الطويل. وجاء في حديث كعب أن الذين تخلفوا كانوا بضعة وثمانين رجلاً، اعتذروا للرسول ﷺ عن تخلفهم، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرهم إلى الله، ويتطابق هذا العدد مع ما ذكره الواقدي (١) ، وزاد الواقدي بأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضاً اثنين وثمانين رجلاً من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي بن سلول - زعيم المنافقين - ومن تابعه من قومه كانوا من غير هؤلاء.
يبدو أن بودلي وغيره استند في زعمه بأن أغلبية المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك إلى ما ذكره الواقدي (٢) من أن عدد الذين تابعوا عبد الله بن أبي من قومه في عدم الخروج مع الرسول ﷺ كانوا عدداً كثيراً، وروى هو وابن سعد (٣) وابن إسحاق (٤) أن ابن أبي خرج حتى وصل جبل ذياب بالمدينة ومعه حلفاؤه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكر ابن أبي بأقل العسكرين، فلما سار الرسول ﷺ تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين. وكل هذا لم يثبت بطرق صحيحة. فقد روى ابن إسحاق والواقدي وابن سعد هذه الجزئية بصيغة التمريض، مما يدل على عدم قبولهم لهذه الرواية. ولهم أن يشكوا فيها، وبخاصة ذكر اليهود بهذا العدد الذي لا يتفق مع منطق الأحداث التاريخية التي وقعت بين اليهود والمسلمين. فالمشهور الثابت أن الرسول ﷺ أخرج يهود بني
стр. 107
قينقاع (١) والنضير (٢) من المدينة قبل غزوة تبوك بسنين، وقتل مقاتلة يهود بني قريظة وسبى نساءهم، ولم يستثن من القتل إلا الأطفال ومن لا يحمل السلاح والذين أسلموا (٣) ؛ والذين أسلموا ثلاثة (٤) . وحاز اثنان على أمان من بعض الصحابة (٥) .
ولم يتخلف كل المنافقين عن الخروج، فقد روى أحمد (٦) أن جماعة منهم ملثمين حاولوا طرح الرسول ﷺ عن راحلته من رأس عقبة في طريق عودتهم من تبوك في عتمة من الليل، فشعر بمؤامرتهم الدنيئة، فأمر بإبعادهم عنه. وهم الذين قالوا في مجلس لهم بتبوك: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء"، فقال رجل في المجلس: "كذبت، ولكنك منافق (٧) ..".
إذا علمت - أيها القارئ - هذا كله، اتضح لك مدى فساد منهجية بودلي وغيره في تناول أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. فمن أبسط
стр. 108
قواعد المنهج العلمي في التأليف في التاريخ أن يعتمد الباحث على المصادر الأصلية والأصيلة وعلى الروايات الصحيحة أولاً، وإذا لم يجدها استعرض جميع الروايات الضعيفة ورجح ما يقتضيه العقل والمنطق فيما لا يتعارض مع العقيدة أو يحل حراماً ويحرم حلالاً. أو على الأقل يذكر الروايات المعارضة في الموضوع الواحد، مثلما يفعل الطبري في كتابة التاريخ، ويحدد منهجه في مقدمة كتابه.
стр. 109
٣٥- يزعم بودلي (١) أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ لم يكن يحسن الخطابة، وأن أهل اليمن ضحكوا منه، ورماه بعضهم بالحجارة، ولم يقبلوا منه الإسلام، فحاربهم، ثم أعلن لمحمد ﷺ أنهم صاروا جزءاً من الإسلام.
إن كل الذي قاله بودلي هنا ليس صحيحاً. فعليٌّ كان يحسن الخطابة، بل كان من أمراء الفصاحة والبيان، كما تشهد بذلك خطبه ومواعظه وأشعاره، وكتب السيرة والتاريخ مليئة بها.
أما فيما يختص بموقف أهل اليمن من علي ففيه أربع روايات:
الأولى رواية البيهقي (٢) ، من حديث البراء بن عازب، قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، وكنت فيمن سار
стр. 110
معه، فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبي عليَّ بن أبي طالب؛ وأمره أن يرسل خالداً ومن معه إلا من أراد البقاء مع علي فيتركه، وكنت مع من عقب مع علي، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلى علي بنا الفجر، فلما فرغ صفنا صفاً واحداً ثم تقدم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فلما قرأ كتابه خر ساجداً وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان".
والرواية الثانية من حديث الواقدي (١) وتلميذه ابن سعد (٢) ، في خبر بعث الرسول ﷺ علياً إلى اليمن للمرة الثانية، وفيها أنه خرج إلى اليمن، بلاد مذحج، في ثلاثمائة فارس، وعندما التقى بجمعهم دعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا أصحابه بالنبل والحجارة، فصف أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سفيان السلمي، ثم حمل عليهم علي بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرقوا وانهزموا، فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله.. ثم قفل علي فوافى النبي ﷺ بمكة، قد قدمها للحج سنة عشر.
