← Адаб

Адаб · id 11469

الأزمنة والأمكنة

المرزوقي

Полный текст (562 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

السّموم. ويقال: يوم ذو سمائم، ولا يقال: يوم ذو حرائر وليلة سموم وليلة ذات سموم. وحكى ابن الأعرابي: يوم سام ومسم. ويقال: حرّ يومنا، وحرّت ليلتنا وهو يحر ويحر حكاهما جميعا ابن الأعرابي واللّحياني، وقد حرّرت يا يوم وحرّرت يا رجل. وأنت تحر حرارة وحرة. ورجل حرّان، وامرأة حرّى من العطش. وقوم حراري وحرارى وحرار. ونسوة حريات وحرارى. وقد قرّ يومنا، وهو يقر مرفوعة القاف ولغة قليلة يقرّ. واللّجوج: الدّائمة الهبوب لا تكاد تسكن. والرّياح: اللّواقح تثير السّحاب بإذن الله وتلقح الشّجر. والذّاريات التي تذر التّراب. والعقيم: التي لا تلقح السّحاب. والرّهاء والرّهو: جميعا اللّينة، وقد رهت ريحها أي سكنت بعد شدة. والشّفان: الرّيح الباردة، وإنّ ريحها لذات شفان، وأمست ريحها تشف شفيفا إذا اشتدّ بردها، ويقال: ليلة شفان. وقال: وليلة شفان بأرض كريهة ... أقمت بها صحبي ولمّا أعرّس أي أقمتهم على السّير والحرجف: الباردة. ويقال: ليلة حرجف وريح حرجف للشّديدة الهبوب. والجيلان: التي تجيل الحصى. ويقال: ريح ذات جيلان وريح جائلة. والعجاج: الغبار وعجّ يومنا بعجاج، وريح عجاجة وذات عجاج. والإعصار: التي ترفع التراب لشدة هبوبها بين هبوبها بين السّماء والأرض، وإنّما هي في مكان واحد. وقد عصرت الرّيح بأعاصير وريح معصر. والهباء: التّراب الذي تطيّره الرّيح، تراه على وجوه النّاس وثيابهم والهبوة: الغبرة تراها في السّماء. ويقال: إنّ يومنا لذو هبوة ولا يقال: أرى في السّماء هباء، ولا يومنا ذو هباء، ولكن ذو هبوة إذا كانت الرّياح تجيء بتراب مثل الزّريرة. والغبرة: الغبار وقد اغبرّ يومنا، ورجل مغبر في حاجته إذا قصد لها وجدّ فيها. وقد أقتم يومنا، ويوم ذو قتام، وفي السّماء قتمة وغبرة ويقال: قتمة أيضا. قال الأصمعي: والحرجوج: الدائمة الهبوب المتمادية، والصّر: القر بلا ريح. ويقال: يوم صر، وليلة صر وليلة صر. والهوجاء: الشّديدة كأنّ فيها هوجاء. والنّسيم: الرّويد وقد نسمت وتنسمها وريح ذات نسيم. والرّامسات: التي تعفي الآثار، وترمس الحجرة، أي تدفنها. والسّافية: التي تسفي التّراب ويوم ذو سافياء، وريح قاصف تكسر ما تمر به. والمجافيل: الشّداد يجفلن الشّجر وريح جافلة: والمور العجاج والحاسة الباردة تحرق النّبات.

стр. 317

والبارح: الشّديدة تجيء في القيظ. ويقال: إنّ يومنا لبارح. وريح حاصبة وضربتنا بحاصب. والنّافجة: ينتفج برد. والخجوج: الشّديدة الهبوب ولا تكون إلا في القيظ، وقد خجّت الرّيح خجيجا. والهارية: الشّديدة البرد. قال الكميت: نباري الرّيح ما هرأت وفئنا ... لأموال الغرائب ضامنينا نصب ضامنينا بفئنا، ومعنى: فئنا: رجعنا ويروى وقئنا كأنه قال: وقئنا لأموال الغرائب وينتصب ضامنين على الحال كما يقول: وقينا السّماحة والهارية. والبليل: والحاسة في الشّتاء ويقال: أصابتنا ريح بليل، ويوم بليل، وليلة بليل أي باردة، وإن لم يكن فيها ريح. والنّعور: التي تفجأك ببرد وأنت في حرّ، أو بحرّ وأنت في برد. والهدوج: التي تزعزع كلّ شيء. ويقال: راح يومنا يراح: إذا اشتدّت ريحه، ويوم راح وريح. ويقال: سكنت الرّيح وفترت وسجت. فأما قول ذي الرّمة وهو يصف قفرا شعرا: إذا هبّت الرّيح الصّبا درجت به ... غرائب من بيض هجائن دردق فإنّما اكتفى بذكر هبوب الصّبا لأنّه علم أنّ ذلك يكون في الشّتاء فكأنّه قال: إذا كان الشّتاء درجت بهذا البلد خفان النّعام، والنّعام لا توطن إلّا القفر البعيد من الأنس. وكلّ مواطنه النّعام. فالخفان فيه في الشّتاء موجود لأنّها تبتدىء البيض في الوسمي. وقيل: الشّتاء أكثر ذلك، ولهذا قال ذو الرّمة: حتى إذا الهيق أمسى شأم أفرخه ... وهنّ لا مؤيس نابا ولا كتب يرقد في ظلّ عراص ويطرده ... حفيف نافجة عثنونها خضب تبرى له صلعة خرجاء خاضعة ... فالخرق دون بياض البيت منتهب ويل أمّها روحة والريح معصفة ... والويل مرتجز واللّيل مغترب لا يأمنان سباع اللّيل أو بردا ... إن أظلما دون أطفال لها لجب ويقال: عصفت الرّيح وأعصفت، وفي القرآن: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [سورة إبراهيم، الآية: ١٨] فهذا شأن الرّياح والبلاد والمواطن من بعد يختلف، فربّ بلد يكون تأذّي أهله

стр. 318

بإحدى الرّياح أشدّ من تأذّيها بسائرها، ويكون بعضها أوفق لهم وإن كانت أكرهها إلى غيرهم، كالّذي يذكر من أنّ الجنوب أحبّ الرّياح إلى أرض الحجاز في الشّتاء والصّيف، ذكر ذلك أبو الحسن الأثرم. وعكاك: الجنوب يتعوّذ غيرهم منها قال ذو الرّمة شعرا: إلى بلد لم ينتجعه بعكّة ... جنوب ولم يغرس بها النّخل غارس وكالذي ذكره ابن الأعرابي عن الرّوحي من تأذّي أهل سابة والشّارة ونواحيها بالصّبا، وكراهتهم لها، وأنها إذا اشتدّ هبوبها عندهم طوى النّاس وطابهم، لأنّ الألبان تقلّ، والوطاب تجف لأنّها ترضع في ضروع الغنم أي ينشفه، ومنزلهم بين مكّة والمدينة، هذا وإن كان الآخر قال: فإنّ الرّيح طيّبة قول. وقال طرفة: وأنت على الأقصى صبا غير قرّة ... تذاب منها مزرع ومسيل وقال آخر: فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمت ... على كبد حرّى تجلّت غمومها وزعم ابن الأعرابي أنّ الجنوب إنّما يشتدّ حرّها بالعراق، فأمّا بالحجاز فلا. وأنشد قول كثيّر: جنوب تسامى أوجه الرّكب مسّها ... لذيذ ومسراها من الأرض طيّب وهذا من حال الرّياح في دارنا وأوطاننا متعالم أيضا، وكما اختلف في هذا الباب اختلف في الأمطار أيضا، ولا زعم من ذلك ما ذكر عن أبي عبيدة أنه قال: الشّمال: عند العرب للرّوح، والجنوب: للأمطار، والأنداء واللّثق والغمق والدّبور للبلاء، وأهونه أن يكون غبارا عاصفا تقذي الأعين وهي أقلّهن هبوبا، والصّبا لإلقاح الأشجار. ويقال: إذا كان النّشأ من العين ثم ألقحته الجنوب- وأبست به الصّبا واستدرته الشمال- فذلك أجود ما يكون من المطر، وأنشد في ذلك: لتلقيحها هيج الجنوب ... ويقبل الشّمال نتاجا والصّبا جالب بمرى. وقال آخر: مرته الصّبا وزهته الجنوب ... وانتجفته الشّمال انتجافا والانتجاف: استخراج أقصى ما فيه.

стр. 319

فصل في تبيين ما ذكر من كلام الأوائل في ذلك قالوا: إنّ الشّمس إذا مرّت على الأرض رفعت منها بخارين: بخارا رطبا وبخارا يابسا، وكلّ واحد من البخارين قد يخالط البخار الآخر، إلا أنّه يسمّى بالأغلب عليه منهما. فأمّا البخار الرّطب: فهو مادة الأمطار والأنداء كلّها. وأمّا البخار اليابس فهو مادة الرّياح كلّها، وإنّما يختلف هذان البخاران لاختلاف مواضعهما التي ثارا منها. وأقلّ ما يكون هيج الرّيح بعد المطر وذلك أنّ الأرض تبتل بالمطر، فلا يثور منها البخار اليابس الذي هو مادة الرّيح وكذلك يكون سكون الرّياح عند المطر وعند انقضائه. فأمّا حرارة ريح الجنوب: فمن قبل أنها تأتي من ناحية ممر الشّمس من بلاد حارة فتسخن قبل أن تبلغ إلينا. وأمّا برودة ريح الشّمال فلأنّها تأتي من بلاد الشّمس عنها غائبة فهي تبرد من قبل أن تبلغ إلينا، وتمر أيضا بثلوج كثيرة. وأمّا كثرة ريح الجنوب فلتحلّل البخارات من ناحية الجنوب. والبخار مادّة الريح. وأمّا كثرة ريح الشّمال في الصّيف، وقلّة ريح الجنوب، فلأنّ الشّمس يكون مرورها في الصّيف بناحية الشّمال، فتذيب الثّلوج الكثيرة، وتهيج البخارات من ناحية الشّمال. وأمّا احتباس الرّيح وقلتها فلعلّتين. إحداهما: كثرة البرودة فإنّ البرودة تجفف الأرض وتصلبها فلا يخرج منها بخار. والثّانية: كثرة الحر، فإنّ الحر يجفف الأرض وييبسها ويحرقها فينقطع لذلك الريح، وربما تتابع ذلك سنين فيكون القحط منه فإذا كثر ذلك وصلب وجه الأرض اجتمعت البخارات في جوف الأرض، فلم تقدر على الخروج وأحدثت الزّلازل. فإذا كثرت تلك البخارات وقويت وظهرت ذهب القحط وعاد الخصيب. وأمّا كثرة ريح الشّمال في الرّبيع: فلأنّ النّهار يمتد بعد القصر وتدنو الشّمس من النّاحية الشّمالية فتذيب الثّلوج هناك، فتحدث هذه البخارات التي منها يكون الغيوم والرّياح الشّمالية. وأمّا كثرة هبوبها آخر الصّيف فلأنّ النّهار يقصر ويبرد الهواء فيحتقن البخارات في جوف الأرض. فإذا كثرت قويت فظهرت رياح الشّمال، وإنما تقوى البخارات على الظّهور لأنّ البرد

стр. 320

ضعيف في تلك الأيام، فلا يقوى على منع البخارات من الخروج. وأمّا كثرة ريح الشّمال والجنوب وقلة ريح الصّبا والدّبور: فلأنّ الشّمس لبثها في هاتين الجهتين أكثر من لبثها في خط الاستواء. وإذا كثر لبثها في مكان عملت عملا قويا فأثارت بخارات كثيرة. وإذا قلّ لبثها في مكان عملت عملا ضعيفا، ومع ذلك أيضا فإنّ الشّمس تصادف في هاتين الجهتين مياها وثلوجا لبعد ما بين الجهتين عن طريقة خط الاستواء، ولست أعني بالشّمال والجنوب اللّذين بالإضافة فإنّ كلّ قوم يسمّون ما يلي أيمانهم إذا كانوا متوجّهين إلى المشرق جنوبا، وما يلي شمائلهم شمالا، ولكنّي أعني بالشّمال والجنوب اللّذين عن جانبي خط الاستواء الذي هو مدار رأس الحمل والميزان.

