Полный текст (562 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(١٣) وأمّا العوّاء فإنّ ابن كناسة جعلها أربعة أنجم، وهي خمسة لمن شاء ومن شاء ترك واحدا إلا أنّ خلقتها خلقة كتاب الكاف غير مشقوقة، وليست نيّرة وهي على أثر الصرفة، وزعم أبو يحيى أنها سميّت العوّاء بالكوكب الرّابع الشّمالي منها، وإذا عزلت عنها هذا الكوكب الرّابع كانت الباقية مثفاة الخلقة وهم يجعلون العوّاء وركي الأسد، وأحسب هؤلاء تأوّلوا اسمها، والمحاش حشوة البطن والعوّاء تمد وتقصر، قال الرّاعي:
ولم يسكنوها الجزء حتّى أظلّها ... سحاب من العوّا وثابت غيومها
ويقال لها عوّاء البرد، يزعمون أنّها إذا طلعت أو سقطت أتت ببرد.
(١٤) وأما السّماك فهما سماكا الأعزل، والقمر ينزل به ولا ينزل بالآخر وهو الرّامح وسمّي رامحا لكوكب صغير بين يديه يقال له: راية السّماك وبه سمّي رامحا، ويسمّى الآخر الأعزل، لأنه لا شيء بين يديه كأنه لا سلاح معه وقال كعب بن زهير شعرا:
فلمّا استدار الفرقدان زجرتها ... وهبّ سماك ذو سلاح وأعزل
وقال الطّرمّاح:
محاهن صيب نوء الرّبيع ... من الأنجم العزل والرّامحة
وهم يجعلون السّماكين ساقي الأسد، وأحد السّماكين جنوبي، وهو الأعزل والآخر وهو الرّامح شمالي، وقال ابن كناسة: ربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد، وهي أربعة كواكب، بين يدي السّماك الأعزل، منحدرة عنه في الجنوب، وهي مربعة على صورة النّعش، ويقال لها: عرش السّماك، وتسمّى أيضا الأحمال، وتسمّى الجناء، وهم يجعلون لها حظا في الأنواء، قال ابن أحمر يصف ثورا:
باتت عليه ليلة عرشية ... شربت وبات إلى نعي متهدّدا
شربت لجت، والمتهدّد المتهدّم، لا تماسك لمحضره وكان المنجّمون يسمّون السّماك الأعزل السّنبلة لسموكه، سمّي سماكا وإن كان كلّ كوكب قد سمك فهو كقولهم الدّبران.
(١٥) وأمّا الغفر: فثلاثة كواكب بين زباني العقرب، وبين السّماك الأعزل خفية على خلفه العوّاء. قال ذو الرّمة:
فلمّا مضى نوء الثّريّا وأخلفت ... هواد من الجوزاء وانغمس الغفر
والعرب تقول خير منزلة في الأيد بين الزّباني والأسد، يعنون الغفر، لأنّ السّماك
стр. 142
عندهم من أعضاء الأسد، فقالوا: يليه من الأسد ما لا يضر الذّنب يدفع عنه الأظفار والأنياب، ويليه من العقرب ما لا يضر الذنابي يدفع عنه الحمة.
(١٦) وأمّا الزّباني وهما زبانيا العقرب: أي قرناه، وهما كوكبان مفترقان بينهما في المنظر أكثر من قامة الرجل، ويقال لهما: زباني الصّيف لأنّ سقوطهما في زمان الحر، قال ذو الرمة:
يا قد زفت للزّباني من بوارحها ... هيف أنست بها الأصناع والخبر
الأصناع محابس الماء والواحد صنع، والخبر جمع خبرة وهي أرض يكون بها السّدر، ويدوم فيها الماء يريد أن ريّاح الزّباني أنضبت المياه، وقيل: يسمّي أهل الشام زباني العقرب يديها.
(١٧) وأمّا إكليل العقرب رأسها، وهي ثلاثة كواكب معترضة بين كل كوكبين قيد ذراع، قال جران:
العود بمطرقين على مثنى أيامنهم ... راموا النّزول وقد غار الأكاليل
جعل كلّ كوكب منها إكليلا.
(١٨) وأمّا القلب، قلب العقرب والكوكب النّير الأحمر الذي وراء الإكليل سيرة كوكبان، وهم يستحسنونه. قال شعرا:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّه ... سواء عليكم بالنّحوس وبالسّعد
(١٩) وأمّا الشّولة فإبرة العقرب، كذلك يسمّيها أهل الشّام، وهي كوكبان مضيئان صغيران متقاربان في طرف ذنب العقرب، وقالوا: ربما قصر القمر فنزل بالغفار فيما بين القلب والشّولة. والغفار أحد كواكب ذنب العقرب، يجعلون كلّ كوكب منها فقرة، وهي ستّ فقر، والسّابعة الإبرة. قال ابن كناسة: الشّولة التي ينزل بها القمر: حذاء القلب في حاشية المجرة، وليس هناك شولة، ولكنّ القمر إنّما ينزل بالشّولة على المحاذاة ولا ينحط إليها لأنّها منحدرة عن طريقته وهاهنا يقطع القمر المجرة إذا هو فارق العقرب، ومضى نحو السّعود لأنّ المجرة تسلك بين قلب العقرب وبين النّعايم، منقطع نظام المنازل في هذا الموضع.
وفي موضع آخر وهما بين الهقعة والهنعة، لأنها تسلك أيضا بينهما فيعترض نظام المنازل اعتراضا، وهاهنا أيضا يقطع القمر وسائر الكواكب المحاذية للمجرّة، وذلك حين ينحدر عن غاية تعاليها إلى ذروة القبة في الهبوط، فأمّا قطعها إياها عن السّعود فذلك حين
стр. 143
يبتدئ الصّعود بعد غاية الهبوط، ويسمّى الشّولة شولة الصّورة، وهي منغمسة في المجرة.
(٢٠) وأمّا النّعايم فثمانية كواكب، أربعة في المجرة وهي النّعايم الواردة، وأربعة خارجة عن المجرة وهي النّعايم الصّادرة، وهي منحدرة، وكلّ أربعة منها على شبه بالتّربيع، وفوقها كوكب إذا تأملّته مع كوكبين من النّعايم الوارد شبهتها به قبة، وإنّما قيل: واردا لشرعه في المجرة، وقيل: الصّادر لمجيئه عنها.
(٢١) وأمّا البلدة فرقعة من السّماء لا كوكب بها بين النّعايم وبين سعد الذّابح، ينزلها القمر، ويقولون: ربّما عدل القمر أحيانا فنزل بالقلادة وهي ستة كواكب صغار، خفية فوق البلدة، مستديرة تشبه بالقوس، ويسمّيها العامة القوس ويسمّى موضع النّعايم الوصل.
(٢٢) وأمّا سعد الذّابح: فكوكبان غير نيّرين، وكذلك السّعود كلّها وبينهما في رأي العين قيس الذّراع و (ذبحه) كوكب صغير قد كاد يلزق بالأعلى منها، تقول الأعراب: هو شاته التي تذبح. قال الطّرماح شعرا:
ظعائن شمن قريح الخريف ... من الفرغ والأنجم الذّابحة
قريحه: أوّله.
(٢٣) وأمّا سعد بلع: فنجمان نحو من سعد الذّابح أحدهما خفي جدا، وهو الذي بلعه أي جعله بلعا كأنه مسترط «١» ، وذكر أنه سمّي بلعا لأنه طلع حين قيل: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
[سورة هود، الآية: ٤٤] وهذا لست أدري ما هو.
(٢٤) وأمّا سعد السعود: فكوكبان أيضا نحو من سعد الذّابح، وسمّي سعد السّعود بالتّفضيل عليهما، ولأن الزّمان في السّعدين اللّذين قبله قسا، وطلوع سعد السّعود يوافق منه لينا في برده، قالوا: وربما قصر القمر، فينزل بسعد باثره، وهو أيضا كوكبان أسفل من سعد السّعود. قال الكميت شعرا:
ولكن بنجمك سعد السّعود ... طبقت أرضي غيثا درودا
(٢٥) وأمّا سعد الأخبية: فثلاثة كواكب متحاذية، فوق الأوسط منها كوكب رابع، كأنها به في التمثيل رجل بطّة.
وقيل: إنّ السّعد منها واحد، وهو أنورها وإنّ الثلاثة أخبية، وقيل: سمّي بالأخبية لأنه
стр. 144
إذا طلع انتشرت فخرج منها ما كان مختبئا في البرد، لأنّ طلوعه في وقت الدّفاء، والسّعود متناسقة بعضها على إثر بعض.
(٢٦) وأمّا الفرغ الأول: فهو فرغ الدّلو، والدّلو أربعة كواكب مربعة واسعة، بين كل كوكبين قدر قامة الرّجل، أو أكثر في رأي العين، فهم يجعلون هذه الكواكب الأربعة عراقي الدّلو. قال عدي بن زيد في خريف شعرا:
سقاه نوء من الدّلو تد ... لّى ولم يوار العراقي
وفرغ الدّلو: مصبّ الماء من بين العراقي وقد يقولون لهما العرقوة العليا والعرقوة السّفلى. قال: (قد طال ما حرمت نوء الفرغين) .
(٢٧) وأمّا الفرغ الثاني: وهو العرقوة السّفلى فكمثل الفرغ الأول، وقد يقال للفرغ الأول: ناهزا الدّلو المقدمان وللفرغ الأسفل: ناهزا الدّلو المؤخّران. والنّاهز الذي يحرك الدّلو ليمتلئ، وقالوا: يقصر القمر أحيانا فينزل بالكرب، والكرب الذي وسط العراقي الأربع، والكرب من الدّلو ما شدّ به الحبل من العراقي. وقالوا: ربما نزل ببلدة الثّعلب، وهو بين الدّلو والسّمكة من عن يمين المرفق.
(٢٨) وأمّا الرّشاء وهو السمكة: فكواكب في مثل حلقة السّمكة، وفي موضع البطن منها من الشّق الشّرقي نجم منير ينزل به القمر يسمّونه بطن السّمكة. والمنجّمون يسمّونه:
قلب الحوت. ويقال لما بين المنازل: الفرج. فإذا قصر القمر عن منزلة واقتحم التي قبلها فنزل بالفرجة، بينما استحبّوا ذلك إلّا الفرجة التي بين الثّريّا والدّبران، فإنّهم يكرهونها ويستخشونها، ويقال لها الضيّقة «١» . قال:
فهلّا زجرت الطيّر ليلة جئته ... تضيّقه بين النّجم والدّبران
وسميّت ضيقة لضيقها عندهم، فإنّهم يتواضعون قصر ما بين طلوع النّجم وطلوع الدّبران. ذكر عن يزيد بن قحيف الكلابي، أنّه قال: ما بينهما إلا سبعة أيام وإنّما هذا نحو نصف ما قدر لما بين المنزلين.
قال أبو حنيفة: فهذا ما حكي لنا، وأمّا نحن فلم نجدها أقصر المنازل كلّها مدة في الطّلوع، ولا فرجة في المنظر، وأنّ الذي نير الطّرف والجبهة لأقلّ من ذلك ولكن قد وجدناهما في الغروب عندهم متقاربين جدا، حتّى لا نكاد نثبت بينهما شيئا ما هو الآن إلا أن يسقط النّجم، فما يستقيم السّقوط حتّى يسقط الدّبران وأحسب الذي اشتهر أمرهما في
стр. 145
هذا الباب حتى يوصفا من بين المنازل كلّها شهرتهما وكثرة استعمالهم إيّاهما، ولا سيما النّجم، فإن تفقدهم له شديد، وذكرهم إيّاه كثير، وإذا لم يعدل القمر عن المنزل قيل: كالح مكالحة والمكالحة: مثل المكافحة كأنه إذا لاقاه دافعه من غير حاجز بينهما.
فصل في بيان الاختلاف الواقع بين العرب في أوقات الأنواء والكلام في الضّيقة
قال أبو الحسين الصّوفي هذا الذي يذكرونه في الضّيقة وأنّ القمر ربما قصر فنزل بها غلط، لأنّ كواكب الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور، وهذان الكوكبان في أربع وعشرين درجة ونصف منه، وبين الثّريّا وبينهما نحو تسع درجات، وأبطأ ما يكون سير القمر في يوم وليلة، وأبعده نحو إحدى عشرة درجة، وإنّما سمّيت الفرجة التي بين الثّريّا والدّبران الضّيقة، لأنهم يستعملون طلوعها وسقوطها في المغرب بالغدوات عند طلوع رقبائها، وظهورها من تحت الشّعاع، ورقيب كلّ واحد منهما هو الخامس منه، ولا يستعملون طلوعهما. ووسط الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور والدّبران في خمس وعشرين درجة منه وبينهما بدرجات البروج عشر درجات، لكنّ عرض الثّريّا في الشمال عن درجتها أربع درجات ودقائق. وعرض الدّبران في الجنوب خمس درجات.
ومن شأن الكواكب الشّمالية أن تطلع قبل طلوع درجتها وتغيب بعد مغيب درجتها، والجنوبيّة تطلع بعد طلوع درجتها، وتغيب قبل مغيب درجتها، فتطلع الثّريّا كذلك مع ثلاث عشرة درجة من الثّور بالتّقريب ويطلع الدّبران مع سبع وعشرين درجة منه، فيكون بين طلوع الثّريّا وطلوع الدّبران أربع عشرة درجة بالتّقريب، وتغيب الثّريا مع سبع عشرة درجة من الثّور لا تغيب بعد درجتها. ويغيب الدّبران مع ثلاث وعشرين درجة منه، لأنّه يغيب قبل درجة، فيكون بين مغيب الثّريّا ومغيب الدّبران ست درجات بدرجات البروج.
فلمّا وجدوا بين غروب الثّريّا وغروب الدّبران هذا القدر، سمّوا الفرجة بينهما بضيقة، واستخشوها واستخشوا الدّبران أيضا مفردا وتشاءموا به حتى قالوا: إنّ فلانا أشأم من حادي النّجوم، ويتشاءمون أيضا بالمطر الذي يكون بنوئه ويزعمون أنّهم لا يمطرون بنوء الدّبران إلّا وتكون سنتهم جدبة.