والرواية الثالثة عند الواقدي (٣) ، عن سالم مولى أبي جعفر، مختصرة، وفيها أن الذين لقيهم علي وحاربهم كانوا جمعاً من زبيد وغيرهم.
стр. 111
والرواية الرابعة عند الإمام أحمد (١) ، بسنده إلى بريدة بن الحصيب ﵁، وهو ممن كان مع علي حين بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن، قال: "فلقينا بني زيد من أهل اليمن، فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية..".
والملاحظ أن بودلي اعتمد في زعمه على الرواية الثانية، أي رواية الواقدي، أو رواية ابن سعد من حديث الواقدي، والواقدي لا يحتج به، فما بالك إذا انفرد برواية. ولماذا لم يعتمد على الرواية الأولى، رواية البيهقي الصحيحة؟! وعلى أقل تقدير كان عليه أن يذكر جميع الروايات، وبخاصة أن الأولى تتعلق بقبيلة همدان، والثانية بقبيلة مذحج والثالثة بزبيد والرابعة ببني زيد. وواضح أن عقلية الانتقاء للروايات بما يناسب أغراضه هي التي تسيطر عليه.
وليس في الروايات الثلاث الأخرى ما يفيد أن علياً ﵁ لم يكن يحسن الخطابة، وأن أهل اليمن ضحكوا منه ورماه بعضهم بالحجارة. فالرمي بالحجارة كما في رواية الواقدي في مغازيه وابن سعد في طبقاته، ليس بسبب عدم إحسانه الخطابة، بل كانت الحجارة من أسلحتهم مع النبل في حربهم جيش علي. وهكذا حَرَّف بودلي الرواية الضعيفة ليصل إلى هدفه، وهو أن الإسلام انتشر بالسيف، وأهمل الرواية الصحيحة التي تقول إن الإسلام انتشر بالدعوة في قبيلة همدان اليمنية. وأمثال هذا التحريف كثير في كتب المستشرقين الذين أخذ عنهم بودلي بصفة خاصة، ولو نظر في مصادر السيرة الأصلية: الكتاب والسنة وصحيح التاريخ، لما وقع في مثل هذه الأخطاء، ولما ضلل قراءه من حيث يعلم أو لا يعلم.
стр. 112
وما دام الواقدي هو عمدة بودلي وغيره من مشايخه، فليعلم أن الواقدي (١) نفسه روى من حديث يونس بن ميسرة بن حُلَيس، ونصه قال: "لما قدم علي بن أبي طالب اليمن خطب به، وبلغ كعب الأحبار قيامه بخطبته، فأقبل على راحلته في حلة، معه حبر من أحبار اليهود، حتى استمعا له، فوافقاه، وهو يقول: إن من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، قال كعب: صدق! فقال علي: ومن يُعطِ باليد القصيرة يُعط باليد الطويلة. فقال كعب: صدق! فقال الحبر: وكيف تصدقه؟ قال: أما قوله: من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار"، فهو المؤمن بالكتاب الأول ولا يؤمن بالكتاب الآخر. وأما قوله: "منهم من لا يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار"، فهو الذي لا يؤمن بالكتاب الأول ولا الآخر، وأما قوله: "من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة"، فهو ما يقبل الله من الصدقات. قال: وهو مثل رايته بيِّن! قالوا: وجاء كعباً سائل فأعطاه حلته، ومضى الحبر مغضباً! ومثلت بين يدي كعب امرأة تقول: من يبادل راحلة براحلة؟ فقال كعب: وزيادة حلة؟ قالت: نعم! فأخذ كعب وأعطى، وركب الراحلة ولبس الحلة، وأسرع السير حتى لحق الحبر وهو يقول: من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة.
تفيد هذه الرواية أن علياً كان يخطب في أهل اليمن ولا يعترضه أحد أو يرميه بحجارة، وأن في خطبته حكمة وفصاحة وحسن تمثيل. فلماذا أهمل بودلي هذه الرواية واعتمد على الأخرى بعد تحريفها؟! إنه الغرض أو الجهل أو متابعة أهل الأغراض والأهواء دون بصر، ودون الرجوع إلى مصادرهم. فكان الخلط والخبط والضلال.
стр. 113
لا يخلو كتاب متعصب أو معتدل مزعوم من المستشرقين من الغمز واللمز في مواهب علي ﵁؛ فلامنس أحد مراجع بودلي، يتهمه بعدم الذكاء (١) . ودرمنجهم أحد مراجع بودلي كذلك، يتهمه بمحدودية الذهن، ويشكك في الروايات التي تصفه بالذكاء أو العبقرية (٢) .
стр. 114
٣٥- يشكك بودلي (٣) في إسلام النجاشي، فيقول: "وقد قيل إن النجاشي قد قبل الإسلام، ولكن لا يوجد ما يثبت ذلك تاريخياً".