стр. 321

الباب الثّلاثون في أسماء المطر «١» وصفاته وأجناسه وهو فصلان فصل [في بيان أوّل المطر الوسمي وأنواؤه] قال أبو زيد سعيد بن أوس: قال القبسيّون: أوّل المطر الوسمي- وأنواؤه العرقوتان المؤخرّتان- ثم الدّلو- ثم الشّرط- ثم الثّريا- وبين كل نجمين نحو من خمس عشرة ليلة. ثم الشّتوي بعد الوسمي، وأنواؤه- الجوزاء ثم الذّراعان ونثرتهما- ثم الجبهة وهي آخر الشّتوي وأول الدّفئي- ثم الدّفئي وأنواؤه آخر الجبهة- والعوّاء. ثم الصّرفة وهي فصل بين الدفئي والصّيف وأنواؤه: السّماكان الأول الأعزل- والآخر الرّقيب. وما بين السّماكين صيف، وهو نحو من أربعين ليلة- ثم الحميم وهو نحو من عشرين ليلة، وسمّي حميما لكون مائه حارا ويختار أن يكون رعدها غير قاصف، وبرقها غير خاطف، لذلك قال الشاعر: إذا حرّكته الرّيح أرأم جانب ... بلا هزق منه وأومض جانب كما أومضت بالعين ثم تبسّمت ... خريع بدا منها جبين وحاجب وحكي عن أبي الوجيه أنه قال: أحب السّحاب إليّ الخرساء، والحميم نحو من عشرين ليلة إلى خمس عشرة ليلة عند طلوع الدّبران، وهو بين الصّيف والخريف ليس له نوء. ثم الخريف وأنواؤه النّسران- ثم الأخضر- ثم عرقوتا الدّلو الأوليان- وكل مطر من الوسمي إلى الدفيء ربيع، وإنّما هذه الأنواء في غيوبه. وغيوب هذه النّجوم أوّل القيظ عند طلوع الثّريا وآخره طلوع سهيل.

стр. 322

وأوّل الصّفرية طلوع سهيل، وآخره طلوع السّماك. وفيء الصّفرية أربعون ليلة يختلف حرّها وبردها وتسمّى المعتدلات. ثم أوّل الشّتاء طلوع السّماك وآخره وقوع الجبهة فهو أوّل الدفيء وآخره الصّرفة. وأول الصّيف السّماك الأعزل وهو الأوّل- وآخر الصّيف السّماك الآخر الذي يقال له: الرّقيب- وبينهما نحو من أربعين ليلة. وأوّل أسماء المطر القطقط وهو أصغر المطر والرّذاذ: فوق القطقط. ويقال: قططت السّماء وأرذت. ومنه الطّش وهو فوق القطقط والرّذاذ والفعل طشت. ومنه البغش وهو فوق الطّش، والفعل: بغشت والغبية فوق البغشة. وكذلك الحلبة والشّجذة. ويقال: أغبت السّماء فهي مغبية وحلبت حلبا وشجذت شجذا وهو فوق البغشة. ومنه: الحفشة وهو مثل الغبية ويقال: خفشت خفشا. والحشكة مثلها. ويقال: حشكت. ومن المطر: الدّيمة وهي الدائم لا رعد فيه ولا برق، أقلّها ثلث النّهار وثلث اللّيل، وأكثرها ما بلغت من العدة. والتّهتان: نحو الدّيمة قال: يا حبّذا تضحك بالمشافر ... كأنّه تهتان يوم ماطر ومن الدّيمة الهضب والهطل، هضبت هضبا، وهطلت هطلا وهطلانا قال الشّاعر: ندى الرّضم من ذات المزاهر إذ جنت ... عليها هضاب الصّيف تهضبها هضبا ويقال: سحابة داجنة ومدجنة وقد دجنت دجنا والدّجنة من السّحاب المطبق الرّيان الذي ليس به مطر. ويقال: يوم دجن ويوم دجنة. وكذلك اللّيلة توصف بهذا أو تضاف كاليوم، والدّاجنة الماطرة المطبقة نحو الدّيمة. والدّجن: المطر الكثير. ومن الدّيمة: الرّهمة وهي أشدّ وقعا من الدّيمة وأسرع ذهابا، يقال: أرهمت السّماء إرهاما وجماعتها الرّهم والرّهام. ومنها: الهفاء واحدها هفأة وهي نحو الرّهمة، وقال الغبري: أفا وإفاءة. ومنها: الدثة وهي المطرة الخفيفة. والهدمة مثلها، وجماعتها الهدم والهدام والدثّ والدّثاث. ويقال: أرض مدثوثة ومهدومة.

стр. 323

والوطفا: الدّائمة السّح، الحثيثة طال مطرها أو قصر. ومنها القطر: وهو في كلّ مطر ضعيفه وقويّه. ومنها: الذّهاب وهو اسم للمطر كلّه ضعيفه وشديده، والرّش المطر القليل الخفيف. والملبد تلبيدا نحو الرّش، وارشّت السّماء وجمع الرش الرّشاش وأرض مجوبة ومقوبة إذا أصاب المطر بعضها ولم يصب بعضها، وكحلت السّنة اشتدّت تكحل كحلا، وسنة كحل، وأرض ميتة وميتة وسنة خداعة وقشر. ومنها الوابل: وهو أغزر المطر وأعظمه قطرا، ويقال: وبلت الأرض وبلا ووبلت توبل وبلا. والجود من المطر الكثير العام وهو في كلّ زمان. قال شعرا: أنا الجواد بن الجواد بن سبل ... إن ديمّوا جادوا وإن جادوا وبل «١» والمدرار والدّرة التي يتبع بعضها بعضا وجمع الدّرة الدّرر. والرّك من المطر الضّعيف الذي لا ينفع إلا أن يكون له تبعة- والتّبعة- المطر بعد المطر. ويقال: أرض مرككة وجمع الرّك الرّكاك. ويقال: وابل ساجية وهو المطر الذي يسجى ما يقع عليه فيسيل به. ويقال: أرض مشجورة، وهي التي يأخذها المطر الجود فلا يزال بها حتى تقلب نباتها وتقلعه من أصوله، ويقلب ظهر الأرض لبطنها، وقد شجرت الأرض شجرا. ويقال للمطر الذي لا يدع شيئا إلا أساله: جار الضّبع، وذاك أنّه يكثر سيله حتى يخرج الضّبع من جحره والمحتفل: الذي يتدارك حثيثا، والسّح: مثله غير أن السّح ربّما لم يتبيّن قطره. والمنهمر: مثل السّح والوبل والقطر والضّرب: المطر الضعيف. والدّهان مثل ذلك، والواحد دهن، ويقال: دهنها أولى فهي المدهونة. والمروية التي تروي الأرض. والمبلد: الذي يندي وجه الأرض ويسكن التّراب. والجلباب المطر الكثير والسّاجية السّاكنة والأهاضيب: جمع أهضوبة وهي مثل الهضاب، واحدها هضب، وهي جلباب القطر. والهلل: أوّل المطر. والمتفخّر والمسحنضر: السّيل الكثير. والولي: المطر بعد المطر في كلّ حين. والعهد: المطر الأوّل

стр. 324

وجمعه عهاد وأرض معهودة، وقيل العهدي الذي يجيء وعهد ما قبله جديد لم يدرس، ويقال: أرض معهدة للّتي يصيبها النّفضة. والنّفضة المطر يصيب القطعة من الأرض ويخطئ القطعة، ويقال: أرض منفضة. والخطيطة: الأرض لم يصبها مطر، وكذلك الفوائد والخوبة. ويقال للخطيطة: أرض خط، وأرض مجروزة، وأرض جرز وجرز وأجرزت الأرض. ويقال أيضا: أجرزت النّاقة إذا هزلت. والشّؤبوب: المطر يصيب المكان ويطخئ الآخر وجمعه شآبيب. ومثله النّجو والجمع النّجاء والأرض المنضوحة وهي المجودة نضحت نضحا. والغيث: اسم للمطر كلّه وأرض مغيثة ومغيوثة. ويقال: استهلّت السّماء وذلك في أوّل المطر والاسم الهلل. وأسبلت: والاسم السّبل وهو المطر بين السّحاب والأرض حين يدل يخرج من السّحاب ولم يصل إلى الأرض. ويقال للمطر القليل: العرض وهو مثل الشّؤبوب ومثل السّبل. العضانين: وهو المطر بين السّحاب والأرض ويقال: هو الضّريب والصّقيع والجليد ولا يكون إلّا باللّيل، والثّلج باللّيل والنّهار في الغيم وهو لا يكون إلا في الصّحو. ويقال: أرض ضربة إذا أصابها الجليد فأحرق نباتها، وقد ضربت الأرض ضربا وأضربها الضّريب إضرابا. وصقعت صقعا إذا أحرق الصّقيع نباتها. وثلجت ثلجا وهي مثلوجة. والطّل أثر النّدى في الأرض من كلّ ذلك. ويقال للنّدى الذي يخرجه عروق الشّجر إلى غصونها: طل. وقيل: الضّريب والصّقيع والجليد والسّقيط يخرج من جردة السّماء جردا إذا لم يكن فيها غيم. وقد جردت السّماء والاسم الجردة. ويقال: تصلّعت السماء إذا انقطع غيمها حتى تتجرد وحكى الأصمعي قال: قلت لأعرابي: ما أوقع الأمطار؟ قال: صوب غادية- عن مرى حادية- لا بل بادية- مرى حادية، أي استخراج سحابة تحدو ما يتأخّر دونها. والبادية: السّاكنة للبدو. ويقال: أصحت السّماء والاسم الصّحو. ويقال: أقصر المطر وأقلع وأقشع إذا انقطع. ويقال: طلّ القوم وهم مطلولون.

стр. 325

ويقال: من المطر الرّثاث وهي القطار المتتابعة يفصل بينهنّ أقلّ ما بينهنّ ساعة، وأكثر ما بينهنّ يوم وليلة. ويقال: أرض مرثة ترثيثا. ويقال: أرهجت الأرض إرهاجا وأضبت إضبابا ومن الرّهج السّيق من الغمام الذي يسوقه الرّيح. والإغصان المطر الدّائم الذي ليس فيه فرج، والفرج اليوم واللّيلة أو أكثر من ذلك قليلا. ومثله الإلثاث. الفصل الثّاني في علّة ما ذكرنا من كلام الأوائل قالوا: إنّ العلة في المطر- والثّلج- والجليد- والرّيح- واحدة وهي أنّ الشّمس إذا مرّت بموضع ندى أثارت بخارا بحرارة مرورها فيكون كيفيّة ذلك البخار على طبيعة الموضع الذي يثور منه البخار. فأما كميّة فعلى قدر كبر ذلك الجسم المهيأ للثوران إن كان كثيرا وكانت الشّمس قويّة عليه أثارت بخارا كثيرا من ذلك الجنس الذي هو طبيعة ذلك الموضع. فإذا أشرقت الشّمس بدورانها على موضع ندي إذا سخن ثار منه بخار وذلك أنّ الحرارة إذا خالطت الرّطوبة لطفت أجزاؤها فصيّرتها هواء. فإذا كثر ذلك البخار وتباعدت الشّمس عن ذلك الموضع الذي ثار منه البخار استقبل ذلك البخار البرد الذي هو فوق الأرض الذي يرد الهواء فردّه إلى الأرض، فتكاثف بالعصر فصار ماء فانحدر. فإن كان ذلك المنحدر شيئا يسيرا صغير الأجزاء سمّي ندى. ولذلك تكون الأنداء في الشّتاء أكثر لكثرة برودة الهواء وضغطها البخار الرّطب إلى الأرض ولذلك تكون الأنداء باللّيل أكثر منها بالنّهار. وإن كان المنحدر كثيرا كثير الأجزاء سمّي مطرا، فهذه علّة النّدى والمطر وإن كان الذي يصعد من البخار يسيرا، وكان الّذي هجم عليه من فوق شديدا جدا، صيّر ذلك البخار جليدا، وإن كان ذلك البخار الصّاعد كثيرا وكان الذي هجم عليه شديدا جدا، صار ذلك البخار ثلجا، ففرّق بين الثّلج والجليد خلّتان، إحداهما: كثرة البخار وقلته، كما فرّق بين النّدى والمطر كثرة البخار وقلّته. والخصلة الأخرى: أن الجليد إنما هو بخار جمد في الهواء لا في السّحاب، والثّلج إنّما هو بخار جمد في السّحاب. وكذلك الفرق أيضا بين النّدى والمطر، هذا لاختلاف أنّ النّدى إنّما هو بخار انحدر إلى الأرض من دون السّحاب، وأنّ المطر انحدر من السّحاب ولكنّ البخار الذي يصعد من

