Полный текст (562 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
يعني بالفقع أذناب المعزى، يقول الإبل: تستطيع أن تنال من البلاد ما لا تستطيعه الغنم، ويصبر على الظمأ وقال جندل الطّهوي يصف عيرا:
رعى جماد ثادق فالقر قره ... أزواج مزه زخري الزّهرة
حتى إذا ما الهيف حتّ تمره ... وأسبلت بعد الجناه الهيشرة
وودّع العشّ فراخ الحمرة ... ونشر اليسروع بردي حبرة
وظهرت ذات العشاء الحشرة ... ونقض الفقع فأبدى بصرة
وقام للجندب ظهرا صرصرة ... شدّ على أهل الورد ميزرة
أراد بالأزواج الألوان من النّبات والمزهي: ذو الزّهو والهيشرة نبت، ويعني ببردي حبّرة جناحيه لأنّه يسلخ فيصير فراشة في آخر الرّبيع وإنمّا ظهرت الحشرة ذات العشاء لبرد اللّيل. وإنّ حرّ النّهار كان مانعها من الانتشار، والفقع ضرب من الكماة أبيض، فإن استبشر في أول الزّمان، وإلّا شقّ الأرض عن نفسه، وظهر ثم يصفر إذا تطاولت به الأيام واشتدّ الحر. لذلك قال السّاجع: إذا طلعت الهقعة أدرست الفقعة، وتعرض النّاس للقلعة، ورجعوا عن النّجعة، وقال الرّاعي في ظهور الفقعة من تحت التّراب:
بأرض يبن الفقع فيها قناعه ... كما أبتنّ شيخ من رفاعة أجلح
شبه الفقعة برأس الشّيخ لتجرّدها. وقال السّاجع أيضا في الظّعن عن البدو والرّجوع إلى الحضر: إذا طلع الشّرطان خضرت الأعطان، وطلوع سهيل وقت لأوّل التّبدي وغيبوبته وقت لأول الحضور، وهو يطلع إذا ناء سعد السّعود ويغيب قبل أن ينوء الغفر. فمدة طلوعه نحو من ثمانية عشر نوءا وذلك قريب من ثلثي السنة، ومدة غيبوبته نحو من عشرة أنواء، وهو قريب من ثلث السّنة. وقال ذو الرّمة يصف امرأة ويذكر وقت مبدئها ومحضرها شعرا:
غراء أنسة تبدو بمعقله ... إلى سويقة حتّى يحضر الحضرا
تشتو إلى عجمة الدّهنا ومربعها ... روض يناصي على ميثه العفرا
حتى إذا هزّت البهمى ذوائبها ... في كلّ يوم يشهي البادي الحضرا
وزفزفت للزّباني من بوارحها ... هيف أنشّت به الأصناع والخبرا
ردّوا لأحداجهم بزلا مخيسة ... قد هرمل الصّيف عن أكتافها الوبرا
وواحد الأصناع صنع، وهو محبس الماء وزفزفة الرّيح سوقه لحطام النّبت فيسمع جرسها ومعنى أنشّت أيبست، والخبرة القاع نبت السّدر، والجميع الخبر فهذا ابتداء ذكر المبدأ والمحضر وسنحكم القول فيه فيما بعد إنّ شاء الله تعالى.
стр. 352
فصل في ذكر ما كانت العرب تفعله وقت إمساك القطر في الجاهلية الجهلاء
قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي: كانوا إذا استمطروا عمدوا إلى السّلع والعشر فعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيهما النّار، وأصعدوها في جبل وعر وتبعوها يدعون الله يستسقونه. قال ابن الكلبي: وكانوا يضرمون تفاؤلا للبرق قال لمية في ذلك:
سنة أزمة تخيل للنّاس ... ترى للعضاة فيها صريرا
لا على كوكب ينوء ولا ري ... ح جنوب ولا ترى طخرورا
ويسوقون باقر السّهل للطّو ... د مها زيل خشية أن تبورا
عاقدين النّيران في تكن الأذ ... ناب منها لكي يهيج البحورا
سلع ما ومثله عشر ما ... عايل ما وعالت البيقورا
بيقور: جماعة بقر، يقال: بقر وباقر وبيقور وغلط في هذا عيسى بن عمرو والأصمعي جميعا، فأمّا الأصمعي فإنه روى وغالت البيقورا، واحتجّ لتصحيفه بأنه ذهب إلى المرارة من أجل السّلع، فقال: يقال: ما أبقره وأمقره. وقال عيسى: لا معنى لقوله: سلع ما. وقال ابن السّكيت: معنى قوله: وعالت البيقورا أنّ السنة الجدبة بقلت البقر، ممّا حملت من السلع والعشر، وأنشد أبو عثمان الجاحظ للورل الطّالي شعرا:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر؟!
قوله مسلعة يعني ما عقد في أذنابها من السّلع. وقال أبو حنيفة: وكانوا إذا فعلوا ذلك توجّهوا بها نحو المغرب من بين الجهات قصدا إلى العين، يعني عين السّماء. وهذا الذي ذكرناه عن العرب من الزّمن تشاركها الأمم في أمثاله كنيرنجات الفرس، ووهم الهند، وعقد الرّوم.
وقالت الفلاسفة: رموز النّفس تنقسم ثلاثة أقسام: قسم منها رمز فوق الطّبيعة كالرّقي والوهم، وقد قال بعضهم: إن للنّفس كلمات روحانية من نحو ذاتها. وقسم منها رمز نحو الطّبيعة كتعليق الحرز وما أشبهها. وقسم منها دون الطّبيعة كالتّماثيل واستعمالها، فهذا كما ترى وإن عرض فيما يعمله ما يقتضي القول في شيء من الرّموز أعدنا القول فيها إن شاء الله تعالى.
стр. 353
الباب السّادس والثّلاثون في ذكر أحوال البادين والحاضرين، وبيان تنقّلهم وتصرّف الزّمان بهم
قال الأصمعيّ: للعرب ظعنان: أحدهما ظعن للتّبدي وذلك إذا أخرفوا وميقاته ما بين طلوع سهيل إلى سقوط الفرغ المؤخّر، فإذا أخرفوا تصدّعوا عن المحاضر ولقسمتهم المناجع، وحجروا الأعداد، واستبدلوا بها الأوراد، فظعنوا عن دار المقيظ.
والظّعن الآخر: يكون عند انصرام الرّطب وهيج الأرض ونضوب الماء، وهجوم الصّيف كما قال: (حتى إذا العود اشتهى الصّبوحا) يعني شدّة الحر، والعود أصبر على العطش من غيره، فإذا اشتهى الماء في أول النّهار فهو أشدّ الحر، وقد كثر متصرّفاتهم في وصف المحلين، والتّردّد في الرّحلتين، ومفارقة الحضارة، ومراجعة البداوة. وذلك أنّهم يقيمون على مياههم ما أقامت وقدات الحر، وعزات القيظ، فإذا سكنت نائرتها وأذنت بتولّيها، فباخت سورتها وأمكن مدّ إظمائها، وأقبلت الأرض تربل، والعضاه تتروّج ابتدؤوا يبدون.
وقد أخبر بعضهم عن ذلك قال:
قد تشكّى النّساء وأظلم الأمعو ... ذ واخضرّ جيب أمر قسيم
أي اتّخذن الشّكاكين، وأظلم أراد أنّ الظّباء سمنت وأشرت، فهي تتناطح، وأمر قسيم: إذا خرجت زهرتها من النّبات فمن متبطّئ ومتعجّل، وذلك على حسب مساعدة الأحوال ومداورة الأزمان لأنّها كما تستنهض تستوقف، وعلى ما تقدم قد تؤخر، فبكاؤهم للظّاعنين وجزعهم في أثر المفارقين، وحنينهم على الخلطاء، والمجاورين للعارض المغير، كما أنّ مداناة المزالف ومراجعة المالف والمخالف لحادث آخر مبدّل، فتارة يبنون عرش الشّجر وهو الخيام مظللة بالثّمام وتارة يسكنون بيوت الصّوف والوبر منصبة بالعمد والحبال.
فمن ذلك قول ذي الرّمة شعرا:
стр. 354
ألا حيّ المنازل بالسّلام ... على نحل المنازل بالكلام
لمية بالغا درجت عليها ... رياح الصّيف من عام فعام
سحبن ذيولهّن بها فأضحت ... مصرعة بها دعم الخيام
أقمن على بوارح كلّ نجم ... وطيّرت العواصف بالتّمام
قال ذلك لأنّهم إذا ظعنوا عن المحاضر تركوا الخيام على حالها أو نزعوها ونضدوها استعدادا للعودة، فتزعزعها الرياح إذا تقادم العهد بها. ومن ذلك قول امرئ القيس:
أمرخ خيامهم أم عشر؟ ... أم القلب في إثرهم منحدر؟
قصده أن يعلم بأي الماء نزلوا خيامهم من شجرها والمعنى أنجدوا أم غاروا أم اتهموا فأحدر القلب بانحدارهم، وهذا كما قال: ففرعنا ومال بها قضيب. لأنّ قضيبا من تهامة، وكما قال الآخر: وسالت بأعناق المطيّ الأباطح.
وقال ابن الأعرابي: الحنتمة ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام يستظل بها في الحر، والمظلة لا يكون إلا من النّبات، وتكون كبيرة، ويكون لها رواق وربما كانت شقّة أو شقّتين أو ثلاثا. وربما كان لها كفا وهو مؤخّرها. قال: والخباء من شعر أو صوف، والقبّة: تكون من أدم. وكذلك الطّراف، وقال: المظلّة بفتح الميم لا غير. قال زهير:
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم
جعلن القنان عن يمين وحزنه ... وكم بالقنان من محلّ ومحرم
فلمّا وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيمّ
فهذا الظّعن للبداوة فأمّا قول طفيل شعرا:
على اثر حيّ لا يرى النّجم طالعا ... من اللّيل إلّا وهو قفر منازله
فإنّ من تبدّى أوان التّبديّ من الخريف لم ير الثّريا طالعة أوّل اللّيل إلّا وهو نازل بالقفر لأنّ أوّل طلوع الثّريا عشاء هو لطلوع السّماك الأعزل بالغداة وسقوط الرّشاء، وذلك في الوسمي وبعد طلوع سهيل. وأمّا قول ذي الرّمة:
إذا عارض الشعرى سهيل بجهمة ... وجوزاؤها استغنين عن كلّ منهل
فهو يصف إبلا واستوثق لها، لأنّ سهيلا إذا طلع بقية من اللّيل وهي الجهمة، فذاك قبل الوسمي، ودبر القيظ، والزّمان زمان ندى، وروح وطل وغيث. وقد قال ساجعهم: إذا طلعت الصّرفة أميز عن الماء زلفة، لأنّها إذا طلعت ناء الفرع المقدم وهو آخر أنواء الخريف، وفي اثره الفرع المؤخّر وهو أوّل أنواء الوسمي فلا يزالون يتبعون مواقع الغيث
стр. 355
ويتحوّلون في معاشيب الأرض ويشربون ماء السّماء ويجتزون بالرّطب، عن الورد وهم في سلوة من العيش، ورغد من الخفض يرمي النّوى بهم المرامي، فمن شعب يلتئم إلى شعب، ومن جمع يلتئم مع جمع ومزار تقرّب بعد بعد، ومطاف يسهل عقيب وعر، ومواعيد بين الأحبّة أنجزت وعقود من حبال جوار ووصال أوثقت حتّى إذا تحرّك الهيف وهو أوّل الحر ومبدؤ البوارح، بدّلت الأرض والدّهر ذو تبدّل، فمن بقل ذابل وماء غايض ونهي ناضب، وصيف صائف، وهيج يشتد وورد يمتد، وكبد من الماء تحر، وصبر على بلواه ينفد ويقلّ، حينئذ ترى ذا الرّاحة يتعب، والمتأخّر يلحق، متصدّعين عن مباديهم، سعيا ومفترقين عن مقارّهم شفقا فكم قلب لفراق الأحبّة جزع، ودمع لوداعهم همع، وأنس لبيتهم يقطع، ووجد ببعدهم تجدّد. وكلّ هذا أتت به الأشعار وترادفت بأمثالها الأخبار، فمن ذلك قول جرير يذكر سائرة ضمّتها إليهم النّجعة ثم تفرّقوا فأسف لفراقهم. قال شعرا:
ألا أيّها الوادي الذي ضمّ سيله ... إلينا نوى ظمياء حيّيت واديا
فقد خفت ألّا تجمع الدّار بيننا ... ولا الدّهر إلا أن نجدّ الأمانيا
وقولا لواديها الّذي نزلت به ... أوادي ذي القيصوم أمرعت واديا
وقال ذو الرّمة:
حتّى إذا ما استقلّ النّجم في غلس ... وأحصد البقل أو ملو ومحصود
ظللت تخفق أحشائي على كبدي ... كأنّني من حذار البين مورود
من ورد الحمى، وقال الجعدي يذكر امرأة جاورتهم في مرتع شعرا:
أقامت به حدّ الرّبيع وجارها ... أخو سلوة مسّى به اللّيل أملح
فلمّا انتهى في المرابيع أزمعت ... حفوفا وأولاد المصانيف رشّح
وحبّ السّفا واعترّها القيظ بعدما ... طباهنّ روض من زبالة أفيح
وحاربت الهيف الشّمال وآذنت ... مذانب منها اللّدن والمتصوّح
وقمن يزورن الهوادج بعدما ... مضى بين أيديها نعام مسرّح
يريد بأخي السّلوة: الندى لأنّهم في سلوة ورخاء ما أقام لهم، وهو الأملح لبياضه.
وقوله: مسى به اللّيل: لأنّ النّدى باللّيل يسقط. وقوله في المرابيع: يريد سمنها.
