Полный текст (562 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قوله: (ولا ضوء كوكب) : يعني أنّ الكواكب غمّت في القتام فهداهم بالقمر ثم أخبر أنّ (القمر أيضا ضئيل) لما دونه من القتام، فكأنّه في تلك الحالة (سوار مذهب) .
وذكر ابن الأعرابي وهو يعد أدلّاء العرب في الإسلام، فقال: هم ثلاثة فذكر رافعا وعبد الجبار وزاد في شعره:
تفرّ فرار الشّمس ممّن وراءنا ... ونمسي بجلباب من اللّيل غيهب
فإلا تصبح بعد خمس ركابنا ... سليمان من أهل الملاء تناوب
قوله: (نفرّ فرار الشّمس) يريد أنا نتوجه إلى المغرب كما تغرب الشّمس.
وجعل الثالث منهم خالد بن دثار الفزاري دليل ابن فزارة على بنات قين حين قتلت كليبا. وقال أبو ذؤيب: يشبّه النّجوم بالوحش وهو يذكر امرأة:
بأطيب منها إذا ما النّجوم ... تعانقن مثل توالي البقر
وقال آخر:
وردت وأرادف النّجوم كأنّها ... مهاة علت من رمل يبرين رائبا
وقال ذو الرّمة يشبّه الوحش بالكوكب شعرا:
كأنّ بلادهنّ سماء ليل ... تكشّف عن كواكبها الغيوم
وقال آخر:
وردت وآفاق السّماء كأنّها ... بها بقر أقناؤه وهراقبه
الهراقب: المسان شبه الكبار بالهراقب، والصّغار بالأقناء. وقال ابن كناسة وفي الاهتداء بالنّجوم يقول الشاعر:
نؤمّ بآفاق السّماء وترتمي ... مغانيها- أرجاء دواية قفر
وقال أبو حنيفة قول الشاعر:
رأت غلامي سفر بعيد ... يدرعان اللّيل ذا السّدود
إما بكل كوكب جريد إنّما اختص الفرد الحريد لأنّ الجماعة يتغيّر حالها في المطالع والمغارب والمجاري فتلتبس، وضبط السّير بالحريد أسهل، ومن لم يكن مدرّبا بمعرفة أعيان الكواكب التبس عليه الحريد أيضا إذا تغيّر مكانه.
стр. 422
وروي عن شيخ من العرب أنّه سرى برفيق له فتعب، فقال لرفيقه: هذا الجدي جداه كثيرة فلم أدر أيّها هو، ولذلك قال الآخر شعرا:
بصباصة الخمس في زوراء مهلكة ... يهدي الأدلّاء فيها كوكب وحد
وقال الفرزدق يهجو عاصما العبدي، وكان أدّل العرب وأعرفهم بالنّجم وأقدمهم على هول اللّيل باللّيل، وأراد أن يضلّ الفرزدق ويقتله غشّا وذاك أنّه استصحبه إلى المدينة ليلقى سعيد بن العاص، ورغبه في جعله، فلما ركب الفلاة أراد أن يغتال الفرزدق ليحظى به عند زياد ويحبوه ويعطيه، فلما كانا في اللّيل وأمعنا في السّير انتبه الفرزدق فإذا النّجم على غير الطريق، فصاح بالعنبري إنّك على غير الطريق، فانتبه فقال: أنت على الطريق، ناولني إداوتك فإنّي عطشان وخبّأ اداوته، فقال الفرزدق: والذي أحلف به لتموتنّ قبلي، وشهر السّيف عليه فأقامه على الطّريق، وعرض لهما الأسد على الطّريق، فقال العنبري هذا الأسد على الطّريق، فأناخ الفرزدق ناقته وأخذ سيفه وجحفته وأقبل إلى الأسد وهو يقول:
فلأنت أهون من زياد شوكة ... اذهب إليك محزّم الشّغار
فتنحّى الأسد عن الطريق ومضيا، فقلب الفرزدق هذا المعنى كله ونسب العنبري إلى الجبن وأنه ليس بالخرّيت راع لا يصلح إلّا لرعي الغنم وطعن في نسبه. فقال شعرا:
ما نحن إن جارت صدور ركابنا ... بأوّل من عزّت هداية عاصم
أراد طريق العنصلين فياسرت ... به العيس في ناي الصّوى متشايم
(العنصلين) على طريق مكة، (وياسرت) : أخذت يسارا و (المتشايم) الآخذ إلى الشام، قال: وسمعت فصيحا يقول: توصّلوا أتوا الموصل فأسقط الميم.
فكيف يضلّ العنبريّ ببلدة ... بها قطعت عنه سيور التمائم
أي لو كان عنبريا لعرف بلاده.
فإنّ امرؤ ضلّ البلاد التي بها ... تغبّر ثديي أمّه غير حازم
(تغبّر) : أي أتم رضاعه، والغبر بقية اللّبن.
بلاد بها ذلّت يديه ورأسه ... ورجليه من جار استها المتضاجم
يعني (بالجار) الفرج وأصل (الضّجم) العوج في شفتي الرّجل.
شعر:
ولو كان في غير الفلاة خنوعا ... خنوعا بأعناق الجداء التّوائم
стр. 423
أي لو كان في رعي الجداء لأحسن رعيها وأخذها بأعناقها ففصلها عن أمهاتها.
شعر:
وكنت إذا كلّفت صاحب ثلة ... سرى اللّيل دنا أم فروج المخارم
(الثّلة) : القطيع من الشّاء و (الثّلة) الجماعة من الناس و (دنا) قصر و (الفروج) الطّرق.
رأى اللّيل داغول عليه ولم يكن ... يكلّفه المعزى عظام المجاشم
(الغول) الموت ومنه غالته غول.
أنخنا بهجر بعدما وقد الحصى ... وذاب لعاب الشّمس فوق الجماجم
ونحن بذي الأرطي يعيس ظماؤنا ... لنا بالحصى شربا صحيح المقاسم
أي ليس فيه ضيم، أي لا يفضل فيه أحد على أحد.
شعر:
فلما تضاما في الإداوة أجهشت ... إلى غضون العنبري الجراضم
(تضافى غضونه) عروق حلقه وثنيه، و (الجراضم) الشّديد الأكل، ويروى: فلمّا تصافنا الإداوة، و (التّصافن) : التّقاسم على الماء عند قلتّه وضيقه في المفاوز.
وجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليسقي عليه الماء بين الصّرايم
تشنّع عليه بهذا لأنّ المقلة حصاة صغيرة يقسم عليها.
فضاق عن الأثفية القعب إذ رمى ... بها عنبريّ مفطر غير صائم
يريد أنّ (القعب) لم يسع الجلمود لعظمه.
ولمّا رأيت العنبريّ كأنّه ... على الكفل حرّان الضّباع القشاعم
أي المسان، وقيل الضّبع لا صبر لها على العطش.
صدى الجوف يهوي مسمعاة قد التظى ... عليه لظى يوم من القيظ جاحم
(جاحم) : شديد، يهوي أي يجدد ما في رأسه من العطش.
شددت له أزري وخضخضت نطفة ... لصديان يرمي رأسه بالسّمايم
أي تحيات لأوثره على نفسه خوفا من أن يموت.
стр. 424
وقلت له ارفع جلد عينيك إنّما ... حياتك بالدّهنا وحيف الرّواسم
أمر صاحبه أن يشمّر للسّير أي حياتك في قطع الطّريق.
شعر:
عشيّة خمس القوم إذ كان فيهم ... بقايا الأداوي في النّفوس الكرائم
فآثرته لمّا رأيت الذي به ... على القوم أخشى لا حقات الملاوم
حفاظا ولو أنّ الإداوة تشترى ... غلت فوق أثمان عظام المغارم
على ساعة لو كان في القوم حاتما ... على جوده ضنّت بها نفس حاتم
وكان كأصحاب ابن مامة إذ سقى ... أخا النّمر العطشان يوم الضّجاعم
(الضّجاعم) : من منازل الفرزدق، شبّه الفرزدق بنفسه بكعب بن مامة الإيادي لما آثر العنبري على نفسه، وذلك أن كعبا نزل بموضع يقال وهب أو وهبين وقد اتّقد القيظ، وكان صديقه ورفيقه النّمري في سفرته فعطش القوم فاقتسموا وكاد النّمري يهلك عطشا، فقال لساقي القوم: اعط أخاك النّمري يصطبح، فجعل له الماء صبوحا لعزّه، وإنما يكون الصّبوح في اللّبن والنّبيذ، ثم أعاد القوم القسم فنظر كعب إلى النّمري قد غلبه العطش، ودارت عيناه في رأسه، فقال لصاحب القسم: اعط أخاك النّمري يصطبح، فآثره بشربته، ثم ثلّث السّاقي فآثره، وارتحل القوم، فلما ركبوا الفلاة أناخ كعب ناقته وقال: يا قوم النّجاء ألا ماء معكم فإنّي أحسّ الموت، فمات كعب وارتحل أصحابه، ومعهم نجيبته وسلاحه ومتاعه فأوردوه أهله فقال أبوه وقد كتم بعض الخبر شعرا:
أمن نطف الدّهنا وقلة مائها ... ذوات الرّمال لا يكلّمني كعب
فلو أننّي لاقيت كعبا مكسرا ... بأنقاء وهب حيث ركبها وهب
لآسيت كعبا في الحياة التي ترى ... فعشنا جميعا أو لكان لنا شرب
وقال فيه:
ما كان من أحد أسقى على ظمأ ... خمرا بماء إذا ناجورها بردا
من ابن مامة كعب ثم عى به ... زوء المنيّة إلا حرة وقدا
يروى وقذا فيه:
وفى على الماء كعب ثم قيل له ... يا كعب إنّك ورّاد فما وردا
ويروى ورد كعب. وأما التّعاقب بها فمنه قول الفرزدق شعرا:
أقول لمغلوب أمات عظامه ... تعاقب أدراج النّجوم العوائم
стр. 425
ستدنيك من خير البريّة فاعتدل ... سأقل نصّ اليعملات الرّواسم
و (تعاقب النّجوم) : أن يؤقّت القوم لمقدار مسيرهم رقتا فتلك عقبتهم، فإذا قضوها ودخلوا في غيرها من أمثالها فتلك عقبة ثانية، فإن دام ذلك منهم فذلك تعاقب أدراج الكواكب، ومن ذلك سمّوا الطّريق مدرجة، ومن هذا قول الرّاجز يخاطب ناقته:
سامي سمامات النّهار واجعلي ... لفلك ادراج النّجوم الأفل
ويقال للكوكب الذي يعاقب به: معقب. فقال ذو الرّمة يذكر المطايا ودوام سيرها:
إذا اعتقبت نجما وغاب تسحّرت ... علالة نجم آخر اللّيل طالع
جعل السّير سحورا لها في الآخر، كما جعلها غبوقا لها في الأوّل. وقال الرّاعي وذكر إبله:
أرى إبلي تكالأ راعياها ... مخافة جارها طبق النّجوم
(تكالأ) : تحارس وقوله: (طبق النّجوم) أي اللّيل كلّه فتكالؤها طبق النّجوم وهو درج النّجوم. ومن هذا قول الآخر:
ولا العسيف الذي يشتدّ عقبة ... حتى يبيت وباقي نعله قطع
وقال بعضهم:
فأصبحن لا يتركن من ليلة السّرى ... لذي الشّوق إلّا عقبة الدّبران
كأنهم جعلوا لمدى سراهم طلوع نجوم معلومة، وكان الدّبران آخرها، فقضوا عقب تلك النّجوم كلّها إلّا عقبة الدّبران، فإنّهم قطعوا السّير حين بلغوه، وكان المشتاق يهوى ألّا يقطعوه وقال حميد بن ثور شعرا:
قد لاحه عقب النّهار وسيره ... بالفرقدين كما يلاح المسعر
стр. 426
الباب السادس والأربعون في صفة ظلام اللّيل واستحكامه وامتزاجه
قال النّضر: سدف اللّيل: ظلماؤه وستره، وقد أسدف علينا اللّيل أي أظلم، وقال غيره: السّدف والسّدفة بقيّة من سواد اللّيل في آخره مع الفجر. وقال الأصمعيّ: السّدف الظّلمة. قال العجّاج: وأقطع اللّيل إذا ما أسدفا. والسّدف: الضوء أيضا. قال أبو داود:
فلمّا أضاءت لنا سدفة ... ولاح مع الصّبح خيط أنارا
وقال الدّريدي: كلّ العرب يسمّي الظّلمة سدفا إلّا هوازن فإنّها تقول: أسدفي لنا أي أسرجي لنا، فكأن السّدفة عندهم اختلاط بياض الصّبح بباقي سواد اللّيل وذلك عند سائر العرب (الغطاط والغبش) بقية من سواد اللّيل في آخره والجميع أغباش. قال ذو الرّمة:
أغباش ليل تمام كان طارقه ... تطخطخ حتّى ماله جوب
ويقال: غبش اللّيل وأغبش.
