Полный текст (562 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ويقال: يوم أروناني وليلة أرونانية، وقال أبو عبيدة وأبو زيد: كلّ هذا بوصف الشّديد من القتال والبرد والبلاء والخوف.
ويقال لهم؛ يوم عربسيس، وأخذ القوم طريقا عربسيسا لما فيه من الخوف والعطش والمشقّة، وإذا عظموا الأمر على إيهام في الوصف، قالوا: كان ما لا يحد يوم أيوم، وذا كان ذلك ليلا قالوا: ليل أليل، ويقال: أطول اللّيالي يدعى ليل التّمام.
ويقال: جاء من الطّيخة أي الفتنة والحرب المطيخ الفاسد.
ويقال: هذا دهر حول قلب أي كثير التّحول والتّقلّب.
ويقال: ليل ذو كؤود قال: يدر عن اللّيل ذا الكؤود.
قال أبو زيد: سمعت أعرابيا فصيحا يقول: إذا أجدب النّاس أتى الهاوي والعاوي.
الهاوي: الجراد، والعاوي: الذّئب. قال الدّريدي: الخجل سوء احتمال الغني، والدّقع سوء احتمال الفقر. وفي الخبر عن النبي ﷺ أنه قال للنّساء: «إنكّن إذا جعتنّ دقعتنّ وإذا شبعتن خجلتنّ» وأنشد:
ولم يدفعوا عندما نابهم ... لصرف الزّمان ولم يخجلوا
ويقال: جاحه الدّهر واجتاحه وعسره الزّمان أي اشتدّ عليه ومثله: استحصف ويقال:
أشاربهم لمع الأصم، وحكى بات فلان ليلة ابن أفلس أي ليلة شديدة، قال ومثله وليلة دعشقة.
ويقال: ما رأينا العام قابة من المطر، والإرعفاء أي مطرا، وهذا مأخوذ من الرّعاف، قال أبو العبّاس ثعلب: لم يأت برعف، غير ابن الأعرابي ويقال في شهرة اليوم: يوم أغر محجّل.
قال أوس:
وأنت الذي أوفيت فاليوم بعده ... أغرّ ممسّ باليدين محجّل
ويقال: سنة قاشورة أي تقشر كلّ شيء ويقال: أصاب النّاس شراسيف أي أصابهم أوّل الشّدة، فأمّا قولهم: بات فلان بليلة انقد فالمراد الشّدة قال الطّرماح:
وبات يقاسي ليل انقد دائبا ... ويحذر بالحقف اختلاف العجاهن
وانقد الشّيهم وفي المثل: أسرى من انقد ويقال: ابن انقد أيضا، والعجاهن قال: ابن السّكيت: هو الطباخ، وقال الأعشى:
стр. 282
لعمري لئن جدّت عداوة بيننا ... لترتحلن منّي على ظهر شيهم
وقال عمرو بن قميئة:
إنّي من القوم الذين إذا ... لزم «١» الشّتاء ودوخلت حجره
ودنا ودونيت البيوت له ... وثنى فثنى ربيعه قدره
وضع المنيح وكان حظّهم ... في المنقيات يقيمها يسره
وأنشد أبو العبّاس ثعلب عن الأصمعي وغيره:
سقى سكرا كأس الذّعاف عشية ... فلا عاد مخضر العشب جوانبه
قال والسكر اسم جمله، وإنّما يدعو على واد، رعاه جمله فأصاب من النّشر فمات وقال الهذلي:
وحبسن في هزم الضّريع فكلّها ... حدباء دامية اليدين حروذ
يصف إبلا بسوء حال، والهزم ما يهزم من النّبات ويحطم، والضّريع نبات غير طايل.
قال أبو عبيدة: الضّريع عند العرب: يابس العشرق، وهو يؤكل ولكنه كما قال الله تعالى:
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ
[سورة الغاشية، الآية: ٧] وهو من نبات الحجاز، والشّبرق ما دام غضّا نوره حمراء. قال الهذلي يصف قوما قتلوا:
ترى القوم صرعى حثوة أضجعوا معا ... كأنّ بأيديهم حواشي شبرق
وقيل: الخيف الحناتم ماء النّشر. قال ندى السّماك في قصب الوسمي. وذلك أنّ السّماك يسقط وقد انفسخ القر، وهاجت الأرض في بلاد العرب، وفي عروق الشّجر بقية من ثرى الوسمي، فيسقط السّماك لتسع خلون من نيسان، فيصيبه مطر السّماك فيخير نبته، ونبت فيه الرّطب، فذلك النّشر تراه خضرة على بياض، وهو السّم الرّغاف. قال أبو محلم:
سمعت أبا زيد العكلي يقول: هو السّمّ السّاكت.
стр. 283
الباب الخامس والعشرون في أسماء الشّمس «١» وصفاتها وما يتعلق بها
قال أبو حاتم: يقال للشّمس الجونة- والجارية- والعين- والماوبة- وهي من التأويب وهو سير النّهار كلّه يقال: آب وتأوّب بمعنى. قال النابغة:
تطاول حتّى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يتلو النّجوم بآئب
فسّره ابن الأعرابي على ذلك، لأنّها تسير آئبة أبدا ما بينها ما بين المشرق إلى المغرب تدأب يومها فتؤوب المغرب مساء.
ويقال لها السّراج- والضّح- وذكاء- وقد أشمس يومنا: إذا اشتدّ حرّ شمسه، ويوم مشمس- وشامس- وشمس لي فلان إذا بدت عداوته. وقال الخليل: الشّمس- عين الضّح- وبه سمّيت معاليق القلادة، وقيل هو من المشامسة لأنّها نحس في المقارنة وإن كانت سعدا في النظر.
وقال التميميّون: الجونة- الشّمس حين تسودّ وتدنو من الغيوب لا يقال لها الجونة إلا على هذه الحال وأنشد أبو حاتم:
تبادر الآثار أن تدأبا ... وحاجب الجونة أن تغيّبا
وأما الجارية- فمن قول الله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
[سورة يس، الآية: ٣٨] وهي تجري من المشرق إلى المغرب- والسّراج من قوله تعالى: وَجَعَلَ فِيها سِراجاً
[سورة الفرقان، الآية: ٦١] وقال: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
[سورة نوح، الآية: ١٦] .
ويقال: دلكت الشّمس دلوكا- ودلوكها: اصفرارها عند غيوبها.
стр. 284
وقال ابن عباس: لدلوك الشّمس- أي لزوالها الظّهر والعصر. قال:
شادخة الغرّة غرّاء الضّحك ... تبلج الزّهراء في جنح الدّلك
فجعل الدّلك غيبوبة الشّمس. وروي عن أبي عمرو أنّ دلوكها زوالها والله أعلم.
ويقال: رهقتنا الشّمس إذا دنت. ومنه غلام مراهق: إذا دنا الاحتلام.
ويقال للسّيد وهو مرهق النّيران: أي يغشاه الأضياف. وغلام فيه رهق أي غرامة وفي القرآن: فَزادُوهُمْ رَهَقاً
[سورة الجن، الآية: ٦] أي مكروها.
وقال أبو زيد: براح بفتح الأول وكسر الآخر اسم للشّمس مثل: قطام وأنشد:
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتّى دلكت براح
وقال الأصمعيّ: ليس الرواية كذلك إنّما الرّواية دلكت براح بكسر الباء، وهو جمع راحة وهو أن ينظر إليها عند غيوبها يستشفها، يضع يده على جبينه يستكف بها حتى ينظر تحتها. وقال العجّاج:
أدفعها بالرّاح كي تزحلفا ... رحاه عان تحتها تصدّفا
وزعم أنّه يطلب أسيرا له وقال: وسمّيت بذلك لأنها تسود حين تغيب- والجون الأسود، هذا قول الأصمعي، وقال غيره: الجون يكون الأبيض أيضا قال: وعرض أنيس الحرمي على الحجّاج بن يوسف درع حديد وكانت صافية، فجعل الحجّاج لا يرى صفاها، فقال له أنيس: إنّ الشّمس جونة أي شديدة الضّوء قد غلب ضوؤها بياض الدّرع- والجونة اسم للدّرع ذكره الأحمر وغيره. قالوا: ويقال لا أفعله حتّى تغيب الجونة.
وقال بعضهم: معنى براح أي أستريح منها فذهبت، وقيل أيضا: راح ها هنا موضع.
وحكى قطرب: دلكت براح بالضّم و (لعاب الشّمس) أن يرى في شدّة الحر مثل نسج العنكبوت أو السّراب ينحدر من السّماء وإنّما يرى ذلك عند نقاء الجو، وسكون الأرواح واشتداد الحر. وأنشد شعرا:
هممن بتغوير وقد وقد الحصى ... وذاب لعاب الشّمس فوق الجماجم
وأنشد ابن الأعرابي:
وذاب للشّمس لعاب فنزل ... واستوقدت في غرفات كالشّعل
قال الدّريدي: لعاب الشّمس بلغة اليمن الوهر. ويقال: وهر يومنا يوهر وهرا فأقرن
стр. 285
الشّمس فحد ذرورها حين تذر قرونها وقرونها: نواحيها، ويقال: طلع قرن من قرونها أي:
ناحية من نواحيها.
وعين الشّمس شعاعها الذي بهرك إليه. وقال ابن السّكيت: عين الشّمس رأسها ووجهها وقرونها نواحيها. قال:
فما أن ذّر قرن الشّمس حتّى ... طرحن سخالهنّ وصرن آلا
والضّح: الشّمس يقال: لا تجلسوا في الضّح أي في الشّمس، وقد ضحى فلان في الضّح أي برز للشّمس يضحي ضحوا، ويقال: شد ما ضحوت للشّمس أي طال بروزك لها ويقال: ضحى الرّيح وضحى لي إذا خرج من بيته فبرز لك. قال أبو حاتم: لا ثبت عندي ضحيت للشّمس وليس في قوله تعالى: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
[سورة طه، الآية: ١١٩] بيان ضحيت من ضحوت لأنّ قوله: تضحى يجوز أن يكون مستقبل ضحا. وقد قال قائل:
ضحيت له كي أستظلّ بظلّه ... إذا الظّل أضحى في القيامة قالصا
فقال أبو حاتم: الذي يقول هذا لا يجوز قوله قمة رأسه، ومن كلامهم جاء بالضح والرّيح، أي جاء بالشّيء الكثير أي ما طلعت عليه الشّمس وبزغت. والذّرور: أول طلوعها وبزوغها وطلعت تطلع طلوعا ومطلع الشّمس بالكسر المكان الذي تطلع منه.
وقال الأصمعي: شرقت الشّمس تشرق شروقا إذا طلعت، فإذا أضاءت جدا قلت:
أشرقت، قال الله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
[سورة الزّمر، الآية: ٦٩] ويقال:
أشرق وجهه: إذا أضاء واستنار.
ويقال: آتيك كلّ يوم طلعت فيه الشّمس، وشرقت، وآتيك كلّ شارق والشّرق زعموا أنه الشّمس، يقال: آتيتك كلّ يوم طلع شرقه، وقد طلع الشّرق ولا يقال غاب الشّرق.
والمشرق: المطلع. قال أبو يوسف: شرقة الشّمس موقعها في الشّتاء، فأمّا القيظ فلا شرقة له. والشّعاع: ضوء الشّمس والمطلع بفتح اللام الطّلوع، لذلك قرأ القراء: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
[سورة القدر، الآية: ٥] ومغربها حتّى تغرب فيه غروبا، ويقال: غابت الشّمس غيبوبة وغيوبا، وقد وجبت الشّمس وجوبا إذا غابت، وكسفت الشّمس كسوفا وذلك ذهاب ضوئها وشرقة الشّمس: موقعها في الشّتاء ودفوؤها ولا يقال لموقعها في القيظ: شرقة، ويقال: أقعد في الشّرق وفي الشّرقة وفي المشرقة سواء.