стр. 326

الأرض تميّز منه اللّطيف فصار هواء، والغليظ هو الذي يكون منه النّدى والمطر. وقال أبو زياد الكلابي: إذا احتبس المطر اشتدّ البرد. فإذا مطر الناس مطرة كان البرد بعد ذلك فرسخ، أي سيكون من قولهم تفرسخ عنّي المرض وإنما سمّي الفرسخ فرسخا لأنّه إذا مشي صاحبه استراح عنه وجلس. وروى الأصمعيّ عن المنتجع بن نبهان أنّ شيخا من العرب كان في غنيمة له، فسمع صوت رعد فتحوّف المطر، وهو ضعيف البصر، فقال لأمة ترعى معه: كيف ترين السّماء؟ فقالت: كأنّها ظعن مقبلة، فقال: ارعي. ثم قال: كيف ترين السّماء؟ قالت: كأنها بغال دهم تجرّ جلالها، قال: ارعي. ثم قال: كيف ترين السّماء؟ قالت: كأنّها ثروب مغزى هزلى، فكأنّها بطون حمير صحر. قال: انجي ولأنجأ بك، فلجأ إلى كهف وأدخل غنمه، وجاءت السّماء بما لا يقام ليلة، فقال الشّيخ: هذا والله كما قال عبيد: فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح

стр. 327

الباب الحادي والثلاثون في السّحاب وأسمائه وتحلّيه بالمطر وهو فصلان فصل [في ذكر ما عدّد من نعمه على خلقه فيما نصبه من الأدلة على وحدانيته في خلق السّماوات والأرض] قال الله تعالى في ذكر ما عدّد من نعمه على خلقه فيما نصبه من الأدلة على وحدانيته في خلق السّماوات والأرض، واختلاف الليل والنّهار فقال تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] والمراد أنّ في تعاقب الظلم والأنوار وما ينشئه تعالى جدّه من أنواع السّحاب بين السّماء والأرض وينزّله من الأمطار ويخرجه من النّبات أعظم الأدلة على حدوثها لما فيها من إحكام الصّنعة وثباتها على ما ثبت عليه من العبرة، إذ لا تفاوت فيها ولا اضطراب، ولا تناقض، ولا فساد فمن تدبّرها وتأمّل الأحوال التي تعتورها من الحركة والسّكون، والزّيادة والنّقصان، والانكشاف والتروية والإقلاع، أدّاه الاعتبار إلى أنّه واحد ليس كمثله شيء، تعالى الله عما يقول الظّالمون علوا كبيرا. وروي في الحديث: «السّحاب غربال المطر، لولا ذلك لتهدّم البنيان» ويقال: سحاب، واحده سحابة ومثله الغيم والغيوم. ويقال ذلك في القليل والكثير والغمام والواحدة غمامة وهي الغراء البيضاء والجمع غر وبيض. ويقال: المزن والواحدة مزنة. ومنها الغماء وهي السّحابة السّوداء. ومن دلائل الغيث أن يتقدّمه هبوب المبشّرات ثم يكون النّشأ من قبل العين فيحسن خروجه والتئامه. ثم استكشافه حتى لا ترى فتقا، وذلك التطخطخ ويسد الآفاق. ثم يكفهّر ويرجح فيتدانى ويستأرض أركانه ويتمكّن رجاءه وتنوس هيادبه، وتهمى أكفته، ويتعلق ريانه، ويتدحى عفا يده ويحمومي. ثم يصحار ويرج الرّعد رجا. ويتمّ البرق أتاما، وهو الوكيف من البرق. ثم ينفل ولا يزدهيه الرّيح حتى يتحيّر ويلين رعده، وبرقه يتعاون عليه

стр. 328

الجنوب والصّبا بالإلقاح والإبساس. ثم ينتجفه الشّمال حتى يستقصى ما فيه، وهذا نهاية ما جاءت أوصافهم وأخبارهم وأشعارهم. ومنها السّيق وهي كل ما طردته الرّيح وافترزته من السّحاب كان فيه ماء أو لم يكن. والخلق ما يرجى أن يكون فيه مطر والواحدة خلقة. والصّبير من السّحاب الذي تراه متراكبا في بياض والجمع الصّبر. والسّد النّشأ الأسود ينشأ من أي أقطار السّماء شاء. قال: تبصّر هل ترى ألواح برق ... أوائله على الأفعاة قود «١» قعدت له وشيّعني رجال ... وقد كثر المخايل والسّدود المخايل: واحدتها مخيلة، ويقال سحابة مخيلة وسحابة ذات مخيلة: إذا كانت خليقة بالمطر. وفي الحديث أن النّبي ﷺ كان إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وتغيّر، قالت عائشة: فذكرت ذلك له، فقال: «ما يدرينا لعلّه كقوم ذكرهم الله ﵎» فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة الأحقاف، الآية: ٢٤] . ويقال للسّحاب أيضا: الخال، فإذا أرادوا أنّ السّماء قد تغيّمت، قالوا وقد أخالت فهي مخيلة بضم الميم. ومنها الحماء وهي السواد. والعارض: السّحابة تراها في ناحية السّماء وهو مثل الجلب، إلّا أنّ الجلب أبعد وأضيق من العارض. والعارض الأبيض والجلب أكثر ما يكون إلى السّواد. وفي السّحاب النّضد وهي مثل الصّبير وجمعه الأنضاد. والرّكام: ما تراكم بعضه على بعض، وهو مثل النّضد. ومنه الرّباب: ولا يقال لها ربابة واحدتها ربابة: وهي السّحابة الدّقيقة السّوداء يكون دون الغيم في المطر، ولا يقال لها ربابة إلا في مطر. ومنها الرّيف: وهو أوّل السّحاب الممطر. والكنهور: السّحاب الضّخام البيض، ويقال: غمامة كنهورة وغيم كنهور. ومنه الطّخاء: وهو السّحاب الرّقاق والواحدة طخاة. ومنه القزع: وهو السّحاب الصّغار والمتفرّق منه واحده قزعة. ومنه: نمرة: وهي الغيم الذي يرى في خلله نقاط، الواحدة نقطة والجمع نمر، ومن أمثالهم: أريتها نمرة أريكها مطرة. ومنه الجفل: وهو كلّ سحاب ساقته الرّيح قد صبّ ماءه. والجهام: مثل الجفل واحدته جهامة. ويقال للسّحاب الذي هراق ماءه السّيقة لأنّ الرّيح تسوقه لخفته، وهذا كما يقال لما تستلينه وتستهينه: ليّن وهيّن.

стр. 329

والصّراد واحدتها صرادة، وهو مثل الجفل. ومثله الرهّج: من الغيم. ومنه السّيق والجيء: وهو الغيم في عرض السماء الغريب الحسن. ومنه الحير وهو الغيم ينشأ مع المطر فتحير في السّماء. ومنه بنات نحر ونجر وهي سحائب يخرجن في السّحر، بين الخريف والرّبيع وهنّ سحائب غرّ طوال مشمخرّات. ومنه الزّبرج: وهو مثل الرّهج والسّيق. ومنه الغماء: وهو شبه الدّكان يركب رؤوس الجبال. قال: ليلة غمّاء طامس هلالها ومنه الضّباب، وهو شبه الدّخان والنّدى يظلّل السّماء، واحدته ضبابة، ويقال: أضبت السّماء فهي مضبّة. ومنه الظلّة وهي أوّل سحابة تظلّل. ومنه الطّخارير، واحدها طخرور وهو السّحاب الصّغار. والغياية: ظلّ السّحابة وقال بعضهم غياءة. قال الشّاعر: كساع إلى ظلّ الغياية يبتغي ... مقيلا فلّما أن أتاها اضمحلّت وقال: ولغة الكلابيين امضحلّت والمكفهر: السّحاب الضّخام الرّكام ويقال: عجاجة مكفهّرة، وطرّة الغيم: أبعد ما يرى من الغيم، ويقال: طرة الكلأ وطرة القف وهي ناحيتها. ومنها: النّشاص: وهي الطّوال والواحدة نشاصة وهي الطّويلة البيضاء، وأكثر ما ينشأ من قبل العين. قال: بل البرق يبدو في ذرى من دفائه ... يضيء نشاصا مكفهّر الغوارب وفي الحديث: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا نشأت السّحابة بحريّة ثم تشامت فتلك عين غديقة» يريد إذا ابتدأت من ناحية البحر، ثم أخذت نحو الشّام فتلك عين غديقة أي: مطر جود. والغديق: الكثير الماء من قول الله تعالى: لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [سورة الجن، الآية: ١٦] . وكذلك إذا كانت السّحابة سوداء فتلك من علامات الغيث، وفي الحديث الذي سأل فيه النّبي ﷺ : «أجون هو أم غبره؟ فقالوا: جون، فقال: جاءكم الحياء» وكذلك إذا رأى الرّباب دوين السّحاب قال: كان الرّباب دوين السّحاب ... نعام تعلّق بالأرجل

стр. 330

وأنشد: ومالي لا أغزو للدّهر كرة ... وقد نبحت نحو السّحاب كلابيا يقول: كنت لا أغزو مخافة العطش على الخيل والأنفس، فما عذري اليوم، وقد كثر المطر، واتّصل العشب وامتلأت الغدران. ولبعضهم: أغر سماكي كأنّ نشاصه ... قطار يخات أو جبال تقلّع تلألؤ غوريا كأنّ وميضه ... حريق بجزل في ضرام تشيّع رأته عيون ممحلات تتابعت ... له سنوات فهو للغيث جوع ملثّ دنا دون السّحاب سحابة ... من الأرض حتّى كاد بالرّاح يدفع ويقولون: إذا رأيت السّماء كأنّها بطن أتان قمراء فذلك الجود. قال الهذلي: يمدّ له جوالب مشعلات ... تخللهن أقمر ذو انغطاط ويقال: إنّ معقر بن حماد البارقي قال لابنته، وقد سمع صوت رعد: أيّ شيء ترين؟ قالت: أرى سحابة عقاقة كأنّها حولاء، ناقة ذات هيدب دان وسيروان. قال: وابلي بي إلى جنب قفله فإنّها ... لا تنبت إلّا بمنجاة من السّيل وإذا كانت السّحاب نمرة فهي كذلك. وقال آخر في المخيلة: دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح أي طبق الأرض، فمن كان في الارتفاع كمن هو في الاستواء، ومن كان في ظهر الصّحراء كمن في بطنها، وإذا كان السّحاب أصهب إلى البياض فذاك إمارة الجدب، ويقولون: هو هف أو جلب إذا حمر الأفق. قال: وسوّدت شمسهم إذا طلعت ... بالجلب هفا كأنه الكثم وقال الكميت: إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها ... لشيبان «١» أو ملحان «٢» واليوم أشهب وقال الفرزدق يذكر قوما مسافرين:

стр. 331

يغضّون أطراف العصيّ تلفّهم ... من الشّام حمراء الضّحى والأصائل ومن أمثالهم: ما يضرّ السّحاب نباح الكلاب، وزعموا أنّ الكلاب تنبح السّحاب من كثرة المطر والحاجة. وفي صفة غيم المحل: وهاج غمام مقشعر كأنّه ... بنيله نعل بان منها شريحها الفضل بن عبّاس: كأنّ سيوف فارس في ذراه ... وغرفا من قيان مسمعات أقام على معاهدهنّ شهرا ... فأقلع وهو مهتزّ النّبات وقال حسين بن مطير يصف المطر والسّحاب، ورواه الأصمعيّ شعرا: كثرت لكثرة قطره أطباؤه ... فإذا تحلّب فاضت الأطباء وكجوف ضرّته التي في جوفه ... جوف السّماء سجلّة جوفاء وله رباب هيدب لرفيقه ... قبل التعنّق ديمة وطفاء وكأنّ ريعه ولمّا يحقل ... ودق السّحاب عجاجة كدراء وكأنّ بارقه حريق يلتقي ... وهج عليه عرفج وألاء مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم يمرها الأنداء فله بلا حزن ودون مسرّة ... ضحك يؤلف بينه وبكاء حيران منبعق صباه يقوده ... وجنوبه كنف له وكفاء ودنت له نكباؤه حتّى إذا ... من طول ما لعبت به النّكباء غاب السّحاب فصار بحرا كلّه ... وعلى البحور من السّحاب سجاء ثقلت كلاه فبهرت أصلابه ... وتعجبت من مائه الأحشاء غدق يسبّح بالأباطح قد غدت ... بلد السّيول وما له أفلاء غرّ محجلة دوالح ضمّنت ... حمل اللّقاح وكلّها غدراء سجم فهنّ إذا كظمن أواجم ... وإذا ضحكن فإنّهنّ وضاء لو كان من لجج السّواحل ماؤه ... لم يبق في لجج السّواحل ماء وحكى أحمد بن يحيى قال: أخبرني ابن الأعرابي، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم جالس مع أصحابه إذ نشأت سحابة فقيل: يا رسول الله هذه سحابة فقال ﵇: «كيف ترون قواعدها» قالوا: ما أحسنها وأشدّ تمكّنها. قال: «وكيف ترون رحاها» ؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ استدارتها. قال: «فكيف ترون بواسقها» ؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ استقامتها. قال: «فكيف ترون برقها أوميضا أم خفيا أم يشق شقا» ؟! فقال ﵇: «الحياء الحياء»

