١٨- يزعم بودلي أن هنداً بنت عتبة ﵂ وعدت وحشياً الحبشي بالعتق إن هو قتل حمزة بن عبد المطلب (٥) .
الثابت في الصحيح أن الذي وعد وحشياً بالعتق إن هو قتل حمزة هو
стр. 72
مولاه جبير بن مطعم، ثأراً لعمه طعيمة بن عدي، الذي قتله حمزة بأمر من النبي ﷺ صبراً وهو في الأسر، حين العودة من غزوة بدر (١) .
وفي رواية للواقدي (٢) أن التي وعدته بالحرية إن هو قتل حمزة، هي مولاته ابنة الحارث بن عامر بن نوفل، ويروي بصيغة التمريض، وبجملة اعتراضية، فيذكر:"ويقال كان جبير بن مطعم". وتقول هذه الرواية نفسها: إن وحشياً عندما أيقن بمقتل حمزة على يده، تذكر هنداً وما لقيت على أبيها وعمها وأخيها يوم بدر، فشق بطن حمزة، وأخرج كبده، وجاء بها إلى هند، وقال لها: ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك؟ قالت: سَلَبي، فمد إليها كبد حمزة، فمضغتها، ثم لفظتها، ثم أعطته ثيابها وحليها، ووعدته بعشرة دنانير حين رجوعها إلى مكة، وطلبت منه أن يريها مصرع حمزة وجسده، ففعل، فمثلت به (٣) .
ولم نقف على رواية تشير إلى أن هنداً وعدت وحشياً بالحرية إن هو قتل حمزة يوم بدر، ويبدو أن بودلي قد اعتمد على تخليط أحد أساتذته المستشرقين (٤) .
стр. 73
١٩- هل كانت مقاطعة الثلاثة الذين خُلفوا مدة شهر ؟!
يزعم بودلي (١) أن مقاطعة الرسول ﷺ والمسلمين للمخلفين الثلاثة كعب ابن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، في غزوة تبوك كانت شهراً. والصواب أنها كانت خمسين ليلة كما في حديث كعب بن مالك ﵁ الطويل عند البخاري (٢) ومسلم (٣) وغيرهما (٤) .
стр. 74
٢٠- هل خضعت الطائف للإسلام بالطريقة التي صورها بودلي ؟!
يزعم بودلي (٥) أن هناك سرايا أغارت على الطائف بعد رفع حصار المسلمين عنها، وأن الطائف سلمت للرسول ﷺ بعد حضور وفدها إلى النبي ﷺ ، وبعد رفع الحصار عنها.
ولا أساس لهذا الزعم في مصادر السيرة المعروفة، فالرسول ﷺ رفع الحصار عن الطائف وعاد إلى المدينة عندما رأى عدم جدوى حصارها (٦) . ولم يرسل سرايا لتغير عليها بعد ذلك. وعندما جاءه وفد ثقيف معلناً الإسلام بعد نحو عام من رفع الحصار، وأرادوا أن يشترطوا على الرسول ﷺ شروطاً
стр. 75
منها: إعفاؤهم من أداء الصلاة، بحجة عدم استساغتهم الركوع والسجود، ومن الوضوء بحجة أن بلادهم باردة الطقس، فلم يقبل، وقبل إعفاءهم من الزكاة والجهاد، وقال: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" (١) . ولا توجد شروط تتعلق بتسليم الطائف. فقد تركهم الرسول ﷺ وشأنهم منذ أكثر من عام، وكل الشروط المذكورة في المصادر الإسلامية الموثوقة لم تتضمن مسألة تسليم الطائف.
ويزعم أن خسارة المسلمين في حصار الطائف، كانت مروعة، وأن الرسول ﷺ فقد بعضاً من أحسن قواده (٢) .
لم تكن خسارة المسلمين مروعة أيام حصار الطائف، لأن عدد شهداء المسلمين كان حينها اثني عشر رجلاً فقط (٣) ، ولم يفقد الرسول ﷺ بعضاً من أحسن قواده. فقد ذكر ابن إسحاق (٤) أسماءهم، وليس من بينهم من عرف أنه كان من كبار قادته، ولكن أشهرهم عبد الله بن أبي بكر ﵄، والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي، وهما من السابقين إلى الإسلام (٥) ، ولكنهما لم يكونا من أحسن القادة.
стр. 76
٢١- هل حكم سعد بن معاذ بالإعدام على بني قريظة لتسببهم في جرحه ؟
يزعم بودلي (١) أن سعد بن معاذ ﵁ حكم بإعدام يهود بني قريظة لأنهم تسببوا بطريق غير مباشر في جرحه.
يشير بودلي هنا إلى الجرح الذي أصاب سعداً أثناء حصار المشركين للمدينة في غزوة الخندق ـ الأحزاب ـ وكون بني قريظة تسببوا في جرحه بطريق غير مباشر فليس ببعيد عن الصواب (٢) ، ولكن هل كان هذا سبباً وراء حكمه بإعدامهم؟! من الواضح أن هذا مجرد استنتاج من بودلي ومشايخه، لم تذكره مصادرنا المعتمدة على التحرير، بل ذكرت أن السبب نقضهم العهد الذي بينهم وبين المسلمين، وأرادوا حرب المسلمين مع الأحزاب (٣) . وهو حُكْمٌ حَكَمَ به الله عليهم قبل حكم سعد، وهو ما صرح به الرسول ﷺ عندما علق على حكم سعد، إذ قال: "قضيت بحكم الله تعالى" (٤) .