وحكى أبو عمرو: الشّرق الشّمس، والشّرق بالكسر: الضوء الذي يدخل من شق الباب. ومنه خبر ابن عباس أنّه قال: في السّماء باب للتّوبة يقال له الشّريق وقد ردّ حتى ما
стр. 286
بقي منه إلا شرقة. وحكى بعضهم: الشّرق الشّمس التي تكون في المقابر بعد العصر، وجاء في المسند: أنه ذكر الدّنيا فقال ﷺ : «إنّه بقي منها كشرق الموتى» .
قال ابن الأعرابي: يحتمل وجهين: أحدهما: أنّ الشّمس في ذلك الوقت إنما تلبث ساعة ثم تغيب، فشبّه ما بقي من الدّنيا بذلك. والوجه الآخر: يشرق الميت بريقه عند خروج نفسه، فشبّه قلة ما بقي من الدّنيا بما بقي من حياة الشّرق بريقه.
ويقال: ما بقي من النّهار إلا شفا، والشّفاء بقية الشيء، وأتيته بشفا أي بشيء من ضوء الشّمس، ويقال: شفّت الشّمس بالتّشديد أي غابت إلّا يسيرا منها.
وقد طفلت الشّمس: إذا دنت للغروب، وأتيتك طفل الشّمس، وفي طفل الشّمس، وقال أبو حاتم وأنشدنا أبو زيد شعرا:
قد ثكلت إحدى بني عديّ ... أحبّها في طفل العشيّ
إن لم يثبت وصل قبل الرّوي وطفلت الشّمس أي جنحت ومالت للغروب وقد صغت الشّمس إذا اصفرّت كان لها صلابة.
وأدنفت: وازدنفت ودنفت وهذه وحدها عن أبي عبيدة إذا همّت بالمغيب، وغارت وآبت وألقت يدا في كافر ورجفت. ويقال: مغرب الشّمس ومغربان الشّمس ومغيربان الشّمس. ويقال: على الأرض غيابات الطّفل وقد أرهقت أي دنت للمغيب. وأنشد في قوله:
دنفت والشّمس قد كا ... دت تكون دنفا
وحكي الغزالة في أسماء الشّمس لدوران قرصها في مرأى العين. ومنه المغزل ومغازلة النّساء لأنّهن عند المراودة كأنّهنّ يدرن في أفانين الحديث. وقال أبو حاتم: ليست الغزالة من أسماء الشّمس، إنّما الغزالة الضّحوة وأنشد لذي الرّمة شعرا:
فأشرقت الغزالة رأس حوضي ... أراقبهم وما أغنى قبالا
أراد أشرقت في الغزالة أي في ذلك الوقت وأنشد أيضا:
أسوق بالقوم غزالات الضّحى
ويقال: أتيتك بوجه النّهار وبشباب النّهار وهي الغزالة الكبرى. قال ذو الرمة:
توضّحن في قرن الغزالة بعد ما ... ترشّفن ذرّات الرّهام الرّكايك
وهذا حجة في تثبيت الغزالة اسما للشّمس. وكذلك رأد الضحى- ورونق الضّحى-
стр. 287
وفي تلع الضّحى. وأتيتك حين تلعت الضّحى- وأتيتك مدّ النّهار.
وكذلك ضحوة وضحى والضّحاء الأكبر ممدود مفتوح مدّ النّهار الأكبر، وذكاء: اسم للشّمس معرفة غير منوّنة، وطلعت ذكاء، ومن أمثالهم؛ أضاءت الذّكاء وانتشر الرّعاء.
قال الشيخ: وحكي عن المبّرد أنّه قال: ابن ذكاء هو القمر، لأنّ له بصيصا كبصيص الشّمس، وروي عن ثعلب أنّه قال: بعض العرب يجعل ابن ذكاء النّهار ونبت ذكاء الشّرقة، وهو ضوء الشّمس، ويقال للصّبح ابن ذكاء وأنشد فيه:
وابن ذكاء كامن في كفر. أي في ليل يستره وأنشد:
في ليلة كفر النّجوم غمامها. أي غطاؤها ويقال لحسنها: عب الشّمس، عب مخفّف مثل دم، وقال الذّيري:
وليس بموتيك الذي أنت مغرم ... بتسآله ما أبرق ابن ذكاء
وإياء الشّمس: بياضها والإياء أيضا أيا النّبت حسنه وزهرته، وقال الشّاعر، فمدّ الإياء وكسر الألف شعرا:
تنازعها لونان ورد وحوّة ... ترى لإياء الشّمس فيه تحدّرا
وقالوا: إياء الشّمس: شعاعها. قال طرفة: سقه إياة الشّمس إلا لثاثه. قال الشّيخ:
بعضهم يثقل عب الشّمس فيقول: هذه عب الشّمس، والعب أيضا البرد، وفي المثل أبرد من العب، فمن شدّد الباء يجعله من العباب، وهو معظم الشيء أي أعظمه. ومن خفّف الباء جعله منقوصا كدد من ددن.
ويقال للصّبح: ابن جلا، كما قال: أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا. أي أنا منكشف الأمر، وجلا فعل في الأصل وحكي لقبا كما قيل: تأبط شرا وقد جعل لقبا فحكي.
وقال قطرب: العب مثل الدم بتخفيف الباء وهو ضوء الشّمس وحسنها يقولون عب شمس ومن ثقلّ قال هذه عب الشّمس ورأيت عبّ الشّمس يريد عبد الشّمس فأدغم الدال في الشّين كما قيل ثلث الدّرهم، فيدغم الثّاء في الدّال، وقال بعضهم: يقول هو عبّ الشّمس فيفتح في كلّ وجه وقال:
إذا ما رأت شمسا عب الشّمس شمّرت ... إلى رملها والجلهميّ عميدها
وشعاع الشّمس وشعاعتها وشعّها ضوؤها وأشعّت الشّمس انتشر شعاعها، فإذا طال النّهار وقيل: تمطّى النّهار وامتدّ وا معط ومتع متوعا.
стр. 288
ويقال: بقي علينا ريم من النّهار للسّاعة الطويلة ونهار ريم أيضا فإذا انتصف النّهار فهي ظهيرة، وظهر وهجير وهجر، ووديقة حين هجم المقيل وانحنى للتّغوير. والشّمس في كبيدات السّماء إذا توسّطت وعوّمت ودوّمت وحلّقت.
ويقال: زالت الشّمس زوالا وزالوا في التفرقة زيالا قال:
نعى حجشانها نجم دفوء ... خليط لا ينام على الزّيال
والظلّ: يكون ليلا ونهارا، ولا يكون الفيء إلا بالنّهار، وهو ما نسخته الشّمس ففاء أو كان من النّهار فلم تنسخه الشّمس، والفيء هو التّبع أيضا. قالت الجهينة:
ترد المياه خصيرة وبقيضة ... ورد القطاة إذا استمال التّبع
وإذا لم يكن فيء ولا ظل قيل: (الظّل طباق الخف) وإذا ارتفع إلى موضع العقال من ساق الشجرة فنسخ الفيء إلى ذلك الموضع قيل: (قد عقل الظّل) فإذا صفا، أي زاد على طول الشّخص قيل: قد فاء الفيء والظلّ الضّافي الطّويل، ويقال للظّل الكثيف ظلّ المي.
ويقال للمكان الذي لا تقع فيه الشّمس: (مقناة) ومقان جمع، والذي تصيبه الشّمس مضحاة والجمع مضاح. ويقال للشّمس المهاة. قال أمية بن أبي الصّلت شعرا:
تم يجلو الظّلام ربّ رحيم ... بمهاة شعاعها مستنير
وأصل المهاة البلوة.
ويقال للشّمس الإلهة. قال التميمي:
تروّحنا من اللّعباء قصرا ... وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا
ويقال: الآهة فيصير كالعلم، وذكر قطرب أنّ الإلهة من أسماء السّماء والفتح في همزتها لغة واشتقاقه من لفظ إله لأنّ كل ما رغب فيه إلى الله تعالى يطلب من جهة السّماء.
ويقال للشّمس البيضاء وطلعت البيضاء ولقيته في الصّفراء أي حين اصفرت الشّمس.
وقال الأصمعي: روي عن ابن الزّبير أنّه قال في كلام له: البوح يعني الشّمس قال:
ولم أسمع البوح إلا في كلامه. قال ابن الأعرابي: العرب تقول استدبار الشّمس مصحة.
وأنشد:
إذا استدبرتنا الشّمس درّت متوننا ... كأنّ عروق الجوف ينضحن عندما
درّت يعني لانت، وروي عن النبي ﷺ قال: «استدبروا الشّمس ولا تستقبلوها فإنّ استدبارها دواء، واستقبالها داء» .
стр. 289
ويقال: ضرعت الشّمس إذا غابت، (وزبت وأزبت) إذا دنت للمغيب. قال الدّريدي:
صرعت غير معجمة. ويقال: سقط القرص. ويقال: ما بين المشرقين مثل فلان أي بين المشرق والمغرب.
وحكى بعضهم: التّغوير بالنّهار من آخره بإزاء التّعريس وهو النزول باللّيل من آخره.
(والقسطلانية) نداءة الشّفق أو نداءة قوس قزح. ويقال للّذي يسمّى قوس قزح القسطلاني بالضمّ.
وقال الدّريدي: أهل المدينة يسمّون الهباء الذي يدخل من ضوء الشّمس إلى البيت:
خيط باطل. قال الشّيخ: أخبرني أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري قال: أخبرني أبو عمرو غلام ثعلب عن ابن الأعرابي وعن عمر بن أبي عمرو عن أبيه وابن نجدة عن أبي زيد قال: يوح اسم للشّمس ومن رواه بالباء فقد صحّف- وذكاء- والعروج- والمهاة- والعبورية- والبتيراء- والجونة- والفين- والمأوبة- لأنها آئبة أبدا وتأويبها: سيرها من المشرق إلى المغرب- والسّراج- والضّح- والأهة بالضّم- والأهة بالفتح وروى قطرب الإهة بالكسر والأهة بالضم. قال ثعلب: الضّم أفصح والعمل عليه.
ومن أسماء الشّمس: الغورة لأنّها تغور- وأم شعلة- وأم النّجوم- والغراه- والهالة- وأنشد:
منتجب كأنّ هالة أمّه ... ضعيف الفؤاد ما يعسّ بمعقول
منتجب ها هنا مفتخر أي يتخيّر وينتجب ما يفتخر به علينا وهو جبان في نفسه.
وحكى المفضّل: (الحومانة) الشّمس.
ويقال: سفرت الشّمس طلعت، وأسفرت أضاءت مثل وأشرقت وقيل هما لغتان.
وأنشد ابن الأعرابي:
بيضاء شطّت مزارها ... بلسنا إن سفرت أسفارها
فأتى باللّغتين جميعا وأنشد أيضا:
كأنها الشّمس إذا ما تسفر ... والشّمس منها يوم دجن أسفر
أي تضيء منها الشّمس يوم الدّجن. وأنشدنا أبو أحمد العسكري قال: أنشدني أبو عمر الزّاهد عن ثعلب عن ابن الأعرابي:
وجارية رفعتها لأنالها ... يكفي عن خرجاء يهفو رواقها
قال: الجارية ها هنا الشّمس، والخرجاء: عين الشّاعر لأنّها ذات لونين. وأنشد عن
стр. 290
ثعلب عن ابن الأعرابي:
ومعمولة إن زدت فيها نقصتها ... وإن نقّصت زادت على ذاك حالها
قال: يريد الكوّة التي تكون في السّقف مدخلها ضوء الشّمس كأنّه حبل ممدود ولذلك سمّي ذلك الضّوء خيط باطل، لأنّ ما تراه فيه إذا قبضت عليه لم يحصل في يدك منه شيء، وقوله: إن زدت فيها نقصتها أي إن زدت في جسمها نقصت من ضوئها فهكذا حالها. وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:
والشّمس معرضة تمور كأنّها ... ترس تغلّبه كمي رامح
قال الشّيخ: أظنّ أن ابن المعتز أخذ قوله من هذا:
ومصباحنا قمر مشرق ... كترس اللّجين يشقّ الدّجى
مخاط الشّمس، ومخاط الشّيطان جميعا.
