Полный текст (562 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الباب الخمسون في ذكر أنواع الظّل وأسمائه ونعوته
ويقال: ظلّ وفيء وتبع فجمع ظل ظلال وظلول وجمع الفيء أفياء وفيوء.
تتبع أفياء الظّلال عشية ... على طرق كأنّهنّ سبوت
وقال آخر:
فسلام الإله يغدو عليهم ... وفيوء الفردوس ذات الظّلال
وإنما قال: أفياء الظّلال، فأضاف الفيء إلى الظّل، لأنّه ليس كلّ ظل فيء وكلّ فيء ظل وكان رؤبة يقول: الظّل ما نسخته الشّمس وهو أول، والفيء ما نسخته الشمس وهو آخر.
وقالوا: الظّل بالغداة والعشي، والفيء بالعشي. وقال أبو حاتم: الظّل يكون ليلا ونهارا، ولا يكون الفيء إلّا بالنّهار، وهو ما نسخته الشّمس ففاء وكان من أوّل النّهار ولم تنسخه. قال الشاعر:
فلا الظّل من برد الضّحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد العشيّ نذوق
وقال:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
والتّبع: الظّل بالغداة والعشي. قال الشّاعر:
نرد المياه حضيرة ونفيضه ... ورد القطاة إذا استمال التّبع
وإذا كان الظّل تاما لم ينقص ولم تنسخه الشّمس قيل: ظل دوم ودايم. قال: شتّان هذا والعناق والنّوم والمشرب البارد والظل الدّوم.
وهذا كقوله تعالى: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً
[سورة الملك، الآية: ٣٠] أي غائرا- وظلّ
стр. 457
رفق ومسترفق، وجلس في أرفق الظّل وظلّ ممدود ومديد، وظلّ واصب- وظلّ ساكن.
وظلّ راتب راسب ومعتد وعتيد. وظلّ أمم وعمم، فإذا كان كشيفا ثخينا لم تنسخه الشّمس أو نسخته ووفرته. قيل ظلّ قوي- وكشيف- وثخين رصين- وسجس- ووارف- ووريف.
قال:
غدا تحت فينان من الظّل وارف
وظل واف ضاف- وظلّ سابغ- وظلّ وحف نعف- وظلّ- واعد- وصادق- وموثوق- وظلّ- مظلّ- وظليل وظلّ فينان- وذو فيون- وظلّ مغطال- ومغطئيل.
وإذا كان ضعيفا شفا قيل شف هف. وشفيف هفيف- وشفشف- وشفشاف- وهفهف- وهفهاف- وشعشع- وشعشاع- وخادع- وخداع- وخدوع وكاذب- وكذاب- وكذوب- وظنون- وحتيفور- وملذان- وملاق- وخفاق.
فإذا أكلته الشّمس- وتحيفته قيل أخذ الظّل يتراجع- ويتراد- ويزحل وينحلّ ويضهل- ويذبل- وينحف- ويهرد وينزل- ويأفل- وينشل- ويشل- ويليح- ويلق- ويدق- ويموت- ويأزي- ويحسر- ويقصر- ويمصح- ويهرب- ويجنح- ويرزح- وينفق- ويحول ويزول- ويصيف- ويضيف- ويقلص- ويضحي- ويكري. قال ابن أحمر:
وتواهقت أخفافها طبقا ... والظّل لم يفضل ولم يكثر
ويتأزّف- ويتجارف- ويتأزّى- ويتقاصر- ويسمئيل- ويضحملّ- ويغيب- وظلّ منقوص.
وإذا ضاق كلّ ضيق قيل: أخذ يضيق- ويقع- ويسقط- وينصب- وكرب يغيب- ويرزأ- ويفيء- ويبلى- ويموت- وقد عاد- ولاذ- وعاوذ- ولاوذ، والأذ- واسترق- وانحمق- وانغفق- وانسرب- وانبتر.
والظلّ: ضيق- وضيق- وزناء- وأحمق- ومحمق- وضهل- وواشل- ناشل- وشعى- ولقي- وهزيل- ونحيف- وحرض- ودنف- وهالك- وساقط- ومتكرس- ومتزرب- وخانس كانس- وأعجف- ومحيف مذيق- وصحصاح.
فإذا أسرع الزّوال- وتعجّل في الانفتال- قيل ظلّ مستوفز- ومستقلص ومستطرد- ومالح- وراغش- ووالق- ودالق.
فإذا أخذ يترجّح قيل يترجّح- ويميد- ويمور- ويتراد- ويتغيف- فإذا وقف قيل قد وقف- وصام- وقام- ومكد- وركد- ومصد- وحار- وتحيّر- ودوم- وتلدد- وتبلد- وعقل- واعتقل- ونخبس- وتصبّر- وظلّ حيران ثابت لا يزول.
стр. 458
ويقال: وردته والظّل عقال- وحذاء- وطباق- وطراق- قال الشّاعر:
وكان طرّاق الخف أو قل زائدا
وشعار ودثار- ورداء- وخف- ونعل- وجورب.
قال: وانتعل الظّل فصار جوربا. وساق- وظل مثارب من الأرومة ومتجعثن من الجعثنة ومتجرثم من الجرثومة.
فإذا حوّل قيل حول- وفاء- وراع- ونسخ- وانتقل- وبدل- واعتدب.
ويقال: يزل الظّل محولا ومحولا وطاردا، ومطرودا- وناسخا- ومنسوخا وسارقا- ومسروقا- ولاحقا- وملحوقا.
ويقال: له أول ما يظهر في فيئه نبت الظلّ- ونجم- ونسم- وعسم- وبدا- وتولّد- وظهر- وأنتج- ونبع- ونبغ- وانتعش- وانتقش- وأحنى- وطلع- ونسغ وجلس في نسيغ الظّل ورسيغه. وموكده- ومنتجه- ومنبته- ومستنبته- ومستنبطه- ومستوشاه- ومستعلقه- ومستذاقه- ومستطعمه- ومسترفقه- ومستحلقه- ومستودقه- ومستمتعه- ومسترفده- وملتقطه- ومستفاه- ومشتفه- ونفاشه- وجناه.
فإذا انبسط شيئا في فيئه قيل: حي- وربا- ونبت- وسعى- ومشى- وحبا- وثار- وسار- وجسم- وسمن- واستطال- وفضل- ونمى.
ويقال: ظلّ شاب- وجذع- وقيان- وشارخ- وغض. قال قد صبحت والظّل غض ما زجل- وظلّ دوم ودايم- وروح- ورايح وثمل- وهايل- وظلال ثمل- وثملة وثوامل- وجاءنا في ثميلة الظّل- وثامله- ومشتمله- وثمله- وثمده- وشجرة مثملة وقد استبرد في الظلّ- واستروح- واستدفأ- وظلّ مدفىء- ودفيء- على فعيل- وسخن- وساخن- وسخاخين- وظلّ بارد- وكريم- وأدفأت الشّجرة بظلالها- ودفأت وأبردت- وأروحت- وأراحت- وأطابت- وأطيبت- وتفيأت الشّجرة بظلها- وأفاءت ظلالها- وقد فاء الظّل بفيء فاء وفيؤا.
ويقال: ظل مومن- ومشمل- وموسر- وميامن ومياسر- وقد أيمنت- ويامنت وأيسرت- وياسرت- وأشملت- ووقع ذات اليمين- وذات الشّمال- وإذا تحرّك خلال الشّجر قيل رمح الظلّ- وركض وارتكض- وصرخ- ورقص- ورنق.
ويقال: ركض الماء في المجمر أيضا.
ويقال: ظل أبيض- وأشهب- وأسمر ليس بشديد السّواد- والعس- وأدعج وأظمىء-
стр. 459
وألمى- وأحمر- وأحوى قال في ظلّ أحوى الظّل رفاف الورق- ويحموم وأدهم- وأدلم شديد السّواد- وأتيته في دلمة اللّيل وظلمته أي في شدّة سواده.
ويقال: ظل يقق- رقق- وازغاز- وناضب غائب- ومنسرق منحمق- ومخنق مدنق- وحاسر- وقاصر- وعادل مائل- وزائل حايل- وناحل ضاهل- وجانح- أو ماضح ومنتقل- أو معتقل- وماكد راكد- ومشفش- وناسم- أو جاسم- وساه واه وعائذ لايذ- ومعاوذ- ملاوذ- ومعافر- أو منافر- ومضمحل- ومسمئل- ووالق دالق- وملس محلس- وهفهف- شفشف- وهف شف- وهفهاف شفشاف- وهفهف أو رفرف وساج داج- ومتجارف متأزف- وصايم قايم- وثخين رصين- وناحل- أو زاحل ووحف- نغف- وأمم- أو عمم- وزائل آفل- وناشل واشل- ومكر مجن- ومتبلّد ومتلدّد- ونافق عافق وشارخ أو مالخ وخانس كانس وسقيط- أو لقيط- وراتب راسب- ومنزب منسرب.
قال أبو عمرو ما يجري مجرى التفسير وهو أكثر سماع من أبي العبّاس ثعلب.
يقال: سجس الظّل فهو سجس إذا دام وسكن. ومنه سجس الماء علاه الطّحلب فواراه. وكذلك لا أفعله سجيس اللّيالي وهو باقيها ودائمها. وظل ساج: أي ساكن. وقد سجا سجوا. وظل داج ملبس. وقد دجا دجوا وهو من قولهم دجا الإسلام أي ظهر وانتشر.
قال شعرا:
وما مثل عمرو غير أعتم فاجر ... أبي مذ دجا الإسلام لا يتجنّف
ويقال: دجت شعرة الشّاة: ضفت وسبغت. ورفق الظّل ما تسترفق به منه.
ويقال: ماء رفق قليل للغشاء قريب الرّشاء. وظل ماتع طويل. قال:
ماتعة رأد الضّحى أفياؤها ... وقد متع الظّل ومتع النّهار ومتع النّبات
قال ابن مقبل: وعاد لويه بعد المتوع، وظل وحف كشف- وشعر وحف وقد وحف وحوفة ووحافة. ولغف مثله. وقد ألغف قناعه، وأغدفه، وظل واعد يعد بسكون، ودوام وسحاب واعد يعد يمطر، وفرس واعد يعد بجري. قال:
حتى إذا أدرك الرّامي وقد عربت ... عنه الكلاب فأعطاها الذي يعد
يصف ثورا دافع كلبا بقرنه.
وظلّ مظل- وظليل- وقد أظلّ يومنا- وظل مغطال ومغطئل- قال وأغطال شكيرها- وشف هف- من قولهم: شف الثّوب إذا أدى ما وراءه، وهف رقيق.
ويقال: سحاب هف رقيق- وشهدة هف لا عسل فيه- وثوب هفهف رقيق- وهفهاف كذلك.
стр. 460
ويقال: ظلّ مشعشع أي رقيق. وشعشع كذلك وهما غير الظلّيل. قال الهذلي: والظّل بين مشعشع ومظلّل. وشعشع الشّراب: أرقّه بالمزج.
ورجل شعشاع طويل دقيق ... إلى كلّ شعشاع وأبيض فادعم
وخادع وظنون لا يوثق بدوامه.
ويقال: سنون خداعة لا زكوة فيها، وكل شيء لا دوام له ولا بقاء فهو خيتعور، والدّنيا خيتعور، وحبّ المرأة خيتعور. قال شعرا:
كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحبّ حبّها خيتعور
والغول خيتعور وشيء يظهر على وجه الأرض، فلا يثبت خيتعور والملذان الكذوب.
ويقال: زحل الظّل أي سار. قال: والظّل غض ما زحل. وضهل قل: يقال ماء ضهل وضاهل وظل ضهل. وهرب الظلّ: غاب. قال: من هارب الوتد. وأفل غاب وأفلت الشّمس تأفل أفولا وأفلت السّحاب صحت، وأفل لبن النّاقة، قلّ، والأفيل والإفال صغار الإبل لأنّها تغيب في جلتها وكبارها.
ويقال: نشل الظّل قل ويدنا شلة نحيفة ضئيلة، ووشل اللّبن ووشل حظ الرّجل وولق يلق أسرع. قال: جاءت به عنس من الشّام تلق.