وقد دعا سعدٌ الله ـ حين أصيب ـ بأن لا يميته حتى يقر عينيه من بني قريظة، لأنهم نقضوا العهد، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية (٥) ، ولعل الذي
стр. 77
حمل بودلي على هذا الزعم، هو الأثر المروي عنه حين أصيب، وواضح بعد إيرادنا له أنه استنتج منه ذلك الزعم.
ويبدو أن بودلي قد تابع درمنجهم في هذا الاستنتاج، إذا يقول درمنجهم (١) : "وكان النبي يعلم أن سعداً الذي جرح في غزوة الخندق جرحاً خطراً، حاقد على اليهود كثيراً لما أدوا إليه من إيقاد تلك الغزوة".
стр. 78
٢٢ - يزعم بودلي (٢) أن أبابكر ﵁ رفض الزواج من حفصة ﵂، وكذلك عثمان ﵁، والسبب واحد، وذلك عندما فاتحهما في هذا الأمر والدها عمر ﵁ إثر تأيمها من زوجها خُنَيس بن حذافة السهمي.
فالصواب أن عثمان ﵁ اعتذر عن زواج حفصة ﵂ بحجة عدم حاجته في النساء في تلك الأيام التي توفيت فيها زوجته رقية بنت النبي ﷺ ، وسكت أبو بكر لعلمه أن للرسول ﷺ رغبة في الاقتران بها لمواساتها، ولم يشأ إفشاء سر رسول الله ﷺ (٣) . أهكذا تكتب حقائق السيرة النبوية؟!
стр. 79
٢٣- زعم بودلي (١) أن الهدايا التي أرسلها هرقل - ملك الروم - إلى محمد ﷺ قد أرضته.
والذي وقفنا عليه في المصادر الأصلية أن هرقل عندما كتب إلى الرسول ﷺ رداً على رسالته إليه، قال: إني مسلم، وبعث إليه بدنانير، فقال رسول الله ﷺ : "كذب عدو الله، وهو على دين النصرانية"، وقسم الدنانير على المحتاجين (٢) .
نعم كان الرسول ﷺ يقبل هدايا المشركين من أهل الكتاب ويرد هدية مشركي العرب (٣) . فأن يكون الرسول ﷺ قد قبل هدية هرقل أو قيصر الروم، فلا يستنكر، ولكن الذي يستنكر زعم بودلي بأنها أرضته. ولم يرد نص تاريخي يفيد بأن ذلك قد حدث.
стр. 80
٢٤- زعم بودلي (٤) أن الرسول ﷺ طلب من القبائل غير المسلمة الخروج معه إلى عمرة الحديبية.
يلحظ الناظر في الروايات المتعلقة بهذا الشأن أن الرسول ﷺ قد استنفر العرب ومن حول المدينة من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه مخافة أن
стр. 81
تعرض له قريش بحرب عن البيت الحرام. ولم تذكر الروايات أن الذين استنفرهم كانوا غير مسلمين (١) . وفي رواية الواقدي (٢) أنه كان يمر بالأعراب فيما بين مكة والمدينة، فيستنفرهم، فيتشاغلون عنه بأموالهم وأبنائهم وذراريهم، ثم ذَكَرهم، وهم: بنو بكر ومزينة وجهينة. وواضح من هذه الرواية، إذا سلمنا بصحتها، وهي ليست بصحيحة عند المحدثين؛ لأن إسنادها غير متصل، ومن رواية الواقدي المتروك مع سعة علمه، يستنتج منها أنه كان يعني المسلمين منهم، وذلك بدليل أن الرواية ذاتها تذكر أن الرسول ﷺ عندما أصبح بالروحاء، لقي بها جماعة من بني نهد، معهم نعم وشاء، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا له وانقطعوا من الإسلام، وعندما أهدوا إليه لبناً لم يقبله منهم، وقال: "لا أقبل هدية مشرك"، وابتاع منهم (٣) . فكيف يجوز عقلاً أن يرفض هديتهم ويقبل خروجهم معه؟ وقد بينا في مكان سابق من هذا البحث أن الرسول ﷺ رفض في كل المناسبات أن يستعين بالمشركين في الحرب، وكان مستعداً للحرب إذا فرضت عليه في تلك السفرة.
ثم إن الروايات تشير إلى أن من خرج معه من الأعراب كانوا قليلين. وأوضح دليل على أن كل من خرج معه من المدينة أو لحق به من الأعراب كانوا مسلمين هو ما جاء في خبر بيعة الرضوان. فقد جاء في القرآن الكريم
стр. 82
أن الله قد رضي عنهم لاستعدادهم للجهاد مع الرسول ﷺ ومنازلة قريش بالسيف حتى الموت، ماعدا الجد بن قيس لنفاقه، حين حبسوا عثمان بن عفان ﵁ في مكة (١) ، فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨] . ورضي عنهم الرسول ﷺ ووعدهم الجنة، كما في قوله ﷺ "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها" (٢) ، وقال عنهم: "إنهم خير أهل الأرض" (٣) ؛ فما دام الاستثناء قد جاء للجد بن قيس فقط لنفاقه، فمن باب أولى أن يأتي استثناء للكفار إن كانوا فعلاً في أصحابه من أهل الحديبية.