ويقال: ركدت الشّمس وهو غاية زيادتها، وقسبت الشّمس تقسب وصفت تصفو صفوا، وكلّ هذا في معنى الرّسوب. وقال أبو النّجم: صفواء قد همّت ولمّا تفعل.
ويقال: قنب يقنب قنوبا وذلك إذا لم يبق منها شيء وأنشده شعرا:
مصابيح ليست باللّواتي تقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدّوالك
يقال: أفلت الشّمس: إذا غابت، والأفول يستعمل فيها وفي غيرها، وكذلك البزوغ وهو الطّلوع قال الله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَتْ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٨] في الشّمس وفلما أفل في القمر.
وحكى قطرب: جئتك غبة الشّمس أي عند مغيبها كأنه قلب، فقدم الباء قال: وقالوا:
شمسنا وشمسنا أي أوذينا بحرّها وأشمسنا صرنا في حرّ الشّمس وشمس يومنا وشمس وأشمس.
يقال: أزبت الشّمس وزببت وزبّت إذا دنت للمغيب.
ويقال: انصلعت انصلاعا وهو تكبّدها وسط السماء، وصلاع الشّمس حرّها، وقال:
حرّ الظهيرة تحت يوم أصلع، وحكى أبو عمرو: العباء أنوار الشّمس.
ويقال: قصبت الشّمس وذلك إذا بدا قصبها في عين النّاظر إليها. وذكر في أسماء الشّمس قطيفة المساكين وما أظنه إلا من وضع العامة.
وحكى أبو حنيفة: الشّرق الشّمس، ويقال: أتيتك كلّ يوم شرقه أي شمسه وطلع
стр. 291
الشّرق، ولا يقال: غاب الشّرق. وذكر قوله: وهمت الجونة أن تصوما، ومعنى صوم النّهار أنّ الشّمس إذا توسّطت السّماء نصف النّهار كأنها تقف ألا تسمع قوله:
والشّمس حيرى لها في الجوّ تدويم.
وحكى أبو حنيفة أنّ الإلهة تأنيث إله، وأحسب أنّ الشّمس سمّيت بها لأنّه كانت تعبد.
قال: والنداءة قوس المزن وأكثر ما يكون في الوسمي والصّيف وقيل: بل هي الحمرة العارضة في مطلع الشّمس ومغربها إذا عرضت.
ويقال: سبأته الشّمس والنّار والحمّى إذا غيّرته، وكذلك السّفر يسبأ الإنسان. وحكى ابن الأعرابي أنّك لتريد سبأة أي سفرا، وقال سربد مثلها: والسّبأة البعد فكان السّربد السّفر القريب.
ويقال: جاءني فلان قمة أي حين غابت، وقال أبو عمرو وما قمسته وقامسته بمعنى والمقامسة المقاطة قال الهذلي:
قلو رجلا خادعته لخدعته ... ولكنما حونا برحنا أقامس
سبّته الشّمس وسبّأته إذا أحرقته.
стр. 292
الباب السّادس والعشرون في أسماء القمر وصفاته، وما يتّصل بها من أحواله
فصل [في بيان معنى الهلال]
قال أبو حاتم: قال أبو زيد: يقال الهلال: ما دام ابن ليلة أو ابن ليلتين، فإذا استدار وعظم قبل أن يستدير فهو: القمر المستقبل، فإن غطّاه سحاب أو قوة فلم ير إلّا بعد ثالثة من أول الشهر فهو قمر، وإلّا يدعى هلالا.
وأمّا القمر: فهو ضوء القمر، ويقال: طلّع القمر، ولا يقال طلعت القمراء ولكن يقال: أضاءت القمراء، كما يقال أضاء القمر.
ويقال: قمر اللّيل، ولا يقال: قمر القمر، ويقال: قمرنا ونحن مقمرون، ويقال:
تقمّرت فلانا إذا قصدته في القمراء.
وروى الشّعبي أنّ شيخا تقمّر جارية ولم يبلغ منها ما أراد فرفعا إلى عمر فعزره وأراد تعزيرها أيضا فشهدوا لها أنها أنكرت قربه وصاحت فخلّى سبيلها.
ويقال: وضح القمر وضوحا.
ويقال: استهلّ الهلال وأتيتك عند مستهلّ الشّهر.
ويقال: أهللنا الهلال، وأهل الهلال، قال أبو حاتم: بالبصرة يقولون هلّ الهلال، ولا يجوز ذلك، قال أبو حنيفة: حكي عن الثّقة أنّه يقال: هلّ الهلال نفسه أي طلع وأهللناه نحن رأيناه، وإذا كان الهلال منبسطا قيل: هلال أوفق.
ويقال: أتيته عند إهلاله واستهلاله وهلة وهلّه وهلوله، وأتيته تيفاق الهلال وتوفاقه وميفاقه.
قال الفرّاء: يقال إذا عاينت الهلال رأيته قبلا، وإن استقبلك قبل: رأيته قبلا، قال:
وكل ما قابلك فهو قبل منك، وقال غيره: رأيت الهلال وهو أوّل ما يرى ولم ير قبل ذلك،
стр. 293
وتكلّم فلان قبلا، إذا تكلّم بكلام لم يكن قد استعد له.
ويقال: سلخت الشّهر سلخا وسلوخا وسلخ هو وانسلخ.
ويقال: نصف الشّهر وأنصف ونصف وكذلك كلّ شيء يؤول إلى النّصف. قال الفرّاء: طرح الألف أجوده، وحكى الجرمي عن الأصمعي: أنصف النّهار ولا يقال: نصف، ولكن يقال: نصف الماء القدح، هذا وما أشبهه ممّا يبلغ نصف غيره. قال:
ترى سيفه لا ينصف السّاق نعله ... أجل لا وإن كانت طوالا محامله
وقال الفرزدق:
وإن يقنهبن الولايد بعد ما ... تعالى نهار الصّيف أو كاد ينصف
وقال ابن علس:
نصف النّهار الماء غامرة ... وشريكه بالغيب ما يدري
فكلتا اللّغتين صحيحة، وقال العجّاج في نصف:
حتى إذا اللّيل التّمام نصفا
وقال أبو زيد: يقال: انتصف النّهار انتصافا، وأنشد:
فانتصف النّهار والنّعام ... والمهر مزدم له قتام
يعني أنّه عقر نصف النّعام على الفرس إلى نصف النّهار.
ويقال: وسط النّهار حكاه أبو زيد يقال: قمراء أضحيان، وهو ضوء القمر من أوّل اللّيل إلى الصّباح.
ويقال: أضحيان لكل ليلة من العشر الوسط، ويسمّون القمر في أول اللّيل وآخره قميرا يصغّرونه لصغره. قال ابن أبي ربيعة:
وقمير يد الخمس وعشرين ... له قالت الفتاتان قوما
يريد قومن وأنشد في القمراء:
يا حبّذا القمراء واللّيل السّاج ... وطرق مثل ملاء النّساج
والقمر الباهر في اللّيالي البيض ومعنى الباهر الذي يملأ كلّ شيء بضوء بهر بهورا، قال أبو حاتم: والبهر: الذي يصيب الإنسان من ذلك لأنّ المتنفس يمتلئ ويتردّد فيه النّفس فيستبهر. وقال:
стр. 294
عمّ النّجوم ضوؤه حين بهر ... فغمض النّجم الّذي كان ازدهر
وقال:
والقمر الباهر السّماء لقد ... زرنا كلانا بحجفل لجب
ليلة عفراء: ليلة ثلاث عشرة. ويقال لها أيضا: ليلة السّواء، وقال بعضهم: تسمّى بذلك لأنّ القمر يستوي فيها، وهو قول الأصمعي، وقال آخرون: لأنّه يستوي ليلها ونهارها. وقال: هي السّواء والغرّاء.
ويقال: أسفر القمر في أوّل ما يرى ضوؤه، ولم يظهر بعد، وأضاء القمر، وقالوا:
ليل أسفر، وقالوا: امتحق القمر، ولم يعرفوا فيه فعل يعني محق، والاسم المحاق والمحاقة غداة يخفى عليك، لأنّ الشّمس تغيبه عنك من أوّل نهارك قبل طلوعها ثم الاستسرار إلى أن يهلّ الهلال.
قال الأصمعي: المحاق أن يطلع القمر قبيل الشّمس في ضوئها، فلا يزال ينمحق حتى يذهب. والسرّار: أن يطلع خلفها. وقال أبو عبيدة: العرب تقول: لليلة ميلاد القمر: ابن ليلته وأنشد:
كأنّ ابن ليلة طلع جانحا ... قسيط لدى الأفق من خنصر
وقال أبو عبيدة: إنما قيل: ليلة البدر لأنّ القمر يبادر الشّمس أن يطلع، قال الله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[سورة يس، الآية: ٤٠] أي يجرين في قطب المدار. وقال زهير:
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر
قال أبو حاتم: قد روي عن ابن عباس هذا القول: إنّ القمر إنّما سمّي البدر لأنه يبادر أن يطلع، ولا أظنّه إلا غلطا عليه، إنّما البدر الممتلىء. ويقال: ليلة البدر، وقمر بدر وأبدر القمر صار بدرا. قال الشّاعر:
ثم كشعة القمر البدر ... حقوق الأحشاء والكبد
ويقال: غلام بدر إذا امتلأ شبابا قبل الاحتلام، وجاء ببدرة أي سقاء ممتلئ لبنا.
قال أبو عبيدة: ثم سمّوا ليلة البدر، وليلة النّصف، وليلة السّواء وهي ليلة ثلاث عشرة البيض قال: ولم أسمع عربيّا سمّى شيئا منهنّ ولكن عدّو هنّ فلمّا بلغوا آخر الشّهر سمّو ثلاثا منهنّ الدادي صفاة لشدّة ظلمتهنّ.
стр. 295
وقال أبو نصر: الدأداء: هي الغلبة إذا كنت تشكّ في اللّيلة هي ممّا أنت فيه أو من المقبل، يدل على هذا قوله:
هاجت عليه من الأشراط نافحة ... بغلته بين أظلام وأحفار
وقال:
تداركه في منضل الآل بعد ما ... مضى غير ما دأدأ وقد كاد يذهب
ثم قالوا: سرار الشّهر. قال جرير:
رأت مرّ السّنين أخذن منّي ... كما أخذ السّرار من الهلال
ويكون سرار الثّلاثين من آخر الشّهر إذا تمّ الشّهر، فإذا نقص فهو سرار ليلة.
ويقال: أتيته عند سرار الشّهر وعند سرار القمر. قال:
تلقى نوؤهنّ سرار شهر ... وخير النّوء ما لقي السّرار
وقال الكسائي: آخر ليلة من الشّهر. قال كثير:
هلال عشية لشفا غروب ... تسرّ وليلة بعد المحاق
وقال الراجز:
نحن صبحنا عامرا في دارها ... عشيّة الهلال أو سرارها
والسّرار: يفتح ويكسر والفتح أعرف، وقال بعضهم: المحاق ثم السّرار لأنّ ضوءه يمتحق ثم يستتر. وقال غيره: امتحاق القمر: احتراقه واحتج ببيت ساعدة:
في ما حق من نهار الصّيف محتدم
ويقال: محاق القمر، ومحاق الشّهر. قال:
بنيت بها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كلّه ذلك الشّهر
وقال آخر:
فإن تك كوكب الصّمعاء نحسا ... به ولدت وبالقمر المحاق
ويقال: حجر القمر، وقمر القمر: إذا استدار بخط دقيق.
ويقال: لحف القمر فهو ملحوف: إذا جاوز النّصف وأخذ في النّقصان. والبراء: آخر ليلة في الشّهر لتبرأ القمر من الشّمس.