وودق: دنا من السّقوط، ويقال: ودقت الأتان وأودقت واستودقت فهي وديق ومودق ومستودقة إذا اشتهت الفحل فدنت منه، وودقت السّرة تدلّت إلى الأرض، والوديقة الهاجرة لأنّ الشّمس تنزل إلى الأرض بحرّها.
ويقال: أزي الظّل يأزى أزيا وأزيا إذا قصر وصار نعلا، وتأزّى القوم في حلتهم إذا تقاربوا، وفلان أزءمال يلازمه فلا يبرحه. واسمأل الظّل لاذ بأصل الشّجر واسمأل الثّوب أخلق، وكلّ ضعيف مسمئل وكلّ قوي مضمئل.
ويقال: قلص الظّل قلوصا وضحى يضحى ضحوا. ومصح مصوحا، وجنح جنوحا، ورزخ رزوخا، ونضب الظّل ونضب الماء ونضب البرق. وأنشد أبو زيد في عماء ناضب.
وزنا الظّل وهو زناء. قال شعرا:
وتدخل في الظّل الزّناء رؤوسها ... وتحسبها هيما وهنّ مصائح
وعادنا الشّجر وجلست في عوذ الظّل، وانسرق الظلّ.
ويقال: قواه منسرقة أي ضعيفة، وغزال منسرق، وانغفق: ضعف وكاد ينتقل.
стр. 461
ويقال: تغفق بظلّ الشجرة. قال:
تغفّق بالأرطي لها وأرادها ... رجال فبذّت نبلهم وكليب
وانسرب: دخل في السّرب وانزرب دخل في الزرب وكنس وجنس وظل لقا وظلال القاء وملخ الظّل أسرع ملخا. قال: تمير في الباطل مرا مالخا. وداغش لاوذ وقد داغش الورد. قال عطشان داغش ثم عاد يلوب.
وقال: (أما تراهنّ يداغشن السّرى) : ويروى يواغشن وعقل الظلّ.
قال شعبة السّاق إذا الظّل عقل، والظل بالغداة محول وبالعشيّ محول. قال شعرا:
إذا حوّل الظّل العشي رأيته ... حنيفا وفي قرن الضّحى يتنصّر
ويقال: جلس في نسيغ الظّل ورسيغه. قال: وفي نسيغ الظّل أو رسيغه. وظلّ رقق ورقيق ونفق سريع الزّوال واز قصير وغاز وقد غزا وطنه فقصر.
ويقال: غزا الماء أوطانه: إذا لحق بقرارة من الأرض وحسر عنه المدد.
ويقال: ساه راه وظلال أرهاء. قال شعرا:
واستكن العصفور كرها مع الضّب ... وأوفى في عوده الحرباء
فنفى الجندب الحصا بذرا ... عيه وأودت بأهلها الإرهاء
والمعافر لم يفسر، وقالت امرأة لابنتها: لا تأتيني إلّا معافرة أو منافرة.
ويقال: شجر المي الظّل قال:
إلى شجر المي الظّلال كأنّه ... رواهب أحلى من الشّراب عذوب
يقال: أخذ الظّل يموت وقد مات وماتت الرّيح، قال: إني لأرجو أن تموت الرّيح، وأقعد اليوم وتستريح. وقوله مشتفة من قولهم: اشتف الشّراب: إذا أخذ يتجرعه وأشنف جوز الفرس الحزام إذا استوفاه، قال: ودفان يشتفان كل ظفان بمنزلة الحرام.
стр. 462
الباب الحادي والخمسون في ذكر التّاريخ وابتدائه والسّبب الموجب له، وما كانت العرب عليه لدى الحاجة إليه في ضبط آماد الحوادث والمواليد
وهو فصلان:
فصل [في أن تاريخ كل شيء في اللغة غايته ووقته الذي انتهى إليه]
تاريخ كل شيء في اللغة غايته ووقته الذي انتهى إليه. ومنه قولهم: فلان تاريخ قومه في الجود: يريدون الذي انتهى إليه ذلك، وسئل بعض أهل اللّغة ما معنى التاريخ؟ قال:
معنى التأخير. وقال آخر: بل هو إثبات الشيء.
ويقال: ورخت الكتاب توريخا هو لغة بني تميم وأرخته تأريخا لغة قيس وتأريخ وتاريخان وتواريخ.
ويقال: أرخ كتابك وورّخه. قال أحمد: جميع ما ذكرنا فيه من اختلاف اللّغات وما دارت عليه الكلمة في التّصاريف يدل على أنّها جارية مجرى ما أصله العربية دون ما نقل إليه من العجمية، ولكل نبوة ومملكة تاريخ، فأمّا العرب فكانوا يؤرخون بالنّجوم قديما وهو أصل، ومنه صار الكتّاب يقولون: نجمت على فلان كذا حتى يؤديه في نجوم ويجمع النّجوم أنجمه.
ويقال: نجم له رأي أي ظهر، واشتهر لفظة النّجم بالثّريا فأما قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
[سورة النّجم، الآية: ١] كان الكلبي يقول: والقرآن إذا نزل نجوما أو شيئا بعد شيء وقال غيره: النّجم هاهنا الثّريا أقسم الله تعالى به على المعنى الذي فسّرناه كأنه قال: وخلقي الذي لا يقدر أحد أن يخلق مثله، وعلى أقسامه بالطّور والتّين وما أشبههما، وفسّروا قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٥] على النّجوم الطّوالع لقوله:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٧] وعلى نجوم القرآن أيضا، وقيل في قوله:
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٧] إنّ النّجم ما نجم من النّبات ولا ساق له ويقال لواحد: هذا النّجم نجمة. قال الحارث بن ظالم شعرا:
стр. 463
أحصي حمار بات يكدم نجمة ... أتوكل جيراني وجارك سالم
صغّر أمره وشبّهه بحمار سوء، وكانت العرب تؤرّخ بكلّ عام ينفق فيه أمر جليل مشهور متعارف كتاريخهم بعام الفيل، وفيه ولد النبيّ ﷺ وكان ذلك في السّنة الثامنة والثّلاثين من ملك كسرى أنو شروان.
وروي لنا عن أبي العيناء في إسناد يرفعه إلى أبي جعفر محمد بن علي قال: ولد رسول الله ﷺ ليلة الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول، وكان الفيل في النّصف من المحرّم بينه وبين مولد رسول الله ﷺ خمس وخمسون ليلة. وبذلك الإسناد أنّ رسول الله ﷺ ماتت أمّه وله ستّ سنين.
وروى جبير بن مطعم أنه قيل لرسول الله ﷺ : أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: أنا يومئذ ابن ثمان سنين.
وروي عن الزّهري أنّ أبا رسول الله ﷺ توجّه إلى الحجاز ممتارا فمات ورسول الله ﷺ حمل.
وروي أن آمنة أم رسول الله ﷺ ماتت وتركت أم أيمن وهي أم أسامة بن زيد، فأرثها رسول الله ﷺ وكان إذا رآها قال: بقية أميّ. فهكذا كان يجري أمر التّاريخ، وكما أرّخوا قبله بعام الخنان «١» لأنّهم تماوتوا فيه، وعظم أمره عليهم. قال النّابغة شعرا:
فمن يك سائلا عنّي فإنّي ... من الشّبان أيّام الخنان
مضت مائة لعام ولدت فيها ... وعشر بعد ذاك وحجّتان
فقد أبقت صروف الدّهر منّي ... كما أبقت من السّيف اليماني
وروي من غير وجه أنّه كان بعد النّبي ﷺ كان الأقرع بن حابس يحكم العرب في كلّ موسم، وكانت العرب تتيّمن وهو أول من حرّم القمار، فانقادوا له لذلك قال البعيث:
وعمّي الذي انقادت معد لحكمه ... فألقوا بأرسلان إلى حكم عدل
قوله: القوا بأرسلان: كما قيل: ألقيت إليك المقاليد، وما أقل من أرّخ في شعره على أنه يروى للمستوعز بن ربيعة وهو من المعمّرين:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وازددت من عدد السّنين سنينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي ... وأردت من عدد الشّهور مئينا
هل ما بقي إلّا كما قد فاتنا ... يوم يكرّ وليلة تحدونا
стр. 464
قال أكثم بن صيفي:
إن امرأ قد سار تسعين حجّة ... إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
أتت مائتان غير عشر وفاءها ... وذلك من مرّ اللّيالي قلائل
أنشد المازني:
هزئت زينب وإن رأت يرمي ... وإنّ الخنى ليقال من ظهري
من بعدما عهدت فأدلفني ... يوم يجيء وليلة تسري
حتّى كأنّي خاتل قنصا ... والمرء بعد تمامه يجري
لا تهزئي منّي زينب فما ... في ذاك من عجب ولا سحر
أولم تري لقمان أهلكه ... ما اقتأت من سنة ومن شهر
وبقاء نسر فلمّا انقرضت ... أيامه عادت إلى نسر
ما طال من أبد على لبد ... رجعت محورته إلى قصر
ولقد حلبت الدّهر أشطره ... وعلمت ما أتى من الأمر
وأرّخت العرب بموت هشام بن المغيرة المخزومي لجلالته فيهم، ولذلك قال الشاعر:
وأصبح بطن مكّة مقشعرّا ... كأنّ الأرض ليس بها هشام
ومات زهير بن أبي سلمى قبل مبعث النّبي ﷺ بسنة، ومات النّابغة قبله فقال زهير لبنيه: رأيت رؤيا وليحدثنّ أمر عظيم ولست أدركه رأيت كأنّي أصعدت إلى السماء حتى إذا كدت أنا لها انقطع السبب، فهويت فمن أدركه منكم فليدخل فيه فأتى ابنه بحير «١» النبي ﷺ وكان زهير يكنى بحير فأسلم وأبى كعب أن يسلم حتى هاجر النّبي ﷺ إلى المدينة فقدم وأسلم، ومدح النّبي ﷺ بقصيدته اللّامية واعتذر مما كان فيها.
وروى الزّهري والشّعبي أنّ بني إسماعيل أرّخوا من نار إبراهيم إلى بنائه البيت حين بناه مع إسماعيل فإنّ بني إسماعيل أرّخوا من بنيان البيت إلى تفرق معد، ثم أرّخوا بشيء إلى موت كعب بن لؤي، ثم أرّخوا بعام الفيل إلى أن أرّخ عمر بن الخطاب من هجرة النبي ﷺ وكان سبب ذلك أنّ أبا موسى كتب إليه أنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب ليس لها تاريخ، فلا ندري على أيّها نعمل.
стр. 465
وروي أنه قرأ صكا محلّه شعبان، فقال الشّعابين الماضي أم الآتي؟ فكان ذلك سبب التّاريخ من الهجرة بعد أن أرادوا أن يؤرّخوا من المبعث، ثم اتّفق الرأي على الهجرة، وقالوا: ما نجعل أوّل التّاريخ؟ فقال بعضهم: شهر رمضان وقال بعضهم: رجب، فإنّه شهر حرام، والعرب تعظّمه، ثم اجمعوا على المحرّم فقالوا: شهر حرام وهو منصرف النّاس عن الحج، وكان آخر الأشهر الحرم فصيّروه أوّلا لأنّها عندهم ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب فكان الأربعة تقع في سنتين. فلما صار المحرم أولا اجتمعت في سنة، والتاريخ لغة قيس، وعليه استعمال النّاس والتّوريخ لغة تميم وما استعمله كاتب قطّ، وإن كان التّكلم به كثيرا في ألسنة العرب.
وقال بعض الكتّاب: التاريخ عمود اليقين- مبيد الشّكوك- به تثبت الحقوق- وتحفظ العهود.
قال أبو بكر الصّولي: وكان لا يقع التّاريخ في شيء من الكتب السّلطانية من رئيس أو مرءوس إلّا في أعجاز الكتب، وقد يؤرخ النّظر والتّابع ما خص من الكتب في صدورها.
وقال إبراهيم بن العباس: الكتاب بلا تاريخ نكرة بلا معرفة، وغفل بغير سمة.
قال أبو عبد الله: وكتب عمر بن الخطاب إلى الأمصار أن يبعث إليه من كلّ مصر برجله، فوفد عليه عتبة بن فرقد السّلمي من الكوفة- ومجاشع بن مسعود السّلمي من البصرة- وأبو الأعور السّلمي من الشّام- ومعن بن يزيد السّلمي من مصر فتوافوا عنده كلّهم من بني سليم.