стр. 332

قال: فقالوا: يا رسول الله ما رأينا أفصح منك، فقال: «وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين» قواعدها أسافلها، ورحاها وسطها، ومعظمها، وبواسقها: أعاليها. وإذا استدار فيها البرق من طرفها إلى طرفها فهي أعاليها وهو الذي لا يشك في مطره وجوده، وإذا كان البرق في أسافلها لم يكد يصدق. قال ابن الأعرابي: وقال رجل من العرب وقد كبر وكان في داخل بيته، وكان بيته تحت السّماء: كيف تراها يا بني؟ قال: أراها وقد نكبت وتبهّرت، وأرى برقها أسافلها، قال: أحلقت يا بني. معنى نكبت: عدلت عن القصد، وتبهرت: تقطّعت. والبهر حفر يكون في الأرض، والومض: أن يومض إيماضة ضعيفة ثم يخفي، ثم يومض ثم يخفي ثم يومض، وليس في هذا يأس مطر قد يكون ولا يكون. وأما المسلسل في أعاليها فلا يكاد يخلف. ويقال: خفي كأقيد الطير واقيد الطير: نظره- ثم إغماضه ينظر نظرة- ثم يغمض- ثم ينظر نظرة- ثم يغمض. قال حميد بن ثور يصف البرق: خفيّ كأقيد الطّير واللّيل ملبس ... بجسمانه والصّبح قد كاد يسطع قال الهذلي شعرا: فسائل سبره الشّجعيّ عنّا ... غداة يخالنا نجوا خبيّا فصل في كلام الأوائل، يتبيّن منه حال الأندية والأمطار والعيون والأنهار وغيرها قالوا: إنّ المطر إذا وقع على الأرض اجتمعت منه المياه، فإذا صادفت مكانا إلى الانصباب ما هو جرت منه الأودية والأنهار، لأنّ المياه من شأنها طلب الحدور، فإن صادفت حواليها أرضين مرتفعة بقيت فلم تجر، فإن كانت تحتها أرض رخوة غارت أبدا إلى أن ينتهي إلى أرض أو جبل فلا يقدر على النفوذ فيقف فإذا كثرت المياه أكلت ما حولها من الأرضين اللّينة حتّى ينقب موضعها، فيخرج منه فيسمّى ذلك الموضع عينا. وربما انتقبت من ذلك الموضع الواحد مواضع كثيرة، فجرت أنهار كثيرة وكلّها كانت أغزرا لتلك العيون. وإن كانت المياه المستنقعة كثيرة جدا لم تنقطع تلك العيون في أوّل الصّيف، وانقطعت في آخره على قدر القلّة والكثرة. وربّما كانت تلك العيون غزيرة سنين كثيرة، ثم ينقص ماؤها غير نقصان المطر وذلك أن ينتقب في جهة هذه العيون، فيخرج بعض تلك المياه إلى تلك الجهة فإن كانت تلك الجهة منفسحة المذهب دام ذلك النّقصان. وإذا كانت تلك الجهة ليست بمنفتحة بل استقبل الماء مكانا عاليا أو جبلا تراجع الماء،

стр. 333

ورجعت تلك العيون الأولى إلى ما كانت عليه، وربّما جرت الأودية والأنهار من ثلوج تقع على جبال، فإذا أصابها الحر ذابت قليلا قليلا، فجرت منها الأودية والأنهار، فإن كان ذلك الثّلج كثيرا لم تنقطع تلك الأودية والأنهار، وإن كان قليلا انقطعت. وأما الأبحار فإنما هي من مواضع عميقة في الأرض والماء من شأنه يطلب العمق، فالمياه تنصبّ إلى تلك المواضع العميقة من الأنهار والأودية والسّيول، يستنقع فيه فما كان من ذلك الماء عذبا فإنّه يصير فوق لخفّة العذوبة وما كان منه مرّا وملحا صار إلى أسفل لثقله، فإذا مرّت الشّمس عليه رفعت ما كان منه عذبا لخفّته ولطافته، وما كان منه لطيفا جدا صار هواء، وما كان منه في اللّطافة دون ذلك صار ندى ومطرا. فأمّا ما يقال: لم لا تستبين الزّيادة في البحار مع كثرة ما يجري فيها من الأنهار والأودية، فذلك لكثرة سعتها وإنها لا تبقى بل ترفع الشّمس لطيغها فيصير منها الذّرى والأمطار، وكذلك أيضا لأنّ الذي يعود إليها في الأودية والأنهار وربّما نقص بعض البحار في طول الأزمان أو زاد بعضها، ولكنّ ذلك لا يستبين لطول الزّمان الذي يحتاج فيه إلى أن يستبين، لأنّ ذلك لا يستبين في قدر عمر إنسان أو إنسانين. قالوا: وإن قلنا: إنّها تزداد وتنقص، لم يبعد من قبل أنّه ليس من الواجب أن يكون البخار الصّاعد منها سواء مثل الأودية والأنهار السّائلة فيها، بل قد يكون أحدهما أكثر من الآخر، فلذلك قلنا: قد تزيد البحار وتنقص. وأما ملوحة ماء البحر ومرارته، فلكثرة مرور الشّمس عليها فإنّ الرّطوبة إذا خالطتها الحرارة صارت مالحة، فإن أفرطت الحرارة عليها صارت مرة، ومثال ذلك العرق والبول، فإنّهما مالحان جميعا لعمل الحرارة فيهما.

стр. 334

الباب الثّاني والثلاثون في الرّعد والبرق والصّواعق، وأسمائها وأحوالها وهو فصلان فصل [في بيان كيفية تسبيح الرعد بحمده] قال الله : وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ [سورة الرّعد، الآية: ١٣] الآية. وفي موضع آخر: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ [سورة البقرة، الآية: ١٩] الآية. قوله: أو كصيّب تشبيه بعد تشبيه وذلك أنّ الله تعالى شبّه أعمال المنافقين واغترارهم بما اعتقدوه من مخادعة المؤمنين في إظهار موافقتهم وإبطان مخالفتهم، وأنّ ذلك يقضي لهم بالفلاح والنّجاح فقال: مثلهم في ذلك وإن كان لا ينفعهم ولا يدفع السّوء عنهم، بل يرجع بالوبال عليهم، كمثل رجل أوقد نارا وهو يظنّ استبانة الطّريق بها، فجاءت ضعيفة في إنارتها، ولمّا أضاءت ما حولها وقدر بقاها على ما بها، خمدت فعاد وهو أسوأ حالا وأشدّ عمّى لأنّ النّاظر في ظلمة بعد ضياء أضعف تبيّنا أو مثل قوم أصابهم صيّب استصحب رعدا وبرقا ونكدا وخوفا فخشوا رهبة من صاعقة تحرقهم، وتنزل البلاء بهم وهذا القدر كاف ههنا. وروي أنه سئل ابن عباس عن البرق، فقال: مخاريق الملائكة. وأصل المخراق خشبة في رأسها سنان عريض تحته عذبة، وكان القوم إذا انصرفوا من حرب ظافرين قدّموا بشيرا معه مخراق، ليعلم الحال به وكان يوفي على نشز بقرب منهم، ويلّوح بالمخراق، فيجتمع ولدان الحي فرحين ويقولون: مخرق المخراق في رأس اليضع، فالجيش لا شكّ كما بدا رجع، فلا يزالون كذلك حتّى تطلع عناق الخيل، فيستقبلونها مصفقين، وإذا انصرف الخيل مغلوبين، أو طلبوا مددا بعثوا رجلا وأعطوه سيفا فأوفى على النّشز وألاح بالسّيف وصوّت، ليعلم الحيّ بالحال فاجتمع الصّبيان باكين ويقولون: رأى حتفا وألاح سيفا، وهذا رواه أبو نصر عن الأصمعي رأى حيفا، قال ثعلب هذا تصحيف ما يروي الرّاوون الأجنفا، ومنه قول تأبّط شرا:

стр. 335

يا نار شبّت فارتفعت لضوئها ... كالسّيف لاح مع النّذير المقبل وأنشد ابن الأعرابي شعرا: إنّي إذا ما علقت علاق ... وشمرّت أولادها عن ساق شمطاء ذات مضحك براق ... كريهة المنظر والمذاق وصافحت بكفّها حلّاق ... صار به يطعن للأرواق أعمل خلق الله بالمخراق ... وبالشّهاب اللّامع الخفّاق وبيّنات جشأ دقاق ... وأبسط الكفّين للعناق وإنّما الدّولة بالأرزاق فسر المخراق منها على أنّه السّيف وعنى ببنات جشاء: النّبل، ويقال: رعدت السّماء وبرقت، ويقال: أرعدت وأبرقت أيضا، وبعضهم ينكره وينشد: أبرق وأرعد يا يز ... يد فما وعيدك لي بضائر ويقال: أرعد القوم إذا أصابهم الرّعد، وفي الرّعد الأرزام وهو صوت للرّعد غير شديد، ويقال: أرزم الرّعد. وفيه انهزم وهو اسم صوت الرّعد شديدة وضعيفة، وهو الهزيم. ويقال: تهزّم الرّعد تهزّما وانهزم الرّعد انهزاما. وفيه القعقعة وهو تتابع صوت الرّعد في شدّة، وجمعه القعاقع. وفيه الرّجس والرّجسان وهو صوت الرّعد الثقيل. يقال: رجس الرّعد والسّماء يرجس. وفيه الصّاعقة وجماعة الصّواعق، وهي نار تسقط من السّماء في رعد شديد، ويقال: أصعقت علينا إصعاقا، ويقال: صاعقة أيضا. وقال: يحكون بالمصقولة القواطع ... يشقّق البرق عن الصّواعق وذكر بعضهم البرق فقال: يلتمع الأبصار، ويهلك الغض من الثمار، ويكنع بعاع البقل، وقيل: لا يكون برق لا رعد معه إلا أن يكون رزالا يعنق السّحاب أو يكون خفوا لا يشنق، ووصف بعضهم الرّعد فقال: يرج الأرض، ويحرق الطّير، ويمرق بيضها، ويصم السّمع، ويسقط الأحبال، ويصدع القلوب. وفيه الأريز يقال: إنّ الرّعد تأرّز تأرّزا وترززت السّماء ترززا. قال: جارتنا من وابل الأسلمي ... ترزرزا من وراء الأكم رز الزّوايا بالمزاد المعصم ويقال: جلجل الرّعد جلجلة وهو الصّوت ينقلب في جنوب السّحاب وتهزج الرّعد تهزجا وهو مثل الجلجلة، وزمزم زمزمة وهو أحسنه صوتا وأثبته مطرا، وأرنت السّماء إرنانا: وهو صوت الرّعد الذي لا ينقطع، يقال: رنّ وأرنّ بمعنى واحد وجمع.

