Полный текст (562 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فماذا يعمل بجوهر لا فاعل ولا منفعل؟! ولم يضع الأرواح المقدّسة قبالة الأرواح الفاسدة، ولم يحدث العلة من غير نقص ولا آفة ولم يذكر شيئا ليس فيه جدوى ولا ثمرة وهذا الفصل إذا أعطي مستحقّه من التّأمل ظهر منه ما يسقط به سخيف كلامهم، وإن لم يكن مورده مورد الحجاج عليهم.
ألا ترى أنّ من لم يثبت القديم تعالى فيما لم يزل واحدا لا ثاني له، وعالما بالأشياء قبل كونها وبعده، وقادرا على كل ما يصح أن يكون مقدورا، وحيا لا آفة به، وغنيا لا حاجة به إلى غيره في شيء من إرادته، وحكيما لا يبدو له في كل ما يأتيه ويفعله، فننقل إلى ما هو أعلى منه، بل لا يفعل إلا ما هو حسن وواجب في الحكمة والصّواب، فقد جعله قاصرا ناقصا، تعالى الله وجلّ عن صفات المخلوقين، وهذا كما أنّ من الواجب أن يعلم أنّ القديم لو لم يبدع العالم أصلا لاستحال أن يتوقّف على وجوده، أو يتوصل إلى إثباته، لأن ذاته لم تكن ظاهرة للعيان، ولا مستدركا بالحواس، وأنّ الشيء قد يصح إثباته من طريق أفعاله كما يصح إثباته من جهة ذاته، والأسباب وإن كانت متقدمة لمسبباتها بالوجود فلا يمتنع أن يكون في العقول أسبق إلى الوضوح.
وإذا كان كذلك فالعالم بثبات هذا العالم المحسوس موصول إليه من طريق الإدراك والمشاهدة، والعلم بصانعه من طريق النّظر والمباحثة، وقد تكلّم الناس في المعرفة بالله تعالى واختلفوا فزعم قوم أن المعرفة لا تجب على القادر العاقل وأنها تحدث بإلهام الله، فكل من لم يلهمه الله المعرفة فلا حجة عليه، ولا يجب عليه عقاب، لأن عذر من ترك الشيء لأنه لم يعلم كعذر من ترك الشيء لأنه لا يقدر عليه، والذي يدل على أن المعرفة لا تكون ضرورة لأنا يمكننا التشكك فيه. ألا ترى أنه كلما اعتقدنا الشيء بدليل فاعترضت شبهة في أصل الدّليل يخرج من العلم بذلك الشيء حتى تثبت حجّة بمحل تلك الشّبهة، ولو كانت بالضّرورة لم يكن التّشكك، وكان العقلاء كلّهم شرعا واحدا في العلم، كما صاروا شرعا واحدا في أخبار البلدان المتواترة عليهم، فبان بذلك أنها ليست بضرورة، وأكثر الناس على أنها واجبة وهي من فعل الإنسان، وإنما يقع أوّلها متولّدا عن النّظر.
قال البغداديون مستدلين: لا يخلو من أن يكون قد كلّفنا الله معرفته أو لا يكون كلّفنا وتركنا مهملين، وتركنا سدى، وإهمالنا لا يجوز عليه ويقال لهم في ذلك: إنّ الإهمال هو تضييع ما يلزم حفظه، وترك مراعاة ما يجب مراعاته، ألا ترون أنّ من لم يحفظ مال غيره لا يقال أهمله، لما كان لا يلزمه حفظه فثبتوا أولا أن المعرفة بالله واجبة، ثم ادّعوا الإهمال إذا لم يكلفناها. وقالوا أيضا: نحن نرى على أنفسنا آثار نعم ونعلم وجوب شكر المنعم، فإذا يجب أن يعرف المنعم لشكره.
стр. 107
فإن قال قائل: فهل يجوز أن نعلم القديم تعالى من طريق الخبر؟ قلت: لا، لأنّ الخبر على قسمين: فمنه ما يضطر السّامع إلى العلم بالمخبر به كالخبر عن البلدان والأمصار، وقد علمنا أنه لا يجوز أن نعلم الله من هذه الجهة، لأنا وجدنا العقلاء يشكون من أنّ لهم صانعا مع إخبار المخبرين به، ولو كان يعلم من طريق الخبر لكان لا فرق بين خبر من زعم أنّ الصّانع واحد وبين من قال اثنان أو ثلاثة، على أنّ الخبر إنّما يضطر إذا كان المخبر يخبر عن مشاهدة، لأنه لا يجوز أن يكون حال المخبر يعلم ضرورة ومن الخبر ما يعلم من طريق الاستدلال، كخبر النبي ﷺ ، ولا يجوز أن يعلم الله من هذه الجهة، لأنّ القائل بهذا القول أحد رجلين، إمّا أن يقول لا يعلم الله إلا من جهة الخبر، فيلزمه أن يكون النبي لا يعرف الله إلّا بنبي آخر وذلك يوجب التّسلسل إلى ما لا نهاية، وإمّا أن يقول: إنه يعلم من جهة النبي ومن جهة أخرى أيضا، وهذا فاسد لأنه ليس في النبيّ أكثر من إظهار المعجزات والمعجزات لا تدل على حكمة فاعلها، فكيف يكون خبر النبي طريقا إلى العلم بالله وإذ قد ذكرنا وجوب معرفة الله تعالى والطريق إليه هاهنا، وممّا تقدّم فإنّنا ننكر الكلام على الملحدة والمتحيرين.
فصل [في بيان أنواع الضّلال]
اعلم أنّ أنواع الضّلال ثلاثة: المعاندة والحيرة والجهالة.
فالمعاندة على الإطلاق ينبغي أن لا يحصل لأحد منّا علم حقيقي ولا معرفة تفضي إلى يقين، وإنما هي ظنون وخواطر لا تسكن النّفس إليها، وتسميتنا لها ولأمثالها بالعلوم توسع ومجاز. والوجه في مدافعتهم أن يقال لهم: أتقولون ما ذكرتم عن خلوص علم، أو تسلط ظن؟ فإن ادّعوا العلم فقد ناقضوا، وإلّا حصلوا على عناد، وقد ذكر أبو عثمان الجاحظ في الكفار الذين قتلهم النبي ﷺ أنّهم كانوا عارفين بالله معاندين.
واعترض عليه فقيل: إنّ العناد يجوز على العدد اليسير، فأمّا الجماعة الكثيرة فلا يصح عليها ذلك، ونحن نعلم من أنفسنا وقد كنا على مذاهب فتركناها لفسادها أنّا لم نكن في حال اعتقادنا معاندين ولا كاذبين لأنفسنا، وإنّما تركنا الاستدلال، فكذلك أولئك الكفار قد علموا فيما أظهره النبي ﷺ أنها معجزات، لكنهم تركوا الاستدلال بها على ثبوته وصدقه.
والمتحيرون هم الذين يزعمون أنّ العلم بالمحسوسات قد يصح، ولكن ما عداها مما يحال فيه على العقل نحن شاكون فيه ومتوقفون، والكلام عليهم طريقه أن تقلب عليهم نفس ما أوردوه فيقال: تدفعون مقتضيات العقول بالمشاهدات أو بحجج العقول ولا فلاح لهم أي الطّريقين سلكوا.
стр. 108
والجاهلون الملاحدة والخارجون من نور التّوحيد والاستقامة إلى ظلمة الشّرك فرق، والضّلالة في عددهم في ازدياد ووفور، وإفسادهم وجوه وفنون وقد فسّرت فقيل: ربما كانت من الحضانة والتربية وقلة الخواطر وغباوة الخليط وجهد المجاورة، وربّما كان من تعظيم الأسلاف، أو من وجه الآلاف، أو من غباوة الدّاعية ونسل صاحب المقالة، وكونه صاحب سن وسمت وإخبات وطول صمت، ولله تعالى الحجّة البالغة عليهم، وعلى طوائف المبتدعة من أهل الصّلاة على اختلاف أهوائهم، وسيعلم الجافي على نفسه كيف ينقلب وقد فاته الأمر. ذكر بعضهم حاكيا عن قوم من الأوائل، أنّ الدّهر والخلاء قائمان في فطر العقول بلا استدلال، وذاك أنه ليس من عاقل إلا وهو يجد ويتصور في عقله وجود شيء للأجسام بمنزلة الوعاء والقراب، ووجود شيء يعلم التقدم والتأخّر، وأنّ وقتنا ليس هو وقتنا الذي مضى، ولا الذي يكون من بعد بل هو شيء بينهما، وأن هذا الشيء هو ذو بعد وامتداد.
وقال: قد توهم قوم أنّ الخلاء هو المكان، وأنّ الدّهر هو الزّمان، وليس الأمر كذلك بإطلاق، بل الخلاء هو البعد الذي خلا منه الجسم، ويمكن أن يكون فيه الجسم، وأمّا المكان فالسّطح المشترك بين الحاوي والمحوى، وأما الزّمان فهو ما قدرته الحركة من الزّمان الذي هو المدة غير المقدرة، فصرفوا معنى الزّمان والمكان المضافين إلى المطلقين، وظنوا أنهما هما والبون بينهما بعيد جدا، لأنّ المكان المضاف هو مكان هذا المتمكّن وإن لم يكن متمكنا لم يكن مكانا، والزّمان المقدّر بالحركة يبطل أيضا ببطلان المتحرك ويوجد بوجوده، إذ هو مقدر حركته، فأمّا المكان بإطلاق فهو المكان الذي يكون فيه الجسم وإن لم يكن، والزّمان المطلق هو المدة قدّرت أو لم تقدّر، وليس الحركة فاعلة المدة بل مقدرته، ولا المتمكّن فاعل المكان بل الحال فيه، قال: فقد بان أنهما ليسا عرضين بل جوهرين لأنّ الخلاء ليس قائما بالجسم لأنه لو كان قائما به لبطل ببطلانه، كما يبطل التّربيع ببطلان المربّع.
فإن قال قائل: إنّ المكان يبطل ببطلان المتمكن قيل له: أما المضاف فإنّه كذلك لأنّه إنما كان مكان هذا المتمكّن، فأمّا المطلق فلا، ألا ترى أنا لو توهّمنا الفلك معدوما لم يمكنا أن نتوهم المكان الذي هو فيه معدوما بعدمه، وكذلك لو أنّ مقدرا قدّر مدة سبت كان، ولم يقدر مدة يوم آخر، لم يكن في ترك التقدير بطلان مدة ذلك اليوم الذي لم يقدر، بل التّقدير نفسه، فكذلك ليس في بطلان الفلك أو في سكونه ما يبطل الزّمان الحقيقي الذي هو المدة والدّهر، فقد ينبغي أنهما جوهران لا عرضان، إذ كانا ليسا بمحتاجين إلى مكان ولا إلى حامل فليسا إذا بجسم ولا عرض، فبقي أن يكونا جوهرين.
وزاد على هذا الوجه الذي حكيناه بعضهم فقال: طبيعة الزّمان من تأكيد الوجود في
стр. 109
ذاتها وقوّة الثّبات في جوهرها، بحيث لا يجوز عدمها رأسا ولم تكن قط معدومة أصلا، فلا بدء لها، ولا انتهاء، بل هي قارة أزلية.
ألا ترى أنّ المتوهّم لعدم الزّمان لم يخلص له وهمه إلا إذا ثبت مدة لا زمان منها، والمدة هي الزّمان نفسه، فكيف يوهم عدم ما تأكّد لزوم جوهره؟ ويفني العقل الصّحيح تصور عدمه وتلاشيه؟ أو كيف يسوغ إلحاق عدمه بالممكنات؟! ووجوده من الواجبات الأزليات؟ فهذا ما حكي عن الأوائل. وابن زكريا المتطبّب يحوم في هذيانه عند حجاجه حول ما ذكرناه عنهم ولم يبين بيانهم ولا بلغ غايتهم، فلذلك جعل تابعا لهم وإذ قد أتينا على مآلهم بأتم استقصاد، فإنّا نشتغل بالكلام عليهم، وإن كان فيما قدّمناه قد صورنا خطأهم تصويرا يغني عن مقايستهم ومحاجّتهم.
ذكر بعض المنطقيين أنّ الزمان في الحقيقة معدوم الذّات، واحتج بأنّ الوجود للشيء إمّا أن يكون بعامة أجزائه كالخط والسّطح أو بجزء من أجزائه كالعدد والقول، وليس يخفى علينا أنّ الزّمان ليس يوجد بعامة أجزائه إذ الماضي منه قد تلاشى واضمحلّ، والغابر منه لم يتمّ حصوله بعد وليس يصح أيضا أن يكون وجوده بجزء من أجزائه إذ الآن في الحقيقة هو حدّ الزّمانين وليس بجزء من الزّمان، وكيف يجوز أن يعد جزءا ولسنا نشك أنّ حقيقة الجزء هو أن يكون مقدارا له نسبة إلى كلّه، كأن يكون جزءا من مائة جزء، أو أقل أو أكثر، فأما أن يتوهّم جزء على الإطلاق غير مناسب لكلّه فممتنع محال وليس الآن في ذاته بذي قدر مناسب لما يفوض من الزّمان الآتي والماضي، ولو وجد له قدر ما لصلح أن يجعل قدره عيارا يمسح به الكلّ حسب جواز ذلك على كافة ما يعد جزءا من الشّيء وإذا لم يكن الآن في جوهره ذا مقدار أصلا، والجزء من الشيء لا يجوز أن يعرى من المقدار، فليس الآن بجزء من الزّمان، وإذا كان الأمر على ذلك فالزّمان إذا ليس يصح وجوده لا بعامة أجزائه ولا ببعض أجزائه، وإن شيئا يكون طباعه بحيث لا يوجد بأجزائه كلّها ولا ببعض منها فمن المحال أن يلحق بجملة الموجودات، وإذا كان ذات الزّمان غير موجود أصلا فليس بجائز أن نعده في الكميات، فإنّ ما لا وجود له لا آنية له، والذي لا آنية له لا يوصف بوقوعه تحت شيء من المقولات.