قال أبو الحسن علي بن سليم: قال بعض الشعراء في صاحب توفّي وكان يؤرّخ علم القرون فها هو اليوم أرخاء.
وذكر الصّولي أنّه كاتب أبا خليفة الفضل بن الحباب القاضي في أمور أرادها، قال:
فأغفلت التّاريخ، فكتب بعد نفوذ الثّاني: وصل كتابك مبهم الألوان مظلم البيان، فأدى جراما القرب فيه بأولى من البعد، فإذا كتبت أعزّك الله فلتكن كتبك موسومة بتاريخ لأعرف به أدنى آثارك، وأقرب أخبارك إن شاء الله قال: فكتبت إليه كتابا جعلت التّاريخ في صدره وقلت معه: قد قبلنا دلائل البرهان- واعترفنا بالبرّ والإحسان- وجعلت التّاريخ بعد دعاء لائحا للعيون كالقنوان.
شعر:
حبّذا أنت من مفيد علوم ... وافدات بحكمة وبيان
هي أسنى ذكرا وأكثر نفعا ... من كنوز اللّجين والعقيان
стр. 466
فكتابي إليك يا زينة ... الدّنيا لخمس خلون من شعبان
قال أبو العباس: آخر من مات بالكوفة من الصّحابة من الأنصار عبد الله بن أبي أوفى- وبالبصرة أنس بن مالك، وبالشّام أبو أمامة الباهلي، وبالمدينة سهل بن سعد، وبمكة عبد الله بن عمر ﵃، وممن ذكر سنه في شعره وأرّخه زهير بن خباب الكلبي في قوله:
ونادمت الملوك من آل عمرو ... وبعدهم بني ماء السّماء
وحقّ لمن أتت مائتان عاما ... عليه أن يملّ من الشّواء
قال الصّولي: وكنّا يوما عند المغيرة بن محمد المهلبي، فقال له رجل: كم كان سن يزيد بن المهلّب يومئذ؟ فجعل جوابه إنشادا بمبلغه فقال: أنشدني التّوجي لحمزة بن بيض الحنفي فيه يرثيه:
أغلق دون السّماح والنّجدة ... والمجد باب خروجه أشب
يان ثلاث وأربعين مضت ... لا صريح واهن ولا ثلب
لا بطر إن تتابعت نعم ... وصابر في البلاء محتسب
برزت سبق الجواد في مهل ... وقصرت دون سبقك العرب
فصل في حكّام العرب في الجاهليّة
قال أبو عبد الله: حكّام العرب في الجاهلية عبد المطلّب بن هاشم- وأبو طالب بن عبد المطلب- والعاصي بن وائل- والعلاء بن حارثة الثّقفي. وحكام كنانة: يعمر بن الشّداخ وصفوان بن أمية بن الحارث، وسلم بن نوفل أحد بني الدّيك بن بكر. ومن بني أسد:
ربيعة بن حدار أحد بني سعد بن ثعلبة بن دودان وله يقول الأعشى:
وإذا طلبت المجد أين محلّه ... فاعمد لبيت ربيعة بن حدار
يهب التّحية والجواد بسرجه ... والأدم بين لواقح وعشار
وهو الذي حكم بين حاجب بن زرارة وخالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل فنفر حاجبا على خالد.
وحكّام قيس: عامر بن الظرب وسنان بن أبي حارثة المرّي، وغيلان بن سلمة الثّقفي، وكانت له ثلاثة أيام: يوم ينشد النّاس بشعره، ويوم يحكم فيه بين النّاس ويوم يقعد فيه
стр. 467
للنّاس فيزار وينظر إلى سرره وجماله. وجاء الإسلام وعنده عشر نسوة فخيّره النبي ﷺ فاختار منهن أربعا فصارت سنة. قال: وقتلت بنو أسد من الأشراف حجر بن عمرو بن الشّريد السّلمي، وربيعة بن مالك الجعفري أبا لبيد الشّاعر، وعتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي. وزعموا أنّهم قتلوا شهابا جد عتيبة، وبدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن عيسى الفزاري وهو جد عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر.
فصل في أوقات التواريخ
في أوقات التّاريخ إنما غلّبت العرب اللّيالي على الأيام في التّاريخ، فقيل: كتبت لخمس بقين، وأنت في اليوم لأنّ ليلة الشّهر سبقت يومه، ولم يلدها وولدته ولأنّ الأهلّة لللّيالي دون الأيام، وفيها دخول الشّهر، ولذلك ما ذكرهما الله تعالى إلا وقدّم اللّيالي على الأيام قال تعالى: سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
[سورة الحاقة، الآية: ٧] وقال تعالى:
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ*
[سورة فاطر، الآية: ١٣] وقال تعالى: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
[سورة سبأ، الآية: ١٨] والعرب تستعمل اللّيل في الأشياء التي يشاركها فيها النّهار دون النّهار، وإن كانت لا تتم إلا به قال تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ
[سورة الأعراف، الآية: ١٤٢] وقال الفرّاء: ولقد دعاهم تغليب اللّيل على الأيام إلى أن قالوا:
صمنا عشرا من الشّهر. قال: وقال أنو شروان: اليوم عشر من الشّهر ويقولون: عندي عشر من الإبل وإن كانت ذكورا، وعشر من الشّاء وإن كانت كباشا، ويقولون: أدركنا اللّيل بموضع كذا لأنّه أوّل ألا ترى قول النّابغة:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ولم يقل كالنّهار.
وحكى بعضهم أنّ العرب تقول في اللّحم: ابن يومه، وفي الخبز ابن ليلة، وفي النبيذ ابن سنة وأنشد:
وفتيان صدق لا تغبّ لحامهم ... إذا شبّه النّجم الصّوار المنفّرا
ومدح حميد الطّوسي علي بن جبلة بمثل قول النابغة، فقرن إلى اللّيل النّهار فقال:
وما لامرىء حاولته منك مهرب ... ولو رفعته في السّماء الطّوالع
بل هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصّبح ساطع
стр. 468
وقال عبيد الله بن عبد الله في معنى قول النابغة:
إنّي وإن حدّثت نفسي أنّني ... أفوتك إنّ الرأي منّي لعاذب
لأنّك لي مثل المكان المحيط بي ... من الأرض أنّى استنهضتني المذاهب
فجعل مكان اللّيل من قول النّابغة، لأنّك لي مثل المكان إذ كان لا بد للمخلوق من مكان وزمان، وقالوا: صمنا عشرا من رمضان، وأنشد أبو عبيدة:
فصامت ثلاثا لا مخافة بينها ... ولو مكثت خمسا هناك لصلّت
والشّهور كلّها مذكّرة سوى جماديين، ولا يذكّرون من شهر كذا إلا في ثلاثة أشهر:
شهر رمضان وشهرا ربيع، لأنّ الربيع وقت من السّنة فخافوا إذا قالوا من ربيع أن يظن أنه من الرّبيع الذي قبل الخريف، وقال الرّاعي:
شهري ربيع لا يذوق لبونهم ... إلّا حموضا وخمة ودويلا
الدّويل كسار الحلى ينبت مجتمعا، وكلّ ما يكسر من النّبات وأسود فهو دويل ولو كتب كاتب في ربيع الأول وفي رمضان، ولم يذكر الشهر لجاز وليس بالمختار كما قال:
جارته في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض
واعلم أنّه لا يكتب لليلة مضت لأنّهم يعدون في اللّيلة، فإذا أصبحوا كتبوا لليلة خلت، ويكتب أوّل يوم من كذا، ولا يكتب مهلّ كذا، ولا مستهل كذا لأنّ الهلال إنّما يرى باللّيل. وأنشد الأصمعي والشّعر لنابغة بني جعدة، وعاش ثمانين ومائة سنة:
قالت أمامة كم عمرت زمانه ... وربحت من عزّ على الأوثان
ولقد شهدت عكاظ قبل محلّها ... فيها وكنت أعد في الفتيان
والمنذر بن محرّق في ملكه ... وشهدت يوم هجا بن النّعمان
وعمرت حتّى جاء أحمد بالتّقى ... وقوارع يتلى من الفرقان
فلبست بالإسلام ثوبا واسعا ... من سيب لا حرد ولا منّان
وقال حين أتت عليه مائة واثنتا عشرة سنة:
مضت مائة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجّتان
وأبقى الدّهر والأيام منّي ... كما أبقى من السّيف اليماني
يصمّم وهو مأثور جراز ... إذا اجتمعت بقائمة اليدان
قال أبو عبد الله فتّاك الجاهليّة: الحارث بن ظالم المرّي- والبراض بن قيس الضّمري- وتأبّط شرّا واسمه جابر بن سفيان الفهمي- وحنظلة بن فاتك أحد بني عمرو بن أسد. وفتّاك
стр. 469
الإسلام: مالك بن ريب المازني- وعبيد الله بن الحر الجعفي- وعبد الله بن سبرة الجرشي- وعبد الله بن خازم السّلمي- والقتال الكلابي- ومرار بن يسار الفقعسي- وعتيبة بن هبيرة الأسدي- ومن باب التّاريخ قول الشّاعر:
ها أنا ذا أملّ الخلود وقد ... أدرك عمري ومولدي حجرا
أيا امرأ القيس هل سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا
وما يجري مجرى التّاريخ بما يتضمّن من التّشبيه ما أنشده ابن الأعرابي وأظن بعضه قد مضى، وإن كان يسيرا، وأنشد أبو هفان وزعم أنّه من أحسن أشعارهم شعرا:
منعمة لم تلق بؤسا ولم تسق ... بعيرا ولم تضمم وليدا إلى نحر
ولم تدر أي النّاس أعداء قومها ... وتمضي اللّيالي والشّهور ولا تدري
سوى أن تصوم الشّهر فيمن يصومه ... وتسأل عن يوم العروبة والفطر
فلو كنت ماء كنت صوب غمامة ... ولو كنت مزنا كنت ثرة من بكر
ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعة ... ولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
كلفت بها عمري فلمّا تقطّعت ... وسائلنا ودّعت ما فات من عمري
وأنشد نفطويه عن أبي العبّاس ثعلب:
فلو كنت ليلا كنت ليلة صيف ... من المشرقات البيض في وسط الشّهر
ولو كنت ظلّا كنت ظلّ غمامة ... ولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
ولو كنت يوما كنت يوم سعادة ... ترى شمسه والمزن يهضب بالقطر
وفي هذه الطّريقة ما أنشد به أحمد بن لجأ ويروى للعين المنقري:
فقيّم يا شرّ تميم محتدا ... لو كنتم ماء لكنتم زبدا
أو كنتم ليلا لكنتم صردا ... أو كنتم شاء لكنتم نقدا
أو كنتم صوفا لكنتم فردا ... أو كنتم عيشا لكنتم جحدا
وأنشد:
لو كنت لحما كنت لحم كلب ... أو كنت نارا لم تحل في عطب
أو كنت ماء لم تسع لشرب ... أو كنت سيفا لم تكن بعضب
وروى أبو عمر عنه أيضا قال: أنشدني أبو عبد الله:
لو كنت من مال امرئ ذي نيقة ... لكنت خير ناقة مسوّقة
стр. 470
من ناقة خوّارة رقيقة ... ترميهم ببكرات روقة
وحكى ابن الأعرابي قال: غزا خالد بن قيس بن المضلّل فيمن تبعه من بني أسد فغنم وسبا فمرّت به جارية أعجبته فقال لها: كيف كان أبوك يطبخ اللّباء؟ قالت: كان يهنيه ويمنيه حتى يستقر، ورضفه فيه، فأعرض عنها ثم دعا بأخرى فسألها عن مثل ذلك، فقالت: كان يهذره ويمذره، ويطعن الفارس فينثره، فاتّخذها لنفسه، فجاءت بعاصم بن خالد، وكان يقال له: البر من برّه بأبيه وله يقول أبوه شعرا:
أرى كلّ أمر إلى عاصم ... فما أنا لو كان لم يولد
فلو كنت شيئا من الأشربا ... ت لكنت من الأسوغ الأبرد
قول الأولى: يهنيه ويمنيه: أي يحسن علاجه وهذا مما يوصف بها الرّعاة.