قال أبو زيد وقطرب جميعا: وهذه حكاية عن القشريين، قالوا: أوّل المطر الوسمي، وأنواؤه العرقوتان، المؤخّرتان من الدلو ثم الشّرط بتسكين الراء ثم الثّريّا وبين كلّ نجمين نحو من خمس عشرة ليلة ثم الشّتوي بعد الوسمي وأنواؤه الجوزاء ثم الذّراعان ونثرتهما ثم الجبهة وهو آخر الشّتوي وأوّل الدفيء، ثم الدفيء وأنواؤه آخر الجبهة، ثم الصّرفة وهي
стр. 146
فصل بين الدّفيء والصّيف وأنواؤه السّماكان الأوّل الأعزل والآخر الرّقيب، وما بين السّماكين صيف أربعين ليلة. ثم الحميم وهو نحو من خمس عشرة ليلة إلى عشرين عند طلوع الدّبران وهو بين الصّيف والخريف وليس له نوء. ثم الخريف وأنواؤه النّسران، ثم الأخضر ثم عرقوتا الدّلو الأوليان ولكل مطر من الوسمي إلى الدّفيء ربيع.
وإنّما هذه الأنواء في غيبوبة هذه النّجوم. قالوا: فأوّل القيظ طلوع الثّريّا وآخره طلوع سهيل. وأوّل الصفريّة طلوع؟ وآخره طلوع السّماك. وفي أول الصّفرية أربعون ليلة يختلف حرّها وبردها، وتسمّى المعتدلات. ثم أوّل الشّتاء طلوع السماك وآخره وقوع الجبهة، وأوّل الدفيء وقوع الجبهة وآخر الصّرفة، وأول الصّيف السّماك الأعزل وهو الأول وآخر الصّيف السّماك الآخر، الذي يقال له الرّقيب، وبينهما أربعون ليلة أو نحوها انتهت الحكاية.
قال ابن كناسة: أعلم العرب بالنّجوم بنو مارية من كلب، وبنو مرة بن همام من بني شيبان، وذكر عنهم أنّ أول الأنواء الدّلو، ونوؤه محمود، وهو أوّل الوسمي ثم بطن الحوت ولا يذكر نوؤه لغلبة ما قبله عليه، ثم الشّرط محرك الراء ويثنّى ويجمع عرفها يونس وغيره وقال:
ولا روضة غنّاء غضّ نباتها ... يجود بشتياها لها الشّرطان
وقال العجّاج في الجمع:
من باكر الأشراط أشراطي ... من الرّبيع انقضّ أودلوي
وقال ذو الرمة:
قرحاء حواء أشراطية وكفت ... فيها الرّباب وحفّتها البراعيم
قوله: حواء يريد هي من الخضرة سوداء، وجعلها قرحاء لأنوارها، جعلها كقرحة الفرس، ونوؤه محمود. ثم البطن وبعضهم يقول: البطين ونوؤه غير محمود، ولا مذكور، ثم الثّريّا ونوؤه مقدّم في الحمد، وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إذا طلعت الثّريّا ارتفعت العاهة» . ولذلك لا يقبل بالحجاز قول من ادّعى عاهة في ثمرة اشتراها بعد طلوع الثّريّا. ثم الدّبران وهو مكروه النّوء؛ ثم الهقعة ولا يذكر نوؤه منفردا، فهذه منازل كلّ الوسمي وهي خمسة فليس قبل الفرغ المؤخر وسمي، ولا بعد الثّريّا وسمي، وهي أوّل أنواء الخريف.
وسمّوا النّوئين الباقيين وليا، وهما الدّبران والهقعة.
ثم أوّل الرّبيع وأنواؤه سبعة: الأربعة الأولى شتية وهي الهنعة ونوؤه لا يذكر، والذّراع ونوؤه مقدم مذكور، والنثرة ونوؤه محمود، والطّرف ونوؤه لا يفرد بالذكر، والثّلاثة الباقية
стр. 147
دفيئة، ويقال الدثية وهما بمعنى كما يقال اللغام واللثام، وسميّت بذلك لأنها في دبر الشّتاء.
وابتداء الدفء وهي الجبهة ونوؤها من أذكر الأنواء وأشهرها وأحبّها إليهم وأعزّها فقدا.
والزّبوة وقلّما يفرد نوؤه، والصّرفة وغلبت أنواء الأسد عليها وإنما سمّيت صرفة لانصراف الشّتاء فهذه منازل كلّ الرّبيع.
ثم الصّيف وأنواؤه سبعة: فالخمسة الأولى منه صيف، والنوءان الآخران الباقيان حميم وسمّي حميما لأن أمطارها تجيء وقد تحرك الحر، فأوّلها العوّاء وبعض العرب يمدّه فيقول العواء، ونوؤها ليلة. ثم السّماك ونوؤه من الأنواء المذكورة المحمودة، ولذلك قال الشاعر: أجش سماكي كان ربابه، ثم الغفر ولا يذكر نوؤه وقيل لا يعدم نوؤه. ثم الزّباني، ثم الإكليل، ثم القلب، ثم الشّولة وأربعتها لا تذكر أنواؤها، وربما ذكرت العرب مجملة، فهذا كلّه الصّيف.
ثم الخريف: وهو فصل القيظ وأنواؤه سبعة والأربعة المتقدّمة رمضيّة وشمسيّة لشدّة الحر، والثّلاثة الباقية خريفية، وأول أمطاره في كلام أهل الحجاز وتميم الحميم، فأوّله النعايم- ثم البلدة- ثم سعد الذّابح- ثم سعد بلع- ثم سعد السّعود- ثم سعد الأخبية. وهذه الستّة لا ذكر لأنوائها ولا مبالاة لأخواتها. وسمّيت خريفيّة لأنّها تجيء والثّمار تخترف في أيّامها. ثم مقدم الدّلو ونوؤه من الأنواء المشهورة ويقال: الفرغ المقدّم أيضا لأنّها مقدّمة ما بين الوسمي وموطئ له وفرط، فهذه منازل كلّ الحميم.
وبعد هذه الأربعة ستة سعود متناسقة في جهة الدلّو، وليست هي من المنازل. أوّلها سعد ناشره وهو أسفل من سعد الأخبية ويطلع مع الشّرطين. ثم سعد الملك، ثم سعد الهمام، ثم سعد البارع، ثم سعد مطر، وكلّ سعد منها كوكبان في رأي العين قدر ذراع كنحو ما بين سعود المنازل.
فصل واعلم أنّ ما ذكرته من الطلوع والغروب يختلف فيهما أحوال البلدان
فربّما طلع النّجم ببلد في وقت وطلع في غير ذلك البلد، في وقت آخر، إمّا قبله وإمّا بعده بأيام، فهذان النّسران وهما النّسر الواقع، وقلب العقرب يطلعان معا بنجد، ويطلع النّسر الواقع على أهل الكوفة، قبل قلب العقرب بسبع. ويطلع قلب العقرب على أهل الدّبرة قبل النّسر بثلاث، وربما طلع النّجم ببلد ولم يطلع ببلد آخر كسهيل، فإنّه يظهر بأرض العرب وباليمن ولا يرى بأرمينية، وبين رؤيته بالحجاز ورؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة، وبنات نعش تغرب بعدن ولا تغرب بأرمينية.
стр. 148
قال أبو محمد القتبي: بلغني أنّ كلّ بلد جنوبي فالكواكب اليمانية فيه تطلع قبل طلوعها في البلد الشّمالي. وكلّ بلد شمالي فالكواكب الشّامية فيه تطلع قبل طلوعها في البلد الجنوبي، وفي الكواكب الشّامية ما يكون في اللّيلة الواحدة غروب من أوّلها في المغرب، وطلوع من آخرها في المشرق كالعيّوق والسّماك الرّامح والكفّة والعوائذ والنّسر الواقع والغوارس والرّدف والكف الخضيب، ومددها في ذلك تختلف، فمنها ما يرى كذلك أيّاما ومنها ما يرى شهرا ومنها ما يرى أكثر من شهر.
وإذا نزل القمر في استوائه ليلة أربع عشرة، وثلاث عشرة بمنزل من المنازل فهو سقوط ذلك المنزل، لأنّ القمر يطلع من أوّل المشرق ليلة أربع عشرة مع غروب الشمس، ويغيب صبحا مع طلوع الشّمس، فيسقط ذلك النّجم الذي كان نازلا به. وقال ابن الأعرابي بين طلوع الثّريا مع الفجر وبين عوده إلى مثله ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، فالقمر ينزل بها ثم بسائر المنازل يأخذ كلّ ليلة في منزل، فذلك ثمانية وعشرون منزلا ينزل بها القمر إذا كان كريتا، ويعود للنّجم الذي استهلّ به لتسع وعشرين، وإذا كان حثيثا تخطرف منزلة والكريت: التّام، والحثيث: الناقص، وينزل لثمان وعشرين ليلة بمستهله، فمن ثم صار ما بين حول الأهلّة وبين حول طلوع الثّريّا مع الفجر إلى مثله فصل أحد عشر يوما وربع يوم. قال والخطر فيه أن يجعل الخطوتين خطوة، والمنزلتين منزلة، فربما استسر ليلة، وربما استسر ليلتين أو نحوهما.
стр. 149
الباب السّابع في تحديد سنيّ العرب والفرس والرّوم وأوقات فصول السّنة
قد عرفتك فيما تقدم أنّ العرب تبدأ بالشّتاء بعد أن تجعل السّنة نصفين شتاء وصيفا ثم يقسم الشّتاء نصفين فتجعل الصّيف أوّله والقيظ آخره وأنّها تفارق سائر الأمم في تحديد الأوقات، فأوّل وقت الرّبيع الأوّل عندهم وهو الخريف ثلاثة أيام تخلو من أيلول، وأوّل الشّتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأوّل، وأوّل الصّيف عندهم وهو الرّبيع الثّاني خمسة أيام، تخلو من حزيران، والخريف عندهم اسم للمطر الذي يأتي في آخر القيظ من دون الزّمان. وذكر المراد الفقعسي أنّه يكون حلول الشّمس بأعلى منازلها في شدة الحر، وذلك إذا حلّت بأول السّرطان فقال شعرا:
إذا طلعت شمس النّهار فإنّها ... تحلّ بأعلى منزل وتقوم
يريد أنّ الشّمس في منتهى صعودها في القيظ، فإذا طلعت حلّت بأوّل منها، وإذا انتصفت قامت على قمة الرأس. وهذا يدل على معرفتهم بحلول الشّمس رؤوس الأرباع، وإن كان حساب فصولهم على غير ذلك.
وأمّا أصحاب الحساب فيحدّون فصول السّنة بحلول الشّمس بنجم من هذه النّجوم الثمانية والعشرين، ويجعلون لكلّ زمان من الأزمنة الأربعة سبعة أنجم منها. ويبدؤون من الأزمنة بالفصل الذي تسمّيه العامة: الرّبيع وهو عند العرب الصّيف، ونجوم هذا الفصل الشّرطان والبطين والثّريّا والدّبران والهقعة والهنعة والذّراع، والشّمس تحل بالشّرطين بالغداة لعشرين ليلة تخلو من آذار فتسترهما وتستر المنزل قبلهما، فلا يزال الشّرطان مستورين بها إلى أن يطلعا بالغداة، لستّ عشرة ليلة تخلو من نيسان فيكون بين حلول الشّمس بها وطلوعها سبع وعشرون ليلة.
وإذا حلّت الشّمس برأس الحمل اعتدل اللّيل والنّهار، فصار كلّ واحد منهما اثنتي
стр. 150
عشرة ساعة يوما واحدا وليلة واحدة، ثم يزيد النّهار وينقص اللّيل إلى أن يمضي من حزيران اثنتان وعشرون ليلة، وذلك بعد أربع وتسعين ليلة من وقت اعتدالهما فينتهي طول النّهار، وينتهي قصر اللّيل، وينقضي فصل الرّبيع، ويدخل الفصل الذي يليه وهو الصّيف، ودخول الصّيف بحلول الشّمس برأس السّرطان ونجومه النّثرة والطّرف والجبهة والزّبرة والصّرفة والعوّاء والسّماك.
ثم يأخذ اللّيل في الزّيادة والنّهار في النّقصان إلى ثلاث وعشرين تخلو من أيلول، وذلك ثلاث وتسعون ليلة، وعند ذلك يعتدل اللّيل والنّهار ثانية ويكون كلّ واحد منهما اثنتي عشرة ساعة، يوما واحدا وليلة واحدة، وينقضي فصل القيظ ويدخل فصل الخريف، ودخول فصل الخريف بحلول الشّمس رأس الميزان ونجومه الغفر- والزّباني- والإكليل- والقلب- والشّولة- والنّعايم- والبلدة.
ثم يأخذ اللّيل في الزّيادة والنّهار في النّقصان، إلى أن يمضي من كانون الأول واحد وعشرون يوما، وذلك تسع وثمانون ليلة، وعند ذلك ينتهي طول اللّيل وينتهي قصر النّهار، وينقضي فصل الخريف، ودخول فصل الشّتاء بحلول الشّمس رأس الجدي ونجومه: سعد الذّابح- وسعد بلع- وسعد السّعود- وسعد الأخبية- والفرع المقدّم والفرع المؤخر- وبطن الحوت-. ويأخذ النّهار في الزّيادة واللّيل في النّقصان إلى أن تعود الشّمس إلى رأس الحمل ويعتدل اللّيل والنّهار، وينقضي فصل الشّتاء وذلك تسع وثمانون ليلة وربع، فجميع أيام السّنة على هذا العدد ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع، لا يتغيّر ولا يزول على مرّ الدّهر.
وقد بيّنا فيما مضى أنّ السيارات سبعة وأخبرنا أنها هي التي تقطع البروج والمنازل فهي تنتقل فيها مقبلة ومدبرة، لازمة لطريق الشّمس أحيانا وناكبة عنها أحيانا، إمّا في الجنوب وإمّا في الشّمال، ولكلّ نجم منها في عدوله عن طريقة الشّمس مقدار إذا هو بلغه عاود في مسيره الرّجوع إلى طريقة الشّمس، وذلك المقدار من كلّ نجم منها مخالف لمقدار النّجم الآخر.
فإذا عزلت هذه النّجوم السّبعة عن نجوم السّماء سمّيت الباقية كلّها ثابتة، تسمية على الأغلب من الأمر لأنّها وإن كانت لها حركة مسير فإنّ ذلك خفي يفوت الحس، إلّا في المدّة الطّويلة، وذلك لأنّه في كلّ مائة عام درجة واحدة فلذلك سمّيت ثابتة.
واعلم أنّ الطّلوع والغروب، وتفصيل اللّيل والنّهار، والمشارق والمغارب قد قال الله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
[سورة الرّحمن، الآية: ١٧] و
стр. 151
بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
[سورة المعارج، الآية: ٤٠] والمشرقان مشرقا الشّتاء والصّيف، وكذلك المغربان مغرباهما، والمشارق مشارق الأيام، وهي جميعا بين المشرقين، وكذلك المغارب هي مغارب الأيّام وهي بين المغربين، فمشرق الصّيف مطلع الشّمس في أطول يوم من السّنة.