ويقال: غسا اللّيل غسوا وغسي غسّا، وأغسى اللّيل أيضا إذا أظلم. ويقال لمن أراد السّفر أغس من اللّيل شيئا ثم ارتحل أي أقم ساعة.
ويقال للظلّمة والآمر غير الرّشيد عشوة وعشوة وعشوة وتعشّيتني أوطأتني عشوة، وأعشينا دخلنا في الظّلمة، والعشواء بمنزلة الظّلماء، ويقال: هو في عشواء من أمره.
و (الغطش) السّدف وقد أغطش اللّيل وغطش أيضا.
وأغسينا: أمسينا. قال الأصمعي: أغسى اللّيل وغسى يغسى وغسا يغسو، غسوا، وهو مساؤه واختلاطه. وحكى أبو بكر الدّريدي عن الأصمعي قال: قلت لأبي عمرو أتقول غس اللّيل يغسي؟ فقال: سمعت أعرابيا منذ ستين سنة ينشد:
كأنّ اللّيل لا يغسى عليه ... إذا زجر السّبنداة الأمونا
стр. 427
وهذا من غسى يغسى، وسمعت بعد ذلك لسنين منشدا ينشده شعرا:
فلمّا غسي ليلي وأيقنت أنّها ... هي الأرباء جاءت بأمّ حبو كرا
فهذا من غسى يغسو. ثم سمعت رويتكم ينشد. (ومر أيام وليل مغس) فهذا من غسى يغسى.
ويقال: ليل دامس: وهو الأسود الذي ألبس كلّ شيء وقد دمست ليلتك تدمس دموسا. وأنشد:
لو كنت أمسيت طليحا ناعسا ... لم يلق ذا رواية درابسا
يسقى عليها أغنما خوامسا ... يحتاب موماة وليلا دامسا
وشركا من الطّريق دارسا ... يحمل سوطا أو وبيلا يابسا
(الوبيل) : الهراوة وأصل (الدّمس) : التّغطية. وأنشد الفرّاء عن الكسائي شعرا:
إذا ذقت فاها قلت علق مدمس ... أريد به قيل فغودر في سأب
أراد (بالعلق) الخمر و (المدمس) المغطى و (القيل) الملك و (السأب) الزّق.
ويقال: غلسنا الماء أي أتيناه قبل الصّبح بسواد من اللّيل وجنوح اللّيل إذا ذهب معارف الأرض لظلامه.
وجنون اللّيل إظلامه، ويقال: جنّ علينا اللّيل. النّضر يقال: تطخطخ اللّيل وأظلم في غيم وغير غيم إذا لم يكن فيه قمر، فإن كان فيه قمر فجاء غيم وذهب بضوئه فقد تطخطخ أيضا، وليلة طخياء، وقد طخطخ اللّيل على فلان بصره أي تركه لا يبصر من ظلمته، وتطخطخ بصر فلان: أي عمي.
ويقال: تدحرج اللّيل أيضا: وهو اختلاطه وظلماؤه كان فيه غيم أو لم يكن وتدحرجت الظّلماء وأنشد:
حتى إذا ما ليله تدحرجا ... وانجاب لون الأفق البرندجا
ويقال: ليلة غدرة ومغدرة: بينّة الغدر إذا كانت شديدة الظّلمة، وفي الحديث:
«المشي إلى المسجد في اللّيلة المغدرة يوجب كذا وكذا» .
وليلة دامجة وليل دامج وخداري قال يعقوب: الخدارية الظّلماء الشّديدة السّواد البهيم، ويقال: ليلتك هذه خدارية قال العجّاج:
وخدر اللّيل فيجتاب الخدر
стр. 428
ويقال: غطا اللّيل يغطو إذا ألبس كل شيء. وكل شيء ارتفع فقد غطا. وكذلك: دجا اللّيل يدجو إذا ألبس كلّ شيء، وتدجّى أيضا وأدجى. قال يعقوب: وليس هو من الظّلمة إنّما هو من الاشتمال. وقال الأصمعي: ودجا شعر الماعزة: إذا ألبس بعضه بعضا.
وأنشدني أعرابي أبى مذ دجا الإسلام لا يتجنّف. وقال: وتدجّى بعد نور، واعتدل، وقال غيره: ليلة داجية سوداء. وأنشد في أدجى شعرا:
إذا اللّيل أدجى واستقلّت نجومه ... وصاح من الإفراط هام جواثم
وقال نضر: الدّجى دجى الغيم وهو أن لا ترى قمرا ولا نجما، لأنّ السّحاب يواريه ولا يكون الدّجى إلا باللّيل، وهذه ليلة دجى، وما زلنا نسير في دجى حتى أتيناكم أبو زيد غمى مثل كسلى إذا كان على السّماء غمى مثل رمى، وغمّ وهو أن يغمّ عليهم الهلال، وليل دجوجي قال:
وليل دجوجي تعسّفت هوله ... بلا صاحب إلا الحسام المذكّر
(غيره) : ليلة مدلّهمة: مظلمة، وديجور وديجوج. والطّرمساء الظّلمة. يقال: أطرمس اللّيل أي أظلم. وقال الدّريدي: الطّرمساء تراكب الظّلمة والغبار. ومنه طرمس اللّيل وطرسم. ويقال: الطّلمساء أيضا. وأنشد في ليلة طخياء طرمساء. والطّرمسة والطّلمسة ومرّ طرمساء من اللّيل: أي قطعة عظيمة. وحكى أبو حاتم طرفساء أيضا.
والغيهب نحوه، والعلجوم الظّلمة وكل شيء أسود. قال ذو الرّمة: ظلماء علجوم:
أي التي لا ترى معها من سوادها شيئا. والمسحنكك الأسود، والملطخم مثله، الأموي ليلة غاضية شديدة الظّلمة. يقال: ليل طيسل: مظلم، عن أبي عمرو ليل دحمس، قال أبو نخيلة:
وادّرعي جلباب ليل دحمس ... أسود داج مثل لون السّندس
(والغردقة) : إلباس اللّيل، يقال: غردقت سترها إذا أرسلته، وتأطم اللّيل ظلمته.
(وليلة مطلخمّة) : وقد اطلخمّت علينا الظّلمة فما يبصر منها شيئا.
يقال: ليلة بهيم لا يبصر فيها شيء، وليال بهم. والحندس: اللّيل الشّديد الظّلمة.
يقال: حندس اللّيل وليال حنادس قال شعرا:
وليلة من اللّيالي حندس ... لون حواشيها كلون السّندس
ويقال: ليلة طخياء: بيّنة الطّخاء، وذلك إذا كان السّحاب بعد قمر، فاشتدّت الظّلمة
стр. 429
فطخا اللّيل، وسرنا إليكم في ليال طخى، قال الرّاجز:
وليلة طخياء ترمعل ... فيها على السّاري نديّ مخضل
ترمعل: يسير يقال أرمعل دمعه: سال.
ويقال: ظلمة ابن جمير، وفحمة ابن جمير: للّيلة التي لا يطلع فيها القمر.
قال: نهارهم ليل بهيم، فإن كان بدرا فحمة ابن جمير رماهم بالتلصّص والتّغيب بالنّهار، وقال ابن زهير:
وإن أغار فلم يحلى بطائلة ... في ظلمة ابن جمير ساور القطما
قوله: لم يحلى: أتى بالفعل على التمام. وذكر بعضهم أنّ ابن جمير: اللّيل المظلم لاجتماع النّاس إلى منازلهم. وابن ثمير: اللّيل المقبل، لأنّه يثمر انبساط النّاس للحديث وغيره من التّصرف. قال: وهذا من قولهم: هذا جمير القوم أي مجتمعهم وشعر مجمر أي مضغور ومجمور، وأجمروا على الآلاء أي أجمعوا.
وليلة معلنكسة؛ أي مظلمة، وليلة ظلماء ديجور، وهي الدّياجير أي الظّلمة وليل عظلم أي مظلم. قال:
وليل عظلم عرّضت نفسي ... وكنت مشيّعا رحب الذّراع
ويقال: أغضن اللّيل وأغضى وأغضف وطلخم وادلهمّ وروق.
ويقال: أرخى رواقيه وسجوفه وسدوله.
وغسق اللّيل: ظلمته، ومنه قول عمر حين غسق اللّيل على الضّراب أي انصبّ.
وسجو اللّيل إذا غطّى اللّيل النّهار، ويقال: هو من التّسجية، كقولك سجية بالثّور.
قال:
يؤرّق أعلى صوتها كلّ فائح ... حزين إذا ليل التمام سجالها
وحكى قطرب الغبس بعد الفحمة. وقال الخليل: هو لون الذّئب، يقال: ذئب أغبس وليل أغبس، وغبس اللّيل وأغبس. وعسعس اللّيل إذا أظلم وإذا أدبر.
قال قطرب: هي من الأضداد، وحقيقة ذلك أنّها طرفاه، فهذا ما ذهب عن معظمه.
