← Адаб

Адаб · id 11469

الأزمنة والأمكنة

المرزوقي

Полный текст (562 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وسمر ابنا سمير، وأقام حراء وثبير. وكتب لخمس وثلاثين عاما خلت من عام الفيل. ثم بعث بالكتاب مع طرف من طرائف اليمن وعدد إلى معمر. قال الأصمعي: فهي باقية إلى الآن يفض على ولده دخلها وذلك في أيام الرّشيد رحمه الله تعالى. وقال ابن كناسة: إذا غابت الثّريا مع غيوب الشّمس لم ترها أربعين يوما وذلك أفولها، قال: وأهل الشّام يطلعونها لخمس وعشرين من غير أن تطلع أو يروها، فيقيمون أسواقهم فتقوم سوق (دير أيوب) وهي أول أسواقهم المذكورة، فإذا انقضت اعتدوا سبعين يوما. ثم تقوم سوق (بصرى) قال فأدركتها تقوم خمسا وعشرين ليلة، وأخبرت أنّها كانت تقوم بولاية بني أمية ثلاثين إلى أربعين ليلة، فإذا انقضت اعتدوا سبعين ليلة. ثم تقوم سوق (أذرعات) وهي اليوم أطولها قياما، وربما لقيت النّاس صادرين منها وأنا وارد. ثم أصدر قبل أن تقلع، يقال: قلعت السّوق خفيفة. قال: وزاد بعضهم في الأسواق (المجنة) وهو قريب من ذي المجاز والأسقى خلف حضرموت. قال أبو المنذر: كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته وفعاله وعدّ مآثره، وأيّام قومه من عام إلى عام، فيما أخذت العرب أيّامها وفخرها وكانت المنابر قديمة يقول فيها حسّان ﵁ شعرا: أولاء بنو ماء السّماء توارثوا ... دمشق بملك كابرا بعد كابر يؤمّون ملك الشّام حتى تمكّنوا ... ملوكا بأرض الشّام فوق المنابر وكانوا إذا غدر الرّجل، أو جنى جناية عظيمة انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ، فيقوم رجل يخطب بذلك الغدر فيقول: ألا إنّ فلان ابن فلان غدر فاعرفوا وجهه، ولا تصاهروه، ولا تجالسوه، ولا تسمعوا منه قولا فإن أعتب وإلّا جعل له مثل مثاله في رمح، فنصب بعكاظ فلعن ورجم وهو قول الشّماخ شعرا: ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين وإنّ عامر بن جوين بن عبد الرّضى رفعت له كندة راية غدر في صنيعه بامرئ القيس بن حجر في وجهه إلى قيصر، ورفعت له فزارة راية وفاء في صنيعه بمنظور ابن سيار، حيث اقحمته السّنة فصار بماله وإبله وأهله إلى الجبلين، فأجاره ووفى وصار النّاس بين حامد له، وذام فذهبت مثلا.

стр. 387

الباب الحادي والأربعون في ذكر مواقيت الضّراب والنّتاج، وأحوال الفحول في الإلقاح والغرور وما يتسبب من جميع ذلك، حالا بعد حال بقدرة الله وإرادته. قال الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [سورة النّور، الآية: ٤٥] الآية. وقال تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [سورة الزّمر، الآية: ٦] ودخل تحت قوله تعالى: كُلَّ دَابَّةٍ أصناف ما خلقه الله تعالى وسيفصّل إن شاء الله تعالى. قال ابن كناسة: إذا أنزي على الشّاة عند إطلاع نجم من النّجوم بالغداة جدت حين ينوء، والنّخلة مثل الشّاة سواء. وقال الغنوي: وقت إرسال الفحول في الإبل حين يسقط الذّراع اليسرى، على أيّ حال من جدب أو حياء، فأمّا إذا كان الحياء فإنهم يرسلون الفحول قبل ذلك لسمن المال فهذا هو الوقت الأوسط للضّراب، وكذلك الوقت الأوسط العام للنّتاج، لأن الميقات في حمل النّاقة سنة. وقال أبو عبيدة: سمعت الأصمعي يقول في نتاج الإبل قال: أجود الأوقات عند العرب فيه أن تترك النّاقة بعد نتاجها سنة لا يحمل عليها الفحل ثم تضرب إن أرادت الفحل، ويقال لها عند ذلك: قد ضبعت. فإذا أورم حياؤها من الضّبعة قيل: أبلمت. فإذا اشتدّت ضبعتها قيل: قد هرمت. فإذا ضربها قيل قعا عليها وقاع والعيس الضّراب. فإذا ضرب الفحل الإبل كلّها قيل: أقمها إقماما، فإن كلّ عليها سنتين متواليتين فذاك الكشاف. والبسر: أن يضربها على غير ضبعة، واليعارة: أن يعارضها الفحل فتحمل. قال الرّاعي: قلائص لا يلحقن إلّا يعارة ... عراضا ولا يشرين إلّا غواليا قال: ومن الإبل جرر يزيد على ذلك، فإذا أتت النّاقة على مضربها وهو الوقت الذي لقحت فيه لقد أتت على حقها ولدت أو أدرجت.

стр. 388

وقال ابن كناسة: أقلّ النّتاج بالبادية مع طلوع الهرارين، وهو نتاج سيىء الغذاء لشدّة البرد وقلة اللّبن والعشب. وقال الغنويّ: إذا تصوّب المرزم وهو الذّراع قبل سقوطه أرسلت الفحول في النّعم فضربت خيار الإبل ومتعطّراتها، وهي التي تحسن للفحل بنقيها وحسن حالها، وهذا نحو قول أبي يحيى في طلوع الهرارين، لأنّ طلوعهما مع سقوط الدّبران. وإذا سقط الدّبران: فالمرزم منصوب لأنّ بينه وبين الأفق نجمين، وهما الهقعة والهنعة، وقول السّاجع إذا طلع القلب: هرّ الشّتاء كالكلب- ولم تمكن الفحل إلّا ذات شرب- شاهد لما قالاه. ألا ترى أنّه جعله وقتا لأوّل الضّراب فكذلك يكون وقتا لأوّل النّتاج وإذا كانت الأنثى مخصبة حسنة الحال أسرعت الضّبعة واحتملت الضّراب فيقدم الفحل في إلقاحها، وإذا كانت هزيلة لم تضبع ولم تمكن الفحل إلّا أخيرا والوقت الذي ذكره الغنوي من سقوط المرزم هو وقت يتحرّك فيه النّبت لذلك قيل: إذا طلعت البلدة- حممت الجعدة، وزعلت كل تلدة، وقيل للبرد: اهده. وزعل التلدة نشاطها يعني تلاد المال. وقال الغنوي: فإذا سقطت النثرة استحق ضراب الإبل، وعفصت الفحول في النّعم، فإذا سقطت الجبهة أقمت الفحول النّعم. و (الإقمام) أن تلقح جميع النوق. فإذا سقطت الصّرفة: جفرت الفحول كلّها إلّا القليل إذا الفضل على الفحول في الهباب والقوّة، والهباب: شدّة الهيج. قال ابن كناسة: وأفضل النّتاج الرّبعي ولا يزال ما نتج فيه قويّا حسن الحال إلى سقوط الصّرفة، وهي آخر نجوم الرّبيع، ثم ينتجون في أوّل الصّيف إلى سقوط الغفر وذلك صالح. ويقال للذي ينتج بعد سقوط الغفر إلى أن يمضي الخريف يقال له: هبع، ويكون ضعيفا لذلك سمّي هبعا لأنّ الفصال الرّبعية أكبر منه وقد قويت فهو لا يلحقها إذا مشت لأنها أذرع منها فهبع في مشيه. والهبع والهبعان شبيه بالإرقال. وإذا نتجت الإبل تركت بواهل على أولادها إلى أن تبرك، فإذا بركت وأعتمت وذهبت فحمة العشاء حلبت، فتلك حلبة العتمة وتكون للحي. ثم لا تزال بواهل على أولادها حتى يحضروا المياه، فإذا حضروا حلبت كلّ يوم عند الظّهر، ثم لا تزال بواهل، ثم لا تصر، ثم تعنق بين الصّلاتين الظّهر والعصر فترضعها، ثم تصر وذلك الفواق حتى تحلب تلك السّاعة من الغد وربما قالوا: ثلث بها وذلك أن تيصروا ثلاثة أخلاف ويدعوا للفصيل خلفا واحدا يرضعه وربما تركوها ترضع أمهاتها من أول

стр. 389

النّهار، ثم تصرّ وإنما فعلت هذه الأشياء بالفصال حيث حضروا لأنّها أعانت على نفسها وتناولت الشّجر، فلا يزال للفصيل في أمه حظ حتّى يطلع سهيل. فإذا طلع سهيل خلّلت، وهو أن يدخل عود في أنفه، فإذا أراد أن يرضع نخس الخلال ما دنا منه فأوجعه فتزيفه، وربما أجروه، وهو أن يشقّ لسانه فلا يقدر أن يمصّ خلف أمّه فإذا فطمت أولادها واشتدّ البرد حلبت الضّرعين غدوة وعشية. والكفاتان: وقد يفتح الكاف منه: أن يكون للرجل إبل يراوح بينها هذه تنتج وتحمل هذه. والمخاض: إذا طلع سهيل مال وقال: إذا طلع سهيل أخذ أحدهم بأذن الفصيل ثم استقبل به مطلع سهيل يريه إيّاه يحلف أنّه لا يرضع بعد يومه قطرة، ويفصله من أمّه، وقد وصف أبو النّجم ما ذكرناه فقال: يذكر عيرا رعت الرّطب إلى أن تخرم وقته: كان رعي الأنواء في تبكيرها ... دلوبها الأوّل من ظهيرها حتى إذا ما طار من خبيرها ... وبانت العيدان من عصيرها ولجت القروم في نذورها ... واصفرت الأعجاز من جفورها بعد الثّرى الملبّد من خطيرها ... واختارت الماء على هديرها واعلم أنّ الرّطب لما تصرّم وحاجت الأرض لجت الفحول في الغدور وتركت الخطران والتّهدار، وطلبت الورود. وقوله: بعد الثّرى الملبّد من خطيرها مثل قول ذي الرّمة: وقربن بالزّرق الحمائل بعدما ... ثقوب عن غربان أوراكها الخطر وإنما يصف نساء أقمن في مربع ما أقمن ثم قربن الفحول ليرتحلن عليها إلى المحاضر، وذلك أنّها لمّا جفرت استغني عن ضرابها. وثقوب الخطر تقلع ما لصق بأعجازها من أبوالها في أيام هبابها لأنّها كانت تبول في أذنابها، ثم تخطر بها فتضرب أوراكها فتلبد. قال: وقد وقتوا وقتا آخر للضّراب وهو إدبار الحرّ وإقبال البرد من آخر الخريف، وذلك قبل الوسمي يشهد بذلك قول الرّاجز ينعت إبلا شعرا: مدالق الورد مكيثات الصّدر ... عنابل الخلق نجيبات الخير جوف لهنّ بجر فوق بجر ... حتى إذا شال سهيل بسحر كعشوة القابس يرمي بشرر ... أرسل فيها مقرما غير قفر أصهب ذيالا غلافي الوبر ... ففئن تعسّرن بأذناب عسر فجعل الزّمان الذي يرى فيه سهيل سحرا شايلا مرتفعا وقتا لإرسال الفحول في النّعم،

стр. 390

وأدنى ذلك أن يكون الطّالع بالغداة الصّرفة، وذلك لانصراف الحر وانصرام القيظ، وآخر الخريف وقبل الوسمي. وقال ذو الرّمة يصف فحلا، قال شعرا: إذا شمّ أنف البرد ألحق بطنه ... مراس الأوابي وامتحان الكواتم أنف البرد: أوّله فأخبر أنّ هذا الفحل في الوقت الذي ذكره متعب بطروقته يمارس أوابيها، وهي التي لا تمكن من الضّراب، وبامتحان كواتمها، وهي التي يظن أنها قد لقحت وليست بلاقح، فيسرها ليعلم حقيقة اللقح، وذلك أنّ النّاقة ربما تلقّحت وليست بلاقح، وتلقحها أن تشول بذنبها وتوزّع ببولها وتستكبر، ويقال: لا يمكن شيء من الحيوان الأنثى منها إذا كانت حاملا الفحل ولا يطلبها الفحل إذا حملت، وذلك أنه يجيئها ويتشممها، فيعرف أحامل هي أم لا فيولّي عنها، فلا هي تمكّنه ولا الفحل يطلبها، وذلك في الإبل والخيل والحمير والبقر والشّاة، قال الشّماخ. شج بالرّيق إذ حرمت عليه ... حصان الفرج واسقة الجنين قال: يقول شجى هذا الحمار بريقه حيث لا يقدر أن يضربها لمّا حملت واسقة يقول: اتّسق يعني اجتمع جنينها في رحمها. والاتساق: الاستدارة والاجتماع، وفي التنزيل: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [سورة القمر، الآية: ١٨] . وقال شعرا: إنّ لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا وقال أعشى عكل: حتّى إذا لقحت وآخر حولها ... وضع الغيار وأحرز الأرحاما أي لمّا وجدها حولا ترك الغيرة وأحرز أرحامها، ويقال لها في أوّل ما تضرب أيضا: هي في منيتها، وذلك ما لم يعلموا أبها حمل أم لا، فمنية البكر عشر ليال، ومنية العقبنى وهو البطن الثاني خمس عشرة، وهي منتهى الأيام. وقول ذي الرّمة: إذا شمّ أنف البرد يريد أنّ النّاقة تتلقح له وليست بلاقح، فقد أنضبه ذلك حتّى ألحق بطنه بظهره فجعل ذلك في إقبال البرد. وقال الكلابي: إذا طلع سهيل من آخر القيظ ثم لأوّل ما لقح من المخاض عشرة أشهر فسمّيت العشار، وانقطع عنها ذكر المخاض. وقول السّاجع: طلع سهيل. وبرد اللّيل، وللفصيل الويل. ويروى: ولأم الفصيل الويل. والفصل بين الرّوايتين أنّه إذا جعل الويل للأم فلأنّ الفصال إذا فطمت في هذا الوقت أسرع إلى ضعافها الفساد، فكثرت موتاها، وكذلك قيل: إذا طلعت الجبهة تحانت الولهة، وطلوع الجبهة مع طلوع سهيل. وإذا جعل

