يتوقف في كثير من مظاهره على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون١, فما يجعله أصحاب هذه النظرية منشأ للغة يتوقف هو نفسه على وجودها من قبل٢. وفضلًا عن هذا كله, فإن هذه النظرية تغفل المشكلة الرئيسية التي تهمنا وحدها في هذا البحث, والتي وضحناها في صدر هذه الفقرة.
فلسنا هنا بصدد نظرية جديرة بالمناقشة، بل بصدد تخمين خيالي وفرض عقيم يحمل في طيه آية بطلانه, وقد ذهب المتعصبون له في تصوير منشأ اللغة مذاهب ساذجة غريبة, تدل أبلغ دلالة على مبلغ انحرافه عن جادة الصواب ونطاق المعقول؛ وإليك نبذة مما يقوله بعضهم بهذا الصدد: "إن أصل اللغة لابد فيه من المواضعة, وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا, فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء, فيضعوا لكل منها سمة ولفظًا يدل عليه ويغني عن إحضاره أمام البصر. وطريقة ذلك أن يقبلوا مثلًا على شخص, ويومئوا إليه قائلين: إنسان، إنسان، إنسان، فتصحب هذه الكلمة اسمًا له، وإن أرادوا سمة عينة أو يده أو رأسه أو قدمه أشاروا إلى العضو وقالوا: يد، عين، رأس، قدم ... ويسيرون على هذه الوتيرة في أسماء بقية الأشياء وفي الأفعال والحروف وفي المعاني الكلية والأمور المعنوية نفسها٣, وبذلك تنشأ اللغة العربية مثلًا, ثم يخطر بعد ذلك لجماعة منهم كلمة "مرد" بدل إنسان وكلمة "سر" بدل رأس ... وهكذا فتنشأ اللغة الفارسية ... "٤.
النظرية الثالثة: تقرر أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزة خاصة, زود بها في الأصل جميع أفراد النوع الإنساني، وأن هذه
стр. 107
الغريزة كانت تحمل كل فرد على التعبير عن كل مدرك حسي أو معنوي بكلمة خاصة به، كما أن غريزة "التعبير الطبيعي عن الانفعالات" تحمل الإنسان على القيام بحركات وأصوات خاصة "انقباض الأسارير وانبساطها، وقوف شعر الرأس، الضحك، البكاء ... إلخ" كلما قامت به حالات انفعالية معينة "الغضب، الخوف، الحزن، السرور ... إلخ"، وأنها كانت متحدة عند جميع الأفراد في طبيعتها ووظائفها وما يصدر عنها، وأنه بفضل ذلك اتحدت المفردات, وتشابهت طرق التعبير عند الجماعات الإنسانية الأولى، فاستطاع الأفراد التفاهم فيما بينهم، وأنه بعد نشأة اللغة الإنساينة الأولى لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة, فأخذت تنقرض شيئًا فشيئًا حتى تلاشت, كما انقرض لهذا السبب كثير من الغرائز الإنسانية القديمة. ومن أشهر من ذهب هذا المذهب العلامة الألماني مكس مولر١ Max Muller، والعلامة الفرنسي رينان Rena ٢.
وقد اعتمد مكس مولر في تأييد هذه النظرية على أدلة مستمدة من البحث في أصول الكلمات في اللغات الهندية الأوربية٣؛ فقد ظهر له أن مفردات هذه اللغات جميعها ترجع إلى خمسمائة أصل مشترك، وأن هذه الأصول تمثل اللغة الأولى التي انشعبت منها هذه الفصيلة، فهي لذلك تمثل اللغة الإنسانية في أقدم عهودها. وتبين له من تحليل هذه الأصول أنها تدل على معانٍ كلية، وأنه لا تشابه مطلقًا بين أصواها, وما تدل عليه من فعل أو حالة.
ففي دلالتها على معانٍ كلية برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتفاق، كما يذهب إلى ذلك أصحاب النظرية الثانية السابق ذكرها؛ لأن التواضع فضلًا عن تعارضه مع طبيعة النظم الاجتماعية كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، يتوقف هو
стр. 108
نفسه على وسيلة يتفاهم بها المتواضعون, وهذه الوسيلة لا يعقل أن تكون اللغة الصوتية؛ لأن المفروض أن المتواضَعَ عليه هو أول ما نطق به الإنسان من هذه اللغة, ولا يعقل كذلك أن تكون لغة الإشارة؛ لأننا بصدد ألفاظ تدل على معانٍ كلية, أي: على أمور معنوية يتعذر استخدام الإشارة الحسية فيها.
وفي عدم وجود تشابه بين أصواتها وما تدل عليه, برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية لم تنشأ من محاكاة الإنسان لأصواته الطبيعية -أصوات التعبير الطبيعي عن الانفعالات- وأصوات الحيوانات والأشياء، كما يذهب إلى ذلك أصحاب النظرية الرابعة التي سنتكلم عنها قريبًا.
وإذا بطل أن اللغة الإنسانية كانت نتيجة تواضع، وبطل كذلك أنها نشأت عن محاكاة لأصوات الإنسان الطبيعية وأصوات الحيوانات والأشياء، لم يبق إذن تفسير معقول لهذه الظاهرة غير التفسير السابق ذكره, وهو أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزة زود بها الإنسان في الأصل؛ للتعبير عن مدركاته بأصوات مركبة ذات مقاطع، كما زود باستعداد فطري للتعبير عن انفعالاته بحركات جسمية وأصوات بسيطة١.
