← Адаб

Адаб · id 11469

الأزمنة والأمكنة

المرزوقي

Полный текст (562 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد نرتعي سبتا ولسنا بحيرة ... محلّ الملوك تفدة فالمغاسلا والحقبة من السّتين إلى الثمانين. وقال بعضهم: من السّبع إلى العشر. وقال الخليل: الحقبة زمان من الدّهر لا وقت له والجمع الأحقاب. وقيل الحقب: السّنون واحدها حقب، والحقب: الدّهر والجمع الأحقاب. وقيل: في قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [سورة النبأ، الآية: ٢٣] واحدها الحقب ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم منها مقداره ألف سنة من سني الدّنيا. وذكر قطرب أنّ الحقب بلغة قيس مائة سنة. والقرن من الثّمانين إلى المائة، وقالت طائفة منهم القرن ثلاثون سنة وقيل القرن أربعون سنة. وقال أبو عمرو غلام ثعلب: الصّحيح عندي أنّ القرن مائة سنة، وذاك أنّ النبيّ ﷺ مسح يده على رأس صبي وقال له: «عش قرنا» فعاش مائة سنة. وقد احتجوا أيضا بقوله ﵇: «خير النّاس قربي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وهذا يدل على أنّ القرن ثلاثون إلى الأربعين. وقال ابن الأعرابي: الهنيد مائة سنة، والهند مائتا سنة والدهر ألف سنة. وقول الله تعالى: بِضْعَ سِنِينَ [سورة يوسف، الآية: ٤٣] قيل: إنها سبعة. وقال أكثر أهل اللغة: إنّ البضع لما بين الثّلاثة إلى العشر. وحكي البضع بفتح الياء وقال المبّرد: هو ما بين العقدين إلى الواحد، وإنما جاز في الاثنين أيضا عنده لأنه جمع، وبضع اسم الجماعة المحظورة بالعقود. وقال أحمد بن يحيى: البضع من ثلاثة إلى سبعة وأكثره تسعة، ويقال: بضع عشر وبضعة عشر شهرا، وبضع وعشرون إلّا أنه مع العشرة أكثر وأصله من القطع، يقال: بضعة بضعا والمقطوع بضع، فهو مثل الطّحن والطّحن. وذكر أبو عبيد الوقص ما زاد من السّنين على العشر، وإحدى عشرة وقص وكذلك المياه التي لا تورد بين المائين المورودين وقص قال والشّنق في الدّية خاصة، وقيل: الوقص والبضع اسمان للعدد فهما يستعملان في كلّ معدود وهذا هو الصّحيح. والنّيف يجيء بعد العقود يقال: نيّف وعشرون، ونيّف وتسعون، ولا يقال: نيف وعشرة، ويجوز عشرة ونيف لأنه اسم لما يزيد على العقد ووزنه فيعل وأصله من ناف ينوف إذا ارتفع وأشرف وانبسط، ويقال: ناف النّفس ينوف نوفا إذا تحرّك ونسم بعد خفوضه وهموده. ويقال في الدّنف الحرض قد نافت له نفس ترجوه معه، وإذا حمحم الفرس للقضيم، قيل: ناف نوفا، ويقال: أناف على الشيء أي أشرف، نافه يناف. والنّوف السّنام لإشرافه والبطر لزيادته في ذلك الموضع والعلم قال شعرا: يخبّ به العطّاف رافع نوفه ... له زفرات بالخميس العرمرم الآن: فقد قال أبو العباس: يشار به إلى حاضر الوقت، وتلخيص هذا أنّه الزّمان الذي يقع فيه كلام المتكلم فهو آخر ما مضى وأول ما يأتي من الأزمنة، وهذا مراد قولهم: الآن حد الزّمانين، والذي أوجب بناءه أنها وقعت في أوّل أحوالها بالألف واللام. وحكم الأسماء أن تكون منكورة شائعة في الجنس. ثم يدخل عليها ما يعرّفها من إضافة، وألف ولام فخالفت الآن سائر أخواتها من الأسماء، بأن وقعت معرفة في أوّل أحوالها، ولزمت موضعا واحدا كما تلزم الحروف مواضعها التي وقعت فيها في أوّليتها غير زائلة عنها، ولا نازحة منها واختيرت الفتحة لآخرها لخفّتها ولمشاركتها للألف التي قبله. وقال الفرّاء فيه قولان: الأوّل: أنّ أصله أنّ الشيء يئين إذا أتى وقته، كقولك: آن لك أن تفعل كذا وإني لك، ثم أدخلوا الألف واللّام عليه، وإن كان فعلا كما يروى أنّه نهى النّبي ﷺ عن قيل وقال فعلان ماضيان وأدخل عن الجارة عليهما وتركا على ما كانا. الثّاني: إنّ الأصل فيهما أوان، ثم حذف الواو فبقي آن، كما قالوا: رواح وراح، والكلام عليه قد مضى في غير هذا الموضع من كتبنا. وقولهم أيّان فإنّه يقوم مقام متى، فهو يتضمّن معنى الألف وكان حكمه أن يكون ساكن الآخر، لكنّه حرّك لالتقاء السّاكنين، واختيرت الفتحة لخفّتها ولأنّ قبلها ياء مشدّدة، وهما بين الياء والنّون، ليس بحاجز حصين وهو الألف. وحكى الكسائي أنّ أبا عبد الرّحمن السّلمي قرأ: أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [سورة النّحل، الآية: ٢١] بكسر الألف. وإبّان وأفان فهما معربان متمكّنان وتضيفها فتقول: جئت على إبّان فلان وإفاته أي في وقته، وتفردهما بنزع الجار منهما، فتقول: جئت إبّان ذلك وإفاته، وانتصابهما على الظّرف. وأما قولهم أوان فمعناه الوقت ويجمع على آونة قال ابن أحمر شعرا: يؤرّقنا أبو حنش وطلق ... وعمّار وآونة أنالا وقد جاء مبينا منونا في قول الشاعر: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء وإن كان متمكنا في جميع الكلام تقول: هذا أوان طيّب، وأدركت أوان فلان، قال أبو العباس: إنّما بني من قبل أنّ الأوان من أسماء الزّمان، وأسماء الزّمان قد تكون مضافات إلى الجمل، كقولك: هذا يوم يقوم زيد، وأتيتك زمن عمرو أمير. فإذا حذفت الجملة من

стр. 177

قولك أوان، وقد يضم معناها وهو في حكم المعرفة بها استحق البناء، ثم عوّضت منها التّنوين كما فعلت ذلك بقولك: حينئذ وساعتئذ وفارق قولك: أوان الغايات، لأن الغايات مضافة إلى المفردات في التقدير، وأوان مضافة إلى جملة فهو كاسم حذف بعضه وبقي بعضه وقد عوّض مما حذف فيه والغايات لم يؤت فيها بما يكون عوضا، ونيّة الإضافة فيه أقوى إذا كانت إلى المفرد لا إلى الجملة، واختيرت الكسرة في أوان لما بني لالتقاء السّاكنين. وذكر بعض الكوفيين أنّ لات جارت لأوان بمنزلة حرف من حروف الخفض، ولو كان كذلك لفعل به مثل ذلك في قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [سورة ص، الآية: ٣] . وأما إذ وإذا فهما اسمان مبهمان. فإذ لما مضى وإذا للمستقبل، فهما كالأسماء النّاقصة المحتاجة إلى الصّلات، لأنّ الأسماء موضوعها أن تدلّ على مسمياتها في الأصل، فإذا صار بعضها لا يدلّ بنفسه على ما هو المطلوب منه واحتاج إلى ما يكشفه، ويوضح معناه حلّ بما بعده من تمامه محلّ الاسم الواحد، وصار هو بنفسه كبعض الاسم، وبعض الاسم مبنيّ. فإذ يوضح بالابتداء والخبر، والفعل والفاعل تقول: جئتك إذ قام زيد، وإذ زيد قام، وإذ يقوم زيد وإذ زيد يقوم، فإذا كان الفعل مستقبلا حسن تقديمه وتأخيره. وإذا كان ماضيا قبح التأخير، لا يقولون: جئتك إذ زيد قام، إلا مستكرها من قبل، أنّ إذ للماضي، فإذا كان في الكلام فعل ماض اختير إيلاؤه إيّاه لمطابقتهما ومشاكلة معناهما. وإذ عند أصحابنا اسم مضاف إلى موضع الجملة التي بعدها، ولا يجازي بها، لأنها مقصورة على وقت بعينه ماض. وإذا من أسماء الزّمان أيضا ويقع بعدها الأفعال المستقبلة، وهي موضحة بما بعدها كما كانت إذ غير أنها لا يليها إلا الأفعال مظهرة كانت، أو مضمرة كقولك: أجيئك إذا قام زيد، يعني الوقت الذي يقوم فيه، وفيها معنى المجازاة فلذلك لا يقع بعدها إلا الأفعال. فإذا رأيت الاسم بعدها مرفوعا فعلى تقدير فعل قبله، لأنّه لا يكون بعده الابتداء والخبر وإنّما لم يجازيها لأنّها تقع محدودة، والمجازاة معتودة على أنّها يجوز أن يكون وألّا يكون تقول أجيئك إذا احمرّ البسر، ولا يجوز أن تقول: إن احمر البسر، فلمّا كان إذا لوقت معلوم لم يجاز بها، وإن كان فيها معنى المجازاة، إلا أن يضطر شاعر قال الفرزدق: ترفع لي خندق والله يرفعنا ... نار إذا ما خبت نار لهم تقد ومعنى المجازاة: أنّ جوابها يقع عند الوقت الواقع كما يقع المجازاة عند وقوع الشّرط. ولإذا موضع آخر يكون فيه اسما لمكان وذاك من ظروفه وسيجيء الكلام فيه في الباب الذي يليه.

стр. 178

الباب الثّاني عشر في لفظ أمس- وغد- والحول- والسّنة- والعام- وما يتلو تلوه ولفظ حيث- وما يتّصل به- والغايات- كقبل- وبعد- وذكر أول- وحينئذ- وقطّ- ومنذ- ومذ وإذ المكانية. ومن عل يقال: اليوم ليومك الذي أنت فيه، وأمس لليوم الّذي يليه يومك الذي أنت فيه وقد مضى. وقال قطرب وغيره: يقول: رأيته أمس فتكسر، كما قالوا: قال الغراب: غاق يا هذا في حكاية صوته، وتميم يرفعون أمس في موضع الرّفع فيقولون: ذهب أمس بما فيه فلا يصرفونه لما دخله من التّغيير وقال الرّاجز: لقد رأيت عجبا مذأما ... عجائزا مثل السّعالى خمسا فكأنّه ترك صرفه في لغة من جرّ بمذ. وقال عدي بن زيد: أتعرف أمس من لميس طلل ... مثل الكتاب الدّارس المحول قال الشيخ: اعلم أنّ أمس اسم معرفة لما مضى وشوهد. وغد بخلافه لأنه وإن كان اسما لليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه، ولم يجيء فهو نكرة. ومثلهما قطّ وأبدا لأن قط معرفة وأبدا نكرة، وفي بناء أمس طريقتان: الأول: ما ذكره أبو العباس المبرّد وهو أنّ شرط الاسم أن يلزم مسمّاه، ولا سيّما ما كان معرفة ليكون علما باقيا له. وأمس ليس يلزم مسمّاه لأنه اسم لليوم الذي يليه يومك الذي أنت فيه وقد مضى، فكلّما مضى يومك انتقل لفظ أمس عمّا كانت له إلى ما كانت بعده، فلمّا كان كذلك أشبهه الحروف في أنّه لا لزوم لها وإنما ينقل إلى ما ينقل إليه كمن وفي وإلى، فيفيد معناها فيه فبني لذلك. الثّاني: إنه كان حق تعريفه أن يكون بالألف واللّام ليؤدّي العهد فيه فلم يدخلا عليه، بل ضمن معناهما، والاسم إذا تضمّن معنى حرف، يجب أن يبنى، فهذا وجه بنائه فأمّا من

стр. 179

منعه الصّرف فإنه يجعله معدولا عمّا فيه الألف واللّام كأنّه لا يأتي بهما، وهو يريد معناهما في الاسم كما أنّ قولك: سحر كذلك وقد مضى القول فيه، فإن نكّرته وجعلته شائعا صرفته به وصرفته، فقلت: مضى أمس وكذلك إن أضفته أو أدخلت عليه ألفا ولاما، لأنّه يصير موقتا محدودا تقول: مضى أمسك، وكان أمسا أطيب من يومنا، ومضى الأمس. فإن قال: ما بال غد لا يكون مبنيا قلت: أمس معرفة مشاهد معلوم، وغد ليس بمعلوم ولا مشاهد، لأنّه لم يأت قبيلهما سبيل قط المشدّدة وأبدا، لأنّ قطّ للقائل من لدن قوله أي ابتداء كونه فهو معلوم، يقول: ما رأيته قطّ، تحركت الطّاء الأخيرة لأنه لا يلتقي ساكنان ويضمها كما يضم آخر الغايات، وسنبين القول فيها كلّها، وإذا قلت: لا أكلمه أبدا، فالأبد مذ لدن تكلّمت إلى آخر عمرك، فهو غير معلوم، وجار على أصله الذي له وصار مصروفا منصرفا لم يعرض فيه ما يوجب تنيرا. قال قطرب: وأظنه حكى عن الخليل أنّهم أرادوا بأمس حين حفظوا رأيته بالأمس، فحذفوا الباء والألف واللّام كما قالوا خير عافاك الله في جواب: كيف أصبحت؟ يريدون بخير، وكما قالوا: لاه أبوك الله أبوك. وقال ذو الأصبع شعرا: لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب ... دوني ولا أنت ديّاني فتجزوني فحذف لام الإضافة ولام التّعريف وهذا تقوية لقول الخليل، ومثله قول الآخر: طال النّواء وليس حين تقاطع ... لاه ابن عمّك والنّوى لعدوّ انتهى كلامه. قال الشّيخ: هذا الذي حكاه لا يكون بناء بل يكون الحركة في أمس إعرابا كما أنّها في حين وفي لاه أبوك شاذ، فلا يجعل أصلا لغيره. قال قطرب: فإذا دخلت الألف واللّام في أمس، فبعض العرب ينصبه، ويقول: رأيته الأمس وبعضهم يخفضه كحاله قبل الألف واللّام، ويقول: رأيته بالأمس وقال نصيب شعرا: وإنيّ حبست اليوم والأمس قبله ... ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب انتهى كلامه. قال الشيخ: الوجه في إدخال الألف واللام أن ينكّر أولا ثم يعرّف بهما، فأمّا من نصب بعد إدخال الألف واللّام فهو القياس، لأنّ الألف واللّام والتّنكير يرددان اللفظ إلى ما كان يجب عليه في الأصل. وأما ما حكاه عن يونس أنّه سمع الكسر مع دخول الألف واللّام، فالمتكلّم بذلك يجب أن لا يكون قد اعتدّ بالألف واللّام، ولم ينكّر قبل دخولهما، وبقي الكسر إيذانا بفعله ذلك، ويكون هذا كقوله شعرا:

стр. 180

ولقد جنيتك أكمؤا وعاقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر فأدخل الألف واللّام على الأوبر وهو معرفة، لأنه لم يعتد بهما، أو يكون أجراه مجرى الخازباز وخمسة عشر وأخواته في العدد، لأنّ الألف واللّام لا يزيلان بناءهما ولا يردانهما إلى أصلهما، والأول أجود وأكثر نظيرا في الوجود. قال قطرب: وإذا جمعت أمس في القياس قلت: ثلاثة آماس، لأنه مثل فرخ وأفراخ، وفلس وأفلاس، وقال الرّاجز شعرا: مرّت بنا أوّل من أموس ... تميس فيه مشية العروس فجمعه على فعول مثل فروخ وفلوس، وقال بعض الأعراب: مرّت بنا أول من أمسيه ... تجرّ في محفلها الرّجليه فبنى أمس انتهت الحكاية. قال الشّيخ: الياء في أمسيه لبيان الحركة، وكذلك في الرّجليه، وكأنه أراد أوّل من أوّل من أمس فثنى أمس بدلا من تكرير أول، وهذا كما قال أبو العباس فيما حكى عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه. والمراد: اضرب اضرب فأتى بدل التّكرير بلفظ التثنية، فأما أوّل من قولك أول من أمس فهو صفة كان المراد به يوما أوّل من أمس، وقالوا: بعد غد، ولم يقولوا: قبل أمس، فكان أول بدل قبل، وبعد غد في موضع الصّفة أيضا. قال قطرب: فإن أضفته فإنّ بعضهم يجرّه كحاله قبل أن تضيف، كما كأن ذلك في الألف واللّام. قال الشيخ: الوجه في أمس إذا أضيف أن يعرب ويصرف كما قلناه في الألف واللّام، فأما من بناه مع الإضافة فإنّه شبهه بخازباز وخمسة عشر وأخواته، لأنها بنيت، وإن أضيفت، ورجوع أمس في التّنكير إلى أصله هو الّذي يدل على مخالفته لباب خازباز وخمسة عشر وأخواته. وقد قال قطرب في أمس: إذا جعلته نكرة فإنه يجري فيه الإعراب وكل ما يرده التنكير إلى أصله تردّه الإضافة والألف واللّام إلى أصله، وخمسة عشر وأخواته بنيت نكرات، وإن كان كذلك كان الضّعف والبعد في بناء أمس عند الإضافة ومع الألف واللام ظاهرين فاعلمه، وتقول: آتيك غدا أو شيّعه، وآتيك الجمعة أو شيّعه والمراد اليوم الذي يليه. قال عمر بن أبي ربيعة شعرا: قال الحبيب غدا يفرّقنا ... أو شيعه أفلا تودّعنا؟! فكان هذا من الاتباع، وفي الحديث: شاعه أبو بكر أي اتّبعه، فيقال على هذا النّبي ﷺ وشيّعه، أي مصدّقه وصاحبه ومن هذا الشّيعة. وقال ابن الأعرابي: يقع الشيعة على كل من أحبّ وصدّق وحضّ على الاتباع أو حرّض تأخر عن المتبوع أو تقدم عليه. ألا ترى قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ [سورة الصّافات، الآية: ٨٣] يعني من شيعة محمد ﷺ فأما قوله:

стр. 181

كأن أمسيا به من أمس ... يصفرّ ليس اصفرار الورس فإنّه يعني عرق الإبل، وهو يصفّر إذا يبس ومعنى أمسيا به: يريد عرقا ظهر منذ ثلاثة أيام، ومعنى من أمس: منذ، كما قال: أقوين من حجج ومن دهر وعرق الخيل إذا يبس ابيضّ. قال بشر: تراها من يبس الماء شهبا ... مخالط درّه فيها اقورار والحول: السّنة بأسرها، وجمعه أحوال، وقد حال الحول يحول حولا وحؤلا واحتال الشيء وأحول: أتى عليه حوال أو أحوال، وأحال بالمكان: أقام فيه حولا، وقال الخليل: أرض مستحالة تركت أعواما من الزّراعة. والسّنة اسم لاثني عشر شهرا، وهو اسم منقوص والذّاهب منه في لغة كثير منهم الهاء، كان الأصل سنة، فحذف الهاء لمناسبتها لحروف المدّ واللّين وعلى هذه اللغة تصغر سنيهة، ويقال منه: هو يعمل مسانهة، كما يقال: معاومة ونخلة سنهاء: تحمل عاما وتحول عاما قال: ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السّنين الجوائح وفي لغة غير هؤلاء الذّاهب منه الواو، كان الأصل سنوة، فحذف الواو تخفيفا ثم جمعت على سنين جبرانا بالنقيصة لأنّ جمع السّلامة إذا حصل في غير النّاطقين ومن جرى مجراهم يكون للتّفخيم والتّعظيم، أو جبرا لنقص داخل على الاسم، والأسماء المنقوصة تجد الذّاهب منها في الأعم الأكثر الواو والياء لاستثقالهم إيّاهما، وكما يحذفونهما حذفا يعلّونهما بالقلب والإبدال، لأنّ كلّ ذلك يؤدّي إلى التّخفيف، وعلى ذلك هذه اللّغة يصغّر سنيّة وتجمع سنوات ويقال: هو يعمل مساناة، ويقال: أسنى القوم وهم مسنون: إذا أتت عليهم سنة، وقد جعل السّنة اسما للجدب، فيقال: أصابتهم السّنة، وجعل الفعل منه أسنت، فرقا بين هذا المعنى وغيره، يقال: أسنت القوم وهم مسنتون، وعلى هذا لغة من جعل لامه واوا دون اللّغة الأخرى، وهم يفعلون ذلك بما فيه لغتان ويقال أيضا: رجل سنت: أي قليل الخير، وقوم سنتون، والتّاء من أسنت هو بدل من الواو، وهذا كما فعلوا في بنت وأخت، ثم جعل البدل في أسنت لازما كأنّهم أرادوا أن يختصّ بالجدب، حتّى كأنّه وضع له، فلا مناسبة بينه وبين ما للوقت وهذا كما جعل البدل في قولهم: عيد، لازما، فقيل: عييد وأعياد في تصغيره وجمعه ولم يردّوه إلى أصله، وإن كان من عاد يعود لقصدهم إلى أن يختص بما يفيده بعد الإبدال العارض فيه كأنّه بناء آخر له وليس بمشتق. فأمّا قولهم: العام، فيقال منه: عاومت النّخلة إذا حملت سنة وحالت أخرى، وعنب معوم: كثر حمله سنة وقلّ أخرى. وفي الحديث نهى عن المعاومة، وهو: أن تبيع الزّرع

стр. 182

عامك بما يخرج من قابل، وهو أن يزيد على الدّين، ويؤخّر في الأجل، ويقال: أتيته ذات عويم: أي العام، ويقال: أعوام عوم وعام عايم على التّوكيد، كما يقال: شعر شاعر، وهو عامي إذا أتى عليه عام. قال العجّاج: من أن شجاك طلل عامي. فصل [في تعريف العام والسنة] قال قطرب: العام لما أنت فيه، وقابل للثّاني لأنّه يستقبلك، وجمعه قوابل وقباقب للعام الثّالث، ومقبقب للعام الرّابع. قال: وكان أبو عمرو بن العلاء يعرف مقبقبا في العام الرّابع، وجمعه القباقب بفتح أوّله، وهذا كما قيل: عذافر وعذافر وجوالق وجوالق، وأنشدنا أبو علي في قابل وهو من أبيات الكتاب: فقال: امكثي حتّى يسار لعلّنا ... نحجّ معا قالت أعاما وقابله؟ ومما يسأل عنه أن يقال: من أين جاز أن يقال عاما أوّل، ولا يوما أوّل، ولا سنة أولى. والجواب: أنّ قولهم عاما أوّل مما عمدوا فيه إلى تخصيصه بشيء لا يكون في غيره، اعتمادا على التّعارف، لأنّ المعنى: عاما أوّل من عامي، فلّما كانت الكلمة متداولة وكانت الحاجة إلى كثرة استعمالها ماسّة حذفوا وأوجزوا معتمدين على علم المخاطب، والنيّة الإتمام، ومثل هذا الاختصاص قولهم: اليوم فعلت كذا، جعلوه ليومك الذي أنت فيه، ولا يقولون: لقيته الشّهر، ولا السّنة، وقد قالوا أيضا: لقيته العام وإن كان العام بمعنى السّنة قال: يا أيّها العام الذي قد رابني ... أنت الغداء لذكر عام أوّلا فإن قيل: ولم احتجّ إلى من حتى قدرت في قولك: عاما أوّل أنّ أصله عاما أوّل من عامي. قلت: إنّما افتقر الكلام إلى من لأنّهم أرادوا أن يبيّنوا في أفعل ابتداء الزّيادة من أي شيء كان ليعرف حدّه ومبتدؤه. ألا ترى أنّ معنى قولك: زيد أفضل من عمرو أنّ ابتداء زيادة فضله من فضل عمرو، فهو حدّه. وأوّله، فكذلك قولهم: عاما أوّل فاعلمه. واعلم أنّ حيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة، بدلالة أنّه يقع على كل مكان، لا جهة من الجهات السّت إلّا ولإبهامه يقع عليها، واحتاج في الاستعمال إلى جملتين: جملة يضاف إليها، وجملة تفيد حدثا يقع فيه، كما أنّ حين يقع على كلّ زمان. ولذلك أضيف إلى الجمل الخبرية من الابتداء، والخبر والفعل والفاعل والشّرط والجزاء، كما فعل ذلك بإذ وأخواته- وإن كان ذلك خارجا من شروط الأمكنة، لأنّ المكان إذا جاء بهما حكمه أن يضاف إلى مفرد يخصّصه، فلمّا تناهى حيث في الإبهام لانتظامه جميع الجهات، ولم يضف إلى مستحقّه من مفرد يخصّصه بل أضيف إلى جملة، صار هو مضافا إليها في حكم المفرد

стр. 183

فأشبه الغايات من نحو: قبل وبعد وما أشبههما، لأنّها هي مفردة تضمّنت معنى المضاف إليه وهو معرفة فبنيت جميعا لذلك، إلّا أنّ الغايات وجب أن تبنى على حركة لأنها ممّا قد يتمكّن في غير هذا الموضع، فصارت لها مزيّة على ما لا يتمكّن البتّة، فبناؤها لما لها في أوّل أمرها وحيث وجب أن تبنى على سكون لعدمها تلك المزيّة، لكنّه حرّك آخره لالتقاء السّاكنين. وفي حيث لغات أربع: حيث وحيث وحوث وحوث، فالضّم لدخوله في شبه الغايات مما ذكرناه والفتح لخفّته. وحكى الكسائي عن بعضهم أنّهم يكسرون حيث فيقولون: من حيث لا يعلمون كسرة إعراب، ويمكن في هذا أن يقال فيه: إنّه شبّه باسم الزمان إذا أضيف إلى غير متمكّن، نحو من خزي يومئذ ويومئذ وعلى حين عاتبت وحين عاتبت. والغايات أصلها الظّروف وإعرابها في الأصل: للنّصب والجر، وكان تمامها بما كانت تضاف إليه، فأفردت عنه اعتمادا على علم المخاطب به وجعلت في نفسها غاية الكلام ونهايته، حتّى كأنّه لا افتقار فيه إلى غير هذا، وقد ضمّن معنى ما كان مضافا إليه ويصير به معرفة، والاسم إذا تضمّن معنى حرف فحقّه أن يبنى، وإنّما قلنا: ويصير به معرفة أنك لو نكّرته لأعرب وأجري على أصله، تقول: جئت قبلا وبعدا كما تقول: أولا وآخرا كما أنّك لو أضفته، فقلت: من قبل كذا، ومن بعد كذا لأعرب ولم يبن. وقال أبو العباس: يقول في الجملة: إنّ كلّ ما كان حقّه الإضافة فحذفت منه استغناء بعلم المخاطب فإنّه معرفة من غير جهة التّعريف وحقّه البناء، فمن ذلك: قبل- وبعد- وأوّل- ومنذ- وليس- وغير- يدلّك على حذف المضمر ما يحذفه بعد حرف الاستثناء إذا قلت: عنده درهم ليس إلّا، حذفت ما بعد إلّا استغناء ومنها: من عل ويا زيد، ومنها: قطّ وهو لما مضى من الدّهر وحسب وهي للاكتفاء ومعنى قطّ فيما مضى فانقطع، والقطّ القطع عرضا، والقدّ القطع طولا، فهو معرفة لا يدخله الألف واللّام ولا الإضافة. وقال شيخنا أبو علي: قطّ اسم ينتظم أوّل وقت، ذي الوقت إلى آخر ما بلغه منه، فهو عبارة عن أمده ومدّته، فوجب لذلك أن يكون مضافا إلى ذي الوقت كما أضيف إليه قبل وبعد، فلمّا اقتطع عن الإضافة بني على الضّم كما بنّيا، ومثل قط في انتظامه أوّل الوقت إلى آخره، منذ: إذا أريد به تعريف أمد الشّيء وذلك نحو أن تقول: لم أر زيدا، فيقال: ما أمد ذلك، وما مدّته، يعني انقطاع الرّؤية فتقول: منذ عشرون يوما فابتداء الوقت وانتهاؤه هذا في انتظام الاسم الذي هو مدّة لهما، ومن ثم بني منذ أيضا على الضّم حيث كان غاية مثل قطّ، ويجوز في جوابه المعرفة والنكرة وأبدا يدخله الألف واللّام لأنّه نكرة ومعنى أبدا فيما اتّصل وامتدّ من الوقت، ومنه الآبدة والأوابد. ومعنى قطّ مخفّفة مسكّنة إذا قلت: قطك ليكفك