стр. 391

الويل للفصيل فذكر الأم كما يقال للإنسان: لأمك الويل، وإنّما يراد به هو، وكما قيل هوت أمّه وفي القرآن: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [سورة القارعة، الآية: ٩] . وإنّما يعم الفصال في هذا الوقت بالفطام، لأنّ الأجواف تبرد فيه، وتكثر الأفياء والظّلال، ويطيب الوقت، فتقوى على الفطام. قال ويقال: امرأة نفساء وشاة ربّي، وفرس عايذ وأتان فريش: وهو أيام نتاجها، قال والعرب تقول: أحسن ما تكون المرأة غبّ نفاسها- وغبّ نباتها- وغبّ السّماء- وغبّ النّوم- وأحسن ما تكون الفرس والناقة غبّ نتاجها. وحكى ابن الأعرابي قال: قالت هند بنت الحسن بن حابس الإياديّة لأبيها: يا أبت مخضت الفلانية النّاقة لأبيها. قال وما علمك؟ قالت: المصلاراج- والطّرق لاج. وتمشي وتفاج- قال: أمخضت يا بنية فاعقلي، قال فلم تصبح في مبركها. فقال أبوها لها: ما أراك إلا وقد ضيّعت، قالت: أما أنا والله فقد رأيت عقدتي واجتهدت، منتي ونقضت عذرتي. قال: استوثقت إذا قال، ويقال: قالت شددتها شدّا اهتزّت منه عذرتي، وانقضت منه أزرتي. قال: حرّكت يد ناقتك؟ فقضوها فوجدوها تفحص في مثبرها. راج يرتج: لاج يلج في سرعة الطّرف. تفاج: تباعد ما بين رجليها، مثبرها: منتجها. وحكى ابن الأعرابي عن بعضهم: أيّهم أحبّ إليك من الإبل: المعشار أم المشكار أم المغبار؟ قال: فالمعشار: التي تغزر أيام تنتج، والمشكار: التي تغزر في أوّل الرّبيع صيفتها ثم ينقطع، والمغبار: الباقية الغبر التي تدوم على محلبها وهي الرّفود المكود، والمجالح التي تقضم عيدان الشّجر اليابس في الشّتاء، فيبقى لبنها لذلك. وحكي أيضا ناقة مقراع مضباع مسناع مرباع. قال: والمقراع: التي تلقح لأوّل قرعة والمضباع: التي تعجل ضبعتها، والمنساع: السّنية العظمة القدر، والمرباع: التي تلقح في أوّل الربيع وهي خيار الإبل. وأنشد: (طب بإظهار المرابيع الشّور) يصف فحلا بأنّه عالم بأحوال النّوق والشّور: جمع شورة يقال: ناقة شورة: إذا كانت خيارا وناقة شيار: إذا كانت سمينة، وأنشد ابن الأعرابي لغيره شعرا: قامت تريك لقاحا بعد سابعة ... والعين ساجية والقلب مستور كأنما بصلاها وهي عاقدة ... كور خمار على غدراء معجور البكر من الإبل يسمّى بعد أربع عشرة وإحدى وعشرين. والمسنّة: بعد سبعة أيام، والاستماء: أن يأتيها صاحبها فيضرب بيده على صلاها وينقر بها فإن اكتارت بذنبها، وعقدت رأسها، وجمعت بين قطريها رأسها وذنبها، علم أنّها لاقح، وقوله مستور: إذا لقحت ذهب نشاطها.

стр. 392

ويقال: مسيت النّاقة إذا سطوت عليها وهو إدخال اليد في الرّحم، والمسي: استخراج الولد، والمسط: أن تدخل اليد في رحمها فتستخرج وثرها وهو ماء الفحل يجتمع في رحمها ثم لا يلقح منه، يقال: قد وثرها الفحل يثرها وثرا إذا أكثر ضرابها فلم تلقح. فأما قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [سورة النّور، الآية: ٤٥] وما تضمّنه من تنويع الخلق فقد قيل فيه: إنّ ما مشى على رجلين فركبتاه في رجليه مثل الإنسان والنّعام والطّير كلّها، وما كان من الخلق كلّه يمشي على أربع فركبتاه في يديه خلافا لما يمشي على رجلين مثل الإبل والبقر والخيل والحمير، وما كان في الرّجلين فهو عراقيب ولا يقال ركب. وكلّ حيوان مصمت لا شقّ في قوائمها مثل الخيل وذواتها فليس لها أكراش، ولا تجتر ويكون لها أعفاج. الواحد: عفج وإنّما تجتر ما كان لها كرش، وهو من ذوات الأربع من الذّوات التي في قوائمها خف كالإبل والبقر والغنم فهي ذوات الأكراش وتجتر. وما كان من الخلق له أذنان ناتئتان فغرموله «١» ناتئ ظاهر وكذلك مذاكيره ظاهرة بيّنة ترى. فما كان كذلك تلد ولادة مثل الإبل- والخيل والسّباع- والفأر- والخفاش- فإن أذنيه ناتئتان وغرموله ناتئ- وهو يلد وإن كان من الطّير. وما كانت أذناه ممسوحتين لا تظهران فكذلك ذكره لا يظهر وهو يبيض مثل الطّير كلّها والحيات- والسّمك- وجوارح الطّير. وأمّا من كان من الطّير يغر فراخه أي يزفّها فليس يزيد على فرخين لعظم مؤونته على أبويه مثل الحمام الأهلي- والطّوراني- والورشان- والفواخت- والقمارى- والدّياسى- وما أشبهه. وما كان يطعم إطعاما، ولا يغر غرّا فهو أخفّ مؤونة على أبويه إذا كانا إنما يطعمانه إطعاما فهو يفرخ الثلاثة- والأربعة- إلى السّبعة- مثل البازي- والعقاب- والصّقر- والهدهد- والغراب- والسّوداني- والبلبل والفتير- والعقعق والعصفور فلخفّة مؤونته زاد على الاثنين، وما كان لا يغر، ويطعم فهو أخف مؤونة من هذين وهو يلتقط التقاطا، ويفرخ العشرة والعشرين وأقل وأكثر لخفة مؤونته، لأنه يأكل بنفسه مثل الدّجاج- والنّعام والقبج- فهو يلتقط التقاطا ليس له مؤونة على أبويه وهذا القدر في التّنبيه على آثار صنعته كاف في هذا الموضع سبحان ربّنا من خبير.

стр. 393

الباب الثّاني والأربعون فيما روي من أسجاع العرب عند تجدّد الأنواء- والفصول- وتفسيرها وهو فصلان: فصل [في أن العرب أحفظ الأمم لما أدّت إليه تجاربهم من أحوال الزّمان وتعاقب الشهور والأيام واختلاف الفصول والأعوام] اعلم أنّ العرب أحفظ الأمم لما أدّت إليه تجاربهم من أحوال الزّمان- وتعاقب الشهور والأيام- واختلاف الفصول والأعوام- بما يتجدّد فيها من الأحداث- ويتغيّر من تدبير المعاش- فهم على اختلاف ديارهم- وتباين أوطانهم وتفاوت هممهم- يراعون من هبوب الرّياح- وطلوع الكواكب- وتبدّل الأوقات- ما لا يراعيه غيرهم من سكان المدر- والوبر- وقطان البدو- والحضر- وليس ذلك مستحدثا فيهم. وإنما هو عادة منهم يتوارثونه الخلف عن السّلف- والغابر عن الماضي- ومقياسهم طول الدّربة- ودوام التفقّد- فلهم اعتبار في كلّ ما يتجدّد في الجو من طلوع كوكب أو أفوله- وهبوب بارح- أو سكون يؤدّيهم إلى ما يبنون عليه أمرهم في مقامهم وظعنهم ومزالفهم، ومحاضرهم ويعتمدونه في مكاسبهم- ومعايشهم- ومناتجهم- وملاقحهم- وسائر متصرفاتهم- من غزو- واستباحة- وانتجاع وملازمة- استغنوا به عن نظر أصحاب الحساب. وتوغلّهم من لطائف البحث والاستقصاء، فهم أتباع ما اعتادوا من البرق إذا لمع، والغيث إذا أصاب ووقع، والحر إذا أقبل وأدبر، والبرد إذا خفّ واشتدّ، لا يغفلون ولا يضيعون، فسبحان من جعل لكلّ أمة خصائص صاروا لها بمنجاة من الشرّ، وعوائد أصبحوا فيها على شفا الخير، وقد سجع حكماؤهم أسجاعا أبانوا بها فوائد يحبهم، أنا ذاكر ما يحضرني مفسرا. قال أبو حنيفة: وجدتهم بدءوا بالثّريا وإن كان الشّرطان قبلها في نسق المنازل، ولم أجد العلّة في ذلك إلّا تعطل الأنواء وانصرام الرّطب، وهجوم الحر وقوة البوارح، فجعلوا الشّغل بما هم فيه، وطلوع الثّريا هو أمارة قوة الحر عند الجميع لا اختلاف فيه، فقال

стр. 394

فقيههم: إذا طلع النّجم- ويراد به الثّريا تقي اللّحم- وخيف السّقم- وجرى السّراب على الأكم. وقيل أيضا: إذا طلع النّجم جعلت الهواجر تحتد، والعانات تكتدم، وقيل: طلع النّجم غديه، وابتغى الرّاعي شكيه، وحكى الكلابي طلع النّجم غديا وابتغى الرّاعي شقيا، يجوز أن يكون شقوى لغة في شكوى، ويكون الشكوى بمعنى الشكوة، وقيل أيضا: طلع النّجم عشاء، وابتغى الرّاعي كساء، وقيل أيضا: إذا الثّريا طلعت عشاء قبع الرّاعي الغنم كساء. وحكى أبو زياد: إذا أمسى النّجم يقبل فشهر فتى وشهر جمل. وقيل أيضا: إذا أمسى النّجم يدبر- فشهر نتاج وشهر مطر، وإذا أمسى الثّريا قم رأس. فليلة فتى وليلة فاس- ومما يحفظ من كلام لقمان بن عاد: إذا أمست الثّريا قم رأس ففي الدّثار فاحنس، وعظاماها فاحدس وأنهس بليل وأنهس، وإن سئلت فاعبس ومما سير فيها قوله: إذا ما قارن القمر الثّريا ... بخامسة فقد ذهب الشّتاء وحكى النّضر في صدر هذا الباب: أضاءت ذكاء- وانتشر الدّعاء- وإذا طلعت العقرب، وهي أول بروج الشّتاء- جمس المذنب ومات الجندب وفرفر الأشيب. إذا طلع الدّبران توقّدت الحزان، وهي ظواهر صلبة من الأرض ليست بجبال، ويبست الغدران واستعرت النّيران، واستنعرت الذيان- ورمت بأنفسها حيث شاءت الصّبيان. وإذا طلعت الهقعة تقوّض النّاس للقلعة ورجعوا إلى النّجعة وأورست الفقعة وأرذقنها المنعة. وإذا طلعت الجوزاء توقّدت المغراء وأوفى على عوده الحرباء، وكنست الظّباء، وعرقت العلباء وطاب الخباء. ويروى انتصب العود في الحرباء، وإنّما ذكرت الجوزاء مع الهقعة لأنّها رأسها. وإذا طلعت الذّراع حسرت الشّمس القناع، وأشعلت في الأفق الشّعاع، وترقرق السّراب بكلّ قاع. وإذا طلعت الشّعرى نشف الثّرى، وأجن الصّرى، وجعل صاحب النخل يرى. وقال بعضهم: إنما ذكر الشّعرى مع الذّراع لأنّها أحد كوكبيها وقيل: إذا طلعت الشّعرى سقرا، ولم تر مطرا، فلا تغدونّ إمرة ولا أمرا. وأرسل العراضات ببغيتك في الأرض معمرا. وإذا طلعت النّثرة قنأت البسرة، وجنى النخل بكرة، وأدّت المواشي حجره ولم تترك في ذات درّ قطرة.