وهذه النطرية -على ما فيها من دقة وطرافة وعمق في البحث- فاسدة من عدة وجوه:
١- فهي لا تحل شيئًا من المشكلة التي نحن بصددها, بل تكتفي بأن تضع مكانها مشكلة أخرى أكثر منها غموضًا, وهي مشكلة "الغريزة الكلامية".
٢- هذا إلى أن ما تقرره يعتبر -من بعض الوجوه- من قبيل
стр. 109
تفسير الشيء بنفسه, فكل ما تقوله يمكن تلخيصه في العبارة الآتية: "إن الإنسان قد لفظ أصواتًا مركبة ذات مقاطع ودلالات مقصودة؛ لأنه كانت لديه قدرة على لفظ هذا النوع من الأصوات". وهذا، كما لا يخفى، مجرد تقرير للمشكلة نفسها في صيغة أخرى.
٣- على أن قدرة الإنسان الفطرية أو المكتسبة على لفظ هذا النوع من الأصوات ليست موضوع البحث؛ لأنه من المقرر أن الإنسان مزود بأعضاء نطق تسمح له بلفظ هذا النوع من الأصوات، بل إن هذا مشترك بين الإنسان وبعض الطيور -كما تقدمت الإشارة إلى ذلك, وإنما الذي يهمنا هو الوقوف على أول مظهر لاستغلال هذه القدرة والانتفاع بها في تكوين الكلام الإنساني، أي: البحث عن الأسلوب الذي سار عليه الإنسان في مبدأ الأمر في وضع أصوات معينة لمسميات خاصة، والكشف عن العوامل التي وجهته إلى هذا الأسلوب دون غيره.
٤- ولكن أكبر خطأ وقعت فيه هذه النظرية هو ذهابها إلى أن الأصول الخمسمائة -السابق ذكرها- تمثل اللغة الإنسانية الأولى, فهذه الأصول -كما تقدم- تدل على معانٍ كلية، ومن الواضح أن إدراك المعاني الكلية يتوقف على درجة عقلية راقية, لا يتصور وجود مثلها في فاتحة النشأة الإنسانية, وها هي ذي الأمم البدائية التي تُعَدُّ أصدق ممثل للإنساية الأولى تؤيد ما نقول؛ فقد أجمع علماء الأتنوجرافيا الذين قاموا بدراسة هذه الأمم بأمريكا وأستراليا وإفريقيا وغيرها, على ضعف عقلياتها بهذا الصدد وعجزها عن إدراك المعاني الكلية في كثير من مظاهرها. وقد كان لهذه العقلية صدًى كبير في لغاتها، فلا نكاد نجد في كثير منها لفظ يدل على معنًى كلي؛ ففي لغة الهنود الحمر مثلًا, يوجد لفظ للدلالة على شجرة البلوط الحمراء, وآخر للدلالة على شجرة البلوط السوداء ... وهكذا، ولكن لا يوجد أيَّ لفظ للدلالة على شجرة البلوط، ومن باب أولى لا يوجد أيًّ لفظ للدلالة على الشجرة على
стр. 110
العموم١, وفي لغة الهورونيين Hurons "من السكان الأصليين لأمريكا الشمالية" يوجد لكل حالة من حالات الفعل المتعدي لفظ خاص بها، ولكن لا يوجد للفعل نفسه لفظ يدل عليه, فيوجد لفظ للتعبير عن الأكل في حالة تعلقه بالخبز، ولفظ آخر للتعبير عنه في حالة تعلقه باللحم، وثالث في حالة تعلقه بالزبد، ورابع في حالة تعلقه بالموز, وهكذا، ولكن لا يوجد فعل ولا مصدر للدلالة على الأكل على العموم, أو الأكل في زمن ما٢. ولغة السكان الأصليين لجزيرة تسمانيا Tasmenis "بقرب أستراليا" لا يوجد من بين مفرداتها لفظ يدل على الصفة، فإذا أرادوا وصف شيء لجئوا إلى تشبيه بآخر مشتمل على الصفة المقصودة، فيقولون مثلًا "فلان كشجرة كذا" إذا أرادوا وصفه بالطول٣.
ولذلك يرى المحدثون من علماء اللغة أن الأصول الخمسمائة -السابق ذكرها- لا تمثل في شيء اللغة الإنسانية الأولى كما يذهب إلى ذلك مكس مولر، بل إنها بقايا لغة حديثة قطعت شوطًا كبيرًا في سبيل الرقي والكمال, ولم تصل إليها الأمم الإنسانية إلّا بعد أن ارتقت عقلياتها ونهض تفكيرها, ويذهب بعضهم إلى أبعد من هذا, فيقرر أنها مجرد أصول نظرية, وأنها لم تكن يومًا ما موضوع لغة إنسانية٤.
النظرية الرابعة: تقرر أن اللغة الإنسانية نشأت من الأصوات الطبيعية "التعبير الطبيعي عن الانفعالات، أصوات الحيوان، أصوات مظاهر الطبيعة، الأصوات التي تحدثها الأفعال عند وقوعها؛ كصوت الضرب والقطع والكسر ... إلخ" وسارت في سبيل الرقيّ شيئًا فشيئًا تبعًا لارتقاء العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة واتساع نطاق الحياة
стр. 111
الاجتماعية وتعدد حاجات الإنسان ... وما إلى ذلك, وقد ذهب إلى هذا الرأي معظم المحدثين من علماء اللغة, وعلى رأسهم العلامة وتنى١ Whitey, وذهب إلى مثله من قبل هؤلاء كثير من فلاسفة العصور القديمة, ومن مؤلفي العرب بالعصور الوسطى؛ فقد تحدث عنه ابن جني, المتوفى عام ٣٩٢هـ, أي: من نحو ألف سنة, في كتابه الخصائص في أسلوب يدل على قدمه وكثرة القائلين به من قبله٢.