ولو كان الأعراب الذين استنفرهم من الكفار ما عاتبهم الله وكشف عن نياتهم وحقيقة مواقفهم من الاستنفار، إذ قال: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [الفتح:١١] . فمن يطلب الاستغفار لتقصير منه؟ لابد أن يكون من المسلمين.
стр. 83
٢٥- يذكر بودلي (١) أن هاجر طردت من خيام إبراهيم ﵇ بتحريض من سارة، وهامت على وجهها في الصحراء.
إن قصة هاجر كما تروي مصادرنا ليست كما ذكر، نعم تقول مصادرنا إن الغيرة اشتدت بسارة عندما ولدت هاجر إسماعيل ﵇، فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء (٢) . ولذا هربت هاجر مع زوجها إبراهيم ﵇ (٣) ، ولم تطرد كما يدعي بودلي. وسار بها في الصحراء إلى أن وصل مكان بئر زمزم الحالية بمكة، وليس بها يومئذ أحد، لا ماء ولا طعام، ووضع عندها جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم رجع إلى موطنه، فتبعته وهي تقول حينها مراراً: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ وهو لا يلتفت إليها، وأخيراً قالت له: آالله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا"، ثم رجعت إلى حيث أنزلها. فانطلق حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرى، استقبل بوجهه البيت الحرام، ثم دعا ربه قائلاً: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ
стр. 84
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] . ثم كان ما كان من بقية القصة ومجيء إبراهيم ﵊ مرتين أخريين إليها، وبنى الكعبة بمساعدة ابنه إسماعيل بأمر الله في رواية طويلة عند البخاري (١) ، وغيره.
وكان الأمر كله بتدبير الله، لا بتدبير البشر، لحكمة أرادها ويعلمها، ولكن لا يريد أن يعلمها أمثال بودلي.
стр. 85
٢٦- يزعم بودلي (٢) أن الرسول ﷺ أمَّ الناس في صلاة شكر في اليوم الذي انتهت فيه معركة أحد.
الذي حدث أن الرسول ﷺ عندما فرغ من دفن شهداء غزوة أحد، ركب فرسه ومعه أصحابه، فلما كانوا بأصل أحد، قال: "اصطفوا حتى أُثني علي ربي "، فاصطف الرجال خلفه صفوفاً، خلفهم النساء، فأخذ في الدعاء للمسلمين والدعاء على المشركين (٣) .
ولم يثبت أن الرسول ﷺ صلى يوماً صلاة شكر جماعة، لا يوم أحد ولا غيره، بل الثابت سجود الشكر، وفي غير هذا الموطن. ولم نقف على أصل لصلاة شكر جماعية كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية اليوم.
стр. 86
٢٧- يذكر بودلي (١) أن مسطح بن أثاثة كان صديقاً لأبي بكر.
الذي ثبت في الصحيح أنه كان قريباً لأبي بكر (٢) ؛ وحدد ابن إسحاق (٣) هذه القرابة، فروى أنه ابن بنت خالته. ولا يستبعد أن يكون القريب صديقاً، ولكن لم نقف على رواية تفيد بأنه كان صديق أبي بكر.
стр. 87
٢٨- يزعم بودلي (٤) أن حسان بن ثابت ﵁ أحب مارية القبطية ﵂، ولذا وهب له الرسول ﷺ سيرين أختها.
لم تذكر مصادرنا هذا الزعم. بل الذي تذكره أن الرسول ﷺ عندما وصلته هدية المقوقس، حاكم مصر حينها، وفيها مارية وأختها سيرين، تسرَّى بمارية، وأهدى أختها سيرين إلى صاحبه حسان بن ثابت ﵁ (٥) وفي رواية أن الرسول ﷺ منح حساناً سيرين عوضاً له عن الضربة التي ضربه إياها صفوان ابن المعطل عندما هجاه (٦) .
стр. 88
٢٩- يزعم بودلي (١) أن من أسباب فتح خيبر أن محمداً شاء أن يعوض خيبة الأمل التي فرضها على أصحابه في الحديبية، ورغبته في استخدام جيشه الجديد.
لم نقف على هذا الزعم في المصادر التي بين أيدينا، بل ذكرت ما ذكره بودلي (٢) في مكان آخر في هذا الصدد، وهو أن يهود خيبر ظلوا يؤلفون خطراً أمنياً لدولة الإسلام الناشئة، وبخاصة عندما نزل بعض كبار زعماء بني النضير بخيبر، بعد إجلائهم عن المدينة: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق وحيي بن أخطب. فلما نزلوها دان لهم أهلها. نزلوها بأحقادهم القديمة ضد المسلمين، ولذا كانوا يتحينون الفرص للانتقام، ووجدوا في قريش وبعض قبائل العرب المشركة مطية ذلول للوصول إلى هدفهم، فحملوهم على غزوة الخندق، وسعوا في إقناع بني قريظة للانضمام إليهم والغدر بالمسلمين. وقد وجد حيي بن أخطب داخل حصن بني قريظة حين حاصرهم الرسول ﷺ ، وأخرج، فقال له رسول الله ﷺ "هل أخزاك الله؟ "، قال: قد ظهرت عليَّ، وما ألوم نفسي فيك، فأمر به الرسول ﷺ فقتل (٣) .