والمرابيع: جمع المرباع وهي التي من عادتها أن تنتج في أوّل النتاج. والمصانيف: التي تنتج في آخر النّتاج. والرّشح: جمع راشح وهي التي تمسكها أمّها لئلا تسقط وهو التّرشح.
ويقول الرّجل لصاحبه: لقيت فلانا يرشح ولد ناقته إذا فعل بها. وقوله: وحاربت الهيف الشّمال. لأن الشّمال والصّبا ريحا البرد. والجنوب والدّبور ريحا الحرّ. والمتصوّح: اليابس المتشقّق، قال ذو الرّمة:
стр. 356
وصوّح البقل ناج تجيء به ... هيف يمانية في مرّها نكب
فجعلها النّكباء التي تلي الجنوب. وقال الكعبي المنقري:
تمرع إذ تسعى بها ذو إيالة ... من الحرّ ما كانت مذانبه خضرا
يصف راعيا تمرع طلب مريع الكلأ. تسعى بها: تتمادى في الطّلب. ذو إيالة: حاذقا بمعالجة الإبل والقيام عليها. والمذانب: المشارب وذلك أنّ الثّريا إذا طلعت سحرا تحوّل جميع أهل المراتع إلى المحاضر ليبس الكلاء، ونضوب الماء، وذهاب الجز، فلا يبقى في المراتع إلّا من يتولّى رعيه الإبل بنفسه، ويتشيّع سرار الغيطان، وبطون الأودية. والعلان:
التي فيها بقايا الرّطب، ولا يكون ذلك التّخلف إلّا شهرا وبعض آخر، وهو من وقت طلوع الشّرطين، لستّ عشرة ليلة نحو من نيسان إلى وقت طلوع الثّريا يخلو من أيار إلى طلوع الدّبران وهو لليلة من حزيران وأنشد:
أقمن شهرا بعد ما تصيّفا ... حتّى إذا ما طرد الصّيف السّفا
قرين بزلا ودليلا محشفا ... وبدّلت والدّهر ذو تبدّل
هيفا دبورا بالصّبا والشّمال
فلم تزل الشّمال عالية زمان العشب ووقت الحركة، حافظة لبلولة النّبات لروحها حتى إذا انقضت أيامه، ودخل الصّيف ذهب سلطانها وهبت الجنوب فدافعتها.
وإنّما سمّي الهيف لحرّها ويبسها، ولذلك قيل للسّريع العطش: المهياف ورجل هاف، وامرأة هافة، وقد هاف الرّجل إذا عطش.
وقال الكلابي: الهيف أوّل السّموم وقد يجعل كلّ ريح هبت بحرّ هيفا وإن كانت الشّهرة في ذلك للجنوب والدّبور. والنّكباء التي بينهما. هذه أغلب الرّياح على الهيف وقال ذو الرّمة يصف عيشا ونساء انتجعنه شعرا:
ألقى عصى النّوى عنهنّ ذو زهر ... وحفّ على ألسن الرّواد محمود
حتّى إذا وجفت بهمى لوى لبن ... واصفرّ بعد سواد الخضرة العود
وغادر الفرخ في المثوى تريكته ... وكان من حاضر الرّجلين تصعيد
ظللت تخفق أحشائي على كبدي ... كأنّني من حذار البين مورود
قوله: ذو زهر يريد بها نباتا ثم واكتهل فظهرت زهرية يريد استغنى به عن انتجاع.
وقوله: وحفت: أي يبست فطيرته الرّيح، وقوله: غادر الفرخ تريكته أي بيضته التي خرج منها، وهذا باب واسع. فأمّا قول الآخر:
стр. 357
ونقيم في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويظعن غيرنا للأمرع
فإنما تبجّح بحسن صبره في دار المحافظة على العزّ والمنع عن الحريم، إلّا أنه عد الظّعن عيبا يدل على ذلك قوله من بعد:
يسيل تغر لا يسرح أهله ... اسقم يشار لقاؤه بالإصبع
وأنشد الأصمعيّ:
إذا الجوزاء أردفت الثّريّا ... ظننت بآل فاطمة الظّنونا
وهذا يحتمل وجهين: يجوز أن يكون جمعهما المربع، وكان ساكن النّفس لاستمتاعه بها وامتداد الوصال معها، حتى إذا رأى الجوزاء طالعة علم أنّها تظعن وينقطع ما بينهما، فترجع إلى بعض محاضرها، لأنّ ذلك وقت الانصراف عن البدو، فلذلك ظنّ الظّنون السّيئة لا سيما وقد كان أبهم عليه منصرفها.
وأما أن يكون مبدؤه كان مخالفا لمبدئها، فهو لا يدري مقرّها، لأنّهم ما داموا منتجعين فدارهم حيث يصادفون الكلأ والماء فلمّا طلعت الجوزاء علم أنه لا بدّ لها من الحضور، وقد عرف لها محاضر شتّى، فالظّنون تردّده بينهما وتخالجه فلا يتملّك متيقنا.
قال أبو ليلى: يفارق القمر الثّريا في زمن الوسمي كله، وهو شهران، وشهر من الدفيء ثم تأفل الثّريا أربعين ليلة شهرا من الدفيء وعشر ليال من الصّيف. ثم تطلع صلوة الغداة إلى أن تأفل ثانية من العام المقبل.
قال أبو حنيفة: وربّما اعتاد الحيان مبدأ بعينه، فلا يزال الرّبيع يجمعهما فيه ثم يصرفهما الصّيف ولذلك قال ذو الرمة شعرا:
إذا الصّيف قد أجلى نساء من النّوى ... أملت اجتماع الحيّ في عام قابل
وقال أيضا وهو يصف نساء أخرن الظّعن عن مرتعهنّ حتى تصيفن:
تصيّفن حتّى اصفرّ أقواع مطرق ... وهاجت لأعداد المياه الأباعر
ولم يبق أنواء الثماني بقية ... من الرّطب إلا بطن واد وحاجر
فلما رأين الصّنع أسعى وأخلقت ... من العقربيات الهيوج الأواخر
جذبن الهوى من سقط حوضي بسدفه ... على أمر ظعان دعته المحاضر
نسب بوارح هذا الزمان إلى سقوط رقيب الهقعة، لذلك قال: الهيوج الأواخر وقد أكثر الشّعراء في إشراط هذه الأوقات التي حدّدناها بما ذكرنا من أوصافها وبيّنا كثيرا من أحوال الحاضرين والبادين فيها وفي القدر الذي أوردناه كفاية.
стр. 358
الباب السّابع والثّلاثون في ذكر الرّوّاد وحكاياتهم
وهو فصلان
فصل [في بيان معنى قوله ماء مدرع وغيرها]
قال ابن الأعرابي: يقال: ماء مدرع: إذا أكل ما حوله من الكلأ وماء قاصر: إذا كان المال حوله يرعى.
وحكى الأصمعي في صفة رائد: هو شديد النّاظر سديد الخابر، ينظر بملء عينه لنفسه وغيره. قال: وزعم أبو صالح التميمي أنّ رجلا من العرب سأل أعرابيّين، فقال: أين مطرتما؟ قالا: مطرنا بمكان كذا وكذا. قال فماذا أصابكما من المطر؟ قالا: حاجتنا. قال:
فما سيل عليكما؟ قالا: ملنا الوادي كذا وكذا فوجدناه مكسرا، وملنا الوادي كذا فوجدناه مشطيا. قال: فما وجدتما أرض بني فلان؟ قالا: وجدناها ممطورة- قد ألس غميرها- وأخوص شجرها- وأخلس نصيصها، وأليث سخيرها- وأحلس حليها- ونببت عجلتها.
قوله: مكسرا يعني سالت جرفته وشعابه ومعنانه أي جوانبه، ومعنان لا واحد لها من لفظها ومعنى مشطيا سال شاطياه، ومعنى نببت صارت لها أنابيب. وأحلس حليها أي قد خرج فيه خضرة والخضرة الطرّية. ويقال: قد أخلس وأليث سخيرها يعني اشتعل ورقا.
قال: وقيل لآخر: كيف كلأ أرضك؟ قال: أصابتنا ديمة بعد ديمة على عهاد غير قديمة. فالتاب يشبع قبل العظيمة. وقيل لابنة الحسن: ما أحسن شيء؟ قالت: غادية في اثر سارية في تنجاء قاوية. التنجاء: أرض مرتفعة لأنّ النبت في أرض مشرف أحسن. وقد قالوا: نفخاء رابية. قال: ليس فيها رمل ولا حجارة. والجميع نفاخى ونبت الرّابية أحسن من نبت الأودية. لأنّ السّيل يصرع الشّجر فيقذفه بالأودية فيلقي عليها الدّمن.
وقالت أيضا: أحسن شيء سارية في إثر غادية، في روضة أنف، أكل منها وترك.
وقيل لأعرابي: أيّ مطر أصابك؟ قال: مطيرة يسيل شعاب السّخبر. وتروي التلّعة المحلة شعاب السّخبر. عرضها ضيّق وطولها قدر رمية الحجر. والتلّعة المحلّة التي تحلّ
стр. 359
بيتا. وقد حنأت الأرض تحنأ وهي حانية أي اخضرّت والتفّ نبتها وإذا أدبر وتغيّر نبتها قيل:
اصحامت فهي مصحامة.
وقال أبو داود الأعرابي: تركنا بني فلان في ضفيغة من الضّفائغ وهي الكلأ والعشب الكثير.
ويقال: وعبنا رقة الطّريقة وهي الصّليان والنّصى. والرّقة أول خروج نبتها رطبا.
وحكوا عن الينمة أنا الينمة أغبق الصّبي قبل العتمة وأكب الثّمال فوق الأكمة، كهيئة زيد الغنم يقال: ثمال لبنها كثير، وكلما كثرت رغوة اللّبن كان أطيب له، يعني دري بعجل للصّبي لأن الصبي لأبصر والمراغي أطيب لبنا من المصاريح. والينمة بقلة يشبه الباذروج.
وقيل لأعرابي: هل لك في البدو؟ فقال: أما ما دام السّعدان مستلقيا فلا قال، وهو أبدا مستلق كره البادية.
وعن غير ابن الأعرابي قال: خرج الحجاج إلى ظهرنا هذا فلقي أعرابا وقد انحدروا في طلب الميرة، فقال: كيف تركتم السّماء وراءكم؟ فقال: متكلمهم: أصابتنا السّماء هي بالمثل، مثل القوائم حيث انقطع الرّمث يضرب فيه تفتير وهو على ذلك يعضد ويرسغ ثم أصابتنا سماء أمثل مهنا يسيل الدّماث- والتّلعة- الزّهيدة- القليلة الأخذ فلّما كنّا حذاء الجفر أصابنا ضرس جود ملأ الآخاذ. واحدها أخذ وهي المصانع. فأقبل الحجّاج على زياد بن عمرو العتكي، فقال: ما يقول هذا الأعرابي؟ قال: وما أنا وما يقول إنما أنا صاحب سيف ورمح. قال: بل أنت صاحب مجذاف وقلس أسج، فجعل يفحص الثّرى ويقول: لقد رأيتني وإنّ المصعب يعطيني مائة ألف، فها أنا أسبّح بين يدي الحجّاج.
قال: وسئل أعرابي عن المطر فقال: أصابتنا السّماء بدث، وهو المطر القليل لا يرضي الحاضر ويؤذي المسافر- ثم رككت- ثم رسغت- ثم أخذنا جار الضّبع فالأرض اليوم لو يقذف بها بضعة لم تقض بترب، أي لم يقع إلّا على عشب قضت وأقضت إذا أصابها القضض أي كثر المطر، حتّى لم يوجد القضض ورسغت، أي كثر المطر حتى يغيب الرّسغ، والرّك أكثر من الدّثّ.
وقيل لأعرابي: ما أشدّ البرد؟ قال: إذا كانت السّماء نقية- والأرض ندية- والريح شآمية. وقيل لآخر: ما أشدّ البرد؟ فقال: إذا صفت الخضراء، وندبت الدّقعاء، وهبت الجربياء. وقيل لآخر: ما أشدّ البرد؟ قال: إذا دمعت العينان وقطر المنخران، ولجلج اللّسان.
وقال أعرابي: ليس الحياء بالسّجيّة يتبع أذناب أعاصير الرّيح، ولكنّ كلّ ليلة مسبل رواقها، منقطع نطاقها، نبيث أذان ضأنها تنطف إلى الصّباح.
стр. 360
وحكي عن أبي عبيدة قال: قلت لأعرابي: ما أسحّ الغيث قال: ما ألقحته الجنوب ومرته الصّبا ونتجته الشّمال. ثم قال: أهلك واللّيل ما يرى إلا أنه قد أخذه. وقال الأصمعي: قيل لرجل: كيف وجدت أرض بني فلان؟ قال: وجدتها أرضا شبعت قلوصها، ونسيت شاتها يعني لا يذكر. قال: فهل مع ذلك خوصة؟ قال: شيء قليل كل ما خرج عود ثم قوي فهي خوصة. قال والله ما أحمدت وإن كان القوم صالحين.
قال ابن الأعرابي: أخصب الخصب عند العرب فيما ذكره أبو صالح إذا كان الخوص وافرا، وقال رايد مرة: تركت الأرض مخضرة كأنما حولانها قصيصة رقطا وعرفجة خاصبة، وقنادة مزيدة، وعوسج كأنّه النّعام من سواده مزيدة أي قد أورقت.
وحكي عن أبي المجيب ووصف أيضا جدبة فقال: قد اغبرّت جادتها- ودرع مرتعها- وقضم شجرها- وألقى سرحاها- ورقت كربتها- وخوّر عظمها- وتميّز أهلها، ودخل قلوبهم الوهل- وأموالهم الهزل. قال: الجادّة الطريق إلى الماء. قوله: وألقى سرحاها: هو أن يأكل كلّ سرح مذيلها، حتّى يلتقيا من الجدب، قال: وإذا لم يكن للمال مرعى إلّا الشّجر رقّت أكراشه، وخوّر عظمه. قوله: درع مرتعها: أكل ما عليه حتّى لم يبق شيء وهو مأخوذ من الشّاة الدّرعاء.
