُرًّا وَكُلٌّ مِنْ الْقَاتِلَيْنِ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمَا قِيمَتُهُمَا
وَفِي (فَقْءِ عَيْنَيْ عَبْدٍ دَفَعَهُ سَيِّدُهُ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ أَوْ أَمْسَكَهُ بِلَا أَخْذِ النُّقْصَانِ) يَعْنِي إذَا فَقَأَ رَجُلٌ عَيْنَيْ عَبْدٍ فَإِنْ شَاءَ مَوْلَاهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ النُّقْصَانَ وَقَالَا يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْإِمْسَاكِ مَعَ أَخْذِ النُّقْصَانِ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ لَمَّا كَانَ مُعْتَبَرًا وِفَاقًا أَنْ يَتَخَيَّرَ الْمَوْلَى عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّ مَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ خَرْقًا فَاحِشًا يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ دَفْعِهِ إلَيْهِ وَتَضْمِينِهِ قِيمَتَهُ وَبَيْنَ إمْسَاكِ الثَّوْبِ وَتَضْمِينِ النُّقْصَانِ وَلَهُ أَنَّ الْمَالِيَّةَ إنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الذَّاتِ فَالْآدَمِيَّةُ غَيْرُ مُهْدَرَةٍ فِيهَا وَفِي الْأَطْرَافِ أَيْضًا وَلِهَذَا لَوْ قَطَعَ عَبْدٌ يَدَ عَبْدٍ يُؤْمَرُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ فَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَلْزَمُهُ تِلْكَ الْقِيمَةُ) تَمْثِيلُهُ بِمَنْ قِيمَتُهُ مِائَةٌ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ إذْ لَا يَظْهَرُ بِهِ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْغَصْبِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرُ لِتَبْلُغَ الْقِيمَةُ دِيَةَ الْحُرِّ (قَوْلُهُ فَفِي يَدِهِ يَلْزَمُهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ) إنَّمَا مَثَّلَ بِالْيَدِ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ حَلَقَ لِحْيَتَهُ إذْ لَا يَلْزَمُ بِحَلْقِهَا غَيْرُ حُكُومَةِ عَدْلٍ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعَبْدِ الْخِدْمَةُ لَا الْجَمَالُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبَ كَمَالِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْجَمَالَ فِي حَقِّهِ مَقْصُودٌ أَيْضًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ نَقْلًا عَنْ الْعُيُونِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ قَطَعَ أُذُنَيْ عَبْدٍ أَوْ أَنْفَهُ أَوْ حَلَقَ لِحْيَتَهُ فَلَمْ تَنْبُتْ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ لِلْمَوْلَى قِيمَةً تَامَّةً إنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ اهـ.
وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِقَطْعِ يَدٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ فَالسَّيِّدُ إمَّا أَنْ يَدْفَعَ الْعَبْدَ وَيُضَمِّنَ الْقَاطِعَ كُلَّ الْقِيمَةِ أَوْ يُمْسِكَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ كَمَا فِي فَقْءِ عَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَجِبُ فِي قَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ آلَافٍ) قَالَ فِي الْكَافِي عَنْ الْمَبْسُوطِ تَجِبُ خَمْسَةُ آلَافٍ إلَّا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَكَذَا فِي الْبُرْهَانِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَتَلَهُمَا رَجُلٌ) يَعْنِي مَعًا كَمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ وَجَبَ دِيَةُ حُرٍّ وَقِيمَةُ عَبْدٍ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَخْتَلِفْ قِيمَتُهُمَا وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْقِيمَتَيْنِ وَالدِّيَةِ نِصْفَيْنِ بَيْنَ الْمَوْلَى وَالْوَرَثَةِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَإِنْ اخْتَلَفَ قِيمَتُهُمَا يَجِبُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَدِيَةُ حُرٍّ فَيُقْسَمُ مِثْلُ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ لِلْأَوَّلِ لِمَوْلَاهُ وَالدِّيَةُ لِلثَّانِي لِوَرَثَتِهِ لِتَعَيُّنِهِ لِلْعِتْقِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَتَلَ كُلًّا مِنْهُمَا رَجُلٌ فَقِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ) هَذَا إذَا قَتَلَاهُمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ وَلَمْ يَدْرِ الْأَوَّلُ وَمَا يُؤْخَذُ يَكُونُ بَيْنَ الْمَوْلَى وَالْوَرَثَةِ نِصْفَيْنِ وَإِنْ قَتَلَاهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ فَعَلَى الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ قِيمَتُهُ لِلْمَوْلَى لِتَعَيُّنِهِ لِلرِّقِّ وَعَلَى الثَّانِي دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ لِتَعَيُّنِهِ لِلْعِتْقِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّ الْمَالِيَّةَ إنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً) إنْ وَصَلْيَةٌ لَا شَرْطِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ اقْتِرَانَهَا بِالْوَاوِ
стр. 538
الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ وَلَوْ كَانَ مَالًا مَحْضًا لَوَجَبَ أَنْ يُبَاعَ فِيهَا ثُمَّ مِنْ أَحْكَامِ الْآدَمِيَّةِ أَنْ لَا يَنْقَسِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْأَجْزَاءِ وَلَا يَتَمَلَّكُ الْجُثَّةَ وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَالِيَّةِ أَنْ تَنْقَسِمَ وَتَتَمَلَّكَ فَوَفَّرْنَا عَلَى الشَّبَهَيْنِ حَظَّهُمَا مِنْ الْحُكْمِ.
(فَصْلٌ)
(أَقَرَّ مُدَبَّرٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُكَاتَبَ إذْ عُلِمَ حُكْمُهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ كِتَابِهِ (بِجِنَايَةٍ) خَطَأٍ (لَمْ يَجُزْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَلَوْ بَعْدَ الْعِتْقِ) لِأَنَّ مُوجِبَ جِنَايَةِ الْخَطَأِ مِنْهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِقْرَارُهُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ (وَبَعْدَ إثْبَاتِهَا) بِالنِّيَّةِ (ضَمِنَ مَوْلَاهُ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَرْشِ وَالْقِيمَةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ﵁ قَضَى بِجِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ عَلَى مَوْلَاهُ وَكَانَ أَمِيرًا بِالشَّامِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَصَارَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ أَوْ الِاسْتِيلَادِ صَارَ مَانِعًا دَفْعَ الرَّقَبَةِ عِنْدَ الْجِنَايَةِ وَلَمْ يَصِرْ بِهِ مُخْتَارًا لِلدِّيَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِأَنَّهُ يَجْنِي فَصَارَ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا وَإِنَّمَا وَجَبَ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ الدَّفْعُ بِسَبَبٍ مِنْ الْمَوْلَى فَتَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ لِمَنْعِهِ مِنْهُ وَلَا مَنْعَ مِنْ الْمَوْلَى فِي أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَلَا حَقَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْشِ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي مُتَّحِدِي الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْقِنِّ حَيْثُ خُيِّرَ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ وَجِنْسُهُمَا مُخْتَلِفٌ
(وَإِنْ جَنَى) الْمُدَبَّرُ (جِنَايَاتٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ) بِمُقَابَلَةِ عَيْنِ وَاحِدٍ فَيُشَارِكُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ (الثَّانِيَةِ وَلِيَّ الْأُولَى فِي قِيمَةٍ دُفِعَتْ إلَيْهِ) أَيْ وَلِيِّ الْأُولَى (بِقَضَاءٍ) وَلَا يَطْلُبُ مِنْ الْمَوْلَى شَيْئًا لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ فِي الدَّفْعِ (وَيُتْبِعُ مَوْلَاهُ أَوْ وَلِيُّ الْأُولَى لَوْ) دُفِعَتْ إلَيْهِ (بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مَجْبُورًا فِي الدَّفْعِ
(جَنَى) مُدَبَّرٌ (خَطَأً فَمَاتَ لَمْ يَسْقُطْ الْقِيمَةُ عَنْ مَوْلَاهُ) لِأَنَّهَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ تَدْبِيرِهِ وَبِالْمَوْتِ لَا يَسْقُطُ ذَلِكَ
(قَتَلَ الْمُدَبَّرُ مَوْلَاهُ خَطَأً يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ بِرَقَبَتِهِ وَقَدْ سَلِمَتْ لَهُ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ وَلَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَقَبَتِهِ وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ فَعَلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهَا وَهِيَ الْقِيمَةُ (وَلَوْ) قَتَلَهُ (عَمْدًا قَتَلَهُ) الْوَارِثُ (وَاسْتَوْفَى قِيمَتَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ. . . إلَخْ
(غَصَبَ عَبْدًا قَطَعَ سَيِّدُهُ يَدَهُ فَسَرَى ضَمِنَ قِيمَتَهُ أَقْطَعَ وَإِنْ قَطَعَهُ سَيِّدُهُ فِي يَدِ غَاصِبِهِ فَسَرَى عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ الْغَصْبَ يُوجِبُ ضَمَانَ مَا غُصِبَ وَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ بِاسْتِرْدَادِ الْمَغْصُوبِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمَّا قَطَعَهُ الْمَوْلَى فِي يَدِهِ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِالْقَطْعِ فَوَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهُ أَقْطَعَ وَفِي الثَّانِيَةِ لَمَّا قَطَعَ الْمَوْلَى يَدَ عَبْدِهِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ صَارَ مُسْتَرِدًّا لَهُ لِاسْتِيلَاءِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَبَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِهِ لِوُصُولِ مِلْكِهِ إلَيْهِ
(وَضَمِنَ) عَبْدٌ (مَحْجُورٌ غَصْبَ مِثْلِهِ فَمَاتَ بِيَدِهِ) فَإِنَّ الْمَحْجُورَ يُؤَاخَذُ بِأَفْعَالِهِ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ الْغَصْبُ بِالْبَيِّنَةِ يُبَاعُ فِيهِ دُونَ أَقْوَالِهِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَا يُبَاعُ بَلْ يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ
(جَنَى مُدَبَّرٌ عِنْدَ غَاصِبِهِ ثُمَّ عِنْدَ مَوْلَاهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لَهُمَا) يَعْنِي إذَا غَصَبَ رَجُلٌ مُدَبَّرًا فَجَنَى عِنْدَهُ ثُمَّ رَدَّهُ إلَى مَوْلَاهُ فَجَنَى عِنْدَهُ أُخْرَى ضَمِنَ الْمَوْلَى لِوَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّ مُوجَبَ جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى لِأَنَّهُ أَعْجَزَ نَفْسَهُ عَنْ الدَّفْعِ بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ كَمَا فِي الْقِنِّ إذَا أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْجِنَايَاتِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ ثُمَّ مِنْ أَحْكَامِ الْآدَمِيَّةِ أَنْ لَا يَنْقَسِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْأَجْزَاءِ) يَعْنِي الْأَجْزَاءَ الْفَائِتَةَ وَالْقَائِمَةَ بَلْ يَكُونُ بِإِزَاءِ الْفَائِتَةِ لَا غَيْرُ (قَوْلُهُ فَوَفَّرْنَا عَلَى الشَّبَهَيْنِ حَظَّهُمَا مِنْ الْحُكْمِ) يَعْنِي فَقُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ اعْتِبَارًا لِلْآدَمِيَّةِ وَيَتَمَلَّكُ الْجُثَّةَ اعْتِبَارًا لِلْمَالِيَّةِ.
[فَصْلٌ إقْرَار الْمُدَبَّر وَأُمُّ الْوَلَد بِجِنَايَةِ خَطَأ]
(فَصْلٌ) (قَوْله وَجِنْسُهُمَا مُخْتَلِفٌ) الضَّمِيرُ لِلدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ
(قَوْلُهُ وَيُتْبِعُ مَوْلَاهُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ رَجَعَ الْمَوْلَى عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا ضَمِنَ لِلثَّانِي لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ
стр. 539
مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَهَا وَإِنَّمَا كَانَتْ الْقِيمَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ (وَرَجَعَ بِنِصْفِهَا) أَيْ رَجَعَ الْمَوْلَى بِنِصْفِ مَا ضَمِنَ مِنْ قِيمَةِ الْمُدَبَّرِ (عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِالْقِيمَةِ الْجِنَايَتَيْنِ، نِصْفُهَا بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ لَحِقَهُ مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَرُدَّ نِصْفَ الْعَبْدِ لِأَنَّ رَدَّ الْمُسْتَحَقِّ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْغَاصِبِ كَلَا رَدٍّ (وَدَفَعَهُ إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ دَفَعَ الْمَوْلَى نِصْفَ الْقِيمَةِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْغَاصِبِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ لِأَنَّ الَّذِي رَجَعَ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ عِوَضُ مَا سَلَّمَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ وَلَهُمَا أَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ لَا يُزَاحِمُهُ أَحَدٌ فَيَسْتَحِقُّ كُلَّهَا وَإِنَّمَا يُنْتَقَصُ بِاعْتِبَارِ مُزَاحَمَةِ الثَّانِي فَإِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ بَدَلِ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْمَالِكِ فَارِغًا يَأْخُذُهُ مِنْهُ لِيَتِمَّ حَقُّهُ وَ (بِعَكْسِهِ) يَعْنِي جَنَى عِنْدَ الْمَوْلَى خَطَأً ثُمَّ غَصَبَهُ رَجُلٌ فَجَنَى عِنْدَهُ (لَا يَرْجِعُ) الْمَوْلَى لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْأُولَى كَانَتْ فِي يَدِهِ (وَالْقِنُّ فِي الْفَصْلَيْنِ) يَعْنِي إذَا جَنَى عِنْدَ غَاصِبِهِ ثُمَّ عِنْدَ مَوْلَاهُ أَوْ بِالْعَكْسِ (كَالْمُدَبَّرِ) لَكِنَّ (الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَوْلَى يَدْفَعُ الْقِنَّ) نَفْسَهُ (وَقِيمَةَ الْمُدَبَّرِ) فَإِذَا دَفَعَ الْقِنَّ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَسَلِمَ لِلْمَالِكِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا لَا يَسْلَمُ لَهُ بَلْ يَدْفَعُهُ إلَى الْأَوَّلِ وَإِذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْغَاصِبِ وَفِي الثَّانِي لَا
(مُدَبَّرٌ غَصَبَ مَرَّتَيْنِ فَجَنَى فِي كُلِّ مَرَّةٍ) يَعْنِي رَجُلٌ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَجَنَى عِنْدَهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ ثُمَّ غَصَبَهُ فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً أُخْرَى (ضَمِنَ مَوْلَاهُ قِيمَتَهُ لَهُمَا) أَيْ لِوَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ مَنَعَ عَيْنَ الْعَبْدِ عَنْ الدَّفْعِ بِالتَّدْبِيرِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَمَا مَرَّ (وَرَجَعَ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ (عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّ الْجِنَايَتَيْنِ كَانَتَا فِي يَدِهِ فَاسْتَحَقَّهُ الْمَوْلَى بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْكُلِّ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فَإِنَّهُ هُنَاكَ اسْتَحَقَّ النِّصْفَ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَهُ وَالنِّصْفَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ (وَدَفَعَ) أَيْ الْمَوْلَى (نِصْفَهَا) أَيْ نِصْفَ الْقِيمَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْغَاصِبِ ثَانِيًا (إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْقِيمَةِ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ عِنْدَ وُجُودِ جِنَايَتِهِ وَإِنَّمَا انْتَقَصَ حَقُّهُ بِحُكْمِ الْمُزَاحَمَةِ مِنْ بَعْدُ (وَرَجَعَ) أَيْ الْمَوْلَى (بِهِ) أَيْ بِالنِّصْفِ الَّذِي دَفَعَهُ ثَانِيًا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى (عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ هَذَا النِّصْفِ ثَانِيًا بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ وَيَسْلَمُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَلَا إلَى وَلِيِّ الثَّانِيَةِ إذْ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي النِّصْفِ لِسَبْقِ حَقِّ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ وَقَدْ وَصَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ (وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي كُلِّهَا) أَيْ كُلِّ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ (كَالْمُدَبَّرِ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَوْنِ الْمَانِعِ مِنْ الدَّفْعِ لِلْجِنَايَةِ مِنْ قِبَلِ الْمَوْلَى
(غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا فَمَاتَ عِنْدَهُ فَجْأَةً أَوْ بِحُمَّى لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ مَاتَ بِصَاعِقَةٍ أَوْ نَهْشِ حَيَّةٍ ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ الدِّيَةَ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ فِي الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِي الْحُرِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُكَاتَبِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لِكَوْنِهِ حُرًّا يَدًا مَعَ أَنَّهُ رَقِيقٌ رَقَبَةً فَالْحُرُّ يَدًا أَوْ رَقَبَةً أَوْلَى أَنْ لَا يَضْمَنَ بِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَيْسَ بِضَمَانِ الْغَصْبِ بَلْ ضَمَانِ الْإِتْلَافِ بِالتَّسْبِيبِ لِنَقْلِهِ إلَى مَكَان فِيهِ الصَّوَاعِقُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ وَرَجَعَ بِنِصْفِهَا عَلَى الْغَاصِب وَدَفَعَهُ إلَى الْأَوَّلِ) أَقُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ ثَانِيًا عَلَى الْغَاصِبِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَرُدَّ وَلَمْ يَضْمَنْ لِمَوْلَاهُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ بَدَلِهِ فِي يَدِهِ وَمَا يَأْخُذُهُ الْمَوْلَى ثَانِيًا مِنْ الْغَاصِبِ يَكُونُ لَهُ لِوُصُولِ كُلٍّ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِمَا إلَى حَقِّهِ الْأَوَّلِ إلَى قِيمَةٍ كَامِلَةٍ وَالثَّانِي إلَى نِصْفِ قِيمَتِهِ فَمَا بَقِيَ يَكُونُ لِلْمَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْقَدْرَ وَلَا بُدَّ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا يَتَأَتَّى عَكْسُهَا الْمَذْكُورُ بَعْدَهَا فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ وَبِعَكْسِهِ لَا يَرْجِعُ لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا) بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفٍ ثَانِيًا مِثْلَ الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفًا فَقَطْ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُدَبَّرَ جَنَى عِنْدَ مَوْلَاهُ أَوَّلًا فَغَصَبَهُ رَجُلٌ فَجَنَى عِنْدَهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى الْمَوْلَى ضَمِنَ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالسَّبَبِ عِنْدَهُ فَيَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ إذَا دَفَعَهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْإِجْمَاعِ اهـ كَمَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ فَاسْتَحَقَّهُ الْمَوْلَى) كَذَا فِي النُّسَخِ وَالْمُرَادُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ فَالْمِيمُ زَائِدَةٌ فِي الْمَوْلَى (قَوْلُهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ) يَعْنِي يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْغَاصِبِ بِالْكُلِّ
(قَوْلُهُ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا) يَعْنِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُعَبِّرُ يُعَارِضُهُ بِلِسَانِهِ فَلَا تَثْبُتُ يَدُهُ حُكْمًا كَمَا فِي الْبُرْهَانِ
стр. 540
وَالْحَيَّاتُ حَتَّى لَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ الْحُمَّى ضَمِنَ كَذَا فِي الْكَافِي (كَمَا فِي صَبِيٍّ أُودِعَ عَبْدًا فَقَتَلَهُ) أَيْ إذَا أَوْدَعَ مَوْلَى الْعَبْدِ عَبْدَهُ صَبِيًّا فَقَتَلَهُ ضَمِنَ عَاقِلَةُ الصَّبِيِّ قِيمَتَهُ (وَإِنْ أَتْلَفَ مَالًا بِإِيدَاعٍ لَا يَضْمَنُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَيَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَعْصُومًا وَلَهُمَا أَنَّ غَيْرَ الْعَبْدِ مَعْصُومٌ لِحَقِّ السَّيِّدِ وَقَدْ فَوَّتَهُ لِدَفْعِهِ إلَى يَدِ الصَّبِيِّ وَأَمَّا الْعَبْدُ فَعِصْمَتُهُ لِحَقِّهِ لِبَقَائِهِ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ (وَبِدُونِهِ يَضْمَنُ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ
(بَابُ الْقَسَامَةِ))
(هِيَ أَيْمَانٌ تُقْسَمُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّذِينَ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِيهِمْ) قَوْلُهُ (مَيِّتٌ بِهِ جُرْحٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي حَلَفَ لَهُ (أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنِقٍ) بِكَسْرِ النُّونِ (أَوْ خُرُوجِ دَمٍ مِنْ أُذُنِهِ أَوْ عَيْنَيْهِ وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ أَكْثَرُهُ) عُطِفَ عَلَى ضَمِيرِ وُجِدَ وَجَازَ لِلْفَصْلِ أَيْ أَكْثَرُ الْبَدَنِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ رَأْسُهُ أَوْ لَا (أَوْ وُجِدَ نِصْفُهُ مَعَ رَأْسِهِ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ) إذْ لَوْ عَلِمَ كَانَ هُوَ الْخَصْمَ وَسَقَطَ الْقَسَامَةُ (وَادَّعَى وَلِيُّهُ الْقَتْلَ عَلَى أَهْلِهَا) أَيْ كُلِّهِمْ (أَوْ) عَلَى (بَعْضِهِمْ) عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ (حَلَفَ لَهُ) أَيْ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ (خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَنَّ هَذَا قَتِيلٌ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَمَا الَّذِي تُخْرِجُهُ فَكَتَبُوا إلَيْهِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَقَعَتْ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى ﵇ أَمْرًا فَإِنْ كُنْت نَبِيًّا فَاسْأَلْ اللَّهَ تَعَالَى مِثْلَ ذَلِكَ فَكَتَبَ ﷺ إلَيْهِمْ أَنَّ اللَّهَ أَرَانِي أَنْ أَخْتَارَ مِنْكُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا فَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ تَغْرَمُونَ الدِّيَةَ قَالُوا لَقَدْ قَضَيْت فِينَا بِالنَّامُوسِ» أَيْ بِالْوَحْيِ (يَخْتَارُهُمْ الْوَلِيُّ) إشَارَةً إلَى أَنَّ اخْتِيَارَ تَعْيِينِ الْخَمْسِينَ إلَى الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْتَارُ مَنْ يَتَّهِمُهُ بِالْقَتْلِ وَهُوَ الْفَسَقَةُ وَالشُّبَّانُ أَوْ صَالَحُوا أَهْلَ الْمَحَلَّةِ لِأَنَّ تَحَرُّزَهُمْ عَنْ الْيَمِينِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ الْحُمَّى) لَيْسَتْ قَيْدًا لِأَنَّهُ كَذَلِكَ الْأَمْرَاضُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْبُرْهَانِ قَوْلُهُ ضَمِنَ لَيْسَ الْمُرَادُ ضَمَانَهُ وَحْدَهُ بَلْ مَعَ عَاقِلَتِهِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي صَبِيٍّ أُودِعَ عَبْدًا فَقَتَلَهُ) التَّشْبِيهُ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الضَّمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي مَسْأَلَةِ عَبْدِ الْقِيمَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ شَرْحًا وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكَافِي نَقْلًا عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالصَّدْرِ الشَّهِيدِ قَالَ وَقَوْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ يَحْتَمِلُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقِيمَةَ وَإِنَّمَا آثَرَ لَفْظَ الدِّيَةِ لِأَنَّهَا بِإِزَاءِ الْآدَمِيَّةِ وَالْقِيمَةُ بِإِزَاءِ الْمَالِيَّةِ وَالْوَاجِبُ فِي الْعَبْدِ بِإِزَاءِ إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي التَّفْسِيرِ ثُمَّ مُحَمَّدٌ ﵀ شَرَطَ فِي الْجَامِعِ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ عَاقِلًا.
وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي صَبِيٍّ عُمْرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ التَّسْلِيطَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ وَفِعْلُهُ مُعْتَبَرٌ اهـ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ النِّحْرِيرِيُّ نَقْلًا عَنْ الشَّلَبِيِّ قَوْلُهُ أَيْ الزَّيْلَعِيُّ وَذَلِكَ دَلِيلٌ. . . إلَخْ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ ﵀ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَذْهَبُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّ الصَّبِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا لَا يَضْمَنُ فِي قَوْلِهِمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ اهـ مَا عَنْ الشَّلَبِيِّ ثُمَّ كَتَبَ بَعْدَهُ وَقَالَ مِسْكِينٌ وَالْخِلَافُ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فِي الصَّحِيحِ حَتَّى لَا يَضْمَنَ غَيْرُ الْعَاقِلِ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَتْلَفَ مَالًا بِإِيدَاعٍ لَمْ يَضْمَنْ) فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَا وَبَيْنَ إتْلَافِهِ الْعَبْدَ الْمُودَعَ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهُ مَالٌ أَيْضًا قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ حَقُّ مَالِكِهِ فَيَمْلِكُ اسْتِهْلَاكَهُ وَلَهُ تَمْكِينُ غَيْرِهِ مِنْ اسْتِهْلَاكِهِ وَأَمَّا الْآدَمِيُّ الْمَمْلُوكُ فَعِصْمَتُهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ لَا لِحَقِّ مَوْلَاهُ وَلِهَذَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ وِلَايَةُ اسْتِهْلَاكِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا وَهَذَا الْفَرْقُ مُؤَدَّى قَوْلِهِ وَلَهُمَا. . . إلَخْ (قَوْلُهُ غَيْرَ الْعَبْدِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِنَّمَا ضَبَطْته لِأَنَّهُ يَلْتَبِسُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّنَاقُضُ بِمَا يَلِيهِ وَلِذَا أَوْضَحْته بِالْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِنْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
[بَابُ الْقَسَامَةِ]
(بَابُ الْقَسَامَةِ) (قَوْلُهُ مَيِّتٌ بِهِ جُرْحٌ) يَعْنِي إذَا كَانَ حُرًّا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا وَأَمَّا إذَا كَانَ عَبْدًا فَتَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالْقِيمَةُ إذَا وُجِدَ فِي غَيْرِ مِلْكِ سَيِّدِهِ وَلَا تَجِبُ الْغَرَامَةُ وَلَا الْقَسَامَةُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَالْبَهَائِمِ وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ لَوْ فِي غَيْرِ دَارِ مَوْلَاهُمْ وَفِيهَا لَيْسَ فِيهِمْ شَيْءٌ إلَّا فِي الْمُكَاتَبِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى مَوْلَاهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِلَّا فِي الْمَأْذُونِ إنْ كَانَ مَدْيُونًا فَعَلَيْهِ قِيمَةٌ لِغُرَمَائِهِ حَالَّةٌ فِي مَالِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَفِي وَاقِعَاتِ النَّسَفِيِّ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ تُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ (قَوْلُهُ حَلَفَ لَهُ) لَا فَرْقَ فِي تَحْلِيفِ الْخَمْسِينَ بَيْنَ دَعْوَى الْقَتْلِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَأَمَّا الدِّيَةُ فَعَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي دَعْوَى الْعَمْدِ وَعَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَبِهِ اعْتَرَضَ ابْنُ الْمَلِكِ عَلَى مَتْنِ الْمَجْمَعِ بِإِلْزَامِهِ الْعَاقِلَةَ دِيَةَ الْقَتْلِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَلَمْ يُفَصِّلْ فَيَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَيْضًا وَسَنُبَيِّنُهُ فَلْيُحَرَّرْ
стр. 541
الْكَاذِبَةِ أَبْلَغُ فَيَظْهَرُ الْقَاتِلُ (قَائِلًا) كُلٌّ مِنْهُمْ (بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا لَا الْوَلِيُّ) أَيْ لَا يَحْلِفُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ بِأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ اسْتَحْلَفَ الْأَوْلِيَاءَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ حَلَفُوا يَقْضِي بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَتْ الدَّعْوَى أَوْ خَطَأً فِي قَوْلٍ وَفِي قَوْلٍ يَقْضِي بِالْقَوَدِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَمْدِ وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَإِنْ حَلَفُوا تُرِكُوا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ نَكَلُوا فَيَلِيهِمْ الْقِصَاصُ فِي قَوْلٍ وَالدِّيَةُ فِي قَوْلٍ وَاللَّوْثُ الَّذِي ذَكَرَهُ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ تُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةُ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ كَالدَّمِ أَوْ ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الظَّاهِرُ حَلَفَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْبِدَايَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ «قَوْلُهُ ﷺ لِلْأَوْلِيَاءِ فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ» وَلِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى فَإِنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الذِّمَمِ الْبَرَاءَةُ وَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي عِنْدَ قِيَامِ اللَّوْثِ وَقُرْبِ الْعَهْدِ فَتَكُونُ الْيَمِينُ حُجَّةً لَهُ وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ نَوْعُ شُبْهَةٍ وَالْقِصَاصُ عُقُوبَةٌ تَسْقُطُ بِهَا فَلِهَذَا وَجَبَ الدِّيَةُ فِي الْجَدِيدِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَرَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ بَدَأَ بِالْيَهُودِ بِالْقَسَامَةِ وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ» لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِاسْتِحْقَاقِ فَلِسٍ فَكَيْفَ يَكُونُ حُجَّةً لِاسْتِحْقَاقِ نَفْسٍ وَالْيَمِينُ عِنْدَنَا لِيَظْهَرَ الْقَاتِلُ بِتَحَرُّزِهِمْ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَيُقِرُّوا فَيَجِبُ الْقِصَاصُ وَإِذَا حَلَفُوا حَصَلَ الْبَرَاءَةُ عَنْ الْقِصَاصِ (ثُمَّ يَقْضِي عَلَى أَهْلهَا) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (بِالدِّيَةِ) لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَهُمْ وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْقَسَامَةِ» وَكَذَا عُمَرُ. ﵁
(وَإِنْ ادَّعَى وَلِيُّهُ الْقَتْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ سَقَطَ الْقَسَامَةُ عَنْهُمْ) يَعْنِي إذَا ادَّعَى وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْقَتْلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ كَانَ ذَلِكَ إبْرَاءً مِنْهُ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ حَتَّى لَا تُسْمَعَ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (وَإِنْ مِنْهُمْ فَلَا) أَيْ وَإِنْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ لَا يُبْطِلُ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَنْ أَهْلِهَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ يَكُون ذَلِكَ إبْرَاءً مِنْهُ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ كَذَا فِي الْجِنَايَةِ (وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ) أَيْ الْخَمْسُونَ (فِيهَا) أَيْ الْمَحَلَّةِ (كَرَّرَ الْحَلِفَ عَلَيْهِمْ إلَى أَنْ يُتِمَّ) أَيْ الْخَمْسُونَ (وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) لِأَنَّ الْحَلِفَ فِيهِ وَاجِبٌ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الدَّمِ وَلِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ بِخِلَافِ النُّكُولِ فِي الْأَمْوَالِ لِأَنَّ الْحَلِفَ فِيهَا بَدَلٌ عَنْ أَصْلِ حَقِّهِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِبَدَلِ الْمُدَّعِي وَهُنَا لَا تَسْقُطُ بِبَدَلِ الدِّيَةِ (وَمُسْتَحْلِفٌ قَالَ قَتَلَهُ زَيْدٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْت وَلَا عَرَفْت قَاتِلًا غَيْرَ زَيْدٍ) لِأَنَّهُ يُرِيدُ إسْقَاطَ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يُقْبَلُ وَيَحْلِفُ عَلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ صَارَ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ فَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ سِوَاهُ فَيَحْلِفُ عَلَيْهِ
(وَلَا قَسَامَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْقَوْلِ الصَّحِيحِ لِمَا عَرَفْت وَالْيَمِينُ قَوْلٌ (وَامْرَأَةٌ وَعَبْدٌ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْيَمِينُ عَلَى أَهْلِهَا
(وَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) عَلَى أَحَدٍ (فِي حَقِّ مَيِّتٍ لَا أَثَرَ بِهِ أَوْ خَرَجَ دَمٌ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتِيلٍ إذْ لَا بُدَّ مِنْ أَثَرٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَوْنِهِ قَتِيلًا وَهُوَ مَا ذُكِرَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ ثُمَّ يَقْضِي عَلَى أَهْلِهَا بِالدِّيَةِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ فَإِذَا حَلَفُوا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ عِنْدَنَا فِي دَعْوَى الْعَمْدِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِمْ فِي الْخَطَأِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ
(قَوْلُهُ وَإِنْ مِنْهُمْ فَلَا) يَعْنِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ) هِيَ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا كَرَّرَ الْحَلِفَ عَلَيْهِمْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْعَدَدُ فَأَرَادَ الْوَلِيُّ تَكْرِيرَ الْحَلِفِ عَلَى بَعْضِهِمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُرِيدُ إسْقَاطَ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يُقْبَلُ) كَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ
(قَوْله أَوْ خَرَجَ دَمٌ مِنْ فَمِهِ) يَعْنِي وَهُوَ يَنْزِلُ مِنْ الرَّأْسِ وَإِنْ كَانَ يَعْلُو مِنْ الْجَوْفِ يَكُونُ قَتِيلًا بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهَا هُنَا يَعْنِي إذَا وَجَدَ مَا ذُكِرَ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخَانِيَّةِ
стр. 542
فِي أَوَّلِ الْبَابِ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَادَةً بِلَا فِعْلِ أَحَدٍ
(وَمَا تَمَّ خَلْقُهُ كَالْكَبِيرِ) أَيْ إذَا وُجِدَ سِقْطٌ تَامُّ الْخَلْقِ بِهِ أَثَرٌ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ كَالْكَبِيرِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَامَّ الْخَلْقِ يَنْفَصِلُ حَيًّا
(رَجُلٌ يَسُوقُ دَابَّةً عَلَيْهَا قَتِيلٌ ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ) أَيْ عَاقِلَةُ الرَّجُلِ (دِيَتَهُ) أَيْ دِيَةَ الْقَتِيلِ (لَا أَهْلُ الْمَحَلَّةِ) لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي دَارِهِ (كَذَا لَوْ قَادَهَا أَوْ رَكِبَهَا فَإِنْ اجْتَمَعُوا) أَيْ الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ وَالرَّاكِبُ (ضَمِنُوا) لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
(وَلَوْ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا) «لِأَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ أَنْ يُمْسَحَ بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إلَى إحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ أَقْرَبَ فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ مِثْلُهُ (وَإِنْ اسْتَوَتَا) أَيْ الْقَرْيَتَانِ أَوْ الْقَبِيلَتَانِ (فَعَلَيْهِمَا إنْ كَانَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي مَوْضِعٍ يُسْمَعُ مِنْهُ صَوْتٌ) لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَأَهْلُ الْقَرْيَتَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَبْلُغُ الصَّوْتُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَيُمْكِنُهُمْ النُّصْرَةُ وَقَدْ قَصَّرُوا وَإِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ لَا يَلْزَمُهُمْ نُصْرَتُهُ فَلَا يُنْسَبُونَ إلَى التَّقْصِيرِ فَلَا يُجْعَلُونَ قَاتِلِينَ تَقْدِيرًا
(وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي دَارِ رَجُلٍ فَعَلَيْهِ الْقَسَامَةُ وَتَدِي عَاقِلَتُهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لَهُ بِالْحُجَّةِ) لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي حِفْظِ الْمِلْكِ الْخَاصِّ إلَى الْمَالِكِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّ نُصْرَتَهُ وَقُوَّتَهُ بِهِمْ وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ كَمَا مَرَّ مِرَارًا (إلَّا بِمُجَرَّدِ الْيَدِ) حَتَّى لَوْ كَانَ بِهِ لَا تَدِي عَاقِلَتُهُ وَلَا نَفْسُهُ
(وَلَوْ) وُجِدَ قَتِيلٌ (فِي دَارِ نَفْسِهِ تَدِي عَاقِلَتُهُ وَرَثَتَهُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الدَّارَ حَالَ ظُهُورِ الْقَتِيلِ لِوَرَثَتِهِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ وَعِنْدَهُمَا وَعِنْدَ زُفَرَ لَا شَيْءَ فِيهِ وَبِهِ يُفْتَى لِمَا قَالُوا إنَّ الدَّارَ فِي يَدِهِ حَالَ ظُهُورِ الْقَتْلِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَكَانَ هَدَرًا وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ لِلْوَرَثَةِ فَالْعَاقِلَةُ إنَّمَا يَتَحَمَّلُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَخْفِيفًا لَهُمْ وَلَا يُمْكِنُ الْإِيجَابُ عَلَى الْوَرَثَةِ لِلْوَرَثَةِ
[الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ]
(الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ) أَيْ أَصْحَابِ الْأَمْلَاكِ الْقَدِيمَةِ الَّذِينَ كَانُوا تَمَلَّكُوهَا حِينَ فَتَحَ الْإِمَامُ الْبَلْدَةَ وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِخَطٍّ خَطَّهُ لِيَتَمَيَّزَ أَنْصِبَاؤُهُمْ (لَا مَعَ السُّكَّانِ) أَيْ لَا يَدْخُلُ السُّكَّانُ يَعْنِي الْمُسْتَأْجِرِينَ وَالْمُسْتَعِرِينَ مَعَ الْمُلَّاكِ فِي الْقَسَامَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّدْبِيرِ تَكُونُ بِالسُّكْنَى كَمَا تَكُونُ بِالْمِلْكِ أَلَا يُرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى الْيَهُودِ» وَإِنْ كَانُوا سُكَّانًا بِخَيْبَرَ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِنُصْرَةِ الْبُقْعَةِ لَا السُّكَّانَ وَأَهْلُ خَيْبَرَ مُقَرُّونَ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ (وَلَا الْمُشْتَرِينَ) عِنْدَهُمَا أَيْضًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ كُلُّهُمْ مُشْتَرِكُونَ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِتَرْكِ الْحِفْظِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَهِيَ بِالْمِلْكِ وَقَدْ اسْتَوَوْا فِيهِ وَلَهُمَا أَنَّ صَاحِبَ الْخُطَّةِ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِتَدْبِيرِ الْمَحَلَّةِ وَهِيَ تُنْسَبُ إلَيْهِ لَا الْمُشْتَرِينَ وَقَلَّمَا يُزَاحِمُهُ الْمُشْتَرِي فِي التَّدْبِيرِ وَالْقِيَامِ بِحِفْظِ الْمَحَلَّةِ فَكَانَ هُوَ الْمُخْتَصَّ بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ لَا الْمُشْتَرِي وَقِيلَ إنَّمَا أَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي زَمَانِهِ أَنَّ أَصْحَابَ الْخُطَّةِ فِي كُلٍّ يَقُومُونَ بِتَدْبِيرِ الْمَحَلَّةِ وَلَا يُشَارِكُهُمْ الْمُشْتَرِكُونَ فِي ذَلِكَ (فَإِنْ بَاعَ كُلُّهُمْ) يَعْنِي إنْ بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لِأَنَّ الْمُشْتَرِينَ أَتْبَاعٌ لِأَهْلِ الْخُطَّةِ فَمَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْأَصْلِ يَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ دُونَ التَّبَعِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ بَلْ بَاعَ كُلُّهُمْ (فَعَلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ رَجُلٌ يَسُوقُ دَابَّةً. . . إلَخْ)
قَالَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ هَذَا إذَا كَانَ يَسُوقُهَا سِرًّا مُتَحَشِّمًا أَمَّا إذَا سَاقَهَا نَهَارًا جِهَارًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَقَالَ فِي التَّبْيِينِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى السَّائِقِ إلَّا إذَا كَانَ يَسُوقُهَا مُخْتَفِيًا اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ اجْتَمَعُوا ضَمِنُوا) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانُوا مَالِكِينَ لِلدَّابَّةِ أَوْ لَا بِخِلَافِ الدَّارِ لِأَنَّ لَهُمْ تَدْبِيرَ الدَّابَّةِ مُطْلَقًا وَتَدْبِيرَ الدَّارِ لِمَالِكِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاكِنُهَا وَالدَّابَّةُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ فَعَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ
(قَوْلُهُ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ) كَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ جَازَ مَا بِهِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَقِيلَ هَذَا مَحْمُولٌ. . . إلَخْ (قَوْلُهُ وَأَهْلُ قَرْيَتَيْنِ) لَعَلَّهُ قَبِيلَتَيْنِ ثُمَّ إنَّهُ يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ فِيمَا إذَا اسْتَوَتَا لِيَجِبَ عَلَيْهِمَا
(قَوْلُهُ وُجِدَ فِي دَارِ رَجُلٍ فَعَلَيْهِ الْقَسَامَةُ وَتَدِي عَاقِلَتُهُ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَإِذَا كَانَتْ عَاقِلَتُهُ حَاضِرَةً فِي بَلَدِهِ تَدْخُلُ مَعَهُ فِي الْقَسَامَةِ كَالدِّيَةِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لَهُ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ وَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى وُجُوبِ الْقَسَامَةِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ كَمَا لَوْ كَانُوا غُيَّبًا وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ) كَذَا الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَحَلَّةِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي دَعْوَى الْعَمْدِ عَلَيْهِمْ وَفِي الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا) ذَكَّرَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْيَمِينِ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانُوا سُكَّانًا بِخَيْبَرَ) عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ وَكَانُوا سُكَّانًا بِخَيْبَرَ
стр. 543
الْمُشْتَرِينَ)
اتِّفَاقًا لِزَوَالِ مَنْ يَتَقَدَّمُهُمْ عِنْدَهُمَا أَوْ يُزَاحِمُهُمْ عِنْدَهُ فَانْتَقَلَتْ عِنْدَهُمَا إلَيْهِمْ وَخَلَصَتْ عِنْدَهُ لَهُمْ
(وُجِدَ) قَتِيلٌ (فِي دَارٍ) مُشْتَرَكَةٍ (بَيْنَ قَوْمٍ لِبَعْضِهِمْ أَكْثَرُ) بِأَنْ كَانَ نِصْفُهَا لِرَجُلٍ مَثَلًا وَعُشْرُهَا لِرَجُلٍ وَبَاقِيهَا لِآخَرَ (فَهِيَ عَلَى الرُّءُوسِ) وَلَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْأَنْصِبَاءِ لِاسْتِوَاءِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الْحِفْظِ وَالتَّقْصِيرِ
(وَإِنْ بِيعَتْ) دَارٌ (وَلَمْ تُقْبَضْ) حَتَّى وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ (فَعَلَى) أَيْ الدِّيَةُ عَلَى (عَاقِلَةِ الْبَائِعِ وَفِي الْبَيْعِ بِخِيَارٍ فَعَلَى عَاقِلَةِ ذِي الْيَدِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارٌ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ فَعَلَى عَاقِلَةِ مَنْ تَصِيرُ لَهُ الدَّارُ سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ الْيَدُ وَهُمَا الْمِلْكُ
(وَإِنْ) وُجِدَ الْقَتِيلُ (فِي الْفُلْكِ) فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ (عَلَى مَنْ فِيهِ) مِنْ الرُّكَّابِ وَالْمَلَّاحِينَ وَالْمَالِكُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ وَكَذَا الْعَجَلَةُ (وَفِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ وَشَارِعِهَا) أَيْ شَارِعِ الْمَحَلَّةِ احْتِرَازٌ عَنْ الشَّارِعِ الْأَعْظَمِ كَمَا سَيَأْتِي (عَلَى أَهْلِهَا) لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالتَّدْبِيرِ فِيهِ (وَفِي سُوقٍ مَمْلُوكٍ عَلَى الْمَالِكِ وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ (وَالشَّارِعُ الْأَعْظَمُ وَالسِّجْنُ وَالْجَامِعُ لَا قَسَامَةَ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا نَفْيُ تُهْمَةِ الْقَتْلِ وَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ (وَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ اعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَ يَنْقَسِمُ ابْتِدَاءً إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا طَرِيقٌ خَاصٌّ وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ لَا مَخْرَجٌ كَمَا ذَكَرُوا فِي بَحْثِ الزَّائِغَةِ الْمُسْتَطِيلَةِ وَالْآخَرُ طَرِيقٌ عَامٌّ وَهُوَ مَا لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ وَمَخْرَجٌ وَيُسَمَّى هَذَا بِالشَّارِعِ وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا شَارِعُ الْمَحَلَّةِ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْمُرُورُ أَكْثَرِيًّا لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا وَهَذَا مَا قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَفِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي شَارِعِ الْمَحَلَّةِ وَالْآخَرُ الشَّارِعُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ مَا يَكُونُ مُرُورُ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ فِيهِ عَلَى السَّوِيَّةِ كَالطَّرِيقِ الْوَاسِعَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَخَارِجِ الْبُلْدَانِ وَهَذَا مَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ وَجَدَ فِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ هَذَا الْمَقَامُ حَتَّى تَنْدَفِعَ الشُّبْهَةُ وَتَضْمَحِلَّ الْأَوْهَامُ
(وَفِي قَوْمٍ الْتَقَوْا بِالسَّيْفِ وَأُجْلُوا عَنْ قَتِيلٍ) أَيْ تَفَرَّقُوا فَظَهَرَ فِي مَوْضِعِ اجْتِمَاعِهِمْ قَتِيلٌ (عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ) لِأَنَّ حِفْظَ الْمَحَلَّةِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مَنْ يُبَاشِرُهُ جُعِلَ عَلَيْهِمْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْوَلِيُّ عَلَى الْقَوْمِ أَوْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ) فَلَمْ يَكُنْ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ شَيْءٌ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى تَضَمَّنَتْ بَرَاءَةً مِنْ الْقَسَامَةِ وَلَا عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ إذْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ لَكِنْ يَسْقُطُ الْحَقُّ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ
(وُجِدَ) قَتِيلٌ (فِي بَرِّيَّةٍ لَا عِمَارَةَ بِقُرْبِهَا) مَعْنَى الْقُرْبِ عَلَى مَا سِيقَ سَمَاعُ الصَّوْتِ (أَوْ فِي نَهْرٍ كَبِيرٍ) وَهُوَ مَا لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ وَلَا مِلْكِهِ كَالْفُرَاتِ مَثَلًا بِخِلَافِ النَّهْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ الشُّفْعَةَ لِاخْتِصَاصِ أَهْلِهَا بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ فَقَوْلُ الْوِقَايَةِ أَوْ مَاءٌ يَمُرُّ بِهِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ (فَهَدَرٌ) لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُوصَفُ بِالتَّقْصِيرِ (وَلَوْ) كَانَ الْقَتِيلُ (مُحْتَسِبًا بِالشَّاطِئِ فَعَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى) مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ لِلْقُرْبِ
(وَلَوْ فِي أَرْضٍ أَوْ دَارٍ مَوْقُوفَتَيْنِ عَلَى أَرْبَابٍ مَعْلُومَةٍ فَعَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالتَّدْبِيرِ فِيهِمَا (وَلَوْ) كَانَتْ مَوْقُوفَةً (عَلَى مَسْجِدِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ فَانْتَقَلَتْ عِنْدَهُمَا) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَخَلَصَتْ عِنْدَهُ أَيْ أَبِي يُوسُفَ
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا شَارِعُ الْمَحَلَّةِ) قَدْ اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَنَفَى انْقِسَامَ الشَّارِعِ إلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ فِي الْحُكْمِ بَلْ الشَّارِعُ وَاحِدٌ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ لُزُومَ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ بِاعْتِبَارِ تَرْكِ التَّدْبِيرِ وَالْحِفْظِ وَلَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْخُصُوصِ بِالتَّفَرُّقِ فِي الْمَحَلِّ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَلَا قَسَامَةَ فِي قَتِيلٍ يُوجَدُ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ وَلَا فِي شَوَارِعِ الْعَامَّةِ وَلَا فِي جُسُورِ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمِلْكُ وَلَا يَدُ الْخُصُوصِ اهـ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا مَا مَالَ فِي النَّافِعِ. . . إلَخْ الْحَمْلُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الْحَمْلُ الصَّحِيحُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِشَارِعِ الْمَحَلَّةِ مَا لَيْسَ نَافِذًا وَأُرِيدَ فِي كَلَامِ النَّافِعِ بِالشَّارِعِ الطَّرِيقُ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَكَذَا إذَا وُجِدَ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْمَحَلَّةِ لِمَا قُلْنَا فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي لُزُومِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ بِالْوُجْدَانِ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ عَلَى أَهْلِهَا وَعَدَمُ الْقَسَامَةِ فِي النَّافِذَةِ وَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ
(قَوْلُهُ وَفِي قَوْمٍ الْتَقَوْا بِالسَّيْفِ) الْمُرَادُ مُطْلَقُ السِّلَاحِ وَهَذَا إذَا كَانُوا غَيْرَ مُتَأَوِّلِينَ جِهَةَ حَقٍّ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ هَذَا إنْ كَانَ الْفَرِيقَانِ غَيْرَ مُتَأَوِّلَيْنِ اقْتَتَلُوا عَصَبِيَّةً وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكَيْنِ أَوْ خَوَارِجَ فَلَا شَيْءَ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ مِمَّنْ أَصَابَهُ الْعَدُوُّ (قَوْلُهُ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ) يَعْنِي أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ أَيْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَوْمِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ حَتَّى يُقِيمَ أَيْ الْوَلِيُّ الْبَيِّنَةَ
(قَوْلُهُ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ لِلْقُرْبِ) يَعْنِي بِحَيْثُ يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ
стр. 544
فَكَالْمَسْجِدِ) أَيْ كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ مَرَّ
(وَلَوْ) وُجِدَ (فِي مُعَسْكَرٍ فِي فَلَاةٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ فَفِي الْخَيْمَةِ وَالْفُسْطَاطِ عَلَى سَاكِنِيهِمَا، وَ) فِي (خَارِجِهِمَا إنْ كَانُوا) أَيْ سَاكِنُوا خَارِجِهِمَا (قَبَائِلَ فَعَلَى) قَبِيلَةٍ وُجِدَ (الْقَتِيلُ) فِيهَا وَلَوْ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ كَانَ كَمَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ (وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ) وَإِنْ نَزَلُوا جُمْلَةً مُخْتَلِفِينَ (فَعَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ) كُلِّهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَلُوا جُمْلَةً صَارَتْ الْأَمْكِنَةُ كُلُّهَا بِمَنْزِلَةِ مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ مَنْسُوبَةٍ إلَيْهِمْ فَتَجِبُ غَرَامَةُ مَا وُجِدَ فِي خَارِجِ الْخِيَامِ عَلَيْهِمْ (وَلَوْ) كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْعَسْكَرُ (مَمْلُوكَةً فَعَلَى الْمَالِكِ) أَيْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُمْ سُكَّانٌ وَلَا يُزَاحِمُونَ الْمَالِكَ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ
(جُرِحَ فِي حَيٍّ فَنُقِلَ إلَى أَهْلِهِ فَبَقِيَ ذَا فِرَاشٍ فَمَاتَ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْحَيِّ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْجُرْحَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ صَارَ قَتْلًا وَلِهَذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ (رَجُلٌ مَعَهُ جُرْحٌ بِهِ رَمَقٌ فَحَمَلَهُ آخَرُ إلَى أَهْلِهِ فَمَكَثَ زَمَانًا لَمْ يَضْمَنْ الْحَامِلُ) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ لِأَنَّ يَدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَحَلَّةِ فَوُجُودُهُ جَرِيحًا فِي يَدِهِ كَوُجُودِهِ فِيهَا
(رَجُلَانِ فِي بَيْتٍ بِلَا ثَالِثٍ وُجِدَ أَحَدُهُمَا قَتِيلًا ضَمِنَ الْآخَرُ دِيَتَهُ) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ
(وُجِدَ) قَتِيلٌ (فِي قَرْيَةِ امْرَأَةٍ كُرِّرَ الْحَلِفُ عَلَيْهَا وَتَدِي عَاقِلَتُهَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْقَسَامَةُ أَيْضًا عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهَا عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْهَا فَأَشْبَهَتْ الصَّبِيَّ وَلَهُمَا أَنَّ الْقَسَامَةَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ مُتَخَفِّفَةٌ
(بَطَلَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِقَتْلِ غَيْرِهِمْ) يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ غَيْرَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ مِنْ أَهْلِهَا لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِصَدَدِ أَنْ يَصِيرُوا خُصَمَاءَ وَقَدْ بَطَلَ بِدَعْوِي الْوَلِيِّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ كَالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ إذَا عُزِلَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَلَهُ أَنَّهُمْ خُصَمَاءُ بِإِنْزَالِهِمْ قَاتِلِينَ لِلتَّقْصِيرِ الصَّادِرِ مِنْهُمْ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الْخُصُومَةِ كَالْوَصِيِّ إذَا خَرَجَ مِنْ الْوِصَايَةِ بَعْدَمَا قَبِلَهَا ثُمَّ شَهِدَ (وَعَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ بَطَلَ شَهَادَتُهُمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَمَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَائِمَةٌ مَعَ الْكُلِّ عَلَى مَا ذُكِرَ وَالشَّاهِدُ يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ مُتَّهَمًا
[كِتَابُ الْمَعَاقِلِ]
(كِتَابُ الْمَعَاقِلِ) جَمْعُ مَعْقُلَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْقَافِ بِمَعْنَى الْعَقْلِ أَيْ الدِّيَةِ سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ الدِّمَاءَ مِنْ أَنْ تُسْفَكَ وَمِنْهُ الْعَقْلُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ عَنْ الْقَبَائِحِ
(الْعَاقِلَةُ) هُمْ الَّذِينَ يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ دِيَةُ الْقَتِيلِ خَطَأً (أَهْلُ الدِّيوَانِ لِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ تُؤْخَذُ مِنْ عَطِيَّاتِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ) وَهُمْ الْجَيْشُ الَّذِينَ كُتِبَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الدِّيوَانِ. هَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْعَشِيرَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ عَلَيْهِمْ وَلَا نَسْخَ بَعْدَهُ وَلِأَنَّهَا صِلَةٌ فَالْأَقَارِبُ أَوْلَى بِهَا كَالْإِرْثِ وَالنَّفَقَاتِ، وَلَنَا قَضِيَّةُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَفِي مُعَسْكَرٍ فِي فَلَاةٍ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ الْتَقَوْا قِتَالًا وَوُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَإِنْ كَانُوا لَقَوْا عَدُوَّهُمْ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَتِيلُهُمْ. اهـ.