стр. 336

البروق ويقال: برقت السّماء وبرق البرق، وبرق برقا وأبرق القوم إبراقا إذا أصابهم البرق، وتكشّف البرق تكشفا، وهو إضاءته في السّماء، واستطار استطارة مثل التكشّف. ولمع البرق يلمع لمعا ولمعانا وهي البرقة. ثم الأخرى المرّة بعد المرّة. ولمح يلمح لمحا ولمعانا مثل اللمع غير أنّ اللمح لا يكون إلا من بعيد. وتبسّم البرق تبسّما مثل التكشّف، واستوقد البرق الذي يملأ السّماء والسّلسلة برق النّهار أو برق السّحاب، وهي البرقة الضّعيفة قال: تربعت والدّهر عنها غافل ... آثار أحوى برقة سلاسل ويقال: هذا برق الخلّب، وبرق خلّب، وهو الذي ليس فيه مطر. ويقال: خفق البرق خفقا وخفقانا وهو تتابعه، وخفا البرق يخفو خفوا وهو أن تراه من بعيد خفيا، ويقال: هو أخفى ما يرى من البرق. ويقال: أومض البرق إيماضا، وهو الوميض وهو الضّعيف من البرق. ويقال: سنا البرق وهو ضوؤه تراه من غير أن ترى البرق أو ترى مخرجه في موضعه، وإنمّا يكون السّنا باللّيل دون النّهار، وربّما كان بغير سحاب، والسّماء مصحية وضوء البرق مثل سناه. وتشقّق البرق تشقّقا وهو أن تبرق البرقة فتتّسع في النّشر. وتألّق البرق تألّقا مثل التّشقق. وتكلّح البرق تكلّحا: وهو دوامه وتتابعه في الغمامة البيضاء وتلألأ تلألؤا وهو السّريع الخفيف المتتابع. ومصع البرق يمصع مصعا: ورمح يرمح رمحا وهما سواء وهو البرق السّريع الخفيف المتقارب. وألهب إلهابا: وهو سرعة رجعته وتداركه، وليس بين البرقين فرجة. والعراص: الذي يلمح ولا يفتر نحو التّبسم. وقد عرصت السماء: تعرص عرصا إذا دام برقها ورأيت السّماء عراصة. وفرى البرق يفري: وهو تلألؤه ودومه في السّماء وكانوا يسمّون البرق، فإذا لمعت سبعون برقة انتقلوا مستغنيين عن الرّواد لاستحكام ثقتهم. ويقال: برق وليف إذا لمع لمعتين، وقد شبّه ذلك بلمع يدين. قال امرؤ القيس شعرا: أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في جبي مكلّل

стр. 337

وقال الهذلي: تبسّم بعد شتات النّوى ... وقد بتّ أخيلت برقا وليفا وارتعج البرق إذا تتابع لمعانه. قال أبو عبد الله: سئل بعضهم عن البرق فقال: مصعة ملك أي يضرب السّحاب ضربة فترى النّيران وأنشد: وكان المصاع بما في الجون ويقال: أزعج البرق وبرق مزعج قال: سحّا أهاضيب وبرقا مزعجا ... تجاوب الرّعد إذا تبوّجا والتبوّج: مثل التكشّف، ويقال: تبوّج تبوّجا. ويقال: أخفا البرق كأقيد الطّير قال: خفا كأقيد الطّير وهنا كأنّه ... سراج إذا ما يكشف اللّيل أظلما وقال عمرو بن معدي كرب: يلوح كأنّه مصباح باز. قال أصحاب المعاني: أراد مصباح رجل من بني باهلة فمصباح لا يطفأ. فصل في الرّعد والبرق والسّحاب من كلام الأوائل قالوا: إذا علا البخار الرّطب وبلغ إلى الموضع البارد والجبال دفعه البرد إلى أسفل، فاحتقن هناك، وصارت الجبال القريبة له كالمغارات، وتكاثفت أجزاؤه فيكون منه السّحاب والضّباب والنجدى، على قدر اختلاف البخار الذي يصعد. فإذا اجتمع ذلك البخار الرّطب هناك حصر ما فيه من البخار اليابس الصّاعد من الأرض معه، وإذا كان ذلك اضطرب البخاران اليابس الحار والبارد الرّطب في جوف السّحاب، فقرع السّحاب وصدعه فيكون من ذلك القرع صوت يسمى الرّعد، ويكون من ذلك التّصدع تلهّب، يقال له: البرق، وهما يكونان في وقت واحد، ولكنّ البصر ترى الألوان بلا زمان والسّمع لا يدرك الصوت إلا بزمان، وذلك الزّمان على قدر بعد السّحاب من الأرض. فإذا كان ذلك السّحاب من الأرض قريبا تبيّن رؤية البرق، وسمع الرّعد في زمانين متقاربين. وإذا كان السّحاب بعيدا من الأرض كان بين رؤية البرق وسماع الرّعد زمان طويل. وشبّه ذلك الصّوت الذي يكون من السّحاب بالحطب الرّطب الذي تشتعل فيه النّار

стр. 338

فيسمع له صوت وقرقعة، فعلى قدر كيفية السّحاب وكيفية البخار الحار اليابس المختنق فيه، يكون ذلك الصّوت الذي هو الرّعد والضوء الذي هو البرق. فأمّا اختلاف ألوان السّحاب فعلى قدر عمل الحرارة: فإن كانت الحرارة قد عملت فيه عملا شديدا رؤي لون السّحاب أسود، وإن كانت قد عملت فيه عملا قليلا رؤي السّحاب أبيض، وإن كان فيما بينهما رؤي أحمر أو أصفر على قدر عمل الحرارة فيها لأنّ الحرارة تحرق الأجسام فتكون ألوانها على حسب إحراقها. وأما صغر قطر المطر وكبره: فعلى قدر شدّة دفع الرّيح السّحاب وضعفه: فإن دفعته دفعا شديدا اجتمعت أجزاؤه، فكان منه قطر كبار. وإن دفعته دفعا ضعيفا كان منه قطر صغار. وأمّا اختلاف ألوان البرق فعلى قدر السّحاب الذي يتصدّع، فإنّ البرق أيضا مختلف اللّون، فربّما كان إلى السّواد ما هو، وربّما كان إلى الصّفرة ما هو، وإلى الشّقرة، وذلك كلّه على قدر كيفية السّحاب، فهذا ما في الرّعد والبرق والسّحاب. فأمّا الصّاعقة في اللغة فهي الواقع الشّديد من صوت الرّعد يسقط معه قطعة من نار، وصوت العذاب أيضا. وقد صعقتهم السّماء وأصقعتهم، ويقال: صعق إذا أغمي عليه من صوت يسمعه ومات أيضا، ويقال: صعق وهو صعق الصّوت أي شديده، والمصدر الصّعق والصّعاق. قال إذا ائتلاهنّ صلصال الصّعق. وفي القرآن: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [سورة الأعراف، الآية: ١٤٣] أي مغشيا عليه بدلالة قوله: فلما أفاق. وقال الخليل: الصّاعقة: صوت العذاب. وقال بعضهم: نار ريحيّة وريح ناريّة وذلك أنّها إذا وقعت في الخشب أحرقته وأشعلته. وإذا وقعت على ذهب أو فضة أحمته وأذابته. وهذا الفعل من أفعال النّار. قال: فيقول: إنّها وإن كانت نارا فليست بالنّار الحرية بل هي نار لهبانيّة. وذلك أنّها إذا سقطت على الأرض لم يوجد جمرها بل يرى ذلك الموضع الذي تقع فيه الصّاعقة كثير الدّخان متصدّعا. وهذه من خواص النّار والرّيح، والصّاعقة أيضا ألطف من جميع النّار اللهبانية التي عندنا، وذلك أنّ النّار التي عندنا لا تنفذ في الحيطان ولا في الأرضين. والصّاعقة تنفذ في كلّ جوهر محسوس، وهي لا تبصر لأنّها بلطافتها تفوت أبصارنا، لكنّ أفعالها تبصر، ولسرعة حركتها تجاوز الوقت الذي يمكن أن يكون فيه البصر. والصّاعقة تكون لعلّتين: إمّا لاكتمان النّار في الغمام وإفلاتها بغتة، وإمّا لا كتمان الرّيح في الغمام واحتكاكها به وشدّة خروجها بغتة، وفي مجيئها إلى الأرض تصير نارا، كما ترى ذلك في الرّصاص إذا رمي بالمقلاع، فإنّه يسخن بمحاكّة الهواء ويلتهب ويذوب.

стр. 339

الباب الثالث والثّلاثون في قوس قزح، وفي الدّائرة حول القمر، وفي البرد في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [سورة النّور، الآية: ٤٣] الآية وهو ثلاثة فصول: فصل [في بيان معنى قوس قزح] قال الخليل: قوس قزح طريقة مستوسقة تبدو في السّماء أيّام الرّبيع. وفي الحديث عن ابن عباس أنّه قال: «لا تقولوا قوس قزح، فإنّ قزح من أسماء الشيّاطين ولكن قولوا: قوس الله » وقال أبو الرّقيش: القزح الطّرائق التي فيها والواحدة قزحة والتّقزيح إذا اتّسع رأس الشّجرة أو النّبت شعبا مثل برثن الكلب. وفي الحديث: «نهى عن الصّلاة خلف الشّجرة المقزحة» فأمّا قول الأعشى شعرا: جالسا في نفر قد يئسوا ... في محلّ القدّ من صحب قزح فقزح لقب رجل. وأمّا الهالة: فهي الدّارة حول القمر، وقد مرّ القول فيه في باب القمر ومن كلام الأوائل فيها: أنّ رؤيتها دالة على مجيء المطر، وكينونته، واضمحلالها وتحلّلها يدلّ على حدوث الصّحو لكونه دالا على يبس الهواء، وكما يدلّ على المطر يدل على هبوب الرّياح، لأنّ المحلّل لتلك الرّطوبة إنمّا هو البخار الحار اليابس الذي هو مادّة الرّيح، والنّدأة تكون في أيّام الغيوث وهي عندهم وعند بعض العجم من إمارات المطر، ومما يصفون به صدق مخيلة السّحاب أن يروا القواري تكثير الطيّران في الدّجن. قال الجعدي شعرا: فلا زال يسقيها ويسقي بلادها ... من المزن رخّاف يسوق القواريا وكذلك المرع: ضرب من الطيّر يظهر في المطر، وهي طويلة العنق مشرّبة صفرة،

стр. 340

قال أبو زياد: النّاس يستبشرون برؤية القواري. ومن أسماء القوس: الدّاح ومن أمثالهم: لا يعرف الماح من الدّاح. فالماح: صفرة البيض. والدّاح: الذي يسمى قوس قزح. وهذه الدّائرة أكثر ما ترى باللّيل، وقد ترى بالنّهار أحيانا، وأكثر ذلك نصف النّهار وبالعشي. فإمّا عند طلوع الشّمس وعند غروبها، فقلّما ترى. وعلّة هذه الدّارات كلّها واحدة وذلك أنّ البخار الرّطب إذا كثر في الجو وأشرقت الشّمس أو القمر والكواكب المنيرة فيها سطع نورها في الهواء. ثم عطف ذلك النّور راجعا من الهواء على البخار الرّطب فترى تلك الدّارة كذلك. وقالوا في قوس قزح: إنّها لا ترى دائمة، وأكثر ما ترى بالغداة والعشي فأما نصف النّهار فلا ترى، وأكثر ما ترى في الخريف. فأمّا في الصّيف فلا ترى وربما رؤيت قوسين، فأما علّة كونها فهي من شعاع الشّمس الرّاجع إلى البخار الرّطب كمثل ما يشرق في الماء. ثم يرجع إلى الحائط وربّما يرى قوس قزح باللّيل من ضوء القمر، وقلّما يرى ذلك، وإنما يرى إذا رأيت في مثله ليلة البدر إذا كمل ضوء القمر. فأمّا كدورة قوس قزح وصفاؤها فعلى ما تغلب عليها الرّطوبة كان اللّون إلى الصّفا، والبياض، لأنّ صفاء الهواء وكدورته من قبل هاتين العلّتين الرّطوبة واليبس، وقياس ذلك النّار فإنّها إذا كانت في حطب رطب كان لون النّار أحمر كدرا، وإذا كانت في حطب يابس كان لون النّار أصفر صافيا، فكذلك لون قوس قزح أيضا. أمّا الحمرة التي ترى أحيانا في أيّام الصّحو في الهواء: فمن قولهم فيها: إنّ الهواء إذا تكاثفت أجزاؤه وغلظ ثم سطع ضوء الشّمس أو الكواكب في موضع من الأرض، رجع ذلك الضّوء إلى الهواء كالضّوء الذي يرجع من الماء إلى الحائط، فكذلك الهواء إذا رجع إليه الضّوء من الأرض، أو من المياه قبله على قدر مشاكلته، لقبوله فيرى لون الهواء أحمر أحيانا، وعلى الهواء القابل لذلك. والقول في الآية بدأ الله ﵎ يذكّر بنعمه على خلقه، حالا بعد حال ووقتا بعد وقت، وبكمال تدبيره، مجملا ومفصّلا، ومقدّما ومؤخّرا وكيف سبّب الأسباب ورتّب الأقدار فيما هيّأ من درور رزق ودرج من نزول غيث فقال: انظروا كيف جمع فرق السّحاب بعد إنشائها، وكيف ألّف سياقها على تباينها، وفي أيّ حال كشفها عقب رقّتها وتخلخلها، حتى صار مع تراكمها يؤدي ما أودع وينخرق بما ضمّن، فيخرج من خلاله الماء، مرافقا للنّار، جامدا وذائبا، ومتخلخلا ومتماسكا.