стр. 296
ويقال: طفاوة القمر: إذا حجه وأنشد: كأنّه البدر في طفاوته. وبعضهم يفتح الطّاء فيقول طفاوة.
ويقال: أفتق القمر: إذا خرج من السّحاب لفرجة يجدها، والفرجة الخصاصة. قال ذو الرمة شعرا:
تريك بياض لبّتها ووجها ... كقرز الشّمس أفتق ثمّ زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانفلّ سائره انفلالا
وقال بعضهم: يسمّى القمر: الزّبرقان وهو من قولهم: زبرق عمامته: إذا صفّرها.
قال أبو حاتم: وزعم من لا أسكن إلى قوله أنّ القمر يسمّى في الدادي السّاهور. قال أمية بن أبي الصّلت:
والشّهر بين محاقه وهلاله ... أجل لعلم الناس كيف يعدد
ولا نقص فيه غير أنّ خبيئه ... قمر وساهور يسلّ ويغمد
وزعم أنّ السّاهور بالنّبطية أو السّريانية، وقال بعضهم: هو غلاف القمر يخرج منه أول حتى يبرز كلّه، فإذا انتصف الشّهر ارتدّ فيه.
وحكى بعضهم: ليالي السّاهور التّسع البواقي كلّها. وحكى الحارزنجي: السّاهور الشّهر، قال: ويقولون: لقوا الشّر في ساهوره، أي في كثرته. قال: والسّاهور من أسماء القمر وهو السّحاب أيضا، والسّاهرة الأرض العريضة البسيطة.
وقال شيخنا أبو علي: السّاهرة وجه الأرض من السّهر، ومعناه أنه إذا سهر قلق جنبه، فقلّ حظّه من الأرض، إمّا بالقيام، وإمّا بالقعود، وإمّا بالقلق والحركة فتأويله أنّه سلب ملابسة الأرض، وكذلك قولهم: سهروا والمعنى واحد والأخذ منزله كلّ ليلة والرّكس منزله الذي ينكسف فيه.
ويقال للسّواد الذي في القمر: المحو والشّامة. والهالة دارة القمر.
ويقال: طمس القمر والنّجم إذا ذهب ضوؤهما.
ويقال: القمر اللّيلة في الهالة قال: في هالة هلالها كالإكليل يعني دارته أنشد في الهالة:
فمن يسع من حيّ الأراقم جاهدا ... ليدرك مسعاة ابن هالة يسبق
ويقال: سميّت هالة لحسنها وجمالها كأنّهم شبّهوها. وقال قطرب: الفخت ضوء القمر والشّمس، وهي أيضا: ثقوب مستديرة في السّقف، وقد انفخت وقال ثعلب: الذي
стр. 297
يدل على أنّ الفخت الضّوء لا الظّل أن الفاختة سمّيت لفخت القمر ومنه الصّبغ الفاختي.
وكذلك ذكره أبو عبيدة والكسائي، ويقال: جاء تيفاق الهلال، وتوفاق الهلال، وتوفق الهلال، وميفاقه أي لوقته، وحين وجاء على نفته ونافته، وعلى أفاته أي لوقته.
وأخبر أبو عمر بن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: هو القمر- والطّوس- والجلم- والجيلم والأرسلم- والباهر- والزّبرقان- والرّباض- والبدر- والسّمار والمتّسق والبادر- والغاسق.
قال ابن الأعرابي: ويقال للهلال: الأزميم- وابن ملاط- وابن مزنة- قال شعرا:
كأنّ ابن مزنة طلع جانحا ... فسيط لدى الأفق من خنصر
قال: ويقال له الأزميم إذا دفق. قال: كأنما شخصها في الآل أزميم. وزعموا أنّ أعرابية قالت لزوجها: لقد رأيت الأزميم بوجهك فما رأيت خيرا.
ويقال: قمر سنمار إذا كان مضيئا، وقمر سنمان بالنّون أيضا.
قال أبو عمرو: أخبرني السيّاري عن قوله في الغاشق أنّه القمر. وقلب الغسق عند العرب السّواد، قال: إنما قال: تعوّذي بالله من شرّ هذا الغاسق أي من شرّه إذا انكسف فهو آية ويسود، فمعناه يا عائشة افزعي إلى الصلاة واستعيذي بالله من شرّ هذه الآية إذا رأيتها، قال ابن الأعرابي وأنشد نصر والأسديون شعرا:
ومستنبت لا بالهلال نباته ... وما أن تلاقت باسمه الشّفتان
له شامة سوداء في حرّ وجهه ... مجللة لا ينقضي لأوان
ويدرك في تسع وستّ شبابه ... ويهرم في سبع معا وثمان
قال: هو الهلال لأنّه ثبت بلا سقي ذكر الشفتان لأنّه ليس في اسم الهلال من الحروف التي ينضم عليها الشّفتان شيء وحرّ الوجه ما بدا منه ومنه قوله:
كريمة حر الوجه غير المحسر
وحكى ثعلب عن أبي مسجل عن الكسائي أهلّ الهلال واستهلّ، ولا يقال: هلّ ولا أهللنا الهلال. والحمرة التي يغيب فيها القمر يقال لها: الندأة. قال الفزاري والجمع ندى ثلاثة، أخط أحمر بين أخضرين، فإذا رأيتها فتق بالمطر من غرب أو شرق بإذن الله . قال ثعلب: الأخط جمع خط كما يقال: صل وأصل وشد وأشد. وغرة الشهر أوّل ليلة، لأنّ الهلال في أوّله كالغرة في وجه الفرس. وتقول العرب للحجر البراق: هو بصاقة القمر، وقيل بصاق وبصق. والبلماء ليلة البدر.
стр. 298
ويقال: وجه مسلم إذا امتلأ نورا واستكمل حسنا، وقال بعضهم: يقال كذلك طفاوة القمر.
فصل في أسماء ليال من أوّل الشّهر
الغرر ويقال الغر أيضا لأنّها كالغّرة في الوجه البهيم من الخيل.
ويقال أيضا: القرح لأنّها كالقرحة فيها. ولثلاث يليها السّبع، وقيل لها: الزّهر بفتح الهاء وقد سكنت أيضا، وقد أزهر القمر والزّهرة البياض والنجم المعروف الزّهرة، أبو عبيدة يبطل التّسع والعشر ورواه غيرهما. ومن قال الغرر جعلها جمع غرة. ومن قال غر جعلها جمع غرّاء. وقيل بعد الغر ثلاث شهب، لأن ضوء القمر فيها غير باهر، وقيل: ثلاث بهر لأنّ ضوء القمر بهر كلّ ظلمة أي غلب، وقيل في التّسع: إنّها سمّيت بها لأنّ فيها الليلة التّاسعة، كما سمّيت الغرر لأنّ فيها الغرة، وهي ليلة واحدة ليلة الهلال.
وكذلك العشر: لأنّ فيها اللّيلة العاشرة، ولثلاث يليها التّسع، وقيل لها: الدّرع بفتح الرّاء، ويجعل درعة مثل ظلمة وظلم وقيل الدّرع بسكون الراء جعل جمع درعاء. وقيل:
صبح أدرع: لاختلاط الضّوء بالظّلمة. وشاة درعاء إذا اسودّ مقدمها وابيضّ سائرها. ويقال:
أدرع الشّهر إذا جاوزت النّصف منه والدّرع والظّلم والزّهر وقد حركت الثّاني منها كلّها وجاءت على غير قياس. قال ابن أبي ربيعة:
قالت له شفقا لا تأت في قمر ... إن كنت تأتي بليل واحذر الدّرعا
ففتح الرّاء والقياس إسكانها. قال أبو حاتم: لم أسمع في الظلم أنّها جاءت على القياس. وقال بعضهم: أتيت وثوب السّماء مجزع، لأنّ أوّلها أبيض وآخرها أسود.
وقال الأصمعي: عن العرب: اللّيالي البيض: ثلاث ليال: ليلة السّواء، وليلة البدر، وليلة خمس عشرة. قال: ولا يقال أيام البيض إنّما يقال: ليالي البيض، وتسمّى هذه اللّيالي المحمقات، وذلك أنه إذا كان في السّماء غيم رقيق وطلع القمر من أوله إلى آخره خفي على الإنسان ضوء الصّبح، فيظنّ أنّه قد أصبح وعليه ليل فيسمين محمقات لذلك. ويقال: غرّ فلان غرور المحمقات.
وقد قيل لما يلي التّسع إلى اثنتي عشرة: الجزع، ثم ثلاث عشرة السّواء والعفراء، وأربع عشرة البدر، وخمس عشرة ميسان، وإلى العشرين الذرع، وقد تقدّم القول في جميعه، والتّسع البواقي الدّادي، وآخر ليلة في الشّهر ليلى مقصورا لظلمتها. وحكي المد فيها. وقيل للثلّث الأواخر محاق، لأنّه يمتحق القمر فيها كأنّه يحترق عند طلوع الشّمس فلا يرى.
стр. 299
ويقال: ليلة المحق ويقال: أتيته في المحاق أي في امتحاق القمر.
ويقال: من البدر قد أبدرنا، ومن السّواء قد أسوينا، ومن نصف الشّهر قد أنصفنا.
ويقال: ليلة ضحيان وضحيانة، وليلة قمراء، وليلة بيضاء، وليلة ضحياء، وليال ضحيانات، وليلة طلقة، وليال طلقات، وطوالق إذا كنّ مقمرات.
ويقال: ثلاث دادي، وثلاث ظلم، وثلاث حنادس. قال شعرا:
تداركه في متصل الآل بعد ما ... مضى غير دأداء وقد كاد يسحب
وقيل: اللّيالي النّحس والدّهم. وقيل أيضا: ثلاث قحم: لأنّ القمر قحم في دنوّه إلى الشّمس.
ويقال لليلة ثمان وعشرين: الدّعجاء، وليلة تسع وعشرين الدّهماء، ولليلة ثلاثين اللّيلاء، ويجوز أن يكون القحم أخذ من افتحام في السّير، وقال الأصمعيّ في الحنادس:
كلّ ظلماء من اللّيالي حندس، وقال أبو عمرو: قول النّاس العشر والنفل لا تعرفه العرب.
قال الجعدي في الظّلم: كاللّيلة المباركة القمراء تهدي أوائل الظّلم. وقال المسيّب بن علس: كالطّلق يتبع ليلة البهر.
стр. 300
الباب السّابع والعشرون في ذكر أسماء الهلال من أوّل الشّهر إلى آخره وما ورد عنهم فيها من الأسجاع وغيرها
قال أبو زيد: الأعراب يقولون للقمر لأوّل ليلة، رضاع سخيلة حلّ أهلها برميله.
ولابن ليلتين: حديث أمتين يكذب ومين، ولابن ثلاث: حديث فتيات غير جد مؤتلفات، ويروى ما أنت ابن ثلاث، فقال: قليل اللّبات، ولابن أربعة: عتمة ربع غير حبلى ولا مرضع. ويروى غير جابع ولا مرضع. وقال بعضهم: عتمة أم ربع غير حبلى ولا مرضع.
ولابن خمس: عشاء خلفات قعس وزعم غير أبي زيد أنّه يقال لابن خمس: حديث وأنس.
قال أبو زيد: ويقال لابن ست: سر وبت. وقال غيره: أسر وبت. قال أبو حاتم: لأنّه يقال: سرى وأسرى بمعنى. وقال أبو زيد: لابن سبع دلجة الضّبع، وقال غيره: حد والأنس ذو الجمع. وقال أبو زيد لابن ثمان: قمراء أضحيان. قال أبو حاتم: أضحيان.
قال أبو زيد: ولا بن تسع: انقطع الشّبع. وقال غيره: ملتقط ماء الجزع وقيل مثقّب الجزع.