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) أَيْ قَالَ لَا ضَمَانَ فِيهِ وَلَا قَسَامَةَ لِأَنَّ مَا حَصَلَ فِي تِلْكَ الْقَبِيلَةِ مَا دُونَ النَّفْسِ وَلَا قَسَامَةَ فِيهِ فَصَارَ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْجُرْحَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ. . . إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلُزُومِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي جُرِحَ فِيهِمْ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ وَتَدِي عَاقِلَتُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ وَتُشَارِكُ عَاقِلَتُهَا فِي الدِّيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ
(كِتَابُ الْمَعَاقِلِ) (قَوْلُهُ جَمْعُ مَعْقُلَةٍ بِمَعْنَى الْعَقْلِ) أَيْ الدِّيَةِ. لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الدِّيَةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ كِتَابُ الدِّيَاتِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكِتَابِ شَيْءٌ مِنْ بَيَانِ الدِّيَاتِ بَلْ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَهِيَ الْعَاقِلَةُ وَلِذَا تَرْجَمَ فِي الْبُرْهَانِ بِقَوْلِهِ بَابُ الْعَاقِلَةِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ الْعَاقِلَةُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَقْلِ وَهُوَ الْمَنْعُ وَلِهَذَا يُقَالُ لِمَا يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ عِقَالٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ النُّفُورِ وَمِنْهُ سُمِّيَ اللُّبُّ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ عَمَّا يَضُرُّهُ فَكَذَلِكَ عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ وَهُمْ أَهْلُ نُصْرَتِهِ مِمَّا يَمْنَعُونَهُ عَنْ قَتْلِ مَا لَيْسَ لَهُ قَتْلُهُ فَالْعَقْلُ الَّذِي هُوَ آلَةُ الْإِدْرَاكِ جَمْعُهُ عُقُولٌ وَالْعَقْلُ الَّذِي هُوَ الدِّيَةُ جَمْعُهُ الْمَعَاقِلُ وَمِنْهُ الْعَاقِلَةُ وَهُمْ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَقْلَ وَهُوَ الدِّيَةُ. اهـ.
(قَوْلُهُ الْعَاقِلَةُ هُمْ أَهْلُ الدِّيوَانِ) لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ فِي الدِّيوَانِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ الدِّيَةِ وَاخْتُلِفَ فِي دُخُولِهِمْ لَوْ بَاشَرُوا الْقَتْلَ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِي الْغَرَامَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُشَارِكُونَ الْعَاقِلَةَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ مِنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ) يَعْنِي لَا مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ وَنَظِيرُهُ وَلَدُ الْمَغْرُورِ فَإِنَّ قِيمَتَهُ لَا تَجِبُ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ قِيمَتُهُ بِالْقَضَاءِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
стр. 545
فَإِنَّهُ لَمَّا دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ فَكَانَ إجْمَاعًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَسْخٍ بَلْ تَقْرِيرُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ كَانَ عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ وَقَدْ كَانَتْ بِأَنْوَاعٍ كَالْوَلَاءِ وَالْحِلْفِ وَالْعَدِّ وَهُوَ أَنْ يُعَدَّ رَجُلٌ مِنْ قَبِيلَةٍ، وَفِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁ صَارَ بِالدِّيوَانِ فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِهِ اتِّبَاعًا لِلْمَعْنَى، وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ كَانَ الْيَوْمَ قَوْمٌ يَتَنَاصَرُونَ بِالْحِرَفِ فَعَاقِلَتُهُمْ أَهْلُ الْحِرْفَةِ، وَإِنْ كَانُوا يَتَنَاصَرُونَ بِالْحِلْفِ فَأَهْلُهُ، وَالدِّيَةُ صِلَةٌ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَكِنَّ إيجَابَهَا فِيمَا هُوَ صِلَةٌ وَهُوَ الْعَطَاءُ أَوْلَى مِنْ إيجَابِهَا فِي أُصُولِ أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَمَا تَحَمَّلَتْ الْعَاقِلَةُ إلَّا لِلتَّخْفِيفِ، وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ سِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁ (كَذَا مَا يَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ مِنْ الدِّيَةِ) يَعْنِي يُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عِنْدَنَا وَيَجِبُ حَالًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسَتَأْتِي أَمْثِلَتُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَإِنْ خَرَجَتْ) أَيْ الْعَطَايَا (لِأَكْثَرَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ (أَوْ أَقَلَّ) مِنْهَا (يُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ الْأَكْثَرُ أَوْ الْأَقَلُّ (وَالْحَيُّ) عَطْفٌ عَلَى أَهْلُ الدِّيوَانِ أَيْ الْعَاقِلَةُ الْقَبِيلَةُ (لِمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ هَكَذَا أَوْ حَيُّهُ لِمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ وَكَأَنَّهُ سَهْوٌ مِنْ النَّاسِخِ؛ لِأَنَّ ضَمِيرَ حَيِّهِ لِمَنْ وَلَا وَجْهَ لِإِرْجَاعِهِ إلَيْهِ فَالصَّوَابُ وَالْحَيُّ لِمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ (يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ) أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعَاقِلَةِ (فِي) مَجْمُوعِ (ثَلَاثِ سِنِينَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَطْ) بِحَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (فِي كُلِّ سَنَةٍ دِرْهَمٌ) لِيَكُونَ الْمَأْخُوذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ (أَوْ مَعَ ثُلُثٍ) أَيْ ثُلُثِ دِرْهَمٍ لِيَكُونَ الْمَأْخُوذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ
(وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْحَيُّ ضُمَّ إلَيْهِ أَقْرَبُ الْأَحْيَاءِ نَسَبًا الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ كَمَا فِي الْعَصَبَاتِ) وَأَمَّا الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ فَاخْتُلِفَ فِي دُخُولِهِمْ (وَالْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ الْجَانِي فَلَا مَعْنَى لِإِخْرَاجِهِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ.
(وَ) الْعَاقِلَةُ (لِلْمُعْتَقِ حَيُّ مَوْلَاهُ) لِأَنَّ نُصْرَتَهُ بِهِمْ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (وَلِمَوْلَى الْمُوَالَاةِ مَوْلَاهُ) الَّذِي عَاقَدَهُ (وَحَيُّهُ) أَيْ قَبِيلَةُ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ يَتَنَاصَرُونَ فَأَشْبَهَ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ (وَتَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ مَا يَجِبُ بِنَفْسِ الْقَتْلِ) الْأَصْلُ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ قَوْلُهُ ﷺ لِأَوْلِيَاءِ الضَّارِبَةِ قُومُوا فَدُوهُ قَالَهُ حِينَ ضَرَبَتْ امْرَأَةٌ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا فَرُفِعَ الْأَمْرُ إلَيْهِ ﷺ وَلِأَنَّ الْخَاطِئَ مَعْذُورٌ وَكَذَا الْمُبَاشِرُ شِبْهَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلْقَتْلِ، وَلِلنَّفْسِ احْتِرَامٌ لَا يَجُوزُ إهْدَارُهَا وَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ، وَفِي إيجَابِ مَالٍ عَظِيمٍ اسْتِئْصَالٌ لَهُ فَضُمَّ إلَيْهِ الْعَاقِلَةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَّرَ بِقُوَّةٍ فِيهِ وَهِيَ بِأَنْصَارِهِ وَهُمْ الْعَاقِلَةُ فَكَانُوا مُقَصِّرِينَ فِي تَرْكِ مُرَاقَبَتِهِ فَخُصُّوا بِهِ (وَقَدْرَ أَرْشِ مُوضِحَةٍ فَصَاعِدًا) لِمَا مَرَّ فِي فَصْلِ الشِّجَاجِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُوضِحَةِ فَصَاعِدًا الدِّيَةُ وَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ (لَا) أَيْ لَا يَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةَ (مَا يَجِبُ بِصُلْحٍ أَوْ إقْرَارٍ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ الْعَاقِلَةُ أَوْ عَمْدٍ سَقَطَ قَوَدُهُ بِشُبْهَةٍ أَوْ قَتَلَهُ ابْنُهُ عَمْدًا وَلَا جِنَايَةَ عَبْدٍ أَوْ عَمْدٍ وَمَا دُونَ أَرْشِ مُوضِحَةٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» وَلِأَنَّ التَّحَمُّلَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الِاسْتِئْصَالِ وَلَا اسْتِئْصَالَ فِي الْقَلِيلِ، وَالتَّقْدِيرُ الْفَاصِلُ عُرِفَ بِالسَّمْعِ وَمَا نَقَصَ عَنْهُ لَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ كَالْوَلَاءِ) يَعْنِي وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ (قَوْلُهُ وَالْحِلْفِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْحِلْفُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ الْعَهْدُ وَالْمُرَادُ بِهِ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ،.
وَفِي النِّهَايَةِ الْحِلْفُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْعَهْدُ يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَحَالَفُوا عَلَى التَّنَاصُرِ وَالْمُرَادُ هُنَا وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ (قَوْلُهُ وَالْعَدِّ وَهُوَ أَنْ يُعَدَّ الرَّجُلُ مِنْ قَبِيلَةٍ) يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلَتِهِمْ يُقَالُ فُلَانٌ عَدِيدُ بَنِي فُلَانٍ (قَوْلُهُ كَذَا مَا يَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ مِنْ الدِّيَةِ يَعْنِي يُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عِنْدَنَا) قَالَ النَّاطِفِيُّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَفِي مَالِهِ يُؤَدِّي كُلَّ سَنَةٍ ثَلَاثَ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةً كَمَا فِي الْمُجْتَبَى قَالَ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ أُسْتَاذِي الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قُلْت وَهَذَا حَسَنٌ لَا بُدَّ مِنْ حِفْظِهِ فَقَدْ رَأَيْتُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ يَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ خَرَجَتْ أَيْ الْعَطَايَا لِأَكْثَرَ مِنْهَا. . . إلَخْ)
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْعَطَايَا لِلسِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَتْ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالدِّيَةِ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهَا (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْعَصَبَاتِ) ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِدُخُولِ آبَاءِ الْقَاتِلِ وَأَبْنَائِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ دُخُولِهِمْ فَيَبْدَأُ بِالْإِخْوَةِ ثُمَّ بَنِيهِمْ ثُمَّ بِالْأَعْمَامِ كَذَلِكَ. . . إلَخْ (قَوْلُهُ وَالْعَاقِلَةُ لِلْمُعْتَقِ حَيُّ مَوْلَاهُ) يَعْنِي مَعَ مَوْلَاهُ وَعَلَيْهِ نَصَّ الْبُرْهَانُ بِقَوْلِهِ وَيَعْقِلُ عَنْ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ مَوْلَاهُ وَقَبِيلَتُهُ عِنْدَنَا كَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ اهـ.
وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَأَشْبَهَ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ.
стр. 546
(بَلْ الْجَانِي) وَلَوْ صَدَّقَ الْعَاقِلَةُ الْجَانِي لَزِمَتْهُمْ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمْ وَالِامْتِنَاعُ كَانَ لِحَقِّهِمْ وَلَهُمْ وِلَايَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ.
(وَمَنْ لَيْسَ لَهُ دِيوَانٌ وَلَا حَيٌّ فَعَاقِلَتُهُ بَيْتُ الْمَالِ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ عِصَامٌ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ فِي مَالِ الْجَانِي وَلَا يَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (وَلَا عَاقِلَةَ لِلْعَجَمِ) فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْعَجَمِ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ الْأَئِمَّةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا عَاقِلَةَ لِأَهْلِ الْعَجَمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ.
(كِتَابُ الْآبِقِ) لَا يَخْفَى مُنَاسَبَتُهُ لِكِتَابِ الْجِنَايَاتِ وَتَوَابِعِهَا وَهُوَ مَمْلُوكٌ فَرَّ مِنْ مَالِكِهِ قَصْدًا
(نُدِبَ أَخْذُهُ لِقَادِرٍ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ مَالِيَّتِهِ وَلِلْمَالِ حُرْمَةٌ كَالنَّفْسِ وَإِعَانَةً لِمَوْلَاهُ (وَاخْتُلِفَ فِي) (الضَّالِّ) قِيلَ أَخْذُهُ أَفْضَلُ إحْيَاءً لَهُ لِاحْتِمَالِ الضَّيَاعِ وَقِيلَ تَرْكُهُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ فَيَلْقَاهُ مَوْلَاهُ، وَإِنْ عَرَفَ الْوَاجِدُ بَيْتَ مَوْلَاهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَيْهِ (فَيَأْتِيَ) أَيْ الْآخِذُ (بِهِ) أَيْ بِالْآبِقِ (إلَى الْقَاضِي فَيَحْبِسَهُ) تَعْزِيرًا لَهُ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْآبِقِ ثَانِيًا، وَلِهَذَا لَا يُؤَجِّرُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْفَعَةٌ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيَجْعَلُهَا دَيْنًا عَلَى مَالِكِهِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ إذَا جَاءَ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ إذَا بِيعَ، وَلَا يُحْبَسُ الضَّالُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ وَلَا يَأْبَقُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْفَعَةٌ آجَرَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ (إلَى مَجِيءِ مَوْلَاهُ فَإِذَا جَاءَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ) أَنَّهُ لَهُ (قِيلَ عَلَى الْقَاضِي وَقِيلَ عَلَى مَنْ نَصَّبَهُ الْقَاضِي) لِحِفْظِ الْأَوَابِقِ وَنَحْوِهَا (يُحَلِّفُهُ) أَيْ الْقَاضِي أَوْ مَنْ يُنَصِّبُهُ الْمَوْلَى (بِاَللَّهِ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ) بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ. قِيلَ) يَدْفَعُهُ (بِالْكَفِيلِ) لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ (وَقِيلَ لَا) لِكَوْنِ الدَّفْعِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ (وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا) عَطْفٌ عَلَى أَقَامَ الْبَيِّنَةَ (وَأَقَرَّ) أَيْ الْعَبْدُ (أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ وَصَفَ) الْمَوْلَى (عَلَامَتَهُ وَحِيلَتَهُ دَفَعَهُ) الْقَاضِي (إلَيْهِ بِالْكَفِيلِ، وَإِنْ) (أَنْكَرَ الْمَوْلَى إبَاقَهُ) مَخَافَةَ أَخْذِ الْجُعْلِ مِنْهُ (يَحْلِفُ) بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ (وَيُدْفَعُ) إلَيْهِ (فَإِنْ طَالَ مَجِيئُهُ) أَيْ مَجِيءُ الْمَوْلَى (بَاعَهُ الْقَاضِي، وَإِنْ عَلِمَ مَكَانَهُ) لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ الْمَوْلَى بِكَثْرَةِ النَّفَقَةِ (وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ) أَيْ الْآبِقِ (مِنْهُ) أَيْ الثَّمَنِ (وَدَفَعَ الْبَاقِيَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَوْلَى (إنْ أَثْبَتَ) أَنَّ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ (أَوْ بَيَّنَ الْحِلْيَةَ وَالْعَلَامَةَ وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْلَى (فَسْخُهُ) أَيْ فَسْخُ بَيْعِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِأَمْرِ الشَّرْعِ كَحُكْمِهِ لَا يُنْقَضُ، وَإِنْ زَعَمَ الْمَوْلَى أَنَّهُ كَانَ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ كَذَا فِي فَتَاوَى الْمَسْعُودِيِّ.
(وَلِمُوَصَّلِهِ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الْآتِي أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (إلَيْهِ) أَيْ لِرَادِّ الْآبِقِ إلَى مَوْلَاهُ سَوَاءٌ كَانَ الْآبِقُ عَبْدًا (مَحْجُورًا أَوْ مَأْذُونًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّهُمْ مَمْلُوكُونَ فَيَحْصُلُ بِهِ إحْيَاءُ الْمَالِيَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ يَدًا كَمَا سَيَأْتِي (مِنْ مُدَّةِ سَفَرٍ أَوْ أَكْثَرَ) يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَصِّلِ (أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ لَمْ يَعْدِلْهَا) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْهُ (إنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِلرَّدِّ) وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلَا شَيْءَ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَ) لِمُوَصَّلِهِ (مِنْ أَقَلَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَلَوْ صَدَّقَ الْعَاقِلَةُ الْجَانِيَ لَزِمَتْهُمْ الدِّيَةُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَكَذَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ أَوْ الْمُقِرُّ اهـ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مَعَ الْإِقْرَارِ هُنَا (قَوْلُهُ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ دِيوَانٌ وَلَا حَيٌّ فَعَاقِلَتُهُ بَيْتُ الْمَالِ) ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَا يَعْقِلُ مَنْ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْمِيرَاثِ بِأَنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا فَقَالَ: لَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ مُعْتِقُهُ فَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مُعْتَقَهُ رَقِيقٌ فِي الْحَالِ وَلَوْ جَنَى هَذَا الْمُعْتَقُ فَعَقْلُ جِنَايَتِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ لَهُ وَارِثًا مَعْرُوفًا وَهُوَ الْمُعْتِقُ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ مِيرَاثَهُ لِأَجَلِ الرِّقِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.
[كِتَابُ الْآبِقِ]
(كِتَابُ الْآبِقِ) (قَوْلُهُ فَيَأْتِي أَيْ الْآخِذُ بِهِ أَيْ بِالْآبِقِ إلَى الْقَاضِي) يَعْنِي إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ حَفِظَهُ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ فَيَحْبِسُهُ) لَيْسَ الْمُرَادُ حَبْسُهُ ابْتِدَاءً بَلْ إذَا رَفَعَهُ إلَيْهِ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ يَحْبِسُهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَلِمُوَصَّلِهِ. . . إلَخْ) شَامِلٌ لِمَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً يُوَلِّدُهَا فَلَهُ جُعْلٌ وَاحِدٍ مَا لَمْ يَكُنْ وَلَدُهَا مُرَاهِقًا فَيَجِبُ ثَمَانُونَ دِرْهَمًا (قَوْلُهُ وَلِمُوَصَّلِهِ مِنْ أَقَلَّ
стр. 547
مِنْهَا) أَيْ مُدَّةِ السَّفَرِ (بِقِسْطِهِ) أَيْ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ يُوَزَّعُ عَلَى الْمُعَوَّضِ ضَرُورَةَ الْمُقَابَلَةِ.
(وَفِي الْأَخِيرَيْنِ) أَيْ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ (إذَا مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ وُصُولِهِمَا إلَيْهِ فَلَا جُعْلَ لَهُ) لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ فَتَكُونُ حُرَّةً وَلَا جُعْلَ فِي الْحُرِّ وَكَذَا الْمُدَبَّرُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَكَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ إذْ الْإِعْتَاقُ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ مُكَاتَبٌ وَلَا جُعْلَ فِي الْمُكَاتَبِ كَمَا سَيَأْتِي (فَإِنْ) (أَشْهَدَ) أَيْ آخِذُ الْآبِقِ بِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ إلَى مَوْلَاهُ (وَأَبَقَ مِنْهُ) (لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَتَعَدَّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ (ضَمِنَ) لِأَنَّهُ غَاصِبٌ (وَلَا شَيْءَ لَهُ) فِي الْوَجْهَيْنِ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ إلَى مَوْلَاهُ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ بِتَرْكِهِ الْإِشْهَادَ صَارَ غَاصِبًا. هَذَا عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلَا يَضْمَنُ وَيَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ إذَا رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ وَفِي اللُّقَطَةِ (لَا جُعْلَ بِرَدِّ الْمُكَاتَبِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ يَدًا (وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ جُعْلُ الرَّهْنِ) لِأَنَّ وُجُوبَ الْجُعْلِ لِلرَّادِّ بِإِصَابَةِ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ، وَمَالِيَّتُهُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ إذْ مُوجَبُ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ مِنْ الْمَالِيَّةِ فَكَانَ الرَّادُّ عَامِلًا لَهُ فَيَجِبُ الْجُعْلُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ رُدَّ بَعْدَ مَوْتِ الرَّاهِنِ) إذْ الرَّهْنُ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَهَذَا إذَا (كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ وَفِي الْأَكْثَرِ قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ وَالْبَاقِي عَلَى الرَّاهِنِ) لِأَنَّ حَقَّهُ بِالْقَدْرِ الْمَضْمُونِ وَصَارَ كَثَمَنِ الدَّوَاءِ وَالتَّخْلِيصِ عَنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِالْقَدْرِ الْمَضْمُونِ فِيهِ (وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا فَعَلَى) أَيْ الْجُعْلُ عَلَى (الْمَوْلَى إنْ اخْتَارَ الْقَضَاءَ) أَيْ قَضَاءَ مَا عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الدَّيْنِ (وَإِنْ أَبَى) مِنْ الْقَضَاءِ (بِيعَ) الْعَبْدُ (فَبُدِئَ بِالْجُعْلِ) أَيْ أَخَذَ صَاحِبُ الْجُعْلِ جُعْلَهُ أَوَّلًا (وَالْبَاقِي لِلْغُرَمَاءِ) لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ فَتَجِبُ عَلَى مَنْ يَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ لَهُ (وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (جَانِيًا فَعَلَى الْمَوْلَى الْفِدَاءُ) أَيْ الْجُعْلُ عَلَى الْمَوْلَى إنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ؛ لِأَنَّهُ طَهَّرَهُ عَنْ الْجِنَايَةِ بِاخْتِيَارِهِ الْفِدَاءَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّادَّ أَحْيَا مَالِيَّتَهُ (وَالْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّفْعِ) أَيْ الْجُعْلُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ إنْ اخْتَارَ الْمَوْلَى دَفْعَ الْعَبْدِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَحْيَا حَقَّهُمْ (وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (مَوْهُوبًا فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ الرَّدِّ) لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عِنْدَ الرَّدِّ فَزَوَالُهُ بِالرُّجُوعِ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ وَهُوَ تَرَكَ التَّصَرُّفَ فِيهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوَاجِبُ بِالرَّدِّ (وَإِنْ كَانَ لِصَبِيٍّ فَفِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ (وَإِنْ رَدَّهُ وَصِيُّهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ) لِأَنَّ تَدْبِيرَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِهِ (أَبَقَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي) أَيْ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ (إنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَرْجِعَ) الْآبِقُ (أَوْ رَفَعَ) الْأَمْرَ (إلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ) الْعَقْدَ بِحُكْمِ عَجْزِ الْبَائِعِ عَنْ التَّسْلِيمِ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي فِي بَابِ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ.
(كِتَابُ الْمَفْقُودِ) (هُوَ) لُغَةً مِنْ فَقَدْت الشَّيْءَ غَابَ عَنِّي وَأَنَا فَاقِدٌ وَهُوَ مَفْقُودٌ وَاصْطِلَاحًا (غَائِبٌ لَمْ يُدْرَ أَثَرُهُ) أَيْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ هُوَ (وَلَمْ يُسْمَعْ خَبَرُهُ) أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ (حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ) بِالِاسْتِصْحَابِ (فَلَا نِكَاحَ لِعُرْسِهِ) لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ
(وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ حَالُهُ) لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ الْحَيَاةُ وَالْقِسْمَةُ بَعْدَ الْمَمَاتِ (وَلَا تُفْسَخُ إجَارَتُهُ) لِأَنَّهَا لَا تُفْسَخُ قَبْلَ الْمَوْتِ.
(وَيُقِيمُ الْقَاضِي
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
مِنْهَا بِقِسْطِهِ) أَيْ فَيُقْسَمُ الْأَرْبَعُونَ عَلَى الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُرْضَخُ إذَا وَجَدَهُ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمِصْرِ ثُمَّ إنْ اتَّفَقَا فِي الرَّضْخِ وَإِلَّا فَالْإِمَامُ يُقَدِّرُهُ (قَوْلُهُ وَإِنْ رَدَّهُ وَصِيُّهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ) كَذَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ وَالِابْنُ إلَى أَحَدِهِمَا وَمَنْ فِي عِيَالِ سَيِّدِهِ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَمَنْ يَعُولُ الْيَتِيمَ وَمَنْ اسْتَعَانَ بِهِ الْمَالِكُ فِي رَدِّهِ إلَيْهِ وَالسُّلْطَانُ وَالشِّحْنَةُ وَالْخَفِيرُ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ.
[كِتَابُ الْمَفْقُودِ]
(كِتَابُ الْمَفْقُودِ) (قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً مِنْ فَقَدْت الشَّيْءَ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْفَقْدِ وَالِاسْمُ فِي اللُّغَةِ مِنْ الْأَضْدَادِ تَقُولُ فَقَدْتُ الشَّيْءَ أَيْ أَضْلَلْتُهُ وَفَقَدْته أَيْ طَلَبْته وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ يَتَحَقَّقُ فِي الْمَفْقُودِ فَقَدْ ضَلَّ عَنْ أَهْلِهِ وَهُمْ فِي طَلَبِهِ
стр. 548
مَنْ يَقْبِضُ حَقَّهُ) الْكَائِنَ فِي ذِمَمِ النَّاسِ (وَيَحْفَظُ مَالَهُ وَيَبِيعُ مَا يَخَافُ فَسَادُهُ) لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ نَاظِرًا لِكُلِّ عَاجِزٍ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَفْقُودِ كَذَلِكَ وَفِي نَصْبِ الْحَافِظِ لَهُ وَالْقَائِمِ عَلَيْهِ نَظَرٌ لَهُ فَإِنَّهُ يَقْبِضُ غَلَّاتِهِ وَالدَّيْنَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ غَرِيمٌ مِنْ غُرَمَائِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ وَيُخَاصِمُ فِي كُلِّ دَيْنٍ وَجَبَ بِعَقْدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي حُقُوقِهِ وَلَا يُخَاصِمُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي تَوَلَّاهُ الْمَفْقُودُ وَلَا فِي نَصِيبٍ لَهُ فِي عَقَارٍ أَوْ عُرُوضٍ فِي يَدِ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ عَنْهُ بَلْ هُوَ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي وَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ فِي الدَّيْنِ، فَإِنْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى الْمَفْقُودِ حَقًّا مِنْ الْحُقُوقِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَاهُ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ بَيِّنَةٌ وَلَمْ يَكُنْ وَكِيلُ الْقَاضِي وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ خَصْمًا، وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ وَحَكَمَ بِذَلِكَ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَيُنْفِقُ عَلَى أَقْرِبَائِهِ بِالْوَلَاءِ كَوَلَدِهِ وَأَبَوَيْهِ وَعُرْسِهِ) لِمَا مَرَّ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ. الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ حَالَ حُضُورِهِ بِلَا قَضَاءِ الْقَاضِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ إعَانَةً وَكُلُّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فِي حُضُورِهِ إلَّا بِالْقَضَاءِ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ تَجِبُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ (لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) أَيْ بَيْنَ الْمَفْقُودِ وَعُرْسِهِ «لِقَوْلِهِ ﷺ إنَّهَا امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْبَيَانُ» (وَلَوْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ) وَعِنْدَ مَالِكٍ إذَا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ (وَمَيِّتٌ) عَطْفٌ عَلَى حَيٌّ (فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا يَرِثُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ إذَا مَاتَ الْمُوصِي) (بَلْ يُوقَفُ قِسْطُهُ مِنْ مَالِ مُوَرِّثِهِ وَمُوصِيهِ إلَى مَوْتِ أَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ) اُخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ مُدَّةِ حَيَاتِهِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَا ذَكَرَ هُنَا فَإِنَّ مَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَطَرِيقُهُ فِي الشَّرْعِ الرُّجُوعُ إلَى مِثَالِهِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَمَهْرِ مِثْلِ النِّسَاءِ، وَبَقَاؤُهُ بَعْدَ كُلِّ أَقْرَانِهِ نَادِرٌ وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الظَّاهِرِ الْغَالِبِ وَاعْتُبِرَ أَقْرَانُهُ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ التَّفَحُّصَ عَنْ حَالِ الْأَقْرَانِ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ خَارِجٌ عَنْ الْإِمْكَانِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخْتَارُ أَنْ يُفَوَّضَ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ، وَكَذَا غَلَبَةُ الظَّنِّ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَإِنَّ الْمَلِكَ الْعَظِيمَ إذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فِي أَدْنَى مُدَّةٍ أَنَّهُ مَاتَ لَا سِيَّمَا إذَا دَخَلَ مَهْلَكَةً وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي مُدَّتِهِ إلَّا اخْتِلَافَ آرَائِهِمْ فِيهِ فَلَا مَعْنَى لِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ لَهُ (فَإِنْ ظَهَرَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ مَوْتِ أَقْرَانِهِ (حَيًّا) (فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْقِسْطُ الْمَوْقُوفُ (وَبَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِ أَقْرَانِهِ (يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ فِي) حَقِّ (مَالِهِ يَوْمَ تَمَّتْ الْمُدَّةُ) الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَالِهِ أَيْ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ فِي حَقِّ مَالِهِ الَّذِي فِي يَدِهِ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا يَوْمَ تَمَامِ الْمُدَّةِ (فَتَعْتَدُّ عُرْسُهُ) لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ الْآنَ مَاتَ (لِلْمَوْتِ) يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (وَيُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ مَنْ يَرِثُهُ الْآنَ) وَلَا يَرِثُهُ وَارِثٌ مَاتَ قَبْلَ الْمُدَّةِ.