стр. 341

ثم يقسمه سحابة بين منتظريه وطالبي الانتفاع به، كما يشاء فيعطي كما يحرم ويهب كما يمنع، مقلّبا اللّيل والنّهار، ومبدّلا الظّلم والأنوار، واعتبروا ففي ذلك عبرة لأولي الأبصار. قوله: يزجي يعيد سوفا على رفق، لذلك قال عدي: ويزجي بعد الهذين جهة شمال كما يزجي الكسير. لأنّ الكسير يرفق به. والرّكام: الغليظ المتلبّد المتطارف، والودق: الماء والفعل منه ودق. وقوله: مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [سورة النّور، الآية: ٤٣] فكلّ مستحجر صلب غليظ يوصف بأنّه جبل وجبال. ومنه قوله تعالى: وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ [سورة الشّعراء، الآية: ١٨٤] وقوله تعالى: مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [سورة النّور، الآية: ٤٣] أراد من جبال برد فيها، وهذا على التّكثّر كما يقال: عند فلان جبال من المال. والمراد أنّ ما ينزله من الغيث يكون ذائبا وجامدا فيقسمه بين الخلق على ما يرى من مصالحهم وإنّما قال تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [سورة النّور، الآية: ٤٣] لأنّ الضّوء الباهر إذا أديم النّظر إليه أضرّ بالعين، وكذلك الشيء الأبيض كالثّلج وما أشبهه. فصل من كلام الأوائل في البرد والطّلّ والدّمق قالوا: إنّ البرد إنّما يكون في البخار الحار إذا أصابه برد الهواء وذلك لتنافر الحرارة والبرودة. فإذا أصاب البرد السّحاب انقبض الماء في داخل السّحاب من كثرة حرارة ذلك البخار، فيجمد في جوف السّحاب، وذلك لمضادة الحرّ للبرد ولذلك إنّما يكون البرد في الأيام الحارة لمضادة الحرّ البرد. فأمّا في الأزمنة الباردة والبلاد الشّديدة البرد وإن كان البرد منتشرا في جميع الأماكن، فليس يقع هناك مضادة الحر للبرد فلا يكون بردا. فأمّا اختلاف خلقها فمن قبل بعده وقربه من الأرض: فإن كان بعيدا من الأرض كان صغير الحب وذلك لأنّه يذوب فيما بين مخرجه وبلوغه إلى الأرض، فيصغر قدره ويستدير. فأمّا ما كان قريبا من الأرض فإنّه ينزل سريعا فلا يستدير لكن يبقى كثيرا مختلف الشّكل، وإن كان الصّغر والكبر فيه تبع قدر الماء، وكونه مضغوطا في السّحاب، وربما كان علّة كبر القطر من قبل قوّة الرّيح فيضغط أشدّ ضغط فهذا ما في البرد.

стр. 342

فصل في أسباب الطل فأمّا أسباب الطّل: فيكون إذا كان في الموضع السّفلي واجتمع أو تصاعدت بخارات فغلظت من البرودة ينزل الشيء الذي يغلظ لما فيه من الثّقل، لأنّه ليس تحته من الهواء كثير فيمنعه من النّزول كما يمنع الهواء فوق لكثرة الغمام من النزول والقطع الصّغار. والدّمق: يكون إذا جمد الطّل بالبرودة، قالوا: والسبب في بياض الدّمق ما تداخله من الهواء لأنّ الشّيء الذي هو فوق ثلج، هو أسفل دمق والشّيء الذي هو فوق مطر هو أسفل طل، ومن أجل ذلك قيل: إنّ الدّمق يكون من جمود البخار قبل أن يجتمع فيصير ماء.

стр. 343

الباب الرّابع والثلاثون في ذكر المياه، والنّبات ممّا يحسن وقوعه في هذا الباب وهو ثلاثة فصول فصل [في بيان معنى قوله وقع الغيث بمكان] الأصمعيّ يقال: وقع الغيث بمكان كذا إذا مطر، ولا يقال: سقط. قال الشّاعر: وقع الرّبيع وقد يقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزلّ نسولا يعني بالأزل الذّئب. وقال آخر: حتّى إذا وقع السّماك وعشرت ... عين فمتبعه وأخرى مقرب يريد وقع غيث السّماك، ولو أراد السّماك نفسه لقال سقط ولم يقل وقع، إنّما الوقع للغيث، والسّقوط للنّجم، قال السّاجع: إذا النّجم هبط، وإذا النّسر سقط، وإذا وقع الغيث قيل: نصرت الأرض فهي منصورة، وإذا وقع الغيث فابتلّ التراب فهو ثرى والأرض ثرية ما دامت رطبة، فإذا جفّ قيل: بلح ومصح. قال يصف إبلا: وبلح الرّب لها بلوحا ... وأصغر في الأرض الثّرى مصوحا وإذا اشتدّ ندى الثّرى حتى يلزم بعضه بعضا: فهو الثّرى الجعد، فإذا زاد فهو كباب، فإذا ارتفع عنه فهو عمد. قال الغنويّ: فإذا أصاب المطر وكان ثراه في الأرض إلى الرّبيع فهو المرسغ وهو ربيع، وخير ما يكون من المرسغ إذا كان في شحاح الأرض، وهو ما صلب منها، والرّسغ موصل الكف في الذّراع. وعن غيره إذا كان الثّرى في الأرض مقدار الراحة فهو المرحى، قال أبو حنيفة: هكذا روي بتقديم الحاء يريد أنّه يجيء من الرّاحة مروح. قال الغنويّ: وإذا كان الثّرى إلى مستحلّ الذّراع، ومستحلّها ما غلظ منها مما يلي المرفق فهو الرّسغ المنبت

стр. 344

النّافع. وإذا كان إلى المرفق فهو المطر الجود وهو يجزي الأرض شهرا من المطر. فإذا بلغ الثرى نصف العضدين قيل: حيا. فإذا بلغ المنكب فهو حيا عند جميع النّاس لما بعده. فإذا حفر الحافر الثّرى فذهبت يده حتى يمس الأرض باذنه وهو يحتفر. والثّرى جعد. فقد اعتقدت الأرض حياسنتها. ويقال: غيث جدا، لا يحفره أحد ولا سكفه، أي لا يعلم أحد أين أقصاه. وقال الأصمعي: إذا التقى الثّريان فهو الجود يعني أن يتّصل النّدى الظّاهر بالنّدى الباطن المستكنّ في جوف الأرض. وحكى الأصمعيّ عن رؤبة: شهر ثرى وعشر ثرى- وشهر مرعى- وشهر استوى. وقال ابن الأعرابي: قيل لابنة الخنسي: كم يعقد المطر في الأرض ولا يخرج؟ فقالت: عشر ثرى وعشر ثرى وعشر مرعى «١» . أرادت أنّ الماشية تشبع في ثلاثين. فهذان القولان متّفقان، ومعنى استوى: اكتهل في الشّهر الرّابع ثم يشبع المعزى. واعلم أنّ البلاد تختلف في ذلك: فإنّ منها الأنبت الممراح فلا يبطئ نباته، ومنه المصلاد النكد الجحد الإنبات. ويختلف أيضا من قبل الزّمان، فإنّ الأرض إذا جيدت والزّمان لين كزمان الصّفوى والدفيء والخريف لم تلبث الأرض أن تعشب. وإذا جيدت والزّمان قسيء بارد منعها البرد من الإعشاب فأبطأت به. وقال ابن الأعرابي: قال أبو المجيب أعرابي من بني ربيعة: لقد رأيتنا في أرض عجفاء، وزمان أعجف، وشجر أعشم في قف غليظ، وجادة مدرعة غبراء فبينا نحن كذلك، إذ أنشأ الله من السّماء غيثا مستكفا نشوؤه، مسبلة عزاليه- عظاما قطره- جوادا صوبه- زاكيا ودقه- أنزله الله رزقا لنا فتنعش به أموالنا- ووصل به طرقا فأصابنا. وأما السّوطة بعيدة بين الأرجاء فاهر مع مطرها حتّى رأيتنا وما نرى غير السّماء والماء، وصهوات الطّلح فضرب السّيل النّجاف. وأمّا الأودية فرعها فما لبثنا إلا عشرا حتّى رأيناها روضة تندى، فهذا اجزأنها روضت في عشر وهو دون ما قدّمناه من قبل. والعلّة فيه الزّمان، وإذا اتّفق الزّمان اللّين والأرض الممراح كان هذا ونحوه. وإذا وقع الغيث: فنجع ورؤي تباشير خيره قيل: رأينا أرض بني فلان غب المطر واعدة حسنة. حكاه الأصمعي، فإذا أبصرت شيئا من النّبات فذاك الإيشام والطّرور والبقول والإيفال. أو شمت الأرض توشم إيشاما، وطر النّبت طرورا كما يطرّ الشّارب، فإذا تطررت

стр. 345

الخضرة لعينك فقد خصبت الأرض تخصب خصبا وخصوبا ودست وتودست حسنا، والتّربص مثل التّودس. وكذلك الإبشار يقال: أبشرت الأرض، وما أحسن بشرتها ودسّها وكنأ النّبت إذا طلع. وإذا اتّصل قيل: وصت الأرض فهي واصية قال: وصي لها غراد وجاد ملبس كلّ أجرعا. فإذا بلغ اتّصاله أن يغطي الأرض قيل: استحلست الأرض. قال ذو الرّمة: حتى كسا كلّ مرتاد له خضل ... مستحلس مثل عرض اللّيل يحموم وحينئذ ترى الأرض مدهانّة. وإذا رأيتها كذلك فذاك الوراق، فإذا نهض البقل قليلا وهو أغض ما يكون وأنعمه، فذلك اللّعاع والنّعاع وقد ألعت الأرض إلعاعا حسنا. ويقال: تركت المال يتلقى أي يرعى اللّعاع، والشّعتد نحو من اللّعاع، وإذا ارتفع عن ذلك حتى يشتد قيل: عرد يعرد عرودا. والنّقاء: القطع المتفرقة من النّبات والواحدة نقأة. قال: جادت سواريه وإذا رنبة ... نقاء من الصّفراء والزّياد وكذلك الثّجر والواحدة ثجرة فإذا نهض حتى يملأ أفواه المال فهو جميم، أخذ من الجمة على التّشبيه. فإذا ارتفع عن ذلك فهو عميم. ويقال: اعتمّ النّبت. قال ساعدة: يرتدن ساهرة كأنّ جميمها ... وعميمها أسداف ليل مظلم ويقال: جادت الأرض بالنبات وغيث جود، وذلك إذا طال وارتفع وقد غلا يغلو غلوا واغلولب. ويقال: استلّ وذلك حين لا يرى فرجة لطوله وانتشاره. ويقال: أغنت الأرض: وذلك إذا سمعت لها غنّة لالتفاف النّبات وكثافته وحينئذ يقال: استأسد، وقد يكون ذلك من أصوات الذّبان. قال شعرا: مستأسد ذبّانه في غيطل ... تعلن للدّايدا عشبت أنزل فإذا ظهرت أكمامه وهي غلف النّور فذلك البراعيم والواحدة برعومة. والكعابر والواحدة كعبرة حتى يتفتّح ثم ينشق عن النّور فتخرج زهرته وذلك التّقصيح، والنّور حينئذ فقاح والبراعيم من قبل ذلك صمع واحدها صمعاء.