وكانت هدنة صلح الحديبية فرصة أمام المسلمين لتصفية هذا المصدر الخطير، ووعد الله المسلمين بمغانم كثيرة يأخذونها إذا فتحوا خيبر، كما أشارت الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
стр. 89
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: ١٨ـ٢١] . ومما ورد في تفسير: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ، ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر ومكة وسائر البلاد عليهم (١) . وقال مجاهد في تفسير قوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني فتح خيبر (٢) ، وقال العوفي عن ابن عباس ﵁ أن المقصود من قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ هي خيبر (٣) .
لو استفاد بودلي من مثل هذه الروايات والمصادر والتفاسير، لما زعم ما زعم وتخرص، واستنتج استنتاجات خاطئة. ويكثر مثل هذا في كتابات المستشرقين حتى الذين يوصفون بالاعتدال، أمثال بروكلمان (٤) ، فاسمعه يقول: " كان على محمد أن يعوض خسارة أحد التي أصابت مجده العسكري من طريق آخر، ففكر في القضاء على اليهود، فهاجم بني النضير لسبب واهٍ ".
стр. 90
أما المتعصبون منهم فقد بالغوا في مزاعمهم، خاصة إذا كان الأمر يتعلق باليهود.
ومثال ذلك قول يوليوس فلهاوزن (١) : ".. أما اليهود فقد حاول محمد أن يظهرهم بمظهر المعاندين الناكثين للعهد، وفي غضون سنوات قليلة أخرج كل الجماعات اليهودية أو قضى عليها في الواحات المحيطة بالمدينة، حيث كانوا جماعات متماسكة كالقبائل العربية، وقد التمس لذلك أسباباً واهية"، وقول مرغليوت (٢) : "عاش محمد هذه السنين الست بعد هجرته إلى اللصوصية والسلب والنهب، ولكن نهب أهل مكة قد يسوغه طرده من بلده ومسقط رأسه وضياع أملاكه، وكذلك بالنسبة إلى القبائل اليهودية في المدينة، فقد كان هناك - على أي حال - سبب ما، حقيقياً كان أم مصطنعاً، يدعو إلى انتقامه منهم، إلا أن خيبر التي تبعد عن المدينة كل هذا البعد، لم يرتكب أهلها في حقه ولا في حق أتباعه خطأً يعتبر تعدياً منهم جميعاً، لأن قتل أحدهم رسول محمد لا يصح أن يكون ذريعة للانتقام. وهذا يبين لنا ذلك التطور العظيم الذي طرأ على سياسة محمد. ففي أيامه الأولى بالمدينة، أعلن معاملة اليهود كمعاملة المسلمين، لكن الآن ـ بعد السنة السادسة للهجرة ـ أصبح يخالف تماماً موقفه ذلك، فقد أصبح مجرد القول بأن جماعة ما غير مسلمة يعد كافياً لشن الغارة عليها. وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي أثرت على نفس محمد والتي دفعته إلى شن غارات متتابعة، كما سيطرت على نفس
стр. 91
الإسكندر من قبل ونابليون من بعد.. إن استيلاء محمد على خيبر يبين لنا إلى أي حد أصبح الإسلام خطراً على العالم".
تضمن كلام مرغليوت هذا عدة مغالطات، رددنا على معظمها خلال ردنا على مزاعم وافتراءات ومغالطات بودلي. وإذا كانت هناك نقطة أخرى تستحق الوقوف عندها مرة أخرى فهي إيحاؤه وإيماءاته بأن سبب غزوة خيبر كان قتل أحدهم رسول رسول الله ﷺ إليهم لقبض ما فرض عليهم من مال.
قلت: وهذا خطأ وافتراء عظيم على الحقيقة التاريخية، التي لا نشك أن مرغليوت يعرفها، ولكن التعصب يصم ويعمي. فالصواب والثابت تاريخياً، وفي الصحيحين (١) بصفة خاصة، أنَّ قَتْلَ أحد يهود خيبر رسول رسول الله ﷺ عبد الله بن سهيل - كما سبق ذكره في ردنا على بودلي، كان بعد غزوة فتح خيبر، وليس قبلها، ومن هنا يتضح لنا التدليس الذي يمارسه المتعصبون من المستشرقين على القراء، والتحريف المتعمد لحقائق السيرة النبوية بصفة خاصة والتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بصفة عامة.
وعلى القارئ أن يتأمل تخبط المستشرقين عند تناول سيرة نبينا محمد ﷺ . فمرغليوت يزعم أن سبب فتح خيبر قتل أحد يهودها رسول محمد ﷺ ، ويأتي من بعده بودلي ليقول إن محمداً أراد تعويض خيبة الأمل التي فرضها على أصحابه في الحديبية، ومن قبلهما يزعم فلهاوزن أن القضاء على اليهود، أو طردهم من الحجاز كان لأسباب واهية.