وقال ابن عبّاس: واللّيل إذا عسعس أي أدبر. وقال علقمة:
حتّى إذا الصّبح لنا تنفّسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
стр. 430
وقال آخر:
وردت بأفراس عتاق وفيّة ... فوارط في أعجاز ليل معسعس
وقال آخر:
قوارب من غير دجن مسسا ... مدّرعات اللّيل لمّا عسعسا
والشّميط: بياض الصّبح في سواد اللّيل وهو عندنا مشبّه بالشّيب، وقد قيل في الثّلاث من آخر الشّهر الدّادي، ثم جعل دادي صفة لشدّة ظلمتهن كما قيل: حنادس ثم قالوا: أسود حندس.
ويقال: إنّ عليك ليلا أغضف، وهو الذي علا كل شيء، وألبسه، وقد تضغف علينا اللّيل أي ألبسنا وأظلم علينا.
ويقال: إنّ عليك ليلا مرحجنا، وهو المجلّل والملبس وقد أرحجن اللّيل.
وليل اثجل: أي واسع وليلة ثجلاء، ويوم اثجل.
وعكمس اللّيل: أظلم، وهو عكامس وعكمس متراكم الظّلمة كثيفها.
وأدلمس اللّيل: وليل دلامس: مظلم.
وحكى الدّريدي: طرشم اللّيل وطرمش أظلم، وغطرش اللّيل بصره وغرطش: أظلم عليه.
والغيطل: اختلاط ظلمة اللّيل واختلاط أصوات النّاس واشتقاقه من الغطل: وهو تغطية الشيء، يقال: غطلت السّماء يومنا وأغطلت إذا أطبق دجنها.
ويقال: أتانا حين وارى دمس دمسا وحين سد اللّيل كلّ خصاص ودارى كل جداد.
وأنشد:
واللّيل غامر جدادها دجا ... حين قلت أخوك أم الذّئب
ويقال: ليل أدعج، ويقال: التّفت غياطل اللّيل، واسحنكك عساكره وتلاحزت المسالك به، وذلك تراكم الظّلمة ومعنى تلاحزت: تضايقت.
وشجيج لحز: أي ضيق. والفتل إظلام الأرض من النّخل والشّجر.
ويقال: غتل يغتل غتلا حكاه الدّريدي. وقال أبو مالك: السّديم الرّفيق من الضّباب.
وأنشد شعرا:
وقد حال ركن من أحيمر دونهم ... كأنّ ذراه جلّلت بسديم
стр. 431
والجنان ذكر بعضهم في أسماء اللّيل. وأنشد:
وساري جنان مقفعل بناته ... رفعت بضوء ساطع فاهتدى ليا
يعني رجلا أقوى فاستنيخ فأوقد له نارا ليهتدي بها، وقال غيره: جنان اللّيل ظلمته وأنشد:
ولولا جنان اللّيل أدرك ركضنا ... بذي الأثل والأرطي عياض بن ناشب
وحكى عمرو عن أبيه قال: سمعت أعرابيا يقول: ما زلت أتعسف الهولول حتى سطع الفرقان، قلت: ما الهولول؟ قال: ظلمته. قلت: وما الفرقان؟ قال: الصّبح.
وحكى سلمة عن الفرّاء عن الكسائي قال: لم يسمع في الألوان فعلول إلّا هذا، وحلكوك، قال ثعلب: قلت: ذلك لابن الأعرابي فوافقه.
ويقال: أطم الدّجى وأقفل باب النّور بالظّلمة قال:
بدا لي كملتاح الجناحين والدّجى ... مطم وباب النّور باللّيل مقفل
وقالوا: قسورة اللّيل: شدّته، وقسوره، وقال توبة بن الحمير: وقسورة اللّيل الذي بين نصفه وبين العشاء قد أذابت أسيرها، وقيل في قوله تعالى: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
[سورة المدّثّر، الآية: ٥١] إنّه الأسد، وقيل: أريد به الرّماة وأنشد:
وقسورة أكتافهم في قسيّهم ... إذا ما مشوا لا يغمزون من النّساء
ويقال: دبر اللّيل دبورا وأدبر فدبر: ذهب وأدبر ولّى، وقيل: أدبر أخذ به في النّقص، وكما قيل: دبر وأدبر بمعنى قبل قبل وأقبل. وقال ابن عباس: إنمّا هو واللّيل إذا دبر. فأما أدبر: فإنما يقال: أدبر: ظهر البعير وقرأه زيد إذا أدبر، ويقال: دبرني أي جاء من خلفي.
стр. 432
الباب السّابع والأربعون في صفة طول اللّيل والنّهار، وقصرهما وتشبيه النّجوم بها
ويقال: متح اللّيل وهو يمتح متحا إذا طال وكذلك النّهار.
ومنه قولهم: بيننا وبينهم كذا فرسخا متحا أي مدّا وفرس متاح مداد.
وسرنا في ليلة عكامسة وعكمسة أي طويلة، حكاه أبو حاتم قال: ويقال: عكر عكامس أي كثير من الإبل.
ويقال: يوم اثجل أي واسع وليلة ثجلاء، ومنه الثجل في الخاصرة وليل التّمام في الشّتاء أطول ما يكون اللّيل، ويكون لكلّ نجم أي يطول اللّيل حتى تطلع النّجوم كلّها في ليلة واحدة. قال: وسمعت أبا عمرو يقول: إذا كان اثنتي عشرة ساعة فما زاد فهو ليل التّمام. وأنشد:
لقد طرقت دهماء والبعد دونها ... وليل كأثناء اللّقاع بهيم
على عجل والصّبح تال كأنّه ... بأدعج من ليل التّمام بريم
فجعل ليل التمام للطّويل من اللّيالي خاصة آخر.
كأنّ شميط الصّبح في أخرياته ... ملاء تجلى عن طيالسة خضر
تخال بقاياها التي أسأر الدّجى ... تمدّ وشيعا فوق أردية الفجر
ويقال: أغضب وهو انثناؤه وطوله واجتماعه وإقباله.
وحكي أنّ عليك ليلا أغضف، قال العجّاج: فانغضفت بمرحجن أغضفا.
(والمرحجن) : الطّويل الثّقيل، وقال الدّريدي: ذكر أبو عبيدة أنّ المتلهب والمتمهل مثل المسجهر وهو امتداد اللّيل وغيره. وحكى ثعلب عن رجاله قالوا: ليل التّمام في الشّتاء أطول ما يكون لكل نجم طويل أي يطول اللّيل حتى تطلع النّجم كلّها وقال أبو عمرو
стр. 433
الشّيباني وحده إذا كان ظلمته خالصة فهو الخيط الأسود، وإذا خلص ضوؤه فهو الخيط الأبيض. والبريم والشّميط إذا اختلط، وفي القرآن: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
[سورة البقرة، الآية: ١٨٧] .
وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: ما كان من الأجسام والمعاين من الأشياء فهو التّمام بالكسر الفصيح العالي، ويجوز التّمام بالفتح وما كان من الكلام والأفعال وما شاكلها فهو التّمام بالفتح لا يجوز غيره، يقال: ليل التّمام والتّمام وقمر التّمام والتّمام وولدته للتمام والتمام. فإذا جئت إلى الأفعال والكلام قلت: تمّ الكلام تماما، وتمّ الأمر تماما، وإذا أردت أنّ القمر تمّ في نفسه قلت: تمّ تماما وتم النّهار تماما وتمّ اللّيل تماما. وقال الأصمعيّ: لا يكسر التاء منه إلا في الحمل واللّيل وما يجري مجرى المثل طال عليّ اللّيل ولا أسب له أي لا أكن كالتّسبّي فأستطيله يدعو لنفسه أن لا يبتلي بما يطيل اللّيل عليه.
الأصمعي شهر المليساء أطول الشّهور عليهم، وأتعبها لهم، ويكون على أثر الصّفريّة وهو نجمان السّماك والغفر، فهم يشتغلون في أيام المليساء بأنفسهم ومواشيهم ومسيرهم، لأنّهم يحتاجون إلى إعداد المثاوي والبيوت ومأوى الإبل والغنم والعنز والحظائر، والضّرب في الأرض استعدادا للشّتاء.
وحكى الدّريدي: اجرهد النّهار أو اللّيل طال، واجرهد بالقوم السّير: إذا امتدّ بهم ظلام وشدة. وأنشد:
وليلة داجية طخياء ... حالكة الإهاب والرّداء
يضرب بالذّاهب وجه الجائي ابن المعذل:
أقول وجنح الدّجى ملبّد ... وللّيل في كلّ فجّ يد
ويقال: عجبت من سرع ذلك الوقت، ومن سريحه في اللّيل والنّهار جميعا قال:
فيقولون: أدرك يومك أو ليلتك بربغة أي: بجنة وحدثانة، وهذا كما يقال: اتق النّاقة بجن ضراسها أي بحدثان نتاجها وسوء خلقها، ويدخل في هذا الباب قول الشّاعر:
يكون بها دليل القوم نجم ... كعين الكلب في هبيء قباع
يعني أنّ الكوكب بالظّلام تعصّب وبالقتام انتقب، فليس يظهر منه إلّا شّفا وشبهه بعين الكلب: لدوام إغضائه واتّصال نعاسه. والهبي جمع هاب وهو الذي حال دونه الهباء.
والقباع: الدّواخل في الظّلام.