وقال أبو المجيب يصف أرضا قد أحمدها، فقال: خلع شيحها- وأبقل رمتها- وخضب عرفجها- واتّسق نبتها- واخضرّت قرياها- وأخوصت بطنانها،. وأحلت آكامها- واعتمّ نبت جراثيمها- وأحزت بقلتها- وذرقتها وخبازتها- وخوّرت خواصر إبلها- وشكرت محلوبتها- وسمنت قتوبتها- وعمد تراها، وعقدت تناهيها، وأماثت ثمادها- ووثق النّاس بصائرتها.
قوله: خلع شيحا إذا أورق، والمخالع من العضاة: الذي لا يسقط ورقه أبدا. ويقال:
كلح الشّجر إذا انحرد. قوله: خضب عرفجها: أي اسودّ النّبات قبل أن يطلع، والرّمث من الحمص مخصب ثم عاد- ثم سقد- ثم يرمس- يقال: أطلع الشّجر إذا أورق وتفطّر- واتقد- وأربس- وأرمس- وأرى العرفج- وبقل الرّمث خاصة- وأجدر الشّجر إذا طلع ثمره حتى كأنّه الجدري.
قوله؛ أخوصت: أي نبت فيها عيدان رطبة فهي خوصة ما دامت رطبة فإذا يبست فهي شجر، ولا يخوص من الشّجر إلّا ما لم يكن له شوك. قوله: أحزت لفلتها أي نبت فيه الحزا، وهو نبات يسمّى الحزا كما تقول العلقة- والحيلة- والفتلة- فالحيلة للسلم- والعلقة للطلّح- والفتلة للسّمر- والذّرق الحندفوق. قوله: خوّرت خواصرها: هو أن يؤخذ جنبها
стр. 361
فيضرب على خواصرها خوف أن يحبط فيبعد أفقها- والأفق الخواصر. قوله: عمد ثراها العمد أن يجاوز الثّرى المنكب.
ويقال: إنّ ذلك حيا سنتين. قوله: عقدت تناهيها: فالتناهي حيث يتناهي السّيل فيستقر فعقدها أن يمر السّيل مقبلا حتّى إذا انتهى منتهاه. دار بالأبطح حتى تلتقي طرفا السّيل، ووثقوا بصائرتها: يراد بها ماؤها وكلأؤها.
وقال الأصمعي: وصف بعض الأعراب جدبا وعيشا، فقال: بينما نحن في زمن أعجف- وأرض عجفاء- وقف غليظ- وجادة مدرعة- إذ أنشأ الله سحابا مستكفا نشوءه- ضخاما قطره، مسبلة عزاليه- جعود صوبه فاهرمع المطر حتى ملأ الأودية، فرعبها وبلغ السّيل النّجاء حتّى لم ير إلّا الماء. وصهوات الطّلح فلم يمكث إلا عشرا حتّى رأيتها يندى، فنعش الله به أموالنا، ووصل به طرقنا وكنّا بنوطة بعيدة بين الأرجاء. قوله: الجادة: يعني الطّريق إلى الماء ومستكفا أي مستديرا. ونشوؤه ما نشأ إليه. وعزاليه أفواه مخارجه. وصوبه ما سال منه وانصبّ. واهرمع اشتد. ورعبها ملؤها. والنّجاء جمع نجوة وهو الموضع المرتفع لا يكاد يبلغه السّيل. والصّهوات عالي الطّلح. والنّوطة البعد. والأرجاء: النّواحي.
وقال ابن الأعرابي: بعث قوم رائدا لهم فقالوا: ما رأيت؟ قال: رأيت جرادا كأنه نعامة جاثمة، جراد جبل. قوله: نعامة جاثمة يقول: فيه من الخصب والعشب الكثير حتّى كأنه نعامة، وإنّما أراد سواد العشب وأعلى النّعامة أسود. وبعث آخرون رائدا لهم فقالوا: ما رأيت؟ قال: رأيت عشبا ينجع له كبد المصرم إذا رأى هذا، وجعت له يعني أنه لا مال له أي إبلا ترعى هذا العشب حسرة على ما رأى. ويقولون: وردنا على كلأ الحابس فيه كالمرسل يعني يستويان فيه لكثرته والتفافه. ويقولون: وردنا على كلأ لا يكتمه البغيض. وقال طرفة:
يرعين وسميّا وصى نبته ... فانطلق اللّون ودقّ الكشوح
وصى نبته اتّصل واكتهل. وأنشد أبو العبّاس ثعلب شعرا:
دفاء عليه اللّيث أفلاذ كبده ... وكهله قلد من البطن مردم
يريد أنه مطر بنوء الأسد، ومن نجوم الأسد النّثرة والجهة ونوؤهما غزير تسقط النّثرة لاثنين وعشرين تخلو من كانون الثاني، وتسقط الجبهة في ثماني عشرة تخلو من شباط.
والقلد النوبة يقال: القوم يتقالدون الماء أي يتصافيونه ويقتسمونه. قال: والماء لا قسم ولا أفلاذ.
стр. 362
فصل في ذكر مواقعهم ومسارحهم
قال النّبي ﷺ لأصيل الخزاعي حين قدم عليه المدينة: «كيف تركت مكة يا أصيل؟» قال: تركتها وقد أحجن تمامها، وأغدق أذخرها، وأمشر سلمها، فقال: «يا أصيل دع القلوب تقر» . وروي أنه لمّا هاجر رسول الله ﷺ أصاب القوم وعك فدخل ﵇ على أبي بكر ﵁ فقال: كيف تجدك فقال شعرا:
كلّ امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
ثم دخل على عامر بن فهيرة فقال: كيف تجدك فقال شعرا:
وجدت طعم الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه
والثّور يحمي أنفه بروقه ثم دخل على بلال ﵁ فقال: كيف تجدك فقال شعرا:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بفجّ وحولي أذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
فقال ﷺ : «طرب القوم إلى بلادهم: اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة» وقال الرّاجز: جاء بنو عمّك روّاد الأنق. وقال رؤبة من طول بعد الرّبيع في الأنق. وقال بعض الرّواد وسئل عمّا وراءه فقال: هلمّ أظعنكم إلى محل تطفأ فيه النّيران، يعني لا يوجد عود يابس يوقد عليه. وقيل لأعرابي: كيف كان المطر عندكم؟ فقال: مطرنا بعراقي الدّلو وهمي ملي.
وقال أبو زياد: بعث شيخ أبنين له يرتادان، فانصرف إليه أحدهما فقال الشّيخ: خلّ على ما وجدت، فقال: ثاد ماد، مولى عهد، يشبع منه النّاب، وهي تعدو أقفر، يعني مكاكية فلبث ولم يظعن، حتّى أتاه الآخر فقال: كيف وجدت الحياء؟ قال حياء ماذا؟ قال:
العام وعام مقبل؟ فقال له الشّيخ: خلّ على ما وجدت. قال؛ وجدت بقلا وبقيلا وسبلا وسبيلا، خوصه مثل اللّيل، قد دبّ ما تحث هنا كم السّيل قال: هل به أحد؟ قال: نعم به بنو الرّجل لا يوجد أثرهم.
قال أبو زيد: بقلا أي وسميا كان مطره قبل الشّتاء. وبقيلا كان مطره بعد ذلك.
وسبلا كان من الوسمي. وسبيلا كان بعد ذلك وهو الذي نبت منه البقيل، قال: وعنى بالخوصة العرفج والثمام والسّبط وما كان في أصل، قال: فلم يشك بنوه أنّ الشّيخ ظاعن
стр. 363
إلى ما أخبر به ابنه الأول، فلما أصبح تحمّل جهة ما أخبر به الأخير ابنه، ففزع بنوه وقالوا:
اهتزّ الشّيخ فقالوا: تذهب إلى أرض بها النّاس وتدع أرضا قفرا لا يرعاها أحد معك؟ قال:
إنّ تلك طغوة لا وأخيك وقد وجد أخوكم هذا الأخير حياء العام وعام مقبل ما يبقى من هذا العام، قال: فمضى واتّبعوه قوله: يشبع منه النّاب وهي تعدو، ويعني لطوله واتّصاله لا تحتاج أن تقف عليه ولا أن تتبعه. قال: وقال رائد مرة، تركت الأرض مخضرة كأنها حولاء بها بصيصة رقطا، وعرفجة خاصبة، وعوسج كأنه النّعام من سواد، وهذا كما قال الآخر:
وجدت جرادا كأنه نعامة باركة، يريد كثرة العشب وسواده وشدّة الخضرة سواده، قال:
وسأل أبو زياد الكلابي صقيلا العقيلي حين قدم من البادية عن طريقه، فقال: انصرفت من الحج فأصعدت إلى الرّبذة في مقاط الحرة، فوجدت بها صلالا من الرّبع من خضمة وصليان وقرمل حتى لو شئت لأنخت الإبل في أزراء القفعاء، فلم أزل في مرعى لا أحسّ منه شيئا حتى بلغت أهلي. الصّلال: أمطار متفرقة. والقفعاء نبت من الذّكور يقول: أخصبت حتى صارت تستر البعير البارك.
وقال آخر: رأيت ببطن فلج منظرا من الكلأ لا أنساه، وجدت الصّفراء والخزامى يضربان نحر الإبل، وتحتها قفعاء، وحريث قد أطاع وأمسك بأفواه الإبل أغناها عن كل شيء وإذا نقع الجوذان في الاجارع فذلك غاية ريّ الأرض لأنّ الإجارع أشرب للماء، وإذا نقع الماء في الإجارع غرقت الأجالد، وقال ابن كناسة: بعث قوم رائدا فقيل: ما وراءك؟
فقال: عشب وتعاشيب وكماة متفرقة شيب تندسها بأخفافها النّيب، فقيل: هذا كذب.
فأرسلوا آخر، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: عشب ثاد ماد، مولى عهد، متدارك جعد، كأفخاذ نساء بني سعد، تشبع منها النّاب وهي تعدو. وقد مضى تفسير ما فيه من الغريب.
وبعث رجل بنين له يرتادون في خصب فقال أحدهم: رأيت ماء غللا يسيل سيلا، وخوصه يميل ميلا، يحسبها الرّائد ليلا. وقال الثّاني: وجدت ديمة على ديمة في عهاد غير قديمة، يشبع منها النّاب قبل العظيمة. الغلل: الماء يجري في أصول الشّجر. وقال بعضهم: إذا أحيي النّاس قيل: قد أكلأت الأرض، واجرنفشت العنز لأختها، ولحس الكلب الوضر اجرنفاشها، آزييرارها، وزفيانها في أحد شقّيها لتنطح صاحبتها، وإنّما ذلك من الأشر حين سمنت فأخضبت. ولحسس الكلب: يعني أنّه يجد وضرا ويلحسه، وإذا كانوا مجدبين لم يتركوا للكلب شيئا. وقيل لرجل منهم: ما أخصب ما رأيت البادية؟ قال: رأيت الكلب يمرّ بالخصفة عليها الخلاصة فيشمّها ويتركها. وقال أعرابي: وقد قيل له: ما تركت وراءك؟ قال: خلّفت الضّأن تظالم معزاها، يعني أنّها لنشاطها تنطح بعضها بعضا.
وقال أبو زياد: بعث قوم رائدا لهم، فلمّا رجع إليهم قالوا له: ما وراءك؟ قال: رأيت
стр. 364
بقلا يشبع منها الجمل البروك، وتشكّت منه النساء وهمّ الرّجل بأخيه. قال أبو زياد: لم يطل العشب بعد، فإذا أقام البعير قائما لم يتمكّن منه.
وتشكّت النّساء اتّخذن الشّكّاء الصّغار، لأنّ اللّبن لم يكثر بعد. وقوله: وهمّ الرجل بأخيه: أي همّ أن يدعوه إلى منزله، ولم يتّسع له، ويحتمل من التّفسير وجها آخر، وهو أن الجمل إذا برك شبع مما حوله من مبركه ولم يحتج إلى أكثر منه. وقوله: وهمّ الرّجل بأخيه: يجوز أن يكون مثل قوله شعرا:
وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلّا أخانا
ومثل قوله: يا بن هشام، أهلك الناس اللّبن، لأنّ الجدب يشغلهم عن طلب الطّوائل، وفي الخصب يتفرّغون للضّغائن. ومثل قوله شعرا:
ثعالب في السّنين محصّصات ... وأسد حين يمتلئ الوطاب
ومثل قوله:
قوم إذا اخضرّت نعالهم ... يتناهقون تناهق الحمر
وقيل في تشكّي النّساء ما رواه الشّعبي عن برد وردّوا على الحجّاج وهو حاضر.
رواه عنه أبو بكر الهذلي قال: جاءه الحاجب فقال: إنّ بالباب رسلا، فقال: ائذن لهم، فدخلوا وعمائمهم في أوساطهم، وسيوفهم على عواتقهم، وكتبهم بأيمانهم، قال:
فتقدّم رجل من سليم يقال له سيابة بن عاصم فقال الحجّاج له: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الشّام. قال: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم أصابتني ثلاث سحائب فيما بيني وبين أمير المؤمنين، قال: فانعتهنّ لي، قال: أصابتني سحابة بجودان فوقع قطر صغار وقطر كبار، فكأنّ الصّغار لحمة الكبار ووقع بسيط متدارك وهو السّح الذي سمعت به، فواد سائح، وواد بارح، وأرض مقبلة، وأرض مدبرة أي أخذ السّيل في كل وجه، وأصابتنا سحابة بسواء، فلبّدت الدّمات وأسالت الغراز، وأدحضت التّلاع وصدعت عن الكماة أماكنها. وأصابتني سحابة بالقريتين، فقاءت الأرض بعد الرّيّ وامتلأت الآخاذ وأنعمت الأودية وجئتك في مثل مجرّ الضّبع.