وقولهم في الزّمان هو المدة التي تفهم قبل وبعد أجلها، فإن كان المراد أنّ قول القائل: قبل وبعد يفيد أنّ تقدّم المذكور وتأخره من غير أن ثبت بهما جوهران ليسا بجسم، ولا يفنيان ولا يجوز أن يخلق الله شيئا من دونهما فهو صحيح، ويكون سبيلهما سبيل لفظ مع إفادتهما معنى الصّحبة إذا قلت زيد مع عمرو، وكما تقول للأعيان أحوال ثم لا تصفها بأكثر من تميز بعضها عن بعض بها، وإن أريد بقبل وبعد غير ذلك فقد تقدّم القول في بطلانه
стр. 110
وبطلان ما قالوه في الخلاء والمكان، على أنا نقول معيدين عليهم إن أردتم أنّ المكان يكون المتمكّن وإن لم يوجد الجسم لم يوجد المكان لأنه قائم بالجسم، وليس بشيء ذي وجود في نفسه فهو صحيح، وإن أردتم للمكان جوهرا يبقى إذا ارتفع المتمكن، وأنّ الذي بطل بارتفاعه هو النّسبة إليه والإضافة، ويبقى المكان المطلق مكانا كما كان وهو الخلاء الفارغ وليس فيه جسم فهذا إحالة على شيء لا الإدراك يثبته ولا الوهم يتصوّره. فإن قالوا: المكان حينئذ يكون مكان ما يمكن أن يكون فيه كالزّق الخالي من الشّراب، فإنّه مكان الشّراب الذي يمكن أن يكون فيه.
قلنا: صور في وهمنا من الخلاء مثل ما نتصوّره إذا توهّمنا الزّق والشّراب وذلك مما لا يقدرون عليه، لأنّ كلامهم فارغ لا يفضي إلى معنى محصل، وأيضا فإنّ الأجسام لا يخلو من أن تكون ثقيلة فترسب، أو خفيفة فتطفو، والخلاء عندهم ليس بثقيل ولا خفيف، فيلزمهم أن يكون النقطة هي الخلاء لأنّها ليست بثقيلة ولا خفيفة، ويلزمهم على قولهم بأن المتحرك لا يتحرك إلا في الخلاء أن يتحرك أبدا ولا يستقر إذا لم يوجد شيء يضاده أو يسكن دائما فلا يتحرّك إذ لا سبب هناك يوجب تحركه، أو إذا تحرّك في الخلاء أن يتحرك إلى جميع الجهات ولا يختص بجهة دون جهة لأنّ الخلاء كذلك. فإن قالوا: إن الذي تسميه خلاء هو الهواء، أسقط قولهم بأن الهواء يقبل اللّون ويؤدي الصّوت والخلاء ليس كذلك وهذا بيّن.
وأعجب من هذا أن الباري مخترع لجميع ما خلقه وأنه لا يعجزه مطلوب ولا ينكاده معلوم، ثم أقاموا معه في الأزل الهيولى وهو المادة، ورتّبوا معه الصورة ليكون جميع ذلك كالنّجار والخشب والنّجارة والله تعالى يقول: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[سورة فصلت، الآية: ٩] إلى قوله: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[سورة فصّلت، الآية: ١٢] ولم يقل ذلك إلا وأهل العلم إذا فكّروا فيه أدركوا منه الآية البيّنة والحجّة الواضحة، وبيّنوا أنه ليس في العالم شيء إلا وهو منتقص غير كامل، وذلك هو الدّليل على أنه مقهور لا يستغنى به، ولا بدّ له من قاهر لا يشبهه ولا يوصف بصفاته على حدّها، لأن ذلك آية الخلق وآية الخلق لا تكون في الخالق.
فصل آخر يزداد النّاظر فيه والعارف به استبصارا فيما وضع الباب له
اعلم أنّ الاستدلال بالشّاهد على الغائب هو الأصل في المعرفة بالتّوحيد وحدوث الأجسام لا يعرف ببداهة العقل ولا بالمشاهدة لأنّه لو عرف ذلك لاستوى العقلاء في معرفته كما استووا فيما شاهدوه، وإنما يتهيأ أن يعرف بما علم من تعاقب الأعراض المتضادّة عليها، وإنّما لا تنفك منها عل حدوثها إلا بمشاهدة الأجسام وإذا ثبت حدوث الأجسام فلا
стр. 111
بدّ لها من محدث لا يشبهها، وإذا ثبت ذلك صح أنّ الفاعل للأجسام لا تحلّه الحوادث وأنه سابق لها غير مشبه لها والحوادث غير مشبهة له.
ثم دلّ خلقه للأجسام أنه قادر حيّ كما دلّت أفعال الأجسام في الشّاهد أنّها حيّة قادرة عالمة وأنّها لو لم تكن كذلك لم تكن فاعلة فلما لم يدلّنا على أن الأجسام حية قادرة إلا أفعالها، إذ كانت حياتها وقدرتها لا تشاهد، دلّتنا أفعال الله تعالى أيضا على أنه حي قادر، ووجب أن يكون عالما لوجود أفعال محكمة، إذ كانت أفعال الأجسام في الشّاهد إذ كانت محكمة دلّت على أنّها عالمة ولا يدل على علمها غير أفعالها، إذ كان العلم لا يدرك ولا يشاهد.
ولما دلنا جواز الموت على الأجسام نفي الشّاهد والعجز والجهل دلّنا ذلك على أنهم إنما كانوا أحياء قادرين بحياة وقدرة، وعالمين بعلم، وهذه الأشياء هي غيرهم فلهذا جاز زوالها عنهم وحدوث أضدادها بدلا منها فيهم. ولما كان القديم تعالى لا يجوز شيء من ذلك عليه وجب بدلالة الشّاهد أنه حيّ بنفسه عالم ولما كان الجسم في الشّاهد بالتأليف يصير جسما، ونعلمه جسما لم يجز أن يكون جسما فصحّ بهذا أن التّوحيد لا يعرف إلا بدلالة الشّاهد، وكذلك طريق صدق الرّسل لأنه لا يعرف بالمشاهدة ولا ببداهة العقل، ولو عرف بذلك لاستوى النّاس جميعا فيه، وإذا كان كذلك فإنّما يعرف بالآيات المعجزات، ولا يعرف ذلك إلا باعتبار أمر الشّاهد وحمل الغائب عليه فاعلمه.
واستدلّ أبو القاسم البلخي على أنّ القديم واحد بأن قال: قد ثبت أنّ المحدثات لا بدّ لها من محدث، فمن هذا الطّريق قد بان أنّ هاهنا صانعا لا بدّ منه ولا أقل من واحد فلذلك نعلمه يقينا وأنّه واحد، وأمّا ما عداه مشكوك فيه فلا يتخطاه إلّا بدليل وهذا قريب صحيح.
انتهى الباب والله محمود على ما سهّله ووفقنا له من تحقيق ما أردنا تحقيقه من شرح فضائحهم وإثارة مقابحهم، والرّد عليهم في أصول دعاويهم وفروعها ومسئول إيزاعنا شكر نعمته وصلة سعينا بمرضاته.
стр. 112
الباب الثالث ويشتمل على بيان اللّيل والنّهار
على فصول من الأعراب يتعلّق بهما وهي ظروف
الفصل الأوّل [في بيان معنى الليل والنهار]
قال الأصمعي أتيته ليلا وقعلته نهارا. قال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
[سورة الصافات، الآية: ١٣٧] فقوله: باللّيل خلاف الإصباح. واعلم أنّ قوله:
وَبِاللَّيْلِ
موضعه نصب على الحال كأنه قال: تمرّون عليهم مصبحين ومظلمين أي داخلين في الظّلام، فأوقع اللّيل على الجزء الذي فيه الظّلام من اللّيل، وإن كان في الحقيقة للجنس. واليوم بإزاء اللّيلة يقال: جئتك اليوم وأجيئك اللّيلة ويقال: أتيته ظلاما أي ليلا ومع الظّلام. وقال يعقوب: الظّلام أول اللّيل وإن كان مقمرا. وحكى بعضهم أتيته ظلاما أي عند غيبوبة الشّمس إلى صلاة المغرب وهو دخول اللّيل، وهذا يؤيد ما حكاه يعقوب وكأنه جعله الوقت الذي من شأنه أن يظلم، ويقولون: عم ظلاما، كما يقولون: عم صباحا ويقال: نهار أنهر وليل أليل وليلة ليلاء وقال الفرزدق: واللّيل مختلط الغياطل أليل. وأنشد المفضل:
مروان مروان أخو اليوم اليمي
قال سيبويه: أراد اليوم فقلب وقدّم الميم وقيل: بل حذف العين تخفيفا وأطلق الميم إطلاقا.
وقال شيخنا أبو علي الفارسي: وقت قراءتي عليه هذا الموضع من الكتاب وفي حاشية نسختي: أخي اليوم اليوم، فاستغربه وقال: يريد أنه بطل يبارز أقرانه ويقول لهم: اليوم اليوم أو هو صاحب هذا اللّفظ في ذلك الوقت وفي هذا الوجه قلب أيضا وقولهم: يوم في أبنية الأسماء غريب نادر، لأن فاءه ياء وعينه واو ومثله في المباني يوح اسم للشّمس وباب اليون بالشام.
وقد ذكره ابن الرّقيات في قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان أعني ابن ليلى عبد
стр. 113
العزيز. بباب اليون تغدو جفانه ردما. وقال هميان بن قحافة: فصدقت تحسب ليلا لأيلا.
فقال لأيل وإنما يصفون بما يشتق من لفظ الموصوف بيانا للمبالغة وتنبها عليها على ذلك قولهم ظلّ ظليل، وداهية دهياء وما أشبهها. ويقال استأجرته مياومة وملايلة إذا قدر أجرته يوما يوما وليلة ليلة.
وحكى أبو عبيدة أنّ العرب لا تقول إلا مشاهرة، فأما معاوية ومياومة وما أشبههما فليست من كلام العرب، وإنما هي قياس على المسموع منهم، ويقال: يوم وأيام، والأصل أيوام لكن الواو والياء إذا اجتمعا فأيّهما سبق الآخر بالسّكون يقلب الواو ياء ويدغم الأوّل في الثاني، إلا أن يمنع مانع على ذلك قولهم سيّد وميّت لأنّهما فيعل من ساد ومات، والأصل سيود وميوت هذا فيما السّابق فيه ياء ومما السّابق فيه واو قالوا كويته كيا، ولويته ليا لأن الأصل كوى ولوى وكذلك قولهم أمنية وازبية وقولي إلا أن يمنع مانع احتراز من مثل قولهم: ديوان لأن أصله دووان، ففرّوا من التّضعيف وأبدلوا من إحدى الواوين ياء. فلو طلبوا الإدغام للواو لعادوا من التضعيف مثل ما فروا منه، ومثله سوير وبويع ومثله لوى ورويه إذا خفف همزتاهما، لأنّ الواو في جميعها لا يلزم، فلم يعتدوا بها واوا.
ألا ترى أنّها سوير، وبويع منقلبة عن الألف في سائر وبائع. وفي رويه ونوي مبدلتان من همزة وتلك الهمزة ثابتة في النّية، وإذا كان كذلك فحكم الواو فيها حكم الألف والهمزة، فأما ضيون وحيوة فشاذتان عن الاستعمال ومنبّهتان على أصل بالباب المرفوض على عادتهم في أمثالها والنّهار واللّيل لا يجمعان إلا أن يذهب إلى بياض كلّ يوم، وسواد كلّ ليلة، فتصورت بينها خلافا لأنّك حينئذ تجمع للاختلاف الدّاخل في الجنس فيقال: أليال وأليل وأنهر ونهر وعلى هذا قول الشاعر شعرا:
لولا الثريدان هلكنا بالضّمر ... ثريد «١» ليل وثريد بالنّهر
والذي يكشف لك أنّ اللّيل والنّهار لا يجمعان أنّ سيبويه قال: لا يجوز أن يقول القائل: إذا كان الليل فاتني ولا أن يقول: إذا كان النّهار فاتني لأنهما لا يكونان ظرفين إلا أن يعني بهما كلّ اللّيل والنّهار. وإذا كانا كذلك فسبيلهما سبيل الدهر فكما لا تقول: إذا كان الدّهر فاتني كذلك يمتنع في اللّيل والنّهار ويقال: رجل ليلي ورجل نهاري إذا نسبت، ونهري أيضا وهذا كما بنوا للّنسبة فاعل وفعال مثل تاجر ولابن وبزّاز وثمّار وأنشده:
لست بليلي ولكني نهر ... متى أتى الصّبح فإني منتشر
стр. 114
لا أدلج «١» اللّيل ولكن أبتكر ويقال: ليلة وليال فكأنها جمعت على ليلات وإن لم يستعمل ومثله أهال في جمع أهل وإنما هو في تقدير أهلي، وعلى هذا قالوا في التّصغير ليلة والقياس في جمع ليلة ليلاء ليال ليل والأصل لول لأنه فعل مثل حمراء وحمر، لكنّهم حاموا على الياء لئلا يلتبس بنات الياء ببنات الواو، ومثله قولهم بيض وعين في جمع بيضاء وعيناء وما أنشده الكسائي من قول الكميت:
ولدنك والبدر ابن عائشة التي ... أضاء ابنها مستحلكات اللّيايل
فإنه أراد اللّيالي، فقلب، وقدم الياء فلما وليت الألف همزت كما قيل: صحايف ومثله فيما قلبوه ترقوة وترائق والأصل تراقي.
واعلم أنّهم يتوسعّون في ذكرهم اليوم، واللّيلة ألا تراهم يقولون: فلان اليوم يعد من الرؤساء وكان في الدّهر الأول على كذا، واليوم هو خلافه، وإنما يعنون الزّمان وكما قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[سورة السجدة، الآية: ٥] يعني القيامة، وليس ما أشار إليه من صورة ما نعدّه في شيء وقال الشّاعر:
يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب
فقسم دهره يومين، ويقال: الناس أغراض اللّيالي ويراد الأحداث ومثله من الذي يسلم على الليالي والأيام فأما قوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً
[سورة الأنفال، الآية: ١٦] فاليوم يعم أجزاء اللّيل والنّهار، والزّجر به حاصل في كل جزء من أجزاء الزّمان وعلى هذا قوله:
يا حبذا العرصات ... يوما في ليال مقمرات
يريد وقتا وزمانا في ليال وكذلك قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
[سورة آل عمران، الآية: ١٤٠] أي نجعل الدّول في الأزمان فتحول وتنقل بين الناس على حسب استحقاقهم أو سببا لامتحانهم. وقد سمّت العرب وقعاتها أياما فيقولون لنا: يوم كذا ويوم كذا، وساغ ذلك لوقوعها فيها.