وقال أبو زيد لابن عشر: ثلث الشّهر. وقال غيره: محنق الفجر. وقال غير أبي زيد قيل للقمر: ما أنت لأحدى عشرة قال: لدى عشاء وأرى بكرة. قيل: فما أنت لاثنتي عشرة؟
قال: موثق للشّمس بالبدو والحضر. الذي حكاه أبو حاتم موثق للشّمس. وقيل: ينبغي أن يكون موثق للخلق. قيل: فما أنت لثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر يعشى له النّاظر. قيل: فما أنت لأربع عشرة؟ قال: مقتبل الشبّاب أضيء مدجنات السّحاب. قيل: فما أنت لخمس عشرة؟ قال: تمّ التّمام ونفدت الأيام. قيل: فما أنت لستّ عشرة؟ قال: نقص الخلق في الغرب والشّرق. قيل: فما أنت لسبع عشرة؟ قال: أمكنت المغتفر الغفرة. قيل: فما أنت لثماني عشرة؟ قال: قليل البقاء سريع الفناء. قيل: فما أنت لتسع عشرة؟ قال: بطيء الطّلوع بين الخشوع. قيل: فما أنت لعشرين؟ قال: أطلع بسحره وأرى بالبهرة، قيل: فما
стр. 301
أنت لإحدى وعشرين؟ قال: كالقبس أطلع في غلس. قيل: فما أنت لاثنتين وعشرين؟ قال:
أطيل السّرى ألا رأيت ما أرى. قيل: فما أنت لثلاث وعشرين؟ قال: أطلع في قتمة ولا أجلي الظّلمة. قيل: فما أنت لأربع وعشرين؟ قال: أرى في تلك اللّيالي لا قمر ولا هلال.
قيل: فما أنت لخمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل وانقطع الأمل. قيل: فما أنت لستّ وعشرين؟ قال: دنا ما دنا فليس يرى لي سناء. قيل: فما أنت لسبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا وأرى ظهرا. قيل: فما أنت لثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشّمس، وقيل: فما أنت لتسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير لا يراني إلا البصير. قيل: فما أنت لثلاثين؟ قال:
هلال مستقبل.
ويقال: جئت لعقب الشّهر وعقباله أي بعد ما يمضي، وفي عقبه وعقبه إذا بقيت منه بقيّة.
ويقال: لا يفعل كذا إلّا عقبة القمر. وذلك إذا قارن الثّريا ويقارنها في السنّة مرّة وهو من المعاقبة، وذلك إذا استوى اللّيل والنّهار، وقيل: هو عودته إذا غاب وقال بعضهم في العقبة:
لا يطعم العسل والخطميّ لمته ... ولا الزّريرة إلّا عقبة القمر
وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي عن المسروحي قال:
لما رأيت الشّعراء أبدوا ... وكلّ شيء جمعوه عدّدوا
حاجتهم ما ذو عصا مسند ... حيّ كميت عينه توقد
سيد جمع حوله لم يولد
(سيّد جمع) : يعني القمر والنّجوم حوله و (ذو عصا) قال جعل عصاه المجرّة و (مسند) : أي في السّماء، وقيل أيضا: يسند إليه الشّهور والأيام و (حي كميت) أي يسير ولا روح له ومعنى (أبدوا) أتوا بالأوابد والدّواهي. وأنشد أبو زيد عن المفضل لرجل من بني سعد شعرا:
مهما يكن ريب المنون فإنّني ... أرى قمر اللّيل المعذّب كالفتى
يهلّ صغيرا ثم يعظم قدره ... وصورته حتّى إذا هو ما استوى
يقارب يخبو ضوؤه وشعاعه ... ويمصح حتّى يستسرّ فلا يرى
كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى
(زيد المرء) زيادته. وقال آخر:
стр. 302
يدان بنا وابن اللّيالي كأنّه ... حسام جلت عنه العيون صقيل
فما زال يغلو كلّ يوم شبابه ... إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
والمعنى سرنا من أوّل الشّهر إلى آخره حتى انتهينا إليك. وأنشد ابن الأعرابي:
فلو كنت ليلا كنت ليلة صيف ... من المشرقات في موسّطة الشّهر
ولو كنت ظلّا كنت ظلّ غمامة ... ولو كنت عرشا كنت تعريشة الفجر
ولو كنت يوما كنت يوم سعادة ... يرى شمسه والمزن يهضب بالقطر
وأنشدت عن نقطويه، قال: أنشدني ثعلب عن ابن الأعرابي شعرا:
لو كنت ليلا من ليالي الشّهر ... كنت من البيض تمام البدر
بيضاء لا يشقى به من يسري ... أو كنت ماء كنت غير كدر
ماء سماء في صفاء من صخر ... أظلّه الله بعيض السدّر
فهو شفاء من غليل الصّدر
وأنشدني حمزة بن الحسن قال: أنشدني علي بن سليمان عن المبرد:
وليل في جوانبه فضول ... على الآفاق أبهم غيبهان
كأنّ نجومه دمع حبيس ... ترقرق بين أجفان الغواني
قال أبو عمر الزّاهد: عرضت هذين البيتين على ثعلب، فقال: البيت الثّاني مضاف إلى شعر الشّاعر وليس له. وقال جرير في قصّة الأيام:
ويوم كإبهام القطاة مزين ... إلى صباه غالب لي باطله
وأنشد في مثله:
ظللنا عند دار أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذّباب
وأنشد أبو العباس ثعلب:
وسيّارة لم تسر في الأرض تبتغي ... محلّا ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لا تسري الرّكاب ولم ينخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع
تفتّح أبواب السّماء ودونها ... إذا ما ارتجت عنها المسامع سامع
يعني دعوة مظلوم دعا الله ﵎ وأنشد في مثله شعرا:
خدنان لم يريا معا في منزل ... وكلاهما يجري به المقدار
لونان شتّى يغشيان ملاءة ... تسفي عليه الرّيح والأمطار
стр. 303
(الخدنان) : اللّيل والنّهار و (الملاءة) يعني بها الأرض. وقال آخر في المحاجاة:
ما جملي قهقرني وإبلي يعذرني ... وقربتي روية وكلبتي حميّة
جمله القمر، والقهقر الشّديد وإبلي يعذرني: يعني النّجوم، وقربته السّماء تمطر وكلبته حميّة يعني الشّمس. وأنشدني العسكري أبو أحمد، قال: أنشدني المفجع الكاتب:
وما واضح بعد الغياث مصور ... له خلع شتّى وما هو لابس
يعني: قوس قزح، و (الغياث) المطر. قال وأنشدني الآخر:
أكلت النّهار فأفنيته ... فهل في لياليك من طمع
النّهار: الذّكر من الحبارى واللّيل: فرخ الكروان، قال: وأنشدني عن ثعلب:
ألا ليتني أصبحت يوما بمنزل ... بعيد من اسم الله والبركات
هذا رجل طال سفره، فكان إذا ارتحل أصحابه قالوا: اسم الله. وإذا نزلوا قالوا: على بركة الله، قيل: طول السّفر، وقال ذلك. وقال آخر في ضده:
ليتني في المسافرين حياتي ... لا لحبّ الحلول والتّرحال
بل لخمس تحطّ منهنّ ستّ ... وثلاثين لا تكون ببالي
يعني خمس صلوات، يحطّ منها ست ركعات وهي: صلوات المسافر. وأنشدني أبو أحمد العسكري:
رمتني بنجلاوين من ترميانه ... بسهمها شدّت عليه التمائم
وشفّت سحابا فيه سبعون أنجما ... وشمس تولّتهنّ عشر نواعم
النّجلاوان: العينان يقول من أصابته بطرفها جن، والسّحاب: أراد به أنّها حلّت أزرارها جعل الغطاء كالسّحاب والأنجم اللآلئ، والشّمس منه كالقلادة من فضّة أو ذهب وأراد بالعشر النّواعم الأصابع وأنشد:
ستة إخوة وأخت شريفة ... هي في دارنا ودار الخليفة
يعني أيام الأسبوع.
стр. 304
الباب الثّامن والعشرون في ذكر أسماء الأوقات لأفعال واقعة في اللّيل والنّهار
وأسماء لأفعال مختصّة بأوقات في الفصول والأزمان يوم العداد: يوم العطاء والفرض. لذلك قيل: عداد فلان في بني فلان أي ديوانه.
قال ابن الأعرابي: العداد: الوقت الذي تتهيج فيه أوجاع البطن. والعداد الرّبع من الحمى وأنشد:
يلاقي من تذكّر آل ليلى ... كما يلقى السّليم من العداد
وفي الحديث: «وما زالت آكلة خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري» أي يأتيني الأذى منها لوقت معلوم. (والعداد) : اللّيلة التي يناح فيها على الميت من كلّ أسبوع.
وعدة المرأة: أيام قرئها.
والصّبوح: ما يشرب صباحا. والغبوق: ما يشرب عشاء. ومن أمثالهم: جاء فلان وقد أحيل صبوحه على غبوقه، إذا صرف عن رأيه وأمره. ومثله: جاء فلان وقد فتلت ذوائبه وفتّ في عضده. وفي الحديث: «ما زال يفتل في الذّروة والغارب» وأنشد:
ما لي لا أسقى على علّاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي
والنّحويون يحتجّون بهذا في حذف حروف العطف من الكلام.
والقبيل: شرب نصف النّهار، وفي قصة تأبّط شرّا: شروب للقبيل- يضرب بالذّيل كمغرب الخيل- وأنشد:
يا ربّ مهر مزعوق ... مقيل أو مغبوق
من لبن الدّهم الرّوق.
مزعوق: أي نشيط.
والجاشريّة: شرب السّحر. يقال: أسحرنا فتجشّرنا فنحن مسحرون متجشّرون من جشر الصّبح. وأنشد:
стр. 305
إذا ما شربنا الجاشريّة لم نبل ... أميرا وإن كان الأمير من الأزد
وما يؤكل فيه اسمه السّحور والطّائر المسحّر: إذا غرّد سحرا. والسّحر والسّحرة واحد. ويقال: صبّحناهم وغبقناهم وغشيناهم وغديناهم قال عدي:
بينك فلم يلقهم حقباء
والضّحاء للإبل: كالغداء للنّاس، وأوّل وقت الغداء قبل الفجر الثّاني، قال رسول الله ﷺ للعرباض حين دعاه إلى السّحور: «هلمّ إلى الغداء المبارك» . فالغداء والعشاء مأخوذان من الغداة والعشيّ. ويقال لمن خرج في هذا الوقت: قد غدا منه، فإن يقدم في هذا الوقت لم يقل غدا، ولكن يقال: دلج إذا خرج في نصف اللّيل، أو في أوّله وأدلج إذا خرج في آخره، فإذا انبسطت الشّمس فإن شئت سمّيت الغداء ضحاء. ويقال: ضح إبلك، أي غدها وسمّى ضحاء لأنّهم يضحّون للشّمس وفي القرآن: لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
[سورة طه، الآية: ١١٩] أي لا تعطش ولا تصيبنّك الشّمس. وبناء الفعل من هذه الأفعال قياسه مطّرد وفي أظمأ الفعل والظماء ما بين الوردين، يقال: وردت الإبل الرّبع والخمس إلى العشر ومن هذا قول الكميت:
وذلك ضرب أخماس أريدت ... لإسداس عسى ألّا تكونا
هذا مثل يضرب للرّجل يتعلّل بغير علّة يظهر لك شيئا ويريد غيره، والّذي يريد شيئا يتوصّل إليه بغير وجهه، ويخيّل عنه صاحبه. ووردت الماء ظاهره أي وردت كلّ يوم نصف النّهار.
والغب: أن يرد يوما ويدع يوما، وكذلك الغب في الزّيارة. وفي الحديث: «زر غبّا تزدد حبّا» ومنه قيل: أغبّ اللّحم أغبابا، وغب غبوبا إذا أروح ولحم غاب ومغب. وحكى أبو زيد: لأضربنّك غبّ الحمار وظاهره الفرس. وغب أنّه يرعى يوما ويشرب يوما.