فبحسب هذه النظرية يكون الإنسان قد افتتح هذه السبيل بمحاكاة أصواته الطبيعية التي تعبر عن الانفعالات؛ كأصوات الفرح والحزن والرعب وما إليها, ومحاكاة أصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة والأشياء؛ كدوي الريح وحنين الرعد, وخرير الماء, وحفيف الشجر, وجعجعة الرحى, وقعقعة الشنان, وصرير الباب, وصوت القطع والضرب ... وهلم جرَّا. وكان يقصد من هذه المحاكاة التعبير عن الشيء الذي يصدر عنه الصوت المحاكى ما زود به من قدرة على لفظ أصوات مركبة ذات مقاطع, وكانت لغته في مبدأ أمرها محدودة الألفاظ، قليلة التنوع، قريبة الشبه بالأصوات الطبيعية التي أخذت عنها, قاصرة عن الدلالة على المقصود, ولذلك كان لابد لها من ساعد يصحبها؛ فيوضح مدلولاتها, ويعين على إدراك ما ترمي إليه, وقد وجد الإنسان خير مساعد لها في الإشارات اليدوية والحركات الفطرية التي تصحب الانفعالات، فكان في مبدأ أمره مجرد محاكاة إرادية لهذه الحركات, ثم توسع الإنسان في
стр. 112
استخدامه؛ فحاكى به أشكال الأشياء وحجومها وصفاتها, وما إلى ذلك، فازدادت أهميته في الحديث، وسد فراغًَا كبيرًا في اللغة الصوتية، ثم أخذت هذه اللغة يتسع نطاقها تبعًا لارتقاء التفكير, واتساع حاجات الإنسان ومظاهر حضارته، وتستغني شيئًا فشيئًا عن مساعدة الإشارات, وتبعد عن أصولها تأثير عوامل كثيرة؛ كالتطورات الطبيعية التي تعتور الصوت وأعضاء النطق الإنساني, وكعلاقات المجاورة والمشابهة التي تعتور الدلالات ... وما إلى ذلك من الأمور التي سنعرض لها بتفصيل في الباب الثاني من هذا الكتاب.
وهذه النظرية هي أدنى نظريات هذا البحث إلى الصحة، وأقربها إلى المعقول، وأكثرها اتفاقًا مع طبيعة الأمور وسنن النشوء والارتقاء الخاضعة لها الكائنات وظواهر الطبيعة الاجتماعية, وهي إلى هذا وذاك تفسر المشكلة التي نحن بصددها, وهي الأسلوب الذي سار عليه الإنسان في مبدأ الأمر في وضع أصوات معينة لمسميات خاصة, والعوامل التي وجهته إلى هذا الأسلوب دون غيره, ولم يقم أيّ دليل يقيني على خطئها, ولكن لم يقم كذلك أيَّ دليل يقيني على صحتها, وكل ما يذكر لتأييدها لا يقطع بصحتها, وإنما يقرب تصورها ويرجح الأخذ بها.
ومن أهم أدلتها أن المراحل التي تقررها بصدد اللغة الإنسانية تتفق في كثير من وجوهها مع مراحل الارتقاء اللغوي عند الطفل؛ فقد ثبت أن الطفل في المرحلة السابقة لمرحلة الكلام، يلجأ في تعبيره الإرادي إلى محاكاة الأصوات الطبيعية "أصوات التعبير الطبيعي عن الانفعالات، أصوات الحيوان، أصوات مظاهر الطبيعة والأشياء.." فيحاكي الصوت قاصدًا التعبير عن مصدره, أو عن أمر يتصل به, وثبت كذلك أنه في هذه المرحلة وفي مبدأ مرحلة الكلام يعتمد اعتمادًا جوهريًّا في توضيح تعبيره الصوتي على الإشارات اليدوية والجسمية, ومن المقرر أن المراحل التي يختارها الطفل في مظهر ما من مظاهر حياته تمثل المراحل التي
стр. 113
اجتازها النوع الإنساني في هذا المظهر١.
ومن أدلتها كذلك ما تقرره بصدد خصائص اللغة الإنسانية في مراحلها الأولى يتفق مع ما نعرفه عن خصائص اللغات في الأمم البدائية؛ ففي هذه اللغات تكثر المفردات التي تشبه أصواتها أصوات ما تدل عليه, ولنقص هذه اللغات وسذاجتها وإبهامها, وعدم كفايتها للتعبير, لا يجد المتكلمون بها مناصًا من الاستعانة بالإشارات اليدوية والجسمية في أثناء حديثهم؛ لتكملة ما يفتقر إليه من عناصر وما يعوزه من دلالة٢, ومن المقرر أن هذه الأمم لبعدها عن تيارات الحضارة, وبقائها بمعزل عن أسباب النهضة الاجتماعية، تمثل إلى حد كبير النظم الإنسانية في عهودها الأولى.
стр. 114
٤- نشاة مراكز اللغة:
تقدَّمَ أن الإنسان لا يمتاز عن الفصائل الحيوانية الأخرى باللغة الصوتية فحسب، بل يمتاز عنها كذلك باشتمال مخه على مراكز تشرف على مختلف مظاهر هذه اللغة "مركز الكلام، مركز حفظ الأصوات، مركز الكلمات المرئية ... إلخ"١.