قال أبو حنيفة: وذلك قريب من مطلع السّماك الرّامح، بل مطلع السّماك الرّامح أشدّ ارتفاعا في الشّمال منه قليلا. وكذلك مغرب الصّيف هو على نحو ذلك من مغرب السّماك الرّامح، ومشرق الشّتاء مطلع الشّمس في أقصر يوم من السّنة، وهو قريب من مطلع قلب العقرب، بل هو أشدّ انحدارا في الجنوب من مطلع قلب العقرب قليلا، وكذلك مغرب الشّتاء على نحو ذلك من مغرب قلب العقرب. فمشارق الأيّام ومغاربها في جميع السّنة بين هذين المشرقين والمغربين.
فإذا طلعت الشّمس من أخفض مطالعها في أقصر يوم من السّنة لم تزل بعد ذلك ترتفع في المطالع، فتطلع كلّ يوم من مطلع فوق مطلعها بالأمس، طالبة مشرق الصّيف فلا تزال على ذلك حتى تتوسّط المشرقين، وذلك عند استواء اللّيل والنّهار في الرّبيع، فذلك مشرق الاستواء، وهو قريب من مطلع السّماك الأعزل، بل هو أميل منه قليلا إلى مشرق الصّيف من مطلع السمّاك الأعزل.
ثم تستمرّ على حالها من الارتفاع في المطالع إلى أن تبلغ مشرق الصّيف الذي هو منتهاه، فإذا بلغته كرّت راجعة في المطالع منحازة نحو مشرق الاستواء، حتّى إذا بلغته استوى اللّيل والنّهار في الخريف، ثم استمرّت منحدرة حتى تبلغ منتهى مشارق الشّتاء الذي هو منتهاه. فهذا دأبّها، وكذلك شأنها في المغارب على قياس ما بيّناه في المطالع.
فأمّا القمر فإنّه يتجاوز في مشرقيه ومغربيه مشرقي الشّمس ومغربيها، فيخرج عنهما في الجنوب والشّمال قليلا، فمشرقاه ومغرباه أوسع من مشرقي الشّمس ومغربيها، وإذا أهلّ الهلال في منزلة من المنازل أهلّ في الشّهر الثّاني في المنزلة الثّالثة، ثم لا يزال بعد مهلّه ينقل كلّ ليلة إلى منزلة، حتّى يستوفي منازله في ثمان وعشرين ليلة ثم يستسر، فلا يرى حتى يهلّ.
فربما كان حلوله المنازل بالمقارنة لها إمّا بالمجامعة، وإمّا بالمحاذاة من فوقها أو أسفل منها، وذلك المكالحة، يقال: كالح القمر وربّما قصر واقتحم فنزل بالفرج والفرجة ما بين المنزلين، ويقال له الوصل أيضا، وهو يغيب في ليلة مهلّه في أدنى مفارقته الشّمس لستّة أسباع تمضي من اللّيل.
ثم يتأخّر غروبه كلّ ليلة مقدار ستّة أسباع حتّى يكون غروبه في اللّيلة السّابعة نصف
стр. 152
اللّيل، وفي ليلة أربع عشرة مع طلوع الشّمس، ويكون طلوعه فيها مع غروب الشّمس، وقد يتقدم ذلك أحيانا ويتأخّر على قدر تمام الشّهر ونقصانه ثم يتأخّر طلوعه كلّ ليلة مقدار ستّة أسباع ساعة، حتّى يكون طلوعه ليلة إحدى وعشرين نصف اللّيل، ويكون طلوعه ليلة ثمان وعشرين مع الغداة.
قال أبو حنيفة: وكلّ هذا تقدير على مقارنة، ولا يكون أن يرى الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشّمس وبالعشي في المغرب خلف الشّمس في يوم واحد ولا يمكن ذلك، ولكن يمكن ذلك في يومين، فأما في ثلاثة فلا شك فيه، فإذا كان ذلك في يومين فهو حين يستسر ليلة واحدة وإذا كان في ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين.
стр. 153
الباب الثّامن في تقدير أوقات التّهجّد التي ذكرها الله تعالى في كتابه عن نبيّه والصّحابة
ويبين ما يتصل بها من ذكر حلول الشّمس البروج الاثني عشر قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] وقال ثعلب: يذهب العرب بالدّلوك إلى غياب الشّمس وقول الشّاعر شعرا:
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتّى ذهبت براح
يدل على هذا وأصله أنّ السّاقي يكتري على أن يستقي إلى غيبوبة الشّمس وهو في آخر النهار يتبصّر هل غابت الشّمس، وقوله براح أي تجعل راحته فوق عينيه ويتبصّر، قال: وما روي عن ابن عبّاس من أنه زوالها للشّمس يسلم للحديث، وغسق اللّيل ظلمته، فإذا زادت فهي السّدفة، وقال تعالى لنبيّه ﷺ : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[سورة الإسراء، الآية: ٧٩] قال أبو العباس ثعلب: قوله نافلة لك: يريد ليس لأحد نافلة إلّا للنّبي ﷺ لأنه ليس من أحد إلّا يخاف على نفسه، والنّبي ﷺ قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فعمله نافلة. فأمّا التّهجد فإنّه يجعل من الأضداد، يقال: هجد وهجد وتهجّد إذا صلّى بالنّهار، وهجد وهجد وتهجّد إذا صلّى باللّيل قائما وقاعدا وأنشد في النّوم قال:
هجدنا فقد طال السّرى ... وقدرنا أنّ خنا الدّهر غفل
أي نومنا، وأنشد ابن الأعرابي في النّوم:
ومنهل من القطا مورود ... وردت بين الهبّ والهجود
قال: الهجود: النّوم كأنه أتاه في السّحر وهو بين النّوم والانتباه. وقال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
[سورة المزّمل، الآية: ١- ٣] وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
[سورة المزّمل، الآية: ٢٠] إلى قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
[سورة المزمل، الآية: ٢٠] .
стр. 154
اعلم أنّه قد مرّ القول في شرح جوانب هذه الآي بما تقدّم في الباب الأوّل من هذا الكتاب وبقي تحديد الأوقات.
١- الحمل: تحديد الأوقات وذكر البروج: فيقول: إذا حلّت الشّمس برأس الحمل فغربت، طلع السّماك الرّامح وزاغت الشّعرى العبور عن وسط السماء، وقارب أن يتوسّط الشّعرى الغميصاء فصار خطّ نصف النّهار بينهما، وخط نصف النّهار هو الآخذ من نقطة الجنوب إلى نقطة الشّمال، فعليه يكون زوال الشّمس وزوال جميع الكواكب مما صار بينه وبين الأفق الجنوبي، وبين سمت الرّأس، وعادتهم أن يسمّوه خط نصف النّهار.
وما كان منه في الحاشية بين سمت الرّأس وبين نقطة الشّمال التي من عادتهم أن يسمّوه خط نصف اللّيل، وعليه يكون زوال الكواكب الشّمالية. فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّسر الواقع وقلب العقرب، وغرب النّاجذ وهو رجل الجوزاء وإذا كان نصف اللّيل طلع الرّدف وهو الكوكب الذي يسمّيه المنجمون ذنب الدجاجة، وطلع النّسر الطائر على أثره بقليل، وجنحت الشّعرى، وجنوحها أن تميل للغروب، وسقط العيّوق، وسقوطه غيبته، فإذا كان ثلث اللّيل قاربت الفكة أن تتوسّط السّماء وزاغ السّماك الرّامح عن وسط السّماء فأدبر، والإدبار أكثر من الزّيغان، وضجع الكوكب الفرد، فيصير على خط نصف اللّيل.
وإذا حلّت الشّمس بوسط الحمل فغابت طلعة الفكّة، وزاغت الشّعرى الغميصاء فأدبرت، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ قلب العقرب والنّسر الواقع. واستقلال الكوكب أن تراه قد ارتفع قدر القامة في رأي العين، وأكثر شيئا وغابت الشّعرى العبور قبل ذلك، وغاب المرزم، وهو يد الجوزاء، وجنح العيّوق، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ النّسر الطّائر وسقطت الغميصاء، وسقط العيّوق قبل ذلك، وتوسّط السّماك الرّامح أو همّ بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل قلب العقرب بالتّوسّط ومنكب الفرس بالطّلوع، وزاغت الفكة وجنح قلب الأسد.
٢- الثور: فإذا حلّت الشّمس برأس الثّور فغابت، توسّط قلب الأسد وجنح رأس الغول والنّاجذ والدّبران، وزاغ الفرد، فإذا كان ثلث اللّيل غاب العيّوق وقارب السّماك الرّامح أن يتوسط وقرب طلوع النّسر الطّائر، وطلع الرّدف، وإذا كان نصف اللّيل قاربت الفكّة أن تتوسّط، وزاغ السّماك الرّامح وجنح الفرد. فإذا كان ثلثا اللّيل طلعت الكفّ الخضيب، وهي الكوكب الشّمالي من كوكب الفرع الثّاني، وغاب قلب الأسد، وزاغ قلب العقرب فأدبر.
وإذا حلّت الشّمس بوسط الثّور فغربت طلع النّسر الواقع وقد غاب الدّبران قبيل ذلك، وطلع العيّوق وقلب العقرب، وزاغ قلب الأسد فأدبر. فإذا كان ثلث اللّيل توسّط السّماك
стр. 155
واستقلّ النّسر الطائر، فإذا كان نصف اللّيل طلع منكب الفرس وتوسّط قلب العقرب، وجنح قلب الأسد، وإذا كان ثلثا اللّيل استقلّت الكفّ الخضيب، وزاغ قلب العقرب فأدبر منصبّا وانصبابه: إمعانه في الزّيغان.
٣- الجوزاء: فإذا حلّت الشّمس بأوّل الجوزاء فغربت استقلّ قلب العقرب والنّسر الواقع، وجنح العيّوق وغاب المرزم، فإذا كان ثلث اللّيل توسّطت الفكّة وهمت وهي إذا توسّطت السّماء، فصارت على خطّ نصف اللّيل ببلد الدّينور، كانت على قمة الرّأس، سواء أعني أنّها تكون فوق رأس القلم، وقارب قلب العقرب التّوسّط وغاب الفرد، وإذا كان نصف اللّيل طلع الكفّ الخضيب وسقط قلب الأسد، وزاغ قلب العقرب فأدبر، وإذا كان ثلث اللّيل طلع رأس الغول وتوسّط النّسر الواقع.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الجوزاء فغرب، طلع الرّدف وجنحت الغميصاء وقارب طلوع النّسر الطائر، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ قلب العقرب سقط قلب الأسد، وطلع منكب الفرس، فإذا كان نصف اللّيل قارب النّسر الطّائر التّوسّط وقارب قلب العقرب خطّ القبلة، فإذا كان ثلثا اللّيل زاغ النّسر الطّائر وأدبر النّسر الواقع، وإدباره أن يبعد عن خطّ نصف اللّيل، وطلع العيّوق وتبعته الثّريا وطلعت.
٤- السّرطان: وإذا حلّت الشّمس بأوّل السّرطان فغربت توسّط السّماك الرّامح واستقلّ النّسر الطّائر، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّت الكفّ الخضيب وزاغ قلب العقرب فأدبر، فإذا كان نصف اللّيل زاغ النّسر الواقع وهمّ النّسر الطّائر بالتّوسّط وطلع رأس الغول، وإذا كان ثلثا اللّيل طلع العيّوق وتبعته الثّريّا وهمّ الرّدف بالتّوسّط، وغوّر قلب العقرب وتغويره: أن يقع في الغور فلا يلبث أن يغيب. وضجع السّماك الرّامح، وضجوعه أن يميل للمغيب وهو قبل التّغوير، والجنوح قبل الضّجوع والانصباب قبل الجنوح.
فإذا حلّت الشّمس بوسط السّرطان فغربت همّت الفكة وقلب العقرب بالتّوسّط، وغوّر الفرد، وإذا كان ثلث اللّيل توسّط النّسر الطّائر وطلع رأس الغول، وإذا كان نصف اللّيل طلع العيّوق وطلعت الثّريا على أثره، وزاغ النّسر الطّائر، وجنح قلب العقرب، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الدّبران، وغاب السّماك الرّامح.
٥- الأسد: وإذا حلّت الشّمس بأوّل الأسد فغربت، طلع منكب الأسد وتوسّط قلب العقرب، وضجع قلب الأسد فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ رأس الغول، وتوسّط النّسر الطّائر، وزاغ النّسر الواقع فأدبر، وإذا كان نصف اللّيل توسّط الرّدف وضجع السّماك الرّامح، وغاب قلب العقرب، وإذا كان ثلثا اللّيل توسّط منكب الفرس وغوّرت الفكّة.
стр. 156
وإذا حلّت الشّمس بوسط الأسد فغربت، طلعت الكفّ الخضيب وزاغ قلب العقرب فأدبر، وغاب قلب الأسد، فإذا كان ثلث اللّيل طلع العيّوق والثّريّا، وضجع قلب العقرب، وقارب الرّدف التّوسّط، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ الدّبران، وقارب منكب الفرس أن يتوسّط. وإذا كان ثلثا اللّيل طلع النّاجذ، وتوسّط الكفّ الخضيب واستقلّ المرزم.
٦- السّنبلة: وإذا حلّت الشّمس بأوّل السّنبلة فغربت، استقلّ الكفّ الخضيب فإذا كان ثلث اللّيل طلع الدّبران وزاغ الرّدف، وغاب السّماك الرّامح، فإذا كان نصف اللّيل زاغ منكب الفرس، وغربت الفكّة وطلع المرزم، وإذا كان ثلثا اللّيل طلعت الشّعرى الغميصاء، وهمّت الشّعرى العبور بالطّلوع.
وإذا حلّت الشّمس بوسط السّنبلة فغربت، قارب أن يطلع رأس الغول وقرب توسّط نسر الواقع، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ الدّبران وقارب منكب الفرس التّوسّط، وجنحت الفكّة، فإذا كان نصف اللّيل استقل النّاجذ وزاغت الكفّ الخضيب، واستقل المرزم، وإذا كان ثلثا اللّيل غاب النّسر الطائر واستقلّت الشّعريان، وجنح النّسر الواقع.
٧- الميزان: وإذا حلّت الشّمس برأس الميزان فغربت، طلع رأس الغول وزاغ النّسر الواقع، فإذا كان ثلث اللّيل قارب المرزم الطّلوع، وزاغ منكب الفرس، وغابت الفكّة، فإذا كان نصف اللّيل طلعت الشّعريان وانصبّ النّسران، وانصبابهما: تدلّيهما للغروب، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع قلب الأسد والكوكب الفرد بأثره ورأس الغول وغاب النّسر الواقع.