فصل آخر [في بيان قوله اللّيلة لليلتك التي أنت فيها، والبارحة لليلة يومك الذي أنت فيه]
يقال: اللّيلة لليلتك التي أنت فيها، والبارحة لليلة يومك الذي أنت فيه، وقد مضت
стр. 115
وهي من برحت أي انقضت، ومنه ما برحت أفعل كذا، وأصله البراح، من المكان وقال الفراء: برحت بالفتح مضت ويقال: برح الخفاء أي زال ومنه البارحة وقال قطرب: لا يقال بارحة الأولى لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولا إلى نعته والجمع البوارح.
وذكر بعض شيوخنا أنّ قوله: لا أبرح بمعنى لا أنال ولا يجوز أن يكون أصله من البراح من المكان بدلالة قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
[سورة الكهف، الآية: ٦٠] ألا ترى أنّه محال أن يبلغ مجمع البحرين وهو لم يبرح من مكانه قال: وإذا لم يستعمل أبرح إلا على أحد هذين الوجهين وبطل أحدهما ثبت الآخر، ويمكن أن يقال في جوابه معنى لا أبرح حتى أبلغ أي لا أتجاوز هذا الطريق ولا أعدل عن سلوكه وسمته حتى أبلغ هذا المكان، فخذف الطريق وهذا كما يقال: لم أبرح بلد كذا حتّى فعلت كذا وإن كان ينقل في البلد لأنّ المعنى لم أتغيب ويشهد لهذا أنه لا يستعمل ما برح في الله تعالى لأنّه لا يقال: لم يبرح الله قادرا فلو كان لم يبرح بمعنى لم يزل حتى لا فرق بينهما لما امتنع مما دخله، وإذ قد امتنع فلأنه لا يجيء إلا وأصله البراح من المكان ذكر أو لم يذكر وذلك لا يجوز على القديم تعالى.
واعلم أنّ هذه الكلمة في اللغة مدارها الأكثر على التّجاوز، من ذلك قال الأعشى:
أبرحت ربا وأبرحت جارا أي جاوزت ما عليه أمثالك في الخلال المرضية، والبارحة الأولى التي قبل البارحة، وجمع البارحة البوارح، ولم يتجاوزوا ذلك. وأمّا الفائدة فما يستقبل بعد ليلتك التي أنت فيها وكأنها مأخوذة من الاستقبال ويقال: قبلت الوادي أقبله إذا استقبلته ويقال: آتيك القابلة والمقبلة كما يقال: عام قابل ومقبل وأنشد:
أقبلتها الخلّ من حوران مجتهدا ... إني لأزري عليها وهي تنطلق
ويقال فعلته ليلا ونهارا أي ضياء وظلاما، غير مخصوص بوقت معلوم، وفعلته يوما وليلة يريد أنّ من جملة الزّمان ما تنحصر بهذا القدر وربما جعل بعض أجزاء الليلة ليلا وجعل اللّيل لليلة واحدة قال:
وودّ الليل زيد إليه ليل ... ولم يخلق له أبد النّهار
ولم يرد الجنس لأنّ الجنس يستوعب الأوقات، فلا يزاد للأمثلة وكذلك قوله: إني إذا ما اللّيل كان ليلتين، أراد كل واحد من الشّاعرين ليلة واحدة وأنها في طولها كانت أوقاتها وساعاتها لتطاولها وامتدادها ومقاساة ما يعاني منها كليلتين. وغرض الشاعر أن يصف طول ليلته أي كأنها في طولها مضاعفة متزايدة، وإذا جعل اللّيل جنسا فسد المعنى أيضا؛ لأن اللّيل المستوعب لأجزاء جنس اللّيل إذا قيل فيه كان ليلتين وحصر بما يقع فيه التّنبيه من
стр. 116
أجزائه عاد نقصانا لا تضعيفا وقوله تعالى: وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
[سورة الإنسان، الآية: ٢٦] المراد به أجزاء ليلة طويلة من اللّيل لأنه لو أريد الجنس لما صحّ فيه ذكر الطّول وللزم التّسبيح ليلة طويلة دون ليلة قصيرة، وإذا أريد الجزء من اللّيل في كلّ ليلة فهو أمر بالتّسبيح جزءا طويلا وأجزاء طوالا.
وقال بعضهم في قوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[سورة إبراهيم، الآية: ٥] أي بنعمه، والكوفيون رووا اللّيل ليلك، واليوم يومك، ويراد به الوقت وقتك، ويقال: الليل ليلك واليوم يومك، فيجعلون الأولى ظرفا للثانية، وجعلوا الثّاني جزءا منه لأنّ الظرف وعاء مستوعب، فيجب أن يكون أوسع من ذي الظرف ليوعبه ويشتمل عليه كما يحوي الوعاء ما ضمنه، وأما قوله تعالى: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا
[سورة الدخان، الآية: ٢٣] وقد علمنا أن السّرى لا يكون إلا ليلا، فالمراد في جوف اللّيل، ولو قال: فأسر بعبادي، ولم يقل ليلا لكان مطلقا في أول اللّيل وآخره وما بينهما، ألا ترى أنك تقول: جاءني فلان البارحة بليل، فيكون المعنى في استحكام اللّيل، وقد يجيء ما لا يحتاج فيه إلى تأكيد، تقول: أدلجت فيكون المعنى سرت في أول الليل، ولو قال: أدلجت في أوّل اللّيل لساغ فيكون تأكيدا كتكرير الاسم أو الفعل قال زهير شعرا:
بكرن بكورا واستحرن بسحرة ... فهّن لوادي الرّسّ كاليد للفم
فقوله بسحرة بكور على وجهين: أحدهما أن يكون الإدلاج لآخر اللّيل وبكرن للسّحر وغيره، فإذا قال بسحرة فقد بين أيّ الوقت من آخر الليل، ويكون توكيدا محضا قال تعالى:
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ*
[سورة هود، الآية: ٨١] على هذا والعرب يقول: أتيتك بقطع من اللّيل، وبعد وهن من اللّيل إذا دخلت في استحكامه، فأمّا قول ضمرة شعرا:
بكرت تلومك بعد وهن في النّدى ... سهل عليك ملامتي وعتابي
فقال: بكرت ثم قال بعد وهن، والوهن لا يكون إلا ليلا فالمعنى أول ذلك الوقت وقولهم: بكر عليه إذا لم يسمّ الوقت فإنّما يعني جاء في أوله ليلا كان أو نهارا، وبها سميّت الباكورة من الثمر وإن لم تذكر وقتا، وقلت أتانا بكرة فإنّما تأويل ذلك أوّل النّهار لا غير، هذا المستعمل بلا شرط، وما تقدم فإن تذكر ما يدل عليه وكذلك اليوم إذا كان مطلقا إنما تعني به النّهار دون اللّيل والألف واللام يدل على يومك، إلا أن تصله بغيره فتقول: رأيته اليوم الذي مضى.
فصل آخر [في بيان معنى البكرة والعشي]
قوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[سورة مريم، الآية: ٦٢] يريد على ما
стр. 117
اعتادوا في الدّنيا والبكرة ما اتصل بما قبله من الليل، والعشي ما يتصل به اللّيل ولا ليل في الجنة ولكن على ما ألفوا في الدّنيا وتعودوه من الأوقات ومثله قوله تعالى: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
[سورة الإسراء، الآية: ٩٧] ولا خبو لنار المعاد ولكن عندما علم من خبو نار الدنيا وانقضاء تصرّمها يجدد لأولئك العذاب، فأما قولهم المبكر فهو ما جاء في أوّل الوقت وليس هو من بكور الغداة. ومنه قوله ﵇: «بكروا بصلاة المغرب» والتبكير أول أوقات الصّلاة. ومنه قوله ﵇: «من بكّر وابتكر» فبكر يكون لأول ساعات النّهار ويكون لأول وقت من الزّوال وابتكر لا يكون لأوّل ساعات النهار.
قال أبو العباس ثعلب: يجوز في قوله: ابتكر أسرع إلى الخطبة حتى يكون أول دان وسامع، كما تقول ابتكرت الخطبة والقصيدة أي اقتضبتها وارتجلتها ابتداء لم أرد فيه وقول الفرزدق: إبكار كرم تقطف فالمراد حملت أول حملها وأنشدني شيخنا أبو علي، قال أنشدني أبو بكر السّراج لعنترة العبسي:
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت جمالكم بليل مظلم
قال يقول: إنّك ابنة ملك فلا يرحل بك إلّا ليلا فلذلك خفي. قال: ويجوز أن يكون المعنى إن كنت أظهرت رحلتك الآن فإنما وقع العزم عليه ليلا، كما قال الحارث بن جلزة شعرا:
أجمعوا أمرهم بليل فلمّا ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
كان المراد أمرهم في الارتحال دبر بليل ولم يكن فلتة. وقول الشاعر عمرو ابن كلثوم شعرا:
وأيام لنا غرّ طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
أراد الأوقات لأنّ معصيتهم للملك كانت في اللّيل والنّهار، فإن قلت: كيف تكون اللّيالي غرا إلا ما يذكر من ليالي الشّهر يقال ثلاث غرر وذلك لبياضها بدوام القمر فيها؟
قيل: لم يرد بالغر بياض الوقت ووضوحه بضياء شمس أو قمر إنما أراد إسفاره وإشراقه واشتهاره في مواطن الشّرف والمجد والسنّا والافتخار، وحميد البلاء، وحسن الآثار ولقاح الغرّة وامتناع الجانب على من يأتيهم وكذلك قول القائل شعرا:
وأيامنا مشهورة في عدّونا ... لها غرر معلومة وحجول
ويجوز أن يريد في الأوّل بالغر أيضا بياض المقاديم كغرّة الفرس، فأما قولهم: أيامنا طابت ببلد كذا والمراد لياليها، فهو من هذا ولذلك قيل: لو أن إنسانا قال: عبدي حر لوجه الله يوم يقدم علينا فلان أنه يعتق وإن قدم ليلا، وعلى هذا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
стр. 118
دِينَكُمْ
[سورة المائدة، الآية: ٣] قيل: أراد يوما بعينه وقيل: أراد زمنا ووقتا قال الدّريدي:
والعرب تقول: كيف أصبحت من نصف اللّيل الآخر إلى نصف النهار؟ وكيف أمسيت من الزّوال إلى نصف الليل؟ ويقولون: في يومك كان اللّيلة كذا إلى الزّوال، فإذا أزالت الشّمس قالوا كان البارحة. وحدّث الجمحي قال: تقول العرب: صبّحتك الأنعمة بطيبات الأطعمة.
وحدّث أبو العباس المبرّد قال: أنشدني المازني عن أبي زيد:
كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا ... يثبت الودّ في وداد الكريم
قال: المعنى وكيف أمسيت قال: ويقول العرب في مثله: ضربت زيدا عمرا لا يريدون بدل الغلط ولكن يريدون الواو. قال: ولو طال الكلام لكان أحسن مثل ضربت زيدا وأحسنت في ذاك عمر، أو معنى البيت أن كلّ واحدة من هاتين اللفظتين والتّحيّتين تغرس الود للمحيّي بهما في قلب المحيّ، ومما استعمل من هذا الباب ظرفا ولم يستعمل اسما قولهم: إنه ليسار عليه صباح مساء معناه: صباحا ومساء وهذا عكس قولهم اللّيل إذا أرادوا به ليل ليلة، لأنّ اللّيل أوقع فيه اسم الجنس على الواحد منه، وهذا أوقع فيه الواحد موقع الجنس والكثرة.
стр. 119
الباب الرّابع في ذكر ابتداء الزّمان وأقسامه
والتّنبيه على مبادئ السّنة في المذاهب كلّها وما يشاكل ذلك من تقسيمها على البروج يقال: إن الله تعالى خلق الخلق كلّه والشّمس برأس الحمل والزّمان معتدل واللّيل والنّهار مستويان، فأوّل الأزمنة فصل الصيف، وهو الذي يدعوه النّاس الربيع ومنه ابتداء سنة الفرس فكلما حلّت الشّمس برأس الحمل فقد مضت للعالم سنة عندهم، قال ابن قتيبة:
ولذلك قال أبو نواس شعرا:
أما ترى الشّمس حلّت الحملا ... وقام وزن الزّمان فاعتدلا
وغنّت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا
لأن مراده استوفت الخمر حول الشّمس كملا فالهاء في قوله: حولها كناية عن الشّمس قد مضى ذكرها، قال ثعلب: حولها تقلبها من حال إلى حال.
وقال المبرد: من ابتداء إبراق الكرم إلى استحكام العنب ستة أشهر، ومن استحكام العنب إلى استحكام الخمر ستة أشهر، وذلك عند حلول الشّمس برأس الحمل فلذلك حول. وقال بعضهم: حول الخمر ستة أشهر والضّمير لها فهذا ما في هذا وقد قال أبو نواس في قصيدة أخرى أوّلها شعرا:
أعطتك ريحانها العفار ... وحان من ليلك السّفار
ثم قال:
تحيّرت والنّجوم وقف ... لم يتمكّن لها المدار
وفي هذا البيت معنى لطيف مليح وذلك أن أصحاب النّجوم والحساب يقولون: إنّ الله تعالى حين خلق النّجوم وجعلها واقعة في برج، ثم سيّرها من هناك، فيريد أنّ هذه الخمرة
стр. 120
تخيرت في وقت خلق الله تعالى الأفلاك، والرّوم تجعل ابتداء سنتها من الخريف، وهو زمان الاعتدال والاستواء أيضا، فكلّما حلّت الشّمس برأس الميزان فقد مضت سنة للعالم عندهم، والعرب تجعل السّنة نصفين شتاء وصيفا وتبدأ بالشّتاء فتقدمه على الصّيف كأنّها تعمد على أنّ مبادئ الأقوات فيه وأوائل النّماء في العالم منه، ثم أوّل الصّيف داخل عليه واصل وما بعده مزلق منه وفيه يستقبل الأمور ويفتح لأنواع الخلق التدبير ويزدوج الأسباب وتلقح السّحاب ويحيي الأرض بعد موتها وينشر النّبات غب اندفانها وإلى هذا أشار أبو تمام في قوله:
لو لم تكن غرس الشّتاء بكفّه ... لاقى المصيف هشايما لا تثمر
ويشهد لذلك تقديم الله تعالى الشّتاء على الصّيف حين ذكر رحلتي قريش للتّجارة وامتنّ عليهم بما مكن لهم في النّفوس من الإجلال والمهابة لكونهم قطان الحرم وأرباب الأشهر الحرم، حتى أمنوا الزّمان، وكانت العرب من غلب سلب فقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ
[سورة قريش، الآية: ١- ٢] .