ثم قال: ائذن فدخل رجل من بني أسد، فقال: هل كان وراءك من غيث؟ فقال: لا، كثرت الأعاصير، واغبرّت البلاد، وأكل ما أشرف من الجنبة، فاستيقنّا أنّه عام سنة، فقال:
بئس المخبر أنت، قال: خبّرتك بما كان.
ثم قال: ائذن فدخل رجل من أهل اليمامة فقال: هل كان وراءك؟ قال: نعم سمعت
стр. 365
الرّواد تدعو إلى ريادته، وسمعت قائلا يقول: هلم أظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النّيران وتشكّى منها النّساء، وتنافس فيها المعزى. قال الشّعبي فلم يدر الحجّاج ما يقول: فقال:
إنما تحدث أهل الشّام فأفهمهم، قال: نعم أصلح الله الأمير أخصب النّاس فكان السمن والزبّد واللّبن فلا توقد نار يختبز بها. فأمّا تشكّي النّساء فيحتمل وجها آخر من التّفسير سوى ما تقدم، وهو أنّ المرأة تظلّ ترتق بهمها وتمخض لبنها، فتبيت ولها أنين من التّعب، ويكون التّشكّي من الشّكوى لا من الشّكوة.
وحكى أبو عبد الله قال: قدم رجل من سفر كان فيه، فقالت له ابنته: كيف كنت في سفرك؟ فقال: تقسّمتني الأداوي والنّجم، قال: يعني بالنّجم طلب الهداية باللّيل أن لا يضل. والأداوي يريد أن ينظر كم فيها من الماء أقليل أم كثير يشكو جزعه واهتمامه وخوفه من المتالف، وأنشد للمرار بن سعيد شعرا:
له نظرتان فمرفوعة ... وأخرى تأمل ما في السّقاء
قوله: مرفوعة أي ينظر إلى السماء يسأل ربّه النّجاة، وأخرى إلى السّقاء هل فيه ما يبلغه إلى الماء.
ولقي أعرابي آخر فسأله عن المطر فقال: أصابتنا أمطار غزيرة واشتدّ لنا ما استرخى من الأرض، واسترخى لنا ما اشتدّ من السّماء، أي استرخى لنا جلد السّماء، واشتدّ الرّمل الذي ندي، وهذا مثل قول العجّاج شعرا:
عزّز منها وهي ذات إسهال ... ضرب سوارى ديمة وتهطال
وقال أعرابي ونظر إلى السّماء فوجدها مخيلة: هذا صيّب لا يؤمن معه الدّوافع أن تدرأ عليكم بسيولها فتحوّلوا بأخبيتكم، ولن تنجوا من الموت، وأنشدني بعضهم للكميت في المخيلة شعرا:
فإيّاكم واداهية ناد ... أظلّتكم بعارضها المخيل
стр. 366
الباب الثامن والثلاثون في ذكر الوراد ومن جرى مجراهم من الوفود
قال: العريجاء أن ترد غدوة وتصدر عن الماء فيكون سائر يومها في الكلأ وليلتها ويومها من غدها، ثم ترد ليلا ثم تصدر عن الماء، ويكون بقية ليلتها في الكلأ ويومها من الغد وليلتها ثم يصبح الماء غدوة، فهذه العريجاء، وهي من باب صفات الرّفه. وفي الرّفه الظّاهرة والضّاحية والآئبة والعريجاء وظاهرة الغب، وهي للغنم لا تكاد تكون للإبل، والظّاهر أن ترد كلّ يوم ضحوة والآئبة أن ترد كلّ ليلة، وظاهرة الغب أقصر من الغب قليلا، وقال: أقصى ظمأ الغنم في الشّتاء سدس، وفي الصّيف ترد كلّ يوم، والإبل أقصى ظمئها ثلاثة أعشار في غير الجزء، والجزء أن يكتفوا بالرّطب عن الماء، وأقصى ظمأ الحمار الأهلي غبّ في الشّتاء والرّفه أن يرد كلّما أراد وأقلّ ظمأ الإبل الغب، وكلّ هذا حكاه ابن الأعرابي.
قال: ودخل رؤبة على سليمان بن علي فقال: ما بقي من باتك؟ فقال: إنّي لأظمي فأورد فأقصب، قال: أقصب الرّجل: إذا أورد فلم يشرب إبله إلّا شربا ضعيفا وقصبت هي.
ودخل عليه مرة أخرى، فقال: ما عندك؟ فقال: يمتد فلا يشتد، فإذا أكرهته يرتد، فقال:
إنّي لأجد ذلك.
وحكى غير واحد من الرّواة أنّه لما وردت وفود العرب على رسول الله ﷺ قام طهفة بن أبي زهير، فقال: أتيناك يا رسول الله من غور تهامة بأكوار الميس، ترتمي بنا العيس، نستحلب الصّبير، ونستخلب الخبير ونستعضد البرير، ونستخيل الرّهام، ونستجيل الجهام، من أرض غائلة النّطأ، غليظة الموطأ قد نشف الدّهن، ويبس الجعتن، وسقط الأملوج، وماد العسلوج وهلك الهدي، ومات الودي، برئنا يا رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث الزّمن لنا دعوة السّلام، وشريعة الإسلام ما طما البحر، وقام تعار، ولنا نعم همل إغفال، ما تبض ببلال ووقير كثير الرّسل، قليل الرّسل، أصابتها سنة حمراء موزلة ليس
стр. 367
لها علل ولا نهل، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ بارك لها في محضها ومخضها «١» ومذقها، وابعث راعيها في الدّثر يبالغ الثمر، وبارك له في المال والولد من أقام الصّلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا لكم، يا بني نهد ودائع الشّرك ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة، ولا تثاقل في الصلاة» .
وكتب معهم كتابا إلى بني نهد: «بسم الله الرّحمن الرّحيم، من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد: السّلام على من آمن بالله ورسوله لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم القارض والفريش وذو العنان الرّكوب والفلو الضّبيس، لا يمنع سرحكم ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس درّكم ما لم تضمروا الآماق، وتأكلوا الرّباق، من أقرّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء والعهد والذّمة، ومن أبى فعليه الرّبوة» .
تفسيره قوله: نستحلب الصبير: يريد الغيم الأبيض المتراكم أي نتطلب منه الغيث ونستخلب الخبير: أي نحصده والخلب القطع ومنه المخلب والخبير: النّبات، ومنه المخابرة في الزّراعة، ومعنى نستخيل الرّهام: أي الأمطار والواحدة الرّهمة ونستخيل من قولك سحابة مخيلة وخيلت وتخيلت ومعنى: نستجيل الجهام «٢» أي نجده جائلا في الأفق، والجهام السّحاب الذي قد أراق ماءه.
قال الهذلي: ثلاثا فلما استجيل الجهام واستجمع الطّفل منه رشوحا. ويروى نستحيل بالحاء، ويكون من استحلت الشّخص: إذا نظرت إليه هل يتحرك. وقوله: من أرض غائلة النّطا يريد من أرض مغنية البعد، أي من ركبها أهلكته، يقال: غالته غول والنّطاء البعد قال، وبلدة يناطها نطي. وقوله: نشف المدهن أي انتشف القارات ما تقع فيها من ماء المطر، وقوله ويبس الجعثن يعني أصول النبات.
ويقال: جعثنه أيضا وجمعها جعاث. وقوله: وسقط الأملوج، الأملوج ورق لبعض الأشجار مفتول كالعبل. وقوله: وماد العسلوج أي مالت الأغصان وأنبثت. ويقال: عسلوج وعسلج قال: أنبت الصّيف عساليج الخضر.
وقوله: هلك الهدي يراد به الإبل وأصله فيما يهدى من القرابين، وفي القرآن: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٦] والهدي.
стр. 368
وقوله: وملت الودي يراد به فسيل النّخل.
وقوله: من الوثن والعنن، فالعنن الاعتراض والمخالفة، يريد برئنا إليك من المشاقّة وكل معبود من دون الله. وقام تعار: اسم جبل يريد الأبد.
وقوله: نعم إغفال أي لا ألبان لها. والغفل الذي لاسمة له.
وقوله: ما تنبض ببلال: أي لا تنطف ضروعها بما يبتل.
وقوله: وقير كثير الرّسل. فالرّسل اللّبن، وإنما وصف السّنة بالحمرة للجدب الشّامل لذلك. قال: إذا احمرّ آفاق السّماء من الفرس.
ويقال: جوع أغبر وموت أحمر. وقوله: موزلة من الأزل وهو الضّيق. ويقال: أزل أي صار في أزل، كما تقول أسهل وأحزن. والدّثر: المال الكثير.
وقوله: ودائع الشّرك ووضائع الملك. الوديع: العهد. يقال: توادع الجيش إذا عاهد كلّ واحد منهما صاحبه أن لا يرى له إلا ما يراه لنفسه، فكان بينهما تشارك ولا عرو بينهما ولا شر. ويقال: أعطيته وديعا أي عهدا. والوضائع جمع الوضيعة: وهي ما وضع على المسلمين في أموالهم وأملاكهم. والمعنى: أنهم يساوون المسلمين فيما يلزمون لا زيادة عليهم ولا عتب، متى لم يلطوا الحقّ أو لم يلحدوا في حياتهم عن واجب، ولم يتثاقلوا فيما اشترع من فرائض الدّين. والإلطاط: المنع ويقال: لطّ وألط بمعنى. والإلحاد: العدول.
وقوله: لكم في الوظيفة الفريضة، فالفريضة الهرمة، وكذلك الفارض والمعنى: لا يعد عليكم في الصّدقة مثله.
وكذلك العارض: هي الكبير وذات الآفة، من كلامهم: بنو فلان أكّالون للعوارض.
والفريش من الخيل: التي وضعت حديثا فهي كالنّفساء من النّاس والرّكوب الذّلول والفلو «١» الضّييس: الصّعب، وهذا كما روي: «عفونا لكم عن صدقة الخيل» .
وقوله لا يمنع سرحكم: يريد ما تسرحونه في مراعيكم لا تمنعون منها ولا تزاحمون فيها. ولا يعضد أي لا يقطع.
وقوله: يمنع درّكم هو على حذف المضاف أي ذوات الدّراي لا يمنع من الرّعي، ويحشر أي إلى المصدق.
стр. 369
والأماق «١» العته والغل، يقال في فلان ماقة.
وقوله: وتأكلوا الرّباق: يعني العهود التي صارت كالأرباق في الأعناق.
وقوله ﷺ : «من أبي فعليه الرّبوة» أي: الزّيادة، يريد أنّ الخارج من الطّاعة يتضاعف عليه ما يلزمه، وهذا كما روي عنه ﷺ وقد قيل له: إنّ فلانا قد منع الصّدقة، فقال: هي عليه ومثلها.
حديث قيلة: روت قيلة: قالت وردت على رسول الله ﷺ فصلّيت معه الغداة حتّى إذا طلعت الشّمس دنوت وكنت إذا رأيت رجلا ذا رواء، وذا قشر طمح بصري إليه، فجاء رجل فقال: السّلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «وعليك السّلام» ، وهو قاعد القرفصاء، وعليه أسمال مليتين، ومعه عسيب نخل مقشو غير خوصتين من أعلاه، قالت:
فتقدّم صاحبي فبايعه على الإسلام ثم قال له: يا رسول الله اكتب لي بالدّهناء، فقال: «يا غلام اكتب له» قالت: فشخص بي وكانت وطني وداري، فقلت: يا رسول الله الدّهناء مقيد الجمل، ومرعى الغنم، وهذه نساء بني تميم وراء ذلك فقال: «صدقت المسكينة المسلم أخو المسلم بينهما الماء والشّجر، ويتعاونان على الفتان» . وقال رسول الله ﷺ : «أيلام ابن هذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجرة» . يقال شخص بفلان: إذا أتى ما يقلقله ويحرّه.
والفتان جمع فاتن وهم الشيّاطين يفتنون ويفتح فاؤه فيقال: فتّان، على المبالغة.
والرّواء: المنظر، والقشر: اللّباس، والقرفصاء: جلسة المحتبي، والعسيب: جريد النّخل، والمقشو: المقشور.
وممّا روي من أخبار الوفود أن معاوية بن ثور وفد على رسول الله ﷺ وهو ابن مائة سنة، ومعه ابنه بشر، فقال معاوية للنبي ﷺ : إني أتبرّك بمسّك وقد كبرت وابني هذا بربي فامسح وجهه، فمسح ﷺ وجه بشر، وأعطاه أعنزا عفرا، وبرك عليهم، قالوا: وكانت السّنة ربما أصابت بني البكاء ولا يصيبهم فقال محمد بن بشر شعرا:
وأبي الذي مسح النّبي برأسه ... ودعا له بالخير والبركات
أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا ... عفرا نواحل لسن باللّجبات
يملأن رفد الحيّ كلّ عشيّة ... ويعود ذاك الملء بالغدوات
بوركن من منح وبورك مانحا ... وعليه منّي ما حييت صلاتي
стр. 370
وهذا باب له جوانب، وورّاد العرب مختلفة الطّرق، فمنهم من قال:
ولقد وردت الماء لون حمامة ... لون الفريقة صفّيت للمدنف
فصدرت عنه طاميا وتركته ... يهتزّ علفته كأن لم يقشف
وقال آخر:
وماء قد وردت أميم طام ... على أرجائه زجل القطاط
فبتّ أنهته السّرحان عنه ... كلانا وارد حرّان ساط
وقال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إنّ من وردي تغليس النّهل
طامي العرمض لا عهد له ... بأنيس بعد حول قد كمل
فهرقنا لهما في داثر ... لضواحيه نشيش بالبلل
وقال العجّاج:
وردته قبل الذّباب العسال ... وقبل إرسال قطا فإرسال
بالقوم عبدا والمطي الكلال
وقال امرؤ القيس:
فأوردها من آخر اللّيل مشربا ... بلالق خضرا ماؤهنّ قليص
يعني: عيرا وأتنا، فربّما قصدوا التحج بركوب الفلوات التي لم تسلك، والمياه التي لم تورد ابعادا في الغزو، واقتحاما على المهالك. وربما ذكروا التّوحّش ومجاورة الوحوش لذلك قال الشّنفري:
طريد خبايات تياسرن لحمه ... عقيرته لا بأيماحن أوّل
بجناياته في القبائل حتى أسلمه ذووه وتبرءوا من موالاته.