стр. 346

ويقال حينئذ: جنّ النّبت جنونا وأخذ زخرفه وزخاريه وألفى بهجته. قال ابن مقبل: زخارى النّبات كأنّ فيه ... جياد العبقريّة والقطوع ويقال: اقتان النّبت اقتيانا إذا تزيّن وظهر حسنه وهو مأخوذ من التّقيّن. ومنه قيل للماشطة: مقيّنة. قال: وهنّ مناخات تحللّن رمة ... كما قتلن بالنّبت العهاد المجوّز ويقال: أزهر النّبت إذا ظهرت زهرته وزهر وهو ألوان نوره. ويقال: نور النّور ونواره وزهرته سواء. وكذلك الفغو والفاغية. ويقال: أفغى النّبت إذا نور. فأما الأصمعيّ فإنّ الفغو والفاغية عنده ورد كلّ ما كان من الشّجر طيب الرائحة. وغير الأصمعي يجعل الجنون طوله يقول جنّ إذا طال فهو مجنون. قال الرّاجز يصف نخلا: ينقص ما في السّحق المجانين. وقال ابن أحمر: تنفقأ فوقه القلع السّواري ... وجنّ الخازباز به جنونا فإذا انتهى وبلغ فهو مكتهل، وكل ما انتهى منتهاه فهو كهل. قال ابن مقبل: وقوفا به تحت أطلاله ... كهول الخزامى وقوف الظّعن وهو في جميع هذا الأحوال خلا وعشب، ويقال: أعشبت الأرض واعشوشبت وأعشبت الإبل أصابت العشب. وكذلك أخلت الأرض إذا نبت خلاها، فإذا جززته قلت: اختليته. قال: سوف المعاصير خزامى المختلى. وهذا كلّه ما دام رطبا رطب وخضر. فأما الشّجر: فإنّ أوّل توريقه النّضح يقال: نضح الشّجر نضحا إذا تقطر بالورق وهو اليغط والفقح يقال: فقح الورق إذا انفتح. فإذا اكتسى خضرة من الإبراق قيل: قد تمشّر وأمشر إمشارا وظهرت مشرته ومشرته بالتّحريك والإسكان، والمشرّة من الشّجر كاللّعاعة من البقل. قال: وقصارها إلى مشرة لم تعتلق بالمحاجن. ويقال: أورق الشّجر إيراقا وورق توريقا، ولا يسمّى ورقا إلا ما عرض وتبسّط. فإذا طال طولا شديدا مع بعض التّبسّط فهو خوص والواحدة خوصة. فإذا طالت مع اندماج، فلم يكن فيه تبسّط فهو الهدب، والعبل نحو منه، عن أبي

стр. 347

عبيدة وأبي عمرو يقال: قد أعبل الأرطيّ إذا ورق. وللإعبال موضع آخر: وهو أن يقال: قد أعبل الشّجر وذلك إذا تساقط ورقه في قبل الشّتاء وكأنّه من الأضداد. فإذا نقصت غضاضة النّبات واشتدّ عوده قيل عسا يعسو عسوا. فإذا ولت بلولته وأخذ يتهيأ للجفوف قيل: ذوى يذوي وذأى يذأى أي فهو ذا وفي كلتا اللغتين: وألوى إلواء وذلك نحو الذوي فيكون النبات حينئذ لويا. فإذا تجاوز ذلك قيل: قد أقطر اقطرارا وإقطارا أيضا. فإذا شعفه اليبس قيل: هاج يهيج هياجا وهيجا وهو حينئذ يبس الباء ساكنة ويبس وقفل. قال أبو ذؤيب: فحزت كا تتابع الرّيح بالقفل وهو الحفيف والغفيف والقف قال: كشيش أفعى في يبس قف. وقد قفت الأرض قفوفا وهو في هذه الحال حشيش، وفي كلّ حال كلأ ولا يقال له قبل أن يجف حشيش، فإذا تمّ فيه اليبس لوى، فإذا تكسّر بعد اليبس فهو حطام وهشيم. وقال الكلابي: إذا يبس النّبت فما دام قائما فهو ألقف. فإذا تكسّر وسقط إلى الأرض فهو الحبة، قال أبو النّجم: في حبة جرف وحمض هيكل. فأمّا الأصمعي فالحبّة عنده: حبّة ماله حب من النّبات، قال ويقال: الإبل في حبة ما شاءت، فإذا ركب بعضه بعضا فهو ألثن، قال: وأقام بعد الحدب في ثن، فإذا اسودّ من القدم فهو الدّندن. قال: كالسيّل يغشى أصول الدّندن البالي. والدّرين حطام جميع النّبت، والسّفا شوك البهمي خاصة، والسّفير ما تساقط من الورق لأنّ الرّيح تسفره أي تكنسه وإذا أخذ النّبت يجف وأصوله حيّة ثم جاء المطر عليه فعاد أخضر فذلك النّشر. قال شعرا: وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كماطر أوبار البعير على النّشر وهو مطر يأخذ عنه الإبل إذا رعته السّمام، والهرار ثم تشلح عنه فتهلك وأنشد: كما نشأت في الجزء مزنة صيف ... وضمنت الأكوار عاقبة النّشر فأمّا ما نبت في أصول فهي الغمير. والرّبل: ما ينبت من غير مطر ببرد اللّيل ويقال: أربلت الأرض وأربل الشّجر، ويقال له الخلفة كأنّه يخلف ما يقدم.

стр. 348

ويقال: راح النّبت وتروح إذا اكتسى ورقا. وحكي عن الكلابي أنّه قال: الرّبل والخلفة والرّيحة واحد، وكل هذا نبت مع طلوع سهيل وضروب من النّبات تدوم خضرتها الصّيف فلا يهيج مع هيج النّبات. يقال لها: الرّبب والواحدة ربة والنّبات كلّه يجمعه الشّجر والعشب. فالشّجر ما قام على ساق، والعشب ما خالف ذلك ثم ينقسم العشب قسمين: بقلا وجنية، فالجنية ما له أرومة فهو أقوى من البقل، والبقل أحرار وذكور فأحراره ما رقّ وعنق، وذكوره ما غلظ منه.

стр. 349

الباب الخامس والثّلاثون في ذكر المراتع المخصبة والمجدبة والمحاضر والمبادي وهو فصلان فصل [في أن الأوطان والمراتع تختلف في هذا الباب اختلافا شديدا] قال الأصمعيّ: إنّ الأوطان والمراتع تختلف في هذا الباب اختلافا شديدا لأنّ منها ما يطول بقاء الرّطب ودوام الماء فيه. ومنها ما يقصر ذلك فيه. ومن المراتع أيضا مسهفة معطشة. ومنها مرواة، ولذلك تراهم يختلفون في ذكر هيج النّبات وفناء المياه، فيأتي توقيت زمانه مقدّما ومؤخرا، ويحضر قوم ويبقى قوم في النّجعة، وربّما وجدت السّائمة متعلفا من بقايا الرّطب في مثاني الأرض، ومحاني الأودية، وأعماق البطون، وأقام الحيّ يستحلف لهم من الاعداد على الزّوايا فيؤتون بالماء إلى مباديهم حتى يستنفدوا الرّطب فيكون حضورهم إذا لم يجدوا له مدفعا، ولا يجدون إلى الأجزاء سبيلا. واعلم أنّ المراعي تنقسم قسمين: خلّة وحمضا، فالحمض ما كانت فيه ملوحة والخلّة ما لا ملوحة فيه. والحمض: يرخي بطون الإبل ويعنق لحومها، ويطيل أوبارها وينفشه، ويغلظ ويكثر عليه شربها. والخلّة على خلاف ذلك، والخلّة للإبل كالجز، والحمض كالأدم، فإذا عافيت بينهما كان ذلك أفضل ما يكون. وإذا أخضب النّاس قيل: أحيوا الحيوان أحياء، والحياء الخصب، وجمع الخصب أخصاب، وجمع الحياء أحياء، وأنشد الأصمعيّ في جمع الخصب: كأنّما يزينه الإخصاب بالمعر الحمر. وهذا عام: حياء- وعام أوطف- وأعزل- وأقلف- وغيداق- وعام فنق- وكلّ ذلك معناه الخصب قال. لم ترج رسلا بعد أعوام العنق. فإذا كان عاما مشهورا بالخصب قيل له: عام المال. قال:

стр. 350

رآني تجاذيب الغداة ومن يكن ... فتى قبل عام الماء فهو كبير ويقال: ربع الرّبيع، ونحن في ربيع رابع، والنّاس في الرّغد، والرّغد وقد أرغدوا وهم في رفاهة ورفاهية ورفهفية، وبلهنية، ورخاخ من العيش، ورخاء ورفاغة وفي عيش دغفل، وغدفل وأغضف وغاضف، وهم في مثل حدقة البعير وفي مثل الحولاء. وذلك إذا كانت الأرض مخصبة معشبة وفي عيش إبله وأهيغ كلّ ذلك الخصب وهذا بلد خصيب وخصيب وخصب. وإذا كان ذلك عادته فهو مخصاب. ويقال: أرتع القوم إذا رتعوا في خصب وتحقيقه: نالوا مرتعا. وأفتق القوم إذا أعشبوا، وأسمنوا وإذا أجدب النّاس قيل: أسنتوا وهذا عام سنة. ومما حكي: الأرض وراءنا سنة، وأرضون سنون أي مجدبات. وكذلك محول وأرض محل وممحلة وأمحلت ومحلت، وبلد ممحل وما حل وأصابتهم أزبة وأزمة- ولأواء ولولاء- وشصاصاء- وفحمة وحجرة. ويقال: أحجر عامنا إذا قلّ مطره قال: إذا الشّتاء أحجرت نجومه ... واشتدّ في غير ثرى أزومه ويقال: أصابتهم كلبة الزّمان، وهلبة الزّمان، والسّنة القاوية القليلة الأمطار وقد قوي المطر، والعام الأبقع الذي قلّ مطره. ويقال: سنة سنواء، وأرض بني فلان جرز، ومجروزة وجرزات وفل ومخرجة وبقعاء. ويقال: لم يصبها قابة أي قطرة، وإذا أخطأ الأرض الوسميّ كلّه وصدر الولي ففي ذلك الشتاء بكلبه وإصراده، فذلك المحل لا شكّ فيه المجلى، وهذا المعنى عبّر عنه الشّاعر في قوله: إذا غرد المكاء في غير روضة ... فويل لأهل الشّاء والحمرات وذلك أنّ المكاء لا يعدن بغير الرّياض، ولا يقيم إلا في معاشيب الأرض وفيها تبيض وتفرخ وتزقو وتغرّد. وقد بيّن الرّاعي، فقال: يفضل الإبل على المعزى والحمر. إنّا وجدنا العيس خير بقية ... من الفقع أذنابا إذا ما اقشعرّت ينال جبالا لم ينلها جبالها ... ودوّية ظمآى إذا الشّمس ذرّت مهاريس في ليل التّمام نهته ... إذا سمعت أصواتها الجنّ فرّت

стр. 351

يعني بالفقع أذناب المعزى، يقول الإبل: تستطيع أن تنال من البلاد ما لا تستطيعه الغنم، ويصبر على الظمأ وقال جندل الطّهوي يصف عيرا: رعى جماد ثادق فالقر قره ... أزواج مزه زخري الزّهرة حتى إذا ما الهيف حتّ تمره ... وأسبلت بعد الجناه الهيشرة وودّع العشّ فراخ الحمرة ... ونشر اليسروع بردي حبرة وظهرت ذات العشاء الحشرة ... ونقض الفقع فأبدى بصرة وقام للجندب ظهرا صرصرة ... شدّ على أهل الورد ميزرة أراد بالأزواج الألوان من النّبات والمزهي: ذو الزّهو والهيشرة نبت، ويعني ببردي حبّرة جناحيه لأنّه يسلخ فيصير فراشة في آخر الرّبيع وإنمّا ظهرت الحشرة ذات العشاء لبرد اللّيل. وإنّ حرّ النّهار كان مانعها من الانتشار، والفقع ضرب من الكماة أبيض، فإن استبشر في أول الزّمان، وإلّا شقّ الأرض عن نفسه، وظهر ثم يصفر إذا تطاولت به الأيام واشتدّ الحر. لذلك قال السّاجع: إذا طلعت الهقعة أدرست الفقعة، وتعرض النّاس للقلعة، ورجعوا عن النّجعة، وقال الرّاعي في ظهور الفقعة من تحت التّراب: بأرض يبن الفقع فيها قناعه ... كما أبتنّ شيخ من رفاعة أجلح شبه الفقعة برأس الشّيخ لتجرّدها. وقال السّاجع أيضا في الظّعن عن البدو والرّجوع إلى الحضر: إذا طلع الشّرطان خضرت الأعطان، وطلوع سهيل وقت لأوّل التّبدي وغيبوبته وقت لأول الحضور، وهو يطلع إذا ناء سعد السّعود ويغيب قبل أن ينوء الغفر. فمدة طلوعه نحو من ثمانية عشر نوءا وذلك قريب من ثلثي السنة، ومدة غيبوبته نحو من عشرة أنواء، وهو قريب من ثلث السّنة. وقال ذو الرّمة يصف امرأة ويذكر وقت مبدئها ومحضرها شعرا: غراء أنسة تبدو بمعقله ... إلى سويقة حتّى يحضر الحضرا تشتو إلى عجمة الدّهنا ومربعها ... روض يناصي على ميثه العفرا حتى إذا هزّت البهمى ذوائبها ... في كلّ يوم يشهي البادي الحضرا وزفزفت للزّباني من بوارحها ... هيف أنشّت به الأصناع والخبرا ردّوا لأحداجهم بزلا مخيسة ... قد هرمل الصّيف عن أكتافها الوبرا وواحد الأصناع صنع، وهو محبس الماء وزفزفة الرّيح سوقه لحطام النّبت فيسمع جرسها ومعنى أنشّت أيبست، والخبرة القاع نبت السّدر، والجميع الخبر فهذا ابتداء ذكر المبدأ والمحضر وسنحكم القول فيه فيما بعد إنّ شاء الله تعالى.