فابتداء الشّتاء وهو النّصف الأول من السنّة من حين ابتداء النّهار في الزيادة، وذلك لحلول الشّمس برأس الجدي وفي برجه إلى انتهائه في الطّول وذلك لحلول الشّمس في برج السّرطان، وابتداء الصّيف وهو النّصف الثّاني من السّنة من حين ابتداء النّهار في النّقصان، وذلك لحلول الشّمس في برج السرطان إلى حين انتهائه في القصر، وذلك لحلول الشّمس في برج الجدي ويقسمون الشّتاء نصفين.
والصّيف أيضا نصفين، ومنتصف كل واحد منهما استواء اللّيل والنّهار والاستواء الذي يكون في نصف الشّتاء يسمّى الاستواء الرّبيعي وهو لحلول الشّمس في برج الحمل، لأنّ الشتاء كله ربيع عندهم من أجل النّدى، ولذلك تسمية الرّبيعين الأول ربيع الماء والثّاني ربيع النّبات، والاستواء الذي يكون في نصف الصّيف يسمّى الاستواء الخريفي، وذلك لحلول الشّمس في الميزان فهذه أرباع السّنة وفصولها الشّتاء والرّبيع والصّيف والخريف، ولكلّ فصل من فصول السنة ثلاثة أبراج من البروج الاثني عشر لأنها ثلاثة أشهر.
فبروج الشّتاء الجدي والدلو والحوت، وبروج الربيع الحمل والثّور والجوزاء، وبروج الصّيف: السرطان والأسد والسّنبلة. وبروج الخريف: الميزان، والعقرب والقوس. وأوائل بروج هذه الفصول تسمّى منقلبة وهي الجدي والحمل والسرطان والميزان، لأنّ في أوائل هذه الفصول ينقلب الزّمان من طبيعة إلى طبيعة. وأوساطها وهي الدّلو والثّور- والأسد- والعقرب- تسمى ثابتة لأن في أوساط الفصول تثبت طبائع الزّمان على حدّها وأواخرها وهي
стр. 121
الحوت- والجوزاء- والسّنبلة- والقوس- تسمّى ذوات جسدين لامتزاج طبيعة كل فصل بطبيعة الفصل الذي يليه. وذكر بعضهم أنّ أهل الحجاز يجعل للسنّة ستة فصول وسميا وشتاء وربيعا فهذه أزمنة الشتاء وصيفا وحميما وخريفا فهذه أزمنة الصّيف.
واعلم أنهم يبدئون من الأوقات باللّيل كما يبتدئون من الزّمان بالشّتاء ولذلك صار التاريخ به من دون النّهار، وإنّما كان عندهم كذلك لأن الظّلمة الأول والضّياء داخل فيه وكل معتبرهم بمسير القمر فمستهلّه جنح العشاء وطلوعه تحت البيات. فلولا أنّ نوره ونور الشّمس يجلوان الهواء لكان الظّلام راكدا فهو أقدم ميلادا وأسبق أوانا، وألذّ استمتاعا، وأوثر مهادا وأغزر مطرا، وأروى سحابا، وأندى ظلا، وأهول جنانا، وأطيب نسيما، وأفضل أعمالا. ولذلك قدمه الله تعالى في رتبة الذّكر ورتبة الوصف فقال تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
[سورة النّبأ، الآية: ١٠- ١١] فرتبة الذّكر ظاهرة من التّلاوة كما ترى، ورتبة الوصف أن السّكن واللّباس مقدمان على السّبح والمعاش في متصرفات الأنام.
ثم بعد ذلك هما أخو الهدو والقرار اللّذين منهما يبتدئ النّشاء والنّماء. وقال تعالى عند الأقسام بالزمان: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى
[سورة الليل، الآيتان: ١- ٢] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
[سورة الإسراء، الآية: ١٢] فلا موضع أجرى ذكرهما إلا واللّيل مقدّم، ثم فضل تبتيل المجتهد وترتيل القارئ، وابتهال المستغفر فيه على ما يكون منها في غيره فقال تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
[سورة آل عمران، الآية: ١٧] وفي موضع آخر: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[سورة الذاريات، الآية: ١٨] إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
[سورة المزمل، الآية: ٦] كلّ ذلك لأنه الأول المقدم، والأصل الموصل، والأوان الممهد للرّاحة والوقت الموجه للرّفاهية، وكذلك قالوا عند المدح: ما أمره عليه بغمة ولا ليله عليه بسرمد. وقال النابغة:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
فقال: كاللّيل ولم يقل كالصبّح وانكان المغر من كل لا يطاق وقال بعضهم: إنما قال كاللّيل لأنه كان عليه غضبان. وقد قيل اللّيل أخفى للويل وأخذ الفرزدق قول النّابغة هذا شعرا:
ولو حملتني الريح ثم طلبتني ... لكنت كشيء أدركته مقادره
جعل الرّيح بإزاء اللّيل واللّيل أعم، والمستحسن قول النبي ﷺ : «نصرت بالرّعب وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلّن هذا الدّين على ما دخل عليه اللّيل» يعني الإسلام،
стр. 122
وكما ندب المتعبد إلى التقرب فيه إليه. وقال الله تعالى للنبي ﷺ : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[سورة الإسراء، الآية: ٧٩] أنبأ عن نفسه تعالى بمثله فيما يبرمه، ويقضيه، فقال تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
[سورة الدخان، الآية: ٤] يعني في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
ثم قال الناس: هذا أمر دبّر بليل، وثبت الرأي، وهذا رأي مبيت وليس القصد تفضيل اللّيل على النّهار، وإنما المراد التّنبيه على سبقه وعلى إصابة العرب في تقديمه، وقد تكلّمنا في تصحيح طريقة العرب فيما قدّمناه من الآي التي شرحناها عند قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
[سورة يس، الآية: ٣٧] وما يقتضيه لفظة السّلخ بكلام بين، وذكر أبو حنيفة الدّينوري عن غير واحد من علماء الرّواية أن العرب تبدأ فتقسم السّنة نصفين شتاء وصيفا، وتقدم الشّتاء على الصّيف وتجعله أول القسمين وهذا ضد صنيع الجمهور من أهل القرار وعلماء الحساب، لأنهم يقدّمون الصّيف على الشّتاء.
وقد كان بين أهل العلم اختلاف قديما في أنه أي أرباع السّنة أولى بالتّقديم حتى رأوا أنّ ربع الربيع الذي أوله حلول الشّمس برأس برج الحمل أولى بالتّقديم فأطبقوا على تقديمه باتفاق، ولذلك أجمعوا في عد البروج على الابتداء ببرج الحمل. وفي عد المنازل على الابتداء بالشّرطين، حتى لا تجد في ذلك مخالفا. هذا صنيعهم في الأزمنة، فأما إذا صرت إلى سني الأمم وجدتهم فيها مختلفين. فمنهم من يفتتح السّنة في ربع الشّتاء، ومنهم من يفتتحها في ربع الخريف، ومنهم من يفتتحها في ربع الرّبيع كلّ ذلك قد فعلوا.
وممن افتتحها في الخريف أهل الشّام من السّريانيين، ألا ترى أوّل سنتهم تشرين الأول وأنه صدر الخريف وابتداء الوسمي، ولعل العرب أيضا كانت قد ابتدأت السّنة في بدء الأمر على مثل ذلك، فجعلوا مفتتحها في أول الوسمي كما أنه يقدمه في قسمة الأزمان والأنواء. فثبتوا على أمرهم الأول في تقديم الوسمي، وانتقل مدخل السّنة عن موضعه الأول ثمانين عدد أيام سنة القمر وسنة الشّمس من التّفاوت والفصول إنما تتفضّل بمسير الشّمس لا بمسير القمر.
وإنمّا توهّمت هذا من صنيع العرب من أجل أنّ كثيرا من علماء الرّواة يزعمون أنّ شهري ربيع إنما سميّا للربيع، وأن جماديين إنما سميتا للشّتاء ووجود الماء. وأن شعبان إنمّا سمي شعبان لاشتعاب الظّعن إياهم عن المرابع للمحاضر وأنّ شهر رمضان إنمّا سمّي رمضان لشدة الحر والرّمض وأنّ صفر أنسب إلى الزّمان الذي يسمّى الصّفري، وهذا الذي ذكروا أمر قريب لا يبعد في الوهم، لأنّا على هذا الترتيب نجد أزمان السّنة عندهم، ومما يقوي هذا القول ما حكي عن الغنوي الأعرابي وعن غيره فإنه قال: جمادى عند العرب
стр. 123
الشّتاء كلّه قال: ويقال للحر كلّه شهر ناجر، كما يقال للشّتاء كله جمادى، وكان ينشد بيت لبيد في الجزء شعرا:
حتى إذا سلخا جمادى ستة ... جزءا فطال صيامه وصيامها
بخفض ستة على إضافة جمادى إليها وقال أراد ستة أشهر الشّتاء، وهي أشهر النّدى والجزء، وكذلك كان ينشده أبو عمر والشّيباني خفضا ويقول: أراد جمادى ستة أشهر فعرف بجمادى. قال أبو حنيفة، ويشهد للغنوي كثرة ذكر العرب جمادى إما ببرد الزّمان وإما بكثرة الأنداء والأمطار، وهذا كلّه من أوصاف الشّتاء ولو كان قصدهم إلى ذكر الشّهر لما تطاول لسرعة انتقال الشّهر.
ألا ترى أنّه يكون مرة في صبارة الشّتاء ومرة في حمارة القيظ وإنما حاله في ذلك كحال سائر الشّهور، وأنت لا تجد جمادى موصوفة بالحر كما تجدها موصوفة بالبرد. قال الشاعر شعرا:
في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا
قال أبو حنيفة: وزعم بعضهم أنهم إنّما قدّموا الشّتاء على الصّيف لأنه ذكر. وأنّ الصّيف أنثى، ولم يذكروا علّة تذكير الشّتاء، وتأنيث الصّيف، ولا أظنه إلّا لقسوة الشّتاء وشدّته ولين الصّيف وهونه، ألا ترى أنّ من عادتهم أن يذكروا كلّ صعب من الأمور قاس شديد، حتى قالوا: داهية مذكار، وإن كانت أنثى فصعّبوها بأن تكون تنتج ذكورا وحتى قالوا أرض مذكار إذا كانت ذات مخاوف وأفزاع، وقالوا: يوم باسل ذكر في شره وشدته حتى قال الشّاعر شعرا:
فإنّك قد بعثت عليك نحسا ... شقيت به كواكبه ذكور
فجعلها مع نحوستها ذكورا ليكون شرّها أفظع وأصعب و (الصّيف) وإن تلظّى قيظه وحمى صلاه فهو هيّن عندهم إلى جنب الشّتاء، والشّتاء يبرح بالقوم ولذلك قالت بنت الحسن وقد سئلت عنهما: أيّهما أشدّ فقالت: وما جعل البئيس من الأدية تقول من يقيس البؤس والضر إلى أذى فقط أي الشّتاء أشد: (والبئيس والبؤس) واحد قال الفرزدق في نعت امرأة بيضاء من أهل المدينة (لم تذق بئيسا ولم تتبع حمولة مجحد) ولذلك لا تجدهم يشتكون الضّر وسوء الحال والهزال في الصّيف ولا يعدون أن يصفوا أواره وصخده وعطشه وإذا صاروا إلى الشّتاء عجّوا من وطئه ونوّهوا باسم من آسى فيه، واحتمل الكلّ وأطعم المصرور.
قال الشّيخ الذي قاله أبو حنيفة في تعليل تذكير الشّتاء حسن وأقرب منه أن يقال لما
стр. 124
كان إدراك الثمار في الربيعين ووضع الأحمال من الملاقيح ونتائج الخير في أصناف المعاش من الزرع والضّرع في الصيف، وإن كانت مبادئها في أوائل الشّتاء ثم تمت حالا بعد حال فكانت تنتظر في آجالها وقتا بعد وقت انتظار ما في بطون الحاملات، فجعلوا الشّتاء ذكرا والصّيف أنثى. وهذا شرح ما رماه الشّاعر في قوله:
لولا الذي غرس الشّتاء بكفه ... لاقى المصيف هشايما لا تثمر
وذكر أنّ منهم من يجعل الشّتاء نصفين الشّتاء أوّله والرّبيع آخره، وكذلك يجعل الصّيف نصفين الصّيف أوّله والقيظ آخره.
وذكر ابن كناسة أبو يحيى أن العرب تسمّي الشّتاء الرّبيع الأوّل والصّيف الرّبيع الآخر وأن أحدا منهم لم يذكر الخريف في الأزمنة لأنّ الخريف عند العرب اسم لأمطار آخر القيظ، وهذا إذا تؤمل أسفر عن أنهم يجعلون الرّبيع اسما للنّدى والجزء، لكنّهم فصلوه بالشّتاء لشدّة برده ثم اشتهر الرّبيع اسما لما لان من طرفي الوقت.
حكى ابن الأعرابي عن الغنوي أنه قال: يلقى الرّاعي صاحبه فيقول: أين تربّعت العام إذا سقطت الصرفة «١» ؟ وسقوطه عند انصرام نصف السّنة الشّتوية. وقال الفراء ربعية القوم ميرتهم في أول الشّتاء، وأبين من جميع ما ذكرنا أنّهم يسمّون الفرع المؤخر فرع الرّبيع وهو من الشّتاء. وقال النّابغة وقد جعل الحرب كالميرة:
وكانت لهم ربيعة يحذرونها ... إذا خضخضت ماء السّماء القنايل
стр. 125
الباب الخامس في قسمة الأزمنة ودورانها واختلاف الأمم فيها
اعلم أنّ الشّمس تدور في الفلك دورا طبيعيا، وهي لازمة له وعليها طريقها والقمر- والكواكب الخمسة، وهي: عطارد- والزّهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل. ربما كانت على هذا الفلك، وربما مالت إلى الشّمال، والجنوب، ويسمّى هذا الميل عرض الكواكب، ويسمّى هذا الفلك فلك البروج، وهي اثنا عشر: (الحمل) ، و (الثور) ، و (الجوزاء) ، و (السرّطان) و (الأسد) ، و (السّنبلة) ، و (الميزان) ، و (العقرب) ، و (القوس) ، و (الجدي) ، و (الدلو) ، و (الحوت) ، وإنما انقسم هذا الانقسام لأنّ الشّمس متى انتقلت في دورانها من نقطة بعينها عادت إلى تلك النّقطة بعد ثلاث مائة وخمسة وستّين يوما وربع يوم.