وقال:
ويشرب أسارى القط الكدر بعدما ... سرت قربا أحياؤها يتصلصل
وربما قصدوا الافتخار فيه بورود أبواب الملوك ومنافرة الخصوم بها والسّعي في تحمّل الدّيات وإصلاح ما بين العشائر. وجعل المياه فراطة لهم لسبقهم كل الإغراء إليها يدل على هذا قوله:
ولا يردن الماء إلّا عشية ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
стр. 371
وذكر بعضهم هذا فقال: خير الورد ما كان أوّل النّهار وشره ورد العشي حتى أنهم يتعايرون به، وذكر البيت وخالفه آخر فقال: خير الورد ما وافق الحاجة ثم أنشد:
أوردها مهجرا يسار ... يسار لا يروي يدا العشار
ليس بإيراد العشيّ عار
قال أبو عبد الله: والذي بسط له النبي ﷺ رداءه أشج عبد القيس واسمه عائذ بن عمرو، وقال له: «فيك خصلتان يحبّهما الله: الحلم والأناءة» قال: هما فيّ أو شيء جبلني الله عليه، فقال: «جبلك الله عليه» فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما أحبّ أو نحو ذلك.
وحكى هشام عن أبيه أنه أخبره رجل من رحبة حمير قال: كنت في جمة فبينا نسير في بعض مفاوز اليمن فأضلّلهم بعارض عرض وقد سرت ثلاثا لا أرى أنيسا إذ دفعت إلى شجر وظلّ وماء معين. وقد ظمئت وأكللت فإذا أنا بشيخ له غديرتان بيضاوان كأنّهما ينطفان بالدّهان، وعليه حلة كأنّها فارقت من يومها الصّبيان، وبين يديه بغلان حضرميّتان كأن لم تنالا بوطء، وهو قائم يصلّي بقراب ما بين شجرات عم، فدنوت وسلّمت، وإنّ رأسه ليحاذي قمّة رأسي وإنّي لعلى نجيب ساف عليك. ثم أنخت وشربت من الماء وسقيت بعيري وجلست وراءهما، فلما أحس بجلوسي ركع وسجد ثم ردّ عليّ سلامي.
ثم قال: من أين وضح الرّاكب؟ فقلت: من رمع فقال: ما بالك على غير سمت؟
فقلت: ما زلت على لقم بهجم أؤم أطراف قوادم الفجر الأشمل، ومنكب الأريب الأيمن حتّى هبطت بالأمس غوطا ملطاطا، حين طفل الأصيل فبتّ حيث طخطخ اللّيل بصري، فلما تهّور اللّيل شبه لي ثائبة رعاء فثاء ذلك عني بعض ما كان يشيزني، ثم ثبت فحله أن قد استثبت فقمت إلى بعيري فغيرت عليه.
ثم ركبت أؤم الأصوات وكأنني في أكساء أهلها، وما يزداد إلّا بعدا فتفزّع عنّي سربال اللّيل، بين نعاف متواصية، فزلت أخبطها سحابة يومي متوسّما تارة ومتعسّفا أخرى، حتى رفع لي هذا السّواد، حين نجهت من نقب، ذلك القف فرمته حتى أضافني إليك هذا الضّوح، فقال: حسبك بواقيه الموقى جنه- ولو كنت ذا خبر تكنه، خطر ما هجمت عليه ما رأيت للنّوم سميرا، فقابل النّعمة بالسّلام بشكرها، فقال: يا بن أخي السّماء غطاء، والأرض وطاء. وأما موطن وراء هذا الضّراء فقد أخذتني منه وحشة، وقلت: يا عمي هل أنت بمخبري عمّا رأيت من عجائب الدّهر في مدة أيامك؟ فقال: نعم أرأيت النّعاف المتقابلات، والغيطان المتواصيات اللّواتي جرعتهن سائر اليوم؟ قلت: نعم. قال: هل أحسست هنالك رسما واضحا، وإثرا ماضحا؟ قلت: لا. قال: والله يا بن أخي لقد عهدت بتلك البيضة الفيحاء مجادل كالشّناخيب، مشرفات المحاريب، يرى الرّاكب شعافها من منزلة ثلاث،
стр. 372
محفوفة بالجحافل الململمة، والكتائب المسوّمة، ينم على أبوابها الأحبوش، وتهز الآل ينم الأسد على الأشبال، وتحوص لربّها الآمال، في الأموال، فتأذى ثات، وماذ وثات الأسد الضّرغام، الأبلح القمقام، الملك الهمام، يخضع لبيته الأذقان، وتذعر لهيبته الجنان، عطاؤه غمر، وأخذه قهر، وسلامه إنعام، ومحاله اصطلام، عمل بذلك سبعين خريفا، وأعين الحوادث عنه مغضية، ثم شصاءه إليه يوم من الدّهر، كدر المعاش، وبدّد شمل الريّاش، ثم اقتعد مطيّ تلك النّعمة، ذو هلاهلة تقمع الأضداد، وغمر الأنداد، وأنشأ المصانع، وبثّ الصّنائع، فغيّر بذلك أربعين حجة وسبعا، لا تروعه حادثة ولا يعتن له عاتنة، ولا تعرض له هاتنة.
ثم كشّرت له عن أنيابها أم اللّميم، فرمته بأقصد سهامها، ورهقهتم بأفظع أيامها فحطّتهم عن وثابه، دون حجابه، ومصارع أبوابه، ولم يمنعه العز الصّم، ولا العدير الدّهم، ثم سحب والله الزّمان على آثارهم ذيول البلاء، وطحنهم بكلاكل الفناء- فأصبحت الآثار بائدة- والعزّة هامدة- وفي ذلك يقول شاعر من غابرهم:
خلق النّاس سوقة وعبيدا ... وخلقنا الملوك والأربابا
كان ذو ثات الهمام ربيعا ... يحسب النّاس سيبه أحسابا
وطىء الأرض بالجنود اقتدارا ... واقتسارا حتّى أذلّ الصّعابا
حوله الصّهب والجعاد يخالو ... ن لدى بابه اللّيوث الغضابا
وتغضّ العيون من دونه الأملا ... ك مايدا وتحنو الرّقابا
فرماني الزّمان منه بيوم ... غادر المعمر الخصيب يبابا
فكأنّ الجموع والعدد الدّهم ... وذاك النّعيم كان ترابا
ثم قال لي: عليك تلك الثّنية فأسند فيها، فإذا فرعتها فمثلت لك الخورمات- على المازم، فتنكّبها ذات اليمين، فهناك الطريق ثم غاب عنّي فلم أره بعد.
[فصل في] تفسير الألفاظ الغريبة
الماء المعين: الظّاهر وينتعان: يقطران. ويقال: (وضح الرّاكب) : وأوضح أي طلع، واللهجم: البين، واللّقم: الطّريق، والأريب: ريح تهب متنكّبة بين الصّبا والجنوب، فإذا هبّت من تحت مطلع سهيل فهي الجنوب الخالصة. وقوله: (قوادم الفجر) : يعني جناحه، والغوط الملطاط: ما اعترض من الأرض في الغائط وحجب ما وراءه، وطفل الأصيل: أي أقبلت في الظّلمة، وطخطخ اللّيل بصري: أي سترت الظّلمة عيني، تهور اللّيل: أدبر، والثّائبة: الزّحر، فثاء: سكن، تشيزني: تقلقني. والإكساء: الماخير الواحد
стр. 373
كسوء، والمتواصية: المتواصلة. نجهت: بدوت، النّقب: الطّريق الضّيق، الضّوح: منعطف الوادي، الأثر الماصح: الدّارس، البيضة الفيحاء: الأرض الملساء، الشّناخيب: أعالي الجبال، الواحد شنخوب. المحاريب: الغرف بلغة حمير وغيرهم، ذوثات: قيل من أقيال حمير دون الملك المتوّج. قوله: وسلامه إنعام، يريد أنّه يسالم منعما لا مضطرا، والمحال: الكيد والعقوبة، يقال: شصا بصره: أي شخص، وشصا برجله: دفعه، والرّياش: الهيئة، وثروة لا يعتن: لا يعترض. الهايثة: الدّاهية وكذلك: أم اللّميم. الوثابة:
السّرير بلغة حمير، الصّم: الشّديد الثابت.
قال الأصمعي: كانت حمير تسمّي الملك إذا لم يغز (موثبان) قال: وكانت ملوك حمير قد رتّبوا المملكة أن يختار الملك ثمانية من أبناء الملوك، يسمّيهم المثامنة يخدمونه فإذا مات الملك انتخب أهل المملكة من المثامنة رجلا إن لم يكن له ابن أو ابن أخ، ثم أخذ من الأقيال رجل يجعلونه بدل ذلك من المثامنة لتمام الثمانية وأخذ من أهل البيت رجل فجعل قيلا. والأقيال: ثمانون رجلا، وأهل البيت أكثر من أن يحصوا، (والخورمات) : ثنايا الجبال، و (المآزم) المضائق.
стр. 374
الباب التّاسع والثلاثون في السّير، والنّعاس، والميح، والاستقاء وورود المياه
قال لبيد شعرا:
ومجود من صبابات الكدى ... عاطف النّمرق صدق المبتذل
قال: هجدنا فقد طال السّرى ... وقدرنا إن خنا العيش غفل
قل ما عرس حتى هجته ... بالتّباشير من الصّبح الأول
يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهوديّ المصل
يتمارى في الذي قلت له ... ولقد يسمع قولي حين هل
(المجود) : أصله الذي قد مطر جودا وجعله عاطف النّمرق لانثنانه في النّعاس وتمايل، ومعنى صدق المبتذل: إذا ابتذل نفسه للعمل كان صلبا، ومعنى (هجدنا) : نومنا يريد أنّ السّير قد امتد واتّصل وأنّهم مالكون لورود المقصد إن سلموا من آفات العيش، وجعله لامسا لحلسه كاليهودي في صلوته لزوال تماسكه، وغلبة التّوابد قوله: (يتمارى) يبين به زوال تحصيله فهو شاك فيما يدركه بسمعه وإن كان مميز الماء يخاطب به أبا حية النّميري:
وأغيد من طول السّرى برحت به ... أفانين مضاء على الأسّ مرجم
سريت به حتّى إذا ما تمزّقت ... توالى الدّجى عن واضح اللّون معلم
أنخنا فلمّا أفرغت في لسانه ... وعينيه كأس السّحر قلت له قم
يودّ بوسطى الخمس منه لو أنّنا ... رحلنا وقلنا في المناخ له نم
حظاء الكره مغلوبا كأنّ لسانه ... بمارد من رجع لسان مرسم
ذكر ابن الأعرابي أنّ عقيل بن علقة خرج في سفر ومعه ابنه عملس وابنته الحرباء فقال شعرا:
قضت وطرا من دير أروى وربّما ... على عجل ناطحته بالجماجم
стр. 375
فقال لابنه: أجز، فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فينة ... تشاوى من الإدلاج ميل العمائم
ثم قال لابنته أجيزي فقالت شعرا:
كأنّ الكرى يسقيهم صر خديه ... عقارا تمشّت في الطّلى والمعاصم
فقال: والله ما وصفتها حتى شربتها وضربه ابنه بسهم فاختلّ ساقه وقال شعرا:
إنّ بني رملوني بالدّم ... من يلق أبطال الرّجال يكلم
وما يكن من صعر يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم
قال ذو الرّمة:
وليل كجلباب العروس أدّرعته ... بأربعة والشّخص في العين واحد
أجم غدافي وأبيض صارم ... وأعسر مهري وأشعث ماجد
أخو ثقة جاب الفلاة بنفسه ... على الهول حتى لوّحته المطارد
وأشعث مثل السّيف قد لاح جسمه ... وحيف المهاري والمهوم الأباعد
سقاه الكرى كأس النّعاس برأسه ... لدين الكرى من آخر اللّيل ساجد
أقمت له صدر المطيّ وما درى ... أجائرة أعناقها أم قواصد؟
ترى النّاشىء الغرّيد يضحى كأنّه ... على الرّجل مما منه السّير عاصد
قوله: (كجلباب العروس) : في التشبيهات الظّريفة لأنّ اللّيل لا يشبه جلباب العروس إلا في سبوغه واتّساعه وقلة فرجه وتمامه ومثله قول الآخر شعرا:
إذا ما الثّريا طلعت في سنائها ... طلاع العروس في ثياب جلاء
تنفّست من علمي بما البين صانع ... وإنّ ردائي ليس لي برداء
وإنما ذكر الثّريا لطلوعها في أطول ما يكون، وحينئذ تطلع في وقت غروب الشّمس وذلك في أوّل الشّتاء، فإذا طلعت طلعت في حمرة الأفق، فشبّهها في تلك الحالة بثياب العروس في حمرتها وسبوغها. قوله: (تنفّست) : أي علمت أنّ الزّمان قد تغيّر عن هيئته، وأنّ الإنسان لا يكتفي من الكسوة بما كان يكتفي به قبل ذلك لتحرك البرد، وأنّ الأحياء تتفرّق فيطلبون المحاضر ويهجرون البوادي ولابن أم صاحب:
وفتية أرّقتهم من مهجع ... والنّوم أحلى عندهم من العسل
لا يطعمون النّوم إلا قللا ... حسوا كحسو الطّير من ماء الوسل
стр. 376
قلت لهم: أصبحتم فارتحلوا ... واللّيل ملق حلسه داني الظّلل
فنهضوا مائلة أعناقهم ... كأنّهم من الكلال والثّمل
شرب تساقوا قرقفا حمصية ... كرّت عليهم عللا بعد نهل
وأنشد أحمد بن يحيى:
إني إذا ما اللّيل كان ليلين ... ولجلج الحادي لسانين اثنين