стр. 184

واكتف ومثله قدك وحسبك ولتضمّنهما معنى الأمر في أوّل أحوالهما، استحقّا البناء، ومثل قطّ وقطك في أنّه يستعمل مثقلا ومخففا قولهم: بخ وبخ. قال محمد بن زيد: يقال: بخ بخ، ويثقل أيضا كما قال في حسب بخ وعزاقس وأنشد غيره شعرا: بين الأشجّ وبين قيس باذخ ... بخ بخ الوالدة والمولود وقال أبو إسحاق الزيادي: الدّليل على أنّ مه ليس من قولك مهلا أنّه ليس في الدّنيا اسم انصرف وهو تام، وامتنع من الصّرف وهو ناقص. فقال أبو عثمان المازني: بلى قطّ المخففة، زعم سيبويه أنّها مخففة من قولك قططته قطّا، قال: والدّليل على ذلك أنّ معنى قطّ معنى حسب، فهو لقطع الشيء يقوّي ما ذهب إليه أبو عثمان في هذا المعنى قولهم في حسب: بخ فأعربوه مثقلا وبنوه مخففا وتقول: جئت من فوق، ومن تحت، ومن أمام ومن دون، فالضّم في جميع ذلك مستعمل على الوجه الذي بيّنته. فأما قولك: من عل فمعناه من فوق، وفيه عدة لغات ذكرها أهل اللّغة وسبيلها سبيل ما قدّمناه من أنّ جميعها في تقدير الإضافة، فإذا حذفت المضاف إليه لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة، فإن كان المحذوف نكرة تنكّرت وأعربت وإن كان معرفة بنيت لأنّها بمنزلة اسم قد اكتفي ببعضه عن جميعه، وبعض الاسم يبنى وهو ظاهر. واعلم أنّ ل: إذ موضعا آخر غير ما ذكرنا، وهو قولك: بينا زيد قائم إذ رأى عمروا. وبينما زيد قائم جاء عمرو، فبينما عبارة عن حين، والمعنى وقت أنا قائم جاء عمرو، إلّا أنّ بينما متمكّنة فلها صدر الكلام بمنزلة مذ الذي يرفع الخبر. وكان الأصمعيّ يجرّبها المصدر خاصة وينشده: بينا تعتقه الكماة وروغه، يريد حين يعتقه والنّحويون يخالفونه لأنّها مبهمة لا تضاف إلّا إلى الجمل التي بيّنتها. وقال سيبويه: إذ يكون للمفاجأة إذا قلت: بينا أنا جالس إذ حضر عمرو، وبينا أنا أكلّم عمرو إذ طلع زيد. وكان الأصمعيّ وكثير من النّحويين يأبون وقوع إذ في هذا الموضع، لأنّ معنى بينا الحين، فإذا قلت: حين زيد قائم إذ طلع عمرو، فلا معنى له إنّما الكلام حين زيد قائم طلع عمرو، وإذ فضلة. قال أبو العبّاس: أشعار العرب على ذلك قال: بينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزنا دراع وقال امرؤ القيس: فبينا نعاج يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهذّب فكان ينادينا وعقد عذارة ... وقال صحابي قد شأونك فاطلب

стр. 185

فأمّا ما قاله سيبويه فغير بعيد، وقد أجازه قوم. وأنشد سيبويه شعرا: بينما هنّ بالكثيب ضحى ... إذ أتى راكب على جمله وقولك: خرجت فإذا زيد قائم، يجوز أن يقال: فإذا زيد قائم خرجت كما تقول: خرجت فإذا زيد، لأنّ إذا ظرف مكان وسمّي الاسم به والمعنى: فحضرني زيد وإذ إذا جعل للمفاجأة كان في مثل معناه وأمّا مذ ومنذ فقد قال أبو العباس: أوّل ما يذكر من أمرهما أنّه يجوز أن يكون كلّ واحد منهما اسما وحرفا جارّا ولذلك قال سيبويه: إنّ مذ فيمن جرّ بها بمنزلة من في الأيّام ومذ ومنذ شيء واحد إلّا أنّ الأغلب على مذ أن يكون اسما وعلى منذ أن يكون حرفا لأنّ النّقصان إنما يكون في الأسماء والأفعال دون الحروف، وذلك في نحو: دم ويد وخذ وكل. والدّليل على أنّ مذ منقوصة من منذ أنّك لو سمّيت إنسانا أو غيره بمذ ثم صغرته لقلت منيذ، فرددت ما ذهب فإنما هو بمنزلة لد ولدن ومن عل ومن علا وآتيك غدا وغدوّا، فإن أردت في منذ أن يكون حرفا قلت: لم أرك منذ يومين، ومذ يوم الجمعة ومعناه: من هذه الغاية، وكذلك سرت من مكان كذا، وإذا أردت أن يكون اسما قلت: لم أر ذاك مذ يومان أي أمد ذاك يومان وهذا ابتداء وخبر والرّفع في مذ أكثر. وإذا قلت: أنت عندنا مذ اللّيلة أو مذ اليوم صارت بمنزلة منذ التي غلب عليها الحرفية، وذاك لأنّ العلّة التي يوجب منها الاسمية قد زالت لأنّك إذا قلت: لم أرك منذ يومان، فالمعنى بيني وبينك يومان وإذا قلت: أنت عندنا مذ اللّيلة، فليس معناه بيني وبينك اللّيلة، إنما هو في اللّيلة فإنّما المعنى فإذا قال: رأيت زيدا مذ يومان، فيجوز أن تكون الرّؤية متّصلة، ويجوز أن يكون رآه في ذلك الوقت، ثم لم يره بعده، وإنّما هذا على قدر ما تقدم، يقول القائل: إنّ زيدا يأتيك مذ مدة، فأقول: أنا رأيته مذ يومان أو شهران، وتأويل هذا إنّما حدثت هذه الرّؤية في هذا الوقت، أو يقول القائل: زيد أيأتيك في كلّ يوم؟ فأقول: ما رأيته مذ يومان، أي قد انقطع عنّي بعدهما، ولو قال القائل مبتدئا: رأيت زيدا مذ يومان، ثمّ لم يصله بكلام، ولم يعطفه على كلام، لم يحكم فيما بعد الوقت بشيء ويتصل بهذا أن تقول: رأيت زيدا مذ يومان، يختلف إلى عمرو، ورأيت زيدا مذ يومان يضرب عمرا، فإنّما خبّرت بوقت الضّرب ولم تعرض لما بعده وتقول: رأيت زيدا يوم الجمعة أي أوّل ما فقدته أوّل يوم الجمعة، فيقع النّفي على جميع اليوم كما كانت الرّؤية في جميعه. ويجوز أن يكون النّفي واقعا على بعض اليوم فيكون حدّ الرّؤية منه مجاوز الأول الفقدان، وقول القائل: لا كالمشية زائر ومزورا معناه: لم أر زائرا كزائر رأيته اليوم، قال: ولا يقولون في سائر الصّفات، يعني الظّروف لا يقولون لا كنصف النهار ولا لا كهذه السّنة قال الشاعر شعرا:

стр. 186

روحوا العشيّة روحة مذكورة ... إن متن متن وإن خيين خيينا إن متن متن وإن حيين فلا أرى ... لا كالعشيّة إن بقين بقينا واعلم أنّ قول القائل: ما برحت أفعل كذا براحا. أي أقمت على فعله مثل ما زلت أفعله، وهذا في الزّمان ولا بدّ له من خبر. فإن قلت: ما برحت من مكان كذا، فالمعنى ما زلت براحا وبروحا، وهذا في المكان كالأوّل في الزّمان وقد مضى القول فيه، ويمضي في غير موضع من هذا الكتاب. وقد قيل: إنّ براح اسم للشّمس معدول عن البارحة الزّايلة مثل قطام وقولهم جبل براح يوصف به الأسد والشّجاع، لأنّ زواله متعذّر كأنه شدّ بالجبال، وهذا غريب فيما يشتق، ومثله قول القائل: البارح من الظّبا والطّير هو المنحرف عن الرّامي إلى جهة لا تمكّنه من الرّمي، والسّانح المقبل المتعرّض في جهة تمكن. قال: ولذلك يتشاءم بالبارح، ويتيمّن بالسّانح، قال: فأمّا من تيمّن بالبارح، فلأنه نجا، ومن تشاءم بالسّانح لأنه هلك. وقول ابن الأحمر: غدوا وأعدّوا الحيّ الزّيالا ... وشوقا لم يبالوا العين بالا الغدو يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن يكون اسم اليوم الذي يلي يومك، فإن جعلته مصدرا يكون مثل غدا غدوا، ويكون مفعولا وواعدوا الزّيال المفعول الثاني، وينعطف عليه شوقا كأنّهم لمّا وعدوا بالزّيال المهيّج للشّوق فقد وعدوا بالشّوق. ومثله الغدوّ في القرآن: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ [سورة سبأ، الآية: ١٢] فالغدوّ: مصدر بدلالة أنّه قابله بالرّواح، والتّقدير مسيرة غدوّها مسيرة شهر، وإن جعلته اسم اليوم فمثله قوله: بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع. والمعنى في غدو: أعدوا الحيّ الزّيال وشوقا، ويكون المفعول الثّاني محذوفا، وأما قوله تعالى: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [سورة الرعد، الآية: ١٥] فيجوز أن يكون الغدوّ: جمع غد مثل نحو ونحو، ويقوّي ذلك أنّه قوبل به الجمع الذي هو الآصال، ويجوز أن يكون المصدر، ويقويه قوله: بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ [سورة آل عمران، الآية: ٤١] وقال: أفد الرّحيل وليته لم يأفد ... فاليوم عاجله ونعذل في غد أي اليوم عاجل البين، ونعذل في غد أي في أخبار غد يضيف المصدر إلى المفعول به لأنّه خرج بانجراره من أن يكون ظرفا، فهو مثل: من دعاء الخير، وبسؤال نعجتك، وقال: وليس عطاء اليوم مانعه غدا. أي مانعه عطاء غد فحذف المضاف.

стр. 187

الباب الثّالث عشر فيما جاء مثنّى من أسماء الزّمان واللّيل والنّهار، ومن أسماء الكواكب وترتيب الأوقات وتنزيلها يقال: اختلف عليه العصران أي اللّيل والنّهار وقد يراد بهما الغداة والعشيّ، لأنّ العصر من أسماء العشي، ولذلك قيل: صلوة العصر، ثم يسمّى الغداة أيضا عصرا، ويثنّى كما يقال: القمران في الشّمس والقمر، وقد تصرفوا هذه اللفظة فقالوا: ألم يجيء فلان لعصر بضم العين أي لم يجيء حين مجيء. وفي العصر لغتان: الضّم والفتح واستعمل في هذا أحدهما، وكذلك قالوا: أما نام لعصر أي لم ينم حين نومه، وما نام عصرا، وكلّ ذلك بالضّم ويقال: أعصرت الجارية أي بلغت حين إدراكها. قال: قد أعصرت أو قد دنا إعصارها. وهذا كما يقال: أحصد الزّرع وأجذّ النخل، كأنّها بلغت عصر شبابها وعصور شبابها وعصر شبابها، فأمّا فعل كذا عصرة أي مرة، فيجوز أن يكون من ذلك أيضا. وحكى بعضهم أنّ العصر لما قد سلف، ولم يجيء في شعر الفحولة إلا كذلك وقد جاء في شعر من دونهم، وقال ابن الكلبي: هو الدّهر كلّه الماضي والمؤتنف، ويقال: لا أكلّمك العصرين، وما اختلف العصران، وهما القرنان والطّفلان. قال لبيد: وعلى الأرض غيابات الطّفل. وقال: يسعى عليها القرنين غلام، وهما العصران والبردان والأبردان والبردتان، ويجمع فيقال: الأبارد. ويراد بها أطراف النّهار. وقال أبو سعيد الضّرير: العيّوق ما دام متقدّما على الثّريا، ففي الزّمان بقية من الأبارد، وإذا استوى العيّوق مع الثّريّا فقد بقي منها شيء قليل، وقال ذو الرّمة: وماج السّفا موج الحباب وقلّصت ... مع النّجم عن أنف المصيف الأبارد ويقال: اختلف عليه الملوان: أي اللّيل والنّهار. قال ابن مقبل:

стр. 188

ألا يا ديار الحيّ بالسّبعان ... أمل عليها بالبلى الملوان وهذا تثنية ملا، وفسّر أمل عليها: طال عليها. قال الشيخ: ويجوز عندي أن يكون أمل من إملال الكتاب، يقال: أمل الدّروس والخلوقة عليها الملوان، ويكون الباء في قوله: بالبلى: إن شئت زائدة للتأكيد، وإن شئت قلت: أراد بسبب البلى ويكون مفعول أملى محذوفا. وذكر بعض النّظار أنّ قولهم: ملوان لا يكون اللّيل والنّهار بدلالة قول ابن مقبل نهار، وليل دائم ملواهما. والشيء لا يضاف إلى نفسه ولكنّه المتّسع من الدّهر، ولو قيل: غدّوهما وعشيّهما كان أشبه. وقال ابن أحمر شعرا: ليهنكم أنّا نزلنا ببلدة ... كلا ملوة بها ميبس غير منعم وقد تصرّفوا في هذه اللّفظة على أبينة مختلفة فقالوا: لقيت عنده ملوة من الدّهر وملوة ومليا. قال الله تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [سورة مريم، الآية: ٤٦] ومضت ملاوة من الدّهر وملاؤه وملاوة. قال أبو ذؤيب شعرا: حتّى إذا جزرت مياه رزوبة ... وبأيّ حزّ ملاؤه يتقطّع ومن هذا قوله تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ [سورة الحج، الآية: ٤٤] أي أخّرت النّقمة منهم يقال: أملى الله لفلان العمر: أي أخّر عنه أجله، وقوله: بأيّ حز ملاوة، لفظة استفهام والمعنى معنى الخبر أي: تنقطع تلك المياه في حين، وأي حين، والمراد في أشدّ ما كان حاجة إليها عند انتهاء الحر وذهاب الرّطب، وانتشاف الغدران، وهذا كما تقول: في أيّ حين ووقت زيدا حين تمكّن العدوّ منه، وضاقت المسالك به، ويقال: على أيّ حزة أتانا فلان؟ أي أي ساعة وحين، وجئتنا على حزّة منكرة، وكأنّه يعني ما حزّ من الدّهر أي قطع، وإنّما أضاف الحزّة إلى الملاوة، وهما اسمان للوقت، لأنّ المراد بأيّ ساعة من الدّهر، فالحز اسم للجزء اليسير. والملاوة: للممتد المتّصل، وهذا كإضافة البعض إلى الكل، ويقال: تملّيت حبيبا: أي عايشته طويلا ملاوة وحينا، وملاك الله نعمة أي أدامها وأطال وقتها، وقال الأسود بن يعفر: آليت لا أشريه حتّى يملّني ... وآليت لا أملاه حتّى تعارقا قال قطرب: قوله: أملاه أتى به على مليه: بلاه وقالوا: أملاك الجديدان والأجدان والفتنان: أي اللّيل والنّهار، وابنا سمير، وكل ذلك اشتقاقه وطريقته ظاهر، قال: لم يلبث الفتنان أن عصفا بهم ... ليل يكرّ عليهم ونهار