وقد اختلف الباحثون اختلافًا كبيرًا في نشأة هذه المراكز في الفصيلة الإنسانية.
стр. 115
فالقائلون باستقلال النوع الإنساني في نشأته عن الأنواع الحيوانية الأخرى يذهبون إلى أنه قد خلق مزودًا بهذه المراكز, كما خلق مزودًا بخصائصه الأخرى؛ كاعتدال القامة, وإدراك المعاني الكلية ... وما إلى ذلك, ويرون أن هذه المراكز كانت في مبدأ الخلق ساذجة قاصرة، ثم ارتقت في بعض الشعوب حتى وصلت إلى شأوٍ كبير في الدقة والنضج، على حين أنها جمدت في شعوب أخرى فلم تتزحزج كثيرًا عن الحالة الساذجة التي خلقت عليها, ويرجع الفضل في ارتقائها إلى عوامل كثيرة؛ منها كثرة استخدامها في وظائفها, وما تمرن عليه من عادات مكتسبة, واتساع الحضارة الإنسانية, وارتقاء التفكير ... وهلم جرا.
فمراكز اللغة شأنها في ذلك شأن أعضاء الحس وأعضاء الحركة في الجسم الإنساني، تخلق مزودة بالقدرة على القيام بوظائفها، وتظل قابلة للارتقاء في هذه الناحية ما أتيحت لها الوسائل المواتية, فإن لم يتح لها ذلك قصرت عن القيام بوظائفها, أو جمدت على الحالة التي كانت عليها في نشأتها الأولى.
وأما القائلون بمذهب الارتقاء وتفرع الإنسان عن غيره من الفصائل الحيوانية، فيرون أن الفضل في نشأة هذه المراكز عند الإنسان يرجع إلى الظروف التي أحاطت به في مبدأ نشأته, وإلى الأمور التي ألجأته إليها مقتضيات حياته, وبخاصة ما يتصل منها بشئون دفاعه عن نفسه, وقد اختلفوا في تصوير هذه النشأة على الرغم من اتفاقهم على الأسس السابق ذكرها, وأشهر نظرياتهم بهذا الصدد نظرية دارون التي تتلخص في أن الإنسان كان في الأصل من الفصائل المتسلقة الأشجار، ثم اضطرته ظروف قاهرة إلى العيش على الأرض حيث تعرض لإغارة الحيوانات القوية وسطوها عليه, فاستخدم في مبدأ الأمر في مقاومتها أنيابه وأعضاء جسمه كما كان يفعل من قبل, وكما تفعل أفراد فصيلته, ولكن هذه الوسيلة كانت تضطره إلى الارتماء في أحضان عدوه فتعرض حياته للخطر, فهدته غريزة المحافظة على الحياة إلى وسيلة أخرى تدفع عنه عدوان الحيوان بدون أن تضطره إلى
стр. 116
الاصطدام به، وذلك بأن يقذف عليه عن بعد قطعًا من حجارة أو خشب أو معدن, أو بأن يمسك بطرف عصا ويدفعه عنه, أو يضربه بطرفها الآخر, وقد كان لهذا الأسلوب الجديد أثران كبيران في حياة الإنسان:
أحدهما: أنه يضطره إلى الوقوف على رجلين اثنين في أثناء دفاعه عن نفسه, ومن تكرار هذه الوقفة أخذت قامته تعتدل شيئًا فشيئًا حتى استوى القسم الأعلى من جسمه مع أطرافه السفلى، وأخذت عادة المشي على أربع تضعف بالتدريج حتى انقرضت "وإن كانت تظهر في بعض مراحل الطفولة الإنسانية وفقًا لقوانين الوراثة النوعية التي تقضي بأن يجتاز الطفل في سبيله من الطفولة إلى الرجولة المراحل نفسها التي اجتازها النوع في سبيله من الحيوانية إلى الإنسانية ومن الوحشية إلى الحضارة".
وثانيهما: وهو الذي يهمنا في موضوعنا, أن هذا الأسلوب الدفاعي قد أعفى الإنسان من استخدام فكه وأسنانه في الدفاع عن نفسه، فتعطلت هذه الأعضاء عن القيام بجزء كبير من وظيفتها، ونجم عن ذلك تقلص العضلات والعظام الصدغية التي تتحرك مع الفم، وترتب على هذا التقلص أن اتسع مجال النمو للجمجمة، فزاد حجمها عما كان عليه، وباتساع حجم الجمجمة اتسع مجال النمو للمخ؛ فزاد حجمه, ونشأت به مراكز جديدة لم تكن به من قبل، من أهمها مراكز اللغة التي نحن بصدد الكلام عنها.
ولتأييد هذا الأثر الأخير، قام العلامة أنتوني Anthony بتجربة على عدد من الجراء "الكلاب الصغيرة" وذلك بأن استأصل جزءًا من عضلاتها وعظامها الصدغية، وتتبع نمو جماجمها بعد هذه العملية، فتبين له أنها أخذن تتسع أكثر من المعتاد.