стр. 92
وهكذا يتضح من دراسة أسباب فتح خيبر أن ما ذكره بودلي مجرد استنتاج خاطئ تابع فيه أساتذته المغرضين.
стр. 93
٣٠- يزعم بودلي (١) أن باقي اليهود طردوا جميعاً من خيبر بعد فتحها على يد المسلمين، ما عدا صفية بنت حيي بن أخطب زعيم القبيلة.
إن هذا خطأ تاريخي واضح، لأن الثابت في مصادر السيرة أن صلحاً تم بين الطرفين: المسلمين واليهود، كان من بنوده حقهم في البقاء على أرضهم مقابل شطر ما يخرج منها (٢) ، وأن للمسلمين إخراجهم متى شاؤوا. وقد أخرجهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته - إلى تيماء وأريحاء (٣) - عندما تكرر منهم الاعتداء على المسلمين. فقد تآمروا في المرة الأولى على قتل عبد الله بن سهل، وأنكروا ذلك، فوداه الرسول ﷺ من مال المسلمين (٤) . واعتدوا في المرة الثانية على عبد الله بن عمر، حين فدعوا يديه في خلافة أبيه عمر ﵁ (٥) .
ولو تابع بودلي شيخه درمنجهم (٦) لما وقع في هذا الخطأ التاريخي.
стр. 94
٣١- يزعم بودلي (١) أن زيد بن حارثة ضحى بنفسه لدرجة أنه أعطى زوجته زينب بنت جحش صديقه وسيده محمداً، ولذا ذرفت عينا محمد الدمع عليه عندما مات؛ تقديراً لهذا الجميل.
يستند بودلي في هذا الزعم إلى روايات الضعفاء والمتروكين الذين لا يحتج بهم في مسائل الحلال والحرام والعقيدة، ولاسيما رواية الواقدي المتروك في سبب زواج الرسول ﷺ من ابنة عمته زينب بنت جحش.
وخلاصة رواية الواقدي: أن النبي ﷺ جاء ذات يوم إلى منزل متبناه وربيبه زيد بن حارثة، زوج زينب بنت جحش، فلم يجده، وقامت إليه زينب فُضُلاً [أي في ثيات مهنتها بالبيت] ، فرآها فأعجبته، فأعرض عنها، ورفض طلبها في الدخول إلى دارها في غياب زوجها، وولى وهو يهمهم بشيء لم تفهم منه إلا قوله: "سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب". وعندما عاد زيد إلى داره أخبرته بما حدث، فجاء إلى الرسول ﷺ ، وكان مما قال: ".. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها"، فقال له النبي ﷺ : "أمسك عليك زوجك" وتقول الرواية: إن زيداً لم يستطع إلى زينب سبيلاً بعد ذلك اليوم، فأخذ يتردد على الرسول ﷺ فيخبره ويبدي إليه رغبته في طلاقها، والرسول ﷺ يقول له كل مرة: "أمسك عليك زوجك، أو احبس عليك زوجتك"، وعندما لم يطق ذلك فارقها واعتزلها، وعندما انقضت عدتها
стр. 95
أوحى الله لنبيه بأن يتزوجها (١) .
من الواضح أن بودلي أخذ هذه الرواية من مشايخه، وعلى رأسهم درمنجهم، الذي يقول بعد إيراده الرواية: "بيد أن زيداً أدرك أن الكلام لا يعبر عن الفكر، وأن محمداً أخفى ميله عن مجاملة وعن خوف من العيب، فأصر زيد على حل عقدة النكاح، متعللاً بأنه أضحى كارهاً لزينب، فطلقها بعد بضعة أيام، ومن يدري ماذا كان يدور في خلد هذه المرأة؟ " (٢) .
لقد طعن العلماء المحققون في هذه الرواية لعلل ذكروها، وهي: الإرسال، لأنها موقوفة على محمد بن يحيى بن حبان، وهو تابعي توفي عام ١٢١هـ (٣) ، وفي سندها الواقدي، الذي ضعفه جمع من رجال الجرح والتعديل، منهم زكريا الساجي والبخاري وأحمد وابن المبارك وابن نمير وابن معين (٤) ، وفي إسنادها عبد الله بن عامر الأسلمي الذي ضعفه العلماء: أحمد وأبو زرعة وأبو عاصم والنسائي وابن معين والبخاري، وقال عنه ابن حبان: كان يقلب الأسانيد والمتون ويرفع المراسيل (٥) .
ومن كان هذا حاله عند العلماء فلا يصح الاحتجاج به في أمر يتعلق
стр. 96
بعصمة الأنبياء (١) .