стр. 395

وإذا طلعت الصّرفة بكرت الخرفة وكثرت الطّرفة، وهانت للضيف الكلفة. وإذا طلعت الجبهة تحانت الولهة، وتنازت السّفهة، وقلّت في الأرض الرّفهة، وقيل أيضا: وإذا طلعت الجبهة تزيّنت النّخلة ... وإذا طلعت النّثرة تشفّحت البسرة. وإذا طلعت العذرة فعكة بكرة على أهل البصرة، وليست بعمان بسرة، ولا لأكاريها بذرة، وإنما ذكرت العذرة هاهنا لأنّها تطلع مع الطّرف أو قريبا منه. وإذا طلعت الصّرفة احتال كلّ ذي حرفة وجفر كلّ ذي نطفة، وامتيز عن المياه زلفة. وإذا طلع سهيل خيف السّيل، وبرد اللّيل، وامتنع القيل، ولام الحوار الويل، (القيل) يريد القائلة يقال: قال يقيل قيلا وقايلة ومقيلا وقيلولة. (وقيل أيضا) : إذا طلع سهيل طاب الثّرى وحار اللّيل، وكان للفصيل الويل، ووضع كيل، ورفع كيل. قال بعضهم: ذكر سهيل لأنّ طلوعه مع طلوع الجهة قال: وأهل البادية يعظّمون الفصال عند طلوع سهيل، وقيل: إذا طلعت الصّرفة احتال كلّ ذي حرفة، وقيل: احتال كلّ ذي جرفة، وجفر كلّ ذي نطفة، وامتزّ عن المياه زلفة. وإذا طلع العوّاء ضربت الخباء وطاب الهواء وكره العراء وشنن السّقاء. وإذا طلع السّماك ذهب الحرّ والعكاك، واستفاهت الأحناك، وقلّ على الماء العراك. وإذا طلع الغفر اقشعرّ السّفر، وتزيّل النّضر وحس في العين الجمر. وإذا طلع الزّبانى أحدثت لكلّ ذي عيال شبانا، ولكلّ ماشية هوانا وقالوا: كان وكانا. وبردت الثنايا فاجمع لأهلك ولا تتوانى. وإذا طلع الإكليل، حاجت الفحول، وشمّرت الدّيول تخوّفت السّول. وإذا طلع القلب، جاء الشّتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في كرب ولم تمكن الفحل إلّا ذات ثرب. وإذا طلعت الشّولة أعجلت البولة، واشتدّت على العيال العولة، وقيل: شقوة وزولة. وإذا طلع الهراران هزلت السّمان واشتدّ الزّمان ووحوح الولدان. و (الهراران) : قلب العقرب والنّسر الواقع وهما يطلعان معا. وإذا طلعت النّعايم توسّقت البهائم، وقيل أيضا: إذا طلع النّعام، كثر الغمام وذلك ليل التّمام، وقيل أيضا: إذا طلعت النّعايم ابيضّت البهائم من الصّقيع الدّايم، وأيقظ البرد

стр. 396

كلّ نايم. وروي خلص البرد إلى كلّ نايم، وتلاقت الرّعاء بالنّمايم. وإذا طلعت البلدة حممت الجعدة وأكلت القشدة وزعلت كل ثلدة وقيل للبرد اهده، والقشدة والقلدة والخلاصة: ما يسلأ به السّمن. وإذا طلع سعد الذّابح حمى أهله النّاتج، ونفع أهله الرّائح، وتصبح السّارح وظهر في الحي الأنافح. وإذا طلع سعد بلع اقتحم الرّبع ولحق الهبع وصيد المرع وصار في الأرض بقع أو لمع وقيل تشكّى كلّ ربع. وإذا طلع سعد السّعود: مضر العود، ولانت الجلود، وكره النّاس في الشّمس القعود. وإذا طلع سعد الأخبية: ذهبت الأسقية، ونزلت الأحوية، وتحاورت الآنية، وقيل إذا طلع السّعد كثر الثعد. وإذا طلع الدّلو ينيت الجزو، وانسلّ العفو، وطلب اللهو الحلو، وقيل أيضا: إذا طلع الدّلو فهو الرّبيع والبدو. والقيظ بعد الشّتو وكان فيه كل نوء أي مطر. وإذا طلعت السّمكة: أمكنت الحركة وتعلّقت الحسكة ونصبت الشّبكة وطاب الزّمان للنّسكة. وإذا طلع الشّرطان استوى الزّمان وحضرت الأعطان وتوافت الأسنان وتهادت الجيران وبات الفقير بكلّ مكان، وألقيت الأوتاد في الأبطان وقيل أيضا: إذا طلع الشّرطان ألقت الإبل أوبارها في الأعطان. وإذا طلع البطين اقتضى الدّين وامتيز بالعين واقتفى العطار والقين. ومن هذا قول الشاعر شعرا: فإن كنت قينا فاعترف بنسيه ... وإن كنت عطّارا فأنت المخيّب أفينا تسوم السّاهرية بعدما ... بدا لك من شهر المليساء كوكب المليساء: تصغير الملساء، والسّاهرية: جنس من الطّيب، والاقتفاء: الكرامة وقيل أيضا: إذا طلع البطين تزينت الأرض بكل زين. وقيل: إذا طلعت الهنعة تحمل النّاس للقلعة. وإذا طلع الذّراع: هرأت السّناسن والكراع، وهرأت: نضجت من قولهم: لحم مهراء. والسّناسن فقار الظّهر والواحد سنسن.

стр. 397

وإذا طلعت النّثرة التقط البلح بكره، وإذا طلع الطّرف شقح الطّرف. وإذا طلعت الجبهة تزيّنت البنهه، وهو ضرب من النّخل. وإذا طلعت الخرأتان: طابت أم الجرذان لضرب من التّمر. وحكى ابن الأعرابي: إذا طلع سهيل أخذ أحدهم بإذن الفصيل، ثم استقبل به مطلع سهيل، يريه إيّاه ثم يحلف أنّه لا يرضع بعد يومه ذلك قطرة ويفصله من أمّه. وقيل: إذا طلع سعد الذّابح- انحجرت الضّوابح- ولم تهرّ النّوابح- من الشّتاء البارح. وقيل: طلع الحوت- وخرج النّاس من البيوت- وقيل: طلعت الأشراط، ونقصت الأنباط. تفسير ما فيه إشكال من ألفاظ هذه الأسجاع: الاحتدام: الذّكاء ويقال: احتدم الرجل: إذا تلظّى غضبا. والحطم: الكسر. والشّكوة: السّقاء الصغير من مسك السّخلة قبل أن يقرم. وقرمه: أكله الشجر، والقبل: أصله النّشر من الأرض يستقبلك. وقال أبو زياد: إذا أمسى النّجم مقابلك من المطلع على قدر رمح أو رمحين قال: والدّبران تراه قد انصبّ عن وسط السّماء حين تبدو النّجوم قم الرأس، بأن تكبد السماء حتى إن سقط لسقط على رأس القائم، وقوله: (عظاماها) يريد عظمي إبله وغنمه والمراد به الجنس. والحدس: الصرع يقال: حدس بناقته فوجأها في سبلتها: إذا أناخها فوجأها في نحرها. وحكي عن بعضهم حدس لهم بمطفئة الرّضف، إذا ذبح لهم شاة يطفئ الرّضف من سمنها. والرّصف: الحجارة المحماة. واستفار: الذّبان شدّة أذاها ومعرتها. والإيراس: الاصفرار. وأردفتها: جاءت بعدها يقال ردفته وأردفته وإذا جعلته خلفك فليس إلّا أردفته. وقال يزيد بن القحيف الكلابي: يقول الرجل للرجل يلقاه: هل لك علم برفقة بني فلان؟ فيقول: نعم ها هي ذه مردفتنا أي وراءنا. ويقول: حسرت الشّمس القناع، وهو مثل، والمعنى أنها لم تدع غاية في الذكو. ويقال للشّمس إذا اشتدّ حرّها ولم يحل من دون شعاعها شيء: انصلعت ويوم أصلع: أي حام وأنشد: يا قردة خشيت على أظفارها ... حرّ الظهيرة تحت يوم أصلع

стр. 398

والخرفة: ما لقط من الرّطب وخرفت فلانا وأخرف لنا أي اجتنى. وتشقيح البسرة أن تحمر: يقال شقح بسر وأشقح إذا تلوّن بحمرة. قال الأصمعيّ: الأمر والقميد الصّغير من أولاد الضّأن، قال أبو عمر وهو السّائمة كلّها. والعراضات: الإبل العراض واحدتها عراضة، لأنّ آثار أخفافها في الأرض عراض. والولهة: جمع والهة وهي ما بقي في المداوس من التّبن بعد تنقيته من الحب. ومن أمثالهم: هو أغنى عن ذلك من التّفه عن الرّفه. والتّفه عناق الأرض وهو لا يقتات التّبن لأنّه سبع. وأم جرذان: نخلة بالحجاز يتأخّر إدراكها. قال الأصمعي: هو المشان بالعراق، والجفور: الانتهاء من الضّراب والامتياز التنحي. واستفاهة الاحناك: شهوة الطعام، يقال: رجل فيه للجيد الأكل، واللّكاك: التّدافع والتّزاحم، والنّضر: الخضر من كل نابتة، والوحوحة: حكاية صوت الولدان من البرد، والزّولة: المنكرة. وقوله قرب الأشيب أوقر الأشيب يعني الثّلج والجليد، وابيضاض البهائم من السّقيط الواقع على ظهورها. قال شعرا: وأصبح مبيضّ الصّقيع كأنّه ... على سروات النّيب قطن مندف والتّوسف: التّقشر. قال: وأوقدت الشّعرى مع اللّيل نارها ... وأمست محولا جلدها يتوسّف وتحميم الجعدة: أن تراها قد همّت باطلاع كما تحمّم وجه الغلام إذا همّ بالبقول. وقوله: كل تلدة فهو من التّلاد والزّعل والنّشاط، و (البلدة) : من التّلبيد، و (اقتحام الرّباع) إسراعه في عدو لأنّه قوي، و (المرعة) طائر سمين طويل العنق يملأ كفيّ الإنسان، وأكثر ما يرى في الخضرة والعشب. وأنشد: له مرغ يخرجن من تحت ودقة ... مع الماء جون ريشها يتصبّب ويقال: هو أحرص شيء على الطّيران في المطر، وهي خضراء، أشربت صفرة، و (الثّعد) : العشب و (الغض) : الرّطب. ومن الأسجاع: كلأ ثعد ماد يشبع منه الناب، وهي تعدو، و (الماد) : النّاعم و (الحواء) قطعة من بيوت الأعراب. و (الحسكة) : ثمرة السّعدان وهي بقلة تتسطع على الأرض إذا نبتت، و (الأنباط) : المياه المظهرة نحو الآبار. و (القني) : ما أنبطته فهو نبط وفي المثل: لتجدنّ نبطه قريبا، و (الجزء) الاجتزاء بالرّطب عن الماء، وإنما قيل: (هيب) : لأنّه يخاف انقطاعه و (العفو) ولد الحمار، يقال: نسل وأنسل بمعنى إذا ألقى وبره.

стр. 399

فصل [في أن الفصل اسم قد جرى في كلام العرب وجاءت به أشعارهم] واعلم أنّ الفصل اسم قد جرى في كلام العرب وجاءت به أشعارهم قال يصف حميرا شعرا: نظائر حون يعتلجن بروضة ... بفصل الرّبيع إذ تولّت ضبائبه وسمّي فصلا لانفصال الحرّ من البرد، وانقلاب الزّمن عن الزّمن الذي قبله. ويقال للفصول: الفصيّات، الواحدة فصيّة وهي الخروج من حرّ إلى برد ومن برد إلى حر، والفصيّة تصلح في كل أوقات السّنة متى خرجت من أذى إلى رخاء، فتلك فصيّة، ولا يستعمل الفصل إلا في حينه. فأمّا الأصمعي فإنّه قال: الفصيّة: أن تخرج من برد إلى حر، وأفصى القوم وهم مفصون ويقال: لو أفصينا لخرجت معك.

стр. 400

الباب الثالث والأربعون في ذكر العيافة والقيافة والكهانة وهو ثلاثة فصول فصل [في حكاية قصة ترتبط بالعيافة] حكى ابن الأعرابي قال: أضلّ رجل ذودا له وأمة، فخرج في طلبها فمر برجل من بني أسد يحلب ناقة فسأله هل أحسست من ذود فيه أمة سوداء؟ فقال: لا ولكن ادن مني أحلب لك فتشرب ثم أدلّك على ذودك وأمتك فدنا فحلب له فسقاه، ثم قال له: ما سمعت حين خرجت من أهلك قال: نباح الكلب- وثغاء الشّاء- ورغاء البعير- قال نواة تنهاك. قال ثم رأيت ماذا؟ قال: ثم عرض لي الذّئب فقال: كسوب ذو حيلة، قال ثم رأيت ماذا؟ قال: عرضت لي النّعامة، قال: ذات ريش واسمها حسن، هل تركت في أهلك مريضا يعاد؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى أهلك فإنّ ذودك وأمتك في أهلك فرجع، فوجد ذلك كما قال. قال: وإنّما قال هل في بيتك مريض يعاد من قوله شعرا: صعل يعوذ بذي العشيرة بيضة ... كالعبد ذي الفرو الطّويل الأصلم فصل [في حكاية قصة ترتبط بالقيافة] وقال هشام الكلبي: حدّثني أبي عن أبي الذّيال بن نغر عن الطّرماح بن حكيم الشاعر، قال: خرج خمسة نفر من طيء من ذوي الحجى والرأي (منهم برج) بن مسهر وهو أحد المعمرين و (أنيف بن حارثة بن لام) و (عبد الله بن) سعد بن الحشرج أبو حاتم طيء و (عارق) الشّاعر و (مرة بن عبد رضا) يريدون سواد بن قارب الدّوسي وكان كاهنا ليمتحنوا علمه، فلمّا قربوا من السّراة قال ليخبّئ كل واحد منكم خبيئا، ولا يخبر به صاحبه، لنسأله عنه، فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه وأحللنا عنه، وأحللناه محله، فخبأ كلّ واحد منهم خبيئا.