(وَفِي مَالِ غَيْرِهِ) عَطْفٌ عَلَى فِي مَالِهِ أَيْ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ فِي حَقِّ مَالِ غَيْرِهِ (مِنْ حِينِ فُقِدَ) حَتَّى لَا يَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِينِ مَالِكًا لِمَالِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَيُخَاصِمُ) يَعْنِي الْوَكِيلَ فِي كُلِّ دَيْنٍ وَجَبَ بِعَقْدِهِ أَيْ عَقْدِ الْوَكِيلِ (قَوْلُهُ فَإِنْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى الْمَفْقُودِ حَقًّا. . . إلَخْ) مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يُخَاصِمُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي تَوَلَّاهُ الْمَفْقُودُ. . . إلَخْ (قَوْلُهُ وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ إلَى قَوْلِهِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) أَقُولُ نَعَمْ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِشْكَالِ عَلَى مَا نَصَّ فِي الْمَذْهَبِ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يُخَاصِمُ فِي دَيْنٍ لَمْ يُقِرَّ بِهِ الْغَرِيمُ إلَى أَنْ قَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضَمُّنِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ، ثُمَّ قَالَ فَإِذَا كَانَ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا فَلَوْ قَضَى بِهِ قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنْ قِيلَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ نَفْسُ الْقَضَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ نَفَاذُهُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاضِي مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ سَبَبُ الْقَضَاءِ وَهُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هَلْ تَكُونُ حُجَّةً مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ أَمْ لَا فَإِذَا رَآهَا الْقَاضِي حُجَّةً وَقَضَى بِهَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ. هَكَذَا ذَكَرَ هُنَا وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ وَإِلَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ أَبَدًا فَإِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ حَتَّى يُنْفِذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي وَاقِعَةٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ حَيْثُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَنْفِيذِ أَحَدٍ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا قَبْلَ الْحُكْمِ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَيُنْفِقُ عَلَى أَقْرِبَائِهِ بِالْوَلَاءِ. . . إلَخْ) يَعْنِي مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَا ذَكَرَ هُنَا) هَكَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْبُرْهَانُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ كَمَا فِي ابْنِ الضِّيَاءِ.
وَفِي الْبُرْهَانِ وَحُكِمَ بِمَوْتِهِ بَعْدَ تِسْعِينَ سَنَةً عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَالْأَرْفَقُ بِالنَّاسِ التَّقْدِيرُ بِتِسْعِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْمَقَادِيرِ وَالْفَحْصُ عَنْ حَالِ الْأَقْرَانِ أَنَّهُمْ مَاتُوا أَوْ لَا غَيْرُ مُمْكِنٍ أَوْ فِيهِ حَرَجٌ.
стр. 549
الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ مَيِّتٌ وَالْمَيِّتُ لَا يَمْلِكُ مَالًا (فَيُرَدُّ مَا وُقِفَ لَهُ إلَى مَنْ يَرِثُ مُوَرِّثَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ) لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِهَذَا الْمَالِ الْمَوْقُوفِ إلَى الْآنَ، وَذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَالِ حُجَّةٌ دَافِعَةٌ لَا مُثْبِتَةٌ فَالْمَفْقُودُ قَبْلَ الْمُدَّةِ حَيٌّ فَلَا يَرِثُهُ الْوَارِثُ الَّذِي كَانَ حَيًّا وَقْتَ فَقْدِهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا فَيَصْلُحُ حُجَّةً لِدَفْعِ أَنْ يَرِثَهُ الْغَيْرُ وَفِي مَالِ غَيْرِهِ مَيِّتٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ لِلْحُجِّيَّةِ لِإِيجَابِ إرْثِهِ مِنْ الْغَيْرِ فَيُرَدُّ مَا وُقِفَ لِلْمَفْقُودِ إلَى مَنْ يَرِثُ مُوَرِّثَهُ يَوْمَ مَوْتِهِ (لَيْسَ لِلْقَاضِي تَزْوِيجُ أَمَةِ الْغَائِبِ وَالْمَجْنُونِ وَعَبْدِهِمَا وَلَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُمَا وَيَبِيعَهُمَا) كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ.
(كِتَابُ اللَّقِيطِ) وَهُوَ لُغَةً مَا يُلْقَطُ أَيْ يُرْفَعُ مِنْ الْأَرْضِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَنْبُوذِ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُلْقَطُ، وَشَرْعًا مَوْلُودٌ طَرَحَهُ أَهْلُهُ خَوْفًا مِنْ الْعَيْلَةِ أَوْ فِرَارًا مِنْ التُّهْمَةِ
(نُدِبَ رَفْعُهُ) إنْ لَمْ يُخَفْ هَلَاكُهُ بِأَنْ وُجِدَ فِي الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ الشَّفَقَةِ عَلَى الْأَطْفَالِ وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ (وَوَجَبَ إنْ خِيفَ هَلَاكُهُ) بِأَنْ وُجِدَ فِي مَفَازَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَهَالِكِ كَمَنْ رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي الْبِئْرِ وَنَحْوِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ عَنْ الْوُقُوعِ، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَعْضِ (وَهُوَ حُرٌّ إلَّا بِحُجَّةِ رِقِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي آدَمَ الْحُرِّيَّةُ لِكَوْنِهِمْ أَوْلَادَ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا الْحُرِّيَّةُ ثُمَّ إنَّهُ حُرٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ حَتَّى إنَّ قَاذِفَهُ يُحَدُّ لَا قَاذِفَ أُمِّهِ لِوُجُودِ وَلَدٍ مِنْهَا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ (وَنَفَقَتُهُ وَجِنَايَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَإِرْثُهُ لَهُ) لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ (إنْفَاقُ الْمُلْتَقِطِ عَلَيْهِ تَبَرُّعٌ لَا يَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ) أَيْ اللَّقِيطِ (وَإِنْ أَمَرَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطَ (الْقَاضِي بِهِ) أَيْ بِالْإِنْفَاقِ (فِي الْأَصَحِّ إلَّا أَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ يَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ دَيْنًا عَلَى اللَّقِيطِ يَرْجِعُ بِهِ الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ أَمْرِ الْقَاضِي بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ يَكْفِي فِي الرُّجُوعِ عَلَى اللَّقِيطِ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ كَمَا إذَا قَضَى دَيْنًا عَلَى شَخْصٍ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَفِي الْأَصَحِّ لَا يَرْجِعُ إلَّا إذَا صَرَّحَ بِمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَهُ قَدْ يَكُونُ لِلْحَثِّ وَالتَّرْغِيبِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ (فَإِنْ ادَّعَى الْمُلْتَقِطُ الْإِنْفَاقَ كَمَا ذَكَرَ) أَيْ بِقَوْلِ الْقَاضِي عَلَى أَنْ يَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ (فَكَذَّبَهُ) أَيْ اللَّقِيطُ الْمُلْتَقِطَ (لَا يَرْجِعُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) بِخِلَافِ الْوَصِيِّ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الصَّغِيرِ حَيْثُ يُصَدَّقُ فِي الْإِنْفَاقِ الْمُتَعَارَفِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ (أَبَى الْمُلْتَقِطُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ) أَيْ الْقَاضِي (لَا يَقْبَلُهُ) أَيْ اللَّقِيطَ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى كَوْنِهِ لَقِيطًا) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ أَوْ بَعْضَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَاحْتَالَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ لِيَدْفَعَ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَإِذَا أَقَامَهَا قَبِلَهَا الْقَاضِي بِلَا خَصْمٍ حَاضِرٍ (وَبَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ (الْأَوْلَى قَبُولُهُ إنْ عَلِمَ عَجْزَهُ) أَيْ عَجْزَ الْمُلْتَقِطِ (فَإِنْ) أَيْ بَعْدَمَا قَبِلَهُ إنْ (وَضَعَهُ) أَيْ الْقَاضِي (عِنْدَ آخَرَ فَطَلَبَهُ الْأَوَّلُ) (فَهُوَ) أَيْ الْقَاضِي (مُخَيَّرٌ) بَيْنَ الدَّفْعِ وَعَدَمِهِ (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ آخِذِهِ) لِسَبْقِهِ فِي الْأَخْذِ (وَإِنْ دَفَعَهُ) أَيْ آخِذُهُ (إلَى آخَرَ لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ) لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ.
(وَنَسَبُهُ) يَثْبُتُ (مِمَّنْ ادَّعَاهُ وَلَوْ) كَانَ الْمُدَّعِي (رَجُلَيْنِ) فَيَكُونُ وَلَدًا لَهُمَا كَمَا فِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ (أَوْ) يَثْبُتُ (مِمَّنْ يَصِفُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[كِتَابُ اللَّقِيطِ]
ِ) (قَوْلُهُ بِأَنْ يُوجَدَ فِي الْأَمْصَارِ) الْمُرَادُ وُجْدَانُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ سَوَاءٌ كَانَ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً (قَوْلُهُ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَعْضِ) أَقُولُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَنَسَبُهُ يَثْبُتُ مِمَّنْ ادَّعَاهُ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَدَّعِهِ الْمُلْتَقِطُ اسْتِحْسَانًا وَيَكُونُ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ مِنْ الْمُلْتَقِطِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَصِحُّ فِي حَقِّ النَّسَبِ دُونَ إبْطَالِ الْيَدِ لِلْمُلْتَقِطِ، وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُلْتَقِطُ فَدَعْوَةُ الْمُلْتَقِطِ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا وَالْآخَرُ مُسْلِمًا كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، ثُمَّ قَالَ وَالْمُسْلِمُ أَحَقُّ مِنْ الذِّمِّيِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهُ إذَا كَانَ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَالذِّمِّيُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْإِسْلَامِ يَكُونُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ وَلَا اسْتِوَاءَ، وَكَذَا الْعَبْدُ لَا يَتَرَجَّحُ بِالسَّيِّدِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلَيْنِ) أَقُولُ بِأَنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا مِنْ يَدٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ ذِكْرِ عَلَامَةٍ. اهـ.
أَقُولُ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ وَلَوْ سَبَقَتْ دَعْوَةُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ ابْنُهُ لِعَدَمِ النِّزَاعِ وَلَوْ ادَّعَى الْآخَرُ بَعْدَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ
стр. 550
مِنْهُمَا) أَيْ الرَّجُلَيْنِ الْمُدَّعِيَيْنِ (عَلَامَةً بِهِ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وَلَدًا لِلْوَاصِفِ دُونَ الْآخَرِ (أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ) عَطْفٌ عَلَى رَجُلَيْنِ أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي امْرَأَةً ذَاتَ زَوْجٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَلَدًا لَهَا (إنْ صَدَّقَهَا) أَيْ الزَّوْجُ (أَوْ بَرْهَنَتْ) هِيَ عَلَى أَنَّهُ وَلَدُهَا (أَوْ) كَانَ الْمُدَّعِي (امْرَأَتَيْنِ فَبَرْهَنَتْ كُلٌّ) عَلَى أَنَّهُ وَلَدُهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ وَلَدًا لَهُمَا (أَوْ عَبْدًا) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي عَبْدًا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ (فَيَكُونُ حُرًّا) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ الْحُرِّيَّةُ (أَوْ ذِمِّيًّا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ فَيَكُونُ مُسْلِمًا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَرِّهِمْ) أَيْ مَقَرِّ الذِّمِّيِّينَ بَلْ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ أَوْ مَوْضِعٍ فِيهِ كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ (وَذِمِّيًّا إنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ مَقَرِّ الذِّمِّيِّينَ بِأَنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ بَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ (مَا شُدَّ عَلَيْهِ) مِنْ الْمَالِ (أَوْ عَلَى دَابَّةٍ هُوَ عَلَيْهَا لَهُ) أَيْ لِلَّقِيطِ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ (صَرَفَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ ذَلِكَ الْمَالَ (إلَيْهِ) أَيْ اللَّقِيطِ (بِأَمْرِ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ وَلِلْقَاضِي وِلَايَةُ صَرْفِ مِثْلِهِ إلَيْهِ (وَقِيلَ بِدُونِهِ) لِأَنَّهُ لِلَّقِيطِ ظَاهِرًا وَلَهُ وِلَايَةُ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ (لِلْمُلْتَقِطِ قَبْضُ هِبَتِهِ) أَيْ مَا وُهِبَ لِلَّقِيطِ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ (وَنَقْلُهُ حَيْثُ شَاءَ) ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ (وَتَسْلِيمُهُ فِي حِرْفَةٍ) لِأَنَّهُ مِنْ تَأْدِيبِهِ وَحِفْظِ حَالِهِ (لَا إنْكَاحُهُ) لِانْتِفَاءِ سَبَبِ الْوِلَايَةِ مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ وَالْحُكُومَةِ (وَلَا تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ) كَالْأُمِّ فَإِنَّ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِتَثْمِيرِ الْمَالِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالرَّأْيِ الْكَامِلِ وَالشَّفَقَةِ الْوَافِرَةِ وَالْمَوْجُودُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَحَدُهُمَا.
(وَ) لَا (إجَارَتُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إتْلَافَ مَنَافِعِهِ فَأَشْبَهَ الْعَمَّ بِخِلَافِ الْأُمِّ فَإِنَّهَا تَمْلِكُهَا كَمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ (فِي الْأَصَحِّ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ تَجُوزُ إجَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَأْدِيبِهِ وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَلَا أَنْ يَخْتِنَهُ، فَإِنْ فَعَلَ وَهَلَكَ بِهِ ضَمِنَ) كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(كِتَابُ اللُّقَطَةُ) وَهِيَ اسْمُ اللَّقِيطِ فِي الْمَعْنَى لَكِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ اللَّقِيطِ فِي الْآدَمِيِّ وَاللُّقَطَةِ فِي غَيْرِهِ
(نُدِبَ رَفْعُهَا لِصَاحِبِهَا) لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا رُبَّمَا تَصِلُ إلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ فَتَكْتُمُهَا عَنْ مَالِكِهَا فَيَضِيعُ مَالُهُ فَكَانَ رَفْعُهَا وَسِيلَةً إلَى إيصَالِ الْحَقِّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَلِهَذَا قَالُوا يَجِبُ إذَا خَافَ الضَّيَاعَ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ) بِأَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا (وَعَرَّفَ) فِي مَكَانِ وُجِدَتْ فِيهِ وَفِي الْجَامِعِ بِأَنْ يُنَادِيَ إنِّي وَجَدْت لُقَطَةً لَا أَدْرِي مَالِكَهَا فَلْيَأْتِ مَالِكُهَا وَلْيَصِفْهَا لِأَرُدَّهَا عَلَيْهِ (إلَى أَنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا أَوْ أَنَّهَا تَفْسُدُ) إنْ بَقِيَتْ بَعْدَ هَذَا كَالْأَطْعِمَةِ الْمُعَدَّةِ لِلْأَكْلِ وَبَعْضِ الثِّمَارِ (كَانَتْ أَمَانَةً) عِنْدَهُ حَتَّى إذَا هَلَكَتْ بِلَا تَعَدٍّ لَمْ يَضْمَنْ (قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ وَأُخِذَتْ مِنْ الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ تَعْرِيفُ لُقَطَةِ الْحَرَمِ إلَى أَنْ يَجِيءَ صَاحِبُهَا (فَيَنْتَفِعَ) أَيْ الرَّافِعُ (بِهَا) أَيْ بِاللُّقَطَةِ (لَوْ فَقِيرًا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا) عَلَى فَقِيرٍ (وَلَوْ عَلَى أَصْلِهِ) مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ الْفُقَرَاءِ (وَفَرْعِهِ) مِنْ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ الْفُقَرَاءِ (وَعُرْسِهِ) الْفَقِيرَةِ (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَجَازَهُ) أَيْ التَّصَدُّقَ (وَلَهُ أَجْرُهُ) أَيْ الثَّوَابِ (أَوْ أَخَذَهَا مِنْ الْفَقِيرِ لَوْ) كَانَتْ (قَائِمَةً وَإِلَّا ضَمَّنَ) صَاحِبُهَا (الْآخِذَ أَوْ الْفَقِيرَ بِلَا رُجُوعٍ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي إنْ ضَمَّنَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَذِمِّيًّا إنْ كَانَ فِيهِ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْقُصُورِ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ لَهُ مِنْ مَقَرِّ الذِّمِّيِّينَ مُسْلِمًا وَذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَفِي كِتَابِ اللَّقِيطِ الْعِبْرَةُ لِلْمَكَانِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعِبْرَةُ لِلْوَاجِدِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَيُّهُمَا كَانَ مُوجِبًا لِإِسْلَامِهِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ وَفِي رِوَايَةٍ يُحَكَّمُ زِيُّهُ اهـ.
وَفِي الْبُرْهَانِ فَإِنْ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ فِي مَوَاضِعِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ مُسْلِمًا، وَإِنْ ادَّعَاهُ ذِمِّيٌّ وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِاحْتِيَاجِهِ لِلنَّسَبِ أَوْ وَجَدَهُ ذِمِّيٌّ فِي مَوَاضِعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانَ ذِمِّيًّا رِوَايَةً وَاحِدَةً أَوْ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ فِي مَوْضِعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَاعْتِبَارُ الْمَكَانِ أَوْ اعْتِبَارُ الْوَاجِدِ أَوْ الْإِسْلَامِ أَوْ الزِّيِّ رِوَايَاتٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَسْلَمُهَا الْإِسْلَامُ، وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ. .
[كِتَابُ اللُّقَطَةُ]
(كِتَابُ اللُّقَطَةِ) (قَوْلُهُ نُدِبَ رَفْعُهَا) هَذَا إذَا كَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّمَعَ فِيهَا بِأَنْ يَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ وَإِلَّا فَالتَّرْكُ أَفْضَلُ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ (قَوْلُهُ وَعَرَّفَ إلَى أَنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا) هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ يُعَرِّفُ الْمِائَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا حَوْلًا وَالْعَشَرَةَ فَمَا فَوْقَهَا شَهْرًا وَمَا دُونَهَا إلَى ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَيَّامًا عَشَرَةً أَوْ شَهْرًا وَيُعَرِّفُ الثَّلَاثَةَ إلَى الدِّرْهَمِ جُمُعَةً أَوْ ثَلَاثًا وَالدِّرْهَمَ يَوْمًا وَالْفَلْسَ بِالنَّظَرِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، ثُمَّ يَضَعُهُ فِي كَفِّ فَقِيرٍ أَوْ يُعَرِّفُهَا حَوْلًا مُطْلَقًا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ زَادَ عَلَى السَّنَةِ وَنَقَصَ مِنْهَا كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَأُخِذَتْ مِنْ الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ. . . إلَخْ) يَعْنِي أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَلَوْ أُخِذَتْ مِنْ الْحَرَمِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْتَفِعُ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَإِنَّمَا يُعَرِّفُ أَبَدًا إلَى أَنْ يَجِيءَ صَاحِبُهَا (قَوْلُهُ فَيَنْتَفِعُ بِهَا لَوْ فَقِيرًا) أَقُولُ وَذَا بِإِذْنِ الْقَاضِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَقِيلَ بِدُونِهِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ
стр. 551
الْآخِذَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْفَقِيرِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْفَقِيرَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخِذِ (وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ، فَإِنْ أَشْهَدَ (فَإِنْ) (أَقَرَّ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ (بِأَخْذِهَا لَهُ) نَفْسِهِ (ضَمِنَ وِفَاقًا) إنْ هَلَكَتْ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ (وَإِنْ تَصَادَقَا) أَيْ الْمُلْتَقِطُ وَالصَّاحِبُ (عَلَى أَخْذِهَا لِصَاحِبِهَا) (لَمْ يَضْمَنْ وِفَاقًا) لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا وَصَارَ كَالْبَيِّنَةِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا) بِأَنْ قَالَ الْمُلْتَقِطُ أَخَذْتُهَا لَك، وَقَالَ صَاحِبُهَا أَخَذْتُهَا لَك (ضَمِنَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) بَلْ الْقَوْلُ لَهُ فِي أَنَّهُ أَخَذَهُ لِلرَّدِّ (وَإِنْ) (لَمْ يَجِدْ مَنْ يُشْهِدُهُ أَوْ وَجَدَ لَكِنَّهُ تَرَكَ لِخَوْفِهِ مِنْ أَخْذِ الظَّالِمِ إيَّاهَا) (قَالُوا لَمْ يَضْمَنْ) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (كَذَا الْبَهِيمَةُ) فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ (وَمَا) (أَنْفَقَ) الْمُلْتَقِطُ (عَلَيْهَا) أَيْ الْبَهِيمَةِ (بِلَا إذْنِ الْقَاضِي) (تَبَرُّعٌ وَبِهِ) أَيْ بِإِذْنِهِ (دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهَا) فَإِذَا حَضَرَ يَأْخُذُهُ مِنْهُ الْمُلْتَقِطُ بِحُكْمِ الْقَاضِي (وَآجَرَ الْقَاضِي مَا لَهُ نَفْعٌ) أَيْ يَنْتَفِعُ بِهِ بِالْإِجَارَةِ كَالْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالثَّوْرِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً بِقَدْرِ مَا يَقَعُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَالِكَ لَوْ كَانَ حَيًّا لَحَضَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءَ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ بِلَا إلْزَامِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي فِي هَذَا الْمَقَامِ وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْآبِقِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي غَيْرِهِمَا بَلْ وَجَدْتُ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ خِلَافَهُ حَيْثُ قَالُوا لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْآبِقِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَأْبَقَ، وَلِهَذَا تَرَكْتُهُ (وَمَا لَا نَفْعَ لَهُ) مِنْ الْبَهَائِمِ كَالشَّاةِ وَنَحْوِهَا (أَذِنَ الْقَاضِي بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَشَرَطَ الرُّجُوعَ عَلَى صَاحِبِهَا) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ (إنْ كَانَ الْإِنْفَاقُ هُوَ الْأَصْلَحُ وَإِلَّا) أَمَرَ ابْتِدَاءً (بِبَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ الدَّائِرَةَ مُسْتَأْصَلَةٌ (وَلِلْمُنْفِقِ حَبْسُهَا) أَيْ مَنْعُ الْبَهِيمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا (لِأَخْذِ نَفَقَتِهَا) لِأَنَّ إبْقَاءَهَا إلَى الْآنَ كَانَ بِنَفَقَتِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْمِلْكَ مِنْهُ (فَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ حَبْسِهِ سَقَطَتْ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الرَّهْنِ فَيَهْلَكُ بِمَا حَبَسَهُ بِهِ (وَقَبْلَهُ لَا) إذْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ حُكْمَ الرَّهْنِ عِنْدَ اخْتِيَارِ الْحَبْسِ (بَيَّنَ مُدَّعِيهَا عَلَامَتَهَا حَلَّ الدَّفْعُ) «لِقَوْلِهِ ﷺ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعْهَا» وَهَذَا الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَخْذِهَا لَمْ يَضْمَنْ) أَقُولُ وَكَذَا لَمْ يَضْمَنْ لَوْ أَعَادَ اللُّقَطَةَ إلَى مَوْضِعِهَا الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ بَعْدَمَا أَخَذَهَا لِيُعَرِّفَ وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهَا لَوْ هَلَكَتْ أَوْ اسْتَهْلَكَهَا رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا صَاحِبُهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالضَّمَانُ عَلَى مُسْتَهْلِكِهَا وَقِيلَ إنَّهُ يَبْرَأُ إذَا رَدَّهَا قَبْلَ تَحَوُّلِهِ مِنْ مَوْضِعِهَا كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ وَبِهِ أَيْ بِإِذْنِهِ) يَعْنِي الْقَاضِي دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهَا أَقُولُ وَبِمُجَرَّدِ إذْنِهِ لَا يَكُونُ دَيْنًا فِي الْأَصَحِّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُشْتَرَطَ وَيَجْعَلَهُ دَيْنًا عَلَيْهِ كَمَا فِي اللَّقِيطِ، وَلَا يَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لُقَطَةٌ عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَصْبًا فِي يَدِهِ فَيَحْتَالُ لِإِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى صَاحِبِهَا وَهُوَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْمَغْصُوبِ وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ لَيْسَتْ لِلْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِيَنْكَشِفَ الْحَالُ فَتُقْبَلُ مَعَ غَيْبَةِ صَاحِبِهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. . . إلَخْ) أَقُولُ التَّقْيِيدُ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفْعٌ لِيَبْقَى دَيْنًا يَسِيرًا عَلَى الْمَالِكِ لَا يَسْتَأْصِلُ اللُّقَطَةَ أَمَّا لَوْ كَانَ فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ غَلَّتِهَا إحْيَاءً لِلدَّابَّةِ وَنَظَرًا لِلْمَالِكِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ دَيْنٌ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ اهـ لِمَا قَالَ فِي الْبُرْهَانِ، وَإِنْ كَانَ لِلْبَهِيمَةِ نَفْعٌ آجَرَهَا الْقَاضِي وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ غَلَّتِهَا أَيْ أَمَرَ الْمُلْتَقِطَ بِذَلِكَ إحْيَاءً لِلدَّابَّةِ وَنَظَرًا لِلْمَالِكِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ دَيْنٌ، وَكَذَا يَفْعَلُ بِالْآبِقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفْعٌ أَذِنَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لَوْ رَآهُ مَصْلَحَةً بِأَنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ نَفِيسَةً وَالْمُدَّةُ قَرِيبَةً كَيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ مَصْلَحَةً أَوْ أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَمَرَ بِبَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا اهـ.
(قَوْلُهُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ. . . إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ ﵀ أَقُولُ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ ذَا قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَمَا فِي غَيْرِهِمَا عَلَى خِلَافِهِ أَوْ يُحْمَلُ كَلَامُهُمَا عَلَى الْإِيجَارِ مَعَ إعْلَامِ الْمُؤَجِّرِ بِحَالِهِ لِيَحْفَظَ غَايَةَ الْحِفْظِ وَمَا فِي غَيْرِهِمَا عَلَى الْإِيجَارِ مَعَ جَهْلِهِ بِحَالِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ حَبْسِهِ سَقَطَتْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الرَّهْنِ) هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ وَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَلَا يُسَاعِدُهُ الْوَجْهُ قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي التَّقْرِيبِ، قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَحَبَسَهَا بِالنَّفَقَةِ فَهَلَكَتْ لَمْ تَسْقُطْ النَّفَقَةُ خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ غَيْرُ بَدَلٍ عَنْ الْعَيْنِ وَلَا عَنْ عَمَلٍ مِنْهُ فِيهَا وَلَا تَنَاوَلَهَا عَقْدٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَبِهَذَا الْقَيْدِ الْأَخِيرِ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِ زُفَرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ هُنَا.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَلَوْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى اللُّقَطَةِ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ وَحَبَسَهَا لِيَأْخُذَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا فَهَلَكَتْ لَمْ تَسْقُطْ النَّفَقَةُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا خِلَافًا لِزُفَرَ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ قَاسِمٍ كَذَا بِخَطِّ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيِّ وَكَتَبَ بَعْدَهُ أَقُولُ إنْ خَرَجَ الْجَوَابُ بِمَا ذَكَرَ عَنْ قِيَاسِهِ بِالرَّهْنِ لَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ بِجُعْلِ الْآبِقِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَنَصَّ أَنَّهُ إلَيْهِ أَقْرَبُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْ عُلَمَائِنَا فِيهِ رِوَايَةٌ أَوْ اخْتَارَ قَوْلَ زُفَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَتَأَمَّلْهُ ع. اهـ.
(قَوْلُهُ بَيَّنَ مُدَّعِيهَا عَلَامَتَهَا حَلَّ الدَّفْعُ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ، وَإِنْ صَدَّقَهُ قِيلَ بِالْجَبْرِ عَلَى الدَّفْعِ وَعَدَمِهِ أَيْ عَدَمِ الْجَبْرِ وَلَوْ دَفَعَهَا بِعَلَامَةٍ أَوْ تَصْدِيقٍ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِالْبَيِّنَةِ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ وَرَجَعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ
стр. 552
؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ إنَّمَا هُوَ بِالْبَيِّنَةِ عَمَلًا بِالْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (وَلَا يَجِبُ بِلَا حُجَّةٍ) لِمَا ذَكَرْنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ بِبَيَانِ الْعَلَامَةِ (رَجُلٌ مَاتَ بِالْبَادِيَةِ جَازَ لِرَفِيقِهِ بَيْعُ مَتَاعِهِ وَمَرْكَبِهِ وَحَمْلُ ثَمَنِهِ إلَى أَهْلِهِ) كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ (حَطَبٌ وُجِدَ فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فَلُقَطَةٌ) يُرَاعَى فِيهِ حُكْمُهَا (وَإِلَّا فَحَلَالٌ لِمَنْ أَخَذَ) كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ الْأَصْلِيَّةِ.
(كِتَابُ الْوَقْفِ) (هُوَ) لُغَةً بِمَعْنَى الْحَبْسِ فَإِنَّ وَقَفَ الَّذِي مَصْدَرُهُ الْوَقْفُ مُتَعَدٍّ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَ، وَوَقَفَ الَّذِي مَصْدَرُهُ الْوُقُوفُ لَازِمٌ وَشَرْعًا (حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَنَافِعِ) بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُ عِنْدَهُمَا حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَزُولُ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى الْعَبْدِ فَيَلْزَمُ وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ. لَهُمَا «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِهِ فَقَالَ ﷺ تَصَدَّقْ بِأَصْلِهَا لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَكِنْ لِتُنْفِقَ ثَمَرَتَهُ» فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَازِمٌ وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» أَيْ لَا مَالَ يُحْبَسُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَالِكِ عَنْ الْقِسْمَةِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، فَمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِالْحَبْسِ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى (وَقِيلَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا) كَذَا فِي الْكَافِي وَفَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَنَافِعِ بِقَوْلِهِ (فَلَمْ يَصِحَّ فِي رِوَايَةٍ) يَعْنِي إذَا تَضَمَّنَ الْوَقْفُ التَّصَدُّقَ بِالْمَنَافِعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَعْدُومَةٌ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَعْدُومِ لَا يَجُوزُ (وَصَحَّ فِي الْأَصَحِّ) يَعْنِي أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ صَحِيحٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ بِالْمَنَافِعِ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا أَيْضًا كَمَا جَازَ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ وَسُكْنَى دَارِهِ وَغَلَّتِهِمَا لَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَهُ وَلِذَا قَالَ (وَلَمْ يَلْزَمْ) لِبَقَاءِ الْمِلْكِ كَمَا فِي الْعَارِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِاللُّزُومِ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْوَاقِفِ إبْطَالُهُ فِي حَيَاتِهِ وَلِوَارِثِهِ بَعْدَهُ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَبَنَى سِقَايَةً أَوْ خَانًا لِبَنِي السَّبِيلِ أَوْ رِبَاطًا أَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً لَا يَزُولُ مِلْكُ الْوَاقِفِ وَفَرَّعَ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ بِقَوْلِهِ (فَصَحَّ تَمْلِيكُهُ) فِي حَيَاتِهِ (وَإِرْثُهُ) أَيْ كَوْنُهُ مَوْرُوثًا بَعْدَ مَوْتِهِ (وَالرُّجُوعُ عَنْهُ وَلَوْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إلَّا بِالْقَضَاءِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَلْزَمْ أَيْ لَا يَكُونُ الْوَقْفُ لَازِمًا إلَّا بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ بِالْقَضَاءِ (مِنْ) قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ (مُوَلًّى) مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ غَيْرَ مُحَكَّمٍ بِأَنْ كَانَ قَاضِيًا بِتَحْكِيمِ الْخَصْمَيْنِ إيَّاهُ فَإِنَّهُ إنْ حَكَمَ لَمْ يَنْفُذْ حَتَّى جَازَ لِلْمُوَلَّى أَنْ يَنْقُضَهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ وَطَرِيقُ الْقَضَاءِ أَنْ يُسَلِّمَ الْوَاقِفُ مَا وَقَفَ إلَى الْمُتَوَلِّي ثُمَّ يَرْجِعَ بِحُكْمِ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِذَا تَرَافَعَا إلَى الْحَاكِمِ وَحَكَمَ بِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْ الْوَقْفِ لَزِمَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَإِذَا لَحِقَهُ حُكْمُ الْمُوَلَّى لَزِمَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْحُكَّامِ وَمَا يُذْكَرُ فِي صَكِّ الْوَقْفِ أَنَّ قَاضِيًا مِنْ الْقُضَاةِ قَضَى بِلُزُومِ هَذَا الْوَقْفِ وَبُطْلَانِ حَقِّ الرُّجُوعِ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الصَّحِيحِ كَذَا فِي الْكَافِي وَالْخَانِيَّةِ وَذَكَرَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ (أَوْ بِالْمَوْتِ إذَا عَلَّقَ بِهِ) بِأَنْ قَالَ إذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْتُ دَارِي عَلَى كَذَا ثُمَّ مَاتَ صَحَّ وَلَزِمَ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَعْدُومِ جَائِزَةٌ كَالْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ كَمَا مَرَّ وَيَكُونُ مِلْكُ الْمَيِّتِ فِيهِ بَاقِيًا حُكْمًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ حَطَبٌ وُجِدَ فِي الْمَاءِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَيَحِلُّ أَخْذُ التُّفَّاحِ وَالْكُمَّثْرَى مِنْ الْأَنْهَارِ، وَكَذَا مَا يَبْقَى مِنْ الثِّمَارِ الْوَاقِعَةِ تَحْتَ الْأَشْجَارِ فِي غَيْرِ الْأَمْصَارِ عَلَى الْمُخْتَارِ كَأَخْذِ النَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ الْمَنْبُوذِ لَا الْمَجْمُوعِ وَكَأَخْذِ السَّنَابِلِ بَعْدَ رَفْعِ الزَّرْعِ.
(فَرْعٌ مُهِمٌّ) أَخَذَ مُكَعَّبَهُ وَوَجَدَ غَيْرَهُ فِي مَكَانِهِ لَا يَمْلِكُهُ وَيَصِيرُ كَاللُّقَطَةِ فِي الْحُكْمِ.
[كِتَابُ الْوَقْفِ]
(كِتَابُ الْوَقْفِ) (قَوْلُهُ هُوَ حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ) يَعْنِي عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْوَاقِفِ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَصِحَّ فِي رِوَايَةٍ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجِيزُ الْوَقْفَ فَأَخَذَ النَّاسُ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَقَالُوا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عِنْدَهُ قُلْنَا مُرَادُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَهُ لَازِمًا فَأَمَّا أَصْلُ الْجَوَازِ فَثَابِتٌ عِنْدَهُ اهـ.
وَذَكَرَ وَجْهَهُ (قَوْلُهُ أَوْ بِالْمَوْتِ إذَا عُلِّقَ بِهِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ أَوْ أُضِيفَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ أَيْ لَا يَكُونُ الْوَقْفُ لَازِمًا إلَّا بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ) يَعْنِي لُزُومًا حَالِيًّا أَوْ مَآلِيًا لِمَا سَنَذْكُرُ
стр. 553
فَيَتَصَدَّقُ عَنْهُ دَائِمًا، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ جَازَ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَبَقِيَ الْبَاقِي إلَى أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَالٌ آخَرُ أَوْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ وَلَمْ يُجِيزُوا قَسَّمَ الْغَلَّةَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ثُلُثُهَا لِلْوَقْفِ وَالثُّلُثَانِ لِلْوَرَثَةِ، وَفِي قَوْلِهِ أَوْ بِالْمَوْتِ إذَا عَلَّقَ بِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُجَرَّدَ التَّعْلِيقِ بِالْمَوْتِ لَا يُفِيدُ زَوَالَ الْمِلْكِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْمَوْتِ بَعْدَ التَّعْلِيقِ لِيُفِيدَهُ، وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ (أَوْ بِقَوْلِهِ وَقَفْتُهَا فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي مُؤَبَّدًا) فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ لَكِنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا دَامَ حَيًّا كَانَ هَذَا نَذْرًا بِالتَّصَدُّقِ بِالْغَلَّةِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى مَاتَ جَازَ مِنْ الثُّلُثِ وَيَكُونُ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَنْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِإِنْسَانٍ فَإِنَّ الْخِدْمَةَ تَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ وَالرَّقَبَةُ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ حَتَّى إذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ يَصِيرُ الْعَبْدُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمَالِكِ إلَّا أَنَّ فِي الْوَقْفِ لَا يُتَصَوَّرُ انْقِطَاعُ الْمُوصَى لَهُمْ فَتَتَأَبَّدُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ، وَذَكَرَ الرَّابِعَ بِقَوْلِهِ (أَوْ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَإِفْرَازِهِ بِطَرِيقِهِ) شَرَطَ الْإِفْرَازَ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] أَيْ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى فَلَا يَخْلُصُ لَهُ تَعَالَى إلَّا بِهِ (وَالْإِذْنِ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ وَصَلَاةِ جَمَاعَةٍ وَقِيلَ) لَا حَاجَةَ إلَى صَلَاةِ جَمَاعَةٍ (بَلْ كَفَى وَاحِدٌ) إذَا صَلَّى فِيهِ شَرَطَ الْإِذْنَ لَهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ شَرْطٌ لِصَيْرُورَتِهِ مَسْجِدًا عِنْدَ هُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَيُشْتَرَطُ فِي كُلِّ نَوْعٍ تَسْلِيمٌ يَلِيقُ بِهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ وَهَذَا الْوَجْهُ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ مَعَ إفَادَتِهِمَا اللُّزُومَ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَاقِفِ وَوَارِثِهِ يُفِيدَانِ خُرُوجَ الْوَقْفِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُفِيدُ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ لُزُومَ الْوَقْفِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَخُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ أَيْضًا وَلُزُومَهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَارِثِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ لَا يُفِيدُ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ مَا دَامَ حَيًّا وَلَا لُزُومَهُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ لِجَوَازِ رُجُوعِهِ بَلْ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَارِثِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، ثُمَّ أَنَّهُمَا بَعْدَمَا خَالَفَا الْإِمَامَ فِي عَدَمِ زَوَالِ مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَقَالَا بِزَوَالِهِ اخْتَلَفَا فِيمَا يَتِمُّ بِهِ الْوَقْفُ فَذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَمْ يَتِمَّ) عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَلْزَمْ يَعْنِي بَعْدَمَا لَزِمَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَتِمَّ (إلَّا بِذِكْرِ مَصْرِفٍ مُؤَبَّدٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِالْمَنْفَعَةِ أَوْ الْغَلَّةِ وَذَا قَدْ يَكُونُ مُؤَقَّتًا وَقَدْ يَكُونُ مُؤَبَّدًا فَمُطْلَقُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّنْصِيصِ (فَلَوْ) (وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ) مَثَلًا بِأَنْ قَالَ وَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ (وَانْقَرَضُوا) أَيْ الْأَوْلَادُ (عَادَ) الْوَقْفُ إلَى الْمَالِكِ (عِنْدَهُ) لِكَوْنِهِ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ (وَلَوْ) (وَقَّتَ) بِأَنْ قَالَ وَقَفْتُهُ إلَى عَشْرِ سِنِينَ مَثَلًا (بَطَلَ) اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ كَالتَّوْقِيتِ فِي الْبَيْعِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَتِمُّ بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ ذِكْرِ التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ بِالصَّرْفِ إلَى جِهَةٍ يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُهَا وَأُخْرَى بِالصَّرْفِ إلَى جِهَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَيَصِحُّ فِي الْفَصْلَيْنِ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الْوَاقِفِ (وَإِذَا) (انْقَطَعَ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ كَالْأَوْلَادِ مَثَلًا (صُرِفَ) الْوَقْفُ عِنْدَهُ (إلَى الْفُقَرَاءِ) فَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطٌ اتِّفَاقًا لَكِنْ ذِكْرُهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَقَفْتُ أَوْ تَصَدَّقْتُ يَقْتَضِي الْإِزَالَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ كَالْإِعْتَاقِ كَمَا سَيَأْتِي وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ لِمَا مَرَّ.
(وَهُوَ) أَيْ الْوَقْفُ (عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (إسْقَاطٌ) أَيْ شُرِعَ لِإِسْقَاطِ مِلْكِ الْوَاقِفِ عَنْ الْعَيْنِ (كَالْإِعْتَاقِ) فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْمَوْلَى (لَا تَمْلِيكٌ لِلَّهِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ. . . إلَخْ) أَقُولُ هُوَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا يُفِيدَانِ الْخُرُوجَ وَاللُّزُومَ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ إذْ لَا يَتَوَقَّفُ فِيهِمَا عَلَى الْمَوْتِ وَيُفِيدُ أَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ حَيًّا (قَوْلُهُ يَعْنِي بَعْدَ مَا لَزِمَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَتِمَّ إلَّا بِذِكْرِ مَصْرِفٍ مُؤَبَّدٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) أَقُولُ فِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ شَامِلٌ لِوَقْفِ الْمَسْجِدِ وَلَا مُخَالَفَةَ لِمُحَمَّدٍ فِي لُزُومِهِ عَلَى الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْإِمَامِ فِي لُزُومِهِ لِمَا قَالَ فِي الْبُرْهَانِ، وَيُزِيلُ أَبُو يُوسُفَ مِلْكَ الْبَانِي عَمَّا بَنَاهُ مَسْجِدًا بِقَوْلِهِ جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا وَشَرَطَا إفْرَازَهُ عَنْ مِلْكِهِ وَصَلَاةَ وَاحِدٍ فِيهِ فِي رِوَايَةٍ أَوْ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ فِيهِ بِإِذْنِهِ فِي أُخْرَى اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَانْقَرَضُوا عَادَ الْوَقْفُ) أَقُولُ لَا تَخْتَصُّ هَذِهِ الصُّورَةُ بِمُحَمَّدٍ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ أَبَا يُوسُفَ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَصِحُّ وَالثَّانِيَ لَا يَصِحُّ (قَوْلُهُ وَلَوْ وَقَّتَ بَطَلَ اتِّفَاقًا) أَقُولُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ وَقَفَ دَارِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ وَقْتًا مَعْلُومًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ جَازَ الْوَقْفُ وَيَكُونُ وَقْفًا أَبَدًا (قَوْلُهُ وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ بِالصَّرْفِ إلَى جِهَةٍ يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُهَا وَأُخْرَى بِالصَّرْفِ إلَى جِهَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَيَصِحُّ فِي الْفَصْلَيْنِ) أَقُولُ يُخَالِفُ هَذَا مَا فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ قَوْلِهِ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَصِحُّ وَالثَّانِيَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ يَنْصَرِفُ إلَى الْفُقَرَاءِ عُرْفًا فَإِذَا ذَكَرَ الْوَلَدَ صَارَ مُقَيَّدًا فَلَا يَبْقَى الْعُرْفُ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ
стр. 554
لِاسْتِغْنَائِهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلْوَاقِفِ وَالْوَقْفِ (وَلَا لِلْعَبْدِ) وَإِلَّا لَجَازَ بَيْعُهُ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ (فَيُخْرِجُهُ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ الْوَقْفَ عَنْ الْمِلْكِ (بِنَفْسِ الْقَوْلِ) بِلَا حَاجَةٍ إلَى الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ (وَيُجِيزُ الشُّيُوعَ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ تَتِمَّةِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لِلْحِيَازَةِ وَتَمَامُهَا فِيمَا يُقْسَمُ بِالْقِسْمَةِ وَأَصْلُ الْقَبْضِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَكَذَا تَتِمَّتُهُ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ كَالْإِعْتَاقِ وَالشُّيُوعُ لَا يَمْنَعُ الْإِعْتَاقَ فَلَا يَمْنَعُ الْوَقْفَ أَيْضًا (وَبِهِ يُفْتِي مَشَايِخُ الْعِرَاقِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ صَدَقَةٌ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَصَدَّقْ بِأَصْلِهَا لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ» (فَيَشْتَرِطُ) أَيْ مُحَمَّدٌ (التَّسْلِيمَ) أَيْ تَسْلِيمَ الْوَاقِفِ الْوَقْفَ إلَى الْمُتَوَلِّي (وَالْقَبْضَ) أَيْ قَبْضَ الْمُتَوَلِّي الْوَقْفَ كَمَا فِي الصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ دُونَ الْمُوصَى بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ عَنْ مِلْكِ الْمُتَصَدِّقِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ بَلْ بِتَسْلِيمِهِ وَقَبْضِ الْفَقِيرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَحَقَّقُ قَصْدًا لِمَا مَرَّ إلَّا أَنَّ مَا يَثْبُتُ لَهُ تَعَالَى مِنْ الْحَقِّ فِي الصَّدَقَةِ يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ التَّسْلِيمِ إلَى الْعَبْدِ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَاتِ وَالزَّكَاةِ، وَلَوْ تَمَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَصَارَ يَدُهُ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ وَالتَّبَرُّعُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ (وَيَمْنَعُ الشُّيُوعَ فِيمَا قَبِلَ الْقِسْمَةَ) لِأَنَّ أَصْلَ الْقَبْضِ عِنْدَهُ شَرْطٌ فَكَذَا مَا يَتِمُّ بِهِ الْقَبْضُ وَتَمَامُهُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُهَا يَصِحُّ مَعَ الشُّيُوعِ حَتَّى لَوْ وَقَفَ نِصْفَ الْحَمَّامِ جَازَ (كَالصَّدَقَةِ) الْمُنَفَّذَةِ فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ الْوَقْفَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَتِمُّ فِي مُشَاعٍ يُقْسَمُ كَمَا إذَا قَالَ تَصَدَّقْتُ بِنِصْفِ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الْعَشَرَةِ عَلَى هَذَا الْفَقِيرِ فَإِنَّهَا لَا تَتِمُّ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ ذَلِكَ الْفَقِيرُ وَتَتِمُّ فِي مُشَاعٍ لَا يُقْسَمُ كَنِصْفِ الْحَمَّامِ (وَبِهِ يُفْتِي مَشَايِخُ بُخَارَى) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَتَصَدَّقَا بِهَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ الَّتِي يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَدَفَعَهَا إلَى قَيِّمٍ يَقُومُ عَلَيْهَا كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ عَلَى قَوْلِهِ هُوَ الشُّيُوعُ وَقْتَ الْقَبْضِ لَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَهَاهُنَا لَمْ يُوجَدْ الشُّيُوعُ عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَدَّقَا بِالْأَرْضِ جُمْلَةً، وَلَا وَقْتَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُمَا سَلَّمَا الْأَرْضَ جُمْلَةً، وَلَوْ تَصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ هَذِهِ الْأَرْضِ مُشَاعًا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوَقْفِهِ مُتَوَلِّيًا عَلَى حِدَةٍ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الشُّيُوعِ وَقْتَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاشَرَ عَقْدًا عَلَى حِدَةٍ، وَتَمَكَّنَ الشُّيُوعُ وَقْتَ الْقَبْضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَوَلِّيَيْنِ قَبَضَ نِصْفًا شَائِعًا، فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُتَوَلِّيهِ اقْبِضْ نَصِيبِي مَعَ نَصِيبِ صَاحِبِي جَازَ، وَلَوْ تَصَدَّقَ أَحَدُهُمَا بِنِصْفِ الْأَرْضِ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ تَصَدَّقَ الْآخَرُ بِنِصْفِهَا كَذَلِكَ وَجَعَلَا لِذَلِكَ قَيِّمًا وَاحِدًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ إنْ وُجِدَ الشُّيُوعُ وَقْتَ الْعَقْدِ لَمْ يُوجَدْ وَقْتَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ قَبَضَ الْأَرْضَ جُمْلَةً وَهُمَا سَلَّمَا إلَيْهِ جُمْلَةً، وَكَذَا لَوْ جَعَلَا التَّوْلِيَةَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَمُتَوَلٍّ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الْوَقْفِ جَازَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْوَاقِفُ وَاحِدًا فَجَعَلَ نِصْفَ الْأَرْضِ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ مُشَاعًا وَالنِّصْفَ الْآخَرَ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ جَازَ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ الْوَقْفُ فِي كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُ يَجُوزُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ وَغَيْرَ مَقْسُومٍ، وَبَعْضُ مَشَايِخِ زَمَانِنَا أَفْتَوْا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ يُفْتَى.
(وَإِذَا لَزِمَ) الْوَقْفُ (وَتَمَّ لَا يُمْلَكُ) أَيْ لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِهِ (وَلَا يُمَلَّكُ) أَيْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ صَدَقَةٌ فَيَشْتَرِطُ التَّسْلِيمَ إلَى الْمُتَوَلِّي) أَقُولُ يَعْنِي فِي وَقْفِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَفِي الْمَسْجِدِ تَسْلِيمُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَالتَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ صَدَقَةٌ فَيَشْتَرِطُ التَّسْلِيمَ وَالْقَبْضَ وَيَمْنَعُ الشُّيُوعَ فِيمَا قَبِلَ الْقِسْمَةَ) أَقُولُ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ امْرَأَةٌ وَقَفَتْ دَارَهَا فِي مَرَضِهَا عَلَى ثَلَاثِ بَنَاتٍ لَهَا وَآخِرَهَا لِلْفُقَرَاءِ وَلَيْسَ لَهَا مِلْكٌ غَيْرَ الدَّارِ وَلَا وَارِثَ لَهَا غَيْرُهُنَّ قَالُوا ثُلُثُ الدَّارِ وَقْفٌ وَالثُّلُثَانِ لَهُنَّ يَصْنَعْنَ مَا شِئْنَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ اهـ.
(قَوْلُهُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى إلَى قَوْلِهِ وَغَيْرَ مَقْسُومٍ) أَقُولُ هَكَذَا هُوَ فِي الْخَانِيَّةِ.
стр. 555
لَا يَقْبَلُ التَّمْلِيكَ لِغَيْرِهِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لِاسْتِحَالَةِ تَمْلِيكِ الْخَارِجِ عَنْ مِلْكِهِ (وَلَا يُعَارُ وَلَا يُرْهَنُ) لِاقْتِضَائِهِمَا الْمِلْكَ (وَلَا يُقْسَمُ إلَّا عِنْدَهُمَا إذَا كَانَتْ) أَيْ الْقِسْمَةُ (بَيْنَ الْوَاقِفِ وَالْمَالِكِ) أَيْ إذَا قَضَى قَاضٍ بِجَوَازِ وَقْفِ الْمُشَاعِ وَنَفَذَ قَضَاؤُهُ صَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُخْتَلِفَاتِ، فَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ الْقِسْمَةَ فَعِنْدَهُ لَا يُقْسَمُ وَيَتَهَايَئُونَ، وَعِنْدَهُمَا يُقْسَمُ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْكُلَّ لَوْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَرْبَابِ فَأَرَادُوا الْقِسْمَةَ لَا يُقْسَمُ. كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ (لَا الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ) لِمَا أَنَّ الْقِسْمَةَ تَمْيِيزٌ وَإِفْرَازٌ لَا بَيْعٌ وَتَمْلِيكٌ فَتَجُوزُ وَلَهُ أَنَّهَا بَيْعٌ مَعْنًى لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْإِفْرَازِ وَالْمُبَادَلَةِ وَجِهَةُ الْمُبَادَلَةِ رَاجِحَةٌ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ (أَزَالَ أَبُو يُوسُفَ الْمَسْجِدَ) عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ (بِقَوْلِهِ جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ كَالْإِعْتَاقِ (وَشَرَطَ الصَّلَاةَ كَمَا مَرَّ) أَعَادَ ذِكْرَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِي تَعْدَادِ مُوجِبَاتِ اللُّزُومِ وَذَكَرَهُ هَاهُنَا لِمُخَالَفَةِ أَحْكَامِهِ سَائِرَ الْأَوْقَافِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُتَوَلِّي عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَمَنْعِ الشُّيُوعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْحَاكِمُ (وَإِنْ جَعَلَ تَحْتَهُ) (سِرْدَابًا) وَهُوَ مُعَرَّبُ سِرْدَابَةَ وَهُوَ بَيْتٌ يُتَّخَذُ تَحْتَ الْأَرْضِ لِلتَّبْرِيدِ (لِمَصَالِحِهِ جَازَ) كَمَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَلَوْ جَعَلَ لِغَيْرِهَا أَوْ) جَعَلَ (فَوْقَهُ) أَيْ فَوْقَ الْمَسْجِدِ بَيْتًا (وَجَعَلَ بَابَ الْمَسْجِدِ إلَى الطَّرِيقِ وَعَزَلَهُ عَنْ مِلْكِهِ فَلَا) أَيْ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا وَلَهُ بَيْعُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يَجِبُ خُلُوصُهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَخْلُصْ هُنَا لِبَقَاءِ حَقِّ الْعَبْدِ مُتَعَلِّقًا بِأَسْفَلِهِ أَوْ بِأَعْلَاهُ فَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَوَّزَ الْوَجْهَيْنِ حِينَ قَدِمَ بَغْدَادَ لِضَرُورَةِ ضِيقِ الْمَنَازِلِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حِينَ دَخَلَ الرَّيَّ أَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلضَّرُورَةِ.