وقول الثّانية: (يهذره ويمذره) : أي يفسده فإذا طعن الفارس أشرقه بدمه فأنثره، ويشبه هذا عندي قول الآخر:
إنّ عليها فارسا كعشرة ... إذا رأى فارس قوم أنثره
أورده منكفيا أو أشعره معنى أشعره: رماه بسهم جعله شعارا له، وهذا شبيه بقول الجعدي:
فتانا بطرير مرهف جفرة ... المخرم منه فسعل يريد
لما جافه بالطعنة أشرقه بدمه فسعل به، وأنشدت عن نفطويه، قال: أنشدني ثعلب عن ابن الأعرابي:
لو كنت ليلا من ليالي الشّهر ... كنت من البيض تمام البدر
بيضاء لا يشقى به من يسري ... أو كنت ماء كنت غير كدر
ماء سماء في صفاتي صخر ... أظلّه الله بعيص الصّدر
فهو شفاء من غليل الصّدر وأنشدت عنه أيضا قول الآخر:
فلو كنت يوما كنت يوم تواصل ... ولو كنت ليلا كنت لي ليلة القدر
ولو كنت عيثا كنت نعمة جنة ... ولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
وأنشده من غير هذا الوجه:
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر
стр. 471
وأنشد أبو العبّاس المبرّد في الذّم والإزراء:
لو كنت ماء لم تكن بعذب ... أو كنت عاما كنت عام خصب
أو كنت سيفا لم يكن بعضب ... أو كنت غيرا لم يكن بندب
أو كنت لحما كنت لحم كلب
وأنشد ابن الأعرابي:
لو كنت ماء كنت لا ... عذب المذاق ولا مسوسا
ملحا بعيد القعر قد ... فلّت حجارته الفؤوسا
قال المسوس: كلّ ما شفى الغليل، لأنّه مسّ الغلة وأصابها وأنشد:
يا حبذا ريقتك المسوس ... وأنت خودبان شموس
ويقال: ماء قعاع، وزعاق وحراق وليس بعد الحراق في الملوحة شيء لأنه إذا شربت الإبل أحرقت أكبادها.
وروى لنا أبو الحسن البديهي قال: سمعت أبا عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي يقول: سأل بعض أهل العلم أصحابه فقال: أتعرفون رجلا من الصّحابة يروى عنه الحديث، ويقال له أسد بن عبد مناف بن شيبة بن عمرو بن المغيرة بن زيد؟ قالوا: لا. قال:
علي بن أبي طالب: سمّته أمّه فاطمة أسدا وهي بنت أسد باسم أبيها، وعبد مناف اسم أبي طالب، وشيبة اسم عبد المطلب وعمرو اسم هاشم، والمغيرة اسم عبد مناف، وزيد اسم قصي.
وأخبر أنّ النّبي ﷺ تولّى دفن فاطمة بنت أسد وكان أشعرها قميصا له، فسمع وهو يقول: ابنك، فسئل ﷺ فقال: إنّها سئلت عن ربّها فأجابت، وعن نبيها فأجابت، وعن إمامها فلجلجت، فقلت: ابنك ابنك «١» .
стр. 472
الباب الثّاني والخمسون فيما هو متعالم عند العرب، ومن داناهم، وأدركوها بالتفقّد وطول الدّربة ولم يدخل في أسجاعهم
قال أبو حنيفة: يقولون إذا طلع فرغ الدّلو المؤخّر، وذلك أول الرّبيع اختال العشب، وأدرك الباقلي والفاكهة المنكرة بالعراق، وظهرت الهوام.
وإذا طلع بطن الحوت حصد أوّل الشّعير بالعراق، وزعموا أنّ النوء الذي فيه هو نوء السّماك قلّ ما يخلف.
وإذا طلع الشّرطان أكل فريك الحنطة.
وإذا طلع البطين: فرغ من حصاد الشّعير، وابتدئ بحصاد الحنطة والقطابي وهي الجنوب، وكثرت الفاكهة بالعراق والشّام، وقيل: إنّه قلّ ما يعدمه سحاب.
وإذا طلعت الثّريا عم الحنطة الحصاد، وأدرك التّفاح، ومدّ في آخره النّيل.
وإذا طلع الدّبران: هبّت السّمائم وأسود العنب.
وإذا طلعت الجوزاء فيها الهقعة أدرك البطيخ والفاكهة.
وإذا طلعت الهنعة: أدرك البسر والتّين، وفيه تنقص المياه.
وإذا طلعت الذّراع وفيها الشّعرى: أدرك الرّمان، وحصد القصيب النّبطي.
وإذا طلعت العذرة وفيها النّثرة: قطف العنب بالعراق، وأكل الرّطب وبلح النّخل بالحجاز. وأدرك جميع الفاكهة بالعراق والشّام.
وإذا طلع الطّرف كثر الثمر في ذلك الوقت، واللّبن الذي يستقضونه من الضّروع، لفصال الأولاد عن الأمهات، ويطوف أهل مصر. ونوؤه ستّ ليال وينسب في الشّعر إلى الأسد.
стр. 473
وإذا طلعت الجبهة: كثر الرّطب وسقط الطّل.
وإذا طلعت الزّبرة وطلع معها سهيل بالعراق: برد اللّيل والماء وولّى القيظ.
وإذا طلعت الصّرفة برد الليل واختلفت الرياح وتحرّك أول الشّمال وقطعت العروق، وشربت الأودية، وجدّ النّخل بالحجاز، وبكل غور ويشتار العسل.
وإذا طلعت العوّاء وطلع معها السّماك الرّامح: أخذ النّاس في صرام النّخل وقطف الرّمان والسّفرجل، وفيه، ينتهي غور المياه وتهيج الصّبا.
وإذا طلع الغفر: زرع أول زرع الحنطة وزرع الرطاب وحصد القصب الفارسي وجد النخل وفي النوء الذي فيه وهو نوء الشرطين أول مطر ينتفع به.
وإذا طلعت الزّباني دخل الناس البيوت، ويسقط الرّبل: وهو الورق الذي نبت في دبر القيظ ببرد اللّيل.
فإذا طلع الإكليل لم يكد يخطئ النّوء الذي فيه وهو نوء الثّريا السّحاب والغيوم، وقطعت الحداء والخطاطيف والرّخم إلى الغور.
وإذا طلع قلب العقرب: هبّت رياح الشّتاء الباردة.
وإذا طلعت الشّولة سقط الورق كلّه وكثر الرّذاذ والمطر.
وإذا طلعت النّعايم وطلوعها لاثنين وعشرين ليلة من كانون الأول وسقوطها لاثنين وعشرين يخلو من حزيران، يتشعّب الرّعاء ويتلاقى التمايم لأنّهم حينئذ يفرغون، ولا يشغلهم رعي فيلاقون ويدس بعضهم إلى بعض الأخبار.
وإذا طلعت البلدة نقى البساتين وكرب الكروم.
وإذا طلع سعد الذّابح لم يكد يخطئ النّوء الذي فيه وهو نوء النّثرة مطر وإن أخلف فريح.
وإذا طلع سعد بلع نقّت الضّفادع، وباضت الهداهد، وتزاوجت العصافير وهبّت الجنوب، وأعشبت الأرض.
وإذا طلع سعد السّعود وتحرّك أوّل العشب، وأورق الشّجر وزقأ المكاء وجاءت الخطاطيف، وقلما يخطئ النّوء الذي فيه، وهو نوء الجبهة المطر الجود.
وإذا طلع سعد الأخبية لم يكد يخطئ النّوء الذي فيه، وهو نوء الزّبرة مطرا شديدا وقلّما أخلف المطر وفيه يورق الكرم.
وإذا طلع فرغ الدّلو المقدم: يسلم الناس من الحاسة في النّوء الذي فيه وهو نوء
стр. 474
الصّرفة فقد أمنت بإذن الله من الحواس إلى آخر السنة، وفيه يقول القائل: إذا دخل آذار أخياء وآبار، لما يتخوّف النّاس من الآفات في هذا النوء وفيه يعقد اللّوز والتفاح، وهذا الذي ذكره أبو حنيفة خرّجه غيره على الشّهور الرّومية، فقال زائدا عليه:
تشرين الأوّل
سلطان المرّة السّوداء وهو ثلاثون يوما آيته واحد، وهو بالفارسية شهريرماه وآيته أربعة، وهو أوسط الخريف وله من البروج الميزان وهو هوائي مؤنّث نهاري شمالي. ربّه بالنّهار زحل وباللّيل عطارد، والشّريك المشتري وهو بيت الزّهرة، وشرف زحل هبوط الشّمس فيه. والإقليم الروم إلى إفريقية مصر، وله من المنازل الغفر والزّبانى وثلث الإكليل، وفي أوله يبتدئ أهل الحجاز بالزّراعة وفي عشر منه تزرع الحنطة والشّعير والرّطاب ويقوم سوق القادسان بسوق الأسواق أسبوعا. وفي خمس عشرة منه يبرد الزّمان وتكثر الرّياح بإذن الله، وفي إحدى وعشرين يطلع الغفر ويسقط، وفيها يغلظ الشّجر ويكون أول مطر، فإن أخطأ فريح شديدة، وتريح نيل مصر، ويقوم سوق حلب، وفي خمس وعشرين منه يطلع الزّبانى ويسقط البطين، وفيها يدخل النّاس البيوت واستقبل الوسميّ ويقوم سوق ماسرجسان.
تشرين الآخر
سلطان المرّة السّوداء: ثلاثون يوما آيته أربعة، وهو بالفارسية مهرماه آيته ستة، وهو آخر شهور الخريف. وله من البروج العقرب، وهو من بروج الماء وهو بيت بهرام، وبهرام هو المرّيخ، ومنزله فوق قلب العقرب وهبوط القمر فيه. ربّه باللّيل الزّهرة وبالنّهار المريخ، والشّريك القمر، والإقليم مكة. وله من المنازل ثلثا الإكليل والقلب وثلثا الشّولة، في أول يوم تهبّ الجنوب وفي الثّاني يطلع الزبانيان ويسقط البطين وتقوم سوق عند كنيسة الرّقة ويبرد الماء ويبتدئ أهل الشّام بالزّراعة، ويذهب زمان المنّ والسلوى، ويلقط الزيتون ويدخل النّمل ذوات الأجنحة بالشّام وبكل أرض باردة جوف الأرض ويخرج الحداء والرّخم من كل أرض باردة، وعند ذلك يعرف الشّتاء من الصّيف، وفي خمس عشرة منه يطلع الإكليل ويسقط الثّريا وهو آخر الخريف ويكون المهرجان عيد المجوس، وفيها يبتدئ البرد ويرتج البحر ويجيء شيء من المطر، فإن لم يجيء هاجت الرياح، وتهلك كلّ دابة ليس لها عظم، مثل الدود والدّباء والجراد واليعاسيب، ويسقط ورق الشّجر، وما قطع فيه من الخشب لم يقع فيه أرضة، ويقع الجليد فوق الأرض وتتحرك فحولة الغنم. وفي أربعة وعشرين منه يكون النّهار عشر ساعات، واللّيل أربع عشرة ساعة، ولخمس وعشرين منه تعلق البحر فلا يركبه أحد. ولثمان وعشرين منه يطلع القلب، ويسقط الدّبران ويطلع النّسر
стр. 475
الواقع ويشتدّ القر، ويختار النّاس ما يقل من الثّياب ويشتد موج البحر ويقل صيده ويعصر الزّيت ويلقط الجوز.
كانون الأوّل
سلطان البلغم، آيته واحد، وهو أوّل شهور الشّتاء وله من البروج القوس وهو من بروج النار ذو جسدين، وهو بيت المشتري. ربّه بالنّهار الشّمس وباللّيل المشتري والشّريك زحل. الإقليم بابل وله من النّجوم ثلاثة، الشّولة والنّعايم والبلدة. وفي أول يوم منه يقوم سوق دمشق، ولإحدى عشرة منه يطلع الشّولة وهي ذنب العقرب، تسقط الهقعة ويجيء مطر، وتهيج رياح ويخرج النّمل ذوات الأجنحة فتجيء القواري من الطيّر فتصطادها وتولد الضأن. ولاثنتي عشرة منه يرى أول الطّلع، ولخمس وعشرين منه تطلع النّعايم وتسقط الهنعة وهو حمية الشّتاء، وفيه ميلاد المسيح ﵇ وهي أطول ليلة في السّنة وأقصر يوم يكون يومه تسع ساعات، وليله خمس عشرة ساعة. وهو عيد النصارى، يكون الميلاد الدّهر كلّه في خمس وعشرين من كانون الأول وتطلع البلدة، ويسقط الذّراع، وذلك أشد ما يكون من القر وقت السّحاب والمطر ويطلع النّسر الطّائر.