لم تلفني الثّالث بعد العدلين ... ساد الرّقئين منهم ذو البردين
الرّقئين: المتكابس، وقد يعد من هذا الباب قوله:
إني إذا ما القوم كانوا أنجية ... واضطرب القوم اضطراب الأرثيه
وشدّ فوق بعضهم بالأردية ... هناك أوصيني ولا توصي بيه
وقال آخر:
يقول وقد مالت به نشوة الكرى ... نعاسا ومن يعلق سرى اللّيل يكسل
أنخ نعط أنضاء النّعاس دواؤها ... قليلا ورقة عن قلائص ذبل
فقلت له: كيف الإناخة بعدما ... حدا اللّيل عريان الطّريقة منجل
وقال العجاج وذكر ماء:
كأنّ أرياش الحمام النّسل ... عليه ورقان القران النّصل
فويق طامي مائه المجلل ... جفالة الأجن كحمر الجمل
يريد بالنّسل: السّاقطة، والقران: نبل صيغت صيغة واحدة وجعلها ورقا لأنّها إذا عرضت على النّار تسودّ فتصير ورقا، والنّصل: التي قد نصلت: أي خرجت من مواضعها، والمجلّل: المغطى بالعرمض وهو الطّحلب. قوله: جفالة: انتصب بالمجلّل وجفالة كل شيء ما أخذ منه، وقلع من أعلاه، يريد أنّ الماء قد يبس مثل العباية مما لا يورده، فعلاه مثل الحمر: وهو بقية الألية إذا أذيبت. والجمل: الذين يذيبون الشّحم يقال: جملت الشّحم وأجملته، والجميل الودك المذاب ومثل هذا قوله:
يتجفّل عن جمانه دلو الدّالي ... عانه غشراء من آجن طال
الغشراء: البيضاء إلى الدّسمة، والآجن: المتغيّر والطّالي: الذي عليه طلاوة وهو ما يلبسه. وأنشد في الاستسقاء:
قد علمت إن لم أجد معينا ... لا خلطنّ بالخلوق طينا
стр. 377
يعني امرأته، أي استعملها في الاستسقاء إن لم أجد غيرها. وقال آخر يخاطب الدّلو:
تملئي ثمّ هلّمي حيّ ... إلى سواد نازع مكبّ
يقول: ارتفعي إلى شخص المستقي وهو سواده والنّازع بالدّلو: هو المكبّ وقال آخر:
لترويّن أو لتبيدنّ السّجل ... أو لأروحنّ أصلا لا أشتمل
أي لا أقدر على الاشتمال من إعيائي وضعفي. وقال الآخر:
إن سرّك الريّ أخا تميم ... فاجعل بعبدين ذوي وزيم
بفارسي وأخي الرّوم
الوزيم: القوّة ورجل متوزم: أي شديد الوطء، أي اجعل السّاقين من جنسين مختلفين، لأنهما إذا كانا كذلك لم يفهم أحدهما كلام الآخر وكان أحثّ للعمل لقلّة الإنس بينهما. وأنشد في معناه:
وساقيان سبط وجعد ... وفارطان فارسن وبعد
وأراد وعاد فجعل الفعل بدله. وقال: وأنشده الأصمعي:
إذا بلغت قعرها فانشقّي ... واغترفي من تربها الأدقّ
انشقّي: انفتحي واجر ما فيها. ويقال: بل دعا عليها كأنه قال: انشقّي وحسبي أن بكون حظّك التّراب. وقال وذكر إبلا:
فوردت عذبا نقاحا سمهجا ... فأعجلت شفتها أن تنفجا
نقاح عذب وسمهج: مثله يعني أنّ الإبل جاءت عطاشا، فلم ينتظروا بها أن يبلوا الدّلاء فألقوها كما هي يابسة. قوله وردت: قد تكلّم النّاس فيه من قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[سورة القصص، الآية: ٢٣] الآية ومن قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[سورة مريم، الآية: ٧١] .
فمنهم من يقول: إنّ الورود يقتضي الاختلاط بالمورود ومشافهته والدّخول فيه، بدلالة قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
[سورة مريم، الآية: ٧٣] فكيف ينجّيهم منها وهم لم يأتبسوا بها، فعلى قولهم يجب أن يكون قد حتم على نفسه إيراد الخلق جميعا النّار، ثم ينجّي منها المتّقين ويذر فيها الظّالمين. والحكمة في ذلك أن يشاهد المؤمنون موضع الكفّار، فتكثر لديهم مواقع النّعم ويزدادوا اعتدادا وفرحا بما منحهم الله تعالى، قالوا:
стр. 378
وتصير النّار عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ﵇ في الدّنيا وإن كانت على الكفار عقوبة وعذابا، واستدلّوا على ما قالوا بقوله تعالى: وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ
[سورة مريم، الآية: ٧٢] فإنه لم يقل ويدخل الظّالمين.
وقال بعضهم: إنّ هذا يعني به الكفّار خاصة، واحتجوا بقراءة بعضهم: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[سورة مريم، الآية: ٧١] مسوقا على قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
[سورة مريم، الآية: ٦٩] الآية. ويكون على هذا التأويل وفي هذا المذهب قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
[سورة مريم، الآية: ٧٢] يراد به يخرج المتّقين من جملة من يدخل النّار فكأنّ الخلق على اختلاف طبقاتهم، يردون عرصة القيامة ثم يفترقون فرقا على ما بيّن الله تعالى في غير هذا الموضع.
وقال أهل النظر وكثير من المفسّرين منهم الحسن وابن مسعود وقتادة: ليس الورود من الدّخول في شيء. ألا ترى أنّ الأصل في ذلك قصد المشارع والمناهل وقصدها ليس بالخوض فيها يدل على ذلك قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[سورة القصص، الآية: ٢٣] فالورود البلوغ إلى الماء ثم توسّع فيه فاستعمل في بلوغ كلّ مقصد يقولون: وردنا بلد كذا وكذا.
وقال الخليل: الورد، يوم وقت الورود بين الظماءين، يقولون: وردت الطيّر الماء وردا ووردته أورادا وقال تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
[سورة مريم، الآية: ٨٦] وقالوا: أرنبة واردة وهي المقبلة على السّبلة وقال تعالى: فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ
[سورة يوسف، الآية: ١٩] يراد طالب الماء منهم وبالغه. وقال زهير:
فلمّا وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم
وهذا أصدق شاهد على أنّ الورود ليس بالدّخول، والحجة القاطعة في أنّ المؤمنين وإن حضروا حول جهنّم مع الإنس والجن للحتم المقضي، والوعد من الله الزكي، فإنّهم مبعدون عن النّار قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[سورة الأنبياء، الآية: ١٠١] ونرجع إلى إتمام الباب لأنّ هذا عارض عرض. وقال عجيز السّلولي:
ولي مائح لم يورد الماء قبله ... معلّى وأشطان الطّوى كثير
(المائح) : الذي يصير في البئر فيملأ الدّلو من الماء إذا قلّ الماء. قال:
يا أيّها المائح دلوي دونكا ... إنّي رأيت النّاس يحمدونكا
стр. 379
واستعارة العجز لمن كان يمنحه عند السّلطان ويستخرج له ما عنده ويعينه.
والمعلّي الذي رشاؤه فوق الأرشية. ويقال: هو الذي إذا زاغ الرّشاء عن البكرة علاه فأعاده إليه. وأنشد الأصمعيّ شعرا:
ما ليلة الفقير إلّا شيطان ... مجنونة تودي بروح الإنسان
يدعى بها القوم دعاء الصّمان ... وهنا من الأنفس غير عصيان
الفقير: بئر قليلة الماء ورودها وجعلها شيطانا لما يلقون فيها من التّعب، المعنى أنهم فتروا وضعفوا فكأنّهم صمّ من النّعاس، وإنّما وصف قوم وردوا وسقوا وهنا من الأنفس: أي ضعفا من الأنفس لا عصيانا للرّاعي. ومثله لذي الرّمة:
كأني أنادي مائحا فوق رحلها ... وفي غرفة والدّلو ناء قليبها
وقال الرّاعي:
حتّى وردن أتمّ خمس بايص ... جدرا تعاوره الرّياح وبيلا
سدما إذا التمس الدّلاء نطافه ... صادفن مشرقه المثاب دحولا
البايص: السّابق، والبوص: الفوت والسّبق أي أتم خمس وبعده. والجدر: البئر الجديدة الموضع من الكلأ، والوبيل: الثّقيل غير المريء. سدم: مندفنة، والنطاف: المياه.
والمثاب: هاهنا الموضع الذي يثوب منه الماء، يقال: هذه بئر لها ثائب، والمثاب في غير هذا الموضع قد يكون مقام السّاقي، والدحول: بئر لها إرجاف. وأنشد الأصمعيّ:
أعددت للورد إذا الورد خفز ... عريا حرورا وجلا لا خزخز
وما دحا لا ينثني إذا احتجز ... في كلّ عضو جرذان وخزز
شبّه عضل المائح ولحمه المتفرّق في أعضائه بالجرذان. والخزز: هو ذكر اليرابيع هنا وفي مثله قال أبو النّجم شعرا:
في لحمه بالقرب كالتّزيل ... ينماز عنه دخل عن دخل
أي تنفرج أعضاؤه من ثقل الدّلو وينماز: يصير كل قطعة لحم منه على حدة إذا تمطّى من ثقل الدّلو: يريد أنّ لحمه صار كتلا.
стр. 380
الباب الأربعون في أسواق العرب
قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، في إسناد ذكره أنّ أسواق العرب الكبيرة كانت في الجاهلية ثلاث عشرة «١» سوقا.
فأوّلها قياما: سوق دومة الجندل: وهي على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة، وعلى عشر مراحل من الكوفة، وعلى عشر مراحل من دمشق، حصنها ممرد وبها التقى الحكمان، ثم صحار- ثم دبا- ثم الشّحر- ثم رابية حضرموت- ثم ذو المجاز- ثم نطاة خيبرا، ثم المشقر- ثم حجر باليمامة- ثم منى، ثم عكاظ- ثم عدن- ثم صنعا.
وكانت هذه الأسواق منها ما يقوم في الأشهر الحرم ولا يقوم في غيرها، ومنها ما لا يقوم في الأشهر الحرم، ويقوم في غيرها. لكنّه لا يصل أحد إليها إلا بخفير ولا يرجع إلا بخفير.
دومة الجندل
قال أبو المنذر: كان أوّل هذه الأسواق قياما دومة الجندل: يوافيها العرب من كل أوب، وقيامها أوّل يوم من شهر ربيع الأول إلى النّصف منه، ثم ترق ولا تزال قائمة على رقّتها إلى آخر الشهر- ثم يفترقون منها إلى مثلها من قابل. قال: وكانت كلب وجديلة طيء جيرانها، وكان ملكها بين اكيدر العبادي من السكون وبين قنافة الكلبي، وكان غلبة الملكين عليها أن يتحاجبا فأيّهما غلب صاحبه بما يلقي عليه تركه، والسّوق يفعل بها ما شاء ولم يبع فيها أحد من الشّام ولا أهل العراق إلا بإذنه، ولم يشتر فيها ولم يبع حتى يبيع الملك كلّ
стр. 381
شيء يريد بيعه مع ما كان إليه من مكسها، وكان للكلب فيها قنّ كثير في حوانيت من شعر، وكانوا يكرهون فتياتهم على البغاء، فكانوا أكثر العرب قنا، وكانت مبايعة العرب بها بإلقاء الحجارة، وذلك أنّهم كانوا يجتمع النّفر منهم على السّلعة يساومون بها صاحبها فأيّهم رضي ألقى حجره، وربما اتّفق في السّلعة الرّهط فلا يجدون بدّا من أن يشتركوا وهم كارهون، وربما ألقوا الحجارة جميعا فيوكسون صاحب السّلعة إذا تظاهروا عليه، وكانت قريش تخرج قاصدة إليها من مكّة فإن أخذت على الحزن لم تتخفر بأحد من العرب حتى ترجع، وذلك أنّ مضر عامّتهم لا تتعرّض لتجّار قريش، ولا يهتجمهم حليف مضري، مع تعظيمهم لقريش ومكانهم من البيت.
قال: وكانت مضر تقول: قد قضت عنّا قريش مذمّة ما أورثنا أبونا إسماعيل من الدّين، وكانوا إذا خرجوا من الحزن أو على الحزن، وردوا مياه كلب، وكانت كلب حلفاء بني تميم، فلا يهتجمهم كلب، فإذا سفلوا عن ذلك أخذوا في بني أسد حتى يخرجوا على طيء، فتعطيهم وتدلّهم على ما أرادوا لأنّ طيئا حلفاء بني أسد، فإذا أخذوا طريق العراق تخفّروا ببني عمور مرثد من بني قيس بن ثعلبة فيجيز لهم ذلك ربيعة كلّها.