وإذا حلّت الشّمس بوسط الميزان، وغربت همّ العيّوق بالطّلوع وتوسّط النّسر الطائر، فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّاجذ واستقلّ المرزم، وزاغت الكفّ الخضيب، فإذا كان نصف اللّيل استقلّت الشّعريان، وغاب النّسر الطّائر، فإذا كان ثلثا اللّيل استقلّ قلب الأسد والكوكب الفرد، وتوسّط الدّبران.
٨- العقرب: وإذا حلّت الشّمس بأوّل العقرب فغربت، طلع العيّوق وتبعته الثّريا وزاغ النّسر الطّائر، وانصبّ السّماك الرّامح، وإذا كان ثلث اللّيل استقلّ النّاجذ، وقرب طلوع الشّعريين، وانصبّ النّسر الطّائر، وإذا انتصف اللّيل طلع قلب الأسد، وزاغ رأس الغول، وغاب النّسر الواقع، وإذا كان ثلثا اللّيل توسّط النّاجذ وزاغ العيّوق، وضجع منكب الفرس وغاب الرّدف.
وإذا حلّت الشّمس بوسط العقرب، توسّط الرّدف وضجع السّماك الرّامح فإذا كان ثلث اللّيل اقتربت الشّعريان، واقترابهما دون الاستقلال، وضجع النّسر الطّائر، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ قلب الأسد والكوكب الفرد، وهمّ الدّبران بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل همّت
стр. 157
الشّعرى العبور بالتّوسّط، وغاب الرّدف قبل ذلك، وزاغ المرزم، وانصبّت الكفّ الخضيب.
٩- القوس: وإذا حلّت الشّمس بأوّل القوس فغربت، طلع الدّبران وغاب السّماك الرّامح اتفاقا، فإذا كان ثلث اللّيل توسّط رأس الغول، وهمّ قلب العقرب بالطّلوع، فإذا كان نصف اللّيل همّ النّاجذ بالتّوسّط، وزاغ العيّوق قليلا، وغوّر الرّدف، فإذا كان ثلثا اللّيل أشخص السّماك، وإشخاصه: إقرانه، وهو نهوضه في المطلع قليلا، وتوسّط الشّعرى الغميصاء، وزاغت العيّوق.
فإذا حلّت الشّمس بوسط القوس فغربت، توسّط منكب الفرس وغوّرت الفكّة، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ قلب الأسد، وقارب الدّبران التّوسّط، وطلع الفرد، فإذا كان نصف اللّيل زاغ المرزم، وغرب قبل ذلك منكب الفرس، وقاربت الشّعرى العبور التّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل طلعت الفكّة.
١٠- الجدي: وإذا حلّت الشّمس بأوّل الجدي فغربت، طلع النّاجذ واستقلّ المرزم، وتوسّطت الكفّ الخضيب، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ الدّبران، وهمّ النّاجذ بالتّوسّط، وضجع الرّدف، فإذا كان نصف اللّيل طلع السّماك الرّامح، وغابت الكفّ الخضيب، وهمّت الشّعرى الغميصاء بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل همّ قلب الأسد بالتّوسط، وجنح رأس الغول وتوسّط الفرد.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الجدي، فغربت، طلعت الشّعريان، وجنح النّسر الطّائر، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ المرزم، وغاب منكب الفرس، وغاب قبل ذلك الرّدف، فإذا كان نصف اللّيل طلعت الفكّة، وزاغت الشّعرى الغميصاء، فأدبرت فإذا كان ثلثا اللّيل همّ الهراران بالطّلوع وغاب النّاجذ والدّبران ورأس الغول.
١١- الدّلو: فإذا حلّت الشّمس بأوّل الدّلو فغربت، قارب رأس الغول التّوسّط، واستقلّت الشّعريان فارتفعتا فإذا كان ثلث اللّيل طلع السّماك الرّامح وغابت الكفّ الخضيب وزاغت الشّعرى العبور، فإذا كان نصف اللّيل قارب قلب الأسد التّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الهراران، وهما قلب العقرب والنّسر الواقع، وضجعت الشّعرى العبور والمرزم.
وإذا حلّت الشّمس بوسط الدّلو فغربت أشخص قلب الأسد، وطلع الفرد، وقارب الدّبران التّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل طلعت الفكّة وزاغت الشّعرى الغميصاء، فأدبرت بعيدا، فإذا كان نصف اللّيل غاب رأس الغول، ورجل الجوزاء، وزاغ قلب الأسد، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الرّدف وغوّر العيّوق.
стр. 158
١٢- الحوت: وإذا حلّت الشّمس بأوّل الحوت فغربت، زاغ الدّبران وتوسّط العيّوق، وغوّر الرّدف، وهمّ النّاجذ بالتّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل قارب الأسد التّوسّط، واستقلّت الفكة فارتفعت، فإذا كان نصف اللّيل طلع الهراران وجنحت الشّعرى اليمانية، فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّسر الطّائر وغوّرت الشّعرى الغميصاء، وغاب العيّوق.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الحوت فغربت، زاغ المرزم، وغاب منكب الفرس قبل ذلك، وهمّت الشّعرى العبور بالتّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ قلب الأسد، وغوّر رأس الغول، ورجل الجوزاء، فإذا كان نصف اللّيل غاب المرزم والشّعرى العبور قبيل ذلك، واستقلّ النّسر الواقع، وقارب طلوع الرّدف، فإذا كان ثلثا اللّيل توسّط السّماك الرّامح واستقلّ النّسر الطّائر.
стр. 159
الباب التّاسع في ذكر البوارح والأمطار مقسّمة على الفصول والبروج وفي ذكر المراقبة
اعلم أنّ جميع أمطار السّنة ثمانية أصناف، وهي الوسمي- والولي- والشّتيء- والدّفيء- والصّيف- والحميم- والرّمضي- والخريفي- ولكلّ صنف منها وقت عرفته العرب بمساقط منازل النّهار الثّمانية والعشرين التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
[سورة يس، الآية: ٣٩] وبالبروج الاثني عشر لأن كلّ برج منزلان وثلث من هذه الثمانية والعشرين، وذلك حكم منهم على مناجعهم ومزالفهم بالتّجارات، وهو إلى الآن على ذلك، وإن كان كثير من أطراف الأرض وأوساطها يختلف، فقد قيل: إنّ أهل اليمن يمطرون في الشّتاء ويخصبون في الصّيف.
قال أبو حنيفة: إذا أحببت أن تستيقن ذلك فانظر إلى زمان مدّ النّيل، فإنّه في صميم القيظ، وإنّما يمدّ من أمطار البلاد التي منها يقبل، وقال بعض أصحاب الخليل، وقد صنّف أبواب الانتفاع بالمطر: إنّ من المغرب من مطره الذي يغيثه وينفعه الخريف، ويكون أكثر مطرهم وأغزره وأنفعه لهم.
وقال أكثرهم: إنّ مطر الرّبيع ضارّ، وهم أهل اليمن ومن يليهم من تهامة. ومنهم من يحسبه الوسميّ، وهو مطر الشّتاء، ومجيئه الرّبيع، ويكون الخريف ضارا يفسد كلأهم ويلبده، وهم أهل العراق ومن قاربهم من نجد، ومنهم من يصيبه مطر السّنة كلّها وهم أهل نجد الذين تاخموا نجدا، أي حاذوهم، وأهل العراق، ومن قاربهم من الشّام ونجد، وما بينهما وبين خراسان مطرهم الشّتوي والرّبعي، ومطر اليمن وما قاربها من تهامة الصّيفي، والخريفي. قال: ومن تهامة ونجد ما تعمّه هذه الأمطار كلّها، وكذلك طبرستان- والدّيلم- وأرمينية- وجبلان- وجبل القيق. والعرب تقول: إنّه ما اجتمع مطر الثّريا في الوسميّ ومطر الجبهة في الرّبيع إلّا كان تامّ الخصب ذلك العام، كثير الكلأ.
стр. 160
وهذا كما حكوا عن الحرم أنه إذا أصاب المطر الباب الذي من شقّ العراق كان الخصب في تلك السّنة بالعراق، وإذا أصاب شقّ الشّام كان الخصب والمطر في تلك السّنة بالشّام، وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر والخصب عاما في البلدان.
واعلم أنّه كما أنّ لكلّ نجم نوء فله بارح أيضا وهي البوارح وهي الرّياح. والعرب تقول: فعلنا كذا أيام البوارح، وهي رياح النّجم- والدّبران- والجوزاء- والشّعرى- والعقرب- وأنشد الأصمعيّ:
أيا بارح الجوزاء مالك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميك جوّعا
وقال آخر شعرا:
أيذهب بارح الجوزاء عنّي ... ولم أذعر هوامك بالسّنار
وقال آخر شعرا:
أيا بارح الجوزاء مالك لا تجي ... وقد فني مال الشّيخ غير قعود
وأحبّوا أن تهبّ رياح الجوزاء حتى إذا طردوا إبلا وسرقوها عفت الرّياح آثارها وآثارهم، فأمنوا أن يقتفى أثرهم، واسم ما يحدث من ريح أو حر بارح على التّشبيه بالبارح من الوحش، لأنه قد يطلع مما يلي شمال النّاظر، ويأخذ على يمينه كالوحش.
وقال أبو حنيفة: زعم قوم لا معرفة لهم باللغة، أنّ البارح ضدّ النوء، وأنّه طلوع الرّقيب فيقولون: برح الكوكب: إذا طلع، قالوا وذلك لأنه ييامن البيت الحرام إذا طلع ويياسره إذا غرب، وإن قال: خذ من يمينك إلى يسارك فهو بارح. والذي قالوه ليس بمدفوع، لكنا لم نجد العلماء يعرفون ما قالوه في الكوكب، ولا رووا ذلك عن العرب، قال أبو زيد: البارح: الشّمال الحارة يكون في الصّيف. وقال الفرّاء: البوارح: الرّياح الصّيفية، وسمّيت بذلك لأنّها هي السّموم التي تأتي من الشّمال، وأنشد لذي الرّمّة شعرا:
تلوث على معارفنا ونرمي ... محاجرنا شآمية سموم
وقال أبو عمرو: وهي ريح السّموم، وقال يزيد بن القحيف: البارح: شدّة الرّيح في الحرّ، وقال مرار في صحة ما قالوا شعرا:
تراها تدور لغيرانها ... ويهمجها بارح ذو عما
يهمجها: يرمي بها في كنسها، وهي غيرانها، وجعلها ذا عماء لعرئه والعماء أصله في السّحاب، وقال الأخطل شعرا:
стр. 161
شرقن إذ عصر العيدان بارحها ... وأيبست عن مجرى السّنة الخضر
يقول: جفّ كلّ شيء أخضر فلم يبق إلّا من درع يسقى. والسّنة سنة الحراث، ومجرى السّنة الحرث، وقال بعضهم: قيل له بارح: لأنه يبرح بالتّراب أي يذهب به، وقيل أيضا: البارح البين، كما يقال برح الخفاء إذا بان بما كان يخفى. ويجوز أن يكون من البرح، وهو الشّدة لما كان ينسب البرد والأمطار والسّموم والحرور إلى نوئه معه. ومنه البرح وبرحين وبنات برح وبنت برح. وقال أبو زيد: إذا هبّت الجنوب بعد دوام الشّمال في ذلك فرسخ أي راحة وفرجة. والرياح أربع بإجماع من الأمم. وإنّما اختلفت باختلاف مهابّها في أقطار الأرض الأربعة، وهي: مطلع الاستواء- ومغربه- وجهة القطب الجنوبي- وجهة القطب الشمالي، فالتي تهبّ من مغرب الاستواء هي الغربية وتسمّى الدّبور، وهي التي سمّاها الله عقيما.
وقال النّبي ﷺ : «نصرت بالصّبا وأهلكت العاد بالدّبور» والتي تهبّ من جهة القطب الجنوبي هي الجنوب وتسمّى الأزيب. والنّعامي وهي تهبّ من جهة القطب الشّمالي وتسمى الشّمال، وهي الجريباء، ومحوة لأنّها تبدّد السّحاب وتمحوه، ونسعا ومسعا وهي الشّامية.
وقال ابن الأعرابي: مهبّ الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثّريا، ومهبّ الصّبا من مطلع الثّريا إلى بنات نعش، ومهب الشّمال من بنات نعش إلى مسقط النّسر الطائر، ومهبّ الدّبور من مسقط النّسر الطائر إلى مطلع سهيل، والجنوب والدّبور لهما هيف وهو الرّياح الحارة الصّيفية، والصّبا والشّمال لا هيف لهما. والعرب تجعل أبواب بيوتها حذاء الصّبا ومطلع الشّمس.
وقال الأصمعي: ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر وما بإزائها ممّا يستقبلها شمال وما جاء من وراء بيت الله الحرام، دبور، وما كان قبالة ذلك فهو صبأ وقال غير الأصمعي وابن الأعرابي: الجنوب التي تهبّ عن يمين القبلة شتاء والصّبا بإزائها، وقالوا كلّهم كلّ ريح تهبّ بين مهبي ريحين فهي نكباء، لتنكّبها عن المهاب المعروفة، والجمع نكب، وتميل في طبعها إلى الرّيح التي في مهبها أقرب إليها.
وقال أبو زيد: النّكباء التي لا يختلف فيها: هي التي بين الصّبا والشّمال والنّكباء ذات ثمان، لأنّ بين كلّ ريح وأختها ريحين، وكلّ واحدة إلى جنب صاحبتها وهبوبها في أيام الشّتاء أكثر، ومن رياح الشّتاء الحرجف والبليل، ومن رياح الصّيف الهيف والسّموم والحرور، فإن هبّت ليلا في ابتداء الرّبيع فهي الخاسة. وسيجيء القول في أجناس الرّياح مستقصى في موضعه، واللّواقح تهبّ في الربيع لا غير، وهي الجنوب، والصّبا والشّمال وتسمّى المستثابات، ومعناه المستنقعات من الثّواب، ويجوز أن يكون المسؤولات النؤب
стр. 162
أي الرّجوع. وروى ابن الأعرابي أنه قلّ ما تهبّ الشّمال إلا وإذا جاء اللّيل ضعفت أو سقطت ولذلك قالوا في أحاديثهم: إنّ الجنوب قالت للشّمال إنّ لي عليك فضلا أنا أسري وأنت لا تسرين، فقالت الشّمال: إنّ الحرة لا تسري باللّيل وهذا كما ترى.