كانون الآخر
سلطان البلغم واحد وثلاثون يوما، آيته اثنان، وهو بالفارسية آذر ماه آيته ثلاثة، أوسط شهور الشّتاء، له من البروج الجدي، وهو برج منقلب من بروج الأرض وهو بيت زحل وشرف المرّيخ وهبوط المشتري. ربّه بالنّهار الزّهرة وباللّيل المرّيخ، والشّريك القمر.
وللجدي من النّجوم سعد الذّابح وسعد بلع وثلث سعد السعود. وفي اليوم الثّاني منه عيد النصارى يقال له القليدس، وتهبّ فيه ريح عاصفة، ولستّ خلون منه تطلع البلدة ويسقط الذّراع وهو ميلاد عيسى ﵇، الأخير يقال له الرّيح وهو حد الشّتاء يكون الرّيح الدّهر كلّه في سبع من كانون الآخر. وفيه تفقأ عيون الحيات وتموت الذبان ويغمس النّصارى أولادهم في الماء، يزعمون أنّ في تلك اللّيلة تعذب المياه المالحة ويطلع النّسر الطائر. وفيه يبدأ بكراب الكرم، وفي أربع عشرة تكون الثّلوج والأمطار ويكون آخر القر.
وفي تسع عشرة منه يطلع سعد الذّابح وتسقط النثرة ويشتدّ البرد، وهو حد الشّتاء، وفيه البرد وفيه يبتدئ أهل الرّوم بالكراب وغرس الأشجار، وذلك وقت دوام المطر، ويجري الماء في فروع الشّجر، وفيه تقطع الزّرة بتهامة ويزرع القطاني والبطيخ، وهو وقت رذاذ وطل ويكون معه الضّباب، وفي أربع وعشرين منه يطلع سعد بلع ويسقط الطّرف. واللّيل أربع عشرة ساعة، والنّهار عشر ساعات.
стр. 476
شباط
سلطان البلغم ثمانية وعشرون يوما، آيته خمسة، وهو بالفارسيّة ديماه آيته خمسة، وهو آخر شهور الشّتاء وله من البروج الدّلو وهو برج الرّياح ثابت مذكر مغربي وهو بيت زحل، ربّه بالنّهار وبالليل عطارد، والشّريك المشتري والإقليم الشّام، وله من المنازل ثلثا سعد السّعود وسعد الأخبية وثلثا مقدّم الدّلو. وفي اليوم الأوّل منه يطلع سعد بلع ويسقط الطرف وينكسر البرد، ويرى الحداء والرّخم. وفيه ينسك النّصارى، وهو وقت كثرة الأمطار. وفيه يورق الشّجر، ويخرج النّمل وينبت العشب وتكثر الذّباب، ولسبع منه تهبّ الرّياح اللّواقح وتغرس الكروم. واليوم العاشر والحادي عشر والثّاني عشر صوم قوم يونس ﵇ حين صرف الله تعالى عنهم العذاب. وفي أربع عشرة منه يطلع سعد السّعود وتسقط الجبهة، وفيه يسخن جوف الأرض وتؤكل الكمأة والفطر والهليون وتسقط الجمرة الأولى، ويخرج النمل ذوات الأجنحة والذّر ويجري الماء في العود، وتسقي الدروع ويخرج بقول الفرس، والورد والياسمين وتنشر دواب الأرض، وتزرع بقول الصّيف، ولتسع عشرة منه أول يوم من أيام العجوز، وفي أربع وعشرين منه يكون النّهار إحدى عشرة ساعة واللّيل ثلاث عشرة، ولسبع وعشرين منه يطلع سعد الأخبية ويسقط الخرأتان، وتقع الجمرة الوسطى، ولا يغرس فيه إلى أربع من آذار لا غرس ولا كرم، فإنّه يفسده السّوس وفيه: تتزاوج الطّيور ويتوالد الوحش.
آذار
سلطان البلغم أحد وثلاثون يوما، آيته خمسة، وهو بالفارسية بهمن ماه آيته سبعة، وهو أوّل شهور الصّيف، وله من البروج الحوت، وهو ذو جسدين مؤنث من بروج الماء، فيه هبوط عطارد وشرف الزّهرة، وهو بيت المشتري، ربّه بالنّهار زحل، وباللّيل عطارد، والشّريك المشتري، والإقليم الصّين وله من النّجوم ثلاثة: الفرغ المقدّم والفرغ المؤخّر وبطن الحوت. وفي أول يوم منه يطلع الدّلو وتسقط الصّرفة وهي الحمرة الأخيرة، ويلقى حرّ السماء وحر الأرض وتخرج كلّ دابة ليس فيها عظم، وفي اليوم الثّاني يزرع قصب السكر بالأهواز، والبطيخ ويلقح النخل. وفي اليوم الخامس يطلع الغفر، وهو وقت ذهاب الحواس وأول الصّيف وتختلف الرّياح، وتجري السّفن في البحر، وتفتح عيون الحيّات. وذاك أنّها تغمضها في الشّتاء، وفيها ترى معالم الصّيف ويستبل الزّرع. وفي أربع وعشرين منه يطلع مؤخّر الدّلو، ويسقط العواء ويستوي اللّيل والنّهار. وفي سبع وعشرين منه يسخب جنان، وتخرج الهوام ويكثر موج البحر ويبذر الأرز بالأهواز.
стр. 477
نيسان
سلطان الدّم ثلاثون يوما، آيته واحد، وهو بالفارسية اسفندار مذماه، آيته اثنان، وله من البروج الحمل، وهو بيت المرّيخ، برج منقلب مذكّر من بروج النّار، وللحمل من النّجوم الشّرطان والبطين وثلث الثّريا، وهو شرف الشّمس وهبوط زحل. ربّه باللّيل المشتري وبالنّهار الشّمس، ويشاركه باللّيل والنّهار زحل، والإقليم بابل، في أوّل يوم منه قام يوحنا وهو غداة يوم الأحد بعد ثلاثة من نزول المريخ. ولستّ منه تأفل الثّريا، فلا ترى أربعين ليلة. ولسبع منه يطلع الحوت، ويسقط السّماك، وقلّما يخطئ المطر فيه بإذن الله تعالى، ويبدأ بحصاد الشّعير، وتفيض العيون والأنهار، وتقوم سوق الدّبر بأرض سوارت من سوق الأهواز ستة أيام، ولعشر منه توفي آدم ﵇، وفي ثلاث عشرة منه يطلع الشّرطان ويسقط الغفر، ويظهر ما استخفى من الهوام، وهو فيهما ظل وغيوم ويمد الفرات المد الأعظم، وتهبّ الرّياح الشّريفة كالصّبا، وفيها يفرّخ الطّير. وفي ستّ بقين منه يطلع البطين، ويسقط الزّبانيان، ويقوم سوق كرو بفلسطين سبع ليال، ويكون النّهار فيه ثلاث عشرة ساعة، واللّيل إحدى عشرة ساعة.
أيّار
سلطان الدّم واحد وثلاثون يوما، آيته ثلاثة، وهو بالفارسية فروردين ماه آيته واحدة، وهو من شهور الصّيف وهو النّيروز رأس سنة القمر، وهو عيد المجوس الأكبر ثمانية أيام، له من البروج الثّور وهو برج أنثى من بروج الأرض وهو بيت الزّهرة وشرف القمر، ربّه بالنّهار الزّهرة وباللّيل القمر، ويشاركه باللّيل والنّهار المريخ، الإقليم التّرك والخزرج. وله من النّجوم ثلثا الثّريا والدّبران وثلثا الهقعة. وفي ثلث منه يطلع البطين ويسقط الزّبانيان.
وفي اليوم السّابع تطلع الغميصاء، ويكون فيه ريح ومطر، وفي اليوم الرّابع عشر يجري الماء في منتهى العيون، وفي ستة عشر منه تطلع الثّريا ويسقط الإكليل وهو أوّل يوم من الصّيف وآخر الربيع، وبطلوعها يطيب ركوب البحر، ويبدأ أول السّمائم ويفرك القمح ويبرد نيل مصر، وتغور المياه، ويخرج الجراد وتهيج الصّبا. وفي أربع وعشرين منه يكون النّهار أربع عشرة ساعة، والليل عشر ساعات، ينقص ساعة لتمام ثلاثين يوما. وتزرع الذّرة والدّخن بأرض تهامة واليمن وأرض النّوبة. وفي سبع وعشرين منه يرتفع الطّاعون بإذن الله تعالى من كل أرض، ولتسع وعشرين منه يطلع الدّبران ويسقط القلب وتهيج فيها البوارح والسّمائم، ويسودّ أوّل العنب وتستبين زيادة نيل مصر وتهب الشّمال.
стр. 478
حزيران
سلطان المرّة الصّفراء ثلاثون يوما، آيته ستة، وهو بالفارسيّة اردبهشت ماه، آيته ثلاثة وهو أوّل شهور القيظ، وله من البروج الجوزاء، وهو ذو جسدين وهو التوأمان من بروج الرّياح، برج مذكّر مغربي شرف رأس التّنين، ربّه بالنّهار زحل وباللّيل عطارد.
ويشاركه باللّيل والنّهار المشتري. الإقليم بربر وإفريقية، وله من النّجوم ثلاثة: الهقعة- والهنعة- والذّراع- وفي إحدى عشرة منه تطلع الهقعة وتسقط الشّولة، وفي أربع وعشرين منه تطلع الهنعة ويسقط النّعايم، ويرجع الشّهر، ويهبط من صعودها الأعلى، وهو أطول يوم في السّنة، وهو اليوم الذي ولد فيه يحيى بن زكريا ﵉ فيما زعموا ويزعم أهل العلم أنّ داود النّبي ﵇ فيه افتتن، وفي ثلاثين منه يطلع الذّراع ويسقط البلدة، وفيه تسكن الرّياح ويشتدّ الحر.
تموز
سلطان المرة الصّفراء واحد وثلاثون يوما، آيته واحدة، وهو بالفارسية خرداد، آيته خمسة، وهو أوسط القيظ، وله من البروج السّرطان برج منقلب أنثى من بروج الماء، وهو شرف المشتري وهبوط المرّيخ، ربّه بالنّهار المرّيخ وباللّيل الزّهرة، ويشاركه باللّيل والنّهار القمر. والإقليم الشّام والجزيرة والرّوم، وله من النّجوم النّثرة- والطّرف- وثلث الجبهة- ويشتدّ الحر فيه، ولسبع منه يطلع الذّراع وتسقط البلدة. ويقوم سوق سليمة جمعتين، ويرتفع الطّاعون بإذن الله تعالى، وفيه يحرث ما يصلح في تلك السّنة من الزّرع، وما يفسد منه، ويؤخذ لوح قبل أن تطلع الشّعرى بتسع ليال، فيزرع عليه من كل صنف حتى إذا كان ليلة تطلع الشّعرى وضع ذلك فوق بيت على مكان مرتفع لا يحول بينه وبين السّماء شيء فما أصبح منه مخضرّا فإنه يصلح بإذن الله تعالى، وتطلع الشّعرى الغامضة في خمس منه. وفي عشرين منه تطلع النّثرة ويسقط سعد الذّ اب ح، وفيه مولد السّنة أبدا، فاحفظ منه أعلام الشّتاء، ويزرع البطّيخ الشّتوي في أرض اليمن.