والظّاهر أنّه يشرب الفرس كلّ يوم.
ويقال: أفضينا اليوم: إذا شربت الإبل قليلا قليلا، وأشربنا إذا رويت إبلنا. والغب في الورود: معروف، ولا يقال: بدله الثّلث، كما قيل الرّبع. والورد يوم الحمى، ويقال: هو مورود. والقلد: يوم يأتي فيه المثلّثة. والقد أيضا أن يمطر النّاس من الأسبوع في يوم معلوم ثلاثا أو أربعا أو أحد الأيام.
ويقال: هو مربع ومربوع في حمى الرّبع. قال الهذلي:
من المربعين ومن آزل ... إذا جنّه اللّيل كالنّاحظ
стр. 306
والقلع: وحواذها أن يعاود وينقطع مرّة بعد أخرى، وهذا كما قال النّابغة في صفة السّليم: تطلّقه طورا وطورا تراجع. والسّرح: المال يسأم في المرعى.
يقال: سرح القوم إبلهم سرحا وسرحت الإبل، والمسرح مرعى السّرح ولا يسمّى سرحا من المال إلا ما يغدى به ويراح، والجميع السّروح ويكون السّارح اسما للقوم الذين لهم السّرح، نحو الحاضر والسّامر وهما للجميع. وأنشد في ذلك:
سواء فلا جدب فيعرف جدبها ... ولا سارح فيها على الرّعي يشبع
وقال: أم حصان لم تكن أمة في الحي ترعى سارح الغنم. قال أبو بكر الدّريدي، وفي دعاء الاستسقاء: قلّدتنا السّماء قلدا قلدا أي: وردا وردا، ويقال: صارت الحمى تحاوذنا بالزّيادة، أي يتعهدنا بين الأيام.
والغداء والعشاء معروفان. وقيل لبعضهم: ما المروءة؟ قال: إصلاح المال والرّزانة في المجلس. والغداء والعشاء بالأفنية. وما يتعلّل به قبل الغداء السّلفة والعجلة واللهنة.
قال: عجيز عارضها، منفل، طعامها اللهنة أو أقل. ويقال: لهنوا ضيفكم أي قدّموا إليه ما يتعلّل به قبل إدراك الغداء. والقيلولة: نوم نصف النّهار، ويقال: فلان يعشو إلى نار فلان:
إذا جاءها ليلا وذلك لما يغطي بصره من الظّلمة. وقال:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ومنه: أوطانه العشوة إذا حربه بالباطل، وهذا كما قال تعالى: أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً
[سورة يونس، الآية: ٢٧] ويقال للأكلة في اليوم واللّيلة: الوجبة والوزمة، وقد وجب والوزمة: وقد وجب نفسه وعياله وتوجّب بنو فلان، وما يجلب بنو فلان إبلهم وغنمهم الأوجبة والأوزمة وأنشد:
علقت عجوزهم إذا هي أظلمت ... بالجاشريّة مثل وزمة درهم
والجاشريّة: شربة في السّحر على غير طعام ومنه قوله:
وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت الجاشريّة أو سقى لي
ومن كلامهم: من أكل الوجبة أو الوزمة لم يمعد، والممعود: الذي يشتكي معدته ويقال: أتيته آينة بعد آينة، على وزن عاينة أي تارة، وأتيته بعد أين ويهمزون الأين ولا يهمزون وأنشد:
ترى قورها يغرقن في الآل مرّة ... وآينة يخرجن من عام ضحل
وحكى الأصمعيّ قال: قيل للرّجل أسرع في مشيه: كيف كنت في سيرك؟ قال: كنت
стр. 307
آكل الوجبة- وأنجو الوقعة- وأعرس إذا أفجرت- وأرتحل إذا أسفرت- وأسير الوضع- وأجتنب الملع- فجئتكم لمسي سبع- قوله: أنجو الوقعة: أي أقضي الحاجة في اليوم مرة يعني إتيان الخلاء. ويقال: أنجا ونجا جميعا. والملع ضرب من السّير وهو أشدّ من الوضع، واختار الوضع على الملع لئلّا ينقطع سيره.
وقد قيل: شرّ السّير الحقحقة- ويقال: جزم حزم إذا أكل أكلة في اليوم واللّيلة.
ويقال: ما زال يتمّهق إذا شرب يومه أجمع.
ويقال: تهقّعوا أوردا: أي ورودا كلّهم.
والتّحيين: حلب النّاقة مرة في اليوم واللّيلة. وأنشد:
إذا أفنت أرمي عيالك أفنها ... وإن حينت أربي على الوطب حينها
قال: الأصل الحينة، وهو أن يأكل في اليوم مرّة.
ويقال للعروس إذا غشيها زوجها: هذه ليلة فضتها أي ليلة اقتراعها. الكسائي يقال:
أمرجت الدّابة في لغة بني تميم وغيرهم، يقول: مرجتها قال العجّاج:
رعى بها رعي ربيع ممرجا، وعبهلتها وأسمتها، كلّ ذلك إذا أهملها في المرعى نهارا، فإذا كان باللّيل قيل أنفشها. قال:
أجرش لهابا بن أبي كباش ... فما لها اللّيلة من أنفاش
غير السّرى وسائق نجّاش
والفعل لها نفشت، ولا يستعمل إلا باللّيل، وفي القرآن: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
[سورة الأنبياء، الآية: ٧٨] .
وكذلك النّشر أن ينشر الغنم باللّيل فترعى، وإذا أرسلت فرعت قيل: صبت الإبل تصبو. قال شعرا:
إذا تروّحن من الإعياء ... باللّيل لا يصبون في عشاء
ويقال: فلان قنفذ ليل: أي يدور في اللّيل ولا ينام، والقنفذ لا ينام. وهذا كما أنّ القطرب دويبة تقطع نهارها بالمجيء والذّهاب. وفي الحديث: «لا يبيتنّ أحدكم جيفة ليل وقطرب نهار» قال:
قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنّميمة تمزع
стр. 308
والدّلجة: السّرى من أوّل اللّيل إلى آخره. وقيل: دلج اللّيل: سار من أول اللّيل، وأدلج: سار من آخره. قال أبو حاتم: أو بعد نومة ينامها.
والتّعريس: النّزول في آخر اللّيل، كما أنّ التّغوير في آخر النّهار. وهذا كما أنّ الاقتحام من أوّل اللّيل، والاهتجام في آخره.
ويقال: بلغ الأمر نياه: أي وقته. ثم قيل: طال به الأناء مقصورا، فإن فتحت مددت الألف، وأنشد الحطيئة:
وأتيت العشاء إلى سهيل ... أو الشّعرى فطال بي الأناء
وحكى أبو نصر عن الأصمعي: آن آنه: أي حان حينه، وأنى له أن يفعل كذا يأني أنيا.
وآن يئين أينا. وأنشد الدّريدي: قال أنشدني أبو حاتم عن الأصمعي: أونوا فقد آن عليها الطّلح. وقال: وهذا من الأون الرّفق- يقال: إن يؤن أونا، وكان الواجب أن يقول: أونوا على الطّلح فقد آن، أي ارفقوا بها فقد أعيين.
والتّأويب: السّير من غدوة إلى اللّيل. قال الرّاجز:
كأنّ غرّ متنه إذ نجتبه ... سير صنايح في حزير نكلّبه
من بعد يوم كامل نؤوّبه
غرّ المتن: طريقته. يقال: إنها تبرق كأنّها سير في حزر.
ويقال: فلان على جول فلان إذا كان على سنّه، وهو سوغه أي طريده، ولد بعده ليس بينهما ولد، وهم أسواغه.
يقال: هو سنه وتنّه: أي مثله وقرنه.
والملى والمعك والمدالك والمطل: تأخير قضاء الدّين عن وقته ومطله.
ويقال: لقيته أوّل وهلة وواهلة ووهلة- وأوّل ذي أوّل- وأوّل صوك وبوك- أي قبل كلّ شيء وقبل كلّ أحد.
وقال يونس: أقامت امرأة فلان عنده: يعني امرأة العنين ربضتها إذا أقامت عنده حولا ثم فرّق بينهما. ويوم الطّلق ويوم القرب. قال الأصمعيّ: سألت أعرابيا عن القرب، فقال:
سير اللّيل لورود الغد، ويقال: ناقة طالق: من الطّلق، وقارب من القرب.
قال: أسد وكلب: يسمّون صلوة المغرب صلوة الشّاهد، وغيرهم من العرب يسمّي الفجر: صلوة الشّاهد وأنشد:
стр. 309
فصبحت قبل الأذان الأوّل ... تيماء والصّبح كسيف الصّيقل
قبل صلوة الشّاهد المستعجل
وأنشد غيره: بين الظّلام وصلوة الشّاهد. وأنشد ابن الأعرابي:
يا حبّذا قولهم أبيلوا ... وعرّسوا فقد دنا المقيل
يقول: إذا أبالوا الإبل اجتمعت فأمكن السّلام والمصافحة، واستراح العسيف.
قال الأصمعيّ: المستمي: الطّالب للصّيد نصف النّهار، والسّامي مثله. وقال الأصمعيّ: هو الطّالب الصّيد وغيره في أيّ وقت كان، وأنشد:
إذا بكر العواذل أستميت ... وهل أنا خالد أما ضحوت
قال: أستميت أي طلبت بكرا. وأنشد أبو عبيدة شعرا:
وليس بها ريح ولكن وديقه ... يظلّ بها السّامي يهلّ وينقع
يهلّ: يستحلب ريقه ينفعه تحت لسانه من العطش. وقال جرير:
بقر أوانس لم يصب غرّاتها ... نبل الرّماة ولا رماح المستمي
(أبو عمرو) : ليلة شيباء: هي اللّيلة التي يقترع الرجل امرأته فيها وأنشد:
كليلة شيباء التي لست ناسيا ... وليتنا إذ مرّ في اللهو قرمل
قال: الشّيباء الضّعيفة، والأشيب: الضّعيف، وقال قطرب: ليلة الشّيباء التي يفتضّ الرّجل فيها أهله ثم أنشد شعرا:
وكنت كليلة الشّيباء همّت ... بمنع الشّكر آتمها القبيل
آتمها: صيّرها أتوما، وهي المفضّاة التي صارت شيئا واحدا. والقبيل: الذي يقابلها في الجماع. وقد قيل: الشّيباء يمد ويقصر، وقال الأسدي: باتت بليلة شيباء على الإضافة وبليلة شيباء بالتّنوين، وضدّها ليلة حرّة.
وحكى ابن الأعرابي: قال سألت أبا المكارم عن الصّوص، فقال: هو الذي ينزل وحده، ويأكل وحده بالنّهار، فإذا كان اللّيل أكل في القمراء لئلّا يراه الضّيف. وأنشدني:
صوص الغنيّ سدّ غناه فقره. سدّ غناه فقره: يعني فقر النّفس يمنعه من الكرم. وأنشد أيضا شعرا:
يا ربّ شيخ من بني قلاص ... يأكل تحت القمر الوباص
стр. 310
باهرة باتت على أدراص الأدراص: ولد الفأر، ويقال: فصيل صيفي، وفصيل ربعي، وما تنتج بعد سقوط الغفر إلى أن يمضي، يقال له هبع وسمّي هبعا لأنّ الصّال الرّبعيّة أكبر منه وقد قويت، فهو لا يلحقها إذا مشت لأنّها أدرع منه فيهبع في مشيه، والهبع والهبعان شبيه بالإرقال.
وقال ابن قينة: الشّرب في نصف النّهار: القيل، ولم يبلغني عنهم اسم للطّعام في هذا الوقت، فإذا زالت الشّمس وصار الظّل فيئا فهو أرواح. ولهذا قيل في يوم الجمعة: راحوا إلى المسجد، ويرى أهل النّظر أنّ الرّواح مأخوذ من الرّوح لأنّ الرّيح تهبّ مع زوال الشّمس. قال لبيد: راح القطين بهجر ما ابتكروا، فجعل الرّواح في الهاجرة.