ويقال: قبع القنفذ إذا أدخل رأسه في قرونه قبوعا، وعلى هذا يقولون: تخاوصت
стр. 434
النّجوم وتخازرت. أبو تمام:
إليك هتكنا جنح ليل كأنّه ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد
أبو نواس:
أبن لي كيف صرت إلى حريمي ... ونجم اللّيل مكتحل بغار
فأمّا تشبيه النّجوم فبابه واسع إلا أنا نذكر منه ما يستحسن من شعر القدماء أو يستغرب من ذلك قول مهلهل:
أليلتنا بذي جسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري
فإن يك بالذّنائب طال ليلي ... فقد أبكى من اللّيل القصير
وأنقذني بياض الصّبح منها ... لقد أنقذت من شرّ كبير
كأنّ كواكب الجوزاء عوذ ... معطفة على ربع كسير
كأنّ بنات نعش ثانيات ... وفرقدهنّ مجتنب الأسير
تتابع مشية الإبل الزّهارى ... لتلحق كلّ تالية غيور
وتحنو الشّعريان إلى سهيل ... يلوح كقمّة الجمل الغرير
كأنّ الغدرتين مكفّ ساع ... ألحّ على تمايله ضرير
كأنّ التابع المسكين شيخ ... يزجّي أعنزا خلف الوقير
كأنّ النّجم إذ ولّى سحيرا ... فصال جلن في يوم مطير
كأنّ الفرقدين يدا مغيض ... يكبّ على مقاسمة الجزور
كأنّ مجرة النّسرين نهج ... لكل طريقة تحدى وغير
وعارضهنّ ناحية سهيل ... عراض مجرّب شكس غيور
كأنّ الجدي جدي بنات نعش ... يكبّ على اليدين كمستدير
كأنّ المشتري حسنا ضياء ... بنيق قاهر من فوق قور
وقال مضرس بن لقيط:
وليل يقول القوم من ظلماته ... سواء بصيرات العيون وعورها
كأنّ لنا منه بيوتا حصينة ... مسوحا أعاليها وساجا كسورها
قال ابن هومة:
وبنات نعش يبتدرن كأنّها ... بقرات رمل خلفهنّ جاذر
والفرقدان كصاحبين تعاقدا ... تالله تبرح أو تزول عتاير
والجدي كالرّجل الذي ما إن له ... عضد وليس له حليف ناصر
стр. 435
وتزاور العيّوق عن مجداته ... كالثّور يضرب حين عاف الباقر
وترفّع النّسران هذا باسط ... يهوي لسقطته وهذا كاسر
والنّطح يلمع والبظين كأنّه ... كبش يطرده لحتف ثائر
والحوت يسبح في السّماء كسبحه ... في الماء وهو بكل سبح ماهر
وكواكب الجوزاء مثل عوائد ... تمرى لهنّ قوادم وأواخر
وكأنّ مرزمها على آثارها ... فحل على آثار شول هادر
وتعرضت هادي السّعود كأنّها ... ركب تأوّب بطن تبع ماير
وبدا سهيل كالشّهاب مشبه ... راع على شرف العرينة ساير
وبدت نجوم بين ذاك كأنّها ... درّ تقطّع سلكه متناثر
وقال أبو الأشهب الأسدي:
ولاحت لساريها الثّريا كأنّها ... لدى الأفق الغربيّ قرط مسلسل
قال الهيثم بن عدي: قال لي صالح بن حسان: أنشدني أحسن بيت قيل في الثّريا، قال قلت: بيت عبد الله بن الزّبير الأسدي ﵄:
وقد خرم الغرب الثّريا كأنّها ... به راية بيضاء تخفق للطّعن
قال: أريد أحسن من هذا، قلت بيت امرئ القيس:
إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
قال: أريد أحسن من هذا، قلت بيت ذي الرّمة:
وردت اعتسافا والثّريا كأنّها ... على قمة الرأس ابن ماء محلّق
قال: أريد أحسن من هذا، قلت: بيت يزيد بن الطّثريّة
إذا ما الثّريا في السّماء كأنّها ... جمان وهي من سلكه فتبدّدا
قال: أريد أحسن من هذا، قلت: قول أبي قيس بن الأسلت:
وقد لاح في الصّبح الثّريا لمن يرى ... كعنقود ملاحية حين نوّرا
وقال الفرزدق:
كليل مهلهل ليلى إذا ما ... تمنّى اللّيل ذو الليل القصير
تهامى كأنّ شآميات ... جنحن لجانبيه إلى الغثور
كأنّ اللّيل يعطفه علينا ... ضرارا أو يكرّ إلى نذور
стр. 436
كأنّ نجومه ليل تثنّى ... لأزهر في مباركه عقير
وكيف بليلة لا نوم فيها ... ولا ضوء لساريها منير
وأنشد المبّرد:
إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضت ... يراها الحديد العين سبعة أنجم
على كبد الجرباء وهي كأنّها ... جبيرة درّ ركبت فوق معصم
(الجبيرة) : الدستبنج العريض وشبه ابن الرّومي الثّريا فقال: وذكر شعر امرأة:
يغشى غواشي قرونها قدما ... بيضاء للنّاظرين معتذره
مثل الثّريا إذا بدت سحرا ... بعد غمام وحاسر حسره
فأخذه ابن المعتز فقال:
وأرى الثّريا في السّماء كأنّها ... قدم تبدّت من ثياب حداد
وقال كعب الغنوي في الجوزاء:
وقد مالت الجوزاء حتّى كأنّها ... فساطيط ركب بالفلاة تزول
ولابن المعتز:
كأنّما الجوزاء في أعلى الأفق ... أغصان نور أو وشاح من ورق
وله:
كأنّ نجوم اللّيل في فحمة الدّجى ... رؤوس مدار ركّبت في معاجر
وله:
كأنّ سماءنا لمّا تجلّت ... خلال نجومها عند الصّباح
رياض بنفسج خضل نداه ... تفتّح بينها ورد الأقاحي
وله:
ورنا إلي الفرقدان كما رنت ... زرقاء تنظر من نقاب أسود
وله:
تظلّ الشّمس ترمقنا بلحظ ... مريض مدنف من خلف ستر
стр. 437
تحاول فتح غيم وهو يأبى ... كعنّين يحاول فضّ بكر
آخر:
ما ذقت طعم النّوم لو تدري ... كأنّ جنبي على جمر
في قمر مسترق نصفه ... كأنّه مجرفة العطر
وآخر:
والبدر يأخذه غيم ويتركه ... كأنّه سافر عن خدّ ملطوم
وقال امرؤ القيس:
نظرت إليها والنّجوم كأنّها ... مصابيح ركبان تشبّ لقفّال
وقال محمد بن يزيد بن مسلمة:
لمّا تراءى رخل ... ذات عشاء فمتع
وأخمس النّسرين شخص ... الرّدف بالحمل الذّرع
أطار نسرا واقعا ... وطائر النّسر يقع
فردا ووافى سيره ... وسار هذا اقشع
وعن سعد ذابح ... يتبعه سعد بلع
وسعد سعد بعده ... يسعد سعد ذو تبع
دافع ذا ذاك وذا ... دافع هذا فاندفع
أما مهار أم إذا ... أعرق في فوق نزع
يتلو نعاما واردا ... وصادرا حيث سكع
يطير ما طردن فإن ... وقعن في الأرض وقع
وعقرب يقدمها ... كليلها حيث دسع
لها مصابيح دجى ... تحكي مصابيح البيع
يتلو الزّبانى فإذا ... جد بها السّير طلع
ووارن الكفّ التي ... فيها خضاب قد نصع
قال الدّليل عرّسوا ... فليس في صبح طمع
هذا ظلام راكد ... ما للسّرى فيه نجع
والعيس في دويّه ... تعمل فيها وتدع
ممتدة أعناقها ... للورد عن غبّ التّسع
فإنّها سفائن ... يولج في الموج الدّفع
стр. 438
فقلت سدّد قصدها ... لا كنت من نكس ورع
أما ترى غفر الزّبا ... نى ساجدا أو قد ركع
وقبل ذاك ما لحا ... ضوء السّماك فخشع
وانتشرت عوّاؤه ... تناثر العقد انقطع
حتّى إذا الكبش ارتعى ... رغاؤه ثمّ نقع
تتابع الخيل جرت ... فيها مذك وجذع
يعيد في خافاتها ... هينمة ثم سطع
شعر:
كلمعة البرق اليما ... ني إذا البرق لمع
أو سلّة السّيف انتضى ... سلته القين الصّنع
في نقبه ينسجها ... بيضاء ما فيها لمع
وانهزمت خيل الدّجى ... تركض من غير فزع
والصّبح في أعراصها ... يخبّ طورا ويضع
فقلت إذ طار الكرى ... عن العيون وانقشع
لمّا بدا في رحله ... نشوان من غير جرع
ليس المذكّي سنة ... في الحرب كالغمر الضّرع
قال أبو الحسن العلوي الأصبهاني:
كأنّ سهيلا والنجوم أمامه ... يعارضه راع وراع قطيع
إذ قام من ربائه قلت راهب ... أطال انتصابا بعد طول ركوع
قال آخر:
فإذا كانت الشّعرى العبور كأنّها ... معلق قنديل عليه الكنائس
ولاح سهيل من بعيد كأنّه ... شهاب ينجيه عن الرّيح قابس
وقال آخر:
سريت على الجوزاء وهي كأنّها ... شمائل رقاص تميل مناطقه
قال محمد بن عبد الملك:
كأنّ كواكب الجوزاء لمّا ... سئمت تعرضت بالمنكبين
أخو حرب تقلّد قوس رام ... وقلّد خصره بقلادتين
стр. 439
قال العلوي الأصبهاني في النّسر شعرا:
وركب ثلاث كالأثافي تعاوروا ... دجى اللّيل حتّى أومضت سنة الفجر
إذا جمعوا سميتهم باسم واحد ... وإن فرّقوا لم يعرفوا آخر الدّهر
وقال أبو النّجم في إصغاء الشّمس للمغيب:
صب عليه قانص لمّا عقل ... والشّمس قد صارت كعين الأحول
ولابن الرّومي في طلوع الشّمس من خلل السّحاب:
ظلّت تسترنا وقد بعثت ... ضوءا يلاحظنا بلا لهب
قال ذو الرّمة في مثله وهو يصف امرأة:
تريك بياض لبّتها ووجها ... كقرن الشّمس أفتق ثم زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانفلّ سائره انفلالا
قال آخر في دارة الشّمس:
والشّمس معرضة تمور كأنّها ... ترس يقلّبه كميّ رامح
وأنشد ثعلب:
كأنّ ابن مزنتها جانحا ... فسيط لدى الأفق من خنصر
وقد تركنا تقصّي الباب لأنّ في هذا القدر كفاية.
стр. 440
الباب الثامن والأربعون في ذكر السّراب، ولوامع البروق، ومتخيّلات المناظر ووصف السّحاب
(السّراب) : هو الذي يتلألأ نصف النهار كأنّه ماء، لازقا بالأرض وهو الآل وقيل الآل يكون ضحوة، والسّراب نصف النّهار. وفي القرآن: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
[سورة النّور، الآية: ٣٩] وقيل في الفرق بينهما: إنّ الآل هو الذي يرفع كلّ شيء، وسمّي الآل لأنّ الشخص هو الآل، فلما رفع الشّخص قيل هذا آل. قال الأعشى:
حتّى لحقناهم تعدى فوارسنا ... كأنّنار عن قف يرفع الآلا
وقيل: هذا من المقلوب، أراد كأنّنار عن قف يرفعه الآل، والآل يرتفع عن وجه الأرض، واللّعاب الذي يتساقط من السّماء كأنّه زبد في مرأى العين ويسمى ريق الشّمس.
قال:
يثرن الثّرى حتّى يباشرن برده ... إذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل
ويلمع اسم السّراب، وفي المثل: إنما أنت يلمع.
ويقال لبرق الخلّب: يلمع أيضا ولذلك قيل: أكذب من يلمع، واليلامع من السّلاح:
ما برق نحو البيضة، ولا معا المفازة جانباها.
ويقال: ما بها لا مع أي أحد، و (الرّقراق) مثل السّراب وقيل رقراق السّراب ترقرقه.
قال الشّاعر:
يدوم رقراق السّراب برأسه ... كما دوّمت في الأرض فلكة مغزل
وقد صحا السّراب أي انكشف ومصح الآل وتسعسع والذي تراه في الشّمس كأنه خيط ممتد يقال له مخاط الشّيطان. وقد كنّي عن السّراب بأبوال البغال قال شعرا:
وحمير أبوال البغال بأنّني ... تسديت وهنا ذلك البينا
стр. 441
قال بشر يصف إبلا:
فقد جاوزن من غمدان أرضا ... لأبوال البغال بها وقيع
يطان بها فروث مقصرات ... بقاياها الجماجم والضّلوع
وإنّما قالوا ذلك لأنّ البغال لا تتناسل فلا ينتفع بأبوالها كما لا ينتفع بالسّراب.