стр. 401

ثم صاروا إليه فأهدوا له طرفا من طرف الحيرة وإبلا فضرب عليهم قبة ونحر لهم، فلما مضت ثلاث دعاهم فدخلوا عليه فتكلّم برج وكان أسنّهم فقال له: جادك السّحاب- وأمرع لك الحباب- وضفت عليك النّعم الرّغاب- نحن أولو الآكال- والحدائق- والأغيال- والنّعم الجفال- ونحن أصهار الأملاك وفرسان العراك- يورّي عنه أنّه من بكر بن وائل. فقال سواد والسّماء والأرض- والغمر- والبرض- والقرض- والفرض- إنّكم لأهل الهضاب الشمّ- والنّخل العم- والصّخور الصمّ- من أجاء العيطاء- وسلمى ذات المرقبة السّطعاء- فقالوا: إنا لكذاك، وقد خبّأ كلّ رجل منّا خبيئا لتخبر الرّجل باسمه وخبيئه. فقال لبرج: أقسم بالضّياء والحلك- والنّجوم- والفلك- والشّروق والدلّك في أسنخة الفلك لقد خبأت برثن فرخ- في إعليط مرخ- تحت أسرة الشّرخ. قال: ما أخطأت شيئا، فمن أنا؟ قال: أنت برج بن مسهر عصرة المعور وثمال المحجر. ثم قام أنيف بن حارثة فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ فقال سواد- والسّحاب والتّراب- والأسباب- والأحداب والنّعم الكتاب- ويروى الكباب- لقد خبّأت قطامة فسيط، وقذّة مريط، في مدرة من مدى مطيط فقال: ما أخطأت شيئا فمن أنا؟ فقال: أنت أنيف- قاري الضّيف- ومعمل السّيف- وخالط الشّتاء بالصّيف. ثم قام عبد الله بن سعد فقال: ما خبيئي ومن أنا؟ فقال سواد أقسم بالسّوام العارب والوقير الكارب- والمجد الرّاكب- والمشيح الجادب- لقد خبّأت نغاثة فنن- في قطيع قد مرن- من أديم قد جرن- فقال: ما أخطأت حرفا فمن أنا؟ قال: سعد النّوال- عطاؤك سجال- وشرّك عضال- وعمدك طوال- وبيتك لا ينال. ثم قام عارق فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ قال سواد أقسم بنقف اللّوح- والماء المسفوح- والفضاء المندوح- لقد خبّأت زمعة طلى أعفر- في زعنفة أديم أحمر- تحت حلس نضؤ أدبر- قال ما أخطأت شيئا فمن أنا؟ قال: أنت عارق ذو اللّسان العضب- والقلب النّدب- مضاء الغرب- مناع السّرب- مبيح النّهب. ثم قام مرّة بن عبد رضا قال: ما خبيئي وما اسمي؟ قال سواد: أقسم بالأرض والسّماء- والبروج والأنواء- والظّلمة والضّياء- لقد خبّأت دمة- في زمة شيط لمة- قال: ما أخطأت حرفا فمن أنا؟ قال: أنت مرة السّريع الكره- البطيء الغرة الشّديد المرة- القليل الغرة. قالوا فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك، فقال سوادا: أقسم بالنّاظر من حيث لا يرى- والسّامع من قبل أن يناجي- والعالم بما لا يدري- لقد عفت لكم عقاب عجزاء- على

стр. 402

شناغيب دوحة جرداء- تحمل جذلاء- فتماريتم إمّا يدا وإمّا رجلا، قالوا: كذلك كان ثم مه قال: سنح لكم قبل ترجّل الشّروق ... سيدا مق على ماء طروق قالوا: ثم ماذا؟ قال: ثم تيس أفرق- فسند في إبرق- فرماه الغلام الأزرق- فأصاب بين الواهلة والمرفق- قالوا: صدقت وأنت أعلم من تحمل الأرض ثم انصرفوا فقال عارق شعرا: ألا لله علم لا يجارى ... إلى الغايات في جنبي سواد أتيناه نسائله امتحانا ... ونحسب أن سيبعل بالعناد نسائل عن خفي مخبئات ... فأضحى سرّها للنّاس باد حسام لا يليق ولا تثاثا ... عن القصد الميمّم والسّداد كأنّ خبيئنا لمّا انتخبنا ... بعينيه يصرّح أو ينادي فأقسم بالعشائر حيث قيس ... ومن نسل الأقيصر باللّباد لقد جزت الكهانة عن سطيح ... وشق وكم فل من الإياد تفسير ما يشكل منه، (النّعم) : الرّغاب هي الكثيرة منه (وأولو الآكال) : يريد القطائع وكانت ملوك الحيرة تقطع بكر بن وائل ولم يكن ذلك لغيرهم. و (الأغيال) : جمع الغيل: وهو الماء الجاري وبطن الوادي. وقوله: (نحن أصهار الأملاك) : يريد بنت عمرو بن الحارث الملك الكندي أم أناس منهم وهم أصهار ملوك لخم أم عمرو بن امرئ القيس الذي كان يقال له: ابن ماء السماء- وابن ماء المزن. و (الغمر) : الماء الكثير، و (البرض) : الماء القليل و (النّخل العم) : الطّوال، و (العيطاء) : الطّويلة، و (السّطعاء) : الطّويلة العنق، و (أجاء وسلمى) : جبلان. (الحلك) : الظلمة، (الدّلك) : السّواد، (البرثن) الإصبع، و (الشّرخ) : من الرّجل بمنزلة القربوس من السّرج، و (الإعليط) : وعاء تمر. (المرخ) : مثل وعاء الباقلي، و (المرخ) : شجر، و (العصرة) : الملجاء و (المعور) : الذي قد ظهرت عورته، و (الثمال) : العصمة و (المحجر) : الذي قد احجرته السّنة. و (الأصباب) : جمع الصبب وهو المنحدر من الأرض، و (الأحدب) : جمع حدب وهو المرتفع من الأرض، (الكتاب) : المجتمع- والكباب الكثير، و (القطامة) : ما قطعته بأسنانك، و (الفسيط) : قلامة الظفر، و (المريط) : سهم تمرط ريشه، و (المدى) : ما سال من الحوض من الماء، و (المطيط) : الخاثر بما بقي في الحوض من الماء، و (الوقير) : القطيع من الغنم برعائه، و (العازب) : البعيد في المرعى، و (القارب) : القريب، و (الجادب) : العائب، و (النغاثة) : ما ترميه من السّواك، و (النّفنف) : الهواء بين السّماء والأرض، و (جرن

стр. 403

ومرن) : بمعنى لان، و (اللّوح) : الهواء، و (العفرة) : حمرة أشربت غبرة، و (الزعانف) : أطراف الأدم، و (الحلس) : البرذعة والكساء، و (النضو) : الذي أنضاه السّفر، و (الأدبر والحرب والسّرب) : المال الرّاعية، و (النّدب) : الخفيف، و (الدّمة) : النّملة الصّغيرة، و (الرّمة) : العظم البالي، و (المشيط) : ما سقط من الشّعر عند المشط، وإذا كانت الرّيشة البيضاء ظاهرته فالعقاب عجزاء. وإذا بطنت فهي كسعاء. و (الجذل) : العضو بكماله، و (الشّناغيب) : أطراف الغصون العلى، و (الأمق) : الطّويل، و (الراملة) : رأس العضد الأعلى، و (الأبرق) : حجارة اختلط بها طين، و (البعل) : والبقر الدهش ويقال تثأثأ الرجل عن المكاره، إذا زال، و (اللّباد) : موضع. ومما رواه محمد بن إسحاق قال: ذكر وقع باليمن من الحبشة فيما بلغني عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممن يروي الأحاديث ويرغب في جمعها يحدث بعضهم عن بعض الحديث، وبعضهم يحدّث بعضا كل ذلك قد اجتمع فيما أذكره، أنّ ملكا من لخم كان باليمن فيما بين التّبابعة «١» من حمير يقال له ربيعة بن نصر، وكان قبل ملكه باليمن ملك تبّع الأول ثم كان بعد تبع شمر بن عش بن ياسر بن ينعم الذي غزا الصّين وبنى سمرقند- وحير الحيرة وهو الذي يقول: أنا شمر أبو كرب اليماني ... جلبت الجند من يمن وشام لناتي أعبدا مردوا علينا ... وراء الصّين في غيم ويام وإنّ الملك ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته، فبعث إلى الخيرة من أهل أرضه والكهان والسحار والعراف «٢» والمنجمين ثم جمعهم فقال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا أفزعتني وهالتني فأخبروني بها، فقالوا: أقصصها علينا نخبرك بتأويلها، فقال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عنها أنّه لا يصيب تأويلها إلا الذي يخبرني بها قبل أن أخبره، فلما قال لهم ذلك، قال رجل من القوم: إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق، فهما يخبرانه عما رأى من ذلك وهما أعلم من بقي، وكان سطيح رجلا من غسّان يقال له: سطيح الذئبي نسب إلى ذئب بن عدي بن مازن بن غسان وكان شق رجلا من قسر بن عبقر بن أنمار، وكانا كاهني اليمن في ذلك الزّمان وإليهما انتهت الكهانة، فأرسل الملك ربيعة بن نصر إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فدخل عليه فقال له الملك: يا سطيح إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها حين رأيتها وإنّك إن تصبها قبل أن أخبرك عنها أصبت تأويلها.

стр. 404

قال: رأيت حممة خرجت من ظلمة- فوقعت تهمة- وفي رواية فوقعت بين روضة وأكمة. فقال الملك: ما أخطأت من رؤياي وسمه، فما عندك في تأويلها يا سطيح؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من حنش- لتنزلّن أرضكم الحبش- وليملكنّ ما بين أبين إلى جرش. قال له الملك: وأبيك يا سطيح إنّ هذا لنا لغائظ وموجع فمتى هو كائن يا سطيح؟ أفي زمني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين- أكثر من ستين أو سبعين- يمضين من السّنين. ثم يقتلون فيها أجمعين- أو يخرجون منها هاربين. فقال له الملك: ومن الذي يقتلهم، ويلي ذلك من إخراجهم؟ قال الذي يليه ابن ذي يزن- يخرج عليهم من عدن- فلا يترك أحدا منهم باليمن. قال الملك: أيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال سطيح: بل ينقطع. قال ومن يقطعه؟ قال: نبي مكي يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: ومن هذا النّبي يا سطيح؟ قال: رجل من دار غالب بن فهر بن مالك بن النّضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال له الملك: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الأوّلون والآخرون- يشقى فيه المسيئون- ويسعد فيه المحسنون. قال له: أحقّ ما تقول يا سطيح؟ قال له: نعم والشّفق والغسق والقمر إذا اتّسق إنّ ما نبّأتك لحقّ. فلما فرغ من مسألته خرج من عنده وقدم عليه شق فقال له الملك مثل ما قال لسطيح، فقص عليه الرؤيا على ما قصّها سطيح، فقال الملك: ما تأويلها يا شق؟ قال: أحلف بما بين الحرّتين ليغلبنّ على أرضكم السّودان وليملكنّ كلّ طفلة البنان- ولينزلنّ ما بين أبين إلى نجران- قال الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال بل بعده بزمان- ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، فيذيقهم أشدّ الهوان. قال له الملك: ومن هذا العظيم الشّان يا شق؟ قال: غلام ليس يدني ولا مدن- يخرج من بيت ذي يزن- قال: فهل يدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل- يأتي بالحق والعدل- بين أهل الدّين والفضل- يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل- قال له الملك: وما يوم الفصل يا شق؟ قال: يوم يجزي فيه الولاة ويدعى فيه من السّماء دعوات، يسمع فيه الأحياء والأموات، ويجمع النّاس فيه للميقات، فيكون فيه لمن اتّقى الفوز والخيرات. قال له الملك: أحقّ ما تقول يا شق؟ قال: إي وربّ السّماء والأرض- وما بينهما من رفع وخفض- إنّ ما نبأتك به لحقّ ما فيه من أمض- فلمّا فرغ من مسألتهما وقع في نفسه أنّ ما ذكرا له كائن من أمر السّودان فجهّز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك الفرس يقال له سابور بن خرزاد فأنزل الحيرة. وفي غير هذا أنّه قال للمنجّمين والكهنة لمّا سألوه أن يقصّ عليهم رؤياه أنّها انسلخت منّي فقالوا: ما عندنا علم المنسلخ ولكنّا ندلّك على من يعلم.