وقد تصدى كثير من العلماء المحدثين للتحري عن هذه الحقائق، فثبت لهم فسادها من نواحٍ كثيرة, لا يهمنا منها الآن إلّا الناحية المتعلقة
стр. 117
بنشأة مراكز اللغة؛ فقد ظهر لهم بهذا الصدد أن تعطيل الفك والأسنان وإن نجم عنه اتساع في الجمجة, لا يترتب عليه مطلقًا اتساع في المخ, أواختلاف في تعاريجه وشكل تكونه, والتجربة التي قام بها أنتوني تدل هي نفسها على صحة ذلك, فقد ظهر له أن جماجم الجراء قد انحصرت عن أمخاخها، بدليل أن الآثار التي تنطبع عليها من ملاصقتها للمخ قد انمحت؛ فاتساع الجمجمة الناجم عن تقلص عضلات الصدغ وعظامه لا يتبعه أذن اتساع في حجم المخ, أو نشأة مراكز جديدة كما يزعم دارون.
وكثيرًا ما تتسع الجمجمة عند بعض الناس اتساعًا غير عاديّ لسبب آخر غير تقلص عضلات الصدغ وعظامه، ولكن لم يحدث مطلقًا في حالة من حالات هذا الاتساع أن زاد حجم المخ أو تغيرت صورته. وعلى العكس من ذلك نمو المخ نفسه؛ فإنه يرغم الجمجمة على الاتساع, ويشكلها بالشكل الذي يتفق مع نموه, فإن قاومته، بأن كان عظم اليافوخ١ قد اشتد قبل أوانه، تغلب على مقاومتها وشق لنفسه طريقًا على أي وجه, فأحيانًا يدفعها إلى الأمام فينشأ الشخص بارز الجبهة، وأحيانًا يدفعها إلى الخلف فينشأ الشخص أحدب الرأس، وأحيانًا يدفعها إلى أعلى فينشأ مسنم الرأس، وأحيانًا يدفعها من ناحيتين أو أكثر فينشأ مدنخ الرأس٢ ... وهكذا, فالطريق الطبيعي للارتقاء، إن كان ثَمَّ ارتقاء، هو أن يتسع المخ أولًا وتوجد فيه مراكز لم تكن موجودة من قبل, ويتبع ذلك اتساع في الجمجمة، لا أن تتسع الجمجمة أولًا ويتبعها اتساع المخ كما يقول دارون ومن نحا نحوه.
على أن الارتقائيين لم يكونوا في حاجة إلى هذه الفروض التعسفية لتعليل نشأة مراكز اللغة بطريقة تتفق مع مبادئهم؛ فقد كان
стр. 118
في إمكانهم أن يذهبوا إلى أن هذه المراكز لم تنشأ من العدم، بل كانت نتيجة تطور لمراكز قديمة أو لأجزاء من مراكز قديمة, كان في أماكنهم مثلًا أن يذهبوا إلى أن جزءًا من مراكز الحركة الخاصة بعضلات الوجه Centres des mouvements des muscles de la face قد تخصص في حركة أعضاء النطق. ومع تقادم الزمن وكثرة مزاولته لهذه الوظيفة تشكل بالشكل الذي يتفق معها, واستقل عن غيره, وأخذ يسير في سبيل الارتقاء حتى وصل إلى الحالة التي هو عليها الآن. كان في إمكانهم أن يقولوا: هذا بصدد مراكز الكلام, ويقولوا مثله بصدد المراكز اللغوية الأخرى؛ فيتقوا معظم ما وجه إلى فروضهم السابقة من اعتراضات, ويكون مذهبهم أدنى إلى القبول وأكثر اتفاقًا مع حقائق الأمور, وذلك أنه بالموازنة بين مخ الإنسان وأمخاخ الحيوانات القريبة منه، يظهر أن مراكزه اللغوية -على فرض أنها لم تكن موجودة في أصل خلقه- كانت نتيجة تشكيل جديد لبعض المراكز الموجودة في أمخاخ هذه الحيوانات.
стр. 119
٥- المراحل الأولى التي اجتازتها اللغة الإنسانية:
تقدَّم أن اللغة الإنسانية قد نشأت ناقصة ساذجة مبهمة في نواحي أصواتها ومدلولاتها وقواعدها، ثم سارت بالتدريج في سبيل الارتقاء١.
وقد اختلف الباحثون اختلافًا كبيرًا في بيان المراحل الأولى التي اجتازتها في هذا السبيل.
فبعضهم نظر إلى الموضوع من الناحية الصوتية؛ فحاول أن يشكف
стр. 120
عما كانت عليه أصوات اللغة الإنسانية في مبدأ نشأتها, وعن مراحل ارتقائها, وقد ذهب معظم هؤلاء إلى أن اللغة قد سارت بهذا الصدد في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الصراخ Le Cri:
وفي هذه المرحلة لم يكن في أصوات اللغة الإنسانية أصوات مد -وهي الأصوات التي نرمز إليها بحروف اللين, ولا أصوات ساكنة -وهي الأصوات التي نرمز إليها بالحروف الساكنة، وإنما كانت مؤلفة من أصوات مبهمة تشبه أصوات التعبير الطبيعي عن الانفعال؛ كالضحك والبكاء والصراخ، وأصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة والأشياء؛ كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وحفيف الشجر وجعجعة الرحى وصوت القطع والضرب ... وهلم جرا.
والمرحلة الثانية: مرحلة المد Vocalisation: وفيها ظهرت أصوات اللين في اللغة الإنسانية.
والمرحلة الثالثة: مرحلة المقاطع Articulation: وفيها ظهرت الأصوات الساكنة في اللغة الإنسانية "الباء، التاء، الثاء.... إلخ".