وفي دورها تستوفي فصول السّنة التي هي الرّبيع، والصيف، والخريف، والشّتاء.
ولهذه العلّة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس، والقمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة فجعلت الشّمس اثنتي عشر شهرا وسميت الشّهور القمرية، كما جعل الفلك اثني عشر برجا ليكون لكل شهر برج.
وأسماء شهور العرب: المحرم، وصفر، والرّبيع الأول، والرّبيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الأخرى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحجّة.
قال الشّيخ: اختلف الناس في أعداد أيام سنيهم، وهم متفقون في عدّة الشّهور واعتماد العرب فيها خاصة على الأهلّة، فكل اثني عشر هلالا عندهم سنة، فتكون عدد أيامها ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما.
قال أبو الحسن المعروف بالصّوفي: بين أصحاب الحساب من الرّوم، والهند خلاف يسير في مقدار هذا الكسر، فكان الأوائل من أهل الروم متفقين في القديم على ربع يوم فقط، ثم استدركوا فيه شيئا حقيرا.
стр. 126
وقال أبو حنيفة: ليس في الأمم أحفظ للفصول، وأوقات الأنواء والطّلوع من الروم، ولذلك من حلّ من العرب في شق الشّام أعلم بهذا من غيرهم، ثم أنشد لعدي بن الرقاع:
فلا هنّ بالبهمى وإيّاه مذ نشا ... جنوب لراش فاللها له، فالعجب
شباطا وكانونين حتى تعذّرت ... عليهن في نيسان باقية الشّرب
وإنما نصف عيرا وأتنا ... رعين البقل في إبّانه
وإنّما نصف عيرا وأتنا رعين البقل في إبانه إلى أن هاج، ونضبت المياه. وهم يبدؤون فيجعلون أوّل السّنة تشرين الأول، ويجعلونه أحدا وثلاثين يوما. ثم تشرين الثّاني ثلاثين يوما، ثم كانون الأوّل واحدا وثلاثين يوما، ثم كانون الثّاني واحدا وثلاثين يوما وربع، ثم شباطا ثمانية وعشرين يوما، غير أنهم يجعلونه ثلاث سنين كلّ سنة منها ثمانية وعشرين يوما وفي السنة الرابعة تسعة وعشرين يوما، وتلك السّنة تكون في عددهم ثلاث مائة وستة وستين يوما، ويسمونها الكبيسة.
وقال الخليل: يكون في شباط فيما تزعمه الرّوم تمام اليوم الذي كسوره في السّنين، فإذا تمّ ذلك اليوم في ذلك الشهر، سمّى أهل الشّام تلك السنة عام الكبيس، قال: وهو يتيمّن به إذا ولد في تلك السنة، أو قدم فيه إنسان. ثم آذار واحدا وثلاثين يوما، ثم نيسان ثلاثين يوما، ثم أيار واحدا وثلاثين يوما، ثم حزيران ثلاثين يوما، ثم تموز واحدا وثلاثين يوما، ثم آب واحدا وثلاثين يوما، ثم أيلول ثلاثين يوما، فتكون الزّيادات من الأيام خمسة أيام على ثلاث مائة وستين يوما.
ثم أحبّوا أن لا تغيّر أحوال فصول سنتهم على السّنين الكثيرة والدّهور المتابعة، فزادوا في آخر شباط ربع يوم لتصير أيام سنتهم موافقة لأيام سنة الشّمس، وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، ويكون ثلاث سنين متوالية كذلك فإذا تمّت الأرباع في أربع سنين تصير سنتهم في السنة الرابعة التي تليه ثلاث مائة وستة وستين يوما، ويصير شباط في تلك السّنة تسعة وعشرين يوما، وتسمى تلك السّنة الرّابعة سنة الكبيسة، فكرهت الفرس أن يزيد في سنتهم ربع اليوم لأنهم لو فعلوا ذلك لاضطروا إلى الكبيسة في كل أربع سنين ولم يمكنهم ذلك لأنهم سمّوا أيام الشّهر بأسام.
زعموا أنها أسامي الملائكة الذين يديرون أيام الشّهر وأسامي الأيام، هرمز، بهمن، ارديبهشت، شهرير، اسفندار، مذخر داد، مرداد، يبا، ذر، آذر، أبان، حوزماه، تير، جوش، ديبمهر، مهر، سروش، رشن، فروردين، لوهرام، رام باذ، دنيدين، دين ارد، اشتاذ، اسمان، زامياذ، ماراسفند، انيران.
стр. 127
وأسماء الشهور اعتقدوا فيها مثل ذلك وهي: فروردين ماه، ارد بهشت ماه «١» ، خرداد ماه، تير ماه، مرداد ماه، شهرير ماه، مهر ماه، ابان ماه، آذر ماه، دي ماه، بهمن ماه، اسفنديار مذماه.
وزعموا أنّ هرمز هو اسم الملك الذي يدبر أوّل يوم من الشّهر، وبهمن اسم الملك الذي يدبر اليوم الثّاني.
وكذلك الأسامي كلّها وسمّوا أيضا الأيام اللّواحق بأسماء الملائكة الذين زعموا أنهم يدبرونها وهي: خونو ذكاه، واستوذ كاه، واسفيذ كاه، ومشتحزكاه، وشتكاه. وقالوا إنّ كبسنا في كلّ أربع سنين يوما فجعلنا اللواحق ستة أيام في هذا اليوم بلا مدبر، وسقط أول يوم من آذر ماه واستوحش هرمزد وقدر أنهم يقصدونه ثم كانوا يكبسون في كلّ مائة وعشرين سنة شهرا واحدا ليسوّوا بين الملائكة، ولا يستوحش أحد منهم وتصير سنتهم في تلك السنة ثلاث مائة وخمسة وتسعين يوما وكانوا على ذلك إلى أن انقضت دولة الفرس ولم يكن فيهم من يمكنه فعل ذلك إلى أن كبس المعتضد مقدار ما كان قد مضى من سنة الكبيسة لكل أربع سنين يوما واحدا وجعل النيّروز اليوم الحادي عشر من حزيران وفيه يقول الشاعر مادحا له شعرا:
يوم نيروزك يوم ... واحد لا يتأخّر
من حزيران يوافي ... أبدا في أحد عشر
ووضع الكبيسة على رسم الرّوم ولا يعمل ذلك إلا ببغداد، فإنّهم يجعلون أوّل سنتهم في التقويم يوم النّيروز المعتضدي، ويستعمل في سائر البلدان النّيروز القديم.
وذكر هذا الإنسان وهو أبو الحسين الصّوفي أنّ العرب كانت تكبس أيضا. ثم ذكر النسيء من قول الله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[سورة التوبة، الآية: ٣٧] وقد تقدّم القول على ما قاله فيما مضى وبينّا من تفسير الآية والأخبار المرويّة ما أغنى.
واعلم أنّ العرب لا تذهب في تحديد أوقات الأزمنة إلى ما يذهب إليه سائر الأمم، وتجعل أوّل عدد الأزمنة في تحديد أوقاتها، إلى ما يعرف في أوطانها من إقبال الحرّ والبرد، وإدبارهما، وطلوع النّبات واكتهاله وهيج الكلاء ويبسه، ويذهب في عدد الأزمنة إلى الابتداء بفصل الخريف وتسمية الربيع لأنّ أول الرّبيع وهو المطر يكون فيه- ثم يكون بعده فصل الشّتاء- ثم يكون بعده فصل الصّيف- وهو الذي يسميه النّاس الرّبيع ويأتي فيه الأنوار. وإنما
стр. 128
سمّوه صيفا لأنّ المياه عندهم تغل فيه والكلأ يهيج، وقد يسمّيه بعضهم الرّبيع الثّاني، ثم يكون بعد فصل الصّيف فصل القيظ، وهو الذي يسمّيه النّاس الصّيف فأوّل وقت الرّبيع الأول عندهم وهو الخريف ثلاثة أيام تخلو من أيلول. وأول الشّتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأوّل، وأوّل الصّيف عندهم وهو الرّبيع الثّاني خمسة أيام من آذار، وأوّل القيظ عندهم أربعة أيام تخلو من حزيران. والخريف المطر الذي يأتي في آخر القيظ ولا يكادون يجعلونه اسما للزّمان.
وقال عدي بن زيد فجعله اسما للزّمان في خريف:
سقاه نوء من الدّلو تدلّى ... ولم يولّيني العراقي
وسماه خريفا، لاختراف الثمار فيه والحطيئة ممن يجعله المطر وذكر امرأة فقال:
وتبدو مصاب الخريف الجيالا. يريد أنّها تنقل إلى البدو لمصاب هذه المطرة، فهذه حدود الأزمنة عندهم، ثم يجعلون لكل زمان صميما يخلص فيه طبعه فيذكرون منه شهرين ويدعون شهرا لأنّ نصف شهر من أوله مقارب لطبع الزّمان الذي قبله، ونصف شهر من آخره مقارب لطبع الزّمان الذي بعده، فالخالص منه شهران فيسمّون شهريّ الشّتاء بالخالص شهري قماح قال الهذلي:
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحبّ الزّاد في شهري قماح
وسميا بذلك لأن الإبل فيهما ترفع رؤوسها عن الماء لشدة برده والإبل القماح هي التي ترفع رؤوسها. وقال بشر يصف سفينة:
ونحن على جوانبها قعود ... نغضّ الطّرف كالإبل القماح
والإبل إذا رفعت رؤوسها عن الماء غضّت أبصارها، ويدعون هذين الشّهرين ملحان وشيبان لبياض الأرض بالصّقيع والجليد. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جلودها ... لملحان أو شيبان واليوم أشهب
فهذان شهر الشّتاء فشيبان من الشّيب وملحان من الملحة وهي البياض وقيل كبش أملح منه.
وقال قطرب: يقال لجمادى الأولى والآخرة شيبان وملحان من أجل بياض الثّلج، قال: وقولهم مات الجندب وقرب الأشيب أي الثّلج، ويسمّون شهري القيظ اللّذين يخلص فيهما حره شهري ناجر وسمّيا بذلك لأنّ الإبل تشرب فلا تكاد تروى لشدّة الحر، والنّجر والبغر متقاربان وهو أن يشرب فلا يروى من الماء يقال نجر من الماء إذا امتلأ منه فكظمه،
стр. 129
وهو على ذلك يشتهيه قال ذو الرمة يصف ماء شعرا:
صرى أجنّ يروي له المرّ وجهه ... ولو ذاقه ظمآن في شهر ناجر
وقال الشّماخ شعرا:
طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشّعر بين الأماغر
فهذان شهرا القيظ ولا أعلم أنهم سمّوا شهري ربيع الثاني باسم، إلا أنّهم يقولون:
حللنا ببلد كذا في حدّ الربيع يريدون شهريه وقال أبو ذؤيب شعرا:
بها أبلت شهري ربيع كليهما ... فقد مار فيها نسؤها واقترارها
النّسو بدو السّمن والاقترار أن تحثر بولها وهو من علامات السّمن، قال رؤبة:
شهران مرعاها بقيعان الصّلق ... مرعى أنيق النّبت مجاجّ الغدق
وقال ابن مقبل شعرا:
أقامت به حدّ الرّبيع وحازها ... أخو سلوة مسّى به اللّيل أملح
يريد بأخي السّلوة النّدى لأنهم في رخاء وسكون ما دام النّدى عندهم وقولهم: مسّى به الليل: أي جاء عند مجيء الليل، والأملح الأبيض، ربما ذكروا استيفاءها شهور الرّبيع الثّاني كلّها. قال حميد شعرا:
رعين المراز الجون من كلّ مذنب ... شهورا جمادى كلّها والمحرّما
قال: شهورا جمادى كلّها وهما شهران كما قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
[سورة النساء، الآية: ١١] يريد أخوين فصاعدا ولم يفعلوا ذلك في زمن الخريف فيذكروا منه شهرين فيما علمت. ولا أحسب ذلك إلا لأنه لم يدعهم إلى ذكره شيء كما دعا إليه شدّة البرد في الشّتاء، وشدّة الحر في الصّيف والقيظ، ووقت الجزء في الرّبيع.
قال أبو حنيفة: النّاس مجمعون من تقديم البروج على برج الحمل. ومن تقديم المنازل على الشّرطين، وفي ذلك دلالة على تقديم فصل الرّبيع، وذكره قبل سائر الفصول وهو لحلول الشّمس برأس الحمل، قال: والفصل اسم جرى في كلام العرب وجاءت به أشعارهم، قال الشّاعر يصف حمير وحش شعرا:
نظائر جون يعتلجن بروضة ... لفصل الرّبيع إذ تولّت صبائنه
وسمّي فصلا لانفصال الحر من البرد، وانقلاب الزّمن الذي قبله، ويقال للفصول
стр. 130
أيضا: الفصيان والواحدة فصية، وهي الخروج من حر إلى برد، ومن برد إلى حر. والفصية تصلح في كل أوقات السّنة متى خرجت من أذى إلى رخاء فتلك فصية، ولا يستعمل الفصل إلّا في حينه، فأمّا الأصمعي فإنّه قال: الفصية: أن يخرج من برد إلى حر، ويقال: أفصى القوم وهم مفصون، ويقال: لو أفصينا لخرجت معك. والشّمس تحل برأس الحمل لعشرين ليلة تخلو من آذار وعند ذلك يعتدل اللّيل والنهار، ويسمّى الاستواء الرّبيعي.
ثم لا يزال النّهار زايدا، واللّيل ناقصا إلى أن يمضي من حزيران اثنتان وعشرون ليلة، وذلك أربع وتسعون ليلة، فعند ذلك ينتهي طول النّهار وقصر الليل، وينصرم ربع الرّبيع، ويدخل الرّبع الذي يليه، وهو الصّيف، وذلك لحلول الشّمس برأس السرّطان، ويبتدئ اللّيل بالزّيادة، والنّهار بالنقصان، إلى ثلاث وعشرين ليلة تخلو من أيلول، وذلك ثلاث وتسعون ليلة، وعند ذلك يعتدل اللّيل والنهار ثانية، ويسمّى الاستواء الخريفي، وينصرم ربع الصّيف ويدخل ربع الخريف، وذلك لحلول الشّمس برأس الميزان، ويأخذ اللّيل في الزيّادة والنّهار في النقصان، إلى أن يمضي من كانون الأول إحدى وعشرون ليلة، وذلك تسع وثمانون ليلة، وعند ذلك ينتهي طول اللّيل وقصر النّهار، وينصرم فصل الخريف، ويدخل فصل الشّتاء، ويبتدئ النّهار في الزيادة، وذلك لحلول الشّمس برأس الجدي إلى مصيرها إلى رأس الحمل، وذلك تسع وثمانون ليلة وربع فعندها ينصرم ربع الشّتاء، ويدخل فصل الرّبيع، فعلى هذا دور الزّمان فاعلمه.