(كَمَا لَوْ جَعَلَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا وَأَذَّنَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ) حَيْثُ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا وَلَهُ بَيْعُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُحِيطٌ بِجَوَانِبِهِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ وَالْمَسْجِدُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقُّ الْمَنْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] (وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْلَهُ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ يَبْقَى مَسْجِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) وَلَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ بَانِيهِ إنْ كَانَ حَيًّا وَإِلَى مِلْكِ وَارِثِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا (وَعَادَ إلَى الْمِلْكِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأَنَّهُ عَيَّنَهُ لِقُرْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ عَادَ إلَى مِلْكِهِ كَالْمُحْصَرِ فِي الْحَجِّ إذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ، ثُمَّ زَالَ الْإِحْصَارُ وَأَدْرَكَ الْحَجَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهَدْيِهِ مَا شَاءَ، وَلَهُمَا أَنَّ الْقُرْبَةَ الَّتِي قَصَدَهَا لَمْ تَزُلْ بِخَرَابِ مَا حَوْلَهُ إذْ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ سَوَاءٌ فَيُصَلِّي فِيهِ الْمُسَافِرُونَ وَالْمَارَّةُ وَهَدْيُ الْإِحْصَارِ لَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الذَّبْحِ (وَمِثْلُهُ حُصُرُ الْمَسْجِدِ وَحَشِيشُهُ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُمَا) حَيْثُ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْمِلْكِ عِنْدَ هُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (وَالرِّبَاطُ وَالْبِئْرُ إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِمَا) فَإِنَّهُمَا أَيْضًا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ (فَيُصْرَفُ وَقْفُ الْمَسْجِدِ وَالرِّبَاطِ وَالْبِئْرِ إلَى أَقْرَبِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ بِئْرٍ إلَيْهِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ أَوْ جَعَلَ فَوْقَهُ بَيْتًا فَلَا) أَقُولُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ لِلْمَسْجِدِ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ كَوْنِهِ مَسْجِدًا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْإِسْعَافِ فَقَالَ إذَا كَانَ السِّرْدَابُ أَوْ الْعُلُوُّ لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَا وَقْفًا عَلَيْهِ صَارَ مَسْجِدًا (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ جَعَلَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا وَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا) أَقُولُ لَعَلَّ هَذَا خَاصٌّ بِمَا ذَكَرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي خَانٍ لِمَا قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ كِتَابِ الشُّفْعَةِ رَجُلٌ لَهُ خَانٌ فِيهِ مَسْجِدٌ أَفْرَزَهُ صَاحِبُ الْخَانِ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالتَّأْذِينِ وَالصَّلَاةِ لِلْجَمَاعَةِ فِيهِ فَفَعَلُوا حَتَّى صَارَ مَسْجِدًا، ثُمَّ بَاعَ صَاحِبُ الْخَانِ كُلَّ حُجْرَةٍ فِي الْخَانِ مِنْ رَجُلٍ حَتَّى صَارَ دَرْبًا، ثُمَّ بِيعَ مِنْهُ حُجْرَةٌ قَالَ مُحَمَّدٌ الشُّفْعَةُ لَهُمْ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي طَرِيقِ الْخَانِ، وَقَدْ كَانَ الطَّرِيقُ مَمْلُوكًا اهـ فَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَسْجِدِ فِي دَاخِلِ الْخَانِ وَالْمَسْأَلَةُ وَاقِعَةُ الْحَالِ كَمَا فِي مَسَاجِدِ خَانَاتِ مِصْرَ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُحِيطٌ بِجَوَانِبِهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَعَنْ كُلٍّ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِيرُ مَسْجِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِجَعْلِ وَسَطِ دَارِهِ مَسْجِدًا وَلَنْ يَصِيرَ مَسْجِدًا إلَّا بِالطَّرِيقِ دَخَلَ فِيهِ الطَّرِيقُ بِلَا ذِكْرِهِ كَالْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْلَهُ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ يَبْقَى مَسْجِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) هُوَ الْمُفْتَى بِهِ لِمَا قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ مَسْجِدٌ أَبَدًا إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لَا يَعُودُ مِيرَاثًا وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ وَنَقْلُ مَالِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهِ أَوْ لَا وَهُوَ الْفَتْوَى اهـ.
وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ هُوَ مَسْجِدٌ أَبَدًا وَهُوَ الْأَصَحُّ فَلَوْ بَنَى أَهْلُ الْمَحَلَّةِ مَسْجِدًا آخَرَ فَاجْتَمَعُوا عَلَى بَيْعِ الْأَوَّلِ لِيَصْرِفُوا ثَمَنَهُ إلَى الثَّانِي فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ حَصِيرُ الْمَسْجِدِ وَحَشِيشُهُ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُمَا حَيْثُ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْمِلْكِ عِنْدَهُمَا) أَقُولُ فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ إلَى حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ هَذَا الْمَسْجِدُ يُحَوَّلُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَفِي الْبُرْهَانِ يَنْقُلُ الْحُصْرَ وَالْحَشِيشَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ أَوْ يَبِيعُهَا الْقَيِّمُ لِأَجْلِ الْمَسْجِدِ اهـ.
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀. اهـ.
(قَوْلُهُ فَيُصْرَفُ وَقْفُ الْمَسْجِدِ. . . إلَخْ) عَلِمْت مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ مِنْ الْفَتْوَى بِخِلَافِ هَذَا.
وَفِي يَتِيمَةِ الدَّهْرِ سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مَسْجِدٍ خَرِبَ وَمَاتَ أَهْلُهُ وَمَحَلَّةٍ أُخْرَى فِيهَا مَسْجِدٌ هَلْ لِأَهْلِهَا أَنْ يَصْرِفُوا وَجْهَ الْمَسْجِدِ الْخَرَابِ إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ؟ قَالَ لَا اهـ
стр. 556
تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِمَا (إذَا اتَّحَدَ الْوَاقِفُ وَالْجِهَةُ) بِأَنْ بَنَى رَجُلٌ مَسْجِدَيْنِ وَعَيَّنَ لِمَصَالِحِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَقْفًا (وَقَلَّ مَرْسُومُ بَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) بِأَنْ انْتَقَصَ مَرْسُومُ إمَامِ أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ أَوْ مُؤَذِّنِهِ مَثَلًا بِسَبَبِ كَوْنِ وَقْفِهِ خَرَابًا (جَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَصْرِفَ مِنْ فَاضِلِ) الْوَقْفِ (الْآخَرِ إلَيْهِ) لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ (وَإِنْ اخْتَلَفَ أَحَدُهُمَا) بِأَنْ بَنَى رَجُلَانِ مَسْجِدَيْنِ أَوْ رَجُلٌ مَسْجِدًا أَوْ مَدْرَسَةً وَوَقَفُوا لَهُمَا أَوْقَافًا (فَلَا) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَصْرِفَ مِنْ فَاضِلِ وَقْفِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى الْفُقَرَاءِ وَسَلَّمَهَا إلَى الْمُتَوَلِّي، ثُمَّ قَالَ لِوَصِيِّهِ أَعْطِ مِنْ غَلَّتِهَا فُلَانًا كَذَا وَفُلَانًا كَذَا أَوْ افْعَلْ مَا رَأَيْت مِنْ الصَّوَابِ فَجَعْلُهُ لَهُمْ بَاطِلٌ) لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ التَّسْجِيلِ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ فَلَا يَقْدِرُ وَصِيُّهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ (إلَّا إذَا كَانَ شَرَطَ فِي الْوَقْفِ) قَبْلَ التَّسْجِيلِ (أَنْ يَصْرِفَ) أَيْ الْوَاقِفُ (غَلَّتَهَا إلَى مَنْ شَاءَ) كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (جَازَ جَعْلُ شَيْءٍ مِنْ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا وَعَكْسُهُ) كَذَا فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ مِنْ الْخُلَاصَةِ، وَفِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ مِنْ الْعِمَادِيَّةِ.
(وَ) جَازَ أَيْضًا (جَعْلُ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا لَا عَكْسُهُ) إذْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ لَا الْمُرُورُ فِي الْمَسْجِدِ كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ (وَجَازَ) أَيْضًا (أَخْذُ أَرْضٍ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ إذَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ بِالْقِيمَةِ كُرْهًا) كَذَا فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى.
(وَ) جَازَ أَيْضًا (جَعْلُ) الْوَاقِفِ (الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ يَسْتَفِيدُ الْوِلَايَةَ مِنْهُ فَيَكُونُ لَهُ وِلَايَةٌ ضَرُورَةً لَكِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَى الْوَقْفِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِهِ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُخْرِجَهُ سُلْطَانٌ أَوْ قَاضٍ مِنْ يَدِهِ وَيُوَلِّيَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ (وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ جَعْلَ غَلَّةِ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ) يَعْنِي إذَا وَقَفَ وَشَرَطَ الْكُلَّ أَوْ الْبَعْضَ لِنَفْسِهِ مَا دَامَ حَيًّا وَبَعْدَهُ لِلْفُقَرَاءِ بَطَلَ الْوَقْفُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهِلَالٍ لِفَوَاتِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِحُّ اعْتِبَارًا لِلِابْتِدَاءِ بِالِانْتِهَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ فَيَعُودُ إلَى مِلْكِ الْمَالِكِ وَمَشَايِخُ بَلْخِي أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْوَقْفِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا (وَأَجَازَ) أَيْضًا (شَرْطَ) الْوَاقِفِ (أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ أَوْ يَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ أَرْضًا أُخْرَى إذَا شَاءَ) ، (فَإِذَا فَعَلَ صَارَتْ الثَّانِيَةُ كَالْأُولَى فِي شَرَائِطِهَا بِلَا ذِكْرِهَا، ثُمَّ لَا يَسْتَبْدِلُهَا بِثَالِثَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ وُجِدَ فِي الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ (وَأَمَّا بِدُونِ الشَّرْطِ فَلَا يَمْلِكُهُ) أَيْ الِاسْتِبْدَالَ (إلَّا الْقَاضِي) كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(صَحَّ) (وَقْفُ الْعَقَارِ بِبَقَرِهِ وَأَكَرَتِهِ) وَهُمْ عَبِيدُهُ (وَسَائِرِ آلَاتِ الْحِرَاثَةِ) تَبِعَةٌ لِلْعَقَارِ (لَا الْمَنْقُولِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَأَبَّدُ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ صِحَّتُهُ فِي الْمُتَعَارَفِ وَقْفِيَّتُهُ) كَالْفَأْسِ وَالْمَرِّ وَالْقَدُومِ وَالْمِنْشَارِ وَالْجِنَازَةِ وَثِيَابِهَا وَالْقُدُورِ وَالْمَرَاجِلِ، إذَا وَقَفَ مُصْحَفًا عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إنْ كَانُوا يُحْصَوْنَ جَازَ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ جَازَ وَيَقْرَأُ فِيهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ جَازَ جَعْلُ شَيْءٍ مِنْ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا) قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِقَوْلِهِ وَكَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِأَصْحَابِ الطَّرِيقِ، وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنْ يَبْقَى لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْمَسْجِدُ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ بَلْ هُوَ طَرِيقٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رُفِعَ حَوَائِطُهُ عَادَ طَرِيقًا كَمَا كَانَ قَبْلَهُ اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ عَكْسُهُ) يَعْنِي يَجُوزُ جَعْلُ شَيْءٍ مِنْ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَجَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِيهِ حَتَّى الْكَافِرُ إلَّا الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوا فِيهِ الدَّوَابَّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَجَازَ أَيْضًا جَعْلُ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا. . . إلَخْ) فِيهِ نَوْعُ اسْتِدْرَاكٍ بِمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَاكَ فِي اتِّخَاذِ بَعْضِ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا وَهَذَا فِي اتِّخَاذِ جَمِيعِهَا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا لَمْ يَضُرَّ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّرَرَ ظَاهِرٌ فِي اتِّخَاذِ جَمِيعِ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا لِإِبْطَالِ حَقِّ الْعَامَّةِ فِي الْمُرُورِ الْمُعْتَادِ بِدَوَابِّهِمْ وَغَيْرِهَا فَلَا يُقَالُ بِهِ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ بِأَنْ يُرَادَ بَعْضُ الطَّرِيقِ لَا كُلُّهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَا عَكْسُهُ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ طَرِيقًا وَفِيهِ نَوْعُ مُدَافَعَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ إلَّا بِالنَّظَرِ لِلْبَعْضِ وَالْكُلِّ وَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَالَ وَلَهُمْ جَعْلُ الرَّحْبَةِ مَسْجِدًا وَقَلْبُهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَعَلَى الْقَلْبِ يَقْتَضِي جَعْلَ الْمَسْجِدِ رَحْبَةً وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ. فَكَيْفَ يُجْعَلُ طَرِيقًا وَفِيهِ تَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا الْقَاضِي) يَعْنِي بِهِ الْعَالِمَ الْعَامِلَ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
[وَقَفَ الْعَقَار]
(قَوْلُهُ صَحَّ وَقْفُ الْعَقَارِ بِبَقَرِهِ وَأُكَرَتِهِ. . . إلَخْ) هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ صِحَّتُهُ فِي الْمُتَعَارَفِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَزَادَ مُحَمَّدٌ مَا تُعُورِفَ وَقْفُهُ كَالْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ وَالْقُدُورِ وَالْقَدُومِ وَالْفَأْسِ وَالْمِنْشَارِ وَالْجِنَازَةِ وَثِيَابِهَا وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْأَوَانِي فِي غَسْلِ الْمَوْتَى وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ كَمَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَبِهِ يُفْتَى
стр. 557
وَلَا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا وَقْفُ الْكُتُبِ فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ لَا يُجِيزُهُ وَنُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى يُجِيزُهُ وَوَقَفَ كُتُبَهُ وَالْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ يُجِيزُهُ وَبِهِ نَأْخُذُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَعَنْ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ زُفَرَ فِيمَنْ وَقَفَ الدَّرَاهِمَ أَوْ الطَّعَامَ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ مَا يُوزَنُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ نَعَمْ. قِيلَ وَكَيْفَ؟ قَالَ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ مُضَارَبَةً، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهَا فِي الْوَجْهِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ وَمَا يُكَالُ وَمَا يُوزَنُ يُبَاعُ فَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ مُضَارَبَةً أَوْ بِضَاعَةً كَالدَّرَاهِمِ فَعَلَى هَذَا الْكُرُّ مِنْ الْحِنْطَةِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
(بَنَى عَلَى أَرْضِهِ فَوَقَفَهُ) أَيْ الْبِنَاءَ (بِدُونِهَا) أَيْ الْأَرْضِ (لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْعَقَارُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَأَبَّدُ وَأُلْحِقَ بِهِ مَا يَتْبَعُهُ وَمَا وَرَدَ فِيهِ الْآثَارُ وَمَا فِيهِ التَّعَامُلُ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ (وَقِيلَ جَازَ) فِي الْكَافِي، وَلَوْ وَقَفَ الْبِنَاءَ قَصْدًا لَمْ يَجُزْ فِي الصَّحِيحِ.
وَفِي الْقَاعِدِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَجَازَ وَقْفَ الْمَقْبَرَةِ وَالطَّرِيقِ كَمَا أَجَازَ الْمَسْجِدَ، وَكَذَا الْقَنْطَرَةُ يَتَّخِذُهَا رَجُلٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَتَطَرَّقُونَ فِيهَا وَلَا يَكُونُ بِنَاؤُهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ الْبِنَاءِ بِدُونِ الْأَصْلِ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ وَقْفَ الْبِنَاءِ بِدُونِ أَصْلِ الدَّارِ لَا يَجُوزُ.
(وَلَوْ) بَنَى (عَلَى أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ لِجِهَةٍ) (فَوَقَفَهُ) أَيْ الْبِنَاءَ (لَهَا) أَيْ لِتِلْكَ الْجِهَةِ (جَازَ بِالْإِجْمَاعِ) لِاتِّحَادِ الْجِهَةِ (وَلَوْ) وَقَفَهُ (لِغَيْرِهَا اُخْتُلِفَ فِيهِ) قِيلَ جَازَ وَقِيلَ لَمْ يَجُزْ، ثُمَّ الْوَقْفُ إذَا احْتَاجَ إلَى الْعِمَارَةِ (تَجِبُ عِمَارَتُهُ) سَوَاءٌ (شَرَطَ) الْوَاقِفُ الْعِمَارَةَ (أَوْ لَا) فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً نَصًّا فَهِيَ مَشْرُوطَةٌ اقْتِضَاءً؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ إدْرَاكُ الْغَلَّةِ مُؤَبَّدًا عَلَى الْمَصَارِفِ وَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِصْلَاحِهَا وَعِمَارَتِهَا فَيَثْبُتُ شَرْطُ الْعِمَارَةِ اقْتِضَاءً وَالثَّابِتُ كَالثَّابِتِ نَصًّا (عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عِمَارَتُهُ بِمَالِ نَفْسِهِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْغَلَّةِ شَيْءٌ.
(لَوْ) كَانَ (مُعَيَّنًا) بِأَنْ وَقَفَ دَارًا عَلَى سُكْنَى أَوْلَادِهِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ الْمُنْتَفِعُ بِهِ وَالْغُرْمُ بِالْغُنْمِ، وَلِهَذَا يَكُونُ نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا (يَبْدَأُ بِهَا) أَيْ بِالْعِمَارَةِ (مِنْ غَلَّتِهِ) أَيْ غَلَّةِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يُمْكِنْ مُطَالَبَتُهُمْ بِهَا لِكَثْرَتِهِمْ، وَغَلَّةُ الْوَقْفِ أَقْرَبُ أَمْوَالِهِمْ فَيَجِبُ مِنْهَا (وَلَمْ تَزِدْ فِي الْأَصَحِّ) يَعْنِي إنَّمَا تَجِبُ الْعِمَارَةُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَقَفَهُ الْمَالِكُ عَلَيْهَا، وَإِنْ خَرِبَ يَبْنِي عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ بِصِفَتِهِ صَارَ غَلَّتُهُ مُسْتَحَقَّةَ الصَّرْفِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا وَالْغَلَّةُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُ غَلَّةٍ مُسْتَحَقَّةٍ لَهُ إلَى جِهَةٍ غَيْرِ مُسْتَحَقَّةٍ إلَّا بِرِضَاهُ.
(وَلَوْ) (أَبَى) أَيْ الْمُعَيَّنُ (عَنْ عِمَارَةِ الْوَقْفِ أَوْ عَجَزَ) عَنْهَا (عَمَّرَهُ الْحَاكِمُ) بِأَنْ آجَرَهُ وَعَمَّرَهُ (بِأُجْرَتِهِ فَرَدَّهُ إلَيْهِ) أَيْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (وَلَا يُجْبَرُ) أَيْ الْآبِي (عَلَيْهَا) أَيْ الْعِمَارَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا إتْلَافَ مَالِهِ وَلَا يُجْبَرُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُجْبَرُ صَاحِبُ الْبَذْرِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَلَا يَكُونُ إبَاؤُهُ رِضًى بِبُطْلَانِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ التَّرَدُّدِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَعَنْ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ زُفَرَ. . . إلَخْ) أَقُولُ ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْأَنْصَارِيِّ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ نَقَلَهُ عَنْ زُفَرَ حَيْثُ قَالَ وَعَنْ زُفَرَ (قَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا الْكُرُّ مِنْ الْحِنْطَةِ) أَقُولُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَدْفَعُ ثَمَنَهُ مُضَارَبَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَمَا يُكَالُ. . . إلَخْ إذْ هُوَ مَكِيلٌ وَإِلَّا فَلَعَلَّ الْكَلَامَ لَهُ تَتِمَّةٌ حُذِفَتْ لِمَا قَالَ قَاضِي خَانْ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ يُبَاعُ فَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ بِضَاعَةً أَوْ مُضَارَبَةً كَالدَّرَاهِمِ قَالُوا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ لَوْ قَالَ الْكُرُّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَقْفٌ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُقْرَضَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا بَذْرَ لَهُمْ فَزَرَعُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ قَدْرُ الْقَرْضِ، ثُمَّ يُقْرَضَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ هَذَا أَبَدًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْقَاعِدِيَّةِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَفِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا مَعَ زِيَادَةٍ حَيْثُ قَالَ وَحُكِيَ عَنْ الْحَاكِمِ الْمَعْرُوفِ بِمَهْرَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ وَجَدْت فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ أَجَازَ وَقْفَ الْمَقْبَرَةِ وَالطَّرِيقِ كَمَا أَجَازَ الْمَسْجِدَ، وَكَذَا الْقَنْطَرَةُ يَتَّخِذُهَا الرَّجُلُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَتَطَرَّقُونَ فِيهَا وَلَا يَكُونُ بِنَاؤُهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، خَصَّ بِنَاءَ الْقَنْطَرَةِ فِي بُطْلَانِ الْمِيرَاثِ قَالُوا تَأْوِيلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ الْقَنْطَرَةِ مِلْكَ الْبَانِي وَهُوَ الْمُعْتَادُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَّخِذُ الْقَنْطَرَةَ عَلَى النَّهْرِ الْعَامِّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ الْبِنَاءِ بِدُونِ الْأَصْلِ اهـ.
وَفِي كَافِي النَّسَفِيِّ وَلَوْ وَقَفَ الْبِنَاءَ قَصْدًا لَمْ يَجُزْ فِي الصَّحِيحِ اهـ.
وَقَالَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ فِي فَتَاوَاهُ وَقَفَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ دُونَ الْأَرْضِ الْفَتْوَى صِحَّةُ ذَلِكَ. اهـ.
(قَوْلُهُ الْوَاقِفُ إذَا افْتَقَرَ أَوْ احْتَاجَ إلَى الْوُقُوفِ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَجَّلًا) أَقُولُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا مَا لَوْ عَلَّقَهُ بِمَوْتِهِ وَمِنْهَا مَا لَوْ وَقَفَهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ مُؤَبَّدًا وَذَكَرَ أَنَّ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْمَوْتِ وَمَا دَامَ حَيًّا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ كَوْنِهِ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا بِأَمْرِ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ مَعَ هَذَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَفَسَخَهُ لَوْ لِوَارِثِ الْوَاقِفِ. . . إلَخْ مَعَ لُزُومِ الْوَقْفِ بِالتَّعْلِيقِ بِالْمَوْتِ وَبِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ.
стр. 558
لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمْتَنِعَ لِرِضَاهُ بِهِ، وَيَمْتَنِعُ حَذَرًا مِنْ إتْلَافِ مَالِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ.
(وَلَا يَجُوزُ إجَارَةُ مَنْ لَهُ السُّكْنَى) إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ عَنْهُ بَلْ يُؤَجِّرُهُ الْمُتَوَلِّي أَوْ الْقَاضِي (وَصَرَفَ نَقْضَهُ وَثَمَنَهُ إلَيْهَا) أَيْ الْعِمَارَةِ إنْ احْتَاجَ الْوَقْفُ إلَيْهَا يَعْنِي أَنَّ نَقْضَ الْوَقْفِ إنْ صَلَحَ لَأَنْ يُصْرَفَ إلَى عِمَارَتِهِ صُرِفَ إلَيْهَا وَإِلَّا يَبِيعَهُ الْحَاكِمُ، وَيَصْرِفُ ثَمَنَهُ إلَيْهَا صَرْفًا لِلْبَدَلِ إلَى مَصْرِفِ الْمُبْدَلِ (وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ حُفِظَ لِلْحَاجَةِ وَلَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ مَصَارِفِهِ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْعَيْنِ وَحَقُّهُمْ فِي الِانْتِفَاءِ بِمَنَافِعِهِ دُونَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقُّ الْوَقْفِ فَلَا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ مَا لَيْسَ حَقًّا لَهُمْ.
(الْوَاقِفُ إذَا افْتَقَرَ وَاحْتَاجَ إلَى الْمَوْقُوفِ يُرْفَعُ إلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَجَّلًا) كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (وَفَسَخَهُ لَوْ) كَانَ (لِوَارِثِ الْوَاقِفِ كَانَ حُكْمًا بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَلَا) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى الْقَاضِي إذَا أَطْلَقَ بَيْعَ وَقْفٍ غَيْرِ مُسَجَّلٍ إنْ أَطْلَقَ لِوَارِثِ الْوَاقِفِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ حُكْمًا بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ لِغَيْرِ وَارِثِهِ لَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ إذَا بَطَلَ عَادَ إلَى مِلْكِ وَارِثِ الْوَاقِفِ وَبَيْعُ مَالِ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ
(أَقَرَّ بِوَقْفٍ صَحِيحٍ وَبِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ وَوَارِثُهُ يَعْلَمُ خِلَافَهُ) أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ (جَازَ) أَيْ الْوَقْفُ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِوَارِثِهِ (أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا يُسْمَعُ دَعْوَاهُ) فِي الْقَضَاءِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
[الْوَقْفُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ]
(الْوَقْفُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ كَالْهِبَةِ فِيهِ) فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مِنْ الْقَبْضِ وَالْإِفْرَازِ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَجَازَهُ الْوَارِثُ نَفَذَ) فِي الْكُلِّ (وَإِلَّا بَطَلَ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ) وَإِذَا أَجَازَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ جَازَ بِقَدْرِ مَا أَجَازَ وَبَطَلَ فِي الْبَاقِي إلَّا أَنْ يَظْهَرَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ غَيْرُهُ فَيَنْفُذُ فِي الْكُلِّ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (الْوَقْفُ) إمَّا (لِلْفُقَرَاءِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (أَوْ لِلْأَغْنِيَاءِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءُ) كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ الْأَغْنِيَاءِ وَبَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ (أَوْ يَسْتَوِي فِيهِ الْفَرِيقَانِ) أَيْ الْفُقَرَاءُ وَالْأَغْنِيَاءُ (كَالرِّبَاطَاتِ وَالْخَانَاتِ وَالْمَقَابِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَالسِّقَايَاتِ وَالْقَنَاطِرِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَصْلٌ (يُتْبَعُ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي إجَارَتِهِ) حَتَّى إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَالنَّاسُ لَا يَرْغَبُونَ فِي اسْتِئْجَارِهَا سَنَةً وَكَانَ إجَارَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ أَدَرَّ عَلَى الْوَقْفِ وَأَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ فَلَيْسَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُخَالِفَ شَرْطَهُ وَيُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ بَلْ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يُؤَجِّرَهُ الْقَاضِي أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ النَّظَرِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْوَاقِفُ فَلِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ بِلَا إذْنِ الْقَاضِي كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ
(فَلَوْ) (أَهْمَلَ) الْوَاقِفُ (مُدَّتَهَا) أَيْ لَمْ يُبَيِّنْهَا (قِيلَ تُطْلَقُ) أَيْ تَبْقَى عَلَى إطْلَاقِهَا وَلَا تُقَيَّدُ بِمُدَّةٍ فَلِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤَجِّرَ كَيْفَ شَاءَ جَرْيًا عَلَى سَنَنِ الْوَاقِفِ (وَقِيلَ يُقَيِّدُ بِسَنَةٍ) سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ دَارًا أَوْ أَرْضًا لِزِيَادَةِ احْتِيَاطٍ فِي أَمْرِ الْوَقْفِ (وَبِهَا) أَيْ بِالسَّنَةِ (يُفْتَى فِي الدَّارِ) لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ الْوَقْفِ فَإِنَّ مَنْ رَآهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ يَزْعُمُهُ مَالِكًا (وَبِثَلَاثِ سِنِينَ فِي الْأَرْضِ) يَعْنِي أَنَّ الْأَرْضَ إذَا كَانَتْ مِمَّا يُزْرَعُ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَا يُؤَجِّرُهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ الْوَقْفُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ كَالْهِبَةِ) أَقُولُ إلَّا أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يُجِزْهُ بَاقِيهِمْ لَا يَبْطُلُ أَصْلُهُ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ مَا جَعَلَ مِنْ الْغَلَّةِ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ فَيُصْرَفُ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ عَنْ الْوَاقِفِ مَا دَامَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ حَيًّا، ثُمَّ يُصْرَفُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى مَنْ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ تَرْجِعُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَلَيْسَ كَوَصِيَّتِهِ لِوَارِثٍ لِيُبْطِلَ أَصْلَهُ بِالرَّدِّ نَصَّ عَلَيْهِ هِلَالٌ ﵀ فَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ.