وقال أبو زيد: إنّ أكثر هبوب الشّمال باللّيل، وأنه قلّما ينتفج من الرّياح باللّيل إلا الشّمال، وربما انتفجت على النّاس بعد نومهم، فتكاد تهلكهم بالقرّ من آخر ليلهم وقد كان أوّل ليلهم دفيئا، وهذا الخلاف فيما أتين لاختلاف البقاع، وتفاوت الأزمان والله أعلم.
وأنشد الأصمعي يصف النّساء:
تصيّفن حتّى أوجف البارح السّفا ... ونشّت جراميد اللّوا والمصانع
فالمصانع وإيجاف البارح السّفا: مرّ به على وجه الأرض، وهو من الوجيف وهو السّرعة، والسّفا ما تساقط من يبيس البقل، وقال أيضا:
ألفن اللّوى حتّى إذا البروق ارتمى ... به بارح راح من الصّيف شامس
والبروق من دفيء النّبت، وفي المثل: أشكر من البروق، لأنّه ينبت بالغيم والرّاح الشّديد من الرّيح، ويشبه هذا قوله:
أقمن على بوارح كلّ نجم ... وطيّرت العواصف بالتّمام
والبارح مذكّر، وإن كانت الرّيح مؤنّثة.
قال أبو حنيفة: قد حكى بعضهم أنّ العرب كانت تقول لا بدّ لنوء كل كوكب من أن يكون فيه مطر أو ريح أو غيم أو حر- أو برد- ثم كانوا ينسبون ما كان فيه إليه، والأعمّ الأشهر أنّ الأمطار مقصور ذكرها على الأنواء خاصة. فما يكاد يسمع بشيء منها منسوبا إلى طلوع ولا يحفظ، وأما البوارح فأكثر الأمر فيها أن ينسب إلى طلوع نجوم الحرّ خاصة لأنها رياح الصّيف، وربّما نسب شيء منها إلى النّوء وذلك قليل.
وقال ذو الرمة:
حدا بارح الجوزاء أعراف موره ... بها وعجاج العقرب المتناوح
الأعراف: الأوائل، المور: الغبار وأراد بعجاج العقرب: عجاج بارح العقرب كقوله:
شفّها هبوب الثّريا والتزام التنائف، أراد هبوب بارح الثّريا فهذا ذكر البوارح.
стр. 163
فصل في المراقبة والمطالعة
واعلم أنّ لكلّ برج ومنزل رقيبا من المنازل والبروج، فرقيب كلّ برج البرج السّابع، ورقيب كلّ منزل المنزل الخامس عشر، ومعنى الرّقيب الذي في غروبه طلوع الآخر، وهو مأخوذ من المراقبة، لأنه يراقب بالطلوع غروب صاحبه. قال شعرا:
أحقّا عباد الله أن لست لاقيا ... بثينة أو تلقى الثّريّا رقيبها؟!
والمعنى لست لاقيها أبدا، لأنّ هذا لا يكون أبدا، وكيف يلقيان وأحدهما إذا كان في المغرب كان الآخر في المشرق؟ وقال:
قدورهم تغلي أمام قبابهم ... إذا ما الثّريا غاب قصرا رقيبها
فمراقبة الأبراج للأبراج والمنازل للمنازل، على ما ذكرناه، ومن هذه البروج ما يشاكل اسمه صورته كالعقرب والحوت، ومنها ما لا يشاكل اسمه صورته، والبروج الاثنا عشر سمّي بعضها بأسماء. فالحمل يسمّى: الكبش، والجوزاء: التّوأمين، والسّنبلة: العذراء، والعقرب: الصّورة، والقوس: الرّامي، والحوت: السّمكة. ويسمّى أيضا الرّشاء، ولكلّ برج منزلان وثلاثة من منازل القمر، حتّى يستوفيها. فالحمل رقيبه الميزان، والثّور رقيبه العقرب، والجوزاء رقيبه القوس، والسّرطان رقيبه الجدي، والأسد رقيبه الدّلو، والسّنبلة رقيبه الحوت.
والمطالعة هو أن يطلع نجمان معا، أو متقاربين، ولا يكون ذلك في نجوم الآخذ ولا يطلع نجمان منها معا، ولكن يكون في غيرها، وفيها مع غيرها وذلك كمطالعة الثريا بالعيّوق ولذلك يقول شاعرهم:
فإن صديا والمدامة ما مشى ... لكالنّجم والعيّوق ما طلعا معا
ومطالعة الشّعرى الغميصاء الشّعرى العبور، ومطالعة الأعزل للرّامح، ومطالعة النّسر الطّائر للعنا، ومطالعة الجبهة سهيلا، فإن كلّ نجم إذا طلع معه الآخر أو قريبا.
وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى:
وصاحب المقدار والرّديف ... أفنى الوفا بعد ألوف
الرّديف النّجم الذي إذا نأى من المشرق انغمس رقيبه في المغرب، وإنما يعني أن تعاقب النّجوم على مرّ الدّهور ولا يبقى أحد.
стр. 164
الباب العاشر في ذكر الأعياد والأشهر الحرم والأيام المعلومات، والأيام المعدودات والصلاة الوسطى
حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: سألت أعرابيّا فصيحا فقلت: ما الأشهر الحرم؟
فقال: ثلاثة سرد، واحد فرد. قال ثعلب: فالسّرد المتتابعة وهو ذو القعدة- وذو الحجة- والمحرّم- والفرد: رجب. وهذا قول ابن عباس ويكون من سنتين، وقال غير ابن عباس:
هي من سنة واحدة فعددها المحرّم وهو أوّلها- والثّاني: رجب- والثّالث: ذو القعدة- والرّابع: ذو الحجّة. واحتج هذا بأنه قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
[سورة التوبة، الآية: ٣٦] يعني من الاثني عشر، فجعلها من سنة واحدة.
قال ثعلب: والاختيار عندي قول ابن عبّاس وهو كلام العرب، وإن كان لفظها من سنتين فهي تعود إلى الاثني عشر إلى سنة واحدة، وروي عن النبي ﷺ : «دخلت العمرة في الحج» أي في أشهر الحج ولم تكن العرب تعرف العمرة في أشهر الحج، بل كانت العمرة فيها عندهم من أفجر الفجور، وكانوا يقولون: إذا انسلخ صفر، ونبت الوبر، وعفا الأثر، وبرأ الدّبر، حلّت العمرة لمن اعتمر. فلّما اعتمر رسول الله ﷺ في أشهر الحج دخلت العمرة في الحج، أي في أشهرها، وروى سفيان بن عيينة أنّ رسول الله ﷺ كتب لآل حزم: «إنّ العمرة الحج الأصغر» ، فدلّ كلامه على أن ثمّ أكبر.
وروي عن عطاء أنه قال: من اعتمر ثم مات ولم يحج أجزأت عنه حجة الإسلام، يذهب إلى قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[سورة آل عمران، الآية: ٩٧] وروي عن عليّ كرّم الله وجهه: الحجّ الأكبر يوم النّحر، محتجّا بقوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
[سورة التوبة، الآية: ٢] وهي عشرون من ذي الحجّة- والمحرّم- وصفر- وشهر ربيع الأوّل- وعشر من ربيع الآخر- قال: فلو كان يوم عرفة لكان أربعة أشهر ويوما، وكان ابن عباس يقول: الحج الأكبر يوم عرفة، وكان رسول الله ﷺ ، خرج مهلّا بالحج ويقول
стр. 165
بعضهم: خرج لعمرة، وقال بعضهم؛ خرج قارنا وإنما خرج ينتظر أمر الله، وعلم الله أنّها حجة لا يحج بعدها فجمع ذلك كلّه له في شهر واحد، ليكون جميع ذلك سنّة لأمّته، فلمّا طاف بالبيت ثم رأى أن يجعلها عمرة، وحبس من كان معه على هدي، لقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٦] فجمعت له العمرة والحج.
وقد قال قوم: إنّ الأربعة الحرم هي التي أجّلها رسول الله ﷺ للمشركين فقال:
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
[سورة التوبة، الآية: ٢] وهي شوّال- وذو القعدة- وذو الحجّة- والمحرّم. ثم قال: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[سورة التوبة، الآية: ٥] وقال: إنّ الأربعة التي جعلت حلّا من عشر ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر، وجعلها حرما، كما قال: مكّة حرم إبراهيم، والمدينة حرمي. وروي أيضا أنه حرم ما بين لابتي المدينة يعني حرّتيها، وفي آخر حرم ما بين عير إلى ور وهما جبلان. فأما قوله تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٧] فإنه يريد أوقات الحجّ أشهر، أو أشهر الحجّ أشهر. وهذا خطاب يدلّ على معرفة العرب بشهور معلومة كانوا فيها يحجّون، فأقرّ الله أمرها في الإسلام على ما كانت عليه ودعا إلى إقامة الحجّ فيها.
واعلم أنها أوقات الحجّ دون غيرها، وأنّ من فرض على نفسه فيها الحجّ فمن السنة أن يترك الرّفث والفسوق والجدال، ومعنى فرض الرّجل على نفسه الحج إهلاله به، والإهلال التّلبية، وأصله رفع الصوت. وروي عن الشّعبي وابن عمر أنّها شوّال- وذو القعدة- وذو الحجة- وقال بعضهم: له من ذي الحجّة عشر ليال، فكأنّه جعل الشّهرين وبعض الثّالث أشهرا، وهذا في القياس قريب لأنّه كما جاز أن يسمى الشّهر ذا الحجّة، وإن كانت الحجّة في بعض أيّامه، كذلك يجوز أن يسمّى شهر الحجّ، وإن لم يكن جميع أيّامه مصروفا إليه.
وحكي عن ابن عبّاس أنه قال: الأيام المعدودات أيام التّشريق، والأيّام المعلومات الأيام العشرة من أوّل ذي الحجّة. وقال عطاء: الأيام المعدودات أيام منى ويوم التّروية، سمّي بذلك لأنّهم كانوا يتروّون من الماء، ويتزوّدونه معهم، ويوم عرفة لا يدخله الألف واللام، وإنّما سمّي عرفة وعرفات، لأنّ من حضرها كانوا يتعارفون بها. وقال بعضهم: بل لأنّ جبرائيل ﵇ طاف بإبراهيم صلوات الله عليه يديره على المشاهد، ويوقفه عليها، ويقول له: حالا بعد حال عرفت عرفت، والعروف الحدود، والواحد عرفة. وقيل: سمّيت عرفة بذلك كأنّه عرف حدّه لتميزه عن غيره من الأرضين، ولكونه معرفة امتنع من دخول الألف واللّام عليه. وحكي؛ طار القطا عرفا عرفا، بعضها خلف بعض.
وأمّا الأعراف: فكل موضع مرتفع عند العرب ومنه قوله تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ
стр. 166
رِجالٌ
[سورة الأعراف، الآية: ٤٦] ، ولا يمتنع أن يكون عرفة وعرفات مشتقا من جميع ذلك والتّعريف: الوقوف بعرفات، وتعظيم يوم عرفة إن نصب الضالة فتنادي عليه وإن سمّيت رجلا بعرفات صرفته، ولم يكن التاء فيه كالتاء من عرفة لو سمّيت بها، وذلك أنّ التاء من عرفات بإزاء النّون في المسلمين، إذ كان هذا الجمع من المؤنث بإزاء جمع المذكّر الصّحيح، ولذلك لمّا كان ذاك في موضع النّصب والجر بالياء، جعل هذا في موضع النّصب والجر بالكسرة، لأنّ الكسرة أخت الياء، فلمّا كان الأمر على ذلك لم يكن كالتّاء التي يبدل منها في الوقف هاء كالتي في طلحة وعزّة، وكان يمتنع الصّرف في المعرفة. وفي القرآن:
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٨] فصرفه وإن كان معرفة.
ومشاعر الحجّ واحدها مشعر وهو في موضع المنسك، وكذلك الشّعيرة من شعائر الحجّ، وهي علاماته وأفعاله المختصة به، كالسّعي والطّواف والحلق والذّبح، وكلّ ذلك يجوز أن يكون من شعرت، وليت شعري، فيرجع إلى العلم كما أنّ عرفة وعرفات في تصاريفه يرجع إلى المعرفة، وفي القرآن: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[سورة الحج، الآية: ٣٦] وقال الخليل: يقال: أشعرت هذه البدنة لله نسكا أي: جعلتها شعيرة تهدى، قال: وقال بعضهم: إشعارها أن يوجأ سنامها بسكّين فيسيل الدّم على جنبها فيعلم أنّها هدي. أو يعلّم بعلامة تشدّ في سنامها. وكره قوم من الفقهاء تدميتها، وقالوا: إذا قلّدت فقد أشعرت.
وقوله تعالى: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
[سورة التوبة، الآية: ٣] قيل: هو يوم النّحر، وقيل:
هو يوم عرفة وكانوا يسمّون العمرة: الحج الأصغر.
ويوم النّحر: سمّي به لأنّهم كانوا ينحرون البدن.
ويوم القر: بعده، وهو الذي يسميه العامة يوم الرّءوس، وسمّي بذلك لأنّ الناس يستقرون فيه بمنى لا يبرحونها.
ويوم النفر: سمّي به لأنّ النّاس ينفرون فيه متعجلين.
ويقال: عيد الفطر، وعيد الإفطار، وعيد الضّحى والعيد أصله من عاد يعود لعوده كلّ سنة، لكن واوه انقلبت ياء لانكسار ما قبلها، ثم جعل البدل لازما حتى كأنّه اسم وضع لليوم، لا مناسبة بينه وبين المشتق منه، وهم يفعلون مثل هذا إذا أرادوا التّخصيص، لذلك قيل في تصغيره: عييد، وفي جمعه: أعياد ولم يجر مجرى قوله: ريح ورويحة وأرواح،
стр. 167
ومما يشبه هذا قوله: يا دارميّة بالعلياء فالسّند هو من العلو، فقلب الواو ياء، وقوله: فما أمّ خشف بالعلاية مشدن. مثله وليس قبل واحد منهما ما يوجب القلب، لكنهم يفعلون ذلك كثيرا في الأعلام وما يجري مجراها، وقد قالوا: الشكاية وحبيت الخراج حباوة ونحو منها، ما حكاه سيبويه من القواية قال عمرو بن براقة:
ومال بأصحاب الكرى عالياتها ... فإنّي على أمر القواية حازم
وهو فعالة من القوة، وأصلها قواوة وكأنّه كره اكتناف الواوين للألف.
والأضحى، إذا ذكّر: يراد به اليوم، وإذا أنّث أريد به السّاعة، والتأنيث أجود.
ويقال: دنت الأضحى، وقيل: سمّيت الأضحية لأنها تذبح ضحوة.