стр. 131
الباب السّادس في ذكر الأنواء، واختلاف العرب فيها
ومنازل القمر، مقسمة الفصول على السنة، وأعداد كواكبها وتصوير مأخذها ضارة ونافعة اعلم أنا نذكر من أمر الأنواء ومذهب جهّال العرب فيها، ومن صفة المنازل والبروج ما يحتاج إليه هذا الكتاب، والدّاعي إليه أنهم كانوا ينسبون الأوقات إليها كثيرا، وكذلك ما نذكره من أحوال الشّمس والقمر، وكان في العرب من يسرف في الإيمان بها ونسبة الحوادث إليها، حتى أوهم كلامهم وإفراطهم أنّ السّقيا وجميع ما يحمد منها، أو يذم إلى جميع ما ينقل فيه الأيام من خير وشر، ونفع وضر، وكلّ ذلك من الأنواء وبها. وهذا كإضافتهم إلى الكواكب أفعال صانعها، وتطابقهم في التّيمن والتشاؤم بها، لذلك قال رسول الله ﷺ : «من آمن بشيء من ذلك فقد كفر بما أنزل عليّ» .
وقد مرّ فيما تقدّم من الكتاب فصل كثير بيّن فيه فساد طريقتهم، وأنّ من عدل عنها وجعلها آيات يقيمها الله تعالى، تنبيها على حكمته فيها، ليعتبر المعتبرون بها ويشكروا نعمه فيها، فقد برئت من الذّم ساحته، وتباعد عن الإثم منهجه، على مثل ذلك يحمد قول عمر بن الخطاب حين خرج إلى الاستسقاء، فصعد المنبر ولم يزد على الاستغفار، ثم نزل فقيل: إنّك لم تستسق، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السّماء. قال أبو عمر والمجاديح وأحدها مجدح، وهو نجم من النّجوم كانت العرب تقول: إنّه يمطر به لقولهم في الأنواء.
قال أبو عبيد فسألت عنه الأصمعي، فلم يقل فيه شيئا وكره أن يتأوّل على عمر مذهب الأنواء، وقال الأموي: يقال فيه أيضا: المجدح بالضّم وأنشد فيه قوله شعرا:
وأطعن بالقوم شطر الملو ... ك حتّى إذا خفق المجدح
قال أبو عبيد: والذي يراد من هذا الحديث أنه جعل الاستغفار استسقاء يتأوّل قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
[سورة نوح، الآية
стр. 132
: ١٠- ١١] وإنما نرى أنّ عمر تكلّم بهذا على أنها كلمة جارية على ألسنة العرب ليس على تحقيق الأنواء، ولا التّصديق بها، وهذا شبيه بقول ابن عباس في رجل جعل أمر امرأته بيدها، فطلّقته ثلاثا، فقال خطّأ الله نوءها ألا طلّقت نفسها ثلاثا. ليس هذا منه دعاء عليها أن لا تمطر، إنّما هو على الكلام المنقول. ومما بيّن لك أنّ عمر أراد إبطال الأنواء والتكذيب بها بقوله: لقد استسقيت بمجاديح السّماء التي يستنزل بها الغيث. فجعل الاستغفار هو المجاديح لا الأنواء، وهذا القدر إذا ضمّ إليه ما تقدم في فصل يشتمل على تأويل الأخبار المروّية عن رسول الله ﷺ وبيان معتقدات العرب في الأنواء والبوارح، أغنى وكفى في عذر من يعذر، وذمّ من يذم منهم والسّلام.
قال أبو حنيفة يقال: ناء الكوكب ينوء نوأ ونوء، أول سقوط يدركه في الأفق بالغداة قبل انمحاق الكواكب بضوء الصّبح.
والكوكب إذا وافاه الصّبح وهو مرتفع عن أفق المغرب لا يزال الصّبح يوافيه كلّ غداة، وهو إلى الأفق أقرب، حتى يوافق موافاته الأفق انمحاق الكوكب لضوء الصّبح، ثم يكون سقوطه بعد ذلك، والكواكب ظاهرة فلا يزال سقوطه يتأخر كلّ ليلة إلى أن يكون في أول اللّيل، فتراه على الأفق غاربا مع ظهوره للأبصار، ثم يستسر فلا يرى مقدارا من الليالي ثم يكون أوّل رؤيته غامضا في ضياء الصّبح حين يبدو للأبصار. فالواجب أن يغرق ما بين الغروب الذي هو أوّل وبين الغروب الذي له النوء لأنّ الذي له النوء سقوط النجم بالغداة في المغرب بعد الفجر وقبل طلوع الشّمس وطلوع رقيبه في المشرق في ذلك الوقت، ولا يكون هذا إلا في غداة واحدة من السّنة للكوكب الواحد.
وأما السّقوط الذي هو أفول واستسرار، فإنّه يكون من أول الليل وذلك أنّ هذا النّجم السّاقط بالغداة في أفق السّماء يرى بعد اليوم الذي يسقط فيه متأخّر السّقوط عن ذلك الوقت، فيسقط قبله ولا يزال يتأخّر في كل يوم حتى يكون سقوطه في اللّيل، ثم يتأخّر في اللّيل إلى أن يسقط في أوّل اللّيل في المغرب، ثم يستسر بعد ذلك فلا يرى ليالي كثيرة ثم يرى بالغداة طالعا في المشرق خفيا، فهذا سقوط الأفول، وقد أحسن الشّاعر في تحديد ذلك حين قال شعرا:
وأبصر النّاظر الشّعرى مبيّنة ... لمّا دنا من صلوة الصّبح ينصرف
في حمرة لا بياض الصّبح أغرقها ... وقد علا اللّيل عنها فهو منكشف
تهلهل اللّيل لم يلحق بظلمته ... قوت النّهار قليلا فهي تزدلف
لا يبأس اللّيل منها حين تتبعه ... ولا النّهار بها لللّيل يعترف
стр. 133
فهذا وقت الطّلوع والسّقوط ومعنى قوله: تهلهل اللّيل أي تصير في مشرقه حيث امتزج سواده بياض الصّبح فهي فوت النّهار، لأنّه لم يطمسها بضوئه، ولم يلحق بظلمة اللّيل الخالصة، فهي بينهما، واللّيل لا يبأس منها، لأنّها في بقية منه، ولا النّهار يسلمها للّيل لأنّها في ابتداء منه، ومراد الشّاعر بهذا الوصف أنّ الأمر الذي وقته كان في حمارّة القيظ، لأن الشّعرى تطلع بالغداة في معمعان الحر.
قال الشيخ: أظنّ هذا الشّاعر سلك في تحديده للاستسرار طريقة زهير حين قال يصف شاهينا وحمامة شعرا:
دون السّماء وفوق الأرض قدرهما ... فيما تراه فلا فوت ولا درك
فقوله: لا فوت ولا درك، كقول ذاك لا يبأس اللّيل منها، ولا النّهار يعترف اللّيل بها، قال: وقال الكميت في تحديد وقت الطلوع شعرا:
حتّى إذا لهبان الصّيف هبّ له ... وأفغر الكالئين النّجم أو كربوا
وساقت الشّعريان الفجر بعضهما ... فيه وبعضهما باللّيل محتجب
فجعل طلوعها بين اللّيل والنّهار كما جعله الأوّل. ومعنى أفغر النّجم: يريد إذا صارت الثّريا في وسط السّماء، فمن نظر إليها فغر فاه، أي فتحه، ومعنى كربوا: قربوا وطعن قوم على الكميت في هذا البيت، وحسبوا أنه أراد أن إحداهما طلعت قبل الفجر، فهي في اللّيل، وأنّ الأخرى طلعت مع الفجر، فهي فيه، فقالوا: لا يجوز ذلك إلا في ثلاثة فصاعدا، قال أبو حنيفة: والذي قالوا كما قالوا، غير أنّهم ذهبوا إلى غير مذهب الكميت، ولو أراد الكميت ما توهّموا لكان قد أخطأ في المعنى أيضا مثل ما أخطأ في اللّفظ، وذلك أنّه قال: وساقت الشّعريان الفجر.
فاعلم أنّ الفجر طلع قبلهما، فكيف يعود فيجعل إحداهما طالعة قبله، هذا بتعجيل، وبعد فإنّ الشّعريين تطلعان معا. وإنّما أراد أنّ بعضهما كلتيهما في اللّيل وبعضهما كلتيهما في النّهار، إذا كانتا بين اللّيل والنّهار، قال الشيخ الأكشف في بصرة الكميت أن يقال أراد أنّ بعضيهما في اللّيل وبعضيهما في النّهار، فيخرج البعض بالثنية من أن يكون بمعنى أحد، ويستفاد منها أنّ الشّعريين تطلعان معا، وأنّ القصد في ذكرهما للتّحديد، إلى أن تكونا بين اللّيل والنّهار، ومع ذلك فقد ضيق على نفسه تضييقا شديدا، فأفرط في التّحديد إفراطا بعيدا، فإذا سمعتهم ينسبون إلى الطّلوع والسّقوط مرسلا غير مضاف إلى وقت، فاعلم أنّهم إنّما يريدون الطلوع والسّقوط للّذين يكونان بالغداة، وذلك مثل قولهم إذا طلعت العقرب:
стр. 134
حمس المذنب، ومثل قولهم إذا طلعت الشّعرى: جعل صاحب النّخل يرى، ومثل قول الشاعر شعرا:
فلّما مضى نوء الثّريا وأخلفت ... هواد من الجوزاء وانغمس الغضر
ومثل قوله:
هنا ناهم حتّى أعان عليهم ... عزالى السّحاب في اغتماسه كوكب
فهذه السّقوط وما أشبهه هو بالغداة، وإذا ذكر ذلك من نجوم الأخذ خاصة فهو النوء، ألا ترى أنّهم لمّا أرادوا الطّلوع بالغداة قالوا: إذا طلع النّجم فالحرّ في خدم، فجاء مرسلا غير مضاف. ولما أرادوا طلوعه لغير الغداة قالوا: إذا طلع النّجم عشاء ابتغى الرّاعي كساء، فجاء مضافا إلى الوقت. وأما قول القائل: حين البارحة حين غاب النّجم وذهبن ليلة كذا، حين طلع السّماك فإنّما المراد بذلك، وقت المجيء والذّهاب من تلك اللّيلة بعينها، وليس من الأوّل في شيء، ومنه قول الشاعر شعرا:
حتى إذا خفق السّماك وأسحرا ... ونبا لها في الشّدّ أيّ نبال
ومثل قول الآخر:
فعرسن والشّعرى تغور كأنّها ... شهاب غضا يرمى به الرّجوان
وإذا جاء ذكر المغيب مرسلا، فالمراد حينئذ الغيبوبة التي هي ابتداء الاستسرار وذلك قولهم: غرب الثّريا أعوه من شرفها، وكقولهم: مطر الثّريا صيف كلّه وهذا الغرب غير السّقوط الذي هو النوء، ومطر نوء الثّريّا وسمي ومن هذا الجنس قول الشاعر:
فيمّمت سيرا سريع الرّجا ... ء مائل من راجل يركب
مغيب سهيل صدور الرّكا ... ب سيرا يشقّ على المعتب
فهذا كلّه غيبوبة الاستسرار، ولا يكون إلا بالعشيّات على أثر مغيب الشّمس ثم لا تراه بعد ذلك حتى يتمّ استسراره، ثم يكون أوّل ظهوره بالغدوات وقد اختلف النّاس في معنى النّوء: فبعضهم يجعله النّهوض، قال: لأنه سمى نوى الطّلوع الرّقيب لا لسقوط السّاقط، وهذا ليس بمنكر في اللّغة، لأنّ هذه اللّفظة تعدّ في الأضداد، قال أبو حنيفة: هو النّهوض، ولكنّه نهوض الذي كأنه يميله شيء فيجد به إلى أسفل، وزعم الفراء أنّ النوء السّقوط والميلان، وأنّ أبا ثروان أنشده في صفة راع نزع في قوس:
حتّى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء في شقّ الشّمال كاهله
قال: يريد أنه لما نزع مال إليها، وقوله: التأمت مفاصله فإنّه يعني أنّه لزم بعضه بعضا
стр. 135
لشدّة النّزع. قال: ونرى أنّ قول العرب ما ساءك وناءك من هذا، ومعناه أناءك فألقى الألف للاتباع كقولهم: هنّأني الطّعام ومرّأني، وكان ينبغي أن يكون أمرأني.
قال أبو حنيفة: فأمّا من ذهب إلى أنّ الكوكب ينوء ثم يسقط، وإذا سقط فقد تقضى نوؤه، ودخل نوء الكوكب الذي بعده، فتأويله أنّ الكوكب إذا سقط النّجم الذي بين يديه أطلّ هو على السّقوط، وكان أشبه شيء حالا بحال النّاهض ولا نهوض به، حتّى يسقط، لأنّ الفلك يجرّه الغور، فكأنّه متحامل عليه، يعني قد غلبه. ويجمع النوء أنواء ونوانا. قال حسّان بن ثابت ﵁ شعرا:
ويثرب تعلم أنّابها ... إذا قحط القطر نواتها
وقال بعضهم: الحق في ذلك مذهب الخليل الذي حكاه عنه مورج، وهو أنّ النّوء اسم المطر الذي يكون مع سقوط النّجم، لأنّ المطر نهض مع سقوط الكوكب، واسم الكوكب السّاقط النّوء أيضا، فالشيء إذا مال في السّقوط يقال: ناء، وإذا نهض في تناقل يقال ناء به، قال ذو الرمة في وصف الرياك:
ينون ولم يكسين إلا قنازعا ... من الرّيش تنواء الفصال الهزائل
وينوء الحمل الثّقيل إذا مال بالبعير، ويقال: المرأة تنوء بها عجيزتها، قال الشاعر:
لها حضور وأعجاز تنوء بها ... إذا تقوم يكاد الخصر ينخزل
وفي القرآن: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
[سورة القصص، الآية: ٧٦] .