ويقال: فلان كثير البول إذا كان كثير، و (الوقيع) الخضر تكون في الأرض.
وقال ابن الأعرابي: البغال باليمن، فبيّن أنّ هذه الأرض تكون باليمن.
قوله بطان: يعني قوائم النّاقة، والمراد بالأرواث كروش إبل قصرن عن السّير فتركت مخلفات فأكلهنّ السبّاع.
ويقال للسّراب المسجهر الكذوب اللّون. وقال ذو الرّمة يصف الأظعان:
توارى وتبدو لي إذا ما تطاولت ... شخوص الضّحى وانشقّ عنها غديرها
(الشّخوص) : تطاول في وقت الضّحى لأن السّراب يرفعها يقول تبدو لي الأظعان في ذلك الوقت إذا رفعها الآل وتواري إذا انشقّ عنها غديرها، يعني السّراب، وهذا الذي يشير إليه لتخيل الشّخوص في المناظر، لذلك قال ابن أحمر:
وازدادت الأشباح أخيلة ... وتعلّل الحرباء بالثّغر
وقال جرير
ومن دونه تيه كأنّ شخوصها ... يحلن بأمثال فهنّ شوافع
وقال ذو الرّمة في بيان السّراب يصف فلاة:
بها غدر وليس بها بلال ... وأشباح تحول وما تريم
تموت قطا الفلاة بها أواما ... ويحسر في مناكبها النّسيم
قوله: (أشباح تحول) : أي تتحرّك ولا تبرح بل يخيّل ذلك إليك. وقال الشّماخ وذكر ناقة:
إذا شرفات الآل زالت ونصفت ... تناطح ضبعاها به ويداهما
قوله: نصفت: صار السّراب إلى أنصافها، وقوله: ويداهما: جعل اليدين للضّبعين وقال:
وحومانة زرقاء يجري سرابها ... بمنسجة الآباط حدب ظهورها
стр. 442
(حومانة) : أرض غليظة، و (المنسجة) : المنصبّة أي ليست بضيقة الفروج وقال الكميت:
إذا ما الآل أعرض لم يجمح ... إليّ بأعين الخوف الغيوب
(يجمح) : ينظر نظرا شديدا، و (الغيوب) : جمع الغيب وهو المتخفّض. وقال ذو الرّمة:
ترى الريعة القوداء منه كأنّها ... مناد بأعلى صوته القوم لامع
الرّيعة: هضبة وهي الجبل الصّغير المفترش مع الأرض، أي كأنّها في السّراب، (مناد) : يلمع بثوبه، وقوله يصف قنه. قوداء طائقها في الآل محزوم الطّائق حرف شاخص في القنّة وقوله: كأنّما الأعلام فيها سير. أي كأنّها تسير في السّراب. قال جران العود وذكر أرضا:
ببلقعة كأنّ الأرض فيها ... تجهز للتّحمل والبكور
يريد أنّ السّراب يطرد فيها فكأنها تجهز. وقال ابن الدّمينة:
برماحة الأنضاد فماصة الصّوى ... تداوي المطايا من مروح العجازف
(الأنضاد) : جمع النّضد وهو ما تراكم من الجبل. و (الصّوى) : الأعلام وتقصمها في السّراب.
قال أبو النّجم:
بمهمة سابغة جلاله ... ينفض في العين الضّحى أسماله
أراد ينفض الضّحى أسمال السّراب فيما ترى العين وقال:
حتى إذا الأكم طفت في آلها ... مثل طفو الحمّ في آهالها
وقال:
إذا السّراب استشخص الأجذالا ... واطّردت دياسقا أسمالا
واستنسج الآرام والتّلالا الأجذال: أصول الشجر، (واطّردت دياسقه) : وهو السّراب الأبيض وشبهه بأسمال الثّياب. قال ابن مقبل:
ويوم يقسّم ريعانه ... رؤوس الأكام يغشّين آلا
ترى البيد تهدج من حرّه ... كأنّ على حزم راء بغالا
стр. 443
بغالا عقارى تغشّينه ... وكلّ تحمل منه فزالا
جعلها (عقارى) : لأنّها لا تلد، و (ريعانه) : أوّله، (تهدج) : تتحرك يعني أنّ الآل يتحرّك فكأنّ (بغالا) على كل شرف توجف. ولأبي ذؤيب:
يستنّ في عرص الصّحراء فائزه ... كأنّه سبط الأهداب مملوج
وأنشد:
ونسجت لوامع الحرور ... سبائيا كسرق الحرير
فالمراد به السّراب يستدل من هذا البيت على أنّ السّرق يقع على الحرير الأبيض دون غيره. قال ذو الرّمة:
إذا تنازع جالا مجهل قذف ... أطراف مطّرد بالحرّ منسوج
تلوى الشّنايا بأحقيها حواشيه ... لي الملأ بأطراف التّفاريج
جعل أطراف السّراب المنسوج بالحرّ يتنازعها جانبا المفازة، وقد بالغ في الإبانة والتّصوير. وهذا كما قال الرّاعي:
وإذا ترقّصت المفازة غادرت ... زبدا يبغّل خلفها تبغيلا
ويعني بالزّبد حادي الإبل، وما أوردناه في السّراب ووجوه تشبيه كاف في هذا الموضع.
فأمّا البرق: فإنّ الأصمعيّ قال: أحسن ما قيل في وصف البرق والغيث قول عدي بن الرّفاع:
فقمت أخبره بالغيب لم يره ... والبرق إذانا محزون له أرق
قال أبو نصر: كذا رويناه عن الأصمعي، وهذا مما يعد من تصحيفه. ورواه أبو عمر والشيباني وابن الأعرابي وأبو عبيدة. والبرق إذانا محزوله أرق: أي مشترف مراقب.
وتصحيح رواية الأصمعي:
لا كلفته فيه وبعده مرن ... يسبح في ريح شآمية
مكلل بعمأ ألماه منتطق
معنى (يسبح) : يعرض وروى يسبح أي الرّعد. وقال:
ألقى على ذات أحقاد كلاكله ... وشتّ نيرانه وانجاب يأتلق
نارا يعاود منها العود حدّته ... والنّار تسفع عيدانا فتحترق
стр. 444
وبات تجتلب الجوزاء درتها ... بنوئها حين هاجت مربع نعق
يبكي ليدرك محلا كان ضيّعه ... يريق منبسط منه ومندفق
جون المسارب رقراق تظلّ به ... شم المخارم والأثناء تصطفق
يكاد يطلع ظلما ثم يغلبه ... عز الشّواهق والوادي به شرق
ويقال في البرق: يشرى- ويومض- ويعن- ويعترض- ويوبض- ويستطير- ويستطيل- ويلمع- ويتبوج- ويخطف- ويخفو- ويبرق- ويتألّق- ويتلألأ- ويستشري- وينيض- ويخرق- ويسلسل- ويشتن- ويبتسم- ويضحك- ويبعق- وينشق- ويرتعص- ويقري- ويهص- ويثقب- ويلوّح- ويتهلّل- ويتكلّل. ومما يستحسن في وصف البرق وخفائه، والرّعد في حدائه، والثّلج ولألائه- قول بعضهم:
ينبض نبض العرق في استخفاء ... كأنّه في البعد والخفاء
شرارة تطرف من قصباء ... أو طرف طيرهم باقتداء
حتى إذا امتدّت على السّواء ... ورجفت بزجل الحداء
وقعقعت بالرّعد ذي الضّوضاء ... كأنّ بين الأرض والسّماء
رجل جراد ثار في عماء ... أو سرعانا من دبا غوغاء
وكرسفا ينذف في الهواء ... تطيره الرّيح على قواء
أو حلبا ينطف من أطباء ... أو رغوة تنفش من غرلاء
أو كتفي الفضّة البيضاء ... أو كانتثار الدّر ذي اللّألاء
أو كانتظام الودع في الإخفاء ... فأشمطت الأرض على فتاء
واستوفت الآكام بالصّواء
وقال آخر:
وأرض أنست بأهوائها ... وغيث سريت له إذ سرى
وشمت بوارق أقطاره ... فبرق يلوح وبرق خبا
وبات يعجّ عجيج القطا ... وباتت بجوالقها تمترى
وقد هدأ الصّوت من غيره ... ودارك بين البكا والفنا
وقلت له حين أبصرته ... يراوح بين الخسا والزّكا:
أأنت القطار أم أنت البحا ... ر أم أنت قاسم المرتجى؟
فأنبت ما لم يكن نابتا ... وقلع من نبته ما عفا
ولم تلبث الأرض أن صرّحت ... عن النور واخصر أعلى الضّفا
وصار على الأرض من وبله ... قناع السّيول وإزر الربى
стр. 445
شعر:
تأزّرت الأرض ثم ارتدت ... من النّور حليا كساها الحيا
وصار سواء إذا جبتها ... مفاوز بربّها والقرى
قال العتابي:
أرقت للبرق يخبو ثمّ يأتلق ... يخفيه طورا ويبديه لنا الأفق
كأنّها غرّة شهباء لامحة ... في وجه دهماء ما في جلدها يلق
أو ثغر زنجية تغترّ ضاحكة ... تبدو مشافرها طورا وتنطبق
أو غرّة الصّبح عند الفجر حين بدت ... أو في المساء إذا ما استعرض الشّفق
له بدائع حمر اللّون هائلة ... فيها سلائل بيض مالها حلق
والغيم كالثّوب في الآفاق منتشر ... من فوقه طبق من تحته طبق
تظنّه مصمتا لا فتق فيه فإن ... سالت عزاليه قلت الثّوب منفتق
إن قعقع الرّعد فيه قلت ينخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت تحترق
تستكّ من رعده أذن السّميع كما ... يغشي إذا نظرت في برقه الحدق
فالرّعد صهصلق والرّيح مختزق ... والبرق موتلق والماء منبعق
غيث أواخره تحدو أوائله ... أرب بالأرض حتى ماله لثق
قد حاك فوق الرّبى نورا له أرج ... كأنّه الوشي والدّيباج والسّرق
فطار في الأنف ريح طيب عبق ... ونار في الطّرف لون مشرق أنق
من خضرة نبتها حمراء قانية ... أو أصفر فاقع أو أبيض يقق
ولبعض بني مازنة:
إذا الله لم يسق إلّا الكرام ... فاسق ديار بني حنبل
ملثا مرباله هيدب ... صخور الرّواعد والأزمل
تكركره حصحصات الجنو ... ب وتفزغه هزة الشّمال
كأنّ الرّباب دوين السّحاب ... نعام تعلق بالأرجل
كأنّ الركية من فيضه ... إذا ما بدا فلكة المغزل
قال علي بن الجهم في السّحاب شعرا:
وسارية ترتاد أرضا تجودها ... شغلت بها عينا قليلا هجودها
أتتنا بها ريح الصّبا وكأنّها ... فتاة ترجيها عجوزا تقودها
تميس بها ميسا فلا هي إن دنت ... نهتها ولا إن أسرعت تستعيدها
стр. 446
تقاربها في كلّ أمر تريده ... ليسرح في أكنافها من يريدها
إذا فارقتها ساعة ولهت له ... كأمّ وليد غاب عنها وليدها
فلمّا أضرّت بالعيون بروقها ... وكادت تصمّ السّامعين رعودها
دعتها إلى حلّ النّطاق فأرعشت ... يداها وخرّت سمطها وعقودها
وكادت تمسّ الأرض إمّا تلهفّا ... وإمّا حذارا أن يضيع فريدها
فلمّا رأت حرّ الثّرى متعقدا ... بمازلّ عنها والرّبى تستزيدها
وأنّ أقاليم العراق فقيرة ... إليها أقامت بالعراق تجودها
فما برحت بغداد حتّى تفجّرت ... بأودية ما تستفيق مدودها
وحتّى رأينا الطّير في جنباتها ... تكاد أكفّ الغانيات تصيدها
وحتّى اكتست من كل نور كأنّها ... عروس عليها وشيها وبرودها
ودجلة كالدّرع المضاعف نسجها ... لها حلق تبدو وتخفي حديدها
فلمّا قضت حقّ العراق وأهله ... أتاها من الرّيح الشّمال يريدها
فمرّت تفوت الطّير سبقا كأنّها ... جنود عبيد الله ولّت بنورها
стр. 447
الباب التّاسع والأربعون في تذكّر طبّ الزّمان- والتهلّف عليه- والحنين إلى الألّاف- والأوطان
كنا قد ذكرنا فيما صدّرنا به هذا الكتاب ما أنشأ الله عليه الخليقة من حبّ الوطن والسّكن، وما درج إليه أولي النّحل السّليمة- والعقد الصّحيحة من الولوع بحفظ متقادم أعصارهم، بما اتّفق من سير وحكم نخبهم- وأنه حبّب إليهم ما يأثره القرن بعد القرن، منهم ليظهر من جلائل صنعه- في كل حين وفوائد منحه على كلّ حال ما توافق فيه الرّواة- وتلاحق به المدد والأوقات.