والفطر: من فطرت النّاقة إذا حلبتها فانفتحت رؤوس أخلافها لأنّ الأفواه تنفتح بالأكل والشّرب، ويقال: أضحاة وأضحى وضحية وضحايا والأضحى يذكّر ويؤنّث، فمن ذكّر ذهب إلى اليوم، وأنشد الأصمعي:
رأيتكم بني الحدواء لمّا ... دنا الأضحى وصلّلت اللّحام
وأنشد الثوريّ في تأنيثه:
قد جاءت الأضحى ومالي فلس ... وقد خشيت أن تسيل النّفس
وقال هشام بن معاوية: حكى الأصمعيّ: أضحاة وسمّي الأضحى بجمع أضحاة فأنّث لهذا المعنى وجاء في الحديث: «على كلّ مسلم عتيرة وأضحاة» . وقال هشام: التأنيث في الأضحى أكثر من التّذكير، وجمع الأضحية أضاحي، وجمع الضّحية ضحايا.
وأيّام التّشريق سمّيت بذلك لأن لحوم الأضاحي تشرق للشّمس، وقيل: بل سمّيت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير، وقال ابن الأعرابي: سميت بذلك لأنّ الهدي لا ينحر حتى تشرق الشّمس.
وقال أحمد بن يحيى: أنا أذهب إلى أنّ الأيام المعلومات في الأيام المعدودات لأنه جاء في كتاب الله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
[سورة الحج، الآية: ٢٨] فدلّ على أنّها أيام نحر.
ويوم عاشوراء في المحرّم، ويقول الفقهاء: يوم عاشوراء التّاسع من المحرم، وحكى بعضهم أنّه سئل النّضر بن شميل عن التّشريق، فقال: هو من قولهم أشرق ثبير: أي لتطلع الشّمس، وقيل: أيام التّشريق: لأنّهم يشرقون اللّحم، قال: فقلت له: إنّ وكيعا حدّثنا عن
стр. 168
شعبة عن سيار عن الشّعبي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ذبح إلّا بعد التّشريق» فقال وكيع:
التّشريق الصلاة، قال: هذا حسن. قال النّضر: وقد جاء في الحديث: «لا جمعة ولا تشريق إلّا في مصر جامع» ، والتّفسير موافق للحديث، فأما قول أبي ذؤيب بصفا المشرّق كلّ يوم يقرع. فقد حكى عن أبي عمرو الشّيباني أنّه أنشد بصفا المشقّر فأنكره، وقال: المشقّر حصن بالبحرين، والصّفا موضع، فما لأبي ذؤيب والبحرين، إنّما هو المشرّق، وكان ابن الأعرابي يرويه المشقّر، وحكي عن الأصمعي أنّه أنشد كلّ يوم، فقال الله أكرم من ذاك هو:
كلّ حين. ذهب الأصمعيّ إلى أنّ الحج يقال: كلّ سنة لا كلّ يوم، والحين يقع في كلامهم على المدة الطويلة والسّنين الكثيرة. وقال الأصمعي: المشرّق المصلّى، ومسجد الخيف هو المشرّق. وقال شعبة بن الحجّاج: خرجت أقود سماك بن حرب في يوم عيد، فقال: امض بنا إلى المشرّق يعني المصلّى. وقيل: يعني مسجد العيدين، وقال أبو عبيدة: المشرّق سوق الطائف، وقال الباهلي: جبل البرام.
[فصل في] بيان الصلاة الوسطى:
فأما الصلاة الوسطى: فقد اختلفوا فيها: فروي عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه الفجر، وقال غيره: هي العصر، وقد جاء القرآن في توكيد أمر الفجر بما يصحح قول عليّ فيه، قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] وكلتا الصّلاتين متوسطة لسائر الصّلوات، فإذا جعلت صلوة الفجر الوسطى فهي بين صلوات اللّيل والنهار والنّهار: الظّهر والعصر، واللّيل العشاء أن الأولى والآخرة. وإذا جعلت العصر هي الوسطى: فهي متوسّطة بين الفجر والظّهر من صلوة النّهار. والعشاءين الأولى والآخرة من صلوات اللّيل، وقوله تعالى: الصَّلاةِ الْوُسْطى
[سورة البقرة، الآية: ٢٣٨] مؤكد للدلالة على أنّ الصلوات المفروضات خمس، لا زيادة فيها، ويزيل التّأويل فيما ذهب إليه بعض المتفقهة من فرض الوتر، بالخبر المرويّ عن رسول الله ﷺ : «إنّ الله زادكم صلوة وهي الوتر» وقد يزيد الله النّاس مما يدعوهم إليه من أعمال البر مما هو فضيلة لفاعله، ونافلة للمتقرّب به ولا يكون في قوله: «زادكم صلاة» ما يوجب الفرض، ولو كان الوتر فريضة لكانت عدة الصلاة المفروضات ستا، والسّتّ لا أوسط لها، ولا وسطى، وإنّما الوسط للإفراد، لأنّها تكون منها واسطة وحاشيتان متساويتان، كالخمس فإنّها اثنان في أحد الطّرفين، واثنان في الآخر، وواحد في الوسط، ويجوز أنّ يكون معنى الوسطى: العظمى والكبرى، يراد بذلك فضل محلّها، وزيادة ثوابها والله أعلم أيّ الوجهين هو المراد. وقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٤] يقول: حرمة الشّهر تجب على الفريقين في الكفّ عن
стр. 169
القتال لكنّ الكافر إذا اعتدى، فليس على المؤمن أن يقبض يده، ويلقي بها إلى التّهلكة، بل إذا قوتلوا في الأشهر الحرم كان مطلقا لهم، ومفروضا عليهم قتالهم فيها.
وقوله تعالى: الْحُرُماتُ قِصاصٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٤] معنى القصاص: أن تفعل بصاحبك مثل الذي هو فعل بك، فإذا قاتلت الكافر في الشّهر الحرام كما قاتلك فقد قاصعته وفعلت مثل فعله، وقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٤] معناه: جازوه جزاء الاعتداء، فسمّى الجزاء باسم الاعتداء، طلبا للمطابقة في اللّفظ، وإيذانا بأنّ الثّاني كالفرض المؤدّى، فالمواصلة فيه مرعية.
فصل [في ذكر العرب اسما تعلّق الأحداث بها فيخرجونها مخرج الصّفات والأفعال]
حكى الأصمعيّ أنّ العرب ربما تذكر اسما تعلّق الأحداث بها فيخرجونها مخرج الصّفات والأفعال منسوبة، ولشهرتها وظهور الفرض منها استجيز معها ما لم يستجز في غيرها، ولا يتقايس، فمن ذلك: لا آتيك مغرى الغرر، أي حتى يجتمع وذلك لا يكون أبدا ولا آتيك أبي هبيرة، قال: وأبو هبيرة هو سعد بن زيد مناة بن تميم، ولا آتيك هبيرة بن سعد، ولا آتيك القارظة الغزى، وقولهم: زمن الفطحل: أي حين كانت الحجارة رطبة قال:
لو أنني عمّرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل
كنت رهين هرم أو قتل جعل الموت حتف الأنف والقتل سواء، أو عام الفتق قال رؤبة: لم ترج رسلا بعد أعوام الفتق، يشيرون بذلك إلى زمن الخصب والخير كأنّ جلود الأكلة والرّاعية لسمنها فتقت فتقا، وكأنّ ظواهر الأرض وبطنانها فتقت بالنّبات، ويقال: آتيه قيظ عام أوّل، وما تركت من أبيه مغدا ولا مراحا ولا مغداة ولا مراحة، يعني من الشبّه به، وبعضهم يقول: ولا رواحا ولا رواحة ولا أكلّمك آخر المنون، وأخرى المنون، ولا أكلمه آخر ما خلقي، يريد آخر عمري أي ما بقيت.
وقال يعقوب: يقال: آخري ما خلقي، ومنهنّ أزمان الجنان، وهذا يشيرون به إلى الشر والآفات وأنشد:
فمن يك سائلا عنّي فإنّي ... من الفتيان أعوام الخنان
يقال: خنّ الرجل وهو مخنون: إذا ضاقت خياشيمه حتى يجيء كلامه غليظا لا يكاد يفهم، وقال جرير: وأكوي النّاظرين من الخنان، والخنان داء يعتري العين، وقال الخليل:
الخنان في الإبل كالزّكام في النّاس، وقال الدّريدي: زمن الخنان معروف، ولم أسمع من
стр. 170
علمائنا تفسير أو ذكر بعضهم أنّه يضرب بالخنان المثل في البلاء والشّدة، لأنّ البعير إذا خنّ كوي ناظراه، وهما عرقان. قال:
قليلة لحم النّاظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد
يصف امرأة وعلى هذا تفسير بيت جرير: وأكوي النّاظرين من الخنان: أي من داء الكبر، ويكون كقوله: يداوي به الصّاد الذي في النّواظر.
وذكر بعضهم: خنّ في الأكل: أسرف، ونحن في خنان من العيش، وسنة مخنة أي مخصبة، وقد أخنت، وعشب أخنّ أي ملتف. قال الشيخ: وهذا الذي فسّرناه أخيرا يصلح أن يصرف زمن الخنان إلى الخير والسّعة أيضا، إلا أنّ ما أنشده الأصمعيّ ورواه يدل على خلافه، وذكر بعضهم أنّ الخنان أصله أنّ رجلا من العرب غزا قوما في الجاهلية، فلما فرّق الغارة فيهم قال: خنوهم بالسّيوف، فشهر يومه بزمن الخنان، وفسّر خنوهم، على نذودهم.
واعلم أنّ القبائل مختلفة ولم أذكرها لقلّة فوائدها، وإن كان قطرب وغيره دوّنوها في كتبهم في الأزمنة وأسماء آلهتهم كيغوث ومناة ويعوق ونسر وهبل وما أشبهها، وذكر مطافهم ودورهم وما يتعلق بأيّامهم وأعيادهم وأسواقهم تجاوزتها لأنّ ما نعيد منها لا تحلّ به في موضعه من الكتاب وتطويل الكلام بما ليس من الموضوع في الأصل مرفوض في مصنّفاتنا.
стр. 171
الباب الحادي عشر في ذكر- سحر- وغدوة- وبكرة- وما أشبهها
والحين والقرن والآن وإيّان وأوان والحقبة والكلام في إذ وإذا وهما للزّمان وما أشبهها قال أبو العباس محمد بن يزيد: اعلم أنّ المعرفة إذا أخبر عنها بنكرة فإنها توجب فيها مثل ما يكون لها لو كانت معرفة بنفسها، وكذلك النكرة إذا أسند إليها معرفة، والذي جعلها على هذا كونها خبرا عن معرفة، ولو انفردت عنها لم يكن كذلك، يقول: زيد منطلق فالعلم أنّ المنطلق هو زيد جعله مختصا كزيد، ولو انفرد لكان شائعا، وعلى هذا ما يقرب من النّكرات بالصّفات وما يجري مجراها كقولك كان عند رجل من آل فلان، وويل لزيد، لذلك يستفاد منه ما يستفاد من المعارف، أو تقاربه، فعلى هذا ما سمعنا بقول: سير عليه عشية أو غدوة أو ضحوة وكلّ ذلك نكرة لا يكون واحد من أمته أولى به من الآخر، ولا يوم من الأيام أحقّ بتعلّقه به.
فإذا قلت: سير عليه يوم الجمعة عشية، أو ليلة الجمعة عتمة، وأنت تريد ذلك من يومك وليلتك، لم يكن عشية ولا عتمة وما كان مثلهما إلا نكرات في الأصل ولوصفك إيّاهنّ موضع المعرفة ضعفن وامتنعن الصّرف، فلم تكن إلّا ظروفا منصوبة بوقوع الفعل عليها، ولم يقمن مقام الفاعل، كما كان يجوز فيهنّ إذا قلت: سير عليه عشية من العشيّات، وضحوة من الضّحوات، لأن الظّروف إذا قوين في أبوابهنّ فعلن مفعولات على السّعة، وأقمن مقام الفاعل، ووضعن موضع الخبر مرفوعات، كقوله تعالى: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
[سورة طه، الآية: ٥٩] وكقولهم: أقمنا ثلاثا لا أذوقهنّ طعاما ولا شرابا، وسير به يوم الجمعة، وكقول لبيد شعرا:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
فعلى هذا يدور أمرهنّ، وإذا هنّ نكرات، أو كنّ معارف بأنفسهنّ فأما إذا وضعن وهنّ نكرات في موضع المعارف، فقد أزلن عن بابهن وعرفهنّ غيرهنّ فلم يجز أن يخرجن من
стр. 172
الظروف إلى غيرها إذ كنّ قد أزلن عن أصولها فإذا قلت: آتيك ضحوة يومك وعشاءه، لم يكن سبيله سبيل ما هو عام فيما وضع له، فلا يحصل به اختصاص، بل هو موضوع موضع الضّحوة بالعرف، فصار يجري مجرى المعهود للمخاطب، أو المضاف نحو قولك: ضحوة يومي وإذ كان كذلك بان الفرق بين الموضعين، لأنّ حكم اسم الجنس أن يكون شائعا في الأصل.
ثم يحصل التّعريف فيه بوجه من الوجوه المعروفة وقولهم: عتمة مصدر مثل الغلبة ومعناه الإبطاء والتأخّر قال:
يذكّرني ابني السّماكان موهنا ... إذا طلعا خلف النّجوم العواتم
إلا أنّه يستعمل ظرفا كما استعمل غيره من المصادر ظرفا، كخفوق النّجم، وخلافة فلان، وغير ظرف أيضا يقول: سير عليه عتمة فينتصب انتصاب اليوم والليلة ويجوز أن يسند إليه الفعل، فيقال: سير عليه عتمة من العتمات، فيدخل الألف واللام وقد يلزم الظرفية فلا ينتقل وذلك إذا أردت به عتمة ليلة، هذا مذهب سيبويه وكان الأخفش يقول: ضحوة وعتمة إذا كان في يومك لرفعهما أيضا، حتى أخذ العرب تمنع منه.