والرواية الثانية التي يستند إليها بودلي وأمثاله للطعن في أخلاق الرسول ﷺ من حيث يعلمون أو لا يعلمون، رواية الطبري التي تتلخص في أن الرسول ﷺ خرج يوماً يريد زيداً، فعندما وقف على بابه رفعت الريح ستر الشعر الذي كان على الباب، فرأى زينب حاسرة في حجرتها، فوقعت في قلبه. فلما وقع ذلك كُرِّهت إلى الآخر، قال: فجاء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: مالك! أرابك منها شيء؟! فقال: لا والله يا رسول الله، ما رابني منها شيء، ولا رأيت إلا خيراً. فقال له رسول الله ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله"، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها (٢) .
وقد طعن العلماء في هذه الرواية كذلك لأسباب ذكروها، وهي: لأن في إسنادها عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، ولكنه مدلس ومتساهل (٣) ، ولم يصرح بالتحديث في هذه الرواية، ولذا فهي ضعيفة، ولأن في إسنادها عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، الذي ضعفه أحمد وابن المديني، وتكلم
стр. 97
فيه غير واحد من العلماء (١) ، ولأن إسنادها منقطع، لم يرفع إلى أحد من الصحابة.
والرواية الأولى المقبولة عند العلماء هي الرواية التي أوردها الطبري (٢) ، من حديث علي بن الحسين، قال: كان الله ﵎ أعلم نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ .
ورجال إسناد هذه الرواية ثقات، ماعدا علي بن زيد بن جدعان، فقد ضعف، قال ابن حجر (٣) : " إلا أن الترمذي الحكيم قد أطنب في تحسينها، وقال: إنها من جواهر العلم المكنون ". قلت: ويقوي هذا الإسناد رواية ابن أبي حاتم من طريق السدي، التي قال عنها ابن حجر (٤) عند تعليقه على رواية علي بن الحسين وقول الترمذي عليها، قال:.. وكأنه لم يقف - أي الترمذي - على تفسير السدي الذي أوردته، وهو أوضح سياقاً وأصح إسناداً إليه، لضعف علي بن زيد بن جدعان ". ولفظ السدي: "بلغنا أن هذه الآية - أي الآية ٣٧ من سورة الأحزاب - نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ أراد أن
стр. 98
يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بعدُ بما صنع رسول الله ﷺ ، فزوَّجها إياه، ثم أعلم الله نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله. وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه. وكان قد تبنى زيداً".
وهذه الرواية هي الثانية المقبولة عند العلماء في سبب زواج الرسول ﷺ من زينب بنت جحش، وما عدا ذلك فهي روايات ساقطة يجب الإعراض عنها كما قال ابن حجر (١) : "وردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد".
إن سبب زواج الرسول ﷺ من زينب بنت جحش هو إرادة الله تعالى إبطال عادة التبني التي كانت سائدة في الجاهلية. فزيد كان متبنى الرسول ﷺ ، ودُعي بزيد بن محمد. وأقوى وسيلة لإبطال هذه العادة أن يتزوج الرسول ﷺ من مطلقة متبناه (٢) . قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (الأحزاب:٥] . وقال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا
стр. 99
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
وواضح أن بودلي اعتمد على آرفنج (١) ودرمنجهم (٢) في هذه الفرية المتداولة في كتب المستشرقين، كما سبق ذكره.
أما ما ورد من أخبار عن ذرف الرسول ﷺ الدمع على زيد عندما بلغه خبر استشهاده يوم مؤتة، فلم يكن بسبب تنازل زيد له عن زوجته زينب، بل هو أمر طبعي، لأنه كان حِبَّ رسول الله ﷺ ، ومثاله قوله ﷺ له: "يا زيد أنت مولاي ومني وإليَّ وأحب القوم إليَّ" (٣) ، وسبق أن ذكرنا رواية البخاري في هذا الصدد. ولم يذرف الدمع عليه وحده حين مات، بل ثبت في الصحيح (٤) أنه ذرف الدمع على قادة سرية مؤتة الثلاثة الذين أنبأه الله بخبر استشهادهم واحداً تلو الآخر. وذرفت عيناه عندما جاء إلى بيت جعفر وطلب من زوجته أسماء بنت عميس ﵂ أن تأتيه بأبناء جعفر، فأتته بهم، فشمهم، وذرفت عيناه (٥) ؛ وذرفت عيناه عندما جاء كذلك إلى بيت زيد، وقابلته ابنة زيد تجهش بالبكاء (٦) .
стр. 100
٣٢- يزعم بودلي (١) أن جعفر بن أبي طالب دفن في احتفال عسكري عندما مات، وسار الجيش كله في جنازته، وخطب محمد عليه.. وذرفت عينا محمد الدمع عليه.
هذا الزعم باطل، إذ لم يرد في مصادر السيرة الموثوقة، والذي تذكره المصادر أن جعفراً استشهد في معركة مؤتة، وهي بالشام، دون دمشق، واستشهد معه القائدان الآخران: زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، ونعاهم الرسول ﷺ للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب"، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم" (٢) .
ومن المعروف شرعاً أن الشهداء وقتلى المعارك الجهادية يدفنون حيث استشهدوا أو صرعوا، وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك في شهداء وقتلى بدر (٣) وأحد (٤) وحنين (٥) وفتح مكة (٦) وغيرها (٧) .