стр. 352

فصل في ذكر ما كانت العرب تفعله وقت إمساك القطر في الجاهلية الجهلاء قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي: كانوا إذا استمطروا عمدوا إلى السّلع والعشر فعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيهما النّار، وأصعدوها في جبل وعر وتبعوها يدعون الله يستسقونه. قال ابن الكلبي: وكانوا يضرمون تفاؤلا للبرق قال لمية في ذلك: سنة أزمة تخيل للنّاس ... ترى للعضاة فيها صريرا لا على كوكب ينوء ولا ري ... ح جنوب ولا ترى طخرورا ويسوقون باقر السّهل للطّو ... د مها زيل خشية أن تبورا عاقدين النّيران في تكن الأذ ... ناب منها لكي يهيج البحورا سلع ما ومثله عشر ما ... عايل ما وعالت البيقورا بيقور: جماعة بقر، يقال: بقر وباقر وبيقور وغلط في هذا عيسى بن عمرو والأصمعي جميعا، فأمّا الأصمعي فإنه روى وغالت البيقورا، واحتجّ لتصحيفه بأنه ذهب إلى المرارة من أجل السّلع، فقال: يقال: ما أبقره وأمقره. وقال عيسى: لا معنى لقوله: سلع ما. وقال ابن السّكيت: معنى قوله: وعالت البيقورا أنّ السنة الجدبة بقلت البقر، ممّا حملت من السلع والعشر، وأنشد أبو عثمان الجاحظ للورل الطّالي شعرا: لا درّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر؟! قوله مسلعة يعني ما عقد في أذنابها من السّلع. وقال أبو حنيفة: وكانوا إذا فعلوا ذلك توجّهوا بها نحو المغرب من بين الجهات قصدا إلى العين، يعني عين السّماء. وهذا الذي ذكرناه عن العرب من الزّمن تشاركها الأمم في أمثاله كنيرنجات الفرس، ووهم الهند، وعقد الرّوم. وقالت الفلاسفة: رموز النّفس تنقسم ثلاثة أقسام: قسم منها رمز فوق الطّبيعة كالرّقي والوهم، وقد قال بعضهم: إن للنّفس كلمات روحانية من نحو ذاتها. وقسم منها رمز نحو الطّبيعة كتعليق الحرز وما أشبهها. وقسم منها دون الطّبيعة كالتّماثيل واستعمالها، فهذا كما ترى وإن عرض فيما يعمله ما يقتضي القول في شيء من الرّموز أعدنا القول فيها إن شاء الله تعالى.

стр. 353

الباب السّادس والثّلاثون في ذكر أحوال البادين والحاضرين، وبيان تنقّلهم وتصرّف الزّمان بهم قال الأصمعيّ: للعرب ظعنان: أحدهما ظعن للتّبدي وذلك إذا أخرفوا وميقاته ما بين طلوع سهيل إلى سقوط الفرغ المؤخّر، فإذا أخرفوا تصدّعوا عن المحاضر ولقسمتهم المناجع، وحجروا الأعداد، واستبدلوا بها الأوراد، فظعنوا عن دار المقيظ. والظّعن الآخر: يكون عند انصرام الرّطب وهيج الأرض ونضوب الماء، وهجوم الصّيف كما قال: (حتى إذا العود اشتهى الصّبوحا) يعني شدّة الحر، والعود أصبر على العطش من غيره، فإذا اشتهى الماء في أول النّهار فهو أشدّ الحر، وقد كثر متصرّفاتهم في وصف المحلين، والتّردّد في الرّحلتين، ومفارقة الحضارة، ومراجعة البداوة. وذلك أنّهم يقيمون على مياههم ما أقامت وقدات الحر، وعزات القيظ، فإذا سكنت نائرتها وأذنت بتولّيها، فباخت سورتها وأمكن مدّ إظمائها، وأقبلت الأرض تربل، والعضاه تتروّج ابتدؤوا يبدون. وقد أخبر بعضهم عن ذلك قال: قد تشكّى النّساء وأظلم الأمعو ... ذ واخضرّ جيب أمر قسيم أي اتّخذن الشّكاكين، وأظلم أراد أنّ الظّباء سمنت وأشرت، فهي تتناطح، وأمر قسيم: إذا خرجت زهرتها من النّبات فمن متبطّئ ومتعجّل، وذلك على حسب مساعدة الأحوال ومداورة الأزمان لأنّها كما تستنهض تستوقف، وعلى ما تقدم قد تؤخر، فبكاؤهم للظّاعنين وجزعهم في أثر المفارقين، وحنينهم على الخلطاء، والمجاورين للعارض المغير، كما أنّ مداناة المزالف ومراجعة المالف والمخالف لحادث آخر مبدّل، فتارة يبنون عرش الشّجر وهو الخيام مظللة بالثّمام وتارة يسكنون بيوت الصّوف والوبر منصبة بالعمد والحبال. فمن ذلك قول ذي الرّمة شعرا:

стр. 354

ألا حيّ المنازل بالسّلام ... على نحل المنازل بالكلام لمية بالغا درجت عليها ... رياح الصّيف من عام فعام سحبن ذيولهّن بها فأضحت ... مصرعة بها دعم الخيام أقمن على بوارح كلّ نجم ... وطيّرت العواصف بالتّمام قال ذلك لأنّهم إذا ظعنوا عن المحاضر تركوا الخيام على حالها أو نزعوها ونضدوها استعدادا للعودة، فتزعزعها الرياح إذا تقادم العهد بها. ومن ذلك قول امرئ القيس: أمرخ خيامهم أم عشر؟ ... أم القلب في إثرهم منحدر؟ قصده أن يعلم بأي الماء نزلوا خيامهم من شجرها والمعنى أنجدوا أم غاروا أم اتهموا فأحدر القلب بانحدارهم، وهذا كما قال: ففرعنا ومال بها قضيب. لأنّ قضيبا من تهامة، وكما قال الآخر: وسالت بأعناق المطيّ الأباطح. وقال ابن الأعرابي: الحنتمة ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام يستظل بها في الحر، والمظلة لا يكون إلا من النّبات، وتكون كبيرة، ويكون لها رواق وربما كانت شقّة أو شقّتين أو ثلاثا. وربما كان لها كفا وهو مؤخّرها. قال: والخباء من شعر أو صوف، والقبّة: تكون من أدم. وكذلك الطّراف، وقال: المظلّة بفتح الميم لا غير. قال زهير: تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم جعلن القنان عن يمين وحزنه ... وكم بالقنان من محلّ ومحرم فلمّا وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيمّ فهذا الظّعن للبداوة فأمّا قول طفيل شعرا: على اثر حيّ لا يرى النّجم طالعا ... من اللّيل إلّا وهو قفر منازله فإنّ من تبدّى أوان التّبديّ من الخريف لم ير الثّريا طالعة أوّل اللّيل إلّا وهو نازل بالقفر لأنّ أوّل طلوع الثّريا عشاء هو لطلوع السّماك الأعزل بالغداة وسقوط الرّشاء، وذلك في الوسمي وبعد طلوع سهيل. وأمّا قول ذي الرّمة: إذا عارض الشعرى سهيل بجهمة ... وجوزاؤها استغنين عن كلّ منهل فهو يصف إبلا واستوثق لها، لأنّ سهيلا إذا طلع بقية من اللّيل وهي الجهمة، فذاك قبل الوسمي، ودبر القيظ، والزّمان زمان ندى، وروح وطل وغيث. وقد قال ساجعهم: إذا طلعت الصّرفة أميز عن الماء زلفة، لأنّها إذا طلعت ناء الفرع المقدم وهو آخر أنواء الخريف، وفي اثره الفرع المؤخّر وهو أوّل أنواء الوسمي فلا يزالون يتبعون مواقع الغيث

стр. 355

ويتحوّلون في معاشيب الأرض ويشربون ماء السّماء ويجتزون بالرّطب، عن الورد وهم في سلوة من العيش، ورغد من الخفض يرمي النّوى بهم المرامي، فمن شعب يلتئم إلى شعب، ومن جمع يلتئم مع جمع ومزار تقرّب بعد بعد، ومطاف يسهل عقيب وعر، ومواعيد بين الأحبّة أنجزت وعقود من حبال جوار ووصال أوثقت حتّى إذا تحرّك الهيف وهو أوّل الحر ومبدؤ البوارح، بدّلت الأرض والدّهر ذو تبدّل، فمن بقل ذابل وماء غايض ونهي ناضب، وصيف صائف، وهيج يشتد وورد يمتد، وكبد من الماء تحر، وصبر على بلواه ينفد ويقلّ، حينئذ ترى ذا الرّاحة يتعب، والمتأخّر يلحق، متصدّعين عن مباديهم، سعيا ومفترقين عن مقارّهم شفقا فكم قلب لفراق الأحبّة جزع، ودمع لوداعهم همع، وأنس لبيتهم يقطع، ووجد ببعدهم تجدّد. وكلّ هذا أتت به الأشعار وترادفت بأمثالها الأخبار، فمن ذلك قول جرير يذكر سائرة ضمّتها إليهم النّجعة ثم تفرّقوا فأسف لفراقهم. قال شعرا: ألا أيّها الوادي الذي ضمّ سيله ... إلينا نوى ظمياء حيّيت واديا فقد خفت ألّا تجمع الدّار بيننا ... ولا الدّهر إلا أن نجدّ الأمانيا وقولا لواديها الّذي نزلت به ... أوادي ذي القيصوم أمرعت واديا وقال ذو الرّمة: حتّى إذا ما استقلّ النّجم في غلس ... وأحصد البقل أو ملو ومحصود ظللت تخفق أحشائي على كبدي ... كأنّني من حذار البين مورود من ورد الحمى، وقال الجعدي يذكر امرأة جاورتهم في مرتع شعرا: أقامت به حدّ الرّبيع وجارها ... أخو سلوة مسّى به اللّيل أملح فلمّا انتهى في المرابيع أزمعت ... حفوفا وأولاد المصانيف رشّح وحبّ السّفا واعترّها القيظ بعدما ... طباهنّ روض من زبالة أفيح وحاربت الهيف الشّمال وآذنت ... مذانب منها اللّدن والمتصوّح وقمن يزورن الهوادج بعدما ... مضى بين أيديها نعام مسرّح يريد بأخي السّلوة: الندى لأنّهم في سلوة ورخاء ما أقام لهم، وهو الأملح لبياضه. وقوله: مسى به اللّيل: لأنّ النّدى باللّيل يسقط. وقوله في المرابيع: يريد سمنها. والمرابيع: جمع المرباع وهي التي من عادتها أن تنتج في أوّل النتاج. والمصانيف: التي تنتج في آخر النّتاج. والرّشح: جمع راشح وهي التي تمسكها أمّها لئلا تسقط وهو التّرشح. ويقول الرّجل لصاحبه: لقيت فلانا يرشح ولد ناقته إذا فعل بها. وقوله: وحاربت الهيف الشّمال. لأن الشّمال والصّبا ريحا البرد. والجنوب والدّبور ريحا الحرّ. والمتصوّح: اليابس المتشقّق، قال ذو الرّمة:
следующие страницы →