المشقر
ثم يرتحلون منها إلى المشقر بهجر، فيقوم لهم سوقها أول يوم من جمادى الآخرة إلى آخر الشّهر، يوافي بها أهل فارس يقطعون إليها تبعا لعادتهم ثم يتقشّعون عنها من مثلها إلى مثلها من قابل، وكانت عبد القيس وتميم جيرانها- وكانوا ملوكها من بني تميم، من بني عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوي- وكانت ملوك فارس تستعملهم عليها كما يستعملون بني نصر على الحيرة وبني المستكبر على عمان، وكانوا يصنعون فيها ما يريدون، ويسيرون بسيرة الملوك بدومة في البيع، وكانوا يعشرونها أي يمكسونها، وكان جميع من يأتيها لا يقدر عليها إلا بخفارة من سائر الناس، وكانت أرضا معجبة لا يراها أحد فيصبر عنها، وكانت لا يقدمها لطيمة إلّا تخلّف بها منهم ناس، فمن هناك صارت بهجر من كلّ حيّ من العرب وغيرهم، وكان بيعهم فيه الملامسة- والهمهمة- والإيماء- يومئ بعضهم إلى بعض فيتبايعون ولا يتكلّمون حتى يتراضوا، وإنمّا فعلوا ذلك كيلا يحلف أحدهما على كذب أن يزعم أنه بذل له صاحب السّلعة.
صحار
ثم يرتحلون منها إلى صحار أول يوم من رجب، في غير خفارة فيقدمونها لعشرين يوما تمضي من رجب، فيوافيهم بها من لم يشهد ما قبلها من الأسواق، ومن شغل بحاجة
стр. 382
ولم يكن له إرب فيما يباع في الأسواق التي قبلها، فينشرون من بزّها وبياعاتها أو يبيعون بها خمسا، فكان الجلندي يعشرهم فيها وكان بيعهم فيها بإلقاء الحجارة.
دبا
ثم يرتحلون منها إلى دبا، وكانت إحدى فرص العرب يجتمع بها تجار الهند والسّند- والصّين- وأهل المشرق والمغرب- فيقوم لها سوقها آخر يوم من رجب، فيشترون بها بيوع العرب والبحر، وبيعهم مساومة وكان الجلندي يعشرهم فيها، وكان يصنع في ذلك فعل الملوك في غيرها.
الشّحر
ثم يسيرون بجميع من فيها من تجّار البحر- والبر- إلى الشّحر شحر مهرة فيقوم سوقهم تحت ظل الجبل الذي عليه قبر هود النّبي ﵇ ويبيعونهم بما ينفق بها من الأدم- والبز- وسائر المرافق- ويشترون بها الكندر والمر- والصّبر- والدّخن- ولم يكن بها عشور، لأنّها ليست بأرض مملكة وكان جميع من يختلف إليها من العرب بتجارة يتخفّر ببني يثرب وهي تقلل من مهرة، وكانت سوقهم تقوم للنّصف من شعبان وبيعهم بها بإلقاء الحجارة.
عدن
ثم يرتحلون منها إلى عدن إلّا تجار البحر، فإنه لا يرتحل منهم إلّا من بقي من بيعه شيء ولم يبعه، فيوافي النّاس بعدن من بقي معه من تجار البحر شيء ومن لم يكن شهد الأسواق التي كانت قبلها وكانت تقوم أوّل يوم من شهر رمضان إلى عشر يمضين منه.
ثم ينقشع النّاس منها إلى مثلها من قابل، وكانوا لا يتخفّرون بأحد، لأنّها أرض مملكة وأمر محكم وكانت تعشرهم ملوك حمير- ثم من ملك اليمن من بعدهم.
وآخر من عشّرهم الأبناء من فارس غلبوا على اليمن وكان لا يشتري في أسواقهم ولا يبيع، وكان طيّب الخلق جميعا، بها يعبأ ولم يكن أحد يحسن صنعه من غير العرب، حتى أنّ تجار البحر لترجع بالطّيب المعمول تفخر به في السّند- والهند- وترتحل به تجار البر إلى فارس والروم، وإنّ بالناس على ذلك اليوم ما يحسن اليوم عمله إلا أهل الإسلام بعدن.
صنعاء
ثم يرتحلون إلى صنعاء فيأتونها بالقطن- والزّعفران- والأصباغ- وأشباهها مما ينفق بها، ويشترون بها ما يريدون من البز- والحديد- وغيرهما. وكانت تقوم في النّصف من
стр. 383
شهر رمضان إلى آخره، ثم تنقشع إلى مثلها من السّنة المقبلة وبيعهم بها الجس جس اليد، ولم يكن أحد من أهل هذه الأسواق يريد السّوق الأخرى إلا إذا اشترى رجل من أهل بلده، فإنّه كان يشتري منه كما يتبايعون بتلك البلاد.
ثم رابية حضرموت وعكاظ
ثم يصدر النّاس عنها إلى سوقين. أحدهما: رابية بحضرموت والأخرى عكاظ في أعلى نجد وعكاظ قريب من عرفات.
فأمّا الرابية فلم يكن يصل إليها أحد إلا بخفارة لأنّها لم تكن أرض مملكة وكان من عزّ فيها بزّ صاحبه، فكانت قريش تتخفّر ببني أكل المرار من كندة، وسائر النّاس بآل مسروق بن وائل الحضرمي، فكانت مكرمة لأهل البيتين، وفضل أحدهما على الآخر كفضل قريش على سائر النّاس، فكان يأخذ إليها بعض النّاس وبعضهم إلى عكاظ، وكانتا تقومان بيوم واحد في النّصف من ذي القعدة.
وكانت عكاظ من أعظم أسواق العرب، وكانت قريش تنزلها- وهوازن- وغطفان- وخزاعة- والأحابيش- وهم الحارث بن عبد مناة- وعضل والمصطلق وطوائف من أفناء العرب ينزلونها في النصف من ذي القعدة فلا يبرحون حتى يروا هلال ذي الحجّة. فإذا رأوه انقشعت ولم يكن فيها عشور ولا خفارة، وكانت فيها أشياء ليست في أسواق العرب، كان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسّيف الجيد- والحلّة الحسنة- والمركوب الفاره- فيقف بها وينادي عليه ليأخذه أعزّ العرب، يراد بذلك معرفة الشّريف والسّيد فيأمره بالوفادة عليه ويحسن صلته وجائزته، وكان بيعهم بها السّرار، فإذا وجب البيع وعند التاجر ألف رجل ممن يريد الشّراء ولا يريده فله الشركة في الرّبح.
ذو المجاز ونطاة خيبر وحجر اليمامة
فإذا أهلّوا هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز، وهو قريب من عكاظ وأقاموا بها حتّى يوم التّروية، ويواتيهم حينئذ حجّاج العرب ورؤوسهم ممّن أراد الحج ممن لم يكن شهد الأسواق، وكانت العرب في أشهر الحج على ثلاثة أهواء: منهم من يفعل المنكر وهم المحلّون الذين يحلّون الحرم فيغتالون فيه ويسرقون، ومنهم من يكفّ عن ذلك ويحرّمون الأشهر الحرم، ومنهم أهل هوى شرعه، لهم صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم فإنه أحلّ قتال المحلّين.
قال أبو المنذر عن أبيه وخراش: هذا قول بني تميم، فأمّا الثبت عندنا فهو القملس الكناني وأجداده من قبله وهو الذي نسأ الشّهور- والمحلّون- طيّىء وخثعم وناس من بني
стр. 384
أسد بن خزيمة. وكان أشراف العرب يتوافون بتلك الأسواق مع التّجار من أجل أنّ الملوك كانت ترضخ للأشراف، لكلّ شريف بسهم من الأرباح، فكان شريف كلّ بلد يحضر سوق بلده، إلّا عكاظ فإنّهم كانوا يتوافون بها من كل أوب ولا يوافيها شريف إلّا وعلى وجهه برقع، مخافة أن يؤسر يوما، فيكبر فداؤه، فكان أوّل من كشف القناع طريف العنبري لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرّسون في شمائله، قال: قبح من وطّن نفسه إلا على شرفه، ورمى بالقناع وحسر عن وجهه، قال يذكر قصته وعذره في مخالفة من قبله. شعرا:
أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عرّيفهم يتوسّم
قال أبو المنذر عن أبيه: كان الرّجل إذا خرج من بيته حاجّا أو داجا والدّاج التّاجر في الشّهر الحرام، أهدى وأحرم، ثم قلّد وأشعر، فيكون ذلك أمانا له في المحلين. وكان الدّاج إذا انفرد وخشي على نفسه ولم يجد هديا قلّد نفسه بقلادة من شعر أو وبر، وأشعر نفسه بصوفة، فيأمن بها، وإذا صدر من مكة تقلّد من لحاء شجر الحرام. وكان الدّاج وغيره إذا أمّ البيت وليس له علم بذلك ولا هو في سيماء المحرّم أخذ المحلّون ما معه، وكانت العرب جميعا تنزع أسنّتها في الأشهر الحرم غير المحلّين والذين يقاتلونهم، فإنّهم كانوا يقاتلونهم حتى الأشهر الحرم.
وكانت الخمس تدع عرفات تهاونا بها وإخلالا، وتدع الصّفا والمروة فأنزل الله تعالى:
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[سورة البقرة، الآية: ١٥٨] الآية وأنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
[سورة المائدة، الآية: ٢] الآية. هذا للمسلم:
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
[سورة المائدة، الآية: ٢] فأذن لهم في الصّيد بعد أيّام التّشريق وحرّم عليهم الذي أهلّ لغير الله به مع المنخنقة بالحبل إذا لم تدرك زكاتها، فهي حرام، والموقوذة كانوا يقذون الدّابة العضل من الإبل- والبقر- والغنم- ليرخص لحمها. والمتردّية التي تردى في بئر أو من جبل. والنّطيحة التي تنطحها شاة أخرى فتموت. وما أكل السّبع إلا ما زكّيتم أدركتموه وبه حياة. وما ذبح على النّصب يعني آلهتهم التي كانوا يعبدون من دون الله.
قال أبو المنذر: وتزعم مضر أنّ أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم، يكون ذلك في أفخاذهم الموسم على حدة- وعكاظ على حدة- وكان من اجتمع له ذلك منهم بعد عامر بن الظّرب العدواني- وسعد بن زيد مناة بن تميم- وقد فخر المخبّل بذلك في شعره فقال:
ليالي سعد في عكاظ يسوقها ... له كلّ شرق من عكاظ ومغرب
ثم وليه حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. ثم وليه ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، ثم وليه مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ثم وليه ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، ثم وليه
стр. 385
معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، ثم وليه الأضبط بن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ثم وليه صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم. فكان آخر من اجتمع له الموسم والقضاء بعكاظ. ثم قتل رجل من محارب بعكاظ فادّعى واحد قتله في قوله:
فإن فخرت يوما رجال محارب ... فيا طعنة ما قد طعنت أخا حرّ
فشدّ عليه رجل من محارب بعكاظ فقتله، فقال: بؤباخي حر. وقد ذكر ذلك شعراؤهم ثم وليه سفيان بن مجاشع بن دارم، فمات فافترق الأمر فلم يجتمع القضاء والموسم لأحد منهم حتّى جاء الإسلام، فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، فمات فصار ذلك ميراثا لهم.
وكان آخر من قضى منهم ووصل إلى الإسلام الأقرع بن حابس.
وأجاز بالموسم أحد بني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وكان آخر من أجاز منهم كرب بن صفوان بن حباب بن شجنة بن عطارد بن عوف وهو الذي قام عليه الإسلام.
قال أبو بكر الدّريدي: لم يكن حديث الأسواق في كتاب أبي عبيدة وإنمّا ألحقه أبو حاتم فنقلناه من كتابه.
فلمّا دخلت سنة خمس وثلاثين من عام الفيل وذلك قبل المبعث بخمس سنين حضر السّوق من نراز واليمن- ما لم يروا أنّه حضر مثله في سائر السّنين فباع النّاس ما كان معهم من إبل وبقر ونقد وابتاعوا أمتعة مصر- والشّام- والعراق- وفيمن حضر السّوق عمرو بن شريد السّلمي وابناه معاوية وصخر، وحضر معمر بن الحارث بن الخبيري بن ظبيان بن حن بن حزام بن كثير بن عذرة جد جميل بن عبد الله الشّاعر، فلمّا نظر إلى عمرو صافنه وأمر ولده أن يخدموه، ففعلوا فلمّا تقوّضت السّوق دعا عمرو بن الشّريد ابنيه صخرا ومعاوية فقال لهما: إنّ معمرا قد طوّقني ما لم يطوّقني أحد من العرب، وقد أحببت أن أكافئه، فقالا: افعل ما بدا لك، فدعا بكاتب وصحيفة فكتب: هذا ما منح عمرو بن الشّريد السّلمي معمر بن الحارث بن الخيبري بن ظبيان بن حن بن حزام العذري منحه ماله بالوحيدة من أخلاف يثرب أطلال ذلك ومغانيه- ورسومه- وأعراصه- ودواويه- وزحاليفه- وقريانه- وبرادغه- وقسوره- وعجرمه- وبشامه- وينعه- وتاليه- وحماطه- وشبحه- وأراكه.
وأجزته- وحذاريه- وآكامه- وبرقه- وعلجانه- وكل ما صاء وصمت فيه- وبكت السّماء عليه- وضحكت الأرض عنه- فهو لمعمر دون عمرو، وممنوح به من نيات الصّدر- لا يشوبه كدر الامتنان- ولا أمارات الامتهان- مستنزل من هضاب الجندل وجرثومة ودّ بعيد المحل، لا تخلق الأيام جدته- ولا يركد لمتنسم بارحه ما دام الزّمان- وتوقّد الحران-
стр. 386
وسمر ابنا سمير، وأقام حراء وثبير. وكتب لخمس وثلاثين عاما خلت من عام الفيل. ثم بعث بالكتاب مع طرف من طرائف اليمن وعدد إلى معمر. قال الأصمعي: فهي باقية إلى الآن يفض على ولده دخلها وذلك في أيام الرّشيد رحمه الله تعالى.