ويعتمد أصحاب هذه النظرية في تأييدها على أمور مستمدة من لغة الطفل ولغات الأمم البدائية:
أما فيما يتعلق بالطفل؛ فقد ظهر أن أصواته تجتاز المراحل نفسها التي ذكرها أصحاب هذه النظرية, فأصواته في المبدأ يتألف معظمها من الصراخ والأصوات المبهمة المشبهة لأصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة، ثم تكثر لديه في المرحلة التالية أصوات المد، وفي آخر مرحلة يجتازها قبل أن يظهر لديه التقليد اللغوي، وهي المرحلة التي يسميها علماء النفس بمرحلة: "التمرينات النطقية"، تكثر في نطقه الأصوات الساكنة١.
стр. 121
وقد أشرنا فيما سبق إلى أن كثيرًا من العلماء يرى أن المراحل التي يجتازها الطفل في مظهر ما من مظاهر حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الإنساني في هذا المظهر١.
وأما فيما يتعلق بلغات الأمم البدائية: فقد لوحظ في كثير منها, أن الأصوات المبهمة وأصوات المد تفوق كثيرًا الأصوات الساكنة في كميتها وأهميتها في الدلالة٢, وقد تقدَّم أن هذه الأمم -لبعدها عن تيارات الحضارة وبقائها بمعزل عن أسباب النهضات الاجتماعية- تمثل إلى حد كبير الأساليب الإنسانية في عهودها الأولى٣.
وليس من بين هذه الأدلة ما يمكن عده برهانًا قاطعًا على صحة هذه النظرية, بل إن معظم المحدثين من علماء اللغة يقطعون بفسادها, وحجتهم في ذلك أنه لا يوجد من بين اللغات الإنسانية المعروفة -سواء في ذلك اللغات الحية والميتة، الراقية والساذجة- لغة خالية من أصوات اللين أو من الأصوات الساكنة, وأنه من المتعذر تصور لغة إنسانية عارية عن أحد هذين النوعين, هذا إلى أن ظهور الأصوات ذات المقاطع "الأصوات الساكنة" في لغة الإنسان, لم يكن ليتوقف على ارتقاء في لغته, أو على تطور صوتي, أو على مراحل يجتازها في هذا السبيل, كما يزعم أصحاب هذه النظرية؛ لأن الأصوات ذات المقاطع توجد عند كثير من فصائل الحيوانات نفسها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك٤.
وبعضهم نظر إلى الموضوع من ناحية مفردات اللغة ودلالة بعضها
стр. 122
على معانٍ جزئية, وبعضها الآخر على معانٍ كلية، وحاول أن يبين أيّ القسمين كان أسبق ظهورًا من الآخر.
وقد اختلف هؤلاء فيما بينهم, وانقسموا إلى فريقين:
الفريق الأول: -وعلى رأسه مكس مولر- يرى أن اللغة الإنسانية قد بدأت بألفاظ دالة على معانٍ كلية، ثم انشعبت عن هذه الألفاظ الكلمات الدالة على المعاني الجزئية, ودليلهم على هذا أن الأصول المشتركة التي ترجع إليها المفردات في جميع اللغات الهندية - الأوربية, والتي تمثل في نظرهم اللغة الإنسانية في أقدم عصورها، تدل على معانٍ كلية, كما سبقت الإشارة إلى ذلك١.
وقد ناقشنا هذه النظرية فيما تقدم فتبين فسادها، وظهر أن هذه الأصوات لا تمثل اللغة الإنسانية في عهودها الأولى، وأنها بقايا من لغة راقية لم تصل إليها الأمم الإنسانية إلّا بعد أن اجتازت في حياتها اللغوية مراحل طويلة، وأن بعض الباحثين يذهب إلى أبعد من هذا, فيقرر أننا بصدد أصول نظرية لم تكن يومًا ما لغة كلام٢.
وبعضهم يبحث في هذا التطور من ناحية ثالثةٍ قريبة من بعض الوجوه من الناحية السابقة، فيتساءل عن المراحل التي ظهر فيها كل من الاسم والصفة والفعل والحرف في الكلام الإنساني, وأشهر نظرية بهذا الصدد هي نظرية العلامة ريبو Ribot, التي تقرر أن الصفة هي أول ما ظهر في اللغة الإنسانية، ثم تلتها أسماء المعاني وأسماء الذوات، ثم ظهرت الأفعال, وبظهور الأفعال دخلت اللغة الإنسانية في أهم مرحلة من مراحل رقيها، فلا يخفى أهمية الأفعال في الحديث وكثرة وظائفها في الدلالة، ثم اختتمت مراحل الارتقاء بظهور الحروف٣.
стр. 123
وقد اعتمد في تأييد نظريته هذه على أدلة كثيرة, بعضها يرجع إلى لغة الطفل ولغات الأمم البدائية، وبعضها إلى بحوث إيتيمولوجية "دراسة أصول الكلمات" أو نفسية, فمن ذلك أن الأصول الهندية الأوربية التي كشفها "مكس مولر", يتألف معظمها من كلمات دالة على الصفات، وفي هذا دليل على أن الصفات كانت أسبق الكلمات ظهورًا في اللغة الإنسانية، وأن معظم أسماء المعاني وأسماء الذوات مشتقة في كثير من اللغات من كلمات دالة على صفات، وفي هذا دليل على أن الأسماء لم تظهر في اللغة الإنسانية إلّا بعد ظهور الصفات، وأن معظم الأفعال في اللغات الهندية الأوروبية مأخوذة من كلمات دالة على صفات أو أسماء, مضاف إليها بعض أصوات من ضمائر، وفي هذا دليل على أن الأفعال قد ظهرت بعد ظهور الصفات والأسماء، وأن كثيرًا من لغات الأمم البدائية مجردة من الحروف١، وأن لغة الطفل لا تظهر فيها الحروف إلّا في آخر مرحلة من مراحلها، ففي المرحلة الأولى ينطق الطفل بأجزاء الجملة عارية عن الحروف وعن علامات الربط٢، وفي خلو اللغات البدائية ولغة الطفل في مراحلها الأولى من الكلمات الدالة على الحروف دليل على أنها كانت آخر ما ظهر في اللغات الإنسانية.