стр. 101
وفي رواية للواقدي (١) : "لما التقى الناس بمؤتة، جلس رسول الله ﷺ على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معركتهم، فقال: أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة، وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا! فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلى الدنيا! فمضى قدماً حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، وقال: استغفروا له، فقد دخل الجنة،.."، وذكر حال جعفر وابن رواحة عندما تسلما الراية واستشهدا، والرسول ﷺ يصلي على كل واحد منهم ويدعو له، ويطلب من المسلمين الاستغفار له، ويشهد له بالشهادة والجنة.
والصلاة المشار إليها هنا هي الدعاء، لأن الشهيد لا يستحب الصلاة عليه غائباً أو حاضراً (٢) .
ويؤكد هذا رواية عند النسائي والبيهقي عن أبي قتادة أن الرسول ﷺ جمع الناس وصعد المنبر، فأخبرهم باستشهاد القواد الثلاثة واحداً تلو الآخر، ثم أخذ يستغفر لهم (٣) ، وليس فيها ذكر الصلاة.
فلعل بودلي وأمثاله استنتجوا من مثل هذه الرواية أن الصلاة عليهم كانت حاضرة، وهي ليست كذلك، وإنما كانت صلاة غائب بالدعاء.
стр. 102
ومن السنة كذلك التعجيل بدفن الميت (١) . ومما يؤكد أن المسلمين عملوا بدفنهم في مكان مصرعهم، ما رواه سعيد بن منصور (٢) ، من حديث سعيد ابن أبي هلال، الذي نصه: "وبلغني أنهم - أي المسلمين يوم مؤتة - دفنوا يومئذ زيداً وجعفراً وابن رواحة في حفرة واحدة". وقد روى البخاري قصة استشهاد القواد الثلاثة يوم مؤتة بإسناد متصل إلى عبد الله بن عمر ﵁ أحد من شارك في المعركة - وهو إسناد سعيد بن منصور نفسه، ولكن بدون الزيادة المذكورة بلاغاً عند ابن منصور. والبلاغ من أقسام الضعيف عند علماء الحديث، ولكن يشهد لصحة بلاغ سعيد بن أبي هلال ما ثبت في السنة من دفن الشهداء في مكان استشهادهم، جماعةً، وما تؤكده آثار المقابر بالمدينة المنورة، إذ ليس بينها مقابر هؤلاء القادة الثلاثة، ولم يرد خبر يعارض ما ذكرناه.
لم يكن بودلي وحده من بين المستشرقين ممن تخبط في مسألة مكان دفن شهداء مؤتة، فها هو شيخه درمنجهم (٣) يزعم أن المسلمين عندما رجعوا من سرية مؤتة حملوا معهم إلى المدينة جثمان جعفر بن أبي طالب. ولعل هذا الزعم هو مصدر بودلي، فزاد عليه ما زاد كعادة بعض المستشرقين.
стр. 103
إن دفن الموتى من العظماء في مواكب واحتفالات عسكرية موسيقية من عادات أهل زماننا المعاصر. وكأني ببودلي قد أسقط مفاهيم زمانه على أحداث زمان عصر النبوة، وذلك بعد تخيله ما يمكن أن يحدث بعد موت أولئك العظماء. والإسقاط ظاهرة عند المستشرقين.
стр. 104
٣٣- يزعم بودلي (١) أن أغلبية المسلمين تخلفوا عن الخروج مع الرسول ﷺ في غزوة تبوك.
وهذا زعم باطل، والعكس هو الصحيح. ففي رواية لمسلم (٢) أنهم يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ، وفي رواية أخرى له: المسلمون مع رسول الله كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان (٣) . وقال ابن حجر (٤) :"وللحاكم في "الإكليل" من حديث معاذ: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفاً؛ بهذا العدد جزم ابن إسحاق"، وفي روايتين للواقدي (٥) : أنهم كانوا ثلاثين ألفاً، ونقل ابن حجر (٦) عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا أربعين ألفاً. وعند ابن أبي خيثمة (٧)
стр. 105
من حديث أبي زرعة الرازي أنهم كانوا سبعين ألفاً.
والمشهور أن جيش تبوك كان ثلاثين ألفاً، وهو ما اتفق عليه أئمة المغازي والسير: ابن إسحاق وابن سعد والواقدي، ولا يعارض ما جاء في الصحيح؛ لأنَّ رواية مسلم لم تجزم بعدد معين، بل قالت إنهم كانوا كثيرين، يزيدون على العشرة آلاف.
وقد اختار درمنجهم (١) أحد مراجع بودلي الأساسية ـ الرواية المتفق عليها عند أهل المغازي والسير.
فهل مثل هذا العدد يعد أقلية مقارنة بعدد القادرين على حمل السلاح من الصحابة من أهل المدينة وما حولها؟!
ثم إن المصادر تشير إلى أن من تخلف عن تبوك عدد من الأعراب والمنافقين، وعدد قليل جداً من الصحابة المؤمنين من أهل الأعذار الشرعية، وثلاثة ممن لم يكن لهم عذر عن التخلف في الجهاد، وهم: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع. وقد أشار القرآن الكريم إليهم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٨] .