آب
سلطان المرة الصّفراء واحد وثلاثون يوما، آيته أربعة، وهو بالفارسية تيرماه، آيته سبعة، وهو آخر شهور القيظ. وله من البروج الأسد، وهو برج ثابت مذكّر مشرقي من بروج الملوك توافقا، وهو بيت الشّمس، ربّه بالنّهار الشّمس وباللّيل المشتري، ويشاركه باللّيل والنّهار زحل، الإقليم بابل. وللأسد من النّجوم ثلثا الجبهة- والخراتان- وثلثا الصّرفة- في
стр. 479
يومين منه يطلع الطّرف ويسقط سعد بلع ويقوم سوق بيت جبرين «١» ويطلع سهيل ولا يرى بالعراق. وفي خمس عشرة منه تطلع الجبهة، ويسقط سعد السّعود وفيها يبرد آخر اللّيل ويرتفع سهيل، حتى يرى بالعراق وتطيب البوارح وإن تخلّلها السّمايم ويهيج الزّكام، ويكون فيه عيد عسقلان، وهو عيد كبير جامع للنّصارى. وهو يوم ماتت مريم بنت عمران فيما يزعم أهل الكتاب. ويبرد جوف الأرض، ويرجى فيه المطر بالسّند. وفي أربع وعشرين يكون النّهار ثلاث عشرة ساعة، وهو أول الشّتاء، والعرب تسمّي ذلك الزّمان الخريف. وفي ثمان وعشرين منه يطلع الخراتان، ويسقط سعد الأخبية، وتهب الشّمال، وهو فيما يذكرون يوم قتل يحيى ﵇، وهو آخر يوم من القيظ، وفيه تسقط المنّ والسلوى بأرض الشّام وأرض بني إسرائيل.
أيلول
سلطان المرة السّوداء، ثلاثون يوما، آيته سبعة، وهو بالفارسية مرداد ماه، آيته اثنان، وله من البروج السّنبلة برج ذو جسدين أرضي أنثى، وهو بيت عطارد وشرفه وهبوط الزّهرة، وربّه بالنّهار الزّهرة، وباللّيل القمر ويشاركه باللّيل والنّهار المرّيخ. الإقليم الشّام والجزيرة، وله من النّجوم ثلث الصّرفة والعوّاء والسّماك. في ثلث منه توقد النّار بآذربيجان وبكل أرض باردة. ويقوم سوق منيح بالجزيرة، وسوق هر مردان بجند نيسابور. وهو رأس سنة اليهود، وتزرع فيه البقول الشّتوية، ويسقط النّدى، وتتحرك أول الشّمال. ولعشر منه يطلع الغفر ويسقط مقدّم الدّلو. ويزرع أهل مصر والجزيرة. ولثلاث عشرة منه يكون عيد الصّليب وهو الصّوم الأكبر. وتجري فيه ريح شديدة الهبوب، يتّقى فيها على السّفن، ولإحدى وعشرين يبني النصارى في كنائسهم، يريدون بذلك تقويم قبلتهم، وفيه يقوم سوق رحبة بالجزيرة وسوق بردرايا بالسّوس، ويقوم سوق اسبايريار بتستر أسبوعا. ولأربع وعشرين تطلع العواء ويسقط مؤخّر الدّلو، ويستوي اللّيل والنّهار، ويجري الماء في فروع الشجر، وهو آخر القيظ وأوّل الخريف وأوّل الصّرام بالبصرة. وقال أبو عبد الله أول نجوم القيظ والبوارح الثّريا، وسهيل، وإذا مضى سهيل آخرها وإذا مضى سهيل طالت الأظماء، وبرد اللّيل، فإذا طلعت الجبهة انكسر الحر وامتد الظّماء، وتباعدت الإبل في مراعيها، ويكثر الكرش ويغلظ فيمسك الماء ويطول لذلك ظمؤها، وإذا قصر الظّماء رعت حول الماء، فإذا طلعت الصّرفة فهو انقطاع الحرّ وتحرّك ريح الشّتاء، ثم نجوم القر الشّديد وأوّلها سقوط الذّراع، فإذا سقطت الجبهة سخفت الأرض ولانت على الماشي وأطلعت الأرض ذخائر وسميّها من النّبات، واختلفت الإبل في مراعيها يعني تباعد بعضها من بعض. ونظرت الأرض بإحدى عينيها فإن
стр. 480
كان في ذلك الوقت كان مخصبا بإذن الله تعالى، وكان أنفع مما قبله وما بعده، ويقال: ما امتلأ واد من نوء الجبهة إلا امتلأ بقلا، وهي أنفع النّجوم للأرض إذا صدق نوؤها وهي من نجوم الشّتاء وأنفع نجوم الوسمي مطر الثّريا، فإن صدق نجمها حمد الوسمي في ذلك العام، فإن ولتها الجبهة في وقتها كان عاما حياء، وخير بإذن الله تعالى، فإن ردفها السّماك في الصّيف، وهو أحد نجوم الصّيف فهو حياء تلك السّنة، فإذا سقطت الصّرفة نظرت الأرض بعينها وأخرجت كلّ ذخيرتها، وانصرف القرّ وصفت فأوّل الصّيف العوّاء وآخرها سقوط الشّولة وطلوع الهنعة.
стр. 481
الباب الثالث والخمسون في انقلاب طبائع الأزمنة وثباتها، وامتزاجها والاستكمال والامتحاق
وأزمان مقاطع النّجوم في الفلك، ومعرفة ساعات اللّيل من رؤية الهلال، ومواقيت الزّوال على طريق الإجمال.
اعلم أنه قد تقدّم القول في أنّه متى انتقلت الشّمس إلى أول نقطة الحمل اعتدل اللّيل والنّهار، وأخذ النّهار في الزّيادة على اللّيل، وذهب برد الشّتاء، ورطب الهواء ومالت الشّمس إلى الشّمال، وفي الارتفاع إلى سمت الرءوس في البلدان الشّمالية ومواضع العمارة في الصّعود إلى ذروة فلكه الخارج المركز وابتداء النّشوء والنّمو في النّبات والحيوانات والمعادن والمياه وتورّقت الأشجار.
وإذا انتقلت إلى أوّل السّرطان صار النّهار في نهاية الطّول والزّيادة على الاعتدال، واشتدّ الحرّ وسلس الهواء، وأخذ النّهار في النقصان.
وإذا انتقلت إلى أوّل الميزان اعتدل اللّيل والنّهار ثانيا، وأخذ اللّيل في الزّيادة على النّهار ويغلب اليبس على الهواء مع ابتداء البرد، وكل شيء من أحواله يخالف أحوال الربيع، وتأخذ الشّمس في الميل إلى الجنوب وتتباعد عن سمت الرءوس ويكون في انحطاط من الارتفاع، وانحدار إلى حضيض فلكه الخارج المركز.
وإذا انقلب إلى أوّل الجدي يصير النّهار في نهاية القصر، واللّيل في نهاية الزّيادة والطّول. واللّيل في النّقصان إلى أن تعود الشّمس إلى أوّل الحمل وقد بان بما وصفنا أنّ ابتداءهم بالحمل دون سائر البروج للأحوال التي ذكرنا.
ولكل فصل من هذه الفصول ثلاثة أبراج من البروج الاثني عشر. (فبروج الرّبيع) :
الحمل- والثّور- والجوزاء. (وبروج الصيف) : السّرطان- والأسد والسّنبلة. (وبروج الخريف) : الميزان- والعقرب- والقوس. (وبروج الشّتاء) : الجدي- والدلو- والحوت.
стр. 482
ولذلك سمّيت الحمل والسّرطان والميزان، والجدي منقلبة لأنّها متى نزلت الشّمس أوّل الحمل انقلب الزّمان من طبيعة فصل الشّتاء وأحواله إلى طبيعة فصل الرّبيع، وإذا نزلت السّرطان انقلب الزّمان من طبيعة فصل الرّبيع إلى طبيعة فصل الصّيف وأحواله. (وإذا نزلت) الميزان انقلب الزّمان من طبيعة فصل الصّيف وأحواله إلى طبيعة فصل الخريف وأحواله.
وإذا نزلت الجدي انقلب الزّمان من طبيعة فصل الخريف إلى طبيعة فصل الشّتاء وأحواله، وسمّيت الثّور والأسد والعقرب والدّلو ثابتة لأنّه إذا نزلت الثّور ثبتت طبيعة فصل الرّبيع، وإذا نزلت الأسد ثبتت طبيعة فصل الصّيف، وإذا نزلت العقرب ثبتت طبيعة فصل الخريف، وإذا نزلت الدّلو ثبتت طبيعة فصل الشّتاء، وسمّيت الجوزاء والسّنبلة والقوس والحوت ذوات جسدين، لأنّه إذا صارت الشّمس في النّصف من الجوزاء تمتزج طبيعة فصل الرّبيع وطبيعة فصل الصّيف، وإذا صارت في النّصف من السّنبلة تمتزج طبيعة فصل الصّيف بطبيعة فصل الخريف، وإذا صارت في النّصف من القوس تمتزج طبيعة فصل الخريف بطبيعة فصل الشّتاء. وإذا صارت في النّصف من الحوت تمتزج طبيعة فصل الشّتاء بطبيعة فصل الرّبيع.
واعلم أن الشهر إذا تمّ فكان ثلاثين يوما طلع الهلال «١» بعدما تجاوز.
стр. 483
الشّمس بمنزلة ونصف ويرى عظيما فيدخل تلك المنزلة في مسيره حتى يستتر في ثمان وعشرين ونصف، فيكون استتاره في ذلك الشّهر يوما ونصفا ويطلع وهو خفي، ويكون ذلك الشّهر تسعة وعشرين يوما، ويكون استهلاله بعد ما تجاوز الشّمس بمنزلة فإذا رؤي الهلال على رأس منزلة من الشّهر كان أدق ما يكون وأخفاه لقربه من الشّمس، ويكون ذلك الشّهر ثلاثين يوما. وإذا رؤي على منزلة ونصف من الشّهر كان أعظم ما يكون وأبينه لبعده من الشّمس، ويكون ذلك الشهر الذي يعظم فيه الهلال تسعة وعشرين يوما فأقلّ ما يستتر يومان.
واعلم أنّك إذا رأيت الهلال لليلة فإنه يمكث في الشّتاء ستة أسباع الساعة- وإذا كان لليلتين فإنّه يمكث ساعة وخمسة أسباع الساعة، وإذا كان لثلاث فإنّه يمكث ساعتين وأربعة أسباع السّاعة. وإذا كان لأربع فإنه يمكث ثلاث ساعات وثلاثة أسباع السّاعة، وإذا كان لخمس فإنه يمكث أربع ساعات وسبعي السّاعة، وإذا كان لستّ فإنه يمكث خمس ساعات وسبع السّاعة، وإذا كان لسبع فإنه يمكث ستّ ساعات وإذا كان لثمان فإنه يمكث ست ساعات وستة أسباع الساعة، وإذا كان لتسع فإنه يمكث سبع ساعات وخمسة أسباع الساعة.
وإذا كان لعشر فإنّه يمكث ثمان ساعات وأربعة أسباع السّاعة، وإذا كان لإحدى عشرة فإنّه يمكث تسع ساعات وثلاثة أسباع السّاعة، وإذا كان لاثنتي عشرة فإنّه يمكث عشر ساعات وسبعي السّاعة، وإذا كان لثلاث عشرة فإنّه يمكث إحدى عشرة ساعة، وسبع السّاعة وإذا كان لأربع عشرة فإنّه يمكث اثنتي عشرة ساعة، وذلك ساعات اللّيل كلّه، وإذا كان لخمس عشرة فإنّه يطلع بعد ستة أسباع السّاعة. وإذا كان لست عشرة ليلة فإنّه يطلع بعد ساعة وخمسة أسباع السّاعة، وكذلك ينقص في كل ليلة ستة أسباع السّاعة حتى يستتر تحت الشّعاع ليلة ثمان وعشرين.
واعلم أن الشّمس تقطع البروج الاثني عشر التي هي جماع الفلك على ما ذكره بعض المتقدّمين في ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وست ساعات وخمسي السّاعة، وتسير في كلّ برج ثلاثين يوما وعشر ساعات.
ويقطع القمر البروج في ثمانية وعشرين يوما، ويصير في كل برج يومين وثمان ساعات.
ويقطع زحل البروج في ثمانية وعشرين يوما، ويصير في كل برج يومين وثمان ساعات.
ويقطع زحل البروج كلّها في ثلاثين سنة، ويصير في كلّ برج خمسة وأربعين يوما.
ويقطع المشتري في اثنتي عشرة سنة، ويصير في كل برج اثني عشر شهرا.
ويقطع المرّيخ في سبعة عشر شهرا يصير في كلّ برج خمسة وأربعين يوما.
стр. 484
وتقطع الزّهرة في عشرة أشهر وتصير في كل برج خمسة وعشرين يوما.