فصل في ذكر أسماء المنازل وصفاتها
وهي نجوم الأخذ، قال الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
[سورة يس، الآية: ٣٩] .
وهي ثمانية وعشرون منزلا لا اختلاف في ذلك، وتسمّى نجوما، وإن كان منها ما هو كوكب واحد، وكان منها ما هو أكثر، وقد قيل للثّريا: النجم، وهو كالعلم لها وهي ستّة كواكب. والنّجم إن كان كالعلم، وقد شهرت به، فقد يقولون في النّسبة هذا النّجم الثّريا إذا جعلوه اسما لجماعة كواكبها، ويقولون: هذه نجوم الثّريا إذا جعلوا كلّ كوكب منها نجما، ثم جمعوها. قال ذو الرمة:
لعالية في الأدحى بيضا بقفرة ... كنجم الثّريا لاح بين السّحائب
стр. 136
وقال الأعشى فجعله جمعا:
يراقبن من جوع خلاء مخافة ... نجوم الثّريّا الطّالعات الشّواخصا «١»
وقال أبو عبيدة: يقال النجم، فيفرد اللفظ والمعنى للجمع، وأنشد قول الراعي:
فباتت تعدّ النّجم في مستجيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها
يعني ضيفة قراها جفنة، قد استجار فيها الدّهم، فهي ترى نجوم اللّيل فيها. وأمّا الكوكب فلا نعلمه يقع إلا على واحد فقط، وقال الآخر في منازل القمر فسمّاها نجوما:
وأخوات نجوم الأخذ إلّا أنضة ... أنضة محل ليس قاطرها يثري
قال أبو عبيدة: نجوم الأخذ: منازل القمر، سمّيت نجوم الأخذ، لأخذه كلّ ليلة في منزل. وقال أبو عمرو الشّيباني: الأخذ: نزول القمر منازله، يقال: أخذ القمر نجم كذا إذا نزل به. وأنشد أبو عمرو شعرا:
وأمست نجوم الأخذ غبرا كأنّها ... مقطّرة من شدّة البرد كسف
وقال: مقطّرة من القطار، أراد تناسقها، ومراد الشّاعر كسوفها، لأنّها متناسقة في الخصب والجدب. وكان على كل حال، وكسوفها ذهاب نورها لشدّة الزّمان وذلك لما يعرض في الهواء من الكدر ولا يجلوه، قال أبو الطمحان القتبي: تذكر حميرا وردت عيونا.
وتراها نجوم الأخذ في حجراتها ... وتنهق في أعناقها بالجداول
وقال أبو حنيفة: أول ما تبتدئون به من المنازل الشّرطان، ولما كانت العرب تقدّم الشّتاء كان أول أنوائها مؤخّر الدلو، وهو الفرع المؤخر، ونوؤه محمود الوقت، عزيز الفقد، وهو أوّل الوسمي، ثم بطن الحوت وهو الذي يسمّيه الرّشاء ولا يذكر نوؤه لغلبة ما قبله عليه.
واعلم أنّ المنازل تبدو للعين منها في السّماء أبدا نصفها، وهو أربعة عشر، وكذا البروج يبدو نصفها، وهو ستة لأنه كلّما غاب واحد منها طلع من المشرق رقيبه وسقوط كلّ منزل فيه ثلاثة عشر يوما سوى الجبهة، فإنّ لها أربعة عشر يوما لأنّها خصّت باللّيلة الباقية من أيّام السّنة الثّلاث مائة والخمسة والستين، وفضلت بذلك على سائرها، لغزارة نوئها، وكثرة الانتفاع بها، ويكون انقضاء الثمانية والعشرين، وانقضاء الاثني عشر مع انقضاء السنة.
стр. 137
ولمّا كانت السّنة أربعة أجراء صار لكلّ ربع منها سبعة منازل، وهي الأنواء وأسماؤها: الشّرطان- البطين- الثّريا- الدّبران- الهقعة- الهنعة- الذّراع- النّئزة- الطّرف «١» - الجبهة- الزّبرة- الصّرفة- العوّاء- السّماك الأعزل- الغفر «٢» - الزّباني- الإكليل- القلب- الشّولة- النّعايم- البلدة- سعد الذّابح- سعد بلع- سعد السّعود- سعد الأخبية- الفرغ الأوّل- الفرغ الثاني- الرّشا «٣» - فهذه ثمانية وعشرون نجما هنّ أمهات المنازل.
قال أبو حنيفة: وقد يعدّون معها نجوما أخر إذا قصر القمر أحيانا عن هذه المنازل نزل ببعض تلك، وذلك لأنّ القمر لا يستوي سيره فيها، لأنّك تراه بالمنزل ثم تراه وقد حلّ به في الشّهر الآخر، فتجد مكانيه مختلفين فيه، إذا أنعمت حفظه وضبطه، ولهذه العلة يخلطونها بالمنازل، حتّى ربّما جعل لبعضها في الأنواء حظّا.
(١) أمّا الشّرطان فهما كوكبان على أثر الحوت مفترقان شمالي وجنوبي بينهما في رأي العين قدر ذراع، وإلى جانب الشّمالي منهما كوكب صغير ذكر أنّهما به سميّت الأشراط، والواحد منهما شرط متحرك، وقد ذكر عن العرب شرط بالإسكان قال كثيّر في جمعهما شعرا:
عواد من الأشراط وطف نقلها ... روائح أنواء الثّريّا الهواطل
وقال الكميت في الإفراد:
من شرطي مرتعن تجللّت ... عزال بها منه بتجاجة سحل
وليس يمنع تحريكه في النّسبة من أن يكون الواحد شرطا بإسكان وإذا نسبت إليها لم ينسب إلّا بالجمع أو الإفراد، فأمّا مثنّى فلم نجدهم قالوا شرطاي. قال العجّاج في الجمع:
من باكر الأشراط أشراطي
. وهذا قليل.
قال الشيخ: الجمع قد نسب إليه إذا جعل علما أو أجري مجرى العلم، فالعلم كقولهم: كلابي وأنماري ومدايني وما أجري مجرى العلم أشراطي، قال ويقولون: الشّرطان قرنا الحمل، ويسمّونها النّطح أو النّاطح، وبين يدي الشّرطين كوكبان شبيهان بالشّرطين، يقال لهما الأنثيان. قال أبو حنيفة: ذكر الرواة أنّ العرب تجعلهما مما يقصر القمر، فينزل به ويجعلون لهما في الأنواء حظا.
стр. 138
(٢) وأمّا البطين فتلقبه كواكب خفيّة كأنها نقط الشاء، وهو على أثر الشّرطين بين يدي الثّريا، وقد يتكلمون به مكبرا، فيقولون: البطن، ويزعمون أنّه بطن الحمل.
(٣) وأمّا الثريا فهي النّجم لا يتكلمون بها مكبرة، وهي تصغير ثروي، مشتقّا من الثّروة، وكأنه تأنيث ثروان، والنّجم كالعلم له يقال له: طلع النّجم، وغاب النّجم وأنشد للمرار شعرا:
ويوم من النّجم مستوقد ... يسوق إلى الموت نور الظّبا
وقال شعرا:
إن النّجم أمسى مغرب الشّمس طالعا ... ولم يك في الآفاق برق ينيرها
قال الشيخ: هذا كما اشتهر عبد الله بابن عباس وصار كالعلم له، وكان له إخوة، قثم وغيره، فلم يشتهروا به، ويقولون: الثريا إليه الحمل.
(٤) وأما الدّبران فالكوكب الأحمر الذي على أثر الثّريا بين يديه كواكب كثيرة مجتمعة من أدناها إليه كوكبان صغيران يكادان يلتصقان، يقول الأعراب: هما كلباه، والبواقي غنمه، ويقولون: قلاصه، قال ذو الرمة شعرا:
وردت اغتشافا والثّريا كأنّها ... على قمّة الرّأس ابن ماء محملق
يدفّ على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق
لعشرين من صغرى النّجوم كأنّها ... وإيّاه في الخضراء لو كان ينطق
قلاص «١» حداها راكب متعمّم ... إلى الماء من قرن التّنوفة مطلق
قرن التنوفة أعلاها- والمطلق الذي يطلب ليلة الماء وبعده القرب للورد، ويسمّى دبرانا لدبوره الثّريّا، كما قيل: إيبان وصميان، وسمّى تالي النجم، وتابع النّجم. وقد يطلق فيقال: التابع، ويقال أيضا حادي النّجم، ومن أسمائه المجدح بالضمّ والكسر فالضمّ حكاه الشيباني، والكسر حكاه الأموي، والمنجّمون يسمّونه قلب الثّور وقولهم: الدّبران مما اختصّ وجرى مجرى العلم.
(٥) وأمّا الهقعة فهي رأس الجوزاء ثلاثة كواكب صغار مثفاة، وتسمّى الأثافي تشبّها بها.
حكي عن ابن عباس أنّه قال لرجل: طلّق عدد نجوم السّماء يجزئك منها هقعة
стр. 139
الجوزاء، وقد يقال للدّابرة يكون الشّق الفرس الهقعة، وهي تكره، يقال فرس مهقوع.
(٦) وأمّا الهنعة: فكوكبان بينهما قيد سوط، وهما على أثر الهقعة ولتقاصرها عنها سمّيت الهنعة. والذراع المبسوطة بينهما منحطة عنهما ويقال: أكمة هنعا إذا كانت قصيرة، وتهانع الطّائر إذا كان طويل العنق فقصرّها.
وقال ابن كناسة: يقال للهنعة الزّرق الميسان، فإنّما ينزل القمر بالتّخاي وهي كواكب ثلاثة بإزاء الهنعة والواحدة منها تخياة.
(٧) وأمّا الذراع فهي ذراع الأسد المقبوضة، وللأسد ذراعان مقبوضة ومبسوطة، (فالمقبوضة) منهما هي اليسرى، وهي الجنوبية، وبها ينزل القمر وسمّيت (مقبوضة) لتقدّم الأخرى عليها، والمبسوطة منهما هي اليمنى وهي الشّمالية، وكلّ صورة من نظم الكواكب فميامنها مما يلي الشّمال ومياسرها مما يلي الجنوب، لأنّها تطلع بصدورها ناظرة إلى المغارب فالشّمال على أيمانها، والجنوب على أيسارها. وقد فهم ذلك القائل والنّجوم التي تتابع باللّيل وفيها ذات اليمين، أزورارها على أيمانها إطافة منها بالقطب.
وقال أبو حنيفة: أنت ترى الكوكب يدرأ من مطلعه من الأفق الشّرقي فلا يستقيم مضيئه إلى مقابل مطلعه من الأفق الغربي في المنظر، ولكن تراه يتجانف إلى القطب، ولذلك قال الشاعر شعرا:
وعاندت الثّريا بعد هدء ... معاندة لها العيّوق جار
لأنّها تركت القصد في المنظر، فذلك معاندتها، وعلّة ذلك ما بينّه الكميت في قوله:
مالت إليه طلانا «١» واستطيف به ... كما تطيف نجوم اللّيل بالقطب
وأحد كوكبي الذراع المقبوضة هي الشّعرى الغميصاء، وهي تقابل الشّعرى العبور، والمجرّة بينهما وقد تكبر يقال الغمصاء، قال أبو عمر وهي الغميصاء والغموص ويقال لكوكبها الأحمر الشّمالي المرزم، مرزم الذّراع وهما مرزمان هذا أحدهما، والآخر في الجوزاء قال:
ونائحة صوتها رابع ... بعثن إذ أخفق المرزم
ويروى إذا ارتفع المرزم فهذا المرزم هو الذي في الذّراع، لأنّ مرزم الجوزاء لا نوء له، وليست من المنازل، وقد ذكرا جميعا بالنّوء على ذكر الشّعريين والسّماكين. قال جدار:
стр. 140
أحتبك جد المرزمين متى ... ينجدا بنوال تغوّرا
وقال ابن كناسة: الذّراع المقبوضة بأسرها هي المرزم.
وحكي مثل ذلك عن الغنوي، ومن أحاديثهم: كان سهيل والشّعريان مجتمعة فانحدر سهيل فصار يمانيا، ونعته العبور عبرت إليه المجرة وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل، حتى غمصت، والغمص في العين ضعف ونقص، وقالوا: ربّما عدل القمر فزلّ بالذّراع المبسوطة.
(٨) وأمّا النثرة فثلاثة كواكب متقاربة، أحدها كأنه لطحة، يقولون: هي نثرة الأسد، أي أنفه، قال ذو الرّمة شعرا:
مجلجل الرّعد عراصا إذا ارتجست ... نوء الثّريا به أو نثرة الأسد
أنث: فعل النوء وهو ذكر، لأنه أضافه إلى الثّريّا، وليس بمنفصل منها، ويسمّى اللّطحة اللهاة. وقال الآخر:
فهدّم ما قد بنته اليدان ... حولين والأنف والكاهل
وذكر الهدم والبناء هاهنا كقول الآخر:
على كلّ موّاز الملاط تهدّمت ... عريكته العلياء وانضمّ حالبه «١»
رعته الغيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الرّوض ينهلّ ساكبه
فأضحى الغلاقد جدّ في برء قصبه ... وكان زمانا قبل ذاك يلاعبه
(٩) وأمّا الطّرف: فكوكبان يبتدئان الجبهة بين يديها يقولون: هما عين الأسد.
(١٠) وأمّا الجبهة: فجبهة الأسد، قال: إذا رأيت انجما من الأسد جبهة أو الخراة والكتد، وهي أربعة كواكب خلف الطّرف معترضة من الجنوب إلى الشّمال، سطرا معوجا، وبين كلّ كوكبين منها قبس الذّراع، والجنوبي منها هو الذي يسمّيه المنجّمون: قلب الأسد.
(١١) وأمّا زبرة الأسد: فهي كوكبان على أثر الجبهة، بينهما قيد سوط والزّبرة كاهله، وفروع كتفيه، ويسمّيان الخراتين الواحدة خراة.
(١٢) وأمّا الصّرفة فكوكب واحد نيّر على أثر الزّبرة، يقولون: هو قنب الأسد، والقنب وعاء القضيب، وسميّت صرفة لانصراف الحر عند طلوعه غدوة، وانصراف البرد عند سقوطه غدوة.