فأما غدوة فإنّه اسم مشتقّ من قولك: غداة، فلقّب به الوقت، فصار علما له كما وضع زيد علما للرجل، فلذلك منع الصّرف، إذا قلت سيّرته غدوة، لأنه معرفة، وجاز فيه ما جاز في يوم الجمعة وأشباهه، لأنّه معرف من جهة التّعريف، يقول: سير بزيد غدوة وإن شئت نصبت على أصل الظّرف، ويكره فيها مثل ذلك إذا حملتها على غدوة، لأنّ المعنى واحد، وإن أردت أن تجعلها كعشية وضحوة، فجيّد، وإنّما جعلوها معرفة تشبيها بما كان في معناها وهي غدوة، لأنّها غيّرت بالتّعريف كما غيّرت غدوة وامتنعت من الألف واللام، ونظير جعلهم نكرة بمنزلة غدوة، إذ كانت في معناها رفع الاسم ونصبهم بها الخبر وإجراءها مجرى ليس، إذ كانت في معنى ليس وإن ثبت تركها غير مشبهة فرفعت ما بعدها، وكذلك قولك: ودع يدع إنمّا كان الكسر نحو يعد ويزن، ولكن تعيّن فتحها وأجريت يذر مجراها لأنّها في معناها ولأنّ الفتحة أخفّ ولهذه نظائر.
فإن قلت: قد قرأ أبو رجاء المطاردي بالغدوة والعشي، فجعلها شائعة كما تقول:
جاءني زيد وزيد، تريد جماعة اسم كلّ واحد منهم، فيقول المجيب: ومن الزيّد الأوّل والزّيد الآخر. وهذا الزّيد أشرف من ذاك الزّيد، وعلى ذلك كانت تثنية المعرفة وجمعها إذا كانت غير مضافة يخرجها إلى النّكرة، لأنّ كلّ واحد يصير مرامه لكلّ واحد منها مثل اسمه، وتضيف زيدا وما أشبهه كما تضيف النّكرة لأنّه يصير معرفة بما أضيف إليه، كما قال الشّاعر:
стр. 173
علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم ... بأبيض من ظامي الحد يديمان
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنّما ... أقادكم السّلطان بعد زمان
وأمّا قوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[سورة مريم، الآية: ٦٢] فإنّ ذلك نكرة ليس يريد كل بكرة وكلّ عشية، وإنّما تأويله والله أعلم: أنّ الجنة لا ليل فيها يفضي إلى نهار، ولا نهار يتّصل بليل، ولا شمس، ولا قمر إنّما هو في مثل مقادير العادة في الدّنيا.
وعلى هذا جاء الحديث: «نهار الجنة سجسج» : إنّما المعنى أنه أبدا كالنّهار وقوله:
سجسج أي معتدل لا برد فيه ولا حرّ. فإن قلت: كيف جاز أن يصير ما حكمه أن يكون شائعا فيما يصلح له مختصا ببعضه، حتّى زعمت في هذه الأسماء ما زعمت. قلت: ذلك لا يمتنع في عادتهم وطرقهم، ألا ترى أنّ قولهم: ابن عباس يختصّ بعبد الله حتى لا يعلم منه غيره، وإن للعباس أولادا دون عبد الله، وكذلك قولهم: ابن الزبير اختصّ به عبد الله فيما استمرّ من العادة.
فأما سحر: فإنّك تقول: سير عليه سحر، فلا ينصرف ولا يتصرّف إذا أردت سحر يومك، ومعنى لا يتصرّف لا يتمكّن تمكن أسماء الأزمان في أبوابها. ومعنى لا ينصرف: لا يدخله الجر والتنوين. فأن أردت سحرا من الأسحار وهو في موضعه نكرة، فلا مانع له من الصّرف والتمكّن، ونقول: إنّ سحرا جزء من آخر اللّيل، وفي سحر وقع الأمر. وقال الله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ
[سورة القمر، الآية: ٣٤] وعلى هذا إن أدخلت الألف واللّام تقول: سير به السّحر المعروف، وإنما منع الصّرف حين قلت: آتيك سحر، وأنتظر سحر لأنه معدول عمّا فيه الألف واللّام.
وكان شيخنا أبو علي الفارسي يختار أن يقال: إنّه معدول عن أحوال نظائره ألا ترى أنّ أخواته إذا عرفت جاءت بالألف واللّام فهو جار مجرى أخر، وجمع في العدل وإن كان أخر نكرة وسحر وجمع معرفتان، وقد بيّنا الكلام فيه فيما يجري ولا يجري، وإنّما لم ينصرف لأنه بلفظ النّكرة موضوع موضع المعارف من غير أن جعل علما، فهو مناسب لضحوة وعتمة إذا جعلا من يومك الذي أنت فيه.
قال أبو علي الفارسي: دخول الألف واللّام في عتمة إذا أردت عتمة ليلة لا أعلمه استعملت الكلمة بهما. وسيبويه لم يذكره ولا يجوز حمله على ضحوة وغدوة وبكرة قياسا كما يقوله الأخفش، فيرفع وينصب. قال: ويقوّي ما ذهب إليه سيبويه من أنّ عتمة لا يستعمل إلا ظرفا إذا أردت به عتمة ليلتك، أنّ ما أشبهها من الظّروف لم يستعمل إلا ظروفا.
فمن ذلك: سير عليه ضحى وصباحا ومساء وعشية وعشاء، إذا أردت بجميعها ما ليومك وليلتك، وكذلك سير عليه ليلا ونهارا، أشبه بالمصادر وقد جعلت ظروفا.
стр. 174
فإن قيل: إنّ ضحى إذا أريد به ضحى يومه مثل عتمة، وقد دخله لام التّعريف في قوله: أبصرته في الضّحى يرمي الصّعيد به.
وفي قوله: نؤوم الضّحى قلت: إنّ هذا قد خرج من أن يكون ظرفا لمكان الإضافة إليه، ودخول حرف الجر عليه فاعلمه، فإن قيل: لم خصّ بعض أسماء أوائل النّهار بأن جعل علما وبعضها بأن جعل معدولا من دون أسماء أجزائه الباقية؟ قلت: لمّا كانت المواعد والحاجات استمرّت العادة في أنّها أكثر ما تعلق تعلق بأوائل النّهار دون أوساطه وأواخره.
وكثر الاستعمال فيها لذلك استيجز فيها ما لم يستجز في غيرها من التّغيرات، يشهد لهذا أنّهم أقاموا مقام الأزمنة ما ليس منها، وذلك كالمصادر نحو خفوق النّجم، وخلافة فلان، وكصفات الزّمان نحو: قليل وكثير وقديم وحديث. وهذا ما حضر في قولهم سحر وغدوة وبكرة ونظائرها وفيه كفاية.
فصل في المحدود من الزّمان وغير المحدود
قال أبو عمرو وغيره: الزّمان ستة أشهر، والحين ستة أشهر، قال الله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
[سورة إبراهيم، الآية: ٢٥] وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: الزّمان عندهم أربعة أشهر ويقال: شيء مزمن أي أتى عليه زمان، وكان الزّمانية فيه لامتدادها.
وقال ابن الأعرابي: يقال من الزّمان زمنة، وزمن ومن الزّمانة أيضا يقال: به زمنة وزمن، ويقال: لقيته في الزّمن بين الزّمنين، ألا تراه قد حدّ للّقاء وقتا، وللفراق وقتين، وكلّ قريب، ويقال: لقيته زامت الزّمين أي ساعة في مدة من الدّهر يسيرة. وقال غيرهم: الحين الوقت في كلّ عدد، والملا غير مهموز مثله، ويقال: الحين سبع سنين، واحتجّ بقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
[سورة يوسف، الآية: ٣٥] وقيل هو أربعون سنة لقوله تعالى:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
[سورة الإنسان، الآية: ١] وذاك أنّه روي في الخبر أن آدم ﵇ أتى عليه بعد خلق الله إيّاه وهو طين أربعون سنة ثم نفخ فيه ولم يدر ما هو.
وقيل: الحين ثلاثة أيّام لقوله تعالى: إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ
[سورة الذّاريات، الآية: ٤٣] فكان فيما روى ذلك القدر. وقال آخرون: ثلاث مرّات في اليوم لأنّه تعالى قال:
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٧] إلى وحِينَ تُظْهِرُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٨] قالوا: وهذا يقتضي أن يكون في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
[سورة النّحل، الآية: ٦] غدوة وعشية قال الشيخ: المحصّل الصّحيح أنّ قولهم: الحين لما يتطاول من الزّمان ويتقاصر ويكون محدودا أو غير محدود.
стр. 175
وقد حكي عن أبي زيد وأبي عبيدة ويونس أن (الدّهر) و (الزّمان) و (الزّمن) و (الحين) يقع على محدود، وعلى عمر الدّنيا من أوّلها إلى آخرها. قال الأعشى شعرا:
لعمرك ما طول هذا الزّمن ... على المرء إلّا عناء معن
يريد به الوقت الممتد وقيل في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
[سورة ص، الآية: ٨٨] أراد يوم بدر وقيل: أريد به القيامة. وجميع ما حكيناه عند الفحص يدلّ على أنّ المراد به تبع لمقصود المتكلّمين. فإذا قال: لم ألقك منذ حين وهو يريد تبعيد الوقت، علم ذلك بالحال أو القرينة، وكذلك لو قال: أعطيك حقّك بعد حين، وأراد: تقريب الوقت.
وإذا حلف الحالف على حين، فإن كان من أهل المعرفة بالحين أخذ بقوله، وإن لم يكن من أهلها حمله الإمام على أعرف الأوقات فيه عند العامة، واستظهرنا بعد الحالين في الوجود.
وقال شرقي الزّمن عندهم شهران- والزّمين شهر واحد. وقيل: الزّمان ستة أشهر- والزّمن أربعة أشهر- والزّمين شهران- والحرس كمال السّنة ما بين أولها إلى آخرها. وقال غيره: الحرس ما بين الحين إلى السنة. وقال الخليل: الحرس وقت من الدّهر دون الحقب.
قال شعرا:
وعمرت حرسا دون مجرى داحس ... لو كان للنّفس اللّجوج خلود
ويقال: شيء محروس، أي عليه حرس، ويقال: أحرس بالمكان، أقام حرسا. قال:
وعلم أحرس فوق عنز- والعنز أكمة صغيرة.
والبرهة عشر سنين. وقال الخليل للبرهة: حين من الدّهر طويل- والعصر عشرون سنة. وقيل: العصر لا يكون إلّا لما سلف. وقوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
[سورة العصر، الآية: ١، ٢] قال ابن الكلبي: هو الدّهر كلّه الماضي والمؤتنف، وقد قيل:
عصر وأعصر وعصور. قال: كر اللّيالي واختلاف الأحصر. وقال آخر: أبعصور من بعد تلك عصور، والعصران الغداة والعشيّ.
والأشدّ ثلاثون سنة، وقيل: هو لما بين ثلاث وثلاثين إلى تسع وثلاثين. قال الشيخ:
تحقيقه بلوغ نهاية القوّة والشّباب. واختلف في بنائه، فمنهم من يقول: هو جمع وواحدة شد ومثله ضب واضب. ومنهم من يقول هو واحد ومثله من الأبنية قولهم آنك وهو الأسرب وقولهم آجر. وقال سيبويه: افعل ليس من أبنية الواحد. وهذان أعجبان عند أصحاب العربية.
والسبت من الدّهر ثلاث مائة سنة، وقال بعضهم: السبت أربعون سنة وأنشده:
стр. 176
وقد نرتعي سبتا ولسنا بحيرة ... محلّ الملوك تفدة فالمغاسلا
والحقبة من السّتين إلى الثمانين. وقال بعضهم: من السّبع إلى العشر. وقال الخليل:
الحقبة زمان من الدّهر لا وقت له والجمع الأحقاب. وقيل الحقب: السّنون واحدها حقب، والحقب: الدّهر والجمع الأحقاب. وقيل: في قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
[سورة النبأ، الآية: ٢٣] واحدها الحقب ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم منها مقداره ألف سنة من سني الدّنيا. وذكر قطرب أنّ الحقب بلغة قيس مائة سنة.
والقرن من الثّمانين إلى المائة، وقالت طائفة منهم القرن ثلاثون سنة وقيل القرن أربعون سنة. وقال أبو عمرو غلام ثعلب: الصّحيح عندي أنّ القرن مائة سنة، وذاك أنّ النبيّ ﷺ مسح يده على رأس صبي وقال له: «عش قرنا» فعاش مائة سنة. وقد احتجوا أيضا بقوله ﵇: «خير النّاس قربي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وهذا يدل على أنّ القرن ثلاثون إلى الأربعين.
وقال ابن الأعرابي: الهنيد مائة سنة، والهند مائتا سنة والدهر ألف سنة. وقول الله تعالى: بِضْعَ سِنِينَ
[سورة يوسف، الآية: ٤٣] قيل: إنها سبعة. وقال أكثر أهل اللغة: إنّ البضع لما بين الثّلاثة إلى العشر. وحكي البضع بفتح الياء وقال المبّرد: هو ما بين العقدين إلى الواحد، وإنما جاز في الاثنين أيضا عنده لأنه جمع، وبضع اسم الجماعة المحظورة بالعقود. وقال أحمد بن يحيى: البضع من ثلاثة إلى سبعة وأكثره تسعة، ويقال: بضع عشر وبضعة عشر شهرا، وبضع وعشرون إلّا أنه مع العشرة أكثر وأصله من القطع، يقال: بضعة بضعا والمقطوع بضع، فهو مثل الطّحن والطّحن.
وذكر أبو عبيد الوقص ما زاد من السّنين على العشر، وإحدى عشرة وقص وكذلك المياه التي لا تورد بين المائين المورودين وقص قال والشّنق في الدّية خاصة، وقيل: الوقص والبضع اسمان للعدد فهما يستعملان في كلّ معدود وهذا هو الصّحيح.
والنّيف يجيء بعد العقود يقال: نيّف وعشرون، ونيّف وتسعون، ولا يقال: نيف وعشرة، ويجوز عشرة ونيف لأنه اسم لما يزيد على العقد ووزنه فيعل وأصله من ناف ينوف إذا ارتفع وأشرف وانبسط، ويقال: ناف النّفس ينوف نوفا إذا تحرّك ونسم بعد خفوضه وهموده. ويقال في الدّنف الحرض قد نافت له نفس ترجوه معه، وإذا حمحم الفرس للقضيم، قيل: ناف نوفا، ويقال: أناف على الشيء أي أشرف، نافه يناف. والنّوف السّنام لإشرافه والبطر لزيادته في ذلك الموضع والعلم قال شعرا:
يخبّ به العطّاف رافع نوفه ... له زفرات بالخميس العرمرم
الآن: فقد قال أبو العباس: يشار به إلى حاضر الوقت، وتلخيص هذا أنّه الزّمان الذي يقع فيه كلام المتكلم فهو آخر ما مضى وأول ما يأتي من الأزمنة، وهذا مراد قولهم:
الآن حد الزّمانين، والذي أوجب بناءه أنها وقعت في أوّل أحوالها بالألف واللام. وحكم الأسماء أن تكون منكورة شائعة في الجنس. ثم يدخل عليها ما يعرّفها من إضافة، وألف ولام فخالفت الآن سائر أخواتها من الأسماء، بأن وقعت معرفة في أوّل أحوالها، ولزمت موضعا واحدا كما تلزم الحروف مواضعها التي وقعت فيها في أوّليتها غير زائلة عنها، ولا نازحة منها واختيرت الفتحة لآخرها لخفّتها ولمشاركتها للألف التي قبله. وقال الفرّاء فيه قولان:
الأوّل: أنّ أصله أنّ الشيء يئين إذا أتى وقته، كقولك: آن لك أن تفعل كذا وإني لك، ثم أدخلوا الألف واللّام عليه، وإن كان فعلا كما يروى أنّه نهى النّبي ﷺ عن قيل وقال فعلان ماضيان وأدخل عن الجارة عليهما وتركا على ما كانا.