ثم يكون الأكل بعد الهجير عشاء، لأنّه يكون بالعشيّ. والعشي إلى سقوط القرص.
ثم يكون المساء بعده إلى عتمة اللّيل. وليس يزيل المساء العناء.
قال شعرا:
وأنيئت العشاء إلى سهيل ... أو الشّعرى فطال بي الأناء
وقال أحمد بن يحيى: (التّعريس) : باللّيل والنّهار. و (التّهويم) : بالفجر و (وفعوا وفعة) : ناموا نومة.
وحكى ابن الأعرابي أنّ أحدنا يجزم الجزمة أي يأكل في النّهار مرّة.
وحكى أيضا: أنّ أحدنا ليدعلج دعلجة الجرد، والدّعلجة الذّهاب والمجيء في الأكل. قال: يأكل دعلجة ويشبع من عفاء.
ويقال: ناقة مسحقة: إذا أسحقت أيّام سنتها منذ يوم ولدت، وناقة مسحقة إذا استحقت سمنا، واستبان ذلك فيها، ومستحقة لإرسال الفحل عليها.
ويقال: أرح إبلك عليك: أيّ بيتها عندك وأغربها بيتها في الكلأ. ويقال: في معنى أرح روح أيضا، قال كعب بن سعد شعرا:
وقور فاه حلمه فمرّوح ... علينا وأمّا جهله فغريب
وهذا من كلامه مثل، يريد أنّ حلمه يعطف عليهم، وجهله يغرب عنهم، والمعنى لا جهل.
ثم قال الأصمعيّ: التّجمير: طول الإقامة في الثّغور، قال ولا لغاز إن غزا لجمير.
قال أبو عمر: والتّغمير: أن يدبّ الأعرابي في اللّيلة المقمرة إلى النّساء. والتأطير: أن
стр. 311
تبقى المرأة في دار أبويها زمانا لا تتزوّج. وأنشد المفضّل:
تأطّرن حتّى قيل لسن بوارحا ... وذبن كما ذاب السّديف المسرهد
ويقال: باتت المرأة: إذا تحوّلت من دار أبويها إلى دار زوجها. وأنشد لكثير عزة:
وإنّي لأستأني ولولا طماعة ... لعزّة قد جمّعت بين الضّرائر
وهمّت بناتي أن يبتن وحمّمت ... وجود رجال من بني الأصاغر
فإذا تحوّلت يقال لها عانق وقد عنقت. وأنشد ابن الأعرابي:
ضح قليلا يلحق الدّاريون. ويقول: ارع إبلك ضحى، وهذا مثل أي كفّ عن الطّرد حتى يلحقك أصحاب الدّور، وهذا تفسير ابن الأعرابي.
стр. 312
الباب التّاسع والعشرون في ذكر الرّياح الأربع، وتحديد مهابّها، وما عدل عنها
وهو فصلان
الفصل الأول [في بيان أنواع الرياح]
قال أبو سعيد: أخبرنا أبو الحسن الطّوسي: حدّثنا ابن الأعرابي عن الأصمعي وغيره. (قالوا) : الرّياح أربع: الجنوب- والشّمال- والصّبا- والدّبور- قال ابن الأعربي وكلّ ريح بين ريحين فهي نكباء والجمع نكب.
فأمّا مهبّهنّ: فابن الأعرابي قال: (مهبّ الجنوب) من مطلع سهيل إلى مطلع الثّريا.
والصّبا: من مطلع الثّريا إلى بنات نعش.
والشّمال: من بنات نعش إلى مسقط النّسر الطائر.
والدّبور: من مسقط النّسر الطّائر إلى مطلع سهيل.
والنّكب: كلّها داخلة في هذا القول في الأربع.
قال: والجنوب والدّبور لهما هيف. (الهيف) : الرّيح الحارة. قال: والصّبا والشّمال لا هيف لهما، والعرب تجعل أبواب بيوتها حذاء الصّباء ومطلع الشّمس.
وقال الأصمعيّ: ما بين سهيل إلى حرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائها مما يستقبلها من الغرب شمال.
وما جاء من وراء البيت الحرام: فهو دبور، وما جاء قبالة ذلك فهو صباء والصّباء القبول. قال: وإنما سمّيت قبولا لأنّها استقبلت الدّبور. وقال المبرّد: سمّيت قبولا لأنّها لطيبها تقبلها النّفوس.
وذكر أبو يحيى بن كناسة أنّ خالد بن صفوان قال: الرّياح أربع: (الصّبا) ومهبّها ما
стр. 313
بين مطلع الشّرطين إلى القطب. (ومهبّ الشّمال) ما بين القطب إلى مسقط الشّرطين.
(ومهبّ الدّبور) ما بين مسقط الشّرطين إلى القطب الأسفل. و (مهبّ الجنوب) ما بين القطب الأسفل إلى مطلع الشّرطين.
وحكي عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب أنه قال: الرّياح ستّ: القبول، وهي:
الصّبا- والدّبور- والشّمال- والجنوب- والنّكباء- وريح سادسة يقال لها محوة.
ثم فسّر ذلك فجعل ما بين المشرقين مخرج القبول وهي الصّبا. وجعل ما بين المغربين مخرج الدّبور. وجعل ما بين مشرق الصّيف إلى القطب مخرج النّكباء. وجعل ما بين القطب إلى مشرق الصّيف مخرج الشّمال، وجعل ما بين مغرب الشّتاء إلى القطب الأسفل مخرج الجنوب. وجعل ما بين القطب الأسفل إلى مخرج الشّتاء مخرج محوة.
قال أبو يحيى: النّاس على قول خالد: فالقبول هي المشرقيّة لأنّها من قبل المشرق تجيء. قال:
إذا قلت هذا حين أسلو يشوقني ... نسيم الصّبا من حيث يطلع الفجر
والدّبور: تناوحها وهي المغربيّة. قال أبو حنيفة؛ وهاتان الرّيحان على ما ذكرنا في جميع الأرض.
فمهب الصّبا بكل بلد من قبل مشرقه. ومهبّ الدّبور من قبل مغربه.
وكذلك الرّيحان الآخران مهبّهما بكل بلد من جهة القطبين. فأما قولهم للجنوب اليمانية وللشّمال الشّامية فلأنّ مهبّهما كذلك هو بالحجاز ونجد فالشّمال تأتيهم من قبل الشّمال. والجنوب من قبل اليمن.
وليس ذلك بلازم لكل بلد لا يكون الشّمال ببلاد الرّوم شاميّة ولا الجنوب ببلاد الزّنج يمانيّة، فاعلموا ويقال: هبّت الرّيح تهب هبوبا.
وحكي عن بعض العرب: أنّ الريح لشدّة الهبوب. ويقال: جنبت الرّيح تجنب جنوبا. ومن الشّمال شملت الرّيح تشمل شمولا. وصبت تصبو صبوا وصبا. وقبلت تقبل قبولا وقبلا. ودبرت تدبر دبورا.
ويقال في الشّمال: شمأل وشامل وشمل وشميل وشمول، ويقال: هبّت الشّمال وهبّت شمالا، وهبّت ريح الشّمال، وهبت ريح شمال. قال جرير شعرا:
هبّت شمالا فذكرى ما ذكرتكم ... إلى الصّفا إلى شرقّي حورانا
وجعل قوله شمالا صفة، ونصبه على الحال.
стр. 314
وقال:
وهبّت الشّمال البليل وإذ ... بات كميع الفتاة ملتفعا
ويسمّى الجنوب: الأزيب، ويسمّى النّعامى، قال أبو ذؤيب:
مرته النّعامى فلم يعترف ... خلاف النّعامى من الشّام ريحا
وتسمّى الشّمال محوة، ويقال: هاجت محوة غير مجراه، وتسمّى الجريباء. قال ابن أحمر:
بواد من قسا ذفر الخزامي ... تداعي الجريباء به الحنينا
وإنّما سمّيت محوة لأنّها تمحو السّحاب: تكشفه وتذهب به، ويقال: أصبحت السّماء صحوة محوة إذا انمحى ما عليها من السّحاب.
قال أبو زيد: من أسماء الدّبور: محوة والقفواء. وعند الأصمعي: محوة اسم للشّمال ويسمّى أيضا مسعا ونسعا. قال شعرا:
قد حال دون دريسيه ماؤبه ... تسع لها بعضاة الأرض تهزيز
ويقال: أجنبنا وأشملنا وأدبرنا وأصبينا أي دخلنا فيها، وكذلك أرحنا فإن أردت أنّها أصابتنا قلت: قبلنا وصبينا، فنحن مصبؤون ومصبيّون وجنبنا ودبرنا ورحنا فنحن مريحون.
قال:
غير درست غير رماد مكفور ... مكتئب اللّون مريح ممطور
وقال آخر: مجنوبة الدّل مشمول خلائقها.
وخالف الطّرمّاح أكثر العرب فجعل الهيف في البرد فقال:
وطفأ سارية وهيف مبرد
وقال أبو زياد يقول: إذا كان يوم ريح هذا يوم هائف طيب، ومن أمثالهم: ذهبت هيف لأديانها. وقال ذو الرّمة:
أهاضيب أنواء وهيفان جرّتا ... على الدّار أعراف الجبال الأعافر
وثالثة تهوي من الشّام حرجف ... لها سنن فوق الحصى بالأعاصر
ورابعة من مطلع الشّمس أجلفت ... عليها بدقعاء المعا فقراقر
فذكر الرّياح الأربع كلّها فجعل الجنوب والدّبور منها يحيي الخير، وهما الهيفان-
стр. 315
وقال الرّاعي: وذكر ريح الشّتاء فغلب عليها الشّمال لأنها أشدّ ريحي الشّتاء بردا:
وهبّت بأرواح الشّتاء عليهم ... شمال يؤدّي الرّائحات نسيمها
وقال أوس في مثله:
وعزّت الشّمال الرّياح وإذ ... بات كميع الفتاة ملتفعا
وقال أيضا:
وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
ومن صفاتها عند هبوبها وقد اشتدّ خزيق قال جميد:
بمثوى حرام والمطيّ كأنّها ... قنا مسند هبّت لهنّ خزيق
والنّافجة: أوّل كلّ ريح إذا اشتدّت. قال ذو الرّمة:
يستنّ في ظلّ عراص ويطرد ... حفيف نافجة عثنونها خضب
وريح نوج: شديدة، قال العجّاج: واتّخذته النّافجات مناجا.
وريح سيهواء وسيهوج: سريعة المر، شديدة القشر للأرض. وقال رجل من بني سعد شعرا:
يا دار سلمى بين دارات العوج ... جرّت عليها كلّ ريح سيهوج
وقال ذو الرّمة:
وصوح البقل ناح يجيء به ... هيف يمانية في مرّها نكب
وريح زفزف: لها صوت كزفزفة الظّليم. وريح هدوج تسمع لها هدجة، وريح هفافة والهفهفة سرعة المرّ. وريح ريدة رادة وريدانة من راد يرود. قال ابن ميّادة:
أهاجك المنزل والمحضر ... رادت به ريحانة صرصر
وقال آخر: جرّت عليها كلّ ريح ريدة. وقال ابن أحمر:
ولهت عليها كلّ معصفة ... هوجاء ليس للبها زبر
قوله ليس للبها زبر: مثل يقال للرّجل إذا كان ذا رأي وحجى إنّه لذو زبر وذو جول والزّبر طي البير بالحجارة.
والسّموم: الرّيح الحارة باللّيل والنّهار. والحرور مثلها. والسّمام: الرّيح الحارّة وهي
стр. 316
السّموم. ويقال: يوم ذو سمائم، ولا يقال: يوم ذو حرائر وليلة سموم وليلة ذات سموم.
وحكى ابن الأعرابي: يوم سام ومسم. ويقال: حرّ يومنا، وحرّت ليلتنا وهو يحر ويحر حكاهما جميعا ابن الأعرابي واللّحياني، وقد حرّرت يا يوم وحرّرت يا رجل. وأنت تحر حرارة وحرة. ورجل حرّان، وامرأة حرّى من العطش. وقوم حراري وحرارى وحرار.