ويقطع عطارد البروج كلّها كما يقطع الشّمس سواء ويسير في كلّ برج كما تسير الشّمس لأنّه معها لا يفارقها.
وتقطع الجوزاء البروج في ثماني عشرة سنة ويصير في كلّ ثمان عشر شهرا.
فأمّا الكلام في مواقيت الزّوال في الشّتاء والصّيف ونقصان ذلك وزيادته في كلّ شهر من شهور الفارسيّة، والدّاعي إليه ضبط أوقات الصّلاة المفروضة والاحتياط في إقامتها سننها وفي أوقاتها.
ولمّا كان يختلف في السّنين والبلدان من أجل اختلاف العروض والسّماوات، عمدت إلى حلول الشّمس أوائل البروج وقسمت عليها أقدام الظلّ ببلدنا الذي هو أصبهان سنة ثلاث مائة واثنتين وتسعين ليزدجرد إذ كان أبعد من الاختلاف وأقرب إلى الدّوام والثّبات، ولئلا يجب أن يغيّر في كلّ سنة عند تحوّلها، وعلمت أنّ من يكمل للنّظر في هذا الكتاب يكون متمرنا بمعرفة حلول الشّمس أول كل برج، ومتدربا بعلم وقته والله الموفّق.
فأوّل حلول الشّمس برج الحمل يكون الظلّ عند الزّوال أربعة أقدام ونصف العشر، وإذا سار عشر درجات منه يكون ثلاثة أقدام وربع وخمس، وإذا سار عشرين درجة منه يكون قدمين ونصف وثلث وعشر.
وأوّل حلولها برج الثّور يكون الظّل قدمين وثلثي قدم وثلثي عشر. وإذا سار عشر درجات يكون قدمين، وإذا سار عشرين درجة يكون قدما وثلثي قدم.
وأوّل حلولها برج السّرطان يكون الظلّ ثلثي قدم وخمسا وعشرا وإذا سار عشر درجات يكون قدما وعشرا ونصف العشر.
وأوّل حلولها برج الأسد يكون الظّل قدمين وربعا وسدسا. وإذا سار عشر درجات يكون الظلّ قدمين وثلثين وربعا. وإذا سار عشرين درجة يكون ثلاثة أقدام ونصف قدم.
وأوّل حلولها برج الميزان، يكون الظّل أربعة أقدام وعشرا، وإذا سار عشر درجات يكون أربعة أقدام وخمس وسدس وعشر قدم.
وأوّل حلولها برج العقرب يكون الظّل ستة أقدام وسدس قدم. وإذا سار عشر درجات يكون سبعة أقدام، وإذا سار عشرين درجة يكون سبعة أقدام ونصف وربع.
وأوّل حلولها برج القوس يكون الظّل ثمانية أقدام وربع وخمس قدم. وإذا سار عشر درجات يكون تسعة أقدام، وإذا سار عشرين درجة يكون تسعة أقدام وربع وعشر قدم.
стр. 485
وأوّل حلولها برج الجدي يكون الظّل تسعة أقدام ونصف قدم. وإذا سار عشر درجات يكون تسعة أقدام وثلث قدم، وإذا سار عشرين يكون ثمانية أقدام ونصف وثلث وعشر قدم.
وأوّل حلولها برج الدّلو يكون الظّل ثمانية أقدام وثلث قدم، وإذا سار عشر درجات يكون سبعة أقدام ونصف وخمس قدم، وإذا سار عشرين درجة يكون ستّة أقدام ونصف وثلث وعشر قدم.
وأوّل حلولها برج الحوت يكون الظّل ستّة أقدام وسدس قدم وإذا سار عشر درجات يكون خمسة أقدام وثلث وعشر قدم، وإذا سار عشرين درجة يكون أربعة أقدام وثلثي ونصف عشر قدم.
стр. 486
الباب الرّابع والخمسون في اشتداد الزّمان بعوارض الجدب وامتداده بلواحق الخصب
يروى عن النبي ﷺ أنّه قال في دعائه على الكفار: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعل عليهم سنين كسني يوسف» فدعاهم جهد البلاء إلى أن أكلوا العلهز وهو المعجون من الوبر بدم القراد أعاذنا الله تعالى من السوء برحمته ومن ذلك قول الشّاعر شعرا:
هلّا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا رعائي راحت قبل حطّابي
وذلك إذا اشتدّ البرد فراح الرّاعي بإبله قبل الحطّاب، لقلة المرعى ولأنّ المحتطبين يحتبسون مستكثرين من الحطب لشدّة البرد، وقال النابغة في مثله:
هلّا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدّخان تغثّى الأشمط البرما
ويقال: أتانا فلان من الطّيخة إمّا في فتنة وإمّا في جدب وبلاء، وأنشد:
وكنابها بعد ما طيخت عروضهم ... كالبهرقية يبغي ليطها الدّسما
والمطيخ: الفاسد وقال ابن مقبل:
ألم تعلمي أن لا يذم فجاءني ... دخيلي إذا اغبرّ العضاة المجلّح
يريد أنّ الدّخيل لا يذمّه إذا غشيه في وقت لم يكن مستعدا للاحتفال به والمجلّح الذي أكلته الإبل حتى ذهبت بغصونه، وصار كالرأس الأجلح، ومثله قول الأعشى:
وإني لا يشتكيني الألوك ... إذا كان صحو السّحاب الضّريبا
أراد بالألوك ذو الألوك وهي الرسالة، يريد لا أردّ صاحبها بغير شيء فيشكوني في هذا الوقت البارد الجدب، وبيّن هذا المعنى لبيد وبسطه فقال:
وغلام أرسلته أمّه ... بألوك فبذلنا ما سأل
أو نهته فأتاه رزقه ... فاشتوى ليلة ريح واجتمل
стр. 487
زاد على الأول لأنّه قال: تطلب إذا طلب ونبتدئه إذا أمسك، وقال الكميت يذكر سنة جدب:
وكأنّ السوف للقينات فوقا ... تعيش به وهنيت الرّقوب
وصار وقودهم للنّار أما ... وهان على المخبأة الشّحوب
قال أيضا:
وأنت ربيعنا في كلّ محل ... إذا المهداء قيل لها العفير
(المهداء) : الكثيرة البر على الجيران، والعفير الذي لا يهدي من الجدب، والأصل في التّعفير أن يعلّل العظيم بالشّيء ليستغني به عن اللّبن ويشهد للمهداء قوله:
وإذ الجراد اغبررن من المحل ... وكانت مهداؤهنّ عفيرا
وقال لبيد:
يكبون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تسكت المائة الوليدا
أي لا يوجد في المائة من اللّبن ما يعلل به صبي إذا بكى وقال أوس في مثله:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا
(الهدم) : الخلق، (والتّولب) : ولد الحمار، واستعاره للعظيم والجدع السيئ الغذاء.
وقال الفرزدق: وعام تمشي بالفراع أرامله، الفراع: الجرب، وإنما يتمشّى بها تسأل الصّدقة وقال الهذلي:
وليلة يصطلي بالفرث جارزها ... يختص بالنّضرى المثرين داعيها
يريد أنّ الجارز لشدّة البرد يدخل يده في الكرش ليدفأ وقال الفرزدق:
إذا السنة الشّهباء حلّ حرامها
أي: يأكلون فيها الميتة والدّم، وقال رؤبة جدباء فكّت أسر القعوس. والقعس:
الهودج أي فكّوها وأوقدوا بها من شدّة البرد، وقال الكميت:
فأيّ عمارة كالحيّ بكر ... إذا اللّزيات لقيت السّنينا
أكرّ غداة أبساس ونقر ... وأكشف بالأصايل إذ عرينا
اللّزيات: الشدائد، واللّزية تلقب بالسّنة حتى بني منه الفعل، فقيل: أسنت القوم أصابتهم السّنة، والتّاء في أسنت قال أصحابنا: هي بدل من الواو الظاهرة في الجمع، إذا
стр. 488
قيل سنوات، ومثله التاء في قولهم أخت.
ويقال هذا عام سنة والأرض وراءنا سنة. ومن ألقاب الجدب قولهم: كحل وتحوط.
قال: والحافظ النّاس في تحوط إذا لم يرسلوا تحت عائد ربعا. ويروى في تحيط.
ويقال: أصابتهم لزية- وحطمة- وأزمة- ولأواء- ولولاء- وقحمة- وحجرة وشصاصاء وأكلتهم الضّبع والفاشورة قال:
قوم إذا صرحت كحل بيوتهم ... عزّ الذّليل مأوى كلّ قرضوب
وأحجرنا عامنا وهي الحجرة قال:
إذا الشّتاء أحجرت نجومه ... واشتدّ في غير ثرى أزومه
والسنة القاوية، وقد قوي المطر إذا قحط، ويقال: حقد المطر: إذا احتبس وقوله: إذا عرينا: يريد بردن، ويقال: ليلة عرية ويوم عرى أي بارد، يقول: يكشفون تلك الأصائل بالإطعام وتفقّد الناس، وقال الكميت يصف زمن الجدب شعرا:
وجالت الرّيح من تلقاء مغربها ... وضنّ من قدره ذو القدر بالعقب
وكهكه المدلج المقرور في يده ... واستدفأ الكلب في الماسور ذي الذئب
(العقبة) : شيء كان يردّه مستعير القدر من المرق في القدر وهو العافي. و (كهكه) :
نفخ في يده من شدّة البرد. وأنشد الأصمعي في العافي:
إذا ردّ عافي القدر من يستعيرها
وقال الفرزدق:
وهتكت الأطناب كلّ ذفرة ... لها تامك من عاتق التي أعرف
(التامك) : السّنام، و (الأعرف) : الطّويل العرف، يقول: إذا أصابها البرد دخلت الخباء فقطّعت الأطناب. وقال الكميت:
فأيّ امرئ أنت أيّ امرئ ... إذا الزّجر لم يستدرّ الزّجورا
ولم يعط بالعصب منها العصو ... ب لا النّهيت وإلا الطّخيرا
(النّهيت) : الصّياح والرّغاء، و (الطّخير) : الضّرب بالرجلين و (الزّجور) : التي لا تدر حتى تزجر، وهذا في شدة الزّمان. وقال أيضا:
بعام يقول له الموكفو ... ن هذا المعيم لنا المرجل
стр. 489
وكان سواء لنا تجين ... تمام الحوارين والمعجل
والمرجل أي جعلهم رجالا، وقوله: وكان سواء أي ليس للأمهات لبن، فالتمام يموت أيضا، قال أبو عمر: وهما حواران أحدهما، (تمام) : والآخر. (معجل) .
وحكى ابن الأعرابي: هذا عام صار الرّوم فيه علوقا، والرّفود زجورا، فالرؤوم العطوف على ولدها، والرّفود التي تملأ رفدين في حلبة أي قد حين والعلوق التي ترأم بأنفها وتمنع درّها والزّجور التي لا تدر حتى تزجر، وكلّ ذلك الانقلاب للصّر والشدّة وكلب الزّمان وقال ابن مقبل شعرا:
ولا اصطفى لحم السّنام ذخيرة ... إذا عزّ ريح المسك باللّيل قاتره
قاترة من القتار، عزّه غلب عليه، يقول في زمان الجدب: يكون ريح القتار أطيب من ريح المسك وقال:
بلى إنّ الزّمان له صروف ... وكلّ من معاركه السّنين
فيسمن ذو العريكة بعد هزل ... ويغتر الهزيلة بالسمين
العريكة من قولهم ناقة عروك إذا لم يكن في سنامها إلا شيء يسير، والمعنى إن صروف الدّهر تقلب: فيسمن المهزول ويهزل السّمين والهزال من الشّحم والهزل من الجدب والموت وقال عروة شعرا:
أقيموا «١» بني أمّي صدور قناتكم ... فإنّ منايا النّاس شرّ من القتل
ويقال عام: (مجرنمز) إذا كان المطر وسطه دون أوله، والمجداب الأرض لا تكاد تخصب، والرّمد القحط وأرمد القويم هلكوا جدبا.