وروى البخاري (٢) ومسلم (٣) قصتهم من حديث كعب بن مالك
стр. 106
الطويل. وجاء في حديث كعب أن الذين تخلفوا كانوا بضعة وثمانين رجلاً، اعتذروا للرسول ﷺ عن تخلفهم، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرهم إلى الله، ويتطابق هذا العدد مع ما ذكره الواقدي (١) ، وزاد الواقدي بأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضاً اثنين وثمانين رجلاً من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي بن سلول - زعيم المنافقين - ومن تابعه من قومه كانوا من غير هؤلاء.
يبدو أن بودلي وغيره استند في زعمه بأن أغلبية المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك إلى ما ذكره الواقدي (٢) من أن عدد الذين تابعوا عبد الله بن أبي من قومه في عدم الخروج مع الرسول ﷺ كانوا عدداً كثيراً، وروى هو وابن سعد (٣) وابن إسحاق (٤) أن ابن أبي خرج حتى وصل جبل ذياب بالمدينة ومعه حلفاؤه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكر ابن أبي بأقل العسكرين، فلما سار الرسول ﷺ تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين. وكل هذا لم يثبت بطرق صحيحة. فقد روى ابن إسحاق والواقدي وابن سعد هذه الجزئية بصيغة التمريض، مما يدل على عدم قبولهم لهذه الرواية. ولهم أن يشكوا فيها، وبخاصة ذكر اليهود بهذا العدد الذي لا يتفق مع منطق الأحداث التاريخية التي وقعت بين اليهود والمسلمين. فالمشهور الثابت أن الرسول ﷺ أخرج يهود بني
стр. 107
قينقاع (١) والنضير (٢) من المدينة قبل غزوة تبوك بسنين، وقتل مقاتلة يهود بني قريظة وسبى نساءهم، ولم يستثن من القتل إلا الأطفال ومن لا يحمل السلاح والذين أسلموا (٣) ؛ والذين أسلموا ثلاثة (٤) . وحاز اثنان على أمان من بعض الصحابة (٥) .
ولم يتخلف كل المنافقين عن الخروج، فقد روى أحمد (٦) أن جماعة منهم ملثمين حاولوا طرح الرسول ﷺ عن راحلته من رأس عقبة في طريق عودتهم من تبوك في عتمة من الليل، فشعر بمؤامرتهم الدنيئة، فأمر بإبعادهم عنه. وهم الذين قالوا في مجلس لهم بتبوك: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء"، فقال رجل في المجلس: "كذبت، ولكنك منافق (٧) ..".
إذا علمت - أيها القارئ - هذا كله، اتضح لك مدى فساد منهجية بودلي وغيره في تناول أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. فمن أبسط
стр. 108
قواعد المنهج العلمي في التأليف في التاريخ أن يعتمد الباحث على المصادر الأصلية والأصيلة وعلى الروايات الصحيحة أولاً، وإذا لم يجدها استعرض جميع الروايات الضعيفة ورجح ما يقتضيه العقل والمنطق فيما لا يتعارض مع العقيدة أو يحل حراماً ويحرم حلالاً. أو على الأقل يذكر الروايات المعارضة في الموضوع الواحد، مثلما يفعل الطبري في كتابة التاريخ، ويحدد منهجه في مقدمة كتابه.
стр. 109
٣٥- يزعم بودلي (١) أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ لم يكن يحسن الخطابة، وأن أهل اليمن ضحكوا منه، ورماه بعضهم بالحجارة، ولم يقبلوا منه الإسلام، فحاربهم، ثم أعلن لمحمد ﷺ أنهم صاروا جزءاً من الإسلام.
إن كل الذي قاله بودلي هنا ليس صحيحاً. فعليٌّ كان يحسن الخطابة، بل كان من أمراء الفصاحة والبيان، كما تشهد بذلك خطبه ومواعظه وأشعاره، وكتب السيرة والتاريخ مليئة بها.
أما فيما يختص بموقف أهل اليمن من علي ففيه أربع روايات:
الأولى رواية البيهقي (٢) ، من حديث البراء بن عازب، قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، وكنت فيمن سار
стр. 110
معه، فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبي عليَّ بن أبي طالب؛ وأمره أن يرسل خالداً ومن معه إلا من أراد البقاء مع علي فيتركه، وكنت مع من عقب مع علي، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلى علي بنا الفجر، فلما فرغ صفنا صفاً واحداً ثم تقدم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فلما قرأ كتابه خر ساجداً وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان".
والرواية الثانية من حديث الواقدي (١) وتلميذه ابن سعد (٢) ، في خبر بعث الرسول ﷺ علياً إلى اليمن للمرة الثانية، وفيها أنه خرج إلى اليمن، بلاد مذحج، في ثلاثمائة فارس، وعندما التقى بجمعهم دعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا أصحابه بالنبل والحجارة، فصف أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سفيان السلمي، ثم حمل عليهم علي بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرقوا وانهزموا، فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله.. ثم قفل علي فوافى النبي ﷺ بمكة، قد قدمها للحج سنة عشر.
والرواية الثالثة عند الواقدي (٣) ، عن سالم مولى أبي جعفر، مختصرة، وفيها أن الذين لقيهم علي وحاربهم كانوا جمعاً من زبيد وغيرهم.