أقول: هناك ما يثبت إسلام النجاشي تاريخياً، ومن ذلك ما روى البخاري (٤) ومسلم (٥) أن الرسول ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، في العام التاسع الهجري، وصلى بالمسلمين عليه صلاة الغائب، وقال حين دعاهم إلى الصلاة: "توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه".
وذكر ابن إسحاق (٦) في رواية له أن النجاشي لما مات كان يتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور. ويفهم من هذه الرواية الصحيحة أنه مات مسلماً. وذكر في رواية أخرى أن قومه خرجوا عليه لأنه أسلم، وقبل أن يخوض حرباً ضدهم هيأ للمسلمين الذين هاجروا إليه، سفناً ليركبوها إذا
стр. 115
انهزموا، وكتب كتباً يُشهد فيها بإسلامه.. وبلغ ذلك النبي ﷺ . فلما مات استغفر له (١) .
فإذا كانت روايات البخاري ومسلم وابن إسحاق لا تعتمد في إثبات الحقائق التاريخية، فروايات من تلك التي تعتمد؟! روايات الواقدي؟! ربما! فالواقدي نفسه يروي أن النجاشي أسلم عندما وصله كتاب الرسول ﷺ يدعوه فيه إلى الإسلام، بل قال: "لو قدرت أن آتيه لأتيته" (٢) . وفي رواية له ضمن حديث عمرو بن العاص ﵁ في قصة إسلامه، أنه أعلن إسلامه لعمرو ابن العاص، بل أسلم عمرو بن العاص على يديه (٣) . وصرح في رواية ثالثة له بإسلام النجاشي، من حديث إسلام خالد بن الوليد (٤) .
ولك بعد هذا أن تعجب من جرأة هؤلاء المستشرقين على اقتحام ميدان التأليف في سيرة النبي ﷺ ، وهم لا يملكون أدوات هذه المهنة ولا الحياء الذي لم يحرم الله منه حتى الحيوان. والحمد لله على الابتلاء!!!
стр. 116
٣٦- و يشكك في براءة عائشة ﵂ مما نسب إليها من إفك:
فيقول: ".. ولما كانت عائشة هي موضوع الافتراء، كان الشك يحتمل الوجهين، فقد كان في رأس هذه الفتاة أكثر مما في رأس ألف نابه، وكان لها
стр. 117
قدرة الحصول على ما تبغي، فقد كانت متمتعة بكل ما يخلب الألباب، وكانت فاتنة،.." (١) . ويقول في مكان آخر من كتابه: ".. وإن السؤال الذي يظهر أنه لم يجد الجواب العلمي المعقول بعد، هو: هل كانت عائشة بريئة أو غير بريئة؟ كانت حمنة (٢) تصر دائماً على أن مقابلة عائشة لصفوان (٣) كانت مدبَّرة، فلعلها كانت تتألم من الثمانين جلدة، وحتى لو كان الأمر كذلك ففي رواية عائشة نُقَطٌ ضعيفة. كيف تنطلق دون أن تخبر أحداً، وهي تعلم أن القافلة وشيكة الرحيل، ثم تضيّع وقتاً طويلاً في البحث عن قلادتها؟! إن عنصر الوقت هنا هام.." (٤) .
لم يخل كتاب مستشرق مغرض من هذه الفرية. وهم يسيرون في طريق أسلافهم من الكفار والمنافقين الذين أثاروا الفرية في حياة الرسول ﷺ .
ولو كان هؤلاء مؤمنين بالقرآن الكريم لصدَّقوا قول الله في براءة عائشة ﵂ من تهمة أهل الإفك، وهو الذي سمى ما أشيع حولها إفكاً، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] ، وقال: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] . وسماه بهتاناً عظيماً، حين قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ
стр. 118
مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] . ولأطاعوا أمر الله، الذي قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] . وهذه الآية صريحة في نفي الإيمان عن الذين يعودون لاتهام عائشة بما برأها الله منه. وصرحت آية أن عائشة ما كانت تصلح لرسول الله ﷺ شرعاً ولا قدراً، وأن الله ما كان ليجعلها زوجاً لرسوله، إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، والآية المعنية هي: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦] . وهي الآية التي ختم الله بها آيات الإفك.
ولو كان هؤلاء مؤمنين كذلك بصحيح السنة والسيرة النبوية، لصدقوا ما جاء فيها من براءة عائشة ﵂. فقد روى خبر براءتها البخاري (١) ومسلم (٢) وأحمد (٣) وعبد الرزاق (٤) والترمذي (٥) وابن إسحاق (٦) وأبو داود (٧)
стр. 119
وابن ماجه (١) والطبراني (٢) والطبري (٣) والواقدي (٤) وابن سعد (٥) . بل من المؤمنين مَنْ رفض التشكيك في براءة عائشة قبل أن ينزل الوحي ببراءتها، أمثال: أبي أيوب وأم أيوب (٦) وأبي بن كعب وزوجته أم الطفيل (٧) وسعد بن معاذ (٨) .