وقال ابن كناسة: إذا غابت الثّريا مع غيوب الشّمس لم ترها أربعين يوما وذلك أفولها، قال: وأهل الشّام يطلعونها لخمس وعشرين من غير أن تطلع أو يروها، فيقيمون أسواقهم فتقوم سوق (دير أيوب) وهي أول أسواقهم المذكورة، فإذا انقضت اعتدوا سبعين يوما.
ثم تقوم سوق (بصرى) قال فأدركتها تقوم خمسا وعشرين ليلة، وأخبرت أنّها كانت تقوم بولاية بني أمية ثلاثين إلى أربعين ليلة، فإذا انقضت اعتدوا سبعين ليلة.
ثم تقوم سوق (أذرعات) وهي اليوم أطولها قياما، وربما لقيت النّاس صادرين منها وأنا وارد. ثم أصدر قبل أن تقلع، يقال: قلعت السّوق خفيفة.
قال: وزاد بعضهم في الأسواق (المجنة) وهو قريب من ذي المجاز والأسقى خلف حضرموت.
قال أبو المنذر: كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته وفعاله وعدّ مآثره، وأيّام قومه من عام إلى عام، فيما أخذت العرب أيّامها وفخرها وكانت المنابر قديمة يقول فيها حسّان ﵁ شعرا:
أولاء بنو ماء السّماء توارثوا ... دمشق بملك كابرا بعد كابر
يؤمّون ملك الشّام حتى تمكّنوا ... ملوكا بأرض الشّام فوق المنابر
وكانوا إذا غدر الرّجل، أو جنى جناية عظيمة انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ، فيقوم رجل يخطب بذلك الغدر فيقول: ألا إنّ فلان ابن فلان غدر فاعرفوا وجهه، ولا تصاهروه، ولا تجالسوه، ولا تسمعوا منه قولا فإن أعتب وإلّا جعل له مثل مثاله في رمح، فنصب بعكاظ فلعن ورجم وهو قول الشّماخ شعرا:
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين
وإنّ عامر بن جوين بن عبد الرّضى رفعت له كندة راية غدر في صنيعه بامرئ القيس بن حجر في وجهه إلى قيصر، ورفعت له فزارة راية وفاء في صنيعه بمنظور ابن سيار، حيث اقحمته السّنة فصار بماله وإبله وأهله إلى الجبلين، فأجاره ووفى وصار النّاس بين حامد له، وذام فذهبت مثلا.
стр. 387
الباب الحادي والأربعون في ذكر مواقيت الضّراب والنّتاج، وأحوال الفحول في الإلقاح والغرور
وما يتسبب من جميع ذلك، حالا بعد حال بقدرة الله وإرادته.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ
[سورة النّور، الآية: ٤٥] الآية. وقال تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[سورة الزّمر، الآية: ٦] ودخل تحت قوله تعالى: كُلَّ دَابَّةٍ
أصناف ما خلقه الله تعالى وسيفصّل إن شاء الله تعالى.
قال ابن كناسة: إذا أنزي على الشّاة عند إطلاع نجم من النّجوم بالغداة جدت حين ينوء، والنّخلة مثل الشّاة سواء. وقال الغنوي: وقت إرسال الفحول في الإبل حين يسقط الذّراع اليسرى، على أيّ حال من جدب أو حياء، فأمّا إذا كان الحياء فإنهم يرسلون الفحول قبل ذلك لسمن المال فهذا هو الوقت الأوسط للضّراب، وكذلك الوقت الأوسط العام للنّتاج، لأن الميقات في حمل النّاقة سنة.
وقال أبو عبيدة: سمعت الأصمعي يقول في نتاج الإبل قال: أجود الأوقات عند العرب فيه أن تترك النّاقة بعد نتاجها سنة لا يحمل عليها الفحل ثم تضرب إن أرادت الفحل، ويقال لها عند ذلك: قد ضبعت. فإذا أورم حياؤها من الضّبعة قيل: أبلمت. فإذا اشتدّت ضبعتها قيل: قد هرمت. فإذا ضربها قيل قعا عليها وقاع والعيس الضّراب. فإذا ضرب الفحل الإبل كلّها قيل: أقمها إقماما، فإن كلّ عليها سنتين متواليتين فذاك الكشاف.
والبسر: أن يضربها على غير ضبعة، واليعارة: أن يعارضها الفحل فتحمل. قال الرّاعي:
قلائص لا يلحقن إلّا يعارة ... عراضا ولا يشرين إلّا غواليا
قال: ومن الإبل جرر يزيد على ذلك، فإذا أتت النّاقة على مضربها وهو الوقت الذي لقحت فيه لقد أتت على حقها ولدت أو أدرجت.
стр. 388
وقال ابن كناسة: أقلّ النّتاج بالبادية مع طلوع الهرارين، وهو نتاج سيىء الغذاء لشدّة البرد وقلة اللّبن والعشب.
وقال الغنويّ: إذا تصوّب المرزم وهو الذّراع قبل سقوطه أرسلت الفحول في النّعم فضربت خيار الإبل ومتعطّراتها، وهي التي تحسن للفحل بنقيها وحسن حالها، وهذا نحو قول أبي يحيى في طلوع الهرارين، لأنّ طلوعهما مع سقوط الدّبران.
وإذا سقط الدّبران: فالمرزم منصوب لأنّ بينه وبين الأفق نجمين، وهما الهقعة والهنعة، وقول السّاجع إذا طلع القلب: هرّ الشّتاء كالكلب- ولم تمكن الفحل إلّا ذات شرب- شاهد لما قالاه.
ألا ترى أنّه جعله وقتا لأوّل الضّراب فكذلك يكون وقتا لأوّل النّتاج وإذا كانت الأنثى مخصبة حسنة الحال أسرعت الضّبعة واحتملت الضّراب فيقدم الفحل في إلقاحها، وإذا كانت هزيلة لم تضبع ولم تمكن الفحل إلّا أخيرا والوقت الذي ذكره الغنوي من سقوط المرزم هو وقت يتحرّك فيه النّبت لذلك قيل: إذا طلعت البلدة- حممت الجعدة، وزعلت كل تلدة، وقيل للبرد: اهده. وزعل التلدة نشاطها يعني تلاد المال.
وقال الغنوي: فإذا سقطت النثرة استحق ضراب الإبل، وعفصت الفحول في النّعم، فإذا سقطت الجبهة أقمت الفحول النّعم. و (الإقمام) أن تلقح جميع النوق. فإذا سقطت الصّرفة: جفرت الفحول كلّها إلّا القليل إذا الفضل على الفحول في الهباب والقوّة، والهباب: شدّة الهيج.
قال ابن كناسة: وأفضل النّتاج الرّبعي ولا يزال ما نتج فيه قويّا حسن الحال إلى سقوط الصّرفة، وهي آخر نجوم الرّبيع، ثم ينتجون في أوّل الصّيف إلى سقوط الغفر وذلك صالح.
ويقال للذي ينتج بعد سقوط الغفر إلى أن يمضي الخريف يقال له: هبع، ويكون ضعيفا لذلك سمّي هبعا لأنّ الفصال الرّبعية أكبر منه وقد قويت فهو لا يلحقها إذا مشت لأنها أذرع منها فهبع في مشيه. والهبع والهبعان شبيه بالإرقال. وإذا نتجت الإبل تركت بواهل على أولادها إلى أن تبرك، فإذا بركت وأعتمت وذهبت فحمة العشاء حلبت، فتلك حلبة العتمة وتكون للحي.
ثم لا تزال بواهل على أولادها حتى يحضروا المياه، فإذا حضروا حلبت كلّ يوم عند الظّهر، ثم لا تزال بواهل، ثم لا تصر، ثم تعنق بين الصّلاتين الظّهر والعصر فترضعها، ثم تصر وذلك الفواق حتى تحلب تلك السّاعة من الغد وربما قالوا: ثلث بها وذلك أن تيصروا ثلاثة أخلاف ويدعوا للفصيل خلفا واحدا يرضعه وربما تركوها ترضع أمهاتها من أول
стр. 389
النّهار، ثم تصرّ وإنما فعلت هذه الأشياء بالفصال حيث حضروا لأنّها أعانت على نفسها وتناولت الشّجر، فلا يزال للفصيل في أمه حظ حتّى يطلع سهيل. فإذا طلع سهيل خلّلت، وهو أن يدخل عود في أنفه، فإذا أراد أن يرضع نخس الخلال ما دنا منه فأوجعه فتزيفه، وربما أجروه، وهو أن يشقّ لسانه فلا يقدر أن يمصّ خلف أمّه فإذا فطمت أولادها واشتدّ البرد حلبت الضّرعين غدوة وعشية.
والكفاتان: وقد يفتح الكاف منه: أن يكون للرجل إبل يراوح بينها هذه تنتج وتحمل هذه.
والمخاض: إذا طلع سهيل مال وقال: إذا طلع سهيل أخذ أحدهم بأذن الفصيل ثم استقبل به مطلع سهيل يريه إيّاه يحلف أنّه لا يرضع بعد يومه قطرة، ويفصله من أمّه، وقد وصف أبو النّجم ما ذكرناه فقال: يذكر عيرا رعت الرّطب إلى أن تخرم وقته:
كان رعي الأنواء في تبكيرها ... دلوبها الأوّل من ظهيرها
حتى إذا ما طار من خبيرها ... وبانت العيدان من عصيرها
ولجت القروم في نذورها ... واصفرت الأعجاز من جفورها
بعد الثّرى الملبّد من خطيرها ... واختارت الماء على هديرها
واعلم أنّ الرّطب لما تصرّم وحاجت الأرض لجت الفحول في الغدور وتركت الخطران والتّهدار، وطلبت الورود. وقوله: بعد الثّرى الملبّد من خطيرها مثل قول ذي الرّمة:
وقربن بالزّرق الحمائل بعدما ... ثقوب عن غربان أوراكها الخطر
وإنما يصف نساء أقمن في مربع ما أقمن ثم قربن الفحول ليرتحلن عليها إلى المحاضر، وذلك أنّها لمّا جفرت استغني عن ضرابها. وثقوب الخطر تقلع ما لصق بأعجازها من أبوالها في أيام هبابها لأنّها كانت تبول في أذنابها، ثم تخطر بها فتضرب أوراكها فتلبد. قال: وقد وقتوا وقتا آخر للضّراب وهو إدبار الحرّ وإقبال البرد من آخر الخريف، وذلك قبل الوسمي يشهد بذلك قول الرّاجز ينعت إبلا شعرا:
مدالق الورد مكيثات الصّدر ... عنابل الخلق نجيبات الخير
جوف لهنّ بجر فوق بجر ... حتى إذا شال سهيل بسحر
كعشوة القابس يرمي بشرر ... أرسل فيها مقرما غير قفر
أصهب ذيالا غلافي الوبر ... ففئن تعسّرن بأذناب عسر
فجعل الزّمان الذي يرى فيه سهيل سحرا شايلا مرتفعا وقتا لإرسال الفحول في النّعم،
стр. 390
وأدنى ذلك أن يكون الطّالع بالغداة الصّرفة، وذلك لانصراف الحر وانصرام القيظ، وآخر الخريف وقبل الوسمي. وقال ذو الرّمة يصف فحلا، قال شعرا:
إذا شمّ أنف البرد ألحق بطنه ... مراس الأوابي وامتحان الكواتم
أنف البرد: أوّله فأخبر أنّ هذا الفحل في الوقت الذي ذكره متعب بطروقته يمارس أوابيها، وهي التي لا تمكن من الضّراب، وبامتحان كواتمها، وهي التي يظن أنها قد لقحت وليست بلاقح، فيسرها ليعلم حقيقة اللقح، وذلك أنّ النّاقة ربما تلقّحت وليست بلاقح، وتلقحها أن تشول بذنبها وتوزّع ببولها وتستكبر، ويقال: لا يمكن شيء من الحيوان الأنثى منها إذا كانت حاملا الفحل ولا يطلبها الفحل إذا حملت، وذلك أنه يجيئها ويتشممها، فيعرف أحامل هي أم لا فيولّي عنها، فلا هي تمكّنه ولا الفحل يطلبها، وذلك في الإبل والخيل والحمير والبقر والشّاة، قال الشّماخ.
شج بالرّيق إذ حرمت عليه ... حصان الفرج واسقة الجنين
قال: يقول شجى هذا الحمار بريقه حيث لا يقدر أن يضربها لمّا حملت واسقة يقول:
اتّسق يعني اجتمع جنينها في رحمها. والاتساق: الاستدارة والاجتماع، وفي التنزيل:
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
[سورة القمر، الآية: ١٨] . وقال شعرا:
إنّ لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا
وقال أعشى عكل:
حتّى إذا لقحت وآخر حولها ... وضع الغيار وأحرز الأرحاما
أي لمّا وجدها حولا ترك الغيرة وأحرز أرحامها، ويقال لها في أوّل ما تضرب أيضا:
هي في منيتها، وذلك ما لم يعلموا أبها حمل أم لا، فمنية البكر عشر ليال، ومنية العقبنى وهو البطن الثاني خمس عشرة، وهي منتهى الأيام. وقول ذي الرّمة: إذا شمّ أنف البرد يريد أنّ النّاقة تتلقح له وليست بلاقح، فقد أنضبه ذلك حتّى ألحق بطنه بظهره فجعل ذلك في إقبال البرد.
وقال الكلابي: إذا طلع سهيل من آخر القيظ ثم لأوّل ما لقح من المخاض عشرة أشهر فسمّيت العشار، وانقطع عنها ذكر المخاض. وقول السّاجع: طلع سهيل. وبرد اللّيل، وللفصيل الويل. ويروى: ولأم الفصيل الويل. والفصل بين الرّوايتين أنّه إذا جعل الويل للأم فلأنّ الفصال إذا فطمت في هذا الوقت أسرع إلى ضعافها الفساد، فكثرت موتاها، وكذلك قيل: إذا طلعت الجبهة تحانت الولهة، وطلوع الجبهة مع طلوع سهيل. وإذا جعل
следующие страницы →