стр. 189

وقال آخر: غدا فينا دهر وراحا عليهما ... نهار وليل يكثران التّواليا ومن هذا الباب قولهم: لا أفعله ما اختلف الصّرعان أي الغداة والعشي، ويقال: الصّرعان: أي الغداة، وبالفتح أيضا ويقال: أتيته صرعي النّهار أي طرفيه من طلوع الشّمس إلى الضّحى، وبالعشيّ بعد العصر إلى اللّيل، ثم قالوا: هما صرعان: أي مثلان، فعلى هذا يراد باختلافهما تصرّفهما، ويقال أيضا: هو ذو صرعين: أي لونين ويجمع على الصروع، وما أدري على أيّ صرعى أمره وقع، أي حاليه وتركهم صريعين: أي ينتقلون من حال إلى حال، وهو يفعله على كل صرعة، أي على كلّ حالة. وحكى ابن الأعرابي: لا أكلّمك ما اختلف الصّرعان: الحينان غدوة وعشية، ومن كلامهم: عندك ديك يلتقط الحصى صرعيه، يقال: هذا مثلا للنّمام، قال: وعلى هذا: يراد الاختلاف الذي هو ضد الوفاق. فأما قولهم: المصراعان في الأبواب وأبيات الشّعر فيجوز أن يكون من التماثل، ويجوز أن يكون من قولهم: هو صرع كذا أي حذاءه. الزّيادي اختلف عليه الفتنان، أي الغدوة والعشية من الفتون وهو الضّروب. وقال أبو سعيد في قول الله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [سورة طه، الآية: ٤٠] أي فتونا في اليمّ وفي مدين وحيث قيل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [سورة طه، الآية: ١٢] وذكر يعقوب زرته: البردين والقرنين أي طرفي النّهار. وزرته الغربين أيضا: أي غدوة وعشية. الأصمعي اختلف إليه الرّدفين أي الغداة والعشي- والغداة ردف اللّيل والعشيّ ردف النّهار. ويقال: لقيته بأعلى سحرين وبأعلى السّحرين أي وقت السّحر الأعلى وهو قبيل الصّبح. قال: غدت بأعلى سحرين تذأل. وبأعلى سحر. قال العجاج: غدا بأعلى سحر وأجرسا. رد بعضهم بيت العجّاج وقال: كان ينبغي أن يقول: بأعلى سحرين لأنّه أوّل تنفّس الصّبح، ثم الصّبح وتقول: أسحرنا كما تقول: أصبحنا- وتسحّرنا أكلنا سحورا- وجئتك بسحر- وبسحرة- وبالسّحر- وسحيرا. وقال أحمد بن يحيى: الأسحار: الأطراف وبه سمّي سحر، وأنا أراك منذ سحر. وقال قطرب: أتيتك سحرية وسحريا وسحر، ويقول: سحرى هذه اللّيلة أيضا. قال في ليلة لا نحسّ في سحرّيها وعشائها. ويقال: صبح ولا جمع له، وصباح وصبيحة وأصبوحة وإصباح، لأنّ العرب تجعل الإصباح لنفس اللّيل، فيقول: أصبح قال فبات يقول: أصبح ليل حتى تجلّى عن صريمة الظّلام. والصّبح صبحان، كما أنّ السّحر سحران. ويقال: ابنا جمير اليومان اللّذان يستسر القمر

стр. 190

فيهما في المحاق قبل البحيرة، وابن حمير أيضا. وحكى أبو العباس المبرّد أنّه يقال للشّتاء والصّيف: العصران وكذلك لكل مختلفين معناهما واحد. قال الرّبيع بن صبيع: أصبح منّا الشّباب قد بكرا ... إن بان منّا فقد ثوى عصرا يعني سنين كثيرة، والقارنان اللّيل والنّهار وأنشد للكميت شعرا: يا من عذ يرى من ذواله ... كم ذا يزيد على إباله يغدو عليّ مقارنا ... كالقلونين مع الغزالة فلا جبانك مشقصا ... أوسا أويس من الهباله قوله: على إباله، مثل يقال للرّجل إذا جاء بمكروه ثم أعقب بعده بمثله ضغث يزيد على إباله، والإبالة الحزمة الكبيرة. قوله فلا جبانك يريد لأرمينّك بسهم حبالك. والأوس العطية، وأويس تصغير أوس وهو الذّئب. والهبالة من الاهتبال وهو الاغتنام، وقال بعضهم: الهبالة اسم ناقة. يقول من يعذرني منه مقارنا غدوة وعشية وقيل في القارنين هما اللّيل والنّهار. ويقال للشّمس والقمر القمران. قال: لنا قمراها والنّجوم الطّوالع. ويقال لهما السّراجان من قوله تعالى: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [سورة نوح، الآية: ١٦] والنّيران ومما جاء مثنى من أسماء الكواكب السّماكان الرّامح- والأعزل- والنّسران: الطّائر- والواقع- والفرقدان والشّعريان- العبور- والغميصاء- والمرزمان وهما مرزما الشّعريين والهراران- قلب العقرب والنّسر الواقع والخراتان «١» في الأسد والغميصاوان والوزنان حضار- والوزن والمحلفان وهما حضار والوزن أيضا. وقال ثعلب الهراران النّسران لأنّهما إذا طلعا في المشرق فهو نهاية البرد وهذا كما قيل: سهيل لأنّ الحرّ يسهل عند طلوعه، وقيل للدّبران الحادي والدّابر والتّابع ويقال: ما رأيته منذ أجردان وجريدان وأجدان وجديدان أي يومان أو شهران. وابنا سمير اللّيل والنّهار والسّمر الدّهر وابنا سبات اللّيل والنّهار، وقيل ابنا سبات رجلان وأنشده شعرا: وكنّا وهم كابني سبات تعزفا ... سوى ثم كانا منجدا وتهاميا وعرقوتا الدّلو والفرغان للمقدّم والمؤخّر، وحكى أبو العبّاس ثعلب: الأثرمان: الدّهر والموت وأنشد شعرا:

стр. 191

ولمّا رأيتك تنسي الذّمام ... ولا قدر عندك للمعدم وتجنو الشّريف إذا ما أخلّ ... وتثني الدّنيء على الدّرهم وهبت أخاك للأعجمين ... وللأثرمين ولم أظلم أخلّ: احتاج من الخلة والأعجمان: السّيل والحريق، وحكى أبو عمر وغلام ثعلب مرزم السّماك ومرزم الجوزاء. فصل في ترتيب الأوقات وتنزيلها قال أبو نصر: تكوير اللّيل على النهار والنّهار على اللّيل أن يلحق أحدهما بالآخر. وإيلاج النّهار في اللّيل، واللّيل في النّهار، دخول أحدهما في الآخر. وقال الخليل: التكوير تغشية اللّيل النّهار والنّهار اللّيل. ومنه كارة القصار. وقال الدّريدي: الكور كور العمامة والقطعة العظيمة من الإبل، وفي المثل: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، أي النّقصان بعد الزّيادة، وكرت العمامة كورا، وكذلك الكارة وكار الرجل، واستكار: أسرع في مشيته يكور كورا، وزلف اللّيل من النّهار والنّهار من اللّيل ساعات كل واحد منهما يأخذه من صاحبه، والواحدة زلفة. قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [سورة هود، الآية: ١١٤] ومنه المزالف والزّلفى ومزدلفة. وقال الخليل: مزدلفة: سميت بهذا الاسم لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، قال الأصمعي: إذا طلع الفجر فأنت مفجر حتى تطلع الشّمس فإذا طلعت فأنت مشرق إلى ارتفاع النّهار، ثم أنت مضح. وفي القرآن: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [سورة الشعراء، الآية: ٦٠] في وقت طلوع الشّمس، والإشراق والتّشريق انبساطها، والشّروق طلوعها. ثم أت مضح حتى تزول الشّمس، فإذا زالت فأنت مهجر ومظهر إلى أن تصلّي العصر، ثم أنت معصر ومقصر وموصل إلى أن تحمّر الشّمس، ثم أنت مطفل إلى أن تغيب، فإذا غابت فأنت مغيب ومغرب وموجب ومشفق ومسدف، فإذا غاب الشّفق فأنت مظلم ومفحم. قال أبو العبّاس ثعلب: يقال: رجل نهر وسابح إذا كان يتصرّف في النّهار دون اللّيل، فإذا كان باللّيل دون النّهار قيل: هو ليلي لابس، وهذا أخذه من قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [سورة النّبأ، الآية: ١٠- ١١] وقوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [سورة المزّمل، الآية: ٧] وقد قيل: سبحا أي: عملا وتقلبا ومنه سمّي السّابح لتقلّبه بيديه ورجليه ولباسا: أي استمتاعا من قوله: لبست أبي حتّى تملّيت عيشه ... وملّيت أعمامي وملّيت خاليا

стр. 192

وذكر بعض أصحاب المعاني أنّ العيشة والعيش ليسا بالحياة، ولكن ما يستعان به على الحياة واستدلّ بقوله تعالى: وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [سورة النبأ، الآية: ١١] قال: وهذا كما قال في الآية الأخرى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [سورة القصص، الآية: ٧٣] وقال في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً [سورة الفرقان، الآية: ٤٧] أي ما ألبسهم من ظلمته فلبسوه لباسا، والنّوم سباتا أي سكونا وأنشد لأميّة: ما أرى من يعشّني في حياتي ... غير نفسي إلّا بني إسرال وقال: المراد بقوله: يعشني يعينني على أمر الحياة، والسّكون إنّما هو في اللّيل والابتغاء من فضله بالنّهار، ولكن لمّا عطف أحدهما على الآخر أخرجا مخرج الواحد الجامع للشّيئين، ونظير هذا من الكلام: لئن لقيت زيدا وعمرا لتلقينّ منهما شجاعة وفصاحة، على أنّ الفصاحة لأحدهما والشّجاعة للآخر، وهذا بمنزلة ما يقع في الجمع إذا قلت: في بني فلان خير وشر، لأنّ الدّعوة قد ضمّتهم جميعا فانطوت على الخير والشرّ، وإن كان الخير في جماعة والشّر في آخرين، وكذا كلّ تثنية وجمع تعلّق الخبر به على الإجمال، لأنّه يصير كالواحد. وقال تعالى في موضع آخر: وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: ٤٧] أي: ينشرون فيه عن نومهم باللّيل، والانتشار التّصرف. وقال في موضع آخر: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً [سورة القصص، الآية: ٧٢] أي دائما، يقال: هو يسهر سهرا سرمدا إذا لم يكتحل فيه بغمض ولا يكون السّرمد ما يقع فيه فصل، وقوله تعالى: تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [سورة النمل، الآية: ٤٩] أي تحالفوا، وكلّ عمل باللّيل تبييت. ويقال: هو أمر دبّر بليل. ويقال للصّقيع: البيوت، لوقوعه باللّيل، وفي القرآن: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ [سورة النساء، الآية: ١٠٨] وأنشد أبو عبيدة شعرا: أتوني فلم أرض ما بيّتوا ... وكانوا أتوني بأمر نكر وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [سورة الفرقان، الآية: ٦٢] الخلفة ما خلف بعضه بعضا أي كلّ واحد يخلف صاحبه، قال زهير: بها العين والأرآم يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم ومعنى لمن أراد أن يذكر، يريد لمن أراد أن يتذكّر ويستدلّ على نعم الله على خلقه وعلى أنواع لطفه فيما تعبّدهم به وتظاهر حججه وتبيانه فيما ندبهم إليه، وهذا كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ* [سورة القمر، الآية: ٣٢] وكقوله تعالى:

стр. 193

إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ* [سورة الرعد، الآية: ١٩] وقوله تعالى: أَوْ أَرادَ شُكُوراً [سورة الفرقان، الآية: ٦٢] يريد أو يتأمل ما ينقل فيه حالا بعد حال من صنوف آلائه، ووجوه إحسانه، فيضم الشّكر فيه. قوله: خلفة فيما يؤدّيه من المعنى كما حكاه أبو زيد من قولهم: ولد فلان شطرة، والمراد ذكورهم بعدد إناثهم، فهذا من الشّطر، كما أنّ ذاك من الخلافة. والنّشئة والنّاشئة أوّل ساعات اللّيل. وقال ابن الأعرابي: إذا نمت من أوّل اللّيل نومة ثم قمت، فتلك النّاشئة والنّشئة حجر يكون على الحوض. قال ومنه قوله: هرقناه في بادي النّشيئة داثر والنّشيئة الجارية. ومنه قول الشاعر شعرا: ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النّشأ الصّغار قال أبو العباس المبرّد: إذا قال القائل: ما رأيته مذ مدّة من يومي علم أنّ ذلك ساعة أو ساعات. وإذا قال: مذ مدّة من عمري علم أنّ ذلك سنة أو سنون أو ما يدانيه. ومن ظروف المكان مني فرسخين: وكان شيخنا أبو علي يقول: هذا كان يقوله الدّليل لمن يستهديه، أي: إني أرشدك في فرسخين، ومعنى من شأني وأمري كما قال: فإنّي لست منك ولست منّي ويجوز أن يقول: أنت منّي فرسخان، كأنّه جعله نفس الفرسخين. والمعنى: بيننا هذه المسافة، فأمّا قولهم: هو منّي معقد الإزار ومقعد له لقابلة، ومناط الثّريا فإنما ساعت أن تكون ظروفا وإن كان المحدود من الأماكن لا يجعل ظروفا لأنّها أزيلت عن مواضعها، فوضعت موضع القرب والبعد، فدخلها بذلك الإبهام، وتقول: اليوم الجمعة واليوم السّبت، وجعلت الثّاني هو الأوّل، فرفعت لكونه مبتدأ أو خبرا، وإن نصبت فقلت: اليوم السّبت واليوم الجمعة جاز. وتجعل الثّاني كالحدث لتضمّنه معنى الفعل، فيصير كقولك: اليوم الخروج، وغدا الارتحال، ولو قلت: زيد اليوم لم يجز، لأنّ ظروف الأزمنة لا تتضمّن الأشخاص والجثث، لأنّها لا تخلو منها على كلّ حال، فلا يحصل في الكلام فائدة، وكذلك إذا قلت: حضرت يوم الجمعة، كان يوم الجمعة ظرفا لا غير، لأنّك إن جعلته مفعولا لم يكن فيه فائدة، لأنّه لا يغيب عنه أحد وعلى هذا قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [سورة البقرة، الآية: ١٨٥] ويقول: الصّيام عشرة أيام إلّا يوما، فلا يجوز إلا الرّفع لأنّه يريد الوقت كلّه فهو كقوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ [سورة سبأ، الآية: ١٢] وتقول: اليوم عشر من الشّهر والاختيار النّصب، وكذلك إذا قلت لك: اليوم شهران أو سنتان نصبت اليوم، وإن سقط من الشّهر شيء لأنّ الاسم يستحق منه على نقصانه، وتقول: لا أكلّمك أخرى اللّيالي ذكر أخرى ليصلها بما قد مضى، وكذلك غابر الدّهر: أي باقيه وقوله: رآها مكان السّوق أو هو أقربا، مثل قوله تعالى:

стр. 194

وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [سورة الأنفال، الآية: ٤٢] أي في مكان أقرب أو أسفل ويقول: هو منّي قدر أن تناوله يدي، وفوق أن يناوله يدي، وبعضهم يرفعه والوجه النّصب وعلى هذا قوله شعرا: وقد جعلتني من خريمة إصبعا ... ويقول: لقيته من قبل قبل على التّكرير، غاية ولقيته من قبل قبل تضيف الأوّل ولا تضف الثّاني، والنّية في الإضافة أن تكون إلى نكرة، وإن كانت النّكرة في مثل هذا المكان تفيد فائدة المعارف، بدلالة قوله آتيك غدا، لأنّه نكرة كالمعرفة، وقبل الذي لم تضفه معرفة لكونه غاية بما ضمّن، وهو في حكم البدل من قبل الأوّل، لأنّ إبدال المعرفة من النّكرة هو الأصل، وإن شئت قلت لقيته من قبل قبل، تنوي الإضافة فيهما على ما بيّنته. ومثله قولهم: من وراء وراء في الوجوه كلّها. وقد ذكر سيبويه في قولهم: من عل أنّه مضارع لقولهم: من عل لأنّهما لمّا وقعا لمعنى واحد على تقديرين مختلفين سمّاه مضارعه، فأمّا قوله: وقد علاك مشيب حين لا حين، فالمراد حين غير حين أي جاء المشيب في غير أوانه، فأدخل النّفي على حدّ ما كان موجبا. فصل في قوله تعالى: ماذا قالَ آنِفاً [سورة محمد، الآية: ١٦] وفي أحرف سواه يكثر البلوى به. قال أبو زيد: يقال: أيتنفت الكلام ايتنافا وابتدأته ابتداء أو هما واحد، وأنشد: وجدنا آل مرّة حين خفنا ... جريرتنا هم الأنف الكراما ويسرح جارهم من حيث أمسى ... كأنّ عليه مؤتنفا حراما قال السّكري: الأنف: الذين يأنفون من احتمال الضيم. قال شيخنا أبو علي: فإذا كان كذا فقد جمع فعلا على فعل، لأن واحد أنف أنف بدلالة قوله: وحمّال المئيين إذا ألمّت ... بنا الحدثان والأنف النّصور ووجه هذا أنّه شبّه الصّفة بالاسم، فكسّرها تكسيره، فقالوا في جمع نمر: نمر وأنشد سيبويه: فيها عياسل أسود ونمر. وليس الأنف والأنف في البيتين ممّا في الآية في شيء، لأنّ ما في الشّعر من الأنف، وما في الآية في معنى الابتداء ولم يسمع أنف في معنى ابتداء وإن كان القياس يوجبه. وقد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير جاء عن فقر والمستعمل افتقر. وكذلك شديد، والمستعمل اشتدّ، فكذلك قولك آنفا والمستعمل أيتنف،

стр. 195

فأما قوله: كان عليه مؤتنفا حراما، فالمعنى كان عليه حرمة شهر مؤتنف حرام، فحذف المضاف وأقام الصّفة مقام الموصوف، والتّقدير: أنّ جارهم لعزّهم ومنعتهم لا يهاج ولا يضام، فكأنّه في حرمة شهر حرام وقوله: ويأكل جارهم أنف القصاع، فإنه يريد أنّهم يؤثرون ضيفهم بأفضل الطّعام وخيره فيطعمونه أوّله لا البقايا، وما أتى على نقاوته، فهذا جمع على أنف مثل: بازل وبزل قابل وقبل. وإذا كان كذلك قرىء قراءة من قرأ: ماذا قالَ آنِفاً [سورة محمد، الآية: ١٦] وأمّا ما روي عن ابن كثير من قوله: أنفا فمجوز أن يكون توهّمه مثل حاذر وحذر، وفاكه وفكه والوجه الرّواية الأخرى آنفا بالمدّ كما قرأ عامتهم. وقال بعض أصحاب المعاني: لا يمتنع أن يكون الباب الذي قسمه كلّه من أصله واحدا وهو التقدّم، وتكون الأنفة من الأنف الذي هو الجارحة، وسمّيت به لتقدّمه في الوجه. ثم جعل ما يؤنف منه من الذّل، كإضافة الأنف وجدعه يبيّن هذا ويشهد له قولهم: بعير أنف ومأنوف: إذا عقره في الخشاش فانقاد لما يراد منه، وفي الحديث: «المسلم هيّن ليّن إن قيد انقاد» وقد نسب الذّل إلى الأنف في كلامهم حتّى قيل: هو يحمي أنفه من كذا وهو حمي الأنف، والشاعر قال: ولا نال أنفا منه بالذّل نائل وقال أبو إسحاق في قوله تعالى: ماذا قالَ آنِفاً [سورة محمد، الآية: ١٦] أراد في أوّل وقت يقرب منّا، وقال الخليل: أنفت فلانا أنفا، كما تقول: الذي قبل أي قبل كأنه أراد أنفته فأنف أنفا، والمعنى حركته من أقرب وقته فابتداء هذا بيان ما رمى به الخليل. ويجوز فيه وجه آخر: وهو أن يريد ماذا قال فيما أنفه وأنفا ويكون أنفته وأنفا من باب قم قائما وأشباهه. ويكون اسم الفاعل نائبا عن المصدر، قال: وأيتنفت ايتنافا أوّل ما يبتدأ فيه، والمستأنف من الكلام والأمر كذلك. قال أحمد: وعلى ما حرّرناه من كلام المعترض وحكاية الخليل، صحّ قراءة ابن كثير وتوجّه اختياره أنفا غير ممدود قياسا وسماعا، ولم يكن متوهّما فاعلمه. ومن الأحرف التي نداولها قوله تعالى: وَأَدْبارَ السُّجُودِ [سورة ق، الآية: ٤٠] هو مصدر والمصادر تجعل ظروفا على إرادة إضافة أسماء الزّمان إليها وحذفها كقولك: جئتك مقدم الحاج، وخفوق النّجم، وخلافة فلان، يريد في ذلك كلّه وقت كذا فحذفه فكأنّه قال: وقت أدبار السّجود، إلا أنّ المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر وهذا أدخل في باب الظّروف من قولك أدبار السّجود إذا فتحت وكأنه أمر بالتّسبيح بعد الفراغ من الصّلاة. وقد قيل: أريد به الرّكعتان بعد المغرب، وأدبار جمع دبر ودبر وقد يستعمل ظرفا نحو: جئتك في دبر الصلاة، أي في أدبار الصّلاة، وقال شعرا:

стр. 196

على دبر الشّهر الحرام لأرضنا ... وما حولها جدت سنون تلفّع وقوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ* [سورة يوسف، الآية: ٢٢] أي منتهى شبابه وقوّته واحدها شدّ مثل فلس أو شد مثل فلان ودي، والقوم أودى، أو شد مثل نعمه وأنعم، ومعناه قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة واستوى معناه أربعين سنة، قالوا: وأشد اليتيم ثماني عشرة سنة. قال أبو زيد: يقال: هو الأشد وهي الأشد، وفي القرآن: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [سورة الأحقاف، الآية: ١٥] . قال الفرّاء: الأشد هنا هو الأربعون أقرب إليه في النّسق، وأنت تقول: أخذت عامّة المال، إذ كلّه لا يكون أحسن من أن يقول: أخذت أقلّ المال، أو كلّه وأنشد المفضّل في شدّ: عهدي به شدّ النّهار كأنّما ... خضب اللّبان ورأسه بالعندم وعند أكثر أصحابنا البصريّين أنّ الأشدّ واحد، وأنّه شاذ لأنّه لم يجيء أفعل في الواحد. وقوله تعالى: أَحْسَنُ مَقِيلًا [سورة الفرقان، الآية: ٢٤] من القائلة وهو الاستكنان في وقت انتصاف النّهار، وجاء في التّفسير لا ينتصف النّهار يوم الجمعة حتّى يستقرّ أهل الجنّة في الجنّة وأهل النّار في النار، فتحين القائلة، وقد فرغ من الأمر فيقيل كل من الفريقين في مقره. السّنون التي دعا النّبي ﷺ فيها على مضر وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف» يقال: كان النّاظر منهم يرى بينه وبين السّماء دخانا من شدّة الجوع، ويقال: بل قيل للجدب دخان، حتّى قيل في قوله تعالى: بِدُخانٍ مُبِينٍ [سورة الدّخان، الآية: ١٠] أي جدب، ليبس الأرض، وارتفاع الغبار، فشبّه ذلك بالدّخان، ومن مجازهم واتّساعهم: ارتفع له دخان إلى السّماء هذا لبشر وذلك إذا علا.

стр. 197

الباب الرّابع عشر في أسماء الأيّام على اختلاف اللّغات ومناسبات اشتقاقها وتثنيتها وجمعها قال قطرب: أسماء الأيام: السّبت- والأحد- والاثنان- والثّلاثاء- والأربعاء- والخميس- والجمعة. فالأحد هاهنا اسم وأصله: وحد وقد يكون صفة مثل قوله: بذي الجليل على مستأنس وحد. ومعنى الواحد الذي لا ثاني له وإنّما لم يثنّ وهو اسم لأنه متى ثنّي خرج من أن يكون واحدا، فلذلك لم يقل: وحدان وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة جاء في أحرف معدودة. والاثنان من ثنّيت الشيء إذا ضعّفته ثنيا ثم يسمّى المثنّى ثنيا، ولا يقال في أحد اثن، لأنّه إذا أفرد عما يثنّى به لم يستحقّ هذا الاسم. فأمّا الثّلاثاء والأربعاء والخميس فإنّها وإن أريد بها ما يراد من أسماء العدد إذا قلت ثلاثة وأربعة وخمسة، فإنّ في تغيّر الأبنية لها قصد. وسيبويه قال: أحبّوا في الأوقات أن يحصوها بأبنية تلزمها من بين سائر المعدودات، وشبّهها بقولهم: عدل وعديل ووزين ووزان في الفصل بين الأجناس. وحكى سيبويه: هذا يوم اثنين مباركا فيه. واستدلّ على تعريفه بانتصاب الحال بعده، وفيه على هذا تعريفان. الأوّل: باللّام تعريف الحارث والعباس. الثّاني: تعريف العلميّة والوضع، كما أنّ عروبة، والعروبة للجمعة كذلك، والسّبت سمّي به قيل: للراحة، ومنه السّبات النّوم، ويقال: انسبت الرّجل إذا اعترته سكتة. وقيل: أصل السّبت القطع. ومنه السّبات لأنّه يحول بين التمييز وصاحبه، ويقطعه عن عادته وتصرّفه، ويقال: سبتوا عنقه إذا قتلوه. والمنسبت من النّخل: ما يجري الإرطاب في جميعه، فكأنّه انقطع من حدّ البسر، ويقال لضرب من النّعال: السّبت، وإنّما هي التي قد نثر شعرها. ويقال: إنّ السّبت إنّما سمّي لما أخذ على اليهود في السّبت ونهوا عنه في هذا اليوم مما هو مباح في غيره، وانقطاع حكمه من حكم غيره، ومن جعل السّبت إنمّا يسمّى به

стр. 198

للرّاحة، يقول قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [سورة ق، الآية: ٣٨] هو ردّ على اليهود في قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* آخرها يوم الجمعة واستراح في يوم السبت فردّ الله ذلك عليهم وأبطل قولهم. وسمّي السّبت: شيارا واشتقاقه من شيرت الشيء إذا أظهرته وبيّنته، ويقال: شيراي حسن الشيارة وهي ظاهر منظره، ومن هذا قيل: القوم يتشاورون أي يظهرون آراءهم كأنّ كلّ جماعة منهم يظهرون ما عندهم ويعرضونه. ويجوز أن يكون قولهم لخيار الإبل الشّيار من هذا الذي ذكرناه. وقيل للأحد: أوّل لأنهم جعلوه أوّل عدد الأيام. وقالوا للإثنين: أهون وأوهد فأهون من الهون وهو السّكون من قوله تعالى: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [سورة الفرقان، الآية: ٦٣] وأوهد يدلّ على هذا المعنى لأنّ الوهدة الانخفاض كأنّهم جعلوا الأوّل أعلى ثم انخفضوا في العد. وقالو للثّلاثاء الجبار أي جبر به العدد، وأعظم به العدد وقوي، لأنّه حصل به فرد وزوج. وقال الخليل: سمّي به في الجاهلية الجهلاء، وفي الخبر العجماء جبار والمعدن جبار. أي يهدر الأرش فيه، فهو يخالف المعنى الأول. وقولهم للأربعاء: دبار لأنّه عندهم آخر العدد وقد تمّ بإجرائه العقد الأوّل. ودبر كل شيء مؤخّره، وإنما كان كذلك لأنّ الخميس- والجمعة- والسّبت- سمّوها بأشياء تصنع فيها فاستغنوا بها عن عددها. وقيل للخميس: مؤنس لأنه يؤنس به لقربه من الجمعة وفي الجمعة التأهّب للاجتماع. وقيل للجمعة: العروبة لبيانها عن سائر الأيّام، والإعراب في اللّغة الإبانة والإفصاح، والعرب شوك البهمي والواحدة عربة، سمّي بذلك لأنّ الورق يسقط منه فيظهر الشّوك. فالتّأويل أنّه قد بان من الورق والعرابة عسل الخزم، سمّي به لأنّه يقال لثمرة العراب، والواحدة عرابة، وقد أعربت الخزم، ويقال للمرأة الغزلة هي عربة وعروبة أيضا. ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً [سورة الواقعة، الآية: ٣٥- ٣٦] وقيل: العروبة المتحبّبة إلى زوجها، ويقال للمتهلّل الوجه: عرابه. وبير عربة: كثيرة الماء. وقد قيل: العروبة بالألف واللّام وبغير الألف واللام كأنّه جعل علما، وأنشد فيه شعرا: وإذا ترى الرّواد ظلّ بأسقف ... يوما كيوم عروبة المتطاول يروى يوما كيوم، ويوما كيوم، قال: ولم يزل أهل كل دين يعظّمونه وجعله متطاولا للعبادة فيه، والمعنى وإذا ترى هذا الحمار الوارد ظلّ له يوم طويل وطوله طول مكثه يميل بين الورود وتركه. وإذا نصبت اليوم: فالمعنى ظلّ الحمار يوما طويلا في هذا الموضع، وإذا رفع فالمعنى ظلّ بأسقف يوم له، وروي الأرواد فكأنّه جمع ورد والمعنى: أهل الأوراد أو يجعل الورد للواردين. وقال القطامي: فأتى بالألف واللّام شعرا:

стр. 199

نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا ... يوم العروبة أورادا بأوراد (وتسمّى الجمعة) حربة أيضا، سمّيت بذلك لبياضها ونورها فهي في الأيّام كالحربة. (وذكر أصحاب) السّير أنّ أولاد نوح ﵇ عزموا على المسير في الأرض ليروها، ويختاروا منها لمطافهم وأوطانهم فبدؤوا بمسيرهم في يوم الأحد فسمّي الأوّل. (ثم لمّا كان اليوم الثّاني) كان السّير الذي شق عليهم في الأوّل أخفّ فسمّي الاثنين أهون. و (في الثّالث) جبروا ما تشعّث من أحوالهم بعد ما نزلوا سمّي لذلك الثّلاثاء جبارا، ولأنّهم جبروا ما كانوا خفّفوه من سيرهم فيما قبله فسمّوه جبارا. و (في الرّابع) انتهوا إلى عقاب وجبال فحجزتهم ومنعتهم فأدبروا وغيّروا الطّريق فسمّي الأربعاء دبارا. و (في الخامس) تسهّل الطّريق ورأوا ما أنسهم فسمّي الخميس مؤنسا. و (سميت الجمعة) العروبة لأنّ كلمتهم اجتمعت وبان لهم من الرّأي ما كان خافيا فتعربوا واتّفقوا. فإذا جمعت السّبت فيما دون العشرة أسبت والكثير سبوت. وإذا جمعت الأحد قلت في القليل: آحاد وفي الكثير أحود مثل جمل وأجمال وجمال وأسد وأسود وآساد. والاثنان لا يثنّى فإنّه مثنّى، فإن أردت تثنيته جئت بالمعنى فقلت: هذان يوما الاثنين ولا يحسن مضى الاثنانان، فيحصل الإعراب مرتين. قال قطرب: ومع ذلك قد حكي. وفي الجمع أيضا تقول: مضت أيام الاثنين، إلا أنّهم قد قالوا: اليوم الثّني فلا بأس على هذا أن يجمع فيقول: مضت أثناء كثيرة. وحكي عن بعض بني أسد: مضت آثان كثيرة، كأنّه جمع أثناء مثل: قول وأقوال وأقاويل، وأسماء وأسامي، فلا بأس بذلك. قال: وحكيت لنا مضت أثانين، ولا وجه لهذا لأنّه من ثنيت الشيء، فالنّون الأخيرة لا مدخل لها، فأمّا جمع الثّلاثاء والأربعاء فثلاثاوات، وأربعاوات بالألف والثّاء، لأنّ فيها علم التأنيث وهو الهمزة بعد الألف كألف حمراء وصفراء. وزعم يونس أنه يقال: مضت ثلاث ثلاثاوات، وأربع أربعاوات، على تأنيث اللّفظ ويقال: ربعت الجيش إذا أخذت ربع القسمة منهم ولم يأت على وزن المرباع في تجزئة الشيء غير المعشار والمرباع المكان الباكر بالنبات. ومنه قوله: رزقت مرابيع النّجوم، وفي الأربعاء لغات أربعاء بفتح الباء وأربعاء بكسر الباء والهمزة، ويجمع على أربعاوات وأرابيع، وتقول أيضا: ثلاث ثلاثاوات وأربعة أربعاوات على معنى التّذكير، لأنّ اليوم مذكّر وقال الشّاعر شعرا: قالوا: ثلاثاؤه خصب ومأدبة ... وكلّ أيامه يوم الثّلاثاء وحكى المفضّل في الثّلاثاء الأثالث في الكثير. وحكى في جمع الأربعاء الأرابيع أيضا، وأمّا الخميس فإذا جمعته على أقل العدد كان على أفعلة تقول: ثلاثة أخمسة، كما

стр. 200

قالوا: جريب وأجربة وكثيب وأكثبة، ويجوز في القياس جمعه على فعلان نحو خمسان، كما قيل: كثيب وكثبان ورغيف ورغفان. وقال يونس: أخمسة في الأيام، وأخمساء في الخمس، تقول: إذا أخذ الخمس قد أخذ أخمساء في ماله. فأما الجمعة فإنّها إذا جمعتها لأدنى العدد كانت بالتّاء: ثلاث جمعات، أتبعت الضمّة مثل ظلمات، وإن أسكنت فقلت جمعات وظلمات كما أسكن عضد وعضد وعنق وعنق جاز وإن شئت فتحت فقلت ثلاث جمعات وظلمات. وقال النّابغة: ومقعد أيسار على ركبانهم ... ومربط أفراس وناد وملعب وإن شئت قلت ثلاث جمع كما تقول: ثلاث ظلم وثلاث برم. وإن شئت كان ذلك لكثير. وأيّام العجوز سبعة كما قال: كسع الشّتاء بسبعة غير ... أيّام شهلتها من الشّهر فبآمر وأخيه مؤتمر ... ومعلّل ومطفي الجمر فإذا مضت أيّام شهلتها ... بالصّن والصّنبر والوبر ذهب الشّتاء مولّيا هربا ... وأتتك واقدة من النّجر قال أبو سعيد: سمّيت هذه الأيام غبرا للغبرة والظّلمة. والشّهلة العجوز. وآمر سمّيت بذلك لأنّه يأمر الناس بالحذر منه، وسمّي مؤتمر لأنّه يأتمر بالنّاس أي يرى لهم الشّر ويؤذيهم. ومنه قول امرئ القيس: أجاز ابن عمر وكأنّي خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر وسمّي (صنا) لشدّة البرد. والصّن البرد. وسمّي (صنبرا) لأنّه يترك الأشياء من البرد كالصّرة في الجمود، وكلّ ما غلظ فقد استصبر. وسمّي (وبرا) لأنّه وبر آثار الأشياء أي عفا. (والتّوبير) المحو والإخفاء، كتوبير الأرنب، وهو أن يمشي في حزونه لا يوقف على أثره، وسمّي (مطفي الجمر) بذلك لأنّ شدّة البرد تطفىء الجمر. (ومعلّل) سمّي بذلك لأنّه يعلّل النّاس بتخفيف البرد. (والنّجر) وقدة الحر، ومنه قيل شهر ناجر. فهذا ما قاله أبو سعيد الضّرير، ومن النّاس من يقول في أيّام العجوز هي: المسترقة في أوّل الشّتاء. ومنهم من يجعلها في آخر الشّتاء ويسمّيها أيّام الشهلة. ومنهم من يعدّها خمسة، ومنهم من يعدّها سبعة على ما تقدم. وحكي أنّ الكسائي سأله الرّشيد عن سببها، فقال: كانت امرأة من العرب قد اهترمت، وكان لها سبعة أولاد فقالت لهم: زوّجوني زوّجوني زوّجوني وهم يضربون عنها ولا يكترثون لها فأنشأت تقول شعرا: أيا بنيّ إنّني لناكحة ... فإن أبيتم إنّني لجامحه

стр. 201

هان عليكم ما لقيت البارحه ... من الهياج وحكال الوامحه ويروى الفاضحة. وقيل: أرادت بالوامحة الواحمة أي المشتهية من قولهم: وحمت المرأة توحم وحما وهي امرأة وحمى، فقالوا لها: بيتي لنا سبع ليال على ثنية هذا الجبل لكل ابن ليلة لنزوّجك بعد ذلك، فجاؤوها بعد السّابعة وقد انقضت. (فمن عدّها) سبعة فقال: هي: صن «١» وصنبر- ووبر- وآمر- ومؤتمر- ومعلّل- ومطفي الجمر- (ومن عدّها) خمسة قال هي: صن- وصنبر واختهما وبر- ومطفي الجمر- ومكفي الظّعن. وقال أبو سعيد الضّرير: سمّيت أيام العجوز لأنّ العرب جزّت الأصواف والأوبار مؤذنة بالصّيف، وقالت عجوز منهم لا أجزّ حتى تنقضي هذه الأيّام فإنّي لا آمنها، فاشتدّ البرد لها، وأضرّ بمن قد جزّ وسلمت العجوز بما لها. وقال أحمد بن يحيى: الصّحيح أنّ العجوز عجلت بجزّ صوفها لحاجتها إليه وثقتها بالحر، فجاء البرد وموّتت غنمها، وكانت سبعة فماتت كلّ يوم واحدة فمن جعلها سبعة فلهذه العلّة، وإلّا فبرد العجوز ربّما بقي عشرة أيام أو أكثر. وقال أحمد بن يحيى: (معتدلات سهيل) بإزاء (برد العجوز) (والكسع) ضرب الضّرع بالماء البارد حتى لا يدر، وكسع الشّتاء ضرب آخره بهذه الأيّام. و (الشّهلة) العجوز، وتشهّل الغلام إذا تغيّر بخروج لحيته أو لغير ذلك. قوله (بآمر) أي بيوم استعدّ فيه للبرد كأنّه أمر بذلك. و (مؤتمر) أي ايتمر للّذي أمره بذلك فقبله وقوي برده. و (معلّل) من العلل وهو شرب بعد شرب كأنّه جاء ببرد بعد برد (ومطفي الجمر) أي لشدّة البرد لا يكون للجمر ثبات. (والصّن) المتكمّر برد شديد، (والصّنبر) مثل ذلك. (والوبر) يكون من الوبر الذي احتيج إليه من البرد. (والوقدة) شدّة الحرّ من الوقود وهو النّار. (والنّجر) شدّة العطش. (وشهرا ناجر) تموز وحزيران. وقال الضّرير في قول أبي عبيدة في الكسعة إنّها الحمير إنّه خطأ، لأنّ الكسعة تقع على الإبل والبقر العوامل والحمير والرقيق لأنّها تكسع بالعصا، أي تساق أو بالخب، فكيف جعلها حميرا وحدها؟ ومما يصدّق ما قلنا قول الشاعر في أيّام العجوز كسع الشّتاء، يريد كسعت أيّام العجوز الشّتاء كما تكسع السّيقة إلى حيث يراد بها، ويقال: إنّ يومنا لصنبر،

стр. 202

وهو القر. وقال غيره في شدّة البرد: الخرص والصّنبر والزّمهرير. وقال بعضهم: أيّام العجوز: الصّن- والصّنبر وابن عمهما الوبر- والمضوضى في القبر- والمسند اللّامة الجمر والمدخل الفتاة في الخدر والمسلخ العجوز في الوكر. وقد سمّت العرب الأيّام الخمسة بأسماء كما خصّت أيّام العجوز بأسماء وهي الهنبر- والهنزير وقالب القمر- وحالق الظّفر- ومدحرج البعر. قال أبو حنيفة: أمّا أيام العجوز فهي عند علماء الحضر في نوء الصّرفة بعد انقضاء الجمرات وهي خمسة. وقال الكلابي: هي بالبادية عند ثلاثة بعد سقوط الجمرة الآخرة من الجبهة بنحو من سبع ليال، قال: وهذه الأيّام تسمّى صفوان. والثّاني الصّافي وهو أشدّها قرا، والثّالث صفى وهو آخرها، وأوّل نهاره يشبه الأوّلين، وآخر نهاره يتباشر النّاس بلينه. وروى غيره عن العرب أول يوم صفي. والثّاني صفوان. قال وذلك إذا اشتدّ البرد. والثّالث همام لأنّه يهم بالبرد ولا برد له. وقال أبو زياد: فيها يقولون: أيّام العجوز ثلاثة، وقد كان أيام العجوز لنا شهرا. قال: وأيّام العجوز عند الجمهور سبعة، وسقوط الجمرة الأولى عند العوام لسبع من شباط. وسقوط الجمرة الوسطى لأربع عشرة من شباط، وسقوط الأخيرة لإحدى وعشرين من شباط. وأول أيام العجوز عندهم لخمس وعشرين من شباط، وآخرها لثلاث من آذار.

стр. 203

الباب الخامس عشر في أسماء الشّهور على اختلاف اللّغات، وذكر اشتقاقاتها وما يتّصل بذلك من تثنيتها وجمعها وهو فصلان: فصل [في بيان] معنى الشّهر أنّ النّاس ينظرون إلى الهلال فيشهرونه يقال: محرّم ومحرّمان ومحاريم ومحرّمات وإنما سمّي محرّما لأنّهم كانوا يحرّمون القتال فيه وصفر وصفران وأصفار وسمّي صفرا لأنّهم كانوا يغزون الصّفرية وهي مواضع كانوا يمتارون الطّعام منها، وقيل: لأنّهم كانت أوطانهم تخلو من الألبان ومن كلامهم: نعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء. ويقال: صفرت عيبة الود من فلان أي خلت قال شعرا: وإذ صفرت عياب الودّ منكم ... ولم يك بيننا فيها ذمام ويقال شهر (ربيع الأول) والأوّل فمن خفض ردّه على ربيع ومن رفع رده على الشّهر. وكذلك شهرا ربيع الأوّلان والأوّل وشهور ربيع الأوائل والأوّل- وحكي ربيعا الأول وأربعة الأول- وقالوا: أربعة الأوليات والأوّل وربيعا (الآخر) وأربعة الأواخر والآخر. وسمّيا ربيعين لارتباع القوم- أي إقامتهم. و (جمادى الأولى) وجماديان وجماديات وجماديا الأولى- وقالوا: الأوليين- وجماديات الأولى والأوّل والأوائل- و (جمادى الأخرى) والأخريين وجماديات الأخرى والآخر والأواخر. قال الشاعر: إذا جمادى منعت درّها ... زان جنابي عطن مغضف ويروى قطرها، وإنّما يصف نخلا فيقول إذا قلّت الأمطار ولم يكن عشب فزين الإبل أعطنة النّاس، فإنّ جنابي يزينه النّخل، فجعل أعطانها منابتها (والمغضف) يقال نخلة مغضفة إذا كثر سعفها. ورواه بعضهم: معصف بالعين والصّاد، يقال: مكان معصف أي كثيرة العصف وهو التّبن، والأجود الأوّل والأصح.