ولعلك تلحظ - أخي القارئ الكريم - أن المفسرين والمحدثين وأهل المغازي والسير قد اتفقوا على براءة عائشة ﵂، ولم يشذ منهم سوى الروافض، الذين أصبحت رواياتهم في كتب الإخباريين مرتعاً خصباً لأمثالهم من أصحاب الأهواء والأغراض الخبيثة والتعصب المذهبي الأعمى المقيت؛ فمن أين لبودلي وأمثاله الشك في هذه البراءة التي نزل بها القرآن الكريم وحسم الأمر إلى يوم الدين؟ إنها مرويات الروافض. والتفسير الوحيد لموقف هؤلاء من قصة الإفك هو رغبتهم التشكيك في القرآن والسنة وأخلاق
стр. 120
نساء بيت النبوة وصحابته الكرام. والصحابة هم نقلة القرآن والسنة إلينا، والطعن في الناقل طعن في المنقول، كما هو معلوم عند العلماء.
لقد تجاوز بودلي شيخه آرفنج في هذه المسألة، وتابع أسوأ مشايخه. فآرفنج لا يتهم عائشة ﵂ فيما برأها الله منه، ويسلم برواية ثقات المؤرخين المسلمين (١) ، فلو تابعه بودلي في هذه المسألة كما تابعه في غيرها لوجدنا له عذراً في غيرها، وقلنا إنه تابع مشايخه كالأعمى الذي يتبع قائده، ولكن اتضح لنا أنه ينتقي من آراء مشايخه أسوأها، ويهمل ما فيه أي مسحة إنصاف لنبينا محمد ﷺ وآل بيته الأطهار وأصحابه الذين ﵃. إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور!!
стр. 121
٣٧- ولم يكتف بودلي بالتشكيك في براءة عائشة ﵂ التي حسمها الوحي قبل الكل، بل نراه يكيل الاتهامات لها .
يتهمها بالتآمر وتأليب المسلمين بعضهم على البعض بعد وفاة الرسول ﷺ (٢) ، وبأنها فعلت أشياء في بيوت النبي ﷺ تخالف مبادئ الإسلام جميعاً، وأن أباها كان ينكر ما تفعله إنكاراً شديداً (٣) ؛ وبأنها كانت متقلبة؛ ومما قاله في تهمة تقلبها: ".. وأودع المصحف عند حفصة، ولا يعرف سبب عدم
стр. 122
إعطاء المصحف لابنته - يعني أبابكر - ولعله كان يعرف طبيعتها المتقلبة.." (١) ؛ ويتهمها بأنها حاربت علياً لأنه لم يناصرها في حديث الإفك، وقال لمحمد عندما استشاره في أمرها: النساء غيرها كثير (٢) ؛ واتهمها بالخبل، هي ونساء النبي ﷺ الأخريات، ومما قاله هنا ".. ولم نر شابات مخبولات كهؤلاء الشابات - يعني نساء النبي ﷺ "، ويقول: ".. فقد كن كعصابة مخبولات.." (٣) .
كل هذه تهم جزافية لا تستند إلى روايات تاريخية صحيحة مبرأة من الأغراض أو غير صحيحة (٤) .
وقد سمعت عائشة ﵂ بعض هذه التهم في حياتها، مثل اتهامها بأنها حاربت علياً لأنه لم يناصرها في حديث الإفك، فقالت في ردها عليهم، وهي تودع الناس بعد انقضاء موقعة الجمل: ".. يابني، تَعَتَّبَ بعضنا على بعض استبطاءً واستزادة، فلا يَعْتَدَّنَّ أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك؛ إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار"، وقال علي معقباً على كلامها: "يا أيها الناس، صدقت والله وبرت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك،
стр. 123
وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة" (١) .
وهل كانت عائشة ﵂ مخبولة؟ وهي التي أطنب المؤرخون في وصف ذكائها، ومنهم بودلي نفسه الذي قال عنها: ".. فقد كان في رأس هذه الفتاة أكثر مما في رأس ألف نابه.." (٢) . وأصحاب الأغراض والأهواء دائماً متناقضون، وهل المخبول هو من ينكث ما غَزَلَه خلال لحظات؟ أو الذي اتفق المؤرخون على ذكائه وفقهه وفهمه وسعة علمه وقوة حافظته؟!
روى ابن سعد (٣) حديث مسروق، ونصه: ".. رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض"؛ وحديث عطاء بن أبي رباح، قال: "كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة"؛ وحديث هشام بن عروة عن أبيه: "ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة" (٤) ؛ وحديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه: "ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علماً" (٥) . وقول الزهري: "لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء
стр. 124
لكان علم عائشة أفضل" (١) ، وقول الزبير بن بكار عن أبي الزناد، قال:"ما رأيت أحداً أروى لشعر من عروة، فقيل له ما أرواك، فقال: ما روايتي في رواية عائشة؟ ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعراً"؛ وعن معاوية ﵁ قال: "والله ما رأيت خطيباً قط أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة" (٢) ، وقد روت عن النبي ﷺ (٢٢١٠ حديثاً) ، وهي رابعة الأربعة الأوائل المكثرين من الصحابة في رواية الحديث عن الرسول ﷺ (٣) .