وذكرنا أيضا شيئا صالحا من علّة الحنين إلى الألّاف والأوطان، وما تأسّس عليه أسباب التّنافس والتّحاسد بين الرّجال، إلى انكشاف الأحوال عن التّراضي بينهم بمختلفات الأقسام، وإنّ جميع ذلك حكمة بالغة من الله ﷻ في الأنام، فأحببنا أن نجدد هنا ما يتأكّد به ما تقدّم، أنشد المبرد شعرا:
لعمري لئن جليت عن منهل الصّبا ... لقد كنت ورّاد المشربة العذب
ليالي أعدو بين بردين لاهيا ... أميس كغصن البانة النّاعم الرّطب
سلام على سير القلاص مع الرّكب ... ووصل الغواني والمدامة والشّرب
سلام امرئ لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
قال أبو تمام:
إذا لا صدوف ولا كنود اسماهما ... كالمعنين ولا نوار نوار
إذ في القتادة وهي أنجل أيكة ... نمر وإذ عود الزّمان نضار
قال دريد بن عبد الله:
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعباكما معا
وأذكر أيّام الحمى ثمّ أنثني ... على كبدي من خشية أن تقطّعا
стр. 448
تلفّت نحو الحيّ حتّى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
أنشد أبو صالح الآمدي عن الأخفش:
سقى الله أياما لنا ليس رجّعا ... إلينا وعصر العامريّة من عصر
ليالي أعطيت البطالة مقودي ... تمرّ اللّيالي والشّهور ولا أدري
مضى لي زمان لو أخيّر بينه ... وبين حياتي خالدا آخر الدّهر
لقلت دعوني ساعة وحديثها ... على غفلة الواشين ثم اقطعوا عمري
وقال آخر:
أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضّمار
تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
ألا يا حبّذا نفحات نجد ... ورّيا روضه بعد القطار
وأهلك إذا يحلّ الحيّ نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار
قال ابن الرّومي:
بكيت فلم تترك لعينك مدمعا ... زمانا طوى شرخ الشّباب فودّعا
سقى الله أوطارا لنا ومآربا ... تقطّع من أقرانها ما تقطّعا
ليالي ينسين اللّيالي حسابها ... بلهنية أقضي بها الحول أجمعا
على غرة لا أعرف اليوم باسمه ... وأعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا
قال معن بن زائدة:
تمطّى بنيسابور ليلي وربّما ... يرى بجنوب الدّير وهو قصير
ليالي إذا كلّ الأحبة حاضر ... وما كحضور من يحبّ سرور
فأصبحت أمّا من أحبّ فنازح ... وأمّا الألى أقليهم فحضور
وإذ لا أبالي أن يضيّع سائس ... ويشقى بما جرّت يداه وزير
يحنّ إلى الألّاف قلبي وقلبه ... إذا شاء عن ألّافه لصبور
أبيت أناجي النّفس حتى كأنّما ... يشير إليها بالبنان مشير
لعلّ الذي لا يجمع الشّمل غيره ... يدير رحى جمع الهوى فتدور
فتسكن أشجانا وتلفي أحبة ... ويورق غصن للشّباب نضير
стр. 449
أراعي نجوم اللّيل حتى كأنّني ... بأيدي العداة الثّائرين أسير
وله:
باد الهوى وتقطّعت أسبابه ... وصبا فعاود قلبه أطرابه
ذكر النّميريّ الغواني بعدما ... نزل المشيب وبان منه شبابه
وتذكّر اللهو القديم فساقه ... أن شطّ بعد تقارب أحبابه
غشي المنازل بالسّليل فهاجه ... ربع تبدّل غيره أربابه
بانوا وما من بين حيّ راحل ... إلّا له أجل يلوح كتابه
ولقد نراه للقتول وأهلها ... جارا تمسّ بيوتهم أطنابه
صافت بوج في ظلال كرومه ... حتى شتا وتصرّمت أعنابه
وتذكّرت متربّعا من أرضه ... بردت شمائمه وجال سحابه
كم قد أربّ بجوّه من معذق ... متهزّم قرد يطير ربابه
فمحلّها منه رواء مبقل ... هزج إذا ارتفع النّهار ذبابه
حلّ به ثمد ومحضر بهجة ... حرما وأمنا حوله أنصابه
يهوي إليها العالمون كأنّهم ... قطع القطا متواترا أسرابه
إنّ الذي يهوى فؤادك قربه ... قد سدّ بالبلد الحرام حجابه
أنّى ينال إذا انتمت في مشرف ... دون السّماء حصينة أبوابه
لجّ المتيّم في البعاد سفاهة ... والبين ينعب ظبيه وغرابه
حتى إذا احتمل الحبيب تبادرت ... عيناه دمعا دائما تسكابه
إنّ امرأ كلفا بذكرك موزعا ... حقّ عليكم وصله وثوابه
قد طال ما انتظر النّوال لديكم ... حتى استملّ ولامه أصحابه
لو تنطق العيس اشتكت ما عالجت ... من حبسها عند القتول ركابه
قال ابن ميادة:
ألا ليت شعري هل ابيتنّ ليلة ... بحرّة ليلى حيث رببني أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وقطّعن عني حين أدركني عقلي
قال ابن الرومي:
ولي وطن آليت ألّا أبيعه ... وألّا أرى غيري له الدّهر مالكا
عهدت بها شرخ الشّباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وقد ألفته النفس حتى كأنّه ... لها جسد إن غاب غودرت هالكا
стр. 450
وحبّب أوطان الرّجال إليهم ... مآرب قضّاها الشّباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذالكا
اعتل رجل في غربته فتذكّر أهله فقال:
لو أنّ سلمى أبصرت تحدّدي ... ودقة في عظم ساقي ويدي
وبعد أهلي وجفاء عودي ... عضّت من الوجد بأطراف اليد
قال أبو عنية:
ألا خبّروا إن كان عندكم خبر ... أتقفل أم نثوي على الهمّ والضّجر
شعر:
نفى النّوم عن عيني تعوّض رحلة ... لها الهمّ واستولى بها بعدها السّخر
فإن أشك من ليلى ليلى طوله ... فقد كنت أشكو منه بالبصرة القصر
فيا حبّذا بطن الحزير وظهره ... ويا حسن واديه إذا ماؤه ذخر
ويا حسن تلك الباسقات إذا غدت ... مع الماء تجري مصعدات ومحدر
ويا حبّذا نهر الأبلة منظرا ... إذا مدّ في إبانه النّهر أو جزر
وفتيان صدق همّهم طلب العلى ... وسيماهم التّحجيل في المجد والغرر
لعمري لقد فارقتهم غير طائع ... ولا طيب نفسا بذاك ولا مقر
وقائلة ماذا نآي بك عنهم ... فقلت لها لا علم لي فسلي القدر
فيا سفرا أووى بلهوي وأنثي ... ونغّصني عيشي عدمتك من سفر
وقال آخر:
أعلى اليأس أنت أم أنت راج ... كلّ همّ مصيره لانفراج
ما تغنّى القمريّ إلا شجاني ... وغناء القمريّ للقلب شاج
فلنوح الحمام يهتاج قلبي ... يا لقوم لقلبي المهتاج
وخليل سرى إليّ ودوني ... سير شهرين للبغال النّواج
عامدا ما تراه يقظان عيني ... وهو في النّوم لي ضجيع مناج
جعلت نفسه لنفسي على البعد ... مزاجا أحبب به من مزاج
كم بجرجان ليت شعري مقامي ... ومتى من غمومها أنا ناج
إنّ أشهى إلي منها مقام ... بين دار المنجاب والحجاج
في فتومن كل أيلج يكفي ... وجهه في الظّلام فقد السراج
ربّ فاحفظهم وردّ إليهم ... غرابتي يا مؤلف الأزواج
стр. 451
وقال آخر:
ألا ما لعينك لا ترقد ... وما لدموعك لا تجمد
وما بال ليلك ليل السّليم ... ساوره الحيّة الأربد
وخلّاك صحبك في زفرة ... وهمّ عنك في غفلة هجّد
فما لك من وحشة مؤنس ... وما لك عند البكا مسعد
فقاس الهوى وتقرد به ... فأنت الوحيد به المفرد
مللت بجرجان طول الثّوى ... وبالبصرة الدار والمولد
وكم لي بها من أخ أصيد ... نماه لمجد أب أصيد
مصابيح ليل إذا أشرقت ... يفرج عنه الدّجى الأسود
إذا النّاس غمّتهم أزمة ... فلم يبق كهل ولا أمرد
يؤمّل أو يرتجى رفده ... يعود بخير ولا يرفد
ولم يدر حرّان ذو درّية ... إلى من بكربته يقصد
سواء إذا ازدحم الواردو ... ن أقربهم فيه والأبعد
إذا ما التقوا وثقوا عنده ... بأن لن يزادوا ولن يطردوا
ويغشون في الحرب حوماتها ... إذا شبّ نيرانها الموقد
وأعرضت الخيل مزورة ... سرابيلها العلق المجسّد
إذا وعدوا أنجزوا وعدهم ... وإن أوعدوا حان من أوعدوا
مواريث آباء آبائهم ... يورثها سيّد أسيد
فلو كان يخلد أهل الندى ... وأهل المعالي إذا خلدوا
متى ألقهم بعد طول المغيب ... أجدهم على خير ما أعهد
ألا ربّما طاب لي مصدري ... لديهم وطاب لي المورد
شعر:
وإن يقدر الله لي رجعة ... فجدّي بقربهم الأسعد
وإلّا فلا حزني منقض ... ولا حرّ نيرانه يبرد
فيا سادة النّاس أنتم مناي ... على بعد داري فلا تبعدوا
وأقسم ما طاب لي بعدكم ... مقام ولا طاب لي مقعد
يغور هواي إذا غرتم ... وإن تنجدوا فالهوى منجد
ألا ليتني جاركم بالعرا ... ق ما جاور الفرقد الفرقد
ألا أيّها النّاس إنّي لكم ... على خالد مشهد فاشهدوا
стр. 452
بكى من عتاب توالت به ... قواف يردّدها المنشد