وليس من بين هذه الأدلة ما ينهض برهانًا قاطعًا على صحة هذه النظرية، بل إنها ظاهرة الخطأ في بعض نواحيها، وخاصة إذ تقرر أن الصفات كانت أسبق ظهورًا في اللغة الإنسانية من أسماء الذوات, ففي هذه الناحية توجه إليها المآخذ نفسها التي وجهناها إلى نظرية مكس مولر٣.
стр. 124
وبعضهم يبحث في هذا التطور من ناحية رابعة تتعلق بقواعد الصرف والتنظيم "المورفولوجيا والسنتكس١".
وأشهر نظرية بهذا الصدد, هي النظرية التي قال بها العلامة شليجل Schlegel, وتابعه فيها جمهرة كبيرة من علماء اللغة, وهي تقسم اللغات الإنسانية في هذه الناحية إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اللغات المتصرفة Flexionnelles ou a Flexion, أو التحليلة Analytiquew: ويمتاز هذ االقسم من ناحية "المورفولوجيا" بأن كلماته تتغير معانيها بتغير أبنيتها، ومن ناحية "السنتكس" بأن أجزاء الجملة يتصل بعضها ببعض بروابط مستقلة٢ تدل على مختلف العلاقات, وذلك كاللغة العربية؛ فإن كلماتها تتغير معانيها بتغير بنيتها؛ فتقول عِلْم للدلالة على المصدر، وعَلِمَ للدلالة على الفعل الماضي، وعَلَّمَ للدلالة على تعدي الفعل، واعْلَمْ للدلالة على الأمر، والعلوم للدلالة على جمع العلم، والمعلوم للدلالة على ما وقع عليه العلم، والعلَّامة للدلالة على وسيلة العلم ... وهلم جرا. هذا من ناحية الصرف, وأما من ناحية التنظيم: فإن عناصر جملها يتصل بعضها ببعض عن طريق روابط مستقلة تشير إلى مختلف العلاقات؛ فتقول مثلًا: ذهب محمد وعلي من المنزل إلى الجامعة, فتأتي بواو قصيرة ونون زائدتين بعد دال محمد للدلالة على أنه أحدث الحدث، وتأتي بالواو العاطفة بين محمد وعلي للدلالة على عطف عنصر من عناصر الجملة على آخر، وبمن للدلالة على الابتداء، وبإلي للدلالة على الانتهاء, وما قيل في اللغة العربية يقال مثله في بقية اللغات السامية, وفي اللغات الهندية - الأوروبية.
стр. 125
وسميت هذه الطائفة من اللغات "بالمتصرفة" لتغير أبنيتها بتغير المعاني، و"بالتحليلية" لما تتخذه حيال الجملة من تحليل أجزائها وربطها بعضها ببعض بروابط تدل على العلاقات.
القسم الثاني: اللغات اللصقية أو الوصلية: Agglutinantes ou Agglomerrantes ou Synthetiques: ويمتاز هذا القسم من ناحيتي المورفولوجيا والسنتكس, بأن تغير معنى الأصل وعلاقته بما عداه من أجزاء الجملة يشار إليهما بحروف تلصق به, وتوضع هذه الحروف أحيانًا قبل الأصل, فتسمى: "سابقة Prefixes"، وأحيانًا بعده فتسمى "لاحقة١ Suffixes", وبعض هذه الحروف ليس له دلالة مستقلة، ولكن معظمها كان في الأصل كلمات ذات دلالة, ثم فقدت معانيها وأصبحت لا تستخدم إلّا مساعدة للدلالة على تغير معنى الأصل الذي تلصق به, أو للإشارة إلى علاقته بما عداه من أجزاء الجملة, ومن أشهر لغات هذه الفصيلة اللغة اليابانية واللغة التركية, وبعض لغات الأمم البدائية؛ كلغة الأيروكويين٢ lroquois, والبنتوين٣ Bantous.
وسميت هذه اللغات "باللصقية" أو "الوصلية" للطريقة التي تتبعها
стр. 126
حيال الأصل؛ إذ تلصق به حروفًا زائدة عن حروفه, لتوضيح المعنى المقصود منه, أو للإشارة إلى علاقته بما عداه من أجزاء الجملة.
القسم الثالث: اللغات غير المتصرفة Mono-syllabiques, أو "العازلة" lsolantes: ويمتاز هذا القسم من ناحية "المورفولوجيا"، بأن كلماته غير قابلة للتصرف, لا عن طريق تغيير البنية ولا عن طريق لصق حروف بالأصل، فكل كلمة تلازم صورة واحدة وتدل عل معنى ثابت لا يتغير, ويمتاز من ناحية "السنتكس" بعدم وجود روابط بين أجزاء الجملة للدلالة على وظيفة كل منها وعلاقته بما عداه، بل توضع هذه الأجزاء بعضها بجانب بعض، وتستفاد وظائفها وعلاقاتها من ترتيبها أو من سياق الكلام, ويدخل في هذا القسم اللغة الصينية وكثير من لغات الأمم البدائية.