هل يعقل ألا تقع عين بودلي على مثل هذه النصوص عندما كان يجمع مادة مؤلفه عن حياة محمد ﷺ ؟! ولماذا يردد ترهات الروافض ومتعصبة المستشرقين التي تنتقص من قدر عائشة ﵂، ويعرض عن الروايات الكثيرة التي ترفع من قدرها وشأنها؟ ألم تقع عيون مشايخه الذين أخذ عنهم دون الرجوع بنفسه إلى المصادر على ما أخرجه الأئمة الأعلام من آثار عن مناقب عائشة الكثيرة في العلم والتوجيه والزهد، مثل ما أخرجه ابن سعد (٤) من طريق أم ذرة التي قالت:"بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين يكون مائة ألف، فدعت بطبق، وهي يومئذ صائمة فجعلت تقسم في الناس. قال: فلما أمست قالت: يا جارية: هاتي فطوري، فقالت أم ذرة - الجارية -:
стр. 125
يا أم المؤمنين، أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحماً تفطرين عليه؟ فقالت: لا تعنفيني، لو كنت أذكرتيني لفعلت". أم لم تقع أعينهم على ما أخرجه ابن سعد (١) كذلك من حديث عروة عن عائشة ﵂، قال: "رأيتها تصدق بسبعين ألفاً، وإنها لترفع (٢) جانب درعها".
من المخبول إذن؟ من هذه سيرته، أم من يكتب في سيرة أعظم رجل وسيرة أطهر الأصحاب والزوجات ولا يلتفت إلى ما جاء في أشهر المصادر عن مناقبهم وسيرهم في الجوانب التي يتعرض لها؟!!
стр. 126
٣٨- ويزعم بودلي أن علياً ﵁ شبَّ على الوثنية الهاشمية (٣) .
المشهور تاريخياً أن علياً ﵁ لم يسجد لصنم قط. وبخاصة أنه أسلم صغيراً، في الخامسة من عمره طبقاً لأقوى الروايات (٤) ، أو الثامنة (٥) ،
стр. 127
أو العاشرة (١) ، وقيل في الثالثة عشرة (٢) ، أو الخامسة عشرة، أو السادسة عشرة (٣) .
ومن كان في سن الخامسة ولم يعرف عنه السجود لصنم قط، لا يمكن أن يقال: شب على الوثنية الهاشمية.
أما إذا استند بودلي ومشايخه إلى رواية ابن إسحاق غير المسندة، وفيها أن الرسول ﷺ ، عندما دعا علياً للإسلام طلب منه أن يكفر باللات والعزى والبراءة من الأنداد، فهذه الرواية لا يحتج بها، ومع افتراض الاحتجاج بها تاريخياً، فهي لا تنهض دليلاً على أنه كان يمارس عبادة الوثنيين في مكة، لأن هذا مما كان يقوله الرسول ﷺ لبيان أصول العقيدة الإسلامية التي جاء بها.
والملاحظ أن درمنجهم، أحد مراجع بودلي، يقول بعكس ما يقول بودلي، فتأمل قوله: "لم يكن عليٌّ حين أسلم يبلغ الحلم، ولم يعبد الأصنام، ولم يسجد لغير الله، فصار اسمه يذكر مقروناً بعبارة: " كرم الله وجهه" (٤) ".
стр. 128
والسؤال هنا: لماذا لم يتابع بودلي شيخه درمنجهم في هذه المسألة؟!
والجواب: يكفيك ما ذكر وما سيذكر عن تدليس بودلي وخبثه!!
стр. 129
٣٩- ولا يؤمن بودلي بالمعجزات كغيره من كثير من المستشرقين .
فالإسراء والمعراج ـ مثلاً ـ عنده أسطورة عربية. فتراه يقول في هذا الصدد: ".. إن دانتي قد تأثر بهذه الأسطورة العربية، فالتشابه ملحوظ في القضيتين، فيما يختص بوصف الجنة"، ويقول: ".. فلا يوجد عن محمد ما يثبت أن هذه الرحلة الليلية قد تمت، وما كنت أدري أن مدني [صاحبه المسلم العربي الذي كان يرافقه في الحجاز] كان يقص عليَّ عقيدة يدين بها كثير من العرب، ويعتقدون في صحتها اعتقادهم في القرآن، استناداً إلى حديث متواتر، وإن كل ما جاء فعلاً عن هذه الرحلة الإلهية على لسان محمد، هو ما ذكر في سورة " الإسراء"، وفي هذه السورة خاصة لا توجد أية إشارة إلى ما ذكره مدني وما يعتقده العرب، وكل ما جاء عن الإسراء في هذه السورة هو: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] ، وما الحكاية في الغالب إلا خرافة من الخرافات التي تذكر للتدليل على معجزات محمد، وما قال محمد يوماً إنه أتى بمعجزات" (١) .