[فَصْلٌ اتِّبَاعُ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي إجَارَتِهِ]
(فَصْلٌ) : (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْوَاقِفُ فَلَيْسَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ بِلَا إذْنِ الْقَاضِي كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ) أَقُولُ إلَّا أَنَّهُ خَصَّهُ بِالدُّورِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى السَّنَةِ بِإِذْنِ الْقَاضِي، وَنَصُّهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ إذَا لَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفُ فِي صَكِّ الْوَقْفِ إجَارَةَ الْوَقْفِ فَرَأَى الْقَيِّمُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا وَيَدْفَعَهَا مُزَارِعَةً فَمَا كَانَ أَدَرَّ عَلَى الْوَقْفِ وَأَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ فَعَلَ إلَّا أَنَّهُ فِي الدُّورِ لَا يُؤَجِّرُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ أَمَّا فِي الْأَرْضِ إنْ كَانَتْ تُزْرَعُ كُلَّ سَنَةٍ لَا يُؤَجِّرُهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ تُزْرَعُ فِي كُلِّ سَنَتَيْنِ مَرَّةً أَوْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مَرَّةً كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا مُدَّةً يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الزِّرَاعَةِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ شَرَطَ ذَلِكَ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْفَصْلِ.
وَذَكَرَ عَقِبَهُ قَاضِي خَانْ صُورَةً ثَالِثَةً هِيَ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ ذَكَرَ فِي صَكِّ الْوَقْفِ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إلَّا إذَا كَانَ أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ كَانَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إذَا رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْمُرَافَعَةِ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ اهـ، ثُمَّ قَالَ قَاضِي خَانْ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ يُجِيزُ إجَارَةَ الْوَقْفِ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الدَّارِ وَالْأَرْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ (قَوْلُهُ يَعْنِي أَنَّ الْأَرْضَ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُزْرَعُ فِي كُلِّ سَنَةٍ. . . إلَخْ) .
أَخْرَجَ بِهِ الْمَتْنَ عَنْ ظَاهِرِهِ وَعَلِمْت أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ ﵁ وَالْفَتْوَى عَلَى إطْلَاقِ الْمَتْنِ كَمَا أَطْلَقَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ حَيْثُ قَالَ وَيُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنْ تُؤَجَّرَ الضِّيَاعُ ثَلَاثَ سِنِينَ؛ لِأَنَّ رَغْبَةَ الْمُسْتَأْجِرِ لَا تَتَوَفَّرُ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَيُؤَجَّرُ غَيْرُ الضِّيَاعِ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي جَعْفَرٍ الْكَبِيرِ اهـ
стр. 559
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُزْرَعُ فِي كُلِّ سَنَتَيْنِ مَرَّةً أَوْ فِي كُلِّ ثَلَاثِ سِنِينَ مَرَّةً كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا مُدَّةً يَتَمَكَّنُ فِيهَا الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الزِّرَاعَةِ (وَبِالْمِثْلِ يُؤَجِّرُ) لَا بِأَقَلَّ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْوَقْفِ (فَلَوْ رَخُصَ أَجْرُهُ) بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى مِقْدَارٍ (لَا يُفْسَخُ) الْعَقْدُ لِلُزُومِ الضَّرَرِ (وَلَوْ زَادَ) أَيْ أَجْرُهُ (عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ قِيلَ يَعْقِدُ بِهِ) أَيْ بِأَجْرِ مِثْلِهِ (ثَانِيًا لِلْآتِي) مِنْ الزَّمَانِ.
وَأَمَّا الْمَاضِي فَلَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الْأَجْرِ الْأَوَّلِ (وَقِيلَ لَا) أَيْ لَا يَعْقِدُ بِهِ ثَانِيًا (كَزِيَادَةِ وَاحِدٍ تَعَنُّتًا) فِي الذَّخِيرَةِ إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضَ وَقْفٍ ثَلَاثَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ هِيَ أَجْرُ الْمِثْلِ حَتَّى جَازَتْ الْإِجَارَةُ فَرَخُصَتْ أُجْرَتُهَا لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَإِذَا ازْدَادَ أَجْرُ مِثْلِهَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ فَعَلَى رِوَايَةِ فَتَاوَى السَّمَرْقَنْدِيِّ لَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ.
وَعَلَى رِوَايَةِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ يُفْسَخُ وَيُجَدَّدُ الْعَقْدُ وَإِلَى وَقْتِ الْفَسْخِ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَزِيَادَةُ الْأُجْرَةِ تُعْتَبَرُ إذَا زَادَتْ عِنْدَ الْكُلِّ حَتَّى لَوْ زَادَ وَاحِدٌ تَعَنُّتًا لَا تُعْتَبَرُ وَعَلَى رِوَايَةِ الشَّرْحِ لَوْ زَادَتْ الْأُجْرَةُ فَرَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ بِالزِّيَادَةِ كَانَ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ (وَلَا يُؤَجِّرُهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ) كَالْإِمَامِ وَالْمُدَرِّسِ وَالْأَوْلَادِ وَنَحْوِهِمْ لِعَدَمِ تَصَرُّفِهِمْ فِي عَيْنِهِ (إلَّا بِتَوْلِيَةِ) أَيْ بِأَنْ يَجْعَلَ الْوَاقِفُ مُتَوَلِّيًا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ (مُتَوَلٍّ آجَرَهُ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ) (لَزِمَهُ تَمَامُهُ كَذَا) (أَبٌ أَجَّرَ مَنْزِلَ صَغِيرِهِ بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ يَعْنِي لَزِمَهُ أَيْضًا تَمَامُهُ إذْ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وِلَايَةُ الْحَطِّ وَالْإِسْقَاطِ كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ.
(لَا تُفْسَخُ) أَيْ إجَارَةُ الْوَقْفِ (بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ لِغَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ وَالْأَبِ (وَالْوَقْفُ لَا يُعَارُ وَلَا يُرْهَنُ) رِعَايَةً لِحَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا إبْطَالَ حَقِّهِ فَلَوْ سَكَنَ الْمُرْتَهِنُ فِيهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ (وَيُفْتَى بِالضَّمَانِ بِإِتْلَافِ مَنَافِعِهِ) يَعْنِي إذَا سَكَنَ رَجُلٌ دَارَ الْوَقْفِ أَوْ أَسْكَنَهُ الْمُتَوَلِّي بِلَا أَجْرٍ قِيلَ لَا شَيْءَ عَلَى السَّاكِنِ، وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَجْرَ الْمِثْلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَكَذَا مَنَافِعُ مَالِ الْيَتِيمِ.
كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ (وَغَصْبِ عَقَارِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْفَتْوَى فِي غَصْبِ الْعَقَارِ وَالدُّورِ الْمَوْقُوفَةِ بِالضَّمَانِ نَظَرًا لِلْوَقْفِ وَمَتَى قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ فَيَشْتَرِي بِهَا ضَيْعَةً أُخْرَى فَتَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ بَدَلَ الْأُولَى كَذَا فِي الأسروشنية.
(وَتُقْبَلُ فِيهِ) أَيْ الْوَقْفِ (الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَشَهَادَةُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالشَّهَادَةُ بِالشُّهْرَةِ) (لِإِثْبَاتِ أَصْلِهِ، وَإِنْ صَرَّحُوا بِهِ) أَيْ شَهِدُوا بِالتَّسَامُعِ، وَقَالُوا عِنْدَ الْقَاضِي نَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ تُقْبَلُ بِخِلَافِ سَائِرِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ كَالنَّسَبِ فَإِنَّهُمْ إذَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالتَّسَامُعِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي تَجْوِيزِ الْقَبُولِ بِتَصْرِيحِ التَّسَامُعِ حِفْظٌ لِلْأَوْقَافِ الْقَدِيمَةِ عَنْ الِاسْتِهْلَاكِ وَغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (لَا) لِإِثْبَاتِ (شَرْطِهِ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى أَصْلِ الْوَقْفِ بِالشُّهْرَةِ تَجُوزُ عَلَى الْجَوَابِ الْمُخْتَارِ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَأَمَّا عَلَى الشَّرَائِطِ فَلَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ (وَبَيَانِ الْمَصْرِفِ مِنْ الْأَصْلِ) يَعْنِي إذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الضَّيْعَةَ وَقْفٌ عَلَى كَذَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ.
(مُتَوَلٍّ بَنَى فِي عَرْصَةِ الْوَقْفِ) (فَهُوَ) أَيْ الْبِنَاءُ (يَكُونُ لِلْوَقْفِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَهَذَا بِخِلَافِ غُلُوِّ السِّعْرِ لِمَا فِي الْبُرْهَانِ وَلَا تُنْقَضُ الْإِجَارَةُ إنْ زَادَتْ الْأُجْرَةُ فِي الْمُدَّةِ بِكَثْرَةِ الرَّغْبَةِ مِنْ النَّاسِ بِخِلَافِ غُلُوِّ السِّعْرِ يَعْنِي لَوْ زَادَ فِي نَفْسِهِ لَا لِرَغْبَةِ رَاغِبٍ وَلَا لِتَعَنُّتِ طَالِبٍ بَلْ لِغُلُوِّ السِّعْرِ عِنْدَ الْكُلِّ تُنْقَضُ الْإِجَارَةُ فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ لَا يُنْقَضُ الْأَوَّلُ بَلْ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ إلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ مُتَوَلٍّ آجَرَهُ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ تَمَامُهُ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ هُوَ الَّذِي يَضْمَنُ تَمَامَهُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ وَصِيُّ الْيَتِيمِ أَوْ مُتَوَلِّي الْوَقْفَ إذَا آجَرَا وَقْفًا أَوْ مَنْزِلًا لِلْيَتِيمِ بِدُونِ الْمِثْلِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ أَصْحَابِنَا ﵏ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ غَاصِبًا إلَّا أَنَّ الْخَصَّافَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ غَاصِبًا وَيَلْزَمهُ أَجْرُ الْمِثْلِ فَقِيلَ لَهُ أَتُفْتِي بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ وَوَجَّهَهُ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِر يَصِيرُ غَاصِبًا عِنْدَ مَنْ يَرَى غَصْبَ الْعَقَارِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِضْ شَيْءٌ مِنْ الْمَنْزِلِ وَسَلِمَ كَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى لَا غَيْرُ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا أَنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اهـ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ فَرَضَهَا فِي وَصِيٍّ وَمُتَوَلٍّ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ ذَكَرَ مَكَانَ الْوَصِيِّ الْأَبَ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُتَوَلِّيَ يَضْمَنُ تَمَامَ الْأَجْرِ بِإِجَارَتِهِ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ كَذَا فِي الْبَحْرِ بَلْ هُوَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
(قَوْلُهُ وَالْوَقْفُ لَا يُعَارُ وَلَا يُرْهَنُ) أَقُولُ هَذَا قَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ إلَّا أَنَّهُ أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ وُجُوبَ الْأَجْرِ بِسُكْنَى الْمُرْتَهِنِ وَحِينَئِذٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ حُكْمَ سُكْنَى الْمُسْتَعِيرِ إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ لَا لِإِثْبَاتِ شَرْطٍ فِي الْأَصَحِّ) قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي مُوجِبَاتِ الْأَحْكَامِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى الْمُخْتَارُ أَنْ يُقْبَلَ عَلَى شَرَائِطِ الْوَقْفِ أَيْضًا (قَوْلُهُ مُتَوَلٍّ بَنَى. . . إلَخْ) أَقُولُ وَهَذَا بِخِلَافِ بِنَاءِ الْوَاقِفِ لِمَا قَالَ فِي الْإِسْعَافِ رَجُلٌ غَرَسَ فِيمَا وَقَفَ أَشْجَارًا أَوْ بَنَى بِنَاءً أَوْ نَصَبَ بَابًا قَالُوا إنْ غَرَسَ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ أَوْ مِنْ مَالِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ غَرَسَهُ لِلْوَقْفِ يَكُونُ وَقْفًا وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا وَغَرَسَ مِنْ مَالِهِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ اهـ.
стр. 560
فَتُصْرَفُ غَلَّتُهُ إلَى مَصَارِفِ الْوَقْفِ (إنْ بَنَاهُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ أَوْ مَالِ نَفْسِهِ وَنَوَاهُ لِلْوَقْفِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَإِنْ بَنَى لِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْمُتَوَلِّي نَفْسِهِ (وَالْأَجْنَبِيُّ إذَا بَنَى وَلَمْ يَنْوِ) شَيْئًا (فَلَهُ ذَلِكَ) ، وَإِنْ نَوَى كَوْنَهُ لِلْوَقْفِ كَانَ وَقْفًا (كَذَا الْغَرْسُ) يَعْنِي أَنَّهُ كَالْبِنَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا (وَالْغَرْسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَسْجِدِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ (بَاعَ دَارًا، ثُمَّ ادَّعَى أَنِّي كُنْتُ وَقَفْتُهَا أَوْ قَالَ وَقْفٌ عَلَيَّ) (لَا يَصِحُّ) لِلتَّنَاقُضِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُشْتَرِيَ (وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ قُبِلَتْ) كَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى عِتْقِ أَمَةٍ تُقْبَلُ بِلَا دَعْوَى (الْوِلَايَةُ) فِي أَمْرِ الْوَقْفِ (لِلْوَاقِفِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا) لِأَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ (وَيُعْزَلُ لَوْ خَانَ كَالْوَصِيِّ) رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ (وَإِنْ) (شَرَطَ) الْوَاقِفُ (أَنْ لَا يُعْزَلَ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الشَّرْعِ (وَلَّاهُ) أَيْ الْوَاقِفُ الْمُتَوَلِّيَ (وَأَخْرَجَهُ) (صَحَّ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَرِيمَةٌ (وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَخْرُجَ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّوْكِيلِ وَلَا عِبْرَةَ بِالشَّرْطِ (طَالِبُ التَّوْلِيَةِ لَا يُوَلَّى) كَمَا لَا يُوَلَّى طَالِبُ الْقَضَاءِ. (مَرِضَ الْمُتَوَلِّي) مَرَضَ الْمَوْتِ (وَفَوَّضَ التَّوْلِيَةَ إلَى غَيْرِهِ) (جَازَ) لِأَنَّ الْمُتَوَلِّي بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ إلَى غَيْرِهِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَلَوْ) (مَاتَ) أَيْ الْمُتَوَلِّي بِلَا تَفْوِيضِهَا إلَى غَيْرِهِ أَوْ بِهِ (فَالرَّأْيُ فِي نَصْبِ الْمُتَوَلِّي إلَى الْوَاقِفِ) لَا الْقَاضِي (ثُمَّ) إنْ مَاتَ الْوَاقِفُ فَالرَّأْيُ فِيهِ إلَى (وَصِيِّهِ، ثُمَّ) إنْ مَاتَ وَصِيُّهُ فَالرَّأْيُ فِيهِ إلَى (الْقَاضِي) وَيُجْعَلُ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَهْلِ الْوَاقِفِ مَا أَمْكَنَ لَا الْأَجَانِبِ (الْبَانِي) لِلْمَسْجِدِ (أَوْلَى بِنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ) (فِي الْمُخْتَارِ إلَّا إذَا عَيَّنَ الْقَوْمُ أَصْلَحَ مِمَّنْ عَيَّنَهُ) أَيْ الْبَانِي (اشْتَرَى الْمُتَوَلِّي بِمَالِ الْوَقْفِ دَارًا لَهُ) أَيْ لِلْوَقْفِ (لَا يَكُونُ وَقْفًا فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ وَالشَّرَائِطِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الْوَقْفُ لَازِمًا كَلَامًا كَثِيرًا وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ (جَازَ) (لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُ أَمَةِ الْوَقْفِ لَا عَبْدِهِ، وَلَوْ مِنْ أَمَتِهِ وَجِنَايَةُ عَبْدِهِ فِي مَالِهِ) أَيْ مَالِ الْوَقْفِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْفِ الْأَوْلَادِ (قَالَ أَرْضِي هَذِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي) (كَانَتْ الْغَلَّةُ لِوَلَدِ صُلْبِهِ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى) لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوِلَادَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا (إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ بِالذُّكُورِ) بِأَنْ يَقُولَ عَلَى الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِي فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ وَإِذَا جَازَ هَذَا الْوَقْفُ (فَمَا يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنْ) الْوَلَدِ (الصُّلْبِيِّ كَانَتْ) أَيْ الْغَلَّةُ (لَهُ) لَا لِغَيْرِهِ (وَإِذَا انْتَفَى) أَيْ الصُّلْبِيُّ (صُرِفَتْ) أَيْ الْغَلَّةُ (إلَى الْفُقَرَاءِ لَا لِوَلَدِ الْوَلَدِ) لِانْقِطَاعِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، هَذَا إذَا كَانَ حِينَ الْوَقْفِ وَلَدٌ صُلْبِيٌّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَ الْوَقْفِ صُلْبِيٌّ بَلْ وَلَدُ الِابْنِ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (كَانَتْ) الْغَلَّةُ (لَهُ خَاصَّةً) لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا مَنْ دُونَهُ مِنْ الْبُطُونِ وَيَكُونُ وَلَدُ الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ الصُّلْبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْبِيِّ (وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبِنْتِ فِي الصَّحِيحِ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَبِهِ أَخَذَ هِلَالٌ؛ لِأَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ لَا إلَى آبَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ بِخِلَافِ وَلَدِ الِابْنِ (وَلَوْ) زَادَ عَلَى الْعِبَارَةِ الْأُولَى وَ (قَالَ وَوَلَدُ وَلَدِي فَقَطْ) أَيْ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا (يَدْخُلُ فِيهِ الصُّلْبِيُّ وَأَوْلَادُ بَنِيهِ يَشْتَرِكُونَ فِي الْغَلَّةِ) وَلَا يُقَدَّمُ الصُّلْبِيُّ عَلَى وَلَدِ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ، وَهَلْ يَدْخُلُ وَلَدُ الْبِنْتِ؟ قَالَ هِلَالٌ يَدْخُلُ (وَلَوْ قَيَّدَ بِالذُّكُورِ) أَيْ قَالَ أَرْضِي هَذِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي الذُّكُورِ قَالَ هِلَالٌ (يَدْخُلُ فِيهِ الذُّكُورُ مِنْ وَلَدِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُشْتَرِيَ) هَذَا عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ قُبِلَتْ) هَذَا عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَوْا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ الدَّعْوَى وَعَلَى قَوْلِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الدَّعْوَى لَا تُشْتَرَطُ لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ التَّصَدُّقُ بِالْغَلَّةِ وَلَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى كَالشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلَاقِ وَعِتْقِ الْأَمَةِ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ مَخْصُوصٌ وَلَمْ يَدَّعِ لَا يُعْطَى لَهُ مِنْ الْغَلَّةِ شَيْءٌ وَيُصْرَفُ جَمِيعُ الْغَلَّةِ لِلْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قُبِلَتْ لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ قَالَ ﵁ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ لَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِدُونِ الدَّعْوَى عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى الْمَسْجِدِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ بِدُونِ الدَّعْوَى وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُقْبَلُ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْفِ الْأَوْلَادِ]
(فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْفِ الْأَوْلَادِ) (قَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَبِهِ أَخَذَ هِلَالٌ) أَقُولُ هَكَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ مَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ أَيْضًا وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَيَّدَ بِالذُّكُورِ يَدْخُلُ فِيهِ الذُّكُورُ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ) هَكَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ أَيْضًا وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا قَالَ عَلِيٌّ الرَّازِيّ إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ يَدْخُلُ فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ مِنْ وَلَدِهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَهُوَ لِمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ ابْنِ الْوَاقِفِ دُونَ ابْنِ بِنْتِ الْوَاقِفِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ كَانَ ذَلِكَ لِكُلِّهِمْ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الِابْنِ وَوَلَدُ الْبِنْتِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَ هِلَالٌ. اهـ.