стр. 141
(١٣) وأمّا العوّاء فإنّ ابن كناسة جعلها أربعة أنجم، وهي خمسة لمن شاء ومن شاء ترك واحدا إلا أنّ خلقتها خلقة كتاب الكاف غير مشقوقة، وليست نيّرة وهي على أثر الصرفة، وزعم أبو يحيى أنها سميّت العوّاء بالكوكب الرّابع الشّمالي منها، وإذا عزلت عنها هذا الكوكب الرّابع كانت الباقية مثفاة الخلقة وهم يجعلون العوّاء وركي الأسد، وأحسب هؤلاء تأوّلوا اسمها، والمحاش حشوة البطن والعوّاء تمد وتقصر، قال الرّاعي:
ولم يسكنوها الجزء حتّى أظلّها ... سحاب من العوّا وثابت غيومها
ويقال لها عوّاء البرد، يزعمون أنّها إذا طلعت أو سقطت أتت ببرد.
(١٤) وأما السّماك فهما سماكا الأعزل، والقمر ينزل به ولا ينزل بالآخر وهو الرّامح وسمّي رامحا لكوكب صغير بين يديه يقال له: راية السّماك وبه سمّي رامحا، ويسمّى الآخر الأعزل، لأنه لا شيء بين يديه كأنه لا سلاح معه وقال كعب بن زهير شعرا:
فلمّا استدار الفرقدان زجرتها ... وهبّ سماك ذو سلاح وأعزل
وقال الطّرمّاح:
محاهن صيب نوء الرّبيع ... من الأنجم العزل والرّامحة
وهم يجعلون السّماكين ساقي الأسد، وأحد السّماكين جنوبي، وهو الأعزل والآخر وهو الرّامح شمالي، وقال ابن كناسة: ربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد، وهي أربعة كواكب، بين يدي السّماك الأعزل، منحدرة عنه في الجنوب، وهي مربعة على صورة النّعش، ويقال لها: عرش السّماك، وتسمّى أيضا الأحمال، وتسمّى الجناء، وهم يجعلون لها حظا في الأنواء، قال ابن أحمر يصف ثورا:
باتت عليه ليلة عرشية ... شربت وبات إلى نعي متهدّدا
شربت لجت، والمتهدّد المتهدّم، لا تماسك لمحضره وكان المنجّمون يسمّون السّماك الأعزل السّنبلة لسموكه، سمّي سماكا وإن كان كلّ كوكب قد سمك فهو كقولهم الدّبران.
(١٥) وأمّا الغفر: فثلاثة كواكب بين زباني العقرب، وبين السّماك الأعزل خفية على خلفه العوّاء. قال ذو الرّمة:
فلمّا مضى نوء الثّريّا وأخلفت ... هواد من الجوزاء وانغمس الغفر
والعرب تقول خير منزلة في الأيد بين الزّباني والأسد، يعنون الغفر، لأنّ السّماك
стр. 142
عندهم من أعضاء الأسد، فقالوا: يليه من الأسد ما لا يضر الذّنب يدفع عنه الأظفار والأنياب، ويليه من العقرب ما لا يضر الذنابي يدفع عنه الحمة.
(١٦) وأمّا الزّباني وهما زبانيا العقرب: أي قرناه، وهما كوكبان مفترقان بينهما في المنظر أكثر من قامة الرجل، ويقال لهما: زباني الصّيف لأنّ سقوطهما في زمان الحر، قال ذو الرمة:
يا قد زفت للزّباني من بوارحها ... هيف أنست بها الأصناع والخبر
الأصناع محابس الماء والواحد صنع، والخبر جمع خبرة وهي أرض يكون بها السّدر، ويدوم فيها الماء يريد أن ريّاح الزّباني أنضبت المياه، وقيل: يسمّي أهل الشام زباني العقرب يديها.
(١٧) وأمّا إكليل العقرب رأسها، وهي ثلاثة كواكب معترضة بين كل كوكبين قيد ذراع، قال جران:
العود بمطرقين على مثنى أيامنهم ... راموا النّزول وقد غار الأكاليل
جعل كلّ كوكب منها إكليلا.
(١٨) وأمّا القلب، قلب العقرب والكوكب النّير الأحمر الذي وراء الإكليل سيرة كوكبان، وهم يستحسنونه. قال شعرا:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّه ... سواء عليكم بالنّحوس وبالسّعد
(١٩) وأمّا الشّولة فإبرة العقرب، كذلك يسمّيها أهل الشّام، وهي كوكبان مضيئان صغيران متقاربان في طرف ذنب العقرب، وقالوا: ربما قصر القمر فنزل بالغفار فيما بين القلب والشّولة. والغفار أحد كواكب ذنب العقرب، يجعلون كلّ كوكب منها فقرة، وهي ستّ فقر، والسّابعة الإبرة. قال ابن كناسة: الشّولة التي ينزل بها القمر: حذاء القلب في حاشية المجرة، وليس هناك شولة، ولكنّ القمر إنّما ينزل بالشّولة على المحاذاة ولا ينحط إليها لأنّها منحدرة عن طريقته وهاهنا يقطع القمر المجرة إذا هو فارق العقرب، ومضى نحو السّعود لأنّ المجرة تسلك بين قلب العقرب وبين النّعايم، منقطع نظام المنازل في هذا الموضع.
وفي موضع آخر وهما بين الهقعة والهنعة، لأنها تسلك أيضا بينهما فيعترض نظام المنازل اعتراضا، وهاهنا أيضا يقطع القمر وسائر الكواكب المحاذية للمجرّة، وذلك حين ينحدر عن غاية تعاليها إلى ذروة القبة في الهبوط، فأمّا قطعها إياها عن السّعود فذلك حين
стр. 143
يبتدئ الصّعود بعد غاية الهبوط، ويسمّى الشّولة شولة الصّورة، وهي منغمسة في المجرة.
(٢٠) وأمّا النّعايم فثمانية كواكب، أربعة في المجرة وهي النّعايم الواردة، وأربعة خارجة عن المجرة وهي النّعايم الصّادرة، وهي منحدرة، وكلّ أربعة منها على شبه بالتّربيع، وفوقها كوكب إذا تأملّته مع كوكبين من النّعايم الوارد شبهتها به قبة، وإنّما قيل: واردا لشرعه في المجرة، وقيل: الصّادر لمجيئه عنها.
(٢١) وأمّا البلدة فرقعة من السّماء لا كوكب بها بين النّعايم وبين سعد الذّابح، ينزلها القمر، ويقولون: ربّما عدل القمر أحيانا فنزل بالقلادة وهي ستة كواكب صغار، خفية فوق البلدة، مستديرة تشبه بالقوس، ويسمّيها العامة القوس ويسمّى موضع النّعايم الوصل.
(٢٢) وأمّا سعد الذّابح: فكوكبان غير نيّرين، وكذلك السّعود كلّها وبينهما في رأي العين قيس الذّراع و (ذبحه) كوكب صغير قد كاد يلزق بالأعلى منها، تقول الأعراب: هو شاته التي تذبح. قال الطّرماح شعرا:
ظعائن شمن قريح الخريف ... من الفرغ والأنجم الذّابحة
قريحه: أوّله.
(٢٣) وأمّا سعد بلع: فنجمان نحو من سعد الذّابح أحدهما خفي جدا، وهو الذي بلعه أي جعله بلعا كأنه مسترط «١» ، وذكر أنه سمّي بلعا لأنه طلع حين قيل: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
[سورة هود، الآية: ٤٤] وهذا لست أدري ما هو.
(٢٤) وأمّا سعد السعود: فكوكبان أيضا نحو من سعد الذّابح، وسمّي سعد السّعود بالتّفضيل عليهما، ولأن الزّمان في السّعدين اللّذين قبله قسا، وطلوع سعد السّعود يوافق منه لينا في برده، قالوا: وربما قصر القمر، فينزل بسعد باثره، وهو أيضا كوكبان أسفل من سعد السّعود. قال الكميت شعرا:
ولكن بنجمك سعد السّعود ... طبقت أرضي غيثا درودا
(٢٥) وأمّا سعد الأخبية: فثلاثة كواكب متحاذية، فوق الأوسط منها كوكب رابع، كأنها به في التمثيل رجل بطّة.
وقيل: إنّ السّعد منها واحد، وهو أنورها وإنّ الثلاثة أخبية، وقيل: سمّي بالأخبية لأنه
стр. 144
إذا طلع انتشرت فخرج منها ما كان مختبئا في البرد، لأنّ طلوعه في وقت الدّفاء، والسّعود متناسقة بعضها على إثر بعض.
(٢٦) وأمّا الفرغ الأول: فهو فرغ الدّلو، والدّلو أربعة كواكب مربعة واسعة، بين كل كوكبين قدر قامة الرّجل، أو أكثر في رأي العين، فهم يجعلون هذه الكواكب الأربعة عراقي الدّلو. قال عدي بن زيد في خريف شعرا:
سقاه نوء من الدّلو تد ... لّى ولم يوار العراقي
وفرغ الدّلو: مصبّ الماء من بين العراقي وقد يقولون لهما العرقوة العليا والعرقوة السّفلى. قال: (قد طال ما حرمت نوء الفرغين) .
(٢٧) وأمّا الفرغ الثاني: وهو العرقوة السّفلى فكمثل الفرغ الأول، وقد يقال للفرغ الأول: ناهزا الدّلو المقدمان وللفرغ الأسفل: ناهزا الدّلو المؤخّران. والنّاهز الذي يحرك الدّلو ليمتلئ، وقالوا: يقصر القمر أحيانا فينزل بالكرب، والكرب الذي وسط العراقي الأربع، والكرب من الدّلو ما شدّ به الحبل من العراقي. وقالوا: ربما نزل ببلدة الثّعلب، وهو بين الدّلو والسّمكة من عن يمين المرفق.
(٢٨) وأمّا الرّشاء وهو السمكة: فكواكب في مثل حلقة السّمكة، وفي موضع البطن منها من الشّق الشّرقي نجم منير ينزل به القمر يسمّونه بطن السّمكة. والمنجّمون يسمّونه:
قلب الحوت. ويقال لما بين المنازل: الفرج. فإذا قصر القمر عن منزلة واقتحم التي قبلها فنزل بالفرجة، بينما استحبّوا ذلك إلّا الفرجة التي بين الثّريّا والدّبران، فإنّهم يكرهونها ويستخشونها، ويقال لها الضيّقة «١» . قال:
فهلّا زجرت الطيّر ليلة جئته ... تضيّقه بين النّجم والدّبران
وسميّت ضيقة لضيقها عندهم، فإنّهم يتواضعون قصر ما بين طلوع النّجم وطلوع الدّبران. ذكر عن يزيد بن قحيف الكلابي، أنّه قال: ما بينهما إلا سبعة أيام وإنّما هذا نحو نصف ما قدر لما بين المنزلين.
قال أبو حنيفة: فهذا ما حكي لنا، وأمّا نحن فلم نجدها أقصر المنازل كلّها مدة في الطّلوع، ولا فرجة في المنظر، وأنّ الذي نير الطّرف والجبهة لأقلّ من ذلك ولكن قد وجدناهما في الغروب عندهم متقاربين جدا، حتّى لا نكاد نثبت بينهما شيئا ما هو الآن إلا أن يسقط النّجم، فما يستقيم السّقوط حتّى يسقط الدّبران وأحسب الذي اشتهر أمرهما في
стр. 145
هذا الباب حتى يوصفا من بين المنازل كلّها شهرتهما وكثرة استعمالهم إيّاهما، ولا سيما النّجم، فإن تفقدهم له شديد، وذكرهم إيّاه كثير، وإذا لم يعدل القمر عن المنزل قيل: كالح مكالحة والمكالحة: مثل المكافحة كأنه إذا لاقاه دافعه من غير حاجز بينهما.
فصل في بيان الاختلاف الواقع بين العرب في أوقات الأنواء والكلام في الضّيقة
قال أبو الحسين الصّوفي هذا الذي يذكرونه في الضّيقة وأنّ القمر ربما قصر فنزل بها غلط، لأنّ كواكب الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور، وهذان الكوكبان في أربع وعشرين درجة ونصف منه، وبين الثّريّا وبينهما نحو تسع درجات، وأبطأ ما يكون سير القمر في يوم وليلة، وأبعده نحو إحدى عشرة درجة، وإنّما سمّيت الفرجة التي بين الثّريّا والدّبران الضّيقة، لأنهم يستعملون طلوعها وسقوطها في المغرب بالغدوات عند طلوع رقبائها، وظهورها من تحت الشّعاع، ورقيب كلّ واحد منهما هو الخامس منه، ولا يستعملون طلوعهما. ووسط الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور والدّبران في خمس وعشرين درجة منه وبينهما بدرجات البروج عشر درجات، لكنّ عرض الثّريّا في الشمال عن درجتها أربع درجات ودقائق. وعرض الدّبران في الجنوب خمس درجات.
ومن شأن الكواكب الشّمالية أن تطلع قبل طلوع درجتها وتغيب بعد مغيب درجتها، والجنوبيّة تطلع بعد طلوع درجتها، وتغيب قبل مغيب درجتها، فتطلع الثّريّا كذلك مع ثلاث عشرة درجة من الثّور بالتّقريب ويطلع الدّبران مع سبع وعشرين درجة منه، فيكون بين طلوع الثّريّا وطلوع الدّبران أربع عشرة درجة بالتّقريب، وتغيب الثّريا مع سبع عشرة درجة من الثّور لا تغيب بعد درجتها. ويغيب الدّبران مع ثلاث وعشرين درجة منه، لأنّه يغيب قبل درجة، فيكون بين مغيب الثّريّا ومغيب الدّبران ست درجات بدرجات البروج.
فلمّا وجدوا بين غروب الثّريّا وغروب الدّبران هذا القدر، سمّوا الفرجة بينهما بضيقة، واستخشوها واستخشوا الدّبران أيضا مفردا وتشاءموا به حتى قالوا: إنّ فلانا أشأم من حادي النّجوم، ويتشاءمون أيضا بالمطر الذي يكون بنوئه ويزعمون أنّهم لا يمطرون بنوء الدّبران إلّا وتكون سنتهم جدبة.
قال أبو زيد وقطرب جميعا: وهذه حكاية عن القشريين، قالوا: أوّل المطر الوسمي، وأنواؤه العرقوتان، المؤخّرتان من الدلو ثم الشّرط بتسكين الراء ثم الثّريّا وبين كلّ نجمين نحو من خمس عشرة ليلة ثم الشّتوي بعد الوسمي وأنواؤه الجوزاء ثم الذّراعان ونثرتهما ثم الجبهة وهو آخر الشّتوي وأوّل الدفيء، ثم الدفيء وأنواؤه آخر الجبهة، ثم الصّرفة وهي
следующие страницы →