стр. 130
ويقول في معرض الكلام عن غزوة بدر: ".. وإن الذين يعتقدون في المعجزات يقولون: إن شيئاً غير عادي قد وقع في هذه اللحظة، فإن جيشاً من الملائكة على رأسه جبريل، قد استجاب لنداء محمد، وشاركوا المسلمين في قتالهم.." (١) .
لأن بودلي لا يؤمن بأن القرآن وحي من الله، وليس بعد الكفر ذنب، فقصة الإسراء والمعراج التي يصفها بأنها أسطورة عربية، ثابتة بنص القرآن الكريم، وقد أشار هو بنفسه إلى الآية الدالة على هذا، وهي الآية الأولى من سورة الإسراء. ولم تكن الإشارة إليها في سورة الإسراء فقط - وهي السورة التي سميت باسم هذا الحادث - بل هناك إشارة أخرى لها في سورة النجم، حيث ذكر الله قصة المعراج وثمرته، كما في الآيات: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣-١٨] .
والقصة ثابتة كذلك بالأحاديث الصحيحة المتواترة، وليس بحديث واحد متواتر يؤمن به المسلمون، كما أشار.
وليس صحيحاً أنه لا يوجد عن محمد ﷺ ما يثبت أن هذه الرحلة الليلية قد تمت، كما يزعم بودلي! وذلك بدليل قول الرسول ﷺ : "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار.." (٢) ، و: ".. مررت ليلة أسري بي مررت على
стр. 131
قوم.." (١) ، و: ".. رأيت ليلة أسري بي.." (٢) ، و: ".. لقيت ليلة أسري بي.." (٣) ، و: ".. لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، أتت عليَّ رائحة طيبة.." (٤) .
إن من أكثر أحداث السيرة بمكة مرويات هي حادثة الإسراء والمعراج التي يشكك فيها بودلي. فمجموع روايتها عند البخاري عشرون رواية، عن ستة من الصحابة ﵃، وعند مسلم نحواً من ثماني عشرة رواية، عن سبعة من الصحابة.
لم يكن الرسول ﷺ بحاجة إلى الادعاء بأنه أتى يوماً بمعجزات، بل الواقع من سيرته مملوء بالمعجزات، وقد تناول العلماء هذه المعجزات في مجلدات.
وأفردت لها فصلاً في السيرة النبوية، في الطبعة الثانية، إضافة إلى المبثوث في ثنايا أحداث السيرة التي ألفتها بحمد الله تعالى.
وخلاصة الأمر: لم تكن معجزة الإسراء والمعراج - التي يشكك فيها - وحدها التي ثبتت بنص من القرآن الكريم، فهناك أيضاً قصة انشقاق القمر
стр. 132
على عهد النبي ﷺ ، كما في الآية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١-٢] ، ووردت أحاديث في الصحيح (١) وغيرهما من عدة طرق تثبت وقوع هذه المعجزة.
بل كل ما حكاه القرآن من قصص الأنبياء والأمم الماضية، وما جاء فيه من أمور علمية أكدها العلم الحديث (٢) ، هي من المعجزات الدالة على أنه وحي من الله.
ثم إن المعجزات الأخرى التي وقعت لرسول الله ﷺ أكثر مما وقع لأي نبي من أنبياء الله المرسلين عليهم الصلاة والسلام. وممن جمعها فأوعى أكثر من غيره الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في كتابه: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، الجزء التاسع، في تسعمائة صفحة، وستة أبواب من الجزء الثامن، والإمام البيهقي، في كتابه الموسوعي: دلائل النبوة، في ثمانية مجلدات، والإمام السيوطي، في كتابه: الخصائص الكبرى، في مجلدين، وأبو نعيم الأصبهاني، في جزأين.
إن معظم مرويات المعجزات صحيحة، وقد ألف بعض الباحثين المحدثين كتباً جمع فيها الصحيح من دلائل النبوة (٣) .
وهل سيصدق بودلي بنبوة محمد ﷺ إذا قال إنه أتى بمعجزات؟ وأيهما أقوى وأبلغ في التصديق: القول أم الفعل؟ بالتأكيد الفعل أقوى وأبلغ في
стр. 133
التصديق. فالرسول ﷺ كان يفعل، أي: يُجري الله على يديه الأفعال الخارقة للعادة، وهي المعجزات، وهذه المعجزات هي التي تقول: إن هذا نبي، هذا رسول، وهذا هو الدليل. وماذا يعني يا بودلي أن يعطي الرسول ﷺ أبا قتادة ابن النعمان عرجوناً ويقول له: "خذ هذا العرجون، فتحصن به، فإنك إذا خرجت أضاء لك عشراً أمامك وعشراً خلفك"، قال: فخرجت، فأضاء لي العرجون مثل الشمعة.. القصة (١) .