وَلِابْنِ كَمَالٍ بَاشَا فِي هَذَا رِسَالَةٌ مُفِيدَةٌ (الْبَنِينَ)
стр. 561
الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ كَمَا يَتَنَاوَلُ أَوْلَادَ الْبَنِينَ يَتَنَاوَلُ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ لِمَا قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ إنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ اسْمٌ لِمَنْ وَلَدَهُ وَلَدُهُ وَابْنَةُ وَلَدِهِ، وَمَنْ وَلَدَتْهُ ابْنَتُهُ يَكُونُ وَلَدَ وَلَدِهِ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ عَلَى وَلَدِي فَإِنَّ ثَمَّةَ وَلَدُ الْبِنْتِ لَا يَدْخُلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَتَنَاوَلُ وَلَدَهُ الصُّلْبِيُّ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا، ثُمَّ إذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ وَأَوْلَادُهُمْ فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ صُرِفَتْ الْغَلَّةُ إلَى الْفُقَرَاءِ لِانْقِطَاعِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (وَلَوْ زَادَ الْبَطْنَ الثَّالِثَ) وَقَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي (صُرِفَ إلَى أَوْلَادِهِ مَا تَنَاسَلُوا لَا الْفُقَرَاءِ مَا بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَإِنْ سَفَلَ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ) بِأَنْ يَقُولَ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ أَوْ يَقُولَ عَلَى وَلَدِي، ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي أَوْ يَقُولَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَحِينَئِذٍ يُبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْبَطْنَ الثَّالِثَ فَحُشَ التَّفَاوُتُ فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِنَفْسِ الِانْتِسَابِ لَا غَيْرُ وَالِانْتِسَابُ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ مَنْ قَرُبَ وَمَنْ بَعُدَ بِخِلَافِ الْبَطْنِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ لَهُ وَاحِدٌ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (كَذَا) أَيْ صَرَفَ إلَى أَوْلَادِهِ مَا تَنَاسَلُوا لَا الْفُقَرَاءِ (إذَا قَالَ عَلَى وَلَدِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي أَوْ قَالَ) ابْتِدَاءً (عَلَى أَوْلَادِي) يَسْتَوِي فِيهِ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ كَمَا مَرَّ (وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ صُرِفَتْ الْغَلَّةُ إلَى الْبَاقِي) لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنْ سَفَلَ لَا تُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ (وَلَوْ) (وَقَفَهَا عَلَى أَوْلَادِهِ وَسَمَّاهُمْ) فَقَالَ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ (وَجَعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ) (صُرِفَ نَصِيبُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَجَعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ، فَإِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَانَ نَصِيبُهُ لِلْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْوَقْفَ هُنَاكَ عَلَى الْكُلِّ لَا كُلِّ وَاحِدٍ (وَلَوْ) وَقَفَ (عَلَى امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ) أَيْ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ (ثُمَّ مَاتَتْ) امْرَأَتُهُ (لَا يَكُونُ نَصِيبُهَا لِابْنِهَا) الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْوَاقِفِ (خَاصَّةً إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ) أَيْ الْوَاقِفُ (رَدَّ نَصِيبِ الْمَيِّتِ) أَيْ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ (إلَى وَلَدِهِ) حَتَّى إذَا شَرَطَهُ كَانَ نَصِيبًا لِابْنِهَا (بَلْ) يَكُونُ (لِلْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ الْأَوْلَادِ (وَلَوْ) (قَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا وَلَمْ يَقُلْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لَكِنْ شَرَطَ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ) وَهُوَ رَدُّ نَصِيبِ الْمَيِّتِ إلَى وَلَدِهِ (فَالْغَلَّةُ لِجَمِيعِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْضُ وَلَدِ الْوَاقِفِ وَتَرَكَ وَلَدًا، ثُمَّ جَاءَتْ الْغَلَّةُ تُقْسَمُ عَلَى الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ، وَإِنْ سَفَلُوا) بِمُقْتَضَى عِبَارَةِ الْوَاقِفِ (وَعَلَى الْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّصِيبَ قَبْلَ مَوْتِهِ (فَمَا أَصَابَهُ) أَيْ الْمَيِّتَ مِنْ الْغَلَّةِ (كَانَ لِوَلَدِهِ) بِالْإِرْثِ (فَيَصِيرُ لَهُ) أَيْ لِوَلَدِ الْمَيِّتِ (سَهْمُهُ الَّذِي عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ) بِحُكْمِ تَعَيُّنِهِ (وَسَهْمُ وَالِدِهِ) بِالْإِرْثِ (وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ، فَإِذَا انْقَرَضَا فَعَلَى أَوْلَادِهِمَا أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَخَلَفَ وَلَدًا صَرَفَ نِصْفَ الْغَلَّةِ إلَى الْبَاقِي وَالنِّصْفَ إلَى الْفُقَرَاءِ) كَمَا مَرَّ فِي صُورَةِ تَسْمِيَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَوْلَادِ (فَإِذَا مَاتَ الْآخَرُ صَرَفَ الْكُلَّ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ) يُقْسَمُ بَيْنَ وَلَدٍ لِأَحَدِهِمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْآخَرِ عَلَى السَّوِيَّةِ (وَقَفَ عَلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ لَمْ يَدْخُلْ وَالِدُهُ وَجَدُّهُ وَوَلَدُهُ) رَجُلٌ قَالَ أَرْضِي هَذِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَقَارِبِي أَوْ عَلَى قَرَابَتِي أَوْ عَلَى ذَوِي قَرَابَتِي قَالَ هِلَالٌ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَلَا يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ) أَقُولُ وَيَدْخُلُ فِي الْقِسْمَةِ مَنْ وُلِدَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ طُلُوعِ الْغَلَّةِ لَا مَنْ وُلِدَ لِأَكْثَرَ مِنْهَا إلَّا إذَا وَلَدَتْ مُبَانَتُهُ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ الْمُعْتَقَةُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَالْجَوَابُ فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مَا هُوَ الْجَوَابُ فِي مَنْكُوحَةٍ غَيْرِ مُطَلَّقَةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَدْخُلْ وَالِدُهُ وَجَدُّهُ وَوَلَدُهُ) أَقُولُ هَذَا بِخِلَافِ مَا فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ الزِّيَادَاتِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
стр. 562
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَالِدُ الْوَاقِفِ وَلَا جَدُّهُ وَلَا وَلَدُهُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (دَارٌ فِي يَدِهِ بَرْهَنَ آخَرُ أَنَّهَا وَقْفٌ عَلَيْهِ وَبَرْهَنَ قَيِّمُ الْوَقْفِ أَنَّهَا لِلْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَرَّخَا فَلِلسَّابِقِ وَإِلَّا فَبَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ وَقْفٌ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ فِي يَدِ الْحَيِّ وَأَوْلَادِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْحَيُّ بَرْهَنَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْأَخِ أَنَّ الْوَقْفَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَالْبَاقِيَ غَيْبٌ وَالْوَاقِفُ وَاحِدٌ يُقْبَلُ وَيَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِينَ، وَلَوْ بَرْهَنَ أَوْلَادُ الْأَخِ أَنَّ الْوَقْفَ مُطْلَقٌ عَلَيْك وَعَلَيْنَا فَبَيِّنَةُ مُدَّعِي الْوَقْفِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ أَوْلَى كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
كِتَابُ الْبُيُوعِ (هُوَ) أَيْ الْبَيْعُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْبُيُوعُ لُغَةً مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ مُطْلَقًا وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ يُقَالُ بَاعَ الشَّيْءَ إذَا شَرَاهُ أَوْ اشْتَرَاهُ وَيَتَعَدَّى إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِلَا حَرْفٍ وَبِهِ يُقَالُ بَاعَهُ الشَّيْءَ وَبَاعَهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا جُمِعَ لِكَوْنِهِ أَنْوَاعًا أَرْبَعَةً بِاعْتِبَارِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا بَيْعُ سِلْعَةٍ بِمِثْلِهَا وَيُسَمَّى مُقَايَضَةً أَوْ بَيْعُهَا بِالثَّمَنِ وَيُسَمَّى بَيْعًا لِكَوْنِهِ أَشْهَرَ الْأَنْوَاعِ، أَوْ بَيْعُ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ كَبَيْعِ النَّقْدَيْنِ وَيُسَمَّى صَرْفًا، أَوْ بَيْعُ دَيْنٍ بِمُعَيَّنٍ وَيُسَمَّى سَلَمًا وَبِاعْتِبَارِ الثَّمَنِ أَيْضًا أَرْبَعَةً؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ يُسَمَّى مُسَاوَمَةً أَوْ اُعْتُبِرَ مَعَ زِيَادَةٍ يُسَمَّى مُرَابَحَةً أَوْ بِدُونِهَا يُسَمَّى تَوْلِيَةً أَوْ مَعَ النَّقْصِ يُسَمَّى وَضِيعَةً. وَشَرْعًا (مُبَادَلَةُ مَالٍ بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ) أَيْ التِّجَارَةِ خَرَجَ بِهِ مُبَادَلَةُ رَجُلَيْنِ بِمَالِهِمَا بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ أَوْ الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ ابْتِدَاءً، وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِهِ بَقَاءً، لَمْ يَقُلْ عَلَى سَبِيلِ التَّرَاضِي لِيَتَنَاوَلَ بَيْعَ الْمُكْرَهِ فَإِنَّهُ بَيْعٌ مُنْعَقِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ (يَنْعَقِدُ) الِانْعِقَادُ تَعَلُّقُ كَلَامِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بِالْآخَرِ شَرْعًا عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْمَحَلِّ (بِالْإِيجَابِ) وَهُوَ الْإِثْبَاتُ سُمِّيَ بِهِ أَوَّلُ كَلَامِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ بِعْتُ أَوْ اشْتَرَيْتُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْآخَرِ خِيَارُ الْقَبُولِ (وَالْقَبُولِ) وَهُوَ ثَانِي كَلَامِ أَحَدِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ بِعْت أَوْ اشْتَرَيْت (الْمَاضِيَيْنِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ إذَا كَانَا بِلَفْظِ الْمَاضِي، ثُمَّ قَالَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ وَالْإِنْشَاءُ يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ وَالْمَوْضُوعُ لِلْإِخْبَارِ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ فَيَنْعَقِدُ بِهِ وَأَرَادَ بِالْمَوْضُوعِ لِلْإِخْبَارِ لَفْظَ الْمَاضِي إذْ اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ فَلَا وَجْهَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ شَيْءٍ إلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَإِلَّا لَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا لَفْظُ الْمُسْتَقْبَلِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَقَدْ مَرَّ الْفَرْقُ هُنَالِكَ وَأَرَادَ بِلَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ صِيغَةَ الْأَمْرِ نَحْوَ بِعْهُ مِنِّي بِكَذَا فَقَالَ بِعْت؛ لِأَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ زَوِّجْنِي فَيَقُولُ زَوَّجْتُك فَلَا وَجْهَ لِحَمْلِهِ عَلَى الْمُضَارِعِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِهِ نَعَمْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ إذَا قَارَنَتْهُ النِّيَّةُ كَمَا نَقَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَتُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ (وَ) يَنْعَقِدُ أَيْضًا (بِمَا فِي مَعْنَاهُمَا) أَيْ الْمَاضِيَيْنِ نَحْوَ رَضِيت وَأَعْطَيْتُك بِكَذَا أَوْ خُذْهُ بِكَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِهِ أَيْضًا، فَإِذَا قَالَ بِعْتُ مِنْك هَذَا بِكَذَا فَقَالَ رَضِيتُ أَوْ قَالَ اشْتَرَيْت هَذَا مِنْك فَقَالَ خُذْهُ يَعْنِي بِعْت بِذَلِكَ فَخُذْهُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالْأَخْذِ بِالْبَدَلِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْبَيْعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ بِعْته مِنْك بِهِ فَخُذْهُ فَقُدِّرَ الْبَيْعُ اقْتِضَاءً فَيَثْبُتُ الْعَقْدُ بِاعْتِبَارِهِ لَا بِلَفْظَيْنِ أَحَدِهِمَا الْأَمْرُ لِيُنَافِيَ مَا مَرَّ فَإِنَّ الْمَعْنَى هُوَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[كِتَابُ الْبُيُوعِ] [مَا يَنْعَقِد بِهِ الْبَيْع]
ِ) (قَوْلُهُ الْمَاضِيَيْنِ) قَالَ قَاضِي خَانْ الْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظَيْنِ يُنْبِئَانِ عَنْ التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْت مِنْك هَذَا بِكَذَا أَوْ يَقُولَ أَبِيعُك هَذَا بِكَذَا وَيَقُولَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت أَوْ قَبِلْت أَوْ رَضِيت أَوْ أَجَزْت، وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْنِي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَيَقُولُ بِعْت أَوْ يَقُولُ الْبَائِعُ اشْتَرِ مِنِّي هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا فَيَقُولُ اشْتَرَيْت، وَكَمَا لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الِاسْتِقْبَالِ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ سَأَبِيعُك هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت
стр. 563
الْمُعْتَبَرُ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ اللَّفْظُ فِي بَعْضِهَا كَشِرْكَةِ الْمُفَاوَضَةِ حَيْثُ لَا تَصِحُّ إذَا لَمْ يُبَيِّنَا جَمِيعَ مَا تَقْتَضِيهِ (حَتَّى التَّعَاطِيَ) أَيْ إعْطَاءَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِهِ بِلَا وُجُودُ لَفْظٍ فَضْلًا عَنْ الْمَاضِيَيْنِ لِوُجُودِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّرَاضِي (مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْخَسِيسِ وَالنَّفِيسِ هُوَ الصَّحِيحُ لَا مَا قَالَ الْكَرْخِيُّ يَنْعَقِدُ بِهِ فِي الْخَسِيسِ فَقَطْ كَالْبَقْلِ وَنَحْوِهِ.
(وَ) يَنْعَقِدُ أَيْضًا (بِلَفْظٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي بَيْعِ الْأَبِ مِنْ طِفْلِهِ) بِأَنْ يَقُولَ بِعْت هَذَا مِنْهُ بِكَذَا (وَشِرَائِهِ مِنْهُ) بِأَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْت هَذَا مِنْ ابْنِي فَإِنَّ عِبَارَةَ الْأَبِ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْعِبَارَتَيْنِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَبُولٍ وَكَانَ أَصِيلًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَنَائِبًا عَنْ طِفْلِهِ حَتَّى إذَا بَلَغَ كَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ دُونَ أَبِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مَالَ طِفْلِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَبَلَغَ كَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَى أَبِيهِ، فَإِذَا لَزِمَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فِي صُورَةِ شِرَائِهِ لَا يَبْرَأُ عَنْ الدَّيْنِ حَتَّى يُنَصِّبَ الْقَاضِي وَكِيلًا يَقْبِضُهُ لِلصَّغِيرِ فَيَرُدُّهُ عَلَى أَبِيهِ فَيَكُونُ أَمَانَةً عِنْدَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا بِدِرْهَمٍ فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ (وَيُخَيَّرُ الْقَابِلُ فِي الْمَجْلِسِ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخَيَّرْ لَزِمَهُ حُكْمُ الْعَقْدِ جَبْرًا وَهُوَ مُنْتَفٍ (بَيْنَ قَبُولِ الْكُلِّ بِالْكُلِّ وَالتَّرْكِ) يَعْنِي أَنَّ الْبَائِعَ إذَا أَوْجَبَ فِي شَيْءٍ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي فِي بَعْضِ ذَلِكَ أَوْ أَوْجَبَ الْمُشْتَرِي فِي شَيْءٍ فَقَبِلَ الْبَائِعُ فِي بَعْضِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ وَأَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا لِلْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ وَاحِدًا لَزِمَ ضَرَرُ الشِّرْكَةِ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّدًا فَالْعَادَةُ ضَمُّ الْجَيِّدِ إلَى الرَّدِيءِ وَنَقْصُ ثَمَنِ الْجَيِّدِ لِتَرْوِيجِ الرَّدِيءِ فَلَوْ ثَبَتَ خِيَارُ قَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْبَعْضِ بِأَنْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ فِي الْجَيِّدِ وَتَرَكَ الرَّدِيءَ فَزَالَ الْجَيِّدُ عَنْ يَدِ الْبَائِعِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ وَفِيهِ ضَرَرٌ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ أَخْذُ الْكُلِّ بِالْبَعْضِ أَوْلَى، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الصَّفْقَةُ فَلَهُ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ عَنْ الْبَائِعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (إلَّا إذَا كَرَّرَ) أَيْ الْبَائِعُ (لَفْظَ بِعْتُ وَفَصَّلَ الثَّمَنَ) إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْهِدَايَةِ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ صَفَقَاتٌ مَعْنًى لَا يَتِمُّ إلَّا أَنْ يُدْرَجَ تَكْرَارُ لَفْظِ الْعَقْدِ إذْ بِهِ تَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ لَا بِمُجَرَّدِ بَيَانِ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَعْضَ الْمَبِيعِ دُونَ الْبَعْضِ، وَإِنْ فَصَّلَ الثَّمَنَ إلَّا إذَا كَرَّرَ الْبَائِعُ لَفْظَ بِعْت مَعَ ذِكْرِ الثَّمَنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَهُ ذَلِكَ إنْ فَصَّلَ الثَّمَنَ بِأَنْ قَالَ بِعْتُك هَذَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ بِكَذَا أَوْ بِعْتُك هَذِهِ الْعَشَرَةَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِكَذَا (أَوْ رَضِيَ) أَيْ الْبَائِعُ (بِقَوْلِهِ) أَيْ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي (اشْتَرَيْت هَذَا بِكَذَا) قَالَ الْقُدُورِيُّ إنْ رَضِيَ الْبَائِعُ فِي الْمَجْلِسِ بِتَفْرِيقِ صَفْقَةٍ يَصِحُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِئْنَافَ إيجَابٍ لَا قَبُولًا وَرِضَى الْبَائِعِ بِهِ قَبُولًا، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ لِلْبَعْضِ الَّذِي قَبِلَهُ الْمُشْتَرِي حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ كَالصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ وَفِي قَفِيزَيْنِ بَاعَهُمَا بِعَشَرَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مُنْقَسِمٌ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ فَتَكُونُ حِصَّةُ كُلِّ بَعْضٍ مَعْلُومَةً، فَأَمَّا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى عَبْدَيْنِ أَوْ ثَوْبَيْنِ فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ بِقَبُولِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، أَقُولُ مَنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ مُرَادِ الْقُدُورِيِّ فَإِنَّ تَسْمِيَتَهُ عِبَارَةَ الْمُشْتَرِي إيجَابًا وَرِضَى الْبَائِعِ قَبُولًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي عِبَارَةِ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ ذِكْرَ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَرَّرَ الْبَائِعُ لَفْظَ بِعْت وَفَصَّلَ الثَّمَنَ) أَقُولُ: هَذَا بِنَاءٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُخْتَارُ قَوْلُهُمَا لِمَا فِي الْبُرْهَانِ أَوْ يُفَصِّلُ ثَمَنًا بِأَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ بِمِائَةٍ كُلَّ وَاحِدٍ بِخَمْسِينَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ حِينَئِذٍ فِي الْمُخْتَارِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا إنَّ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ تَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ، وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْ لَفْظَ بِعْت؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَفْصِيلِهِ وَلَئِنْ وُجِدَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ وَشَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ لِتَعَدُّدِهَا تَكْرَارَ لَفْظِ الْبَيْعِ بِأَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ بِعْتُك هَذَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَبِعْتُك هَذَا بِخَمْسِمِائَةٍ. اهـ.
стр. 564
بَعْضِ الْمَبِيعِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْته بِلَا ذِكْرِ الثَّمَنِ لَا يَكُونُ إيجَابًا، وَلَا قَوْلِ الْبَائِعِ رَضِيت قَبُولًا لِعَدَمِ صِدْقِ تَعْرِيفِ الْبَيْعِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فَظَهَرَ عَدَمُ لُزُومِ الْبَيْعِ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا قُلْت أَوْ رَضِيَ بِقَوْلِهِ اشْتَرَيْت هَذَا بِكَذَا (وَيَمْتَدُّ) أَيْ خِيَارُ الْقَبُولِ (إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ) وَلَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ، وَإِنْ طَالَ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، فَإِذَا عُدَّتْ الْأُمُورُ الْمُتَعَدِّدَةُ بِسَبَبِهِ وَاحِدَةٌ فَلَأَنْ تُعْتَبَرَ سَاعَاتُهُ سَاعَةً وَاحِدَةً أَوْلَى دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَتَحْقِيقًا لِلْيُسْرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الْخُلْعُ وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ كَذَلِكَ بَلْ تَوَقَّفَ الْإِيجَابُ فِيهِمَا عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُمَا اشْتَمَلَا عَلَى الْيَمِينِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى فَكَانَ ذَلِكَ مَانِعًا عَنْ الرُّجُوعِ فِي الْمَجْلِسِ (وَالْكِتَابُ وَالرِّسَالَةُ كَالْخِطَابِ) يَعْنِي إذَا كَتَبَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بِعْتُك عَبْدِي فُلَانًا بِكَذَا أَوْ قَالَ لِرَسُولِهِ بِعْت هَذَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِكَذَا فَاذْهَبْ وَأَخْبِرْهُ فَوَصَلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَأَخْبَرَ الرَّسُولُ الْمُرْسَلَ إلَيْهِ فَقَالَ فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْكِتَابِ أَوْ الرِّسَالَةِ اشْتَرَيْتُهُ بِهِ أَوْ قَبِلْتُهُ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ وَالرَّسُولُ مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ فَكَلَامُهُ كَكَلَامِ الْمُرْسِلِ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﵇ كَانَ يُبَلِّغُ تَارَةً بِالْخِطَابِ وَتَارَةً بِالْكِتَابِ.
(وَيَبْطُلُ الْإِيجَابُ قَبْلَ الْقَبُولِ بِالرُّجُوعِ) أَيْ بِرُجُوعِ الْمُوجِبِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الرُّجُوعِ لُزُومُ إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِدُونِ الْقَبُولِ، اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْمِلْكِ بَلْ حَقُّ التَّمَلُّكِ أَيْضًا حَقٌّ وَفِيهِ إبْطَالُهُ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِيجَابَ إذَا لَمْ يَفْدِ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ مُزِيلًا لِمِلْكِ الْبَائِعِ فَحَقُّ التَّمَلُّكِ لِلْمُشْتَرِي لَا يُعَارِضُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ لِلْبَائِعِ لِكَوْنِهَا أَقْوَى مِنْهُ وَلَا يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ إلَى السَّاعِي، فَإِنَّ الْمُزَكِّيَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِرْدَادِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْفَقِيرِ بِالْمَدْفُوعِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ زَالَتْ مِنْ الْمُزَكِّي فَعَمِلَ حَقُّ الْفَقِيرِ لِانْتِفَاءِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا الْإِيجَابُ قَبْلَ الْقَبُولِ (بِقِيَامِ أَيِّهِمَا) مِنْ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ (عَنْ مَجْلِسِهِ) لِأَنَّ الْقِيَامَ دَلِيلُ الرُّجُوعِ وَالدَّلَالَةُ تَعْمَلُ عَمَلَ الصَّرِيحِ. اُعْتُرِضَ بِأَنَّهَا إنَّمَا تَعْمَلُ عَمَلَهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ صَرِيحٌ يُعَارِضُهَا وَهَاهُنَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الْقِيَامِ قَبِلْت وُجِدَ الصَّرِيحُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ وَرُدَّ بِأَنَّ الصَّرِيحَ إنَّمَا وُجِدَ بَعْدَ الدَّلَالَةِ وَلِذَا لَمْ يُعَارِضْهَا (وَلَزِمَ) أَيْ الْبَيْعُ (بِهِمَا) أَيْ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (بِلَا خِيَارٍ) لِأَحَدِهِمَا فِي الْمَجْلِسِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» وَلَنَا أَنَّ فِي الْفَسْخِ إبْطَالَ حَقِّ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ. أَقُولُ يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِحَقِّ الْآخَرِ حَقُّ التَّمَلُّكِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ أُرِيدَ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ حَقَّ التَّمَلُّكِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتُ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَبُولِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ بَلْ كَانَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً مَعَ كَوْنِهِ رُكْنًا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ وَلَنَا أَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ يُفِيدَانِ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ لِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَأَبَاحَ الْأَكْلَ، وَلَوْ فِي الْمَجْلِسِ لِوُجُودِ التِّجَارَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ التَّرَاضِي وَالْبَيْعُ تِجَارَةٌ فَدَلَّ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى نَفْيِ الْخِيَارِ وَصِحَّةِ وُقُوعِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي، وَالْقَوْلُ بِالْخِيَارِ تَقْيِيدٌ وَهُوَ نَسْخٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ بِقِيَامِ أَيِّهِمَا) أَقُولُ يَعْنِي لَوْ كَانَا قَاعِدَيْنِ، وَكَذَا لَوْ كَانَا وَاقِفَيْنِ فَسَارَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَكَلَ لُقْمَتَيْنِ فَقَبِلَهُ لَا يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ فَقَبِلَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ أَوْ فِي رَكْعَةٍ مِنْ التَّطَوُّعِ فَأَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى فَقَبِلَ جَازَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ تَبَايَعَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَنْعَقِدُ لِتَفَرُّقِ الْمَجْلِسِ بِالْخُطُوَاتِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَنْعَقِدُ إذَا أَجَابَ الْمُخَاطَبُ مَوْصُولًا بِالْخِطَابِ. اهـ.
стр. 565
فَلَا يَجُوزُ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى خِيَارِ الْقَبُولِ أَيْ قَبُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْعَقْدَ فِي الْمَجْلِسِ، وَفَائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمُوجِبَ بَعْدَمَا أَوْجَبَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِخِيَارِ الْفَسْخِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَا الْقَبُولِ الْمُقَابِلِ لِلْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ وَفِي الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَحْوَالَ ثَلَاثٌ: حَالٌ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَحَالٌ وُجِدَا فِيهَا وَانْقَضَيَا وَحَالٌ وُجِدَ فِيهَا أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ مَوْقُوفٌ وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَيْهِمَا فِي الْأُولَى مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَفِي الثَّالِثَةِ حَقِيقَةٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ أَيْ أَجْزَاءٌ مِنْ أَوَاخِرِ الْمَاضِي وَأَوَائِلِ الْمُسْتَقْبَلِ وَهِيَ حَالُ الْمُبَاشَرَةِ بِأَنْ يَقْبَلَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَجْلِسِ، وَالْآخَرُ مُتَوَقِّفٌ فِيهِ فَتَعَيَّنَ الثَّالِثَةُ فَإِنَّهُمَا مُتَبَايِعَانِ حَقِيقَةً حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لَا مَا قَبْلَهَا وَلَا مَا بَعْدَهَا أَوْ يَحْتَمِلُهَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ إبْطَالُ حَقِّ الْآخَرِ، وَالتَّفَرُّقُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى تَفَرُّقِ الْأَقْوَالِ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا بِعْت وَيَقُولَ الْآخَرُ لَا أَشْتَرِي أَوْ بِالْعَكْسِ حَيْثُ لَا يَبْقَى الْخِيَارُ بَعْدَهُ، فَإِنْ قِيلَ التَّفَرُّقُ يَكُونُ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ هَاهُنَا قُلْنَا الْمُرَادُ بِالتَّفَرُّقِ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ ابْتِدَاءً وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ مُقَرَّرَةٍ فِي الْمِفْتَاحِ وَالْكَشَّافِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ ضَيِّقْ فَمَ الرَّكْيَةِ وَوَسِّعْ كُمَّ الثَّوْبِ وَالْمُرَادُ فِي الْأَوَّلِ جَعْلُ فَمِ الرَّكْيَةِ ضَيِّقًا ابْتِدَاءً وَفِي الثَّانِي جَعْلُ كُمِّ الثَّوْبِ وَاسِعًا ابْتِدَاءً فَلَا تَغْفُلْ.
(وَكَفَى) فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ (الْإِشَارَةُ فِي أَعْوَاضٍ) أَعَمِّ مِنْ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ (غَيْرِ رِبَوِيَّةٍ) احْتِرَازٌ عَنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ وَحِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا بِجِنْسِهَا فَإِنَّ الْإِشَارَةَ فِيهِ لَا تَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُسَاوَاتِهَا قَدْرًا لِاحْتِمَالِ الرِّبَا كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنَّمَا كَفَتْ الْإِشَارَةُ لِكَوْنِهَا أَبْلَغَ طُرُقِ التَّعْرِيفِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْقَدْرِ وَالْوَصْفِ بِخِلَافِ السَّلَمِ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَوَصْفِهِ وَاجِبَةٌ فِيهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي (وَشَرْطُ مَعْرِفَةِ مَبِيعٍ يُسَلَّمُ) أَيْ يَحْتَاجُ إلَى التَّسْلِيمِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عِنْدَهُ مَتَاعًا فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ وَلَمْ يُعَرِّفَاهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَى التَّسْلِيمِ ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ (بِمَا) مُتَعَلِّقٌ بِمَعْرِفَةِ (يَرْفَعُ الْجَهَالَةَ) الْمُفْضِيَةَ إلَى النِّزَاعِ الْمُفْضِي إلَى فَسَادِ الْبَيْعِ بِأَنْ بَاعَ غَائِبًا وَأَشَارَ إلَى مَكَانِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مُسَمًّى بِذَلِكَ الِاسْمِ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
(وَ) شُرِطَ أَيْضًا مَعْرِفَةُ (قَدْرِ ثَمَنٍ) كَعَشَرَةٍ مَثَلًا كَائِنٍ (فِي الذِّمَّةِ) احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشَارِ إلَيْهِ كَمَا سَبَقَ وَمَا يَحْصُلُ فِيهَا هُوَ الْمَكِيلَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ وَالْمَوْزُونَاتُ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَسَائِرِ مَا يُوزَنُ إذَا قُوبِلَتْ بِالْأَعْيَانِ الْقِيَمِيَّةِ (وَ) مَعْرِفَةُ (وَصْفِهِ) كَكَوْنِهِ بُخَارِيًّا أَوْ سَمَرْقَنْدِيًّا؛ لِأَنَّ جَهَالَتَهُمَا تُفْضِي إلَى النِّزَاعِ فَيَعْرَى الْعَقْدُ عَنْ الْمَقْصُودِ.
(وَصَحَّ) الْبَيْعُ (بِحَالٍّ) أَيْ بِثَمَنٍ حَالٍّ (وَمُؤَجَّلٍ) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَعَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ ثَوْبًا إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ مَانِعَةٌ مِنْ التَّسْلِيمِ الْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ فَهَذَا يُطَالِبُهُ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ، وَذَلِكَ يُسْلِمُ فِي بِعِيدِهَا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا أَقُولُ فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ نَصَّ الْبَيْعَ مُطْلَقٌ كَمَا قَالُوا، وَاشْتِرَاطُ مَعْلُومِيَّةِ الْأَجَلِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِالرَّأْيِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ نَسْخٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَنَحْوِهَا) يَعْنِي نَحْوَ الثَّلَاثَةِ بِجِنْسِهَا (قَوْلُهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْقَدْرِ وَالْوَصْفِ) أَقُولُ وَلَكِنْ لَا تَسْقُطُ الْجَوْدَةُ حَتَّى لَوْ أَرَاهُ دَرَاهِمَ، وَقَالَ اشْتَرَيْت بِهَذِهِ فَوَجَدَهَا زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْجِيَادِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ وَاجِبَةٌ فِيهَا) لَعَلَّهُ وَاجِبٌ فِيهِ إذْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُسْلَمِ فِيهِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُعَرِّفَاهُ) يَعْنِي مِقْدَارَهُ (قَوْلُهُ وَأَشَارَ إلَى مَكَانِهِ. . . إلَخْ) بَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يُشِرْ إلَى مَكَانِهِ وَأَعَمُّ مِنْهُ وَبَيْعُ نَصِيبِهِ مِنْ مُشْتَرَكٍ لِغَيْرِ شَرِيكِهِ بِغَيْرِ اخْتِلَاطِ الْمِثْلِيِّ وَلِي فِيهِ رِسَالَةٌ.
следующие страницы →