الثّاني: إنّ الأصل فيهما أوان، ثم حذف الواو فبقي آن، كما قالوا: رواح وراح، والكلام عليه قد مضى في غير هذا الموضع من كتبنا.
وقولهم أيّان فإنّه يقوم مقام متى، فهو يتضمّن معنى الألف وكان حكمه أن يكون ساكن الآخر، لكنّه حرّك لالتقاء السّاكنين، واختيرت الفتحة لخفّتها ولأنّ قبلها ياء مشدّدة، وهما بين الياء والنّون، ليس بحاجز حصين وهو الألف.
وحكى الكسائي أنّ أبا عبد الرّحمن السّلمي قرأ: أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
[سورة النّحل، الآية: ٢١] بكسر الألف.
وإبّان وأفان فهما معربان متمكّنان وتضيفها فتقول: جئت على إبّان فلان وإفاته أي في وقته، وتفردهما بنزع الجار منهما، فتقول: جئت إبّان ذلك وإفاته، وانتصابهما على الظّرف.
وأما قولهم أوان فمعناه الوقت ويجمع على آونة قال ابن أحمر شعرا:
يؤرّقنا أبو حنش وطلق ... وعمّار وآونة أنالا
وقد جاء مبينا منونا في قول الشاعر:
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
وإن كان متمكنا في جميع الكلام تقول: هذا أوان طيّب، وأدركت أوان فلان، قال أبو العباس: إنّما بني من قبل أنّ الأوان من أسماء الزّمان، وأسماء الزّمان قد تكون مضافات إلى الجمل، كقولك: هذا يوم يقوم زيد، وأتيتك زمن عمرو أمير. فإذا حذفت الجملة من
стр. 177
قولك أوان، وقد يضم معناها وهو في حكم المعرفة بها استحق البناء، ثم عوّضت منها التّنوين كما فعلت ذلك بقولك: حينئذ وساعتئذ وفارق قولك: أوان الغايات، لأن الغايات مضافة إلى المفردات في التقدير، وأوان مضافة إلى جملة فهو كاسم حذف بعضه وبقي بعضه وقد عوّض مما حذف فيه والغايات لم يؤت فيها بما يكون عوضا، ونيّة الإضافة فيه أقوى إذا كانت إلى المفرد لا إلى الجملة، واختيرت الكسرة في أوان لما بني لالتقاء السّاكنين.
وذكر بعض الكوفيين أنّ لات جارت لأوان بمنزلة حرف من حروف الخفض، ولو كان كذلك لفعل به مثل ذلك في قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
[سورة ص، الآية: ٣] .
وأما إذ وإذا فهما اسمان مبهمان. فإذ لما مضى وإذا للمستقبل، فهما كالأسماء النّاقصة المحتاجة إلى الصّلات، لأنّ الأسماء موضوعها أن تدلّ على مسمياتها في الأصل، فإذا صار بعضها لا يدلّ بنفسه على ما هو المطلوب منه واحتاج إلى ما يكشفه، ويوضح معناه حلّ بما بعده من تمامه محلّ الاسم الواحد، وصار هو بنفسه كبعض الاسم، وبعض الاسم مبنيّ. فإذ يوضح بالابتداء والخبر، والفعل والفاعل تقول: جئتك إذ قام زيد، وإذ زيد قام، وإذ يقوم زيد وإذ زيد يقوم، فإذا كان الفعل مستقبلا حسن تقديمه وتأخيره. وإذا كان ماضيا قبح التأخير، لا يقولون: جئتك إذ زيد قام، إلا مستكرها من قبل، أنّ إذ للماضي، فإذا كان في الكلام فعل ماض اختير إيلاؤه إيّاه لمطابقتهما ومشاكلة معناهما. وإذ عند أصحابنا اسم مضاف إلى موضع الجملة التي بعدها، ولا يجازي بها، لأنها مقصورة على وقت بعينه ماض.
وإذا من أسماء الزّمان أيضا ويقع بعدها الأفعال المستقبلة، وهي موضحة بما بعدها كما كانت إذ غير أنها لا يليها إلا الأفعال مظهرة كانت، أو مضمرة كقولك: أجيئك إذا قام زيد، يعني الوقت الذي يقوم فيه، وفيها معنى المجازاة فلذلك لا يقع بعدها إلا الأفعال.
فإذا رأيت الاسم بعدها مرفوعا فعلى تقدير فعل قبله، لأنّه لا يكون بعده الابتداء والخبر وإنّما لم يجازيها لأنّها تقع محدودة، والمجازاة معتودة على أنّها يجوز أن يكون وألّا يكون تقول أجيئك إذا احمرّ البسر، ولا يجوز أن تقول: إن احمر البسر، فلمّا كان إذا لوقت معلوم لم يجاز بها، وإن كان فيها معنى المجازاة، إلا أن يضطر شاعر قال الفرزدق:
ترفع لي خندق والله يرفعنا ... نار إذا ما خبت نار لهم تقد
ومعنى المجازاة: أنّ جوابها يقع عند الوقت الواقع كما يقع المجازاة عند وقوع الشّرط. ولإذا موضع آخر يكون فيه اسما لمكان وذاك من ظروفه وسيجيء الكلام فيه في الباب الذي يليه.
стр. 178
الباب الثّاني عشر في لفظ أمس- وغد- والحول- والسّنة- والعام- وما يتلو تلوه
ولفظ حيث- وما يتّصل به- والغايات- كقبل- وبعد- وذكر أول- وحينئذ- وقطّ- ومنذ- ومذ وإذ المكانية.
ومن عل يقال: اليوم ليومك الذي أنت فيه، وأمس لليوم الّذي يليه يومك الذي أنت فيه وقد مضى. وقال قطرب وغيره: يقول: رأيته أمس فتكسر، كما قالوا: قال الغراب:
غاق يا هذا في حكاية صوته، وتميم يرفعون أمس في موضع الرّفع فيقولون: ذهب أمس بما فيه فلا يصرفونه لما دخله من التّغيير وقال الرّاجز:
لقد رأيت عجبا مذأما ... عجائزا مثل السّعالى خمسا
فكأنّه ترك صرفه في لغة من جرّ بمذ. وقال عدي بن زيد:
أتعرف أمس من لميس طلل ... مثل الكتاب الدّارس المحول
قال الشيخ: اعلم أنّ أمس اسم معرفة لما مضى وشوهد. وغد بخلافه لأنه وإن كان اسما لليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه، ولم يجيء فهو نكرة. ومثلهما قطّ وأبدا لأن قط معرفة وأبدا نكرة، وفي بناء أمس طريقتان:
الأول: ما ذكره أبو العباس المبرّد وهو أنّ شرط الاسم أن يلزم مسمّاه، ولا سيّما ما كان معرفة ليكون علما باقيا له. وأمس ليس يلزم مسمّاه لأنه اسم لليوم الذي يليه يومك الذي أنت فيه وقد مضى، فكلّما مضى يومك انتقل لفظ أمس عمّا كانت له إلى ما كانت بعده، فلمّا كان كذلك أشبهه الحروف في أنّه لا لزوم لها وإنما ينقل إلى ما ينقل إليه كمن وفي وإلى، فيفيد معناها فيه فبني لذلك.
الثّاني: إنه كان حق تعريفه أن يكون بالألف واللّام ليؤدّي العهد فيه فلم يدخلا عليه، بل ضمن معناهما، والاسم إذا تضمّن معنى حرف، يجب أن يبنى، فهذا وجه بنائه فأمّا من
стр. 179
منعه الصّرف فإنه يجعله معدولا عمّا فيه الألف واللّام كأنّه لا يأتي بهما، وهو يريد معناهما في الاسم كما أنّ قولك: سحر كذلك وقد مضى القول فيه، فإن نكّرته وجعلته شائعا صرفته به وصرفته، فقلت: مضى أمس وكذلك إن أضفته أو أدخلت عليه ألفا ولاما، لأنّه يصير موقتا محدودا تقول: مضى أمسك، وكان أمسا أطيب من يومنا، ومضى الأمس.
فإن قال: ما بال غد لا يكون مبنيا قلت: أمس معرفة مشاهد معلوم، وغد ليس بمعلوم ولا مشاهد، لأنّه لم يأت قبيلهما سبيل قط المشدّدة وأبدا، لأنّ قطّ للقائل من لدن قوله أي ابتداء كونه فهو معلوم، يقول: ما رأيته قطّ، تحركت الطّاء الأخيرة لأنه لا يلتقي ساكنان ويضمها كما يضم آخر الغايات، وسنبين القول فيها كلّها، وإذا قلت: لا أكلمه أبدا، فالأبد مذ لدن تكلّمت إلى آخر عمرك، فهو غير معلوم، وجار على أصله الذي له وصار مصروفا منصرفا لم يعرض فيه ما يوجب تنيرا.
قال قطرب: وأظنه حكى عن الخليل أنّهم أرادوا بأمس حين حفظوا رأيته بالأمس، فحذفوا الباء والألف واللّام كما قالوا خير عافاك الله في جواب: كيف أصبحت؟ يريدون بخير، وكما قالوا: لاه أبوك الله أبوك. وقال ذو الأصبع شعرا:
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب ... دوني ولا أنت ديّاني فتجزوني
فحذف لام الإضافة ولام التّعريف وهذا تقوية لقول الخليل، ومثله قول الآخر:
طال النّواء وليس حين تقاطع ... لاه ابن عمّك والنّوى لعدوّ
انتهى كلامه. قال الشّيخ: هذا الذي حكاه لا يكون بناء بل يكون الحركة في أمس إعرابا كما أنّها في حين وفي لاه أبوك شاذ، فلا يجعل أصلا لغيره. قال قطرب: فإذا دخلت الألف واللّام في أمس، فبعض العرب ينصبه، ويقول: رأيته الأمس وبعضهم يخفضه كحاله قبل الألف واللّام، ويقول: رأيته بالأمس وقال نصيب شعرا:
وإنيّ حبست اليوم والأمس قبله ... ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب
انتهى كلامه.
قال الشيخ: الوجه في إدخال الألف واللام أن ينكّر أولا ثم يعرّف بهما، فأمّا من نصب بعد إدخال الألف واللّام فهو القياس، لأنّ الألف واللّام والتّنكير يرددان اللفظ إلى ما كان يجب عليه في الأصل.
وأما ما حكاه عن يونس أنّه سمع الكسر مع دخول الألف واللّام، فالمتكلّم بذلك يجب أن لا يكون قد اعتدّ بالألف واللّام، ولم ينكّر قبل دخولهما، وبقي الكسر إيذانا بفعله ذلك، ويكون هذا كقوله شعرا:
стр. 180
ولقد جنيتك أكمؤا وعاقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
فأدخل الألف واللّام على الأوبر وهو معرفة، لأنه لم يعتد بهما، أو يكون أجراه مجرى الخازباز وخمسة عشر وأخواته في العدد، لأنّ الألف واللّام لا يزيلان بناءهما ولا يردانهما إلى أصلهما، والأول أجود وأكثر نظيرا في الوجود. قال قطرب: وإذا جمعت أمس في القياس قلت: ثلاثة آماس، لأنه مثل فرخ وأفراخ، وفلس وأفلاس، وقال الرّاجز شعرا:
مرّت بنا أوّل من أموس ... تميس فيه مشية العروس
فجمعه على فعول مثل فروخ وفلوس، وقال بعض الأعراب:
مرّت بنا أول من أمسيه ... تجرّ في محفلها الرّجليه
فبنى أمس انتهت الحكاية. قال الشّيخ: الياء في أمسيه لبيان الحركة، وكذلك في الرّجليه، وكأنه أراد أوّل من أوّل من أمس فثنى أمس بدلا من تكرير أول، وهذا كما قال أبو العباس فيما حكى عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه. والمراد: اضرب اضرب فأتى بدل التّكرير بلفظ التثنية، فأما أوّل من قولك أول من أمس فهو صفة كان المراد به يوما أوّل من أمس، وقالوا: بعد غد، ولم يقولوا: قبل أمس، فكان أول بدل قبل، وبعد غد في موضع الصّفة أيضا.
قال قطرب: فإن أضفته فإنّ بعضهم يجرّه كحاله قبل أن تضيف، كما كأن ذلك في الألف واللّام. قال الشيخ: الوجه في أمس إذا أضيف أن يعرب ويصرف كما قلناه في الألف واللّام، فأما من بناه مع الإضافة فإنّه شبهه بخازباز وخمسة عشر وأخواته، لأنها بنيت، وإن أضيفت، ورجوع أمس في التّنكير إلى أصله هو الّذي يدل على مخالفته لباب خازباز وخمسة عشر وأخواته. وقد قال قطرب في أمس: إذا جعلته نكرة فإنه يجري فيه الإعراب وكل ما يرده التنكير إلى أصله تردّه الإضافة والألف واللّام إلى أصله، وخمسة عشر وأخواته بنيت نكرات، وإن كان كذلك كان الضّعف والبعد في بناء أمس عند الإضافة ومع الألف واللام ظاهرين فاعلمه، وتقول: آتيك غدا أو شيّعه، وآتيك الجمعة أو شيّعه والمراد اليوم الذي يليه. قال عمر بن أبي ربيعة شعرا:
قال الحبيب غدا يفرّقنا ... أو شيعه أفلا تودّعنا؟!
فكان هذا من الاتباع، وفي الحديث: شاعه أبو بكر أي اتّبعه، فيقال على هذا النّبي ﷺ وشيّعه، أي مصدّقه وصاحبه ومن هذا الشّيعة.
وقال ابن الأعرابي: يقع الشيعة على كل من أحبّ وصدّق وحضّ على الاتباع أو حرّض تأخر عن المتبوع أو تقدم عليه. ألا ترى قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ
[سورة الصّافات، الآية: ٨٣] يعني من شيعة محمد ﷺ فأما قوله:
следующие страницы →