стр. 405

قال الدّال على الفعل كفاعله فأرسل مثلا فقالوا: أرسل إلى سطيح الغسّاني فإنّه يخبرك، فدعا سطيحا فأتي به محمولا ولم يكن له عظم كان مستلقيا دهره يفتي النّاس يأتيه رئي من الجن بأخبار السماء، وما يحدث في الأرض ولم تكن الشّياطين ممنوعة من الاستراق إذ ذاك، وإنما رجمت بالنّجوم وحجبت بعد مولد النبيّ ﷺ ، فالمسترق للسّمع الآن يرمى بنجم فيصيبه ولا يقتل بل يبقى مخبولا إلى يوم القيامة. وفي حديث إنّ الشيطان إذا رجم وخاف الاحتراق رمى بنفسه في البحر. وفي هذا الحديث أنّ سطيحا قال: أحلف بآله ما بين الحرتين إلى جرش- وما بينهما من ذي ناب وحنش- ليقطعنّ أرضكم الحبش- فليقتلنّ من دبّ وانكمش. وفي رواية الشّرقي ابن القطامي أنّه قال: فمن يلي قتل الأحبوش. قال: غلام من ذي يزن- يأتي ببني الأحرار من قبل عدن- فلا يترك منهم أحدا باليمن. قال: فهل يدوم ملك بني الأحرار أو ينقطع؟ قال: يقطعه نبي زكي- يأتيه الوحي من قبل العلي. قال ومن هذا النّبي الزكي؟ قال: رجل من ولد النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدّهر. قال الكلبي: اسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذّئب بن الحارث. وقال الشّرقي: أخذته ذئبة- وهو طفل فذهبت به إلى غيضة- فجعلت تغذوه بأنواع الثّمار حتى أدرك واشتدّ فهرب منها وأتى قومه فخبرهم بقصّتها، وأقبلت في أثره كالأم الثّكلى تطلب ولدها فرموها حتّى قتلوها. قال هشام: وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار. قال: وحدّثنا أبو يحيى زكريّا بن يحيى السّاخي في إسناد ذكره ينتهي إلى سعيد بن مزاحم. وحدّث أبو الحسن علي بن حرب الطّائي في إسناد ذكره ينتهي إلى مخزوم بن هانىء المخزومي، فقال: حدّثني أبي وقد أتت له خمسون ومائة سنة قال: لمّا كانت اللّيلة التي ولد فيها النّبي ﷺ ارتجس إيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السّماوة وكان منقطعا قبل ذلك بألف عام. ورأى مؤبذ المؤبذان إبلا صعابا- تقود خيلا عرابا- قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك وتصبّر عليه. ثم رأى أن لا يستر ذلك عن وزرائه ومرازبته فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه فأخبرهم بالذي رأى فبينا هم كذلك، إذ ورد عليهم كتاب بخمود النّار فازداد غمّا إلى غمّه.

стр. 406

قال مؤبذ الموبذان: وأنا أصلح الله الملك، فقد رأيت في هذه اللّيلة ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال كسرى: أيّ شيء يكون هذا يا مؤبذان؟ قال: حادث يكون من ناحية العرب، فكتب عند ذلك من كسرى ملك الملوك إلى النّعمان بن المنذر، أمّا بعد فوجّه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيّان بن بقيلة الغسّاني، فلمّا قدم عليه قال: هل عندك علم بما أريد أن أسألك قال: ليخبرني الملك فإن كان عندي منه علم وإلّا دللته على من يعلمه ويخبره فأخبره بما رأى. فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن بمشارف الشّام يقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتيني بجوابه، فخرج عبد المسيح حتى ورد على سطيح، وقد أشفى على الموت، فسلّم عليه وحيّاه فلم يرد عليه سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول شعرا: أصمّ أم يسمع غطريف اليمن؟ ... أم فاظ فأزلم به شاء والعنن يا فاضل الخطّة أعيت من ومن ... وكاشف الكربة في الوجه الغضن أتاك شيخ الحي من آل سنن ... وأمّه من آل ذئب بن حجن أزرق جهم الوجه صرار الأذن ... أبيض فضفاض الرّداء والبدن لا يرهب الرّعب ولا ريب الزّمن ... وهو رسول العجم يسري للوسن يجوب في الأرض علندن ذو فرن ... بلغه في الرّيح يوغاء الدّمن كأنما حثحث من حضني ثكن فلمّا سمع سطيح شعره فتح عينيه، ثم قال: عبد المسيح على جمل طليح- ويروى مشيح- يخبّ إلى سطيح- وقد أوفى على ضريح، بعثك ملك بني ساسان- لارتجاس الإيوان، وخمود النّيران، ورؤيا المؤبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في البلاد، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السّماوة، فليست الشّام لسطيح شاما، يملك منهم ملك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه، فثار عبد المسيح إلى رحله وقال شعرا: شمّر فإنّك ماضي الهمّ شمير ... لا يفزعنّك تفريق وتغيير إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم ... فإنما الدّهر إفراط دهارير فرّبما أصبحوا يوما بمنزلة ... تهاب صولتهم أسد مهاصير وربّ يوم له ضحيان ذي أمر ... سارت بلهوهم فيها المزاهير وأسعدتها أكف غير معرفة ... بحّ الحناجر تثنيها المعاصير من بين لاحقه الصّقلين أسفلها ... وغث وعسلوج بادي المتن محصور

стр. 407

منهم أخو الصّرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور والنّاس أولاد علّات فمن علموا ... أن قد أقلّ فمحقور ومهجور وهم بنو أمّ من رأوا له نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشرّ مقرونان في قرن ... فالخير متّبع والشّر محذور وفي غير هذا أنّ الملك قال لعبد المسيح: هل بقي في العرب أحد يخبرنا عمّا نسأل عنه؟ قال: نعم ابن عم لي بباب الجابية يقال له سطيح، وكان سطيح لحما يحمل في جلد لم يخلق له عظم، وإذا أرادوا تحويله من موضع طوي كما يطوى القرطاس، فإذا أرادوا أن يتكهّن مخض كما يمخض الزّق ثم علاه بهر وعرق، وعلته برحاء ثم تكهّن. (وفيه) فلما قدم على كسرى أخبره بالخبر، فقال كسرى: إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكا يذهب دهر طويل، وكان الرّجل منهم ربّما ملك مائة سنة فهلك منهم تسعة في أربع سنين، وظهر أمر رسول الله ﷺ . وحدّث أبو المنذر عن شيوخه عن زفر بن زرعة قال: خرجت مع نفر من قومي في الشّهر الحرام في بغية لنا فسرنا ثلاثا حتى إذا انخرقت لنا الفلاة نزلنا واديا موحشا فعقلنا رواحلنا. وقام رجل منّا فنادى بأعلى صوته: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شرّ من فيه، وكذا كنّا نفعل في الجاهلية. وذلك قوله : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [سورة الجن، الآية: ٦] قال: فلما أبهار اللّيل وقد نام أصحابي وقعدت أكلؤهم وقد كنّا تحدثنا بخروج النبي ﷺ بمكة، وشاع خبره في العرب، سمعت هاتفا يقول: يا وزر بن خوتع بن غزوان- هل راعك اليوم حديث الرّكبان؟ عن نبأ أيقظ كلّ وسنان- فأجابه آخر شعرا: أربت يا هوبر من داع دان ... روّعت معمود الفؤاد روبان (أربت) قطّعت إربا، و (المعمود) : الذي قد عمد المرض فؤاده، وروبان ناعس ثقيل مسترخ من النّعاس جل فقد أشأزت قلبي الحيران- وقال الأول: قد لفظت مكة ذات أشبره. جمع شبر وهي أربعة آمار ما كان أبونا أثره امار علامة أثره. رواه أنّ امرأ بين المنطباح الضّفر، أي متداخل بعضها في بعض قد نجم القول الذي قد أظهر. فقال الثّاني: إن كان يا بن نعجة بن صبره ... ما قيل حقا فابعثن حبشرة في آل ز لقوم وآل سجره ... إنّ التي بنخلة المستغفرة حلت بها أم اللميم القشرة العرب كانوا يستنفرونها فإذا صوّت كصوت الرّعد من أحد أعداء الوادي يقول: إن كان ما أنبأتما قد كانا ... فقد أقم القلت الأوثانا

стр. 408

ولم تزو جنانها الكهانا ... وصادفت دون العلى شهبانا يمنعها أن تغرب الأغنانا (أقم الفحل) : شوله. إذا ضربها كلّها و (الأعنانا) : نواحي السّماء. ثم صرخ صرخة اشتعل منها الوادي نارا، فخررت صعقا، فما استيقظت إلا بأصوات أصحابي فاظ واللّات فاظ ذللا فانتبهت، واقتصصت عليهم قصّتي ورجعنا من سفرنا وقد شاع خبر النبي ﷺ في العرب. وحكى الهيثم بن عدي عن شيوخه قال: انطلقت أمّ مالك وطيئ ابنا سبأ وهما ابنا أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان حين ترعرعا إلى كاهنة يقال لها: شهيرة بأرض سبأ بموضع يقال له: بلخع لتنظر إليهما وتقول فيهما، وساقت معها إبلا فوجدت في طريقها سحق نعل، فجعلتها في كرية نخل، ثم دفعتها إلى رجل معها من قومها يقال له: صعل، فقالت: أخبىء هذا معك حتى نثور الكاهنة بشيء قبل المسألة، فلمّا انتهت إليها عقلت ببابها ثم قالت: يا شهيرة إني قد خبّأت لك خبئا فأخبريني به قبل المسألة، فقالت: أقسم بالشّمس والقمر، والكثكث والحجر- والرّياح والمطر، لقد خبّأت لي جلد بقر أشعر، وما به شعر محضر، أو ما به حضر. قالت أحلف بالسّهل والجبل والجدي والحمل، والقمر إذا أفل، وما حنّ بنجد من جمل، أن قد خبّأت لي فرد نعل، في كرنافة نخل- مع رجل يدعى صعل- رب شاة وحقل، قالت: صدقت فأخبريني عمّا جئت أسألك عنه، قالت: تسألين- عن غلامين ولدا في يومين- في بطن توأمين، (أحدهما) : ربعة جعد، تعني طيا، و (الآخر) : سبط نهد تعني مالكا. قالت: صدقت، فأخبريني عنهما، قالت: أهما معك؟ فأراهما أم نسجع نبقت عنهما؟ قالت: هما معي فنظرت إليهما ثم أقبلت على مالك فقالت: يكون من ولده قبائل وعدد ومصاليت نجد، ورأس وكتد وحق وفند، يصيبون ويصابون، ويلحم عليهم ويلحمون الحق لا المين. ثم نظرت إلى طيء فقالت: يكون في ولده سماح وجلد وإباء ونكد وعرام وسدد يأكلون ولا يؤكلون، شديد والكلب، قليلو السّلب، الحق لا الكذب. فهذا عنوان ما يحكى عن كهانتهم وغيض من فيض ما يتلى من آياتهم وعبرهم وكلّ ذلك كان قبيل ما أراد الله تعالى اطلّاعه من شأن النّبوة بعد الفترة الممتدة، لأنّه هو الحكيم العالم يسبّب الأسباب لما يقضيه- ويهيئ الآراب والدّواعي لإتمام ما يمضيه، ويزيح العلل عما يتعبدّ به، ويسهّل الطرق إلى ما يدعو إليه حتى تصير المدارج صاحبة للسّالكين والدلائل متوافية للنّاظرين والمراصد ظاهرة للمعتبرين، وأبواب الفلاح مفتتحة للمسترشدين. فلما دنا وقت خلق النبي ﷺ واصطفائه إيّاه لبعثه ورسالته وكان في الجنّ من يقعد

стр. 409

للسّمع إلى سكان السماء والمتصرفين فيما يجري عليه أهل الأرض من خير وشر، ورفع ووضع فيؤدّي ما يدركه إلى الكهنة، فيتسوقون به ويدعون علم الغيب فيه، حكى الله تعالى أمرهم في ذلك في غير موضع، وبيّن أنّ الجنّ عزلوا عمّا كانوا يتولّونه من التقاط الأنباء من أهل السّماء وبثّها فيمن كان يعبدهم من السّحرة والكهنة. فقال عزّ وعلا «١» : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً [سورة الجن، الآية: ٨] وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [سورة الجن، الآية: ٩] يريد أنّا طلبنا السّماء جريا على عادتنا من قبل في التسمّع إلى أهلها وقد حجبنا الآن دونها وملئت بمن يحرسها منّا ويرمينا بالنّار إذا تعرّضنا له. ثم ختم الكلام في الحكاية عنهم بأنّهم قالوا: لا نعلم ماذا أريد بما فعل لأهل الأرض من الغيّ أو الرّشد أو الصّلاح، أو الفساد يريدون ما خفي عليهم من ايتناف الرّسالة واستحداث الشّريعة والدّلالة على أنّ لمسنا طلبنا قول الشاعر وهو يرثي ابنا له: هوى ابني من أشرف ... يهول عقابه صعده ثم قال: ألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده فاقتران الوجدان بقوله ألمسه: يدل على أنّ المراد به أطلبه فلا أجده، وقال تعالى في موضع آخر: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [سورة الشعراء، الآية: ٢١٠- ٢١٢] يريد تنزيه وحيه وتثبيت رسالته على لسان نبيّه. فإن قيل: إذا كان أمر الكهّان مع شياطين الجن على ما ذكرت ومؤدّى الغيب على ألسنتهم من نقلهم كما اقتصصت، فما الفرق بين أخبار النّبي وأخبارهم؟ وبماذا يتميز ما مبناه على الحق والصدق لا تبديل يصحبه ولا خلف يعترض فيه مما هو بخلافه، ومبناه على التّمويه والتّشبيه والمخرفة والتّزويق؟! قلت: إنّ أولئك الكهّان إنمّا تكهّنوا في أثناء أيام الفترة المتأخرة، وقبل طلوع سوابق المعجزة، واستقام لهم ذلك لمّا أراد الله تعالى من تمرين النّاس على ما يريد إظهاره من إعلام النّبوّة يدل على هذا أنّه لم يحك ما يشبه بلاغاتهم عند الإخبار والاستخبار فيما تقادم من أخبار ملوك قحطان وعدنان والذوين والتّبايعة وفيما ذكر قبلهم من أخبار طسم وجديس، ومن كان في الجاهلية الجهلاء، وإنّما قامت أسواقهم في أيام النّعمان والمنذر ابن ماء السّماء وأشباههم.