فكيف إذا ما استحرّ الهجاء ... إذا لا يقوم ولا يقعد
قال محمد بن عبد الله بن ظاهر:
يا جبل السّماق سقيا لكا ... ما فعل الظّبي الذي حلكا
فارقت أوطانك لأنّه ... فارقك الخلّ ولا ملكا
فأيّ أوطانك أبكي دما ... ماءك أو طينك أو ظلّكا
أو نفحات منك تأتي إذا ... دمع الندى تحت الدّجى بلّكا
حدّث الزّيدي قال: أخبرنا الزّبير بن بكار قال: كانت ظبية تحت محمد بن أبي بكر بن مسور وكانت ذات مال ولا مال له، فخرج يطلب الرّزق فلمّا كان في موضع يقال له:
بلكثة، انصرف راجعا فدخل إليها فقالت: الخير رجعت فقال شعرا:
بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع سراعا والعيس تهوي هوّيا
خطرت خطرة على القلب من ذكرا ... ك وهنا فما استطعت مضيّا
ولو أنّ ما أهدين لي كان شربة ... ببطن اللّوى من وطب راع شفانيا
وأنشد أبو بكر بن دريد قال: أنشدني أبو عمر أنّ الكلابي لرجل من قومه قال شعرا:
يحنّ إلى الرّمل اليماني صبابة ... وهذا لعمري لو رضيت كثيب
فأين الأراك الدّوح والسّدر والغضا ... ومستنجز عما يحبّ قريب
هناك تغنّينا الحمام ويجتني ... جنا اللهو يحلو لي لنا ويطيب
قال أعرابي:
أيا أثلاث القاع من بين توضح ... حنيني إلى أظلالكنّ طويل
ويا أثلاث القاع قد ملّ صاحبي ... ثوائي فهل في ظلّكن مقيل
ويا أثلاث القاع ظاهر ما بدا ... على ما بقلبي شاهد ودليل
ويا أثلاث القاع قلبي موكّل ... يكنّ وجدوى خير كنّ قليل
ألا هل إلى شمّ الخزامى ونظرة ... إلى قرقري حتى الممات سبيل
قال أعرابي:
ألا حبّذا والله لو تعلمانه ... ظلالكما يا أيّها الطّللان
وماء كما العذب الذي لو شربته ... وبي صالب الحمّى إذا لشفاني
стр. 453
وأنشد الأخفش علي بن سليمان:
اقرأ على الوشل السّلام وقل له ... كلّ المشارب مذ هجرت ذميم
سقيا لظلّك بالعشيّ وبالضّحى ... ولبرد مائك والمياه حميم
لو كنت أملك منع مائك لم يذق ... ما في فلاتك ما حييت لئيم
قال الرّياشي أنشدني أعرابي:
سلّم على قطن إن كنت تاركه ... سلام من يهوى مرة قطنا
قلت لبيك إذ دعاني لك الشّوق ... وللحاد بين كرا المطيّا
ثم كرّوا صدور عيس عتاق ... مضمّرات طوين السّير طيّا
ذاك مما لقين من دلج اللّيل ... وقول الحداة باللّيل هيّا
فقالت: لا جرم والله لأشاطرنك ملكي فشاطرته.
قال أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلّا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
مقيم الظّنّ عندك والأماني ... وإن تلفت ركابي في البلاد
معاد البعث معروف ولكن ... ندى كفّيك في الدّنيا معادي
وأين تجور عن قصد لساني ... وقلبي رائح برضاك غاد
ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد
قال البحتريّ:
أملي فيكم وحقّي عليكم ... ورواحي إليكم وابتكاري
واضطرابي في النّاس حتى إذا عدت ... إلى حاجة فأنتم قصاري
قال أبو تمام:
كلّ شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبي وشعب كلّ أديب
إنّ قلبي لكم لكالكبد ... الحرّى وقلبي لغيركم كالقلوب
أبو عبد الله بن الأعرابي قال: أنشدتني امرأة من أهل اليمامة لنفسها وكانت مرضت بمصر شعرا:
تحاشد جاراتي فجئن عوائدا ... قصار الخطى تجر البطون حواليا
وجئن برمان وتين وفرسك ... وبقل بساتين ليشفين دائيا
стр. 454
شعر:
أحبّه والذي أرسى قواعده ... حبّا إذا ظهرت أعلامه بطنا
فليتنا لا نريم الدّهر ساحته ... وليته حين سرنا غربة معنا
ما من غريب وإن أبدى تجلّده ... إلّا سيذكر عند الغربة الوطنا
قال أعرابي:
لا والذي إن كذبت اليوم عاقبني ... وإن صدقتكم ربّي فعافاني
ما قرّت العين بالأبدال بعدكم ... ولا وجدت لذيذ النّوم يغشاني
ومن المستحسن في هذا المعنى قوله:
شيب أيام الفراق بمفارقي ... وانشزن نفسي فوق حيث يكون
وقد لان أيام اللّوى ثم لم يكد ... من العيش شيء بعدهنّ يلين
يقولون: ما أبلاك والمال غانم ... عليك وضاحي الجلد منك كثين
فقلت لهم: لا تعذلوني وانظروا ... إلى النّازع المقصور كيف يكون
يعني بالنازع المقصور: بعير حنّ إلى وطنه فقيّد مخافة أن يهيم على وجهه وهذا في الإبل معروف لذلك قال القائل:
لا تصبر الإبل الجلاد تفرّقت ... بعد الجميع ويصبر الإنسان
قال:
هبت وما في الأفق منه قزعة ... وليس منه أحد على أمل
فأنشأته قطعا تمتّ ما ... زال وما زالت به حتى اتّصل
وطأطأت بالأرض من أكتافه ... وسدّدت منه الفروج والخلل
حتى إذا كان بعيدا فدنا ... وكان في السّير خفيفا فثقل
وأسمع الأصمّ صوت رعده ... ووقر السّمع الصّحيح وأعل
وأبصر الأكمه ضوء برقه ... وخطف الطّرف الحديد وأكل
وصرّ حتى قيل هذا حاصب ... من السّماء وعذاب قد أظل
ونحن مصنوع لنا مدبر ... فيه ولكنّا خلقنا من عجل
حلّت عزاليه بسرّمن رأى ... فلم تزل تعلّها بعد النّهل
إذا تلكا هتف الرّعد به ... وأومضت فيه البروق فهطل
ليل التّمام والنّهار كله ... متّصلا مذ غدوة حتى الأصل
стр. 455
فما دنا حتّى اتّقى النّاس أذى ... إفراطه وقالت الأرض بجل
شرقت فيما ضرّ منه أهله ... وما شركت في السّرور والجذل
ولا نقعت غلة بمائه ... في معشر قد نقعوا به الغلل
ولا أجلت الطّرف في رياضه ... ولا أسمت السّرح في الوادي البقل
ولا تحملت له صنيعة ... يشملني مرفقها فيمن شمل
إلّا بتحميل السّلام سيله ... إلى مدينة السّلام إن حمل
إلى بلاد جلّ إخواني بها ... ومن أعزّ من صديق وأجل
خرج عوف بن محلم مع عبد الله بن طاهر إلى متصيّد، فكان عبد الله يحدثه وسمعه يثقل عن الاستماع فانبرى يقول شعرا:
إنّ الثّمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بشطاط الخنا ... وكنت كالصّعدة تحت السّنان
وعوّضتني من زماع الّذي ... وهمّه همّ الدثور الهدان
فتهت بالأوطان وجدا بها ... وبالفواني أين مني الفوان
وصرت ما فيّ لمستمتع ... إلّا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان
وقرّباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
وقيل ينعاني إلي نسوة ... أوطانها حرّان فالرّفتان
سقى قصور الشّاذياخ الحيا ... من بعد عهدي وقصور الميان
стр. 456
الباب الخمسون في ذكر أنواع الظّل وأسمائه ونعوته
ويقال: ظلّ وفيء وتبع فجمع ظل ظلال وظلول وجمع الفيء أفياء وفيوء.
تتبع أفياء الظّلال عشية ... على طرق كأنّهنّ سبوت
وقال آخر:
فسلام الإله يغدو عليهم ... وفيوء الفردوس ذات الظّلال
وإنما قال: أفياء الظّلال، فأضاف الفيء إلى الظّل، لأنّه ليس كلّ ظل فيء وكلّ فيء ظل وكان رؤبة يقول: الظّل ما نسخته الشّمس وهو أول، والفيء ما نسخته الشمس وهو آخر.
وقالوا: الظّل بالغداة والعشي، والفيء بالعشي. وقال أبو حاتم: الظّل يكون ليلا ونهارا، ولا يكون الفيء إلّا بالنّهار، وهو ما نسخته الشّمس ففاء وكان من أوّل النّهار ولم تنسخه. قال الشاعر:
فلا الظّل من برد الضّحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد العشيّ نذوق
وقال:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
والتّبع: الظّل بالغداة والعشي. قال الشّاعر:
نرد المياه حضيرة ونفيضه ... ورد القطاة إذا استمال التّبع
وإذا كان الظّل تاما لم ينقص ولم تنسخه الشّمس قيل: ظل دوم ودايم. قال: شتّان هذا والعناق والنّوم والمشرب البارد والظل الدّوم.
وهذا كقوله تعالى: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً
[سورة الملك، الآية: ٣٠] أي غائرا- وظلّ
стр. 457
رفق ومسترفق، وجلس في أرفق الظّل وظلّ ممدود ومديد، وظلّ واصب- وظلّ ساكن.
وظلّ راتب راسب ومعتد وعتيد. وظلّ أمم وعمم، فإذا كان كشيفا ثخينا لم تنسخه الشّمس أو نسخته ووفرته. قيل ظلّ قوي- وكشيف- وثخين رصين- وسجس- ووارف- ووريف.
قال:
غدا تحت فينان من الظّل وارف
وظل واف ضاف- وظلّ سابغ- وظلّ وحف نعف- وظلّ- واعد- وصادق- وموثوق- وظلّ- مظلّ- وظليل وظلّ فينان- وذو فيون- وظلّ مغطال- ومغطئيل.