ويقال: سنة سنواء- وحصاء- وشهباء- وغبراء- وأرض بني فلان جرز والجمع أجراز ومجروزة، وأنشد ابن الأعرابي الأسودان أبردا عظامي. الأسودان الفث والماء، والفث حب يطحن ويخبز منه خبزا أسود، وهذا كما قيل في التمر والماء الأسودان ومعنى: (أبردا عظامي) أي أذهبا مخي، والفث يأكله الضّركاء. قال الطّرماح:
لم يأكل الفثّ والدّعاع ولم ... يتعفّ هبيدا بجنبه مهتبده
(الهبيد) : حب الحنظل، قال حسّان ﵁:
لم يعللن بالمغافير والصّمغ ... ولا شرى حنظل الحظبان
стр. 490
المغافير: جمع المغفور وهو شيء ينضجه التمام.
ويقال: عيس عزير- وزمان عزير: أي لا يفزع أهله وعام غيداق. وسيل غيداق، وماء غداق. ويقال: زمن مخضم لا مقضم. وحكى الفراء عام أزب.
قال أبو عبيدة: عيش حزم وهي عربية وأنشد لأبي عيينة:
وجنة فاقت الجنان فما ... تبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطنا ... إنّ فؤادي لأهلها وطن
زوج حيتانها الضّباب بها ... فهذه كنة وذا ختن
وانظر تفكّر فيما يطوف به ... إنّ الأريب المفكّر الفطن
من سفن كالنّعام مقبلة ... ومن نعام كأنها سفن
أخذ هذا من قول الخليل بن أحمد شعرا:
زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة من غير ميعاد
يرفى بها السّفن والظمآن واقفة ... والضّب والنّون والملاح والحادي
وقال بعضهم: سقيا لزمن حضنتني أحشاؤه- وأرضعتني أحساؤه- فما هو في الأزمان إذا قيس حاله- واعتبر نشوه ونماؤه- ألا أخ عرفت مذاهبه- وجزت خلائقه- فصح لك غيبه- وبعد عنك عيبه- فهو شقيق روحك- وباب الرّوح إلى روعك.
وقال بعض البلغاء: من أتى قصر أنس بن مالك ظهرا يرى أعرابيا يحدو بزوملته- ورأى ملاحا يغنّي على سكانه- ورأى صيادا قد طرح شبكته- ورأى غلاما عند جحر ضب يريغ صيده- ثم رأى أرضا كان ترابها الكافور- ولا تسفيه الرّيح لأنّها تربة- فمتى شئت رأيت بساطا موشيا- ومتى شئت رأيت جنة وحريرا- وقال أبو عيينة شعرا:
تذكّرني الفرودس طورا فأرعوي ... وطورا تواتيني على القصب والفتك
بغرس كأبكار الجواري وتربة ... كأنّ ثراها ماء ورد على مسك
فيا حسن ذاك القصر قصرا ومنظرا ... بأفيح سهل غير وعر ولا ضنك
كأنّ قصورا لقوم ينظرن حوله ... إلى ملك موف على منبر الملك
يدلّ عليها مستطيلا بحسنه ... ويضحك منها وهي مطرفة تبكي
وأنشد ابن أبي ناظرة، قال أنشدني الرّياشي عن الأصمعي:
إنمّا يتمّ الفؤاد غزال ... ذو دماليج يوم سال العقيق
مالئ الطّرف من بعيد عميم ... ومليح إذا دنوت عتيق
стр. 491
لو رآه رهبان مدين طاروا ... واستخف المطران والجاثليق
ولها مربع بطيبة لذّ ... ولها بالحمى مبدي أنيق
سلوة العيش والنّدى فإذا ... ما ودّعتها رواعد وبروق
سكنت دسكراتها وأطباها ... ظلّ عيش نضر العيون وريق
في رياض تحفّهنّ نخيل ... باسقات تعلى عليها الوسوق
وإذا أهل جنة حصّنوها ... حين تعرو نوائب وخفوق
ثلموها لابن السّبيل وللعا ... في ففيها للمعتقين طريق
ومن كلامهم: وقع في الأهيفين: أي الطّعام والشّراب. وسئل بعضهم ما أطيب العيش أو الأوقات؟ فقال: ما قلّ أذاه. وكثر جداه، أيام تربيع الحمى وقصيفه، ويريح من الهوى ظلّ المنى وريفه.
وحكى الأصمعيّ: موت لا يجرّ إلى عار خير من عيش في رماق: أي قدر ما يمسك الرّمق. وقال طرفة:
نحن في المشتاة يدعو الجفلى ... لا ترى الآداب فينا ينتقر
ويقال: فلان يدعو الجفلى والأجفل إذا عمّ بدعائه، وفلان يدعو النّقرى إذا خصّ قوما دون قوم، وقال كلّ الطّعام يشتهي ربيعة: الخرس والنقيعة. (الخرس) : للولادة.
(والأعذار) : للختان و (الوليمة) للعرس، و (النقيعة) : طعام القادم من سفره و (المأدبة) كلّ طعام صنع ودعي إليه و (الوكيرة) الطّعام يصنع عند بناء البيت وقال الشاعر:
فظللنا بنعمة واتّكأنا ... وشربنا الحلال من قلله
اتّكأنا طعمنا: ومنه قوله تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً
[سورة يوسف، الآية: ٣١] أي طعاما (القلل) جمع قلّة، وقال حرملة بن حكيم:
يا كعب إنك لو قصرت على ... حسن النّدام وقلّة الجرم
وسماع مدجنة تعلّلنا ... حتّى نؤوب تناوم العجم
لصحوت والنّمريّ يحسبها ... عمّ السّماك وخالة النّجم
ويروى على شرب المدام (المدجنة) الدّاخلة في الدّجن وهو اليوم المطير، وأراد حتى نؤوب نتناوم تناوم العجم، وكانوا لا ينامون إلّا على ضرب الأوتار وشرب الرّحيق.
وقال ابن الأعرابي: يقول لو أحسنت المنادمة لنادمتك حتى الصّبح إلى صياح الدّيكة.
قال: والنمريّ: هو كعب نفسه، أي لصحوت وأنت تحسب هذه المسمعة. كذلك في عظم
стр. 492
القدر، وهذا كقولك ما يحسبه إلا ابن ماء السماء وقال لبيد:
يثني ثناء من كريم وقومه ... ألا انعم على حسن التّحية واشرب
قوله: يثني ثناء أي يديم ما كان عليه من الثّناء. وقال آخر:
كرام إذا ناب البحار ألذّه ... مخاريق لا يزجون في الخمر
وألذه مخاريق أي يخرقون في العطاء كما قال:
فتّى إذ هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإنّ قلّ مالا لم يضع متنه الغقر
стр. 493
الباب الخامس والخمسون في حدّ ما يشتمل على ذكر ما في إعرابه نظر من حديث الزّمان
قال ذو الرّمة شعرا:
فلمّا نصفن اللّيل أو حين نصبت ... له من خذي آذانها وهو جانح
يروى لبسن اللّيل يعني الحمر، ونصبت للتّوجّه إلى الماء، وقال بعضهم حين فعل من الحينونة والمراد أو حين دنا اللّيل للنّصف فحذف وأنشد سيبويه:
أرواح مودّع أو بكور ... لك فاعمد لأيّ حال تصير
وقيل: جعل الرّواح هو المودّع على السّعة، وقيل: أراد ذو رواح أنت أم بكور فحذف.
وروى سيبويه: أنت فانظر ومعناه انظر أنت، فانظر، وقال هذا يرتفع على الحدّ الذي ينتصب به عبد الله إذا قلت عبد الله ضربته، وقال: أي حال ووجه الكلام أية حال لكنّه حمله على لفظة الحال. وقال ابن أحمر شعرا:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكما ما غيّبتني غيابيا
أراد شهرين أو شهرين أو شهرين ونصف ثالث، وقيل: أراد بل وأو يكون بمعنى بل وقيل: أو بمعنى الواو كأنه أراد ونصف ثالث، قوله: ما غيّبتني غيابيا أراد بالغياب الغيابة، لذلك أنّث كما قال تعالى: فِي غَيابَتِ الْجُبِّ*
[سورة يوسف، الآية: ١٠] إنّه حذف الهاء مع الإضافة لأنّ المضاف إليه كالعوض مثل: ليت شعري وهو أبو عذرها.
ويجوز أن يكون غيابة وغياب مثل قتادة وقتاد، فحمله على التّأنيث مثل نخل خاوية.
وقالت أمية بنت عتيبة بن الحارث:
تروّحنا من اللّعباء قصرا ... وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا
стр. 494
ويروى: وأعجلنا الحمائل أن تؤوبا. يريد به الشّمس أي استعجلناها مخافة أن تئوب ولئلا تئوب ومعنى تئوب: تغيب كما قال:
وليس الّذي «١» يتلو النّجوم بآئب
ويروى: وأعجلنا الإهة وقيل الإهة اسم للشّمس، لأنّه كانت تعبد. وقال الفرزدق:
فسد الزّمان ومن تغيّر أهله ... حتى أمية عن فزارة تنزع
أي ومن تغيّر أهله فسد، فحذف وقيل: ومن تغير أهله أمية تنزع، وقيل: بل أراد أن يجعل حتى معلقة لا تعمل في شيء، ويكون بمعنى الواو. سبب هذا الشّعر أنّ أمية بن خالد بن أسد عزل عن عمله لعمر بن هبيرة، ويشبه هذا قوله شعرا:
فيا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو عطارد «٢»
وقال عبد العزيز بن وديعة المزني:
نسأت القلوص على لاحب ... ومرّ اللّيالي يزلن النّعيما
مرّ اللّيالي: هو الليالي، لذلك قال يزلن ومثله لجرير:
رأت مرّ السّنين أخذن منّي ... كما أخذ السّرار من الهلال
وأنشد سيبويه في مثله:
لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع
وقال الفرزدق:
على حين ولّى الدّهر إلا أقلّه ... وكاد بقايا آخر العيش تذهب
جعل لآخر العيش بقايا، والبقايا من العيش لا من آخره، والمعنى كادت بقايا ذلك الأقل تذهب أيضا. وقال وعلة الجرمي:
ولمّا رأيت الخيل تترى أتايجا ... علمت بأنّ اليوم أحمس فاجر
يروى حاذر وحاذر، أي: محذور. وقال الفرزدق:
مثل النّعام يدينها تنقلها ... إلى ابن ليلى بها التّهجّر والبكر
стр. 495
ارتفع التّهجر والبكر على أن يكون فاعل يدينها وانتصب تنقلها على البدل من المضمر في يدينها. وقال حميد بن ثور:
تعلّلت ريعان الشّباب الذي مضى ... بخمسة أهلين الزّمان المذبذب
الزّمان: بدل من الشّباب، وجعله مذبذبا استقصارا لوقته، وقال أيضا شعرا:
فإمّا تريني اليوم أمسكت بعدما ... تردّيته برد الشّباب المجر
انتصب برد على البدل من المضمر في تردّيته، يريد بعد ما لبست برد الشّباب أي استمتعت به. وقالت امرأة منهم شعرا:
صاح الغراب بدار هند سدفة ... صمّ الغراب وخرس ماذا ينثر
دعت عليه بالصّم والخرس.
ومرّ القول في السّدفة. وأنشد ابن الأعرابي لبعض بني أسد:
ولقد رأيتك بالقوادم مرّة ... وعليّ من سدف العشيّ رياح
أي أريحية وخيلا من الشّباب. فقال رياح وأنشد سيبويه لعمر بن قمية:
لما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله درّ اليوم من آلامها
فرّق بين المضاف والمضاف إليه بالظّرف كما يفرّق بينهما بالقسم. وقال عمر بن ربيعة:
أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدّار تجمعنا
أجرى: تقول مجرى تظن في الاستفهام، أعمله عمله.
وإذا كان كذلك فانتصاب الدّار على المفعول الأول، وتجمعنا مفعول ثان: المعنى متى تظنّ الدار جامعة لنا تقول. وأنشد سيبويه:
أكلّ عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه
قوله: تحوونه صفة للنّعم كأنه قال: نعم محوية، فكونه صفة منع من أن يكون عاملا فيما قبله. وأنشد للهذلي:
حتّى شاءها كليل موهنا عمل ... بانت ظرابا وبات اللّيل لم يتم
جعل سيبويه كليلا يتعدّى إلى موهن كما يتعدّى ضارب إلى مفعوله، وخالفه جمع
следующие страницы →