стр. 410

وإذا كان الأمر على هذا فكما تناهت البلاغة نظما ونثرا على ألسن فصحاء العرب لتعقبها التّحدي بالقرآن، فبيّن شأن الإعجاز، كذلك تعالت أشواطها الكهّان والحزاة فيما تهاذوا به وادّعوه في أوقاتهم من علم مكتمن الأخبار ليعلوها شأن النّبي عليه الصّلاة السّلام في إعلان المغيبات- وسائر ما أتي به من البيّنات. هذا وقد كان امتلكتهم صرفة من قبل الله تعالى تمنعهم فيما يأتونه من ادّعاء نزول الوحي عليه. فإن قيل: بماذا يتفصّل، مما قال لك إنّ التّحدي بالقرآن- وعجز من في زمانه عن الإتيان بمثله وبأقلّ سورة منه ضمن تصوير المراد من تباري الخطباء والشّعراء، والوصّاف والبلغاء؟ إذ كان انبعاث هممهم- وتحرّك شهواتهم- واهتياج طبائعهم له لا داعي إليها، ولا مسبّب لها عند الفحص والتأمل إلّا ذلك ويكشفه ما تراه من مساعدة دخلائهم من غيرهم وتعاونهم عند الأخذ عنهم في طلب الزّيادة عليهم كلّ ذلك لتصير المعجزة في كلّ أوان مجددة- كما كانت في زمانهم محققة فما العذر في الكهانة؟ وكيف ينماز حالها عما خلّدته النّبوة؟ قلت: إنّ النّبوة غايتها لا تدرك لأنّها محفوفة بالصّدق والنّزاهة والآيات البيّنة وعليها واقية من قبل الله تعالى يبعدها من الرّيبة، ويحفظها من درن الشّبهة والظّنة، والكاهنين قد بيّن الله تعالى حاله في محكم كتابه فقال: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ [سورة الشعراء، الآية: ٢٢١- ٢٢٣] فحالهم حال المنجّم فيما يحكم به وهو يردّد بين مصدّق ومكذّب ومؤمن به ومبطل، وإذا كان الأمر على هذا انسدّت طرق المعارضات فالاكتفاء في تبيّن أمرهم بما ذكرته واجب. فصل في القيافة والعيافة فأمّا القيافة: فقد خصّ بها قوم من العرب، وإنّما هو في الأنساب خاصة وقد ثبّتها النبي ﷺ ، ويحكم بها الشّافعي وأصحابه، ويلحقون بها الولد وهذه فضيلة خصّت بها العرب. روى سفيان بن عيينة عن الزّهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأعرف السّرور في وجهه، فقال: ألم تري أنّ مجزز المدلجي نظر إلى أسامة وزيد وعليهما قطيفة وقد غطيا رأسيهما وبدت أقدامهما فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض، وهذا استدلّ به الشّافعي وذكره المزني فيما حكى من مذهبه. وروي أنّ عمر بن الخطاب ﵁ دعا قائفا لرجلين ادّعيا ولدا فقال: لقد اشتركا فيه، فقال عمر للغلام: وال أيّهما شئت. وروي أنّ أنسا شكّ في ابن له فدعا القافة

стр. 411

للنّظر في أمره. وهذه الأدلة تسوّغ في الدّين القيافة، وإنّما هي علم يتتبع أثرا أرشد الله له قوما خصّهم بفضيلته ويقال: قفاه وقافه واقتافه واقتفاه بمعنى. وفي القرآن: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [سورة الإسراء، الآية: ٣٦] . وأمّا العيافة ففعل الزّجار. قال الأعشى: ما تعيف اليوم من طير روح ... من غراب البين أو تيس برح فقال في الإجمال: ما تعيف من طير روح، وفي التّفصيل (قال) : من غراب البين أو تيس برح، فجعل التّيس من تفسير الطّير لأنّهم يقولون في تعارفهم: جرى طائره بكذا، وحكى أبو زيد عنهم: سألت الطّير، وقلت للطّير، وإنّما هو زجرانها. وفي القرآن: قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ [سورة يس، الآية: ١٩] وقالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [سورة النّمل، الآية: ٤٧] والأمم على اختلافها تفعلها. فمن ذلك قول الهذلي: أتيح له من الفتيان خرق ... أخو ثقة وخريق حشوف فبينا يمشيان جرت عقاب ... من العقبان خاسئة دفوف فقال له: وقد أوحت إليه ... ألا لله إنّك ما تعيف فقال له: أرى طيرا ثقالا ... تبشّر بالغنيمة أو تخيف ففي هذا الذي قاله بيان، إنّ ذلك رجم ظن، وفي العرب من يشتقّ من اسم ما يعنّ له عند الطّيرة، فيبني قصّته عليه كقول القائل: قالوا: حمام قلت: هم لي اللقاء. وقالوا: غراب قلت: غرب من النّوى. وقد اشتق أبو تمام على ضد هذا فقال شعرا: لا تشجينّ لها فإنّ بكاءها ... ضحك وإنّ بكاءك استعقام هنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من جابهنّ فإنّهنّ حمام فأمّا ما يقولون في الغراب والظّباء وهي: (السّانح) و (البارح) و (النّاطح) و (القعيد) و (الجابه) و (غراب البين) فقد اختلفوا في (السّانح) و (البارح) فمن العرب من يتشاءم بالسّانح ويتيمّن بالبارح على ذلك قول زهير: جرت سخّا فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللّقاء وقال النابغة: زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغداف الأسود فما تطيّر به زهير تبرّك به النّابغة، (فالسّانح) : ما جاء من ميامنك فولّاك مياسره،

стр. 412

و (البارح) ما جاء من مياسرك فولّاك ميامنه، فأحدهما راعى من نفسه ما كرهه والآخر راعاه من الماربة، (فأما الناطح) فما يلقاك و (القعيد) ما استدبرك و (الجابة) ما جاء من أعلاك وقوله: (أجيزي نوى مشمولة) معناه اقطعي نوى هبّت عليها ريح الشّمال فبدّدت شملها وقوله: (فمتى اللقاء) : استبعاد لوقوعه. وحكى أحمد بن يحيى عن أبي المنهال المهلبي عن أبي زيد الأنصاري أنّ ما مر من ظبي أو طائر أو غيره فكلّ ذلك عندهم طائر. وأنشد في ذلك لكثيّر: فلست بناسيها ولست بتارك ... إذا عرض الأدم الجواري سؤالها ثم خبّر بعد أن قال الأدم الجواري أنه طائر فقال: أدرك من أمّ الحكيم غبطة ... بها خبّرتني الطّير أم قد أتى لها وقد فسّر قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [سورة الإسراء، الآية: ١٣] الآية على أنّ معناه حظّه، وقيل: عمله وما قدّمه من خير أو شر. ويكون ذلك في الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وقال تعالى فيه: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [سورة يونس، الآية: ٣٠] وفي موضع آخر: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [سورة الحاقة، الآية: ١٩] وقال الكميت في تصديق ما ذكرناه شعرا: وما أنا ممّن يزجر الطّير همّه ... أصاح غراب أم تعرّض ثعلب وقال حسان بن ثابت ﵁: ذريني وعلمي بالأمور وسيرتي ... فما طائري فيها عليك مخيلا رواه أبو زيد وفسّره على أنّ المراد ليس رآني بمشؤوم. وأنشد لكثير: أقول إذا ما الطّير مرّت مخيلة ... لعلّك يوما فانتظر أن تنالها (مخيلة) : مكروهة من الأخيل، وأنشد: ولقيت من طير العراقيب أخيلا. ومن المأثور قولهم: اللهمّ لا خير إلّا خيرك، ولا طيرا إلّا طيرك، ولا ربّ غيرك، وقال خثيم بن عدي في ضدّ ما تقدّم: ولست بهيّاب إذا شدّ رحله ... بقول عداني اليوم واق وحاتم قال: فإذا الأشائم كالأيامن ... والأيامن كالأشائم

стр. 413

وكذلك لا خير ولا شر على أحد بدائم، ويشبه هذا المعنى ما أنشده أبو عبيدة عن أبي عمرو: يا أيّها المزمع ثم انسني ... لا يثنك الحادي ولا الشّاحج ولا قصيد أعضب قرنه ... هاج له من مزبع هائج هذا الفتى يسعى ويسعى له ... تاج له من أمره خالج يترك ما رقح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج لا تكسع الشّول بإغبارها ... إنّك لا تدري من الناتج واصبب لضيفانك ألبانها ... فإنّ شرّ اللّبن الوالج

стр. 414

الباب الرابع والأربعون في ذكر ما أبهم من الأوقات حتى لا يتبيّن للسّامع حاله وما شرح منها اعلم أنّ مذاهب العرب في التّنبيه على أوقات الأفعال مختلفة وذلك لاختلاف أحوالهم فيما يقصدونه من البيان، فربّما بالغوا في التّعين والشّرح حتى يصير المستدل عليه كما يشار باليد إليه، وربما أبهموها اعتمادا على القرائن لأنّها قد تنوب عن الأوصاف المخصصة فيعتمد في الإبانة عليها أو ربما أبهموها حتى لا يكاد يتحصّل للسّامع منها تفقّه على واحد منها بعينه لشمول صفاته للأوقات كلّها وجميع ذلك موجود في أشعارهم، فمن ذلك قوله يصف امرأة: ساهرت عنها الكالئين فلم أنم ... حتّى التفتّ إلى السّماك الأعزل والسّماك قد يطلع في كلّ آناء اللّيل ومثله: ونائحة صوتها رائع ... بعثت إذا ارتفع المرزم و (ارتفاع المرزم) ليس مما يكون وقد لا يكون، ويروى إذا خفق المرزم، وحينئذ يقرب التّحديد به، ومثل هذا قول الآخر: حتى رأيت عراقي الدّلو ساقطة ... وذو السّلاح مصوح الدّلو قد طلعا قوله: (وذو السّلاح مصوح الدّلو) : هو مما يكون على حالة واحدة أبدا، وذلك أنّ السّماك الرّامح متى طلع سقطت عراقي الدّلو، و (المصوح) الغيبوبة وقد جاء في المصيح والفعول والفعيل يجتمعان في فعل واحد مصدرين، ومثله الوكوف والوكيف، ومثل قول الآخر: قلت له والجدي فوق الفرقد ... إنّك إن تصج بهذا المرقد لا ترد الأمواه إلّا من غد

стр. 415

ومثله الوكوف والوكيف. فلمّا استدار الفرقدان زجرتها ... وهبّت شمال ذو سلاح وأعزل ومعنى هبّ طلع، فهذه أمثلة المبهمات، ومن المحدود قوله: فلمّا أن تغمّر صاح فيها ... ولمّا يغلب الصّبح المنير (والتّغمّر) : شرب دون الرّي وذلك من خوف الرّماة و (الصّبح المنير) : الواضح أي كان ذلك سحرا قبل استنارة الصّبح. وقال الرّاعي في مثله: فصبّحن مسجورا سقته غمامة ... دعاك القطا ينفضن فيه الخوافيا وقال ذو الرّمة: ففسلت وعمود الصّبح منصدع ... عنها وسائرها باللّيل محتجب فهذه الأبيات كلّها وقّتت آخر اللّيل. ومما يستدل بالقرينة على حده قول امرئ القيس: إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل ألا ترى أنّ هذا الوصف وإن كان يتّفق في كل آناء اللّيل فقد حظره بقوله: فجئت وقد نضّت لنوم ثيابها ... لدى السّتر إلّا لبسة المتفضّل فلما علم أنّ الموقت يكون من أوّل الليل وأنّ الذي وصف من تعرّض الثّريا إنمّا يكون عند انصبابها للمغيب، علم أنّ الزمان زمان الدفيء، فباجتماع هذه الأدلة عاد محظورا بعد أن كان مرسلا، ومثله قول حاتم: وعاذلة هبّت بليل تلومني ... وقد غاب عيّوق الثّريا فغرّدا (فغيبوبة العيّوق) : وإن كان قد يكون في كل آناء اللّيل ففي ذكره (العاذلة) دليل على أنّه في آخر اللّيل، لأنّه وقت العواذل بدلالة قول زهير شعرا: غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله (والصّريم) : بقية من اللّيل لأنّهن يأتين بعد نومهنّ وبعد إفاقة المعذول. وإذا علم أنّ هذا الوقت الذي عنى الشاعر هو في آخر الليل معلوم وهو زمن الشّتاء وليالي التّمام، فقد صار الزّمان معلوما والوقت محظورا بالأدلة، (والتّغريد) : العدول إلى