فهل بالضرورة أن يقول الرسول ﷺ لأبي قتادة: هذه معجزتي إليك، أو أن الرسول ﷺ يعلم ما أيده الله به، فأراد أن يحل لصاحبه مشكلة ظلمة الليل بفعل معجز لا يقع إلا على يد نبي مؤيد بالآيات من الله؟
وفوق هذا كله فإن معجزة الإسلام الخالدة التي تحدى بها العرب، أهل الفصاحة والبلاغة والبيان، هو القرآن الكريم نفسه (٢) ، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨] . وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] . وقوله تعالى:
стр. 134
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٣-٢٤] . وهكذا تدرج القرآن في تحديه بمعجزته من الكل إلى الجزء.
أما تشكيكه في مشاركة الملائكة في القتال مع المسلمين ضد المشركين يوم بدر، فهو شك في غير محله، لأن هذه المشاركة ثابتة كذلك بنصوص قرآنية؛ منها قول الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] ؛ وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] ؛ وثابتة بنصوص حديثية صحيحة؛ فقد روى مسلم (١) : "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم (٢) ، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقياً، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضرَّ ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: " صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة".
стр. 135
وروى أحمد (١) أن ملكاً أسر العباس يوم بدر. وروى الأموي (٢) وغيره أن الرسول ﷺ خفق خفقة في العريش ثم انتبه، فقال: "أبشر يا أبابكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل معتجر بعمامة، آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع [الغبار] ، أتاك نصر الله وعدته".
وروى البخاري (٣) أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب". وروى الحاكم (٤) أنه كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء معتجر بها، نزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.
стр. 136
٤٠- يزعم بودلي (٥) أن الرسول ﷺ عندما فرغ من غزوتي حنين والطائف عاد إلى مكة لإكمال شعائر الحج التي قطعتها غزوة حنين، ثم رجع إلى المدينة.
هذا خطأ تاريخي واضح. فالثابت تاريخياً أن الرسول ﷺ أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما، كما روى البخاري (٦) ، وروى غيره أنه أقام بها نصف شهر (٧) . ولم يؤد شعائر العمرة خلال إقامته بمكة، ولم يؤد شعائر الحج
стр. 137
كذلك، لأن فتح مكة لم يكن أصلاً في أيام الحج، بل كان في رمضان (١) . وكان خروجه إلى حنين في السادس من شوال، وقيل في الثامن والعشرين من رمضان (٢) . والذي حج بالناس سنة الفتح هو عتاب بن أسيد، الذي استعمله الرسول ﷺ على مكة حين خرج إلى غزوة حنين والطائف (٣) .
أما ما فعله الرسول ﷺ بعد الفراغ من غزوتي حنين والطائف هو رجوعه إلى مكة لأداء العمرة من الجعرانة، في ذي القعدة، ثم العودة إلى المدينة والوصول إليها في بقية ذي القعدة أو مطلع ذي الحجة (٤) . ويبدو أن بودلي يخلط بين شعائر الحج وشعائر العمرة (٥) . ولم يكن هذا الخطأ الوحيد عنده، فتراه ـ مثلاً ـ يقول إن من أول شعائر الحج خروج الحجاج من مكة إلى منى (٦) . والصحيح أن أول شعائر الحج الإحرام. ويقول عن أحداث الحديبية: ".. وقد خرج معه ألف وخمسمائة حاج محرمين في ثيابهم البيض متأهبين للحج.."، والصواب أنهم خرجوا معتمرين لا حجاجاً (٧) .
стр. 138
٤١- يزعم بودلي (١) أن أبابكر كان له زوجة تقضي الصيف في ضواحي المدينة.
وهذا خطأ، والصواب أنه كان لأبي بكر منزل بالسُّنح، وهي ضاحية من ضواحي المدينة، فيها منازل بني الحارث، أصهار أبي بكر، وكان بهذا المنزل زوجته الثانية بنت خارجة الحارثية [نسبة إلى بني حارث ـ قومها] الأنصارية. وكان عندها يوم بلغه وفاة الرسول ﷺ (٢) . ولم تذكر المصادر أن هذه الزوجة كانت تقضي الصيف في ضواحي المدينة، ولذا فاستنتاج بودلي خاطئ. وقد ذكر درمنجهم (٣) ـ شيخه ـ أن أبا بكر جاء إلى المدينة مهاجراً، فأقام بمنزل صغير بضاحية السُّنح.
стр. 139
٤٢- يقول بودلي (٤) إن خبر مجيء الحجر الأسود من الجنة من الأساطير.