ونسوة حريات وحرارى. وقد قرّ يومنا، وهو يقر مرفوعة القاف ولغة قليلة يقرّ.
واللّجوج: الدّائمة الهبوب لا تكاد تسكن.
والرّياح: اللّواقح تثير السّحاب بإذن الله وتلقح الشّجر. والذّاريات التي تذر التّراب.
والعقيم: التي لا تلقح السّحاب. والرّهاء والرّهو: جميعا اللّينة، وقد رهت ريحها أي سكنت بعد شدة. والشّفان: الرّيح الباردة، وإنّ ريحها لذات شفان، وأمست ريحها تشف شفيفا إذا اشتدّ بردها، ويقال: ليلة شفان. وقال:
وليلة شفان بأرض كريهة ... أقمت بها صحبي ولمّا أعرّس
أي أقمتهم على السّير والحرجف: الباردة. ويقال: ليلة حرجف وريح حرجف للشّديدة الهبوب.
والجيلان: التي تجيل الحصى. ويقال: ريح ذات جيلان وريح جائلة. والعجاج: الغبار وعجّ يومنا بعجاج، وريح عجاجة وذات عجاج. والإعصار: التي ترفع التراب لشدة هبوبها بين هبوبها بين السّماء والأرض، وإنّما هي في مكان واحد. وقد عصرت الرّيح بأعاصير وريح معصر.
والهباء: التّراب الذي تطيّره الرّيح، تراه على وجوه النّاس وثيابهم والهبوة: الغبرة تراها في السّماء. ويقال: إنّ يومنا لذو هبوة ولا يقال: أرى في السّماء هباء، ولا يومنا ذو هباء، ولكن ذو هبوة إذا كانت الرّياح تجيء بتراب مثل الزّريرة. والغبرة: الغبار وقد اغبرّ يومنا، ورجل مغبر في حاجته إذا قصد لها وجدّ فيها. وقد أقتم يومنا، ويوم ذو قتام، وفي السّماء قتمة وغبرة ويقال: قتمة أيضا.
قال الأصمعي: والحرجوج: الدائمة الهبوب المتمادية، والصّر: القر بلا ريح.
ويقال: يوم صر، وليلة صر وليلة صر. والهوجاء: الشّديدة كأنّ فيها هوجاء. والنّسيم:
الرّويد وقد نسمت وتنسمها وريح ذات نسيم. والرّامسات: التي تعفي الآثار، وترمس الحجرة، أي تدفنها. والسّافية: التي تسفي التّراب ويوم ذو سافياء، وريح قاصف تكسر ما تمر به. والمجافيل: الشّداد يجفلن الشّجر وريح جافلة: والمور العجاج والحاسة الباردة تحرق النّبات.
стр. 317
والبارح: الشّديدة تجيء في القيظ. ويقال: إنّ يومنا لبارح. وريح حاصبة وضربتنا بحاصب.
والنّافجة: ينتفج برد.
والخجوج: الشّديدة الهبوب ولا تكون إلا في القيظ، وقد خجّت الرّيح خجيجا.
والهارية: الشّديدة البرد. قال الكميت:
نباري الرّيح ما هرأت وفئنا ... لأموال الغرائب ضامنينا
نصب ضامنينا بفئنا، ومعنى: فئنا: رجعنا ويروى وقئنا كأنه قال: وقئنا لأموال الغرائب وينتصب ضامنين على الحال كما يقول: وقينا السّماحة والهارية.
والبليل: والحاسة في الشّتاء ويقال: أصابتنا ريح بليل، ويوم بليل، وليلة بليل أي باردة، وإن لم يكن فيها ريح.
والنّعور: التي تفجأك ببرد وأنت في حرّ، أو بحرّ وأنت في برد. والهدوج: التي تزعزع كلّ شيء.
ويقال: راح يومنا يراح: إذا اشتدّت ريحه، ويوم راح وريح. ويقال: سكنت الرّيح وفترت وسجت. فأما قول ذي الرّمة وهو يصف قفرا شعرا:
إذا هبّت الرّيح الصّبا درجت به ... غرائب من بيض هجائن دردق
فإنّما اكتفى بذكر هبوب الصّبا لأنّه علم أنّ ذلك يكون في الشّتاء فكأنّه قال: إذا كان الشّتاء درجت بهذا البلد خفان النّعام، والنّعام لا توطن إلّا القفر البعيد من الأنس. وكلّ مواطنه النّعام. فالخفان فيه في الشّتاء موجود لأنّها تبتدىء البيض في الوسمي. وقيل:
الشّتاء أكثر ذلك، ولهذا قال ذو الرّمة:
حتى إذا الهيق أمسى شأم أفرخه ... وهنّ لا مؤيس نابا ولا كتب
يرقد في ظلّ عراص ويطرده ... حفيف نافجة عثنونها خضب
تبرى له صلعة خرجاء خاضعة ... فالخرق دون بياض البيت منتهب
ويل أمّها روحة والريح معصفة ... والويل مرتجز واللّيل مغترب
لا يأمنان سباع اللّيل أو بردا ... إن أظلما دون أطفال لها لجب
ويقال: عصفت الرّيح وأعصفت، وفي القرآن: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[سورة إبراهيم، الآية: ١٨] فهذا شأن الرّياح والبلاد والمواطن من بعد يختلف، فربّ بلد يكون تأذّي أهله
стр. 318
بإحدى الرّياح أشدّ من تأذّيها بسائرها، ويكون بعضها أوفق لهم وإن كانت أكرهها إلى غيرهم، كالّذي يذكر من أنّ الجنوب أحبّ الرّياح إلى أرض الحجاز في الشّتاء والصّيف، ذكر ذلك أبو الحسن الأثرم.
وعكاك: الجنوب يتعوّذ غيرهم منها قال ذو الرّمة شعرا:
إلى بلد لم ينتجعه بعكّة ... جنوب ولم يغرس بها النّخل غارس
وكالذي ذكره ابن الأعرابي عن الرّوحي من تأذّي أهل سابة والشّارة ونواحيها بالصّبا، وكراهتهم لها، وأنها إذا اشتدّ هبوبها عندهم طوى النّاس وطابهم، لأنّ الألبان تقلّ، والوطاب تجف لأنّها ترضع في ضروع الغنم أي ينشفه، ومنزلهم بين مكّة والمدينة، هذا وإن كان الآخر قال:
فإنّ الرّيح طيّبة قول. وقال طرفة:
وأنت على الأقصى صبا غير قرّة ... تذاب منها مزرع ومسيل
وقال آخر:
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمت ... على كبد حرّى تجلّت غمومها
وزعم ابن الأعرابي أنّ الجنوب إنّما يشتدّ حرّها بالعراق، فأمّا بالحجاز فلا. وأنشد قول كثيّر:
جنوب تسامى أوجه الرّكب مسّها ... لذيذ ومسراها من الأرض طيّب
وهذا من حال الرّياح في دارنا وأوطاننا متعالم أيضا، وكما اختلف في هذا الباب اختلف في الأمطار أيضا، ولا زعم من ذلك ما ذكر عن أبي عبيدة أنه قال: الشّمال: عند العرب للرّوح، والجنوب: للأمطار، والأنداء واللّثق والغمق والدّبور للبلاء، وأهونه أن يكون غبارا عاصفا تقذي الأعين وهي أقلّهن هبوبا، والصّبا لإلقاح الأشجار.
ويقال: إذا كان النّشأ من العين ثم ألقحته الجنوب- وأبست به الصّبا واستدرته الشمال- فذلك أجود ما يكون من المطر، وأنشد في ذلك:
لتلقيحها هيج الجنوب ... ويقبل الشّمال نتاجا
والصّبا جالب بمرى. وقال آخر:
مرته الصّبا وزهته الجنوب ... وانتجفته الشّمال انتجافا
والانتجاف: استخراج أقصى ما فيه.
стр. 319
فصل في تبيين ما ذكر من كلام الأوائل في ذلك
قالوا: إنّ الشّمس إذا مرّت على الأرض رفعت منها بخارين: بخارا رطبا وبخارا يابسا، وكلّ واحد من البخارين قد يخالط البخار الآخر، إلا أنّه يسمّى بالأغلب عليه منهما.
فأمّا البخار الرّطب: فهو مادة الأمطار والأنداء كلّها.
وأمّا البخار اليابس فهو مادة الرّياح كلّها، وإنّما يختلف هذان البخاران لاختلاف مواضعهما التي ثارا منها. وأقلّ ما يكون هيج الرّيح بعد المطر وذلك أنّ الأرض تبتل بالمطر، فلا يثور منها البخار اليابس الذي هو مادة الرّيح وكذلك يكون سكون الرّياح عند المطر وعند انقضائه.
فأمّا حرارة ريح الجنوب: فمن قبل أنها تأتي من ناحية ممر الشّمس من بلاد حارة فتسخن قبل أن تبلغ إلينا.
وأمّا برودة ريح الشّمال فلأنّها تأتي من بلاد الشّمس عنها غائبة فهي تبرد من قبل أن تبلغ إلينا، وتمر أيضا بثلوج كثيرة.
وأمّا كثرة ريح الجنوب فلتحلّل البخارات من ناحية الجنوب. والبخار مادّة الريح.
وأمّا كثرة ريح الشّمال في الصّيف، وقلّة ريح الجنوب، فلأنّ الشّمس يكون مرورها في الصّيف بناحية الشّمال، فتذيب الثّلوج الكثيرة، وتهيج البخارات من ناحية الشّمال.
وأمّا احتباس الرّيح وقلتها فلعلّتين. إحداهما: كثرة البرودة فإنّ البرودة تجفف الأرض وتصلبها فلا يخرج منها بخار. والثّانية: كثرة الحر، فإنّ الحر يجفف الأرض وييبسها ويحرقها فينقطع لذلك الريح، وربما تتابع ذلك سنين فيكون القحط منه فإذا كثر ذلك وصلب وجه الأرض اجتمعت البخارات في جوف الأرض، فلم تقدر على الخروج وأحدثت الزّلازل. فإذا كثرت تلك البخارات وقويت وظهرت ذهب القحط وعاد الخصيب.
وأمّا كثرة ريح الشّمال في الرّبيع: فلأنّ النّهار يمتد بعد القصر وتدنو الشّمس من النّاحية الشّمالية فتذيب الثّلوج هناك، فتحدث هذه البخارات التي منها يكون الغيوم والرّياح الشّمالية.
وأمّا كثرة هبوبها آخر الصّيف فلأنّ النّهار يقصر ويبرد الهواء فيحتقن البخارات في جوف الأرض.
فإذا كثرت قويت فظهرت رياح الشّمال، وإنما تقوى البخارات على الظّهور لأنّ البرد
стр. 320
ضعيف في تلك الأيام، فلا يقوى على منع البخارات من الخروج.
وأمّا كثرة ريح الشّمال والجنوب وقلة ريح الصّبا والدّبور: فلأنّ الشّمس لبثها في هاتين الجهتين أكثر من لبثها في خط الاستواء.
وإذا كثر لبثها في مكان عملت عملا قويا فأثارت بخارات كثيرة. وإذا قلّ لبثها في مكان عملت عملا ضعيفا، ومع ذلك أيضا فإنّ الشّمس تصادف في هاتين الجهتين مياها وثلوجا لبعد ما بين الجهتين عن طريقة خط الاستواء، ولست أعني بالشّمال والجنوب اللّذين بالإضافة فإنّ كلّ قوم يسمّون ما يلي أيمانهم إذا كانوا متوجّهين إلى المشرق جنوبا، وما يلي شمائلهم شمالا، ولكنّي أعني بالشّمال والجنوب اللّذين عن جانبي خط الاستواء الذي هو مدار رأس الحمل والميزان.
следующие страницы →