стр. 416

الغرد، وأصله الغراد والخص، وفي الكلام تقديم وتأخير كأنّه قال: وقد غرد عيّوق الثّريا فغاب. وكذلك قول أبي ذؤيب شعرا: فوردن والعيّوق مقعد رأى ... الضّربا خلف النّجم لا تتبلّع (لأنّ العيّوق والنّجم) يكونان كما وصف، إذا توسّطا السماء وتوسطهما السّماء آخر اللّيل إنّما يكون في حمارّة القيظ. وقوله: (مقعد رأى الضّربا) في حمارة القيظ. وقوله: (مقعد رأى الضّربا) في إعرابه كلام وقد بيّنته فيما شرحته من شعر هذيل ومثله قول الآخر. كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم نواهد. قوله: لا تتبلع: أي لا تتعدم، وذلك أنّ النّجوم إذا توسّطت السماء خيّل إليك أنها تتحير، فلا تبرح لذلك قال: والشّمس حيرى لها في الجوّ تدويم، وليس قول امرئ القيس: فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل من هذا إنما يريد أن يصف اللّيل بالطّول فكأنّ كواكبه لا تسير، والأوّل يريد ركود النّجوم إذا توسّطت السّماء خاصة، وقد أحسن لبيد في قوله وهو يصف الكواكب: عشت دهرا وما يدوم على ... الأيام إلا برمرم وتعار والنّجوم التي تتابع باللّيل ... وفيها ذات اليمين ازورار دائبا مورها ويصرفها الغور ... كما يصرف الهجان الدوار وإنّما (ازورارها ذات اليمين) عطفا إلى القطب لأنّها جميعا تدور على القطب الشّمالي مرتفع فإذا توسّط كوكب ثم انصبّ فقدرت له في نفسك مغربا على أم قاصد عدل عن السّمت الذي توهّمته. (وتزاور ذات اليمين) حتى يغيب فوق الذي قدّرته حتّى ربّما كان البعد في ذلك بعيدا وعلى هذا حال جميع الكواكب في مدارها، ولا زورارها إلى القطب. قال الشّاعر يمدح رجلا: مالت إليه طلاها واستطيف به ... كما يطيف نجوم اللّيل بالقطب ولعلّة ذلك قال بشر: وعاندت الثّريا بعد هدء ... معاندة لها العيّوق جار لمّا تدانيا في رأي العين حين توسّطا السّماء وقد كان أحدهما بعيدا من صاحبه في المطلع جعل ذلك تركا من الثّريا لطريقها، وعدولا إلى العيّوق وليس ذلك بمعاندة، ولكن لما بينّته من ازورار النّجوم كلّها في مدارها إلى القطب، إذ كانت عليه تدور، لأنّ الكواكب إذا كانت في آفاق السّماء كانت أعظم في المنظر، وكان البعد الذي بينها أوسع في الرأي،

стр. 417

فإذا توسّطت كانت في العين أصغر ورأيت أيضا أشدّ تقاربا. قال أبو حنيفة: لذلك أيضا يرى الكوكب من الكواكب إذا طلع متقدما لكوكب آخر، حتى إذا تدلّيا من وسط السّماء يطلبان الغور صار المتقدّم متأخرا منهما، والمتأخّر متقدما، وحتى يغيب أبطؤها طلوعا ويبقى صاحبه بعده مدة كالسّماك الرّامح، فإنّه يطلع بين يدي الفكة بزمن، حتى إذا هما تصوّبا للمغيب تقدم السّماك فغاب قبلها بمدة، وكالعيّوق فإنه يطلع قبل الدّبران بزمن ثم يغيب بعده بحين. وكذلك الرّدف يطلع قبل النّسر الطّائر بقليل، ويغيب بعده بزمن. وقول لبيد (دائب مورها) يعني جريها. وأما قوله: (يصرفها الغور) كما يصرف الهجان الدّوار، فقد أحسن التّشبيه لأنّ النّجوم إذا غابت ردّها الفلك إلى الطّلوع كما يفعل الطّائفون بالدّوار، فإنهم إذا قضوا طوافا استأنفوا طوافا، والدّوار: أنصاب كانت لأهل الجاهلية يطوفون حولها كما يطاف بالكعبة. قال أبو حنيفة: ولا زورار الكواكب ذات اليمين قال الشاعر شعرا: ألا طرقت دهقانة الرّكب بعدما ... تقوّض نصف اللّيل واعترض النّسر يعني النّسر الطّائر وإنما اعتراضه من قبل ازوراره في السّير وأنت تراه في وسط السّماء باسطا جناحا في جهة الجنوب، وجناحا في جهة الشّمال حتى إذا تصوّب للمغيب اعترض فصار أحد جناحيه في جهة المغرب والآخر في جهة المشرق على خلاف الصّفة الأولى، من هذا النّحو قول امرئ القيس شعرا: إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل لأنها تتلقاك في مطالعها بأنفها، وهو أدقّ طرفيها، حتى إذا تصوّبت للمغيب اعترضت فكانت أشبه شيء بانظام جمع طرفاها ثم طرح وتلقاك بعرضه وذلك أنّ الثّريا سطران فهي كانظام مثنى مثنى ومنه قول المرار شعرا: وبنات نعش يعترضن كأنّما ... تمسي الرّكاب معارضات صواريا و (بنات نعش) : من أشد الكواكب اعتراضا لأنّها لا تغيب إلا في بعض المواضع فإذا دار الفلك بها بحيث لا تغيب، نظرت إليها بكلّ منظر معترضات ومنتصبات ومنقلبات، وكذلك جميع الكواكب المنتظمة على أشكال مما قارب القطب كذلك حالها حيث لا تغيب، فأمّا تشبيه إيّاها بالصّوار فإنّ من عادة الشّعراء تشبيه الكواكب بالبقر والظّباء، وإذا رأيت الوحش سوارب في مراتعها رأيتها بيضاء تلوح كأنّها نجوم.

стр. 418

الباب الخامس والأربعون في الاهتداء بالنّجوم، وجودة استدلال العرب بها وإصابتهم في أمّهم اعلم أنّ الاهتداء بالنّجوم يحتاج إليها صنفان من النّاس: سيّارة البحر وسائلة الإغفال والقفر، ولذلك مهر الهداية بالنّجوم الصّراريون والأعراب وقد ذكره الله تعالى في جملة ما عدّد من نعمه على خلقه فقال: جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [سورة الأنعام، الآية: ٩٧] وقال تعالى أيضا: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ [سورة الإسراء، الآية: ١٢] الآية. ثم قال تعالى: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [سورة الأنعام، الآية: ٩٧] وهؤلاء الذين فصّل لهم هذه الآيات واختصّهم بفضل عليها هم الذين عنى بقوله تعالى: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [سورة النّحل، الآية: ١٦] فافهم عن الله قوله. ثم اعلم أنه لا يجد من أحبّ علم الاهتداء بالنّجوم بدأ من التقدّم بمعرفة أعيان ما يحتاج إليه منها، واعتبار النّظر إليها في جميع آناء اللّيل حتى يعرفه كمعرفة خلطائه، لئلا يلتبس عليه إذا اختلفت أماكنها في أوقات اللّيل، فإنّ كثيرا ممن يعرف النّجم من النّجوم إذا كان في جهة المشرق حتى إذا دار به الفلك فنقله إلى جهة أخرى عمي عليه حتى لا يعرفه، ويتحيّر حتى لا يهتدي إليه، ويحتاج بعد الاستثبات في معرفة أعيانها إلى معرفة مطالعها ومغاربها، وحال مجاريها من لدن طلوعها إلى غروبها، لأنّ ذلك مما يبدّل أعيان الكواكب في الأبصار، ويدخل على القلوب الحيرة ويورث الشّبهة ويحتاج أيضا إلى أن يعرف سموت البلدان التي تقصد، وجهات الآفاق التي تعمد لئلا يعلم بأي كوكب ينبغي له أن يأتمّ. والتوجّه إلى القبلة في كل بلد هو من هذا الجنس أيضا، وعلم ذلك ليس بصغير القدر في خاصة الدّين، لأنّه أمر أمر الله به عباده فقال تعالى: مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [سورة البقرة، الآية: ١٥٠] . وليس بعد أدلّة الحساب دليل أدلّ من أعيان النّجوم، فليس الشّمس بخارجة منها بل

стр. 419

هي أعظم النّجوم خطرا وقدرا. وهل الدّليل في وضح النّهار إلا هي مع ما استعان به الإنسان من هبوب ريح، وكلّ ذلك في الدّلالة دونها فإذا تقدّم المرء فأحكم علم ما وصفت، ثم كان ثبتا في النّظر، فطنا في العبر، أدرك علم الهداية. وذكر جبار بن مالك عامر بن الطّفيل فقال: كان لا يضلّ حتى يضلّ النّجم ولا يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السّيل، كان والله خير ما كان يكون، حتى لا تظنّ نفس بنفس خيرا. والعرب تقول للدّليل إذا كان هاديا إنّه لدليل ختع وخوتع، وإنّه لبرت وإنّه لخريت، وإنّه لدليل مخشف. وذكر اللّغويون: أنّه إنّما سمّي خرّيتا لأنه كان يهتدي بمثل خرت الإبرة وقال الشاعر في البرت: ومهمه طعنت في مغبرة ... تله عين البرت من ذي شره (تله) : من الوله وهو ذباب العقل، وقال رؤبة يصف أرضا مجهلا. ينبو بإصغاء الدّليل البرت. يعني إذا توجّس، وقال ذو الرّمة في الختع فجاء به على فوعل ووصف فلاة: يهماء لا يحنا بها المغرّر ... بها يضلّ الخوتع المشهّر يريد (بالمشهّر) المعروف المشار إليه بالهداية وقال الخطفي: حتّى إذا ما طرد النّيف السّفا ... قرين بزلا ودليلا مخشفا قال أبو عبيدة: وللعرب في حسن الاهتداء في المعامي المضال، والمجاهل الاغفال أحاديث عجيبة في جاهليتها وإسلامها، كان الرّجل منهم يعدو على الإبل ببلاد لخم وجذام وهي واغلة في الشّام أو بسماوة كلب فيقطعها ثم يطردها متنكرا بها أوطان الانس متتبعا بها بلاد الوحش، حتّى يلقى بها الأسواق إما بصعدة من اليمن، أو بحجر من اليمامة، فيتبعهنّ ويفعل مثل ذلك باليمن. ثم يرد سوق بصرى أو اذرعات ونحوهما من أسواق الشّام، وكان الواحد من الرّابيل وهم الذين يغزون فرادى، وذو السّرية وهو الذي يغزو في شيعته فيمضي في تلك المعامي وفي مناقع المياه فيأخذ بيض النّعام فينقعها ويملؤها ماء ويدفنها، فإذا بلغ غاية مراده وجاء الوقت الذي ينتظره، ولعلّ ذلك يكون في مدة شهر في مسيره، حتى إذا نضبت المياه، وانقطع الغزو وأمن النّاس اعتمد مغزاه فلا يخطئ السّمت ولا يضلّ عن تلك الدّفائن، فيمضي معتسفا على غير هدى، مستثيرا ذلك البيض، ومعتمدا عليه في شراء به. ثم يرجع عوده على بدئه لا يستدلّ إلّا بالشّمس أو الكوكب. قال: وممّن فعل ذلك وعلة الجرمي في الجاهلية، وله قصة، وكان السّليك بن السلكة السّعدي، ثم أحد بني مقاعس ممن يفعل ذلك، وكان أوّل النّاس بالأرض ومن هداتهم