لقد تعددت الروايات حول مصدر الحجر الأسود، ومعظمها ضعيفة، ولكن وردت رواية صحيحة الإسناد عند الطبري (٥) ، تفيد بأن جبريل جاء به
стр. 140
إلى إبراهيم ﵇ من السماء أثناء بناء البيت. ولم تصرح الرواية بأنه جاء به من الجنة.
ولأن بودلي لا يستطيع التفريق بين الروايات الصحيحة والضعيفة، فلذا تراه يبني استنتاجاته على جرف هار. والعلماء المسلمون لا ينكرون وجود الإسرائيليات والأساطير التي أدخلها الإخباريون على السيرة والتاريخ الإسلامي، ولكنهم ينكرون على من يتصدى للتأليف الجهل بمناهج الحكم على الروايات والتفريق بين الصحيح والسقيم. وبودلي وأمثاله يفتقرون إلى هذا العلم والمنهج.
стр. 141
٤٣- ويقول: إن خبر بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ الكعبة من أساطير العرب (١) .
وهذا خطأ كبير. فقد ثبت بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ الكعبة بنصوص قرآنية، منها قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] .
ومن الأحاديث والأخبار:
يروي أهل الحديث والتفسير والتاريخ أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ شرعا في تنفيذ أمر الله ببناء البيت. فكان إبراهيم
стр. 142
يبني (١) وإسماعيل يناوله الحجارة التي كان يأتي بها محمولة على رقبته (٢) ، ويقولان كما حكى الله عنهما في القرآن الكريم: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) [البقرة: ١٢٧-١٢٩] .
عندما ارتفع البناء وضعف إبراهيم ﵇ عن رفع الحجارة إلى مكان البناء، وذلك لكبر سنه (٤) ، جاءه ابنه إسماعيل بحجر ليقوم عليه أثناء البناء (٥) ، ويحوله في نواحي البيت حتى فرغ من البناء؛ وعرف هذا الحجر بمقام إبراهيم أو حجر المقام، لقيامه عليه أثناء البناء (٦) . ولما وصل البناء إلى مكان معين يحتاج إلى حجر معين، طلب إبراهيم من إسماعيل أن يأتيه به، فانطلق يلتمس المطلوب، ولكن عندما عاد بحجر، وجد أن الحجر المطلوب قد ركب في مكانه المطلوب، فقال: يا أبتي: من أتاك بهذا الحجر؟ قال: أتاني به من
٤٤ - يقول بودلي (٢) عن نساء الرسول ﷺ : "فقد أحبهن جسمانياً.. وكان آخر شيء يريده لهن هو أن يظللن في حالة الرق التي كن يعشنها لسنين قليلة خلت..".
إذا كان بودلي (٣) نفسه يقول عن نساء النبي ﷺ : ".. وكانت عائشة هي البكر الوحيدة التي تزوجها، وكانت الأخريات مطلقات أو أرامل، وكان منهن خمس دميمات". إن الذي قاله بودلي هنا يدحض زعمه المذكور؟ فهل الذي يحب النساء جسمانياً يتزوج الأرامل والمطلقات، ومن في حجورهن الأطفال، والدميمات حسب زعمه؟!
فلو كان حب الرسول ﷺ لنسائه جسمانياً فقط، ولو كن يعشن معه حياة رق، كما يزعم، لما رغبن كلهن في البقاء معه حين خيرهن بين البقاء معه على شظف العيش أو أن يطلقهن ويسرحهن سراحاً جميلاً. وهذا ثابت في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩] .
стр. 145
وثابت في الصحيحين (١) خاصة.
ولو كان الأمر أمر حياة رق، لما اختارت نساؤه حياة الرق، وهن من أشرف قبائل العرب، ومنهن من كان والدها من الزعماء والقادة في الحرب والسلم، أو أصحاب مكانة عالية في أقوامهم، مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وصفية بنت حيي بن أخطب النضري، وجويرية بنت الحارث المصطلقي. فليس هناك ما يجبر أمثال هؤلاء النسوة على البقاء مع الرسول ﷺ في شظف من العيش اختياراً، على الرغم من أن بيوت آبائهن فيها كل ما يردنه من مُتَع الحياة الدنيا التي طالبن بها.
وقد ذكرنا في كتابنا: "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية"، فصل أمهات المؤمنين (٢) ، أسباب زواج الرسول ﷺ من كل واحدة من زوجاته ﵅ وحكمة هذا التعدد، وفيه ما يغني عن الإعادة.
ثم إن حب الرجل للمرأة جسمانياً من كمال رجولته ودليل سلامة فطرته التي فطر الناس عليها لحفظ النوع البشري. وكذلك حب المرأة للرجل جسمانياً من كمال أنوثتها ودليل سلامة فطرتها التي فطر الله النساء عليها لحفظ النوع البشري. ولولا ذلك ما تحمل الرجال أعباء الزوجية. بل العيب أن يصرف الرجل أو المرأة الطاقة الجنسية بطرق محرمة شرعاً وعقلاً وعرفاً.