وإذا كان ضعيفا شفا قيل شف هف. وشفيف هفيف- وشفشف- وشفشاف- وهفهف- وهفهاف- وشعشع- وشعشاع- وخادع- وخداع- وخدوع وكاذب- وكذاب- وكذوب- وظنون- وحتيفور- وملذان- وملاق- وخفاق.
فإذا أكلته الشّمس- وتحيفته قيل أخذ الظّل يتراجع- ويتراد- ويزحل وينحلّ ويضهل- ويذبل- وينحف- ويهرد وينزل- ويأفل- وينشل- ويشل- ويليح- ويلق- ويدق- ويموت- ويأزي- ويحسر- ويقصر- ويمصح- ويهرب- ويجنح- ويرزح- وينفق- ويحول ويزول- ويصيف- ويضيف- ويقلص- ويضحي- ويكري. قال ابن أحمر:
وتواهقت أخفافها طبقا ... والظّل لم يفضل ولم يكثر
ويتأزّف- ويتجارف- ويتأزّى- ويتقاصر- ويسمئيل- ويضحملّ- ويغيب- وظلّ منقوص.
وإذا ضاق كلّ ضيق قيل: أخذ يضيق- ويقع- ويسقط- وينصب- وكرب يغيب- ويرزأ- ويفيء- ويبلى- ويموت- وقد عاد- ولاذ- وعاوذ- ولاوذ، والأذ- واسترق- وانحمق- وانغفق- وانسرب- وانبتر.
والظلّ: ضيق- وضيق- وزناء- وأحمق- ومحمق- وضهل- وواشل- ناشل- وشعى- ولقي- وهزيل- ونحيف- وحرض- ودنف- وهالك- وساقط- ومتكرس- ومتزرب- وخانس كانس- وأعجف- ومحيف مذيق- وصحصاح.
فإذا أسرع الزّوال- وتعجّل في الانفتال- قيل ظلّ مستوفز- ومستقلص ومستطرد- ومالح- وراغش- ووالق- ودالق.
فإذا أخذ يترجّح قيل يترجّح- ويميد- ويمور- ويتراد- ويتغيف- فإذا وقف قيل قد وقف- وصام- وقام- ومكد- وركد- ومصد- وحار- وتحيّر- ودوم- وتلدد- وتبلد- وعقل- واعتقل- ونخبس- وتصبّر- وظلّ حيران ثابت لا يزول.
стр. 458
ويقال: وردته والظّل عقال- وحذاء- وطباق- وطراق- قال الشّاعر:
وكان طرّاق الخف أو قل زائدا
وشعار ودثار- ورداء- وخف- ونعل- وجورب.
قال: وانتعل الظّل فصار جوربا. وساق- وظل مثارب من الأرومة ومتجعثن من الجعثنة ومتجرثم من الجرثومة.
فإذا حوّل قيل حول- وفاء- وراع- ونسخ- وانتقل- وبدل- واعتدب.
ويقال: يزل الظّل محولا ومحولا وطاردا، ومطرودا- وناسخا- ومنسوخا وسارقا- ومسروقا- ولاحقا- وملحوقا.
ويقال: له أول ما يظهر في فيئه نبت الظلّ- ونجم- ونسم- وعسم- وبدا- وتولّد- وظهر- وأنتج- ونبع- ونبغ- وانتعش- وانتقش- وأحنى- وطلع- ونسغ وجلس في نسيغ الظّل ورسيغه. وموكده- ومنتجه- ومنبته- ومستنبته- ومستنبطه- ومستوشاه- ومستعلقه- ومستذاقه- ومستطعمه- ومسترفقه- ومستحلقه- ومستودقه- ومستمتعه- ومسترفده- وملتقطه- ومستفاه- ومشتفه- ونفاشه- وجناه.
فإذا انبسط شيئا في فيئه قيل: حي- وربا- ونبت- وسعى- ومشى- وحبا- وثار- وسار- وجسم- وسمن- واستطال- وفضل- ونمى.
ويقال: ظلّ شاب- وجذع- وقيان- وشارخ- وغض. قال قد صبحت والظّل غض ما زجل- وظلّ دوم ودايم- وروح- ورايح وثمل- وهايل- وظلال ثمل- وثملة وثوامل- وجاءنا في ثميلة الظّل- وثامله- ومشتمله- وثمله- وثمده- وشجرة مثملة وقد استبرد في الظلّ- واستروح- واستدفأ- وظلّ مدفىء- ودفيء- على فعيل- وسخن- وساخن- وسخاخين- وظلّ بارد- وكريم- وأدفأت الشّجرة بظلالها- ودفأت وأبردت- وأروحت- وأراحت- وأطابت- وأطيبت- وتفيأت الشّجرة بظلها- وأفاءت ظلالها- وقد فاء الظّل بفيء فاء وفيؤا.
ويقال: ظل مومن- ومشمل- وموسر- وميامن ومياسر- وقد أيمنت- ويامنت وأيسرت- وياسرت- وأشملت- ووقع ذات اليمين- وذات الشّمال- وإذا تحرّك خلال الشّجر قيل رمح الظلّ- وركض وارتكض- وصرخ- ورقص- ورنق.
ويقال: ركض الماء في المجمر أيضا.
ويقال: ظل أبيض- وأشهب- وأسمر ليس بشديد السّواد- والعس- وأدعج وأظمىء-
стр. 459
وألمى- وأحمر- وأحوى قال في ظلّ أحوى الظّل رفاف الورق- ويحموم وأدهم- وأدلم شديد السّواد- وأتيته في دلمة اللّيل وظلمته أي في شدّة سواده.
ويقال: ظل يقق- رقق- وازغاز- وناضب غائب- ومنسرق منحمق- ومخنق مدنق- وحاسر- وقاصر- وعادل مائل- وزائل حايل- وناحل ضاهل- وجانح- أو ماضح ومنتقل- أو معتقل- وماكد راكد- ومشفش- وناسم- أو جاسم- وساه واه وعائذ لايذ- ومعاوذ- ملاوذ- ومعافر- أو منافر- ومضمحل- ومسمئل- ووالق دالق- وملس محلس- وهفهف- شفشف- وهف شف- وهفهاف شفشاف- وهفهف أو رفرف وساج داج- ومتجارف متأزف- وصايم قايم- وثخين رصين- وناحل- أو زاحل ووحف- نغف- وأمم- أو عمم- وزائل آفل- وناشل واشل- ومكر مجن- ومتبلّد ومتلدّد- ونافق عافق وشارخ أو مالخ وخانس كانس وسقيط- أو لقيط- وراتب راسب- ومنزب منسرب.
قال أبو عمرو ما يجري مجرى التفسير وهو أكثر سماع من أبي العبّاس ثعلب.
يقال: سجس الظّل فهو سجس إذا دام وسكن. ومنه سجس الماء علاه الطّحلب فواراه. وكذلك لا أفعله سجيس اللّيالي وهو باقيها ودائمها. وظل ساج: أي ساكن. وقد سجا سجوا. وظل داج ملبس. وقد دجا دجوا وهو من قولهم دجا الإسلام أي ظهر وانتشر.
قال شعرا:
وما مثل عمرو غير أعتم فاجر ... أبي مذ دجا الإسلام لا يتجنّف
ويقال: دجت شعرة الشّاة: ضفت وسبغت. ورفق الظّل ما تسترفق به منه.
ويقال: ماء رفق قليل للغشاء قريب الرّشاء. وظل ماتع طويل. قال:
ماتعة رأد الضّحى أفياؤها ... وقد متع الظّل ومتع النّهار ومتع النّبات
قال ابن مقبل: وعاد لويه بعد المتوع، وظل وحف كشف- وشعر وحف وقد وحف وحوفة ووحافة. ولغف مثله. وقد ألغف قناعه، وأغدفه، وظل واعد يعد بسكون، ودوام وسحاب واعد يعد يمطر، وفرس واعد يعد بجري. قال:
حتى إذا أدرك الرّامي وقد عربت ... عنه الكلاب فأعطاها الذي يعد
يصف ثورا دافع كلبا بقرنه.
وظلّ مظل- وظليل- وقد أظلّ يومنا- وظل مغطال ومغطئل- قال وأغطال شكيرها- وشف هف- من قولهم: شف الثّوب إذا أدى ما وراءه، وهف رقيق.
ويقال: سحاب هف رقيق- وشهدة هف لا عسل فيه- وثوب هفهف رقيق- وهفهاف كذلك.
стр. 460
ويقال: ظلّ مشعشع أي رقيق. وشعشع كذلك وهما غير الظلّيل. قال الهذلي: والظّل بين مشعشع ومظلّل. وشعشع الشّراب: أرقّه بالمزج.
ورجل شعشاع طويل دقيق ... إلى كلّ شعشاع وأبيض فادعم
وخادع وظنون لا يوثق بدوامه.
ويقال: سنون خداعة لا زكوة فيها، وكل شيء لا دوام له ولا بقاء فهو خيتعور، والدّنيا خيتعور، وحبّ المرأة خيتعور. قال شعرا:
كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحبّ حبّها خيتعور
والغول خيتعور وشيء يظهر على وجه الأرض، فلا يثبت خيتعور والملذان الكذوب.
ويقال: زحل الظّل أي سار. قال: والظّل غض ما زحل. وضهل قل: يقال ماء ضهل وضاهل وظل ضهل. وهرب الظلّ: غاب. قال: من هارب الوتد. وأفل غاب وأفلت الشّمس تأفل أفولا وأفلت السّحاب صحت، وأفل لبن النّاقة، قلّ، والأفيل والإفال صغار الإبل لأنّها تغيب في جلتها وكبارها.
ويقال: نشل الظّل قل ويدنا شلة نحيفة ضئيلة، ووشل اللّبن ووشل حظ الرّجل وولق يلق أسرع. قال: جاءت به عنس من الشّام تلق.
وودق: دنا من السّقوط، ويقال: ودقت الأتان وأودقت واستودقت فهي وديق ومودق ومستودقة إذا اشتهت الفحل فدنت منه، وودقت السّرة تدلّت إلى الأرض، والوديقة الهاجرة لأنّ الشّمس تنزل إلى الأرض بحرّها.
ويقال: أزي الظّل يأزى أزيا وأزيا إذا قصر وصار نعلا، وتأزّى القوم في حلتهم إذا تقاربوا، وفلان أزءمال يلازمه فلا يبرحه. واسمأل الظّل لاذ بأصل الشّجر واسمأل الثّوب أخلق، وكلّ ضعيف مسمئل وكلّ قوي مضمئل.
ويقال: قلص الظّل قلوصا وضحى يضحى ضحوا. ومصح مصوحا، وجنح جنوحا، ورزخ رزوخا، ونضب الظّل ونضب الماء ونضب البرق. وأنشد أبو زيد في عماء ناضب.
وزنا الظّل وهو زناء. قال شعرا:
وتدخل في الظّل الزّناء رؤوسها ... وتحسبها هيما وهنّ مصائح
وعادنا الشّجر وجلست في عوذ الظّل، وانسرق الظلّ.
ويقال: قواه منسرقة أي ضعيفة، وغزال منسرق، وانغفق: ضعف وكاد ينتقل.
следующие страницы →