стр. 420

المشهورين في الجاهلية، وله قصة دعميص الرّمل العبدي يزعمون أنّه ورد الدّيار التي يزعمون أنّ بها إرم ذات العماد، ولم يردها أحد قط غيره وخبره مشهور. وسمّي دعميص الرّمل تشبيها بدعموص الماء. وقال الأصمعي: يقال للدّخال الخراج، حيث لا يرام دعموص، قال الشّاعر يصف رجلا: دعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق فاتح يعني أنّه يلج أبواب الملوك ولا يحجب عنهم. وقال الأصمعي: حدثني شيخ من غطفان قال: أرسل زياد بن سيارة أخاه من أرض بني عامر فقال: إني أسير عشرا ولا أدله، أي لا علم لي بالهداية، قال: ادخل تحت هذا الكوكب حتى تبلغ. وحكى ابن الأعرابي قال: يقال: دلّ يدل من الدّلالة أي صار دليلا، ودلّ غيره يدله دلالة ودلالة، ودلت المرأة تدل دلالا، وأدلّ يدلّ من الإدلال. وممن شهر بالهداية: عبد الله بن أريقط دليل رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁، حيث هاجر وهما مطلوبان فتخلّل الطّرق حتى أوردهما المدينة. ومن المشتهرين منهم في الإسلام بالهداية: رافع بن عميرة الطّائي دليل خالد بن الوليد ﵁ حين توجّه من العراق يريد الشّام، فخادعن جيش الرّوم وهم على طريقه ببلاد الجزيرة، فامتد رافع مفوزا به من قراقر إلى سوى وبينهما فلاة مجهل فقال فيه الشاعر: لله عينا رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قراقر إلى سوى خمسا إذا ما ساره الجيش بكى ... ما سارها من قبله إنس يرى وممن شهر منهم أيضا بصدق الأم: عبد الجبار بن يزيد الكلبي دليل بني المهلّب حين فرّوا من يد الحجّاج إلى سليمان بن عبد الملك، وكانوا محتبسين بلعلع فهربوا ولحقوا بالشّام، فتنكّب بهم عبد الجبار جواد الطرق وتتبّع معامي الأرض فتحيّر يوما وهم بالسّماوة، وارتبك، فاتّهمه يزيد وأراد قتله، فقال له عبد الجبار: أنت على قتلي إذا شئت قادر، ولكن دعني أنم نومة فنام ثم انتبه، وقد تجلّت حيرته فسمت بهم السّمت المصيب حتى نفد فقال شعرا: ورهط من أبناء الملوك هديتهم ... بلا علم باد ولا ضوء كوكب ولا قمر إلّا ضئيل كأنّه ... سوار جلاه صانع السّور مذهب على كل خرجوج كأنّ ضلوعها ... إذا حلّ عنها الكور أعواد مشجب

стр. 421

قوله: (ولا ضوء كوكب) : يعني أنّ الكواكب غمّت في القتام فهداهم بالقمر ثم أخبر أنّ (القمر أيضا ضئيل) لما دونه من القتام، فكأنّه في تلك الحالة (سوار مذهب) . وذكر ابن الأعرابي وهو يعد أدلّاء العرب في الإسلام، فقال: هم ثلاثة فذكر رافعا وعبد الجبار وزاد في شعره: تفرّ فرار الشّمس ممّن وراءنا ... ونمسي بجلباب من اللّيل غيهب فإلا تصبح بعد خمس ركابنا ... سليمان من أهل الملاء تناوب قوله: (نفرّ فرار الشّمس) يريد أنا نتوجه إلى المغرب كما تغرب الشّمس. وجعل الثالث منهم خالد بن دثار الفزاري دليل ابن فزارة على بنات قين حين قتلت كليبا. وقال أبو ذؤيب: يشبّه النّجوم بالوحش وهو يذكر امرأة: بأطيب منها إذا ما النّجوم ... تعانقن مثل توالي البقر وقال آخر: وردت وأرادف النّجوم كأنّها ... مهاة علت من رمل يبرين رائبا وقال ذو الرّمة يشبّه الوحش بالكوكب شعرا: كأنّ بلادهنّ سماء ليل ... تكشّف عن كواكبها الغيوم وقال آخر: وردت وآفاق السّماء كأنّها ... بها بقر أقناؤه وهراقبه الهراقب: المسان شبه الكبار بالهراقب، والصّغار بالأقناء. وقال ابن كناسة وفي الاهتداء بالنّجوم يقول الشاعر: نؤمّ بآفاق السّماء وترتمي ... مغانيها- أرجاء دواية قفر وقال أبو حنيفة قول الشاعر: رأت غلامي سفر بعيد ... يدرعان اللّيل ذا السّدود إما بكل كوكب جريد إنّما اختص الفرد الحريد لأنّ الجماعة يتغيّر حالها في المطالع والمغارب والمجاري فتلتبس، وضبط السّير بالحريد أسهل، ومن لم يكن مدرّبا بمعرفة أعيان الكواكب التبس عليه الحريد أيضا إذا تغيّر مكانه.

стр. 422

وروي عن شيخ من العرب أنّه سرى برفيق له فتعب، فقال لرفيقه: هذا الجدي جداه كثيرة فلم أدر أيّها هو، ولذلك قال الآخر شعرا: بصباصة الخمس في زوراء مهلكة ... يهدي الأدلّاء فيها كوكب وحد وقال الفرزدق يهجو عاصما العبدي، وكان أدّل العرب وأعرفهم بالنّجم وأقدمهم على هول اللّيل باللّيل، وأراد أن يضلّ الفرزدق ويقتله غشّا وذاك أنّه استصحبه إلى المدينة ليلقى سعيد بن العاص، ورغبه في جعله، فلما ركب الفلاة أراد أن يغتال الفرزدق ليحظى به عند زياد ويحبوه ويعطيه، فلما كانا في اللّيل وأمعنا في السّير انتبه الفرزدق فإذا النّجم على غير الطريق، فصاح بالعنبري إنّك على غير الطريق، فانتبه فقال: أنت على الطريق، ناولني إداوتك فإنّي عطشان وخبّأ اداوته، فقال الفرزدق: والذي أحلف به لتموتنّ قبلي، وشهر السّيف عليه فأقامه على الطّريق، وعرض لهما الأسد على الطّريق، فقال العنبري هذا الأسد على الطّريق، فأناخ الفرزدق ناقته وأخذ سيفه وجحفته وأقبل إلى الأسد وهو يقول: فلأنت أهون من زياد شوكة ... اذهب إليك محزّم الشّغار فتنحّى الأسد عن الطريق ومضيا، فقلب الفرزدق هذا المعنى كله ونسب العنبري إلى الجبن وأنه ليس بالخرّيت راع لا يصلح إلّا لرعي الغنم وطعن في نسبه. فقال شعرا: ما نحن إن جارت صدور ركابنا ... بأوّل من عزّت هداية عاصم أراد طريق العنصلين فياسرت ... به العيس في ناي الصّوى متشايم (العنصلين) على طريق مكة، (وياسرت) : أخذت يسارا و (المتشايم) الآخذ إلى الشام، قال: وسمعت فصيحا يقول: توصّلوا أتوا الموصل فأسقط الميم. فكيف يضلّ العنبريّ ببلدة ... بها قطعت عنه سيور التمائم أي لو كان عنبريا لعرف بلاده. فإنّ امرؤ ضلّ البلاد التي بها ... تغبّر ثديي أمّه غير حازم (تغبّر) : أي أتم رضاعه، والغبر بقية اللّبن. بلاد بها ذلّت يديه ورأسه ... ورجليه من جار استها المتضاجم يعني (بالجار) الفرج وأصل (الضّجم) العوج في شفتي الرّجل. شعر: ولو كان في غير الفلاة خنوعا ... خنوعا بأعناق الجداء التّوائم

стр. 423

أي لو كان في رعي الجداء لأحسن رعيها وأخذها بأعناقها ففصلها عن أمهاتها. شعر: وكنت إذا كلّفت صاحب ثلة ... سرى اللّيل دنا أم فروج المخارم (الثّلة) : القطيع من الشّاء و (الثّلة) الجماعة من الناس و (دنا) قصر و (الفروج) الطّرق. رأى اللّيل داغول عليه ولم يكن ... يكلّفه المعزى عظام المجاشم (الغول) الموت ومنه غالته غول. أنخنا بهجر بعدما وقد الحصى ... وذاب لعاب الشّمس فوق الجماجم ونحن بذي الأرطي يعيس ظماؤنا ... لنا بالحصى شربا صحيح المقاسم أي ليس فيه ضيم، أي لا يفضل فيه أحد على أحد. شعر: فلما تضاما في الإداوة أجهشت ... إلى غضون العنبري الجراضم (تضافى غضونه) عروق حلقه وثنيه، و (الجراضم) الشّديد الأكل، ويروى: فلمّا تصافنا الإداوة، و (التّصافن) : التّقاسم على الماء عند قلتّه وضيقه في المفاوز. وجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليسقي عليه الماء بين الصّرايم تشنّع عليه بهذا لأنّ المقلة حصاة صغيرة يقسم عليها. فضاق عن الأثفية القعب إذ رمى ... بها عنبريّ مفطر غير صائم يريد أنّ (القعب) لم يسع الجلمود لعظمه. ولمّا رأيت العنبريّ كأنّه ... على الكفل حرّان الضّباع القشاعم أي المسان، وقيل الضّبع لا صبر لها على العطش. صدى الجوف يهوي مسمعاة قد التظى ... عليه لظى يوم من القيظ جاحم (جاحم) : شديد، يهوي أي يجدد ما في رأسه من العطش. شددت له أزري وخضخضت نطفة ... لصديان يرمي رأسه بالسّمايم أي تحيات لأوثره على نفسه خوفا من أن يموت.

стр. 424

وقلت له ارفع جلد عينيك إنّما ... حياتك بالدّهنا وحيف الرّواسم أمر صاحبه أن يشمّر للسّير أي حياتك في قطع الطّريق. شعر: عشيّة خمس القوم إذ كان فيهم ... بقايا الأداوي في النّفوس الكرائم فآثرته لمّا رأيت الذي به ... على القوم أخشى لا حقات الملاوم حفاظا ولو أنّ الإداوة تشترى ... غلت فوق أثمان عظام المغارم على ساعة لو كان في القوم حاتما ... على جوده ضنّت بها نفس حاتم وكان كأصحاب ابن مامة إذ سقى ... أخا النّمر العطشان يوم الضّجاعم (الضّجاعم) : من منازل الفرزدق، شبّه الفرزدق بنفسه بكعب بن مامة الإيادي لما آثر العنبري على نفسه، وذلك أن كعبا نزل بموضع يقال وهب أو وهبين وقد اتّقد القيظ، وكان صديقه ورفيقه النّمري في سفرته فعطش القوم فاقتسموا وكاد النّمري يهلك عطشا، فقال لساقي القوم: اعط أخاك النّمري يصطبح، فجعل له الماء صبوحا لعزّه، وإنما يكون الصّبوح في اللّبن والنّبيذ، ثم أعاد القوم القسم فنظر كعب إلى النّمري قد غلبه العطش، ودارت عيناه في رأسه، فقال لصاحب القسم: اعط أخاك النّمري يصطبح، فآثره بشربته، ثم ثلّث السّاقي فآثره، وارتحل القوم، فلما ركبوا الفلاة أناخ كعب ناقته وقال: يا قوم النّجاء ألا ماء معكم فإنّي أحسّ الموت، فمات كعب وارتحل أصحابه، ومعهم نجيبته وسلاحه ومتاعه فأوردوه أهله فقال أبوه وقد كتم بعض الخبر شعرا: أمن نطف الدّهنا وقلة مائها ... ذوات الرّمال لا يكلّمني كعب فلو أننّي لاقيت كعبا مكسرا ... بأنقاء وهب حيث ركبها وهب لآسيت كعبا في الحياة التي ترى ... فعشنا جميعا أو لكان لنا شرب وقال فيه: ما كان من أحد أسقى على ظمأ ... خمرا بماء إذا ناجورها بردا من ابن مامة كعب ثم عى به ... زوء المنيّة إلا حرة وقدا يروى وقذا فيه: وفى على الماء كعب ثم قيل له ... يا كعب إنّك ورّاد فما وردا ويروى ورد كعب. وأما التّعاقب بها فمنه قول الفرزدق شعرا: أقول لمغلوب أمات عظامه ... تعاقب أدراج النّجوم العوائم

стр. 425

ستدنيك من خير البريّة فاعتدل ... سأقل نصّ اليعملات الرّواسم و (تعاقب النّجوم) : أن يؤقّت القوم لمقدار مسيرهم رقتا فتلك عقبتهم، فإذا قضوها ودخلوا في غيرها من أمثالها فتلك عقبة ثانية، فإن دام ذلك منهم فذلك تعاقب أدراج الكواكب، ومن ذلك سمّوا الطّريق مدرجة، ومن هذا قول الرّاجز يخاطب ناقته: سامي سمامات النّهار واجعلي ... لفلك ادراج النّجوم الأفل ويقال للكوكب الذي يعاقب به: معقب. فقال ذو الرّمة يذكر المطايا ودوام سيرها: إذا اعتقبت نجما وغاب تسحّرت ... علالة نجم آخر اللّيل طالع جعل السّير سحورا لها في الآخر، كما جعلها غبوقا لها في الأوّل. وقال الرّاعي وذكر إبله: أرى إبلي تكالأ راعياها ... مخافة جارها طبق النّجوم (تكالأ) : تحارس وقوله: (طبق النّجوم) أي اللّيل كلّه فتكالؤها طبق النّجوم وهو درج النّجوم. ومن هذا قول الآخر: ولا العسيف الذي يشتدّ عقبة ... حتى يبيت وباقي نعله قطع وقال بعضهم: فأصبحن لا يتركن من ليلة السّرى ... لذي الشّوق إلّا عقبة الدّبران كأنهم جعلوا لمدى سراهم طلوع نجوم معلومة، وكان الدّبران آخرها، فقضوا عقب تلك النّجوم كلّها إلّا عقبة الدّبران، فإنّهم قطعوا السّير حين بلغوه، وكان المشتاق يهوى ألّا يقطعوه وقال حميد بن ثور شعرا: قد لاحه عقب النّهار وسيره ... بالفرقدين كما يلاح المسعر
следующие страницы →