стр. 204

(وقال البصريّون والكوفيّون) جميعا الشّهور كلّها ذكران إلّا جمادى: لجمود الماء فيها. ويقال: (رجب) ورجبان وأرجاب وأراجيب وأرجبة وسمّي رجبا لترجيبهم آلهتهم فيه، والتّرجيب: أن يعظّموها ويذبحوا عنها، وكانوا يعظّمون الشّهر أيضا وقال الشّاعر: لإبل من أجل وأرجب. ويقال له: شهر الله الأصم، ومنصل الال بعد ما مضى غير دأداء، وقد كاد يذهب، وذلك لقعودهم فيه عن الغزو والكف عن الغارة فلا يسمع فيه قعقعة سلاح، ولا تداعي أبطال، ولا استصراخ لغارة، ويقال: رجبت الأمر إذا هبته وعظّمته، ومنه قيل في المثل: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب. وقال أبو داود: صادفن منصل آلة في فلتة فجرين سرجا. ويقال للّيلة التي لا يدري أهي من الشّهر الحرام أو الحلال فلتة. و (شعبان) وشعبانات وشعابين وسمّي شعبان لتشعّب القبائل فيها واعتزال بعضهم بعضا. ورمضان ورمضانات ورماضين وسمّي رمضان لشدّة وقع الشّمس وتناهي الحرّ فيه ويقال: هذا شهر رمضان وهذا رمضان وقال شعرا: جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض أي إذا ابتسمت: قطع النّاس حديثهم ناظرين إليها وإلى ثغرها ومستملحين كلامها ومثل هذا قول الآخر: ديار التي كادت ونحن على منّى ... تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب والمعنى: كادت تصرفنا عن مقصدنا اشتغالا، لولا استعجال النّاس، قال الفرّاء: وكان أبو جعفر الفارسي يروي عن المشيخة أنّهم كرهوا جمع رمضان يذهبون إلى أنّه اسم من أسماء الله تعالى، والله أعلم بهذا. وشوّال وشوّالان وشوّالات وشواويل وسمّي بذلك لشولان الإبل بأذنابها عند اللّقاح، ويقال سمّي بذلك لأنّ الألبان تشول فيه وتقل. ويقال: شال اللّبن وشال الميزان إذا خفّا. وذو القعدة وذواتا القعدة وذوات القعدة، سمّي بذلك لقعودهم في رحالهم لا يطلبون كلأ ولا ميرة. وذو الحجّة وذوات الحجّة لحجّهم وقالوا: ذواتا القعدتين، وذوات القعدات وكذلك قيل في ذي الحجّة، ويقال: شهر ناجر لشدّة الحر، ومنه نجر من الماء إذا جعل يشرب فلا يروى وأنشد شعرا: ويوم كأنّ الشّمس فيه مقيمة ... على البيد لم تعرف سوى البيد مذهبا

стр. 205

ويوم على قوسين في شهر ناجر ... سعيت لأصحابي وراءه منشبا شبه وشي ردائه بأفواق النشّاب وهي السّهام. وقال الأصمعي: شيبان وملحان اسمان لشهري قماح وهما الشّهران اللّذان يشتدّ فيهما البرد، سمّي شيبان لابيضاض الأرض بالثّلج كذلك ملحان مأخوذ من الملحة وهو البياض. وقال قطرب: يقال لجمادى الأولى وجمادى الآخرة شيبان وملحان من أجل بياض الثّلج وقال قولهم: مات الجندب وقرب الأشيب أي قرب الثّلج. وقال الكميت: إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها ... لملحان أو شيبان واليوم أشهب وذكر المفضّل: أنّ من العرب من يسمّي المحرّم (المؤتمر) والجمع مآمير ومآمر. قال الشّاعر: لولا ايتماري بكم في المؤتمر ... عزمت أمري للفراق فانتظر وقال آخر: نحن أجزنا كلّ ذبال فتر ... في الحجّ من قبل وادي المؤتمر واشتقاقه يجوز أن يكون من شيئين. (أحدهما) أنّه يؤتمر فيه الحرب قال: ويعدو على المرء ما يأتمر. والآخر: أن يكون من أمر القوم إذا كثروا فكأنّهم لمّا حرموا القتال فيه زادوا وأكثروا. ويسمّى صفر ناجرا والجمع نواجر. قال: صبحناهم كأسا من الموت مرة ... بناجر حين اشتدّ حرّ الودائق وقال الكميت: قطع التّنائف عائدا بك ... في وديقة شهر ناجر وتكون تسميتهم إيّاه بذلك من شيئين: (أحدهما) أن يكون من النّجر والنّجار وهو الأصل، فكأنّه الشّهر الذي يبتدأ به الحرب، ومنه قيل لجادة الطّريق: المنجر. قال: ركبت من قصد الطّريق منجره. (والآخر) أن يكون من النّجر وهو شدّة الحرّ فيكون وقوع حرارة الحرب والحديد فيه. ومنه قوله: كلّ نجار إبل نجارها وكلّ نار المسلمين نارها، ويسمّى ربيع الأوّل (خوان) مخفف. وقال الفرّاء: بعضهم يقول خوان والجمع أخوية وخوانات. قال لقيط الإيادي: وخاننا خوان في ارتباعنا ... فانفد للسّارح من سوامنا وقال الآخر:

стр. 206

وفي النّصف من خوان ودّ عدوّنا ... بأنّه في أمعاء حوت لدى البحر واشتقاقه من الخون وهو النّقص، لأن الحرب يكثر ويشتد فيه فيتخونهم أي ينتقصهم ويسمّى ربيع الآخر (ويصان) مضموم خفيف وقال الفراء: بعضهم يقول: بصان، وبعضهم يجعل الواو أصلا فيقول: وبصان فيجزم الباء والجميع بصانات وأبصة. قال: وسيّان بصان إذا ما عددته ... ويرك لعمري في الحساب سواء واشتقاقه من الوبيص وهو البريق، أو من البصيص. وأنشد شعرا: ويوم كأنّ النّار يوقدها له ... هواجر وبصان عسفت به الحرقا على ما يرى الضّبعين يشبه دالجا ... أحال بدلويه على حوضه دفقا ويسمّى جمادى الأولى: الحنين وبعضهم يقول الحننين، والجمع أحنّة. قال المهلهل: أتيتك في الحنين فقلت رنّى ... وماذا بين رنى والحنين؟! وقال: وذو النّحب يؤويه فيوفي بنذره ... إلى البيض من ذاك الحنين المعجّل واشتقاقه من الحنين لأنّ النّاس يحنّون فيه إلى أوطانهم. ويسمّى جمادى الآخرة: رنى وورنة بجزم الرّاء. قال الفراء: هكذا السّماع لبعضهم وغيره يقول: رنة مثل ورنة، والجمع ورنات. قال: وأعددت مصقولا لأيام ورنة ... إذا لم يكن للرّمي والطّعن مسلك ومن قال: رنة قال في جمعه رنات مثل زنة وزنات، فأمّا رنى فسمّي به لأنّه يعلم فيه ما نتجت حروبهم. (والرّني) الشّاة الحديثة النّتاج، وأما رنة وورنة فمشتق من أرن يأرن، إذا نشط وتحرّك فأبدل الواو من الهمزة، وكأنّه أريد الوقت الذي يتحركون فيه للغزو، فورنة مثل وجهة، ورنة «١» مثل جهة. وقال: مدرّج الرّيح ترّبعن ورنة ... إذا عاقل وصغن برومان فالماير فلمّا دنا لهبان الشّتاء يمّمن أحرجة الحاجر. ويسمّى رجب الأصم والجمع صم. قال:

стр. 207

يا ربّ ذي خال وذي عن عمم ... قد ذاق كأس الحتف في الشّهر الأصم وإنّما سمّي به لتركهم الحرب حتى لا يسمع فيه صلصلة حديد. ويسمّى شعبان (وعلا) بكسر العين والجمع أوعال. قال الفرّاء: وبعضهم يقول وعلان. ويقال وعل أيضا، وهو الملجأ، يقال: مالي عنه وعل: أي ملجأ، ولم أجد إليه وعلا، أي سبيلا، وكأنّه سمّي الشهر به لأنّ الغارة كانت تكثر فيه فيلتجىء كلّ قوم إلى ما يتحصّن به. والتّوعّل التّوقّل ومنه اشتقّ الوعل والمستوعل من الحمير المحترز. قال و (يسمّى رمضان) (ناتق) والجمع نواتق. قال: وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغا ... وولّت على الأدبار فرسان خثعما وإنمّا سمّي بذلك لأنّه كان مكثرا لهم الأموال، يقال: نتقت المرأة: إذا كثرت الولد، والنّتق الجذب أيضا، كأنّه كان يجذب النّاس إلى غير ما هم عليه. قال الرّاعي: وفي ناتق كان اصطلام سراتهم ... ليالي أفنى القرح جلّ إياد نفوا إخوة ما مثلهم كان إخوة ... لحيّ ولم يستوحشوا لفساد ويسمّى شوّال عاذلا، والجمع عواذل. قال تأبط شرا: شعب الوصل عاذلي بعد حجري ... حبّذا عاذل أتى خير شهر يا ابنة العامريّ جودي فقد عيل ... على القرب والنّوى منك صبري وقال: أبوتا الذي أنسى الشّهور لعزّه ... فعاذل فينا عدل وعلان فاعلم هذا البيت شاهد لشعبان وشوّال جميعا. وقال زيد الخيل في وعل: هيهات هيهات برّيات الكلل ... قد كان أدنى متوعد منك وعل قد مرّ شهران ولم يأت الرّسل وكأنّه سمّي بذلك لأنّه كان يعذلهم على الإقامة، وقد حلّت الحرب والغارات. ويسمّى ذو القعدة: هواعا، والجمع أهوعة، وإن شئت هواعات. قال شعرا: وقومي لدى الهيجاء أكرم موقعا ... إذا كان يوما من هواع عصيب وقيل له ذلك: لأنّه كان يهوع النّاس أي يخرجهم من أماكنهم إلى الحج. ويقال: هاع فلان يهوع هوعا إذا قاء، وتهوّع وما يخرج من حلقه هواعة.

стр. 208

ويسمّى ذو الحجة (برك) وجمعه بركات، ولك أن تفتح الرّاء. قال: أعن لي على الهنديّ مهلا وكرة ... لدى برك حتّى تدور الدّوائر يعني بالهندي سيفه (والمهلل) دردى الزّيت، (والكرت) البعر، أي احفظ سيفي من الصدأ واصقله بذلك، وكان الشّهر سمّي بذلك، لأنّه معدول عن بارك وكأنّه الوقت الذي يبرك فيه الإبل للموسم، وجائز أن يكون مشتقا من البركة لأنّه وقت الحج، فالبركات تكثر فيه، وأصل البركة من الثّبات ومنه برك البعير. أسماء الشهور العربية غير الأسماء المشهورة: وقال الدّريدي: والمشهور أسماء غيرها بلغة العرب العاربة، وهم كانوا يسمّون (المحرم) موجبا، و (صفرا) موجزا، و (ربيع الأوّل) موردا، و (ربيع الآخر) ملزجا و (جمادى الأولى) مصدرا، و (جمادى الآخرة) هوبرا، و (رجبا) مويلا، و (شعبان) موهبا، و (رمضان) ذيمرا، و (شوالا) جيفلا، و (ذا القعدة) محلسا، و (ذا الحجة) مسبلا، وكانوا يبدؤون من السّنة برمضان وقد نظم بعضهم المحدثين أسماء الشهور فقال شعرا: أردت شهور العرب في جاهليّة ... فخذها على سرد المحرّم يشترك فهو تمر يأتي ومن بعد ناجر ... وخوّان مع وبصان يجمع في شرك حنين ورني والأصم وعاذل ... وناتق مع وعل وورنة مع برك وقال أحمد بن يحيى: إنّما خصّت العرب شهر ربيع وشهر رمضان بذكر شهر معهما من دون غيرهما من الشّهور ليدلّ على موضع الاسم، كما قالت العرب: ذو يزه، وذو كلاع، فزادت ذو ليدل على الاسم، والمعنى صاحب هذا الاسم. قال ويصغّر جمادى على جميدى وجميدى وجميدية وجمادية وجمادية، كما قالوا: حبارى وحبيرة، وكان الحكم أن يقال في هذا: شهر الرّبيع الأوّل، وشهر الرّبيع الآخر، إلا أنّه مما أضيف فيه المنعوت إلى النّعت مثل دار الآخرة، وحق اليقين وصلوة الأولى، ومسجد الجامع، حكى ذلك الكسائي واللّحياني. وحكى أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي أنّ جمع ربيع المطر: أربعة، وربيع النّهر أربعاء. وجمادى الأولى والآخرة على ما يجب لأنّه أتبع فيه النعت المنعوت ولم يضف إليه، ومنهم من يجيز جاء رمضان، ولا يذكر الشّهر ولفظ القرآن (شهر رمضان) وحكى الخارزنجي أنّه يقال في جمع ربيع الأول وربيع الآخر: هذه الأربعة الأوائل، والأربعة الأواخر، والربعة أقصى غاية العدد، وأنشد فيه:

стр. 209

أم الفوارس بالدّيداء والرّبعة فصل اعلم أنّ سرار الشّهر آخره، وفيه لغات: يقال سرار الشّهر، وسراره وسرّه وسرره. ويزيد النّوء عندهم غرارة وحمدا إذا كان في سرار الشّهر. لذلك قال الرّاعي: تلقى نوؤهنّ سرار شهر ... وخير النّوء ما بقي السّرار وقال الكميت: هاجت له من جنوح اللّيل رائحة ... لا الضّب ممتنع منها ولا الورل في ليلة مطلع الجوزاء أوّلها ... دهماء لا قرح فيها ولا رجل (قوله) : لا الضّب البيت يعني السّيل يدخل عليهما فيستخرجهما لبلوغه النّجوات، وذلك أنّ الضّب والورل يرفعان مكانهما عن مجرى السّيول. (وقوله) : لا قرح يريد أنّها من السّرار فلا ضوء في أوّلها ولا في آخرها. وقال الحطيئة شعرا: بانت له بكثيب حرية ليلة ... وطغا بين جماديين درورا وهي اللّيلة التي لا يدرى من أيّ الشّهرين يكون مشكوكا فيها، وقد يحمد أن يكون في أوّل الشهر أيضا. قال الكميت: والغيث بالمتألّقات ... من الأهلّة في النّواحر النّواحر: جمع ناحرة وهي اللّيلة التي تنحر الشّهر، ويقال لها أيضا: النّحيرة. قال أبو حنيفة: واختلف فيها فزعم بعض أهل العلم أنّها أول ليلة من الشّهر يذهب إلى أنّها في نحره، وزعم غيره: أنها آخر ليلة من الشّهر لأنّها تنحر الشّهر الدّاخل، قال: ولا أظنّه قال هذا إلّا لأنّ يجعل الاختيار في السّرار، لأنّه أشهر لكنه قد جاء بالمتألّقات من الأهلة، وجاء أيضا وافق غر شهر نحيرا، ولا يقال غرّة إلّا وهي ليلة الهلال، وقد قال الفرزدق: في ناحرات سرار بعد إهلال. فجعلها من السّرار وجعلها ناحرة وجعلها بعد الإهلال. قال: فإن كانت هذه الرّواية صحيحة فلا أعلم لها وجها، إلّا أنّ اللّيلة دخلت وهي من السّرار، لأنّ ما بين استسرار القمر إلى أن يرى الهلال سرار، كلّه، فدخلت وهي من السّرار، ثم رؤي فيه الهلال فصارت نحيرة، وصار ما فيها من غيث بعد الإهلال، هذا أقرب ما أعرف منها. وإن كانت الرّواية كما يزعم آخرون أنّها قبل الإهلال، فهذا ما لا كلام فيه. ويكون حينئذ مثل قول الرّاعي شعرا:

стр. 210

ومردة وطغا وافق نوؤها ... قبل الهلال بديمة ديجور ويكون حينئذ في السّرار المحض. فأما قول ابن أحمر: ثم استهلّ عليها واكف همع ... في ليلة نحرت شعبان أو رجبا فإنّه يحتمل المعنيين جميعا، هذا إن كانت النّحيرة معروفة عند العرب أنّها أوّل ليلة من الشّهر. وقيل في قول الشّاعر: كان ابن مزنتها جانحا ... قسيط لدى الأفق من خنصر مثل قول الكميت، لأنّ ابن المزنة هو الهلال وقول أبي وجزة: جيران دان من الجوزاء منحور. فليس هو من النّحيرة بل هو مثل قول الرّاعي: فمرّ على منازلها فألقى ... بها الأثقال وانتحر انتهارا أي يشقّق بالماء وتعشق فعلى هذا مذهب العرب في اختيار السّرار والغرّة، قال أبو حنيفة: وقد قال أبو وجرة في ليلة لتمام النّصف من رجب: خوارة المزن في أقتادها طول. فلا أعرف أحدا وافقه على هذا الاختيار ولا أعلمهم حمدوا المحاق بليلة، فكان محاقا كلّه ذلك الشّهر. وقال الأخطل شعرا: فإن يك كوكب الصّمعاء نحسا ... به وافت وبالقمر المحاق وتزعم الهند فيما يحكى عنها أنّ النّحوسة أبلغ في الأمطار، وإنّما النّحوسة عندهم ما دام القمر مستسرا محترقا، فإذا فارق الشّمس ذهبت عنه النّحوسة لأنّه قد خرج عندهم من الاحتراق، والعرب تقول: إذا نأت النّجوم بغير مطر: خوت تخوي خيا وخويا وأخوت تخوي إخواء. فإذا أمحلت فلم يكن فيها مطر فذلك الخي والأخلاف، فإذا لم يخلف قبل صدقت وقد صدق النّوء إذا كان فيه مطر وما كان فيها من أمطار أو بوارح: فهي الهيوج والواحد هيج. قال الأصمعي: يقال: هذا في الهيج المتقدّم. وقال ذو الرمة: فلمّا رأين القنع أسغى وأخلفت ... من القصر بيّات الهيوج الأواخر (القنع) المكان الذي انخفض وسطه وارتفع جوانبه، وإنما وصف نساء دفعن إلى بوارح. وقال آخر: ونار وديقة في يوم هيج ... من الشّعرى نصبت لها الجبينا قال ابن الأعرابي: العرب تسمّي نجوم الأسد كواكب النّحوس لشدّة بردها. وقال عمر بن اللّجاء شعرا:

стр. 211

لمّا خشيت كبة التّنكيس ... وقحم السّير بمر مريس خنست في الباقل والخليس ... واقتحمت كواكب النّحوس والكيس أحيانا مع الخنوس ... حتّى وضعت غدوة دريس أخبر أنّه اقتحمت كواكب النّحوس فسقطت فوضع ثوبه غدوة، ولم يخف البرد، وقوله: (خنست) في الباقل أي لم أنتجع، و (الباقل) البقل والخليس من نبات البقل فيه رطب ويابس ومنه قولهم: أخلس الإنسان: إذا خالطه شيب، وأنشد: قوم أبا الجهم صدور العيس ... أما ترى البرق على خليس رأى أن يقع النّدى والعرب تقول إذا سبق النّدى للقر، فلذلك عام خصب يستحبّه العرب، ويقولون: أجدحت «١» السماء ويزعمون أنّه من علامات الحياء. قال سهيل المدلجي: وأسد الشّتاء عنها محدج. وإذا سبق القر الرّبيع خشوا أن يكون ذلك العام جدب.

стр. 212

الباب السّادس عشر في أسماء الدّهر وأقطاعه وما يتّصل بذلك وهو فصلان: فصل قالوا: الأزلم الجذع والأزنم الجذع حكي باللّام والنون، وأنشد قطرب: إني أرى لك أكلالا يقوم له ... من الأكولة إلّا الأزلم الجذع قال: وبعضهم يرويه الأزنم بالنّون، فمن قال الأزنم أراد أنّ الأوقات التي يعرض فيها كالزّنمات له، تشبيها بزنمات الشّاة، وهي الزّوائد المعلّقة من حلقها ومن تحت حنكها. ومن قال: الأزلم أراد أنّه سريع المر والتقلّب، يقال: ازلأم به إذا أخذه وعدا به مسرعا. ومنه قوله: أم قيد فأزلم به شاء والعنن. أراد أنّه لا يسمع أن قد فات به الموت وسبق وطار. ومنه قيل للقدح: الزّلم لخفّته في جولانه، وهذا كما قيل في صفاته قدح زلول ودروج، ومعنى الجذع أنّه لا يهرم. وزعم الفرّاء أنّ الأصل هو الأزنم من الزنمة، وأنّ اللّام مبدلة من النّون، وحكى الخليل: أنّ الزّلم: تكون زائدة في حلق المعز فإن كانت في الأذن فهي زنمة، والنّعت إزلم وإزنم، فعلى هذا يكون المعنى فيهما على طريقة واحدة وهو ما ذكرناه من تشبيه الحوادث بالزّنمات. ويجوز أن يكون سمّى الدّهر إزلم تشبّها بالزّلم يكون من القداح لأنّها على غرار واحد. وكذلك اللّيالي والأيام تجيء على مثال واحد، ولذلك جاء في المثل: ما أشبه اللّيلة بالبارحة، فكأنّ الزّلم هي القطع والقدّ. ولذلك قيل: هو العبد زلمة أي: قدّه قدّ العبيد، ويقال: رجل مزلم أي يشبه القدح في الخفة والنفاقة. ومن أسمائه المسند ويقال: لا أفعله آخر المسند وإلى المسند ويد المسند والمعنى إلى أن يسند الدّنيا إلى الآخرة، كان المراد آخر الوقت المسند، وإلى الوقت المسند، ويجوز

стр. 213

أن يكون لما أسندت الحوادث إليه لاعتقادهم به الجالب لها والسّابق سمّي مسندا، وكان يجب أن يقال: المسند إليه فحذف إليه تخفيفا. ومن أسمائه: عوض، يقال: لا أفعله عوض العائضين ودهر الدّاهرين، قال الأعشى: رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا يتفرّق و (عوض لا يتفرق) يفتح ويضم، وقد جاء عوض كلمة يقسم بها يقال: عوض لا يكون ذلك أبدا. وروي بيت الأعشى: (بأسحم داجي العوض) وفسّر على أنّ عوض كلّ شيء جوفه. ويستعمل في الزّمان، فيقال: عوض اللّيل أي مثناه. وحكى بعضهم أنّ عوض اسم للضمّ وأنشد: (حلفت بمايرات حول عوض) وقال بعضهم: يجوز أنّ استعمالهم إيّاه في القسم من حيث كان في الأصل اسما للضم، فأمّا استحقاقه للبناء فمن حيث كان متضمنا معنى لام التّعريف، فمن فتحه فلأنّ الفتح أخفّ الحركات، ومن ضمّه فلأنّه شبّه بقبل وبعد. قال الشّيخ: ويجوز أن يكون عوض في الأصل مصدر عاضه يعوضه عوضا وعياضا. وجعل اسما للزّمان، والمعنى ما عوض الدّهر النّاس من أيّامه لأنّ الدّهر ليل ونهار يتعاقبان ويتعوّضان، والعوض والعياض والعوض البدل، ويقال: هو عوض لك وعياض لك أي عوض. والمصادر تقام مقام أسماء الفاعلين والمفعولين. ومعنى العائضين النّاس المقيمون في العوض فأمّا قوله: وهل عائض منّي وإن جلّ عائض. فالمراد به هل معط للعوض منّي بمعط وإن جلّ أمره وعظم شأنه. والمعنى لا يفي عوض من الأعواض بي وإن جلّ، لأني أكون أفضل من كلّ عوض. ويقال: عضته كذا فاعتاضه، كما يقال: وهبت له كذا فاتهبه، وقضيته الدّين فاقتضاه، وعلى هذا قيل في الشيء: هذا لا يعتاض منه، وأنشد صاحب العين شعرا: يا ليل أسقاك البريض الوامض ... والدّيم الغادية الفضافض هل لك والعارض منك عائض ... في هجمة يعذر منها القابض سدس وربع تحتها فرائض أي هل لك في العارض منك على الفضل، قال: كان من قصته أنّ رجلا خطب ليلى، فقال: أعطيك مائة من الإبل يدع السّائق منها إذا ساقها بعضا لكثرتها فلا يطيق شلّها وأنا معارضك، أي معطيك الإبل مهرا، وأنا آخذ نفسك، فأنا عائض قد عضت أي صار العوض كلّه لي، فالفضل في يدي. ومنه قولهم: لا أفعله يد الدّهر، وجدى الدّهر، فمعنى يد الدّهر

стр. 214

أي ما كان للدّهر يد أي حكم، كما تقول: لفلان في هذا يد أي ملك وأمر، ومعنى جدى: أي ما كان للدّهر جدى أي عطية. ومن أسمائه الأبض وقال: في سلوة عشنا بذاك أبضا. أي دهرا. وقال بعضهم: الأبض في الأصل جمع أباض، ويخفّف ويثّقل: وهو الحبل يعقل به البعير فإذا قلت لا أفعله أبضا. فالمعنى ما كان للدّهر سبب. قال الشيخ: أقرب من هذا أن يكون من الأبض وهو العقل والشّد كان المراد في زمان عقد علينا لا انفكاك منه. ويكون الأبض في أنه مصدر، والأبض في أنه المأبوض كالسّد والسّدة والعقد والعقدة. ويجوز أن يكون سمّي بذلك لأنّه يضعف ويقيد بالهرم، ويقال للدّابة والطّير إذا أصابه عقال فلم يسلس: إنه لموتبض النّسا وأبوض النّسا. قال: وظلّ غراب البين مؤتبض النّسا ... له في ديار الجارتين نعيق وقال أبوض النّسا بالمسمين خسوف، ولا أقبله ما اختلف الجرّة والدّرّة أي أبدا، لأنّ الدّرة إلى أسفل، والجرّة إلى فوق. ومنه: الأبد والأبيد. ويقال: لا أقبله أبدا لأبيد، وأبد الآباد، وأبد الآبدين وأبد الأبد، وأبد الأبديّة، والمعنى إقامة الدّهر ومكثه، والإضافة فيه على طريق التأكيد. والأبد المقيم الّذي لا يبرح، وأوابد الشّعر، سمّيت أوابد لبقائها على مرّ الأيّام وأنشد شعرا: صار لطول الدّهر من آباده ... كمهرق لم يبق من مداده غير بقايا نونه وصاده قولك: أبد الآباد كقولك: دهر الدّهور، وأبد الآبدين، كدهر الدّاهرين أي دهر النّاس المقيمين في الدّهر، وأبد الآبد كدهر الدّاهر، ومن أمثالهم أتى أبد على لبد للشيء، وقد مضى وانقطع، ولبد اسم لنسر لقمان. ومن أسمائه: الطّيل والطّول قال: وإن بليت وإن طالت بك الطّيل. ويروى الطّول، وإنما أخذ من الطّول، ويقال: لا أكلّمك طول الدهر، وإنّما أنّث الشّاعر الطيل ردا على المعنى، كما يؤنث الألف إذا أريد به المعدودة. ومن أسمائه: المنون، وهو من مننت أي قطعت ويقال: حبل منين: أي مقطوع، قال أبو ذؤيب: أمن المنون وريبة تتوجّع ... والدّهر ليس بمعتب من يجزع فإن قيل: ما باله ذكّر المنون وهو والمنية سواء، وأنت إذا رويتها وريبها قلت: أنّثه

стр. 215

لأنّه أريد المنية. قلت: المنون ويراد به الدّهر يشبه أسماء الأجناس ولذلك لا يجمع، وكما لم يجمع لم يؤنّث أيضا، وإذا أريد به المنيّة أشبه اسم الفاعل فأجري مجراه في التأنيث به لمعناه، ويقال: ما فعلته قط. قال ابن السّكيت: فيه ثلاث (لغات: قطّ بالفتح والتّشديد وضم القاف والتّشديد وفتح القاف وتخفيف الطّاء إذا كان بمعنى الدّهر. وإذا كان بمعنى حسب فهي مفتوحة ساكنة وأصله من قططت أي: قطعت والمعنى ما فعلته قطع دهري كلّه، وأبدا في المستقبل: بمعنى قط في الماضي. ويقال: لا أفعل كذا ما سمّي ابنا سمير، يعني اللّيل والنّهار، ولا أفعله ما سمر السّمير، وهم النّاس يسمرون باللّيل وما اختلف ابنا سمير، ولا أفعله السّمر والقمر أي أبدا. وحكي: جاء بالسّمر والقمر أبو سعيد وقال: معناه بالنّور والظّلمة، كما يقال: جاء بالضّيح والرّيح، ويقال: السّمير الدّهر، وابناه اللّيل والنهار. وقيل: الغدوة والعشي. وقيل في السّمر: إنّه ظلّ القمر فضم النّهار إلى اللّيل. وقيل: السّمر الظلمة والمقيم فيه سامر. ومنه السّامرة والسمر: حديث القوم باللّيل. وقالوا: لا أفعله حرى وحارى دهر وحيرى دهر، بتسكين الياء. والمعنى ما حار الدّهر: أي رجع، ويجوز أن يكون من حار الدّهر يحير: أي أقام، ويقال: حيروا بهذا الموضع، أي أقيموا. قال بعضهم: ومنه سمّيت الحياة. وحكي حير الدّهر جمع حيرى، كما قيل: زنجي وزنج، وعربي وعرب. ويقال: لا آتيك سجيس عجيس، أي الدّهر، قد يصرف فيقال: عجيس أي الدّهر، فقوله: عجيس يجوز أن يكون من عجسه أي قبضه وحبسه، ومنه معجس القوس أي مقبضه، وعجاساء اللّيل: ظلمته، لأنّها تحبس النّاس ويكون المعنى ما بقي الدّهر وحبس على أهله. ويجوز أن يكون من عجس اللّيل وعجيسه أي آخره، ومنه تعجس عن القتال وعجس: أي تأخّر فيكون المعنى: آخر الدّهر. وسجيس فعيل ويفيد الامتداد على حاله، وسج وسجسج وسجس في طريق. وفي الحديث: «نهار أهل الجنة سجسج» أي معتدل متّصل لا آفة فيه. وقال الأعشى: قيس سجسج ساب إذا هبطت ... به السّهل وفي الحزن مرجلا عجلا قال أبو عبيدة: السّجسج: اللّين المروّض، والسّاب من الأرض مسائل صغار، وكذلك السّيب، وروى أبو عمرو الشّيباني سجسا مسجا: إذا هبطت، وقال: السّجس السلس المنقاد لا يتغيّر، والمعنى: أنّ هذا البعير إذا سار في السّهل امتدّ في السّير على حاله وهو في الحزن مرجل، أي رجيل قوي المشي. ويروى مرجما ومرجلا، فعلى هذا جعل
следующие страницы →