وسميت هذه اللغات بغير المتصرفة؛ لأن كلماتها لا تتصرف ولا يتغير معناها "بالعازلة"؛ لأنها تعزل أجزاء الجملة بعضها عن بعض, ولا تصرح بما يربطها من علاقات.
ويرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة الإنسانية في مبدأ نشأتها كانت من النوع الثالث "اللغات غير المتصرفة"، ثم ارتقت إلى النوع الثاني "اللغات اللصقية"، ولم تصل إلى حالة النوع الأول "اللغات المتصرفة" إلّا في آخر مرحلة قطعتها في هذا السبيل, غير أن بعض اللغات الإنسانية قد وقفت في نموها فلم تتجاوز المرحلة الأولى كاللغة الصينية، أو لم تتجاوز المرحلة الثانية كاليابانية والتركية.
ويستدل على صحة هذه النظرية بأدلة مستمدة من لغة الطفل ولغات الأمم البدائية, على النحو الذي تقدَّم شرحه في النظريات السابقة.
ولكن ليس من بين أدلتها ما ينهض برهانًا قاطعًا على صحتها, بل قامت أدلة كثيرة على خطئها, فمن ذلك أن الأساليب الثلاثة التي تعرض
стр. 127
لها "التصرف واللصق والعزل" توجد مجتمعة في كل لغة إنسانية، وأنه من المتعذر أن نعثر على لغة عارية عن أسلوب منها.
فاللغة العربية، كما يوجد بها مظاهر من أسلوب التصرف والتحليل كما تقدم، يوجد بها مظاهر كثيرة من الأسلوبين الآخرين؛ فهي تسير على طريقة اللصق بالحروف "اللاحقة" و"السابقة" في حالات كثيرة؛ كجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم والتعدي بالهمزة "قائم قائمون, زينب زينبات, قام على، وأقام على الصلاة" ... وهلم جرا. وتسير كذلك على طريقة العزل في كثير من التراكيب؛ فبعض الجمل الاسمية والجمل الفعلية لا ترتبط عناصرها بعضها ببعض بأي رابطة ملفوظ، وإنما تفهم العلاقة بينها من ترتيبها أو من السياق مثل "ضرب موسى عيسى"، وجميع الجمل على هذا النحو في اللغات العامية المتشعبة عن العربية، فقد تجردت جميعها من علامات الإعراب الدالة على وظائف الكلمات, وعلاقة أجزاء الجملة بعضها ببعض.
وكذلك جميع اللغات الهندية - الأوربية. فالإنجليزية والفرنسية مثلًَا تسيران أحيانًا على طريقة التصريف والتحليل.
Je vois, je voyais, je vis, nous voyons, la vue, vous voyez que la Linguistique est une science sociale.
l see, l saw, l have seen, to see, the sight, you see that the Science of Languages is a social one
وتسيران أحيانًا على طريقة اللصق:
j a joute, Jajouterai - tigre, tigresse
l care, l cared - cariful, carefulness
وتسيران أحيانًا على طريقة العزل:
Tom beats Dick- pierre bat Paul
"ففي هذه الجملة لا يميز الفاعل من المفعول إلّا مجرد ترتيبه".
ومثل هذا يقال في جميع اللغات الإنسانية, فلسنا إذن بصدد فصائل لغوية متميزة، بل بصدد أساليب مستخدمة في جميع اللغات.
стр. 128
الفصل الثاني: نشأة اللغة عند الطفل
١- أنواع الأصوات في الطفولة, وأساس كل منها:
يرجع أهم ما يلفظه الطفل من أصوات إلى الأنواع الآتية:
١- "الأصوات الوجدانية" أو"أصوات التعبير الطبيعي عن الانفعالات": وهي الأصوات الفطرية التي تصدر من الطفل في أثناء تلبسه بحالة انفعالية، كالأصوات التي تصدر منه في حالات الخوف والألم والجوع والفرح والغضب والسرور والدهشة، كالبكاء والضحك, ومختلف أنواع الصراخ الوجداني.
وهذا النوع فطري عند الطفل، يصدر منه بشكل غير إرادي, وبدون سابق تجربة ولا تعليم ولا تقليد١، وتثيره الحالات الجسمية والنفسية أليمها وسارها, وهذه الإثارة قائمة على روابط طبيعية تربط أعضاء الصوت بالحالات الجسمية والنفسية بطريقة تجعل هذه الأعضاء تتحرك بشكل آلي, وتلفظ أصواتًا معينة عند وجود حالة من هذه الحالات؛ فالطفل إذ يلفظ هذه الأصوات تحت تأثير هذه الحالة الجسمية أو النفسية أشبه شيء بساعة الحائط إذ تدق أجراسها بصوت آلي حينما تصل مشيراتها -عقاربها- إلى نقطة خاصة، وتختلف دقاتها نوعًا وكمية باختلاف هذه النقط.
стр. 129
ويتألف هذا النوع من أصوات مبهمة "تشبه أصوات الحيوان وأصوات مظاهر الطبيعة" وأصوات لين "وهي التي نرمز إليها بحروف المد" مختلطة أحيانًا ببعض أصوات ذات مقاطع "وهي التي نرمز إليها بالحروف الساكنة".
وقد حاول العلامة شترن Stern، على ضوء ما قام به في هذا الصدد من ملاحظات وتجارب أن يعيِّنَ نوع الصوت الذي يظهر في كل حالة من الحالات الانفعالية المشار إليها، فانتهى بحثه إلى نتائج كثيرة، منها أن حروف اللين مكررة تعبر عن السرور والحزن، وأن الميم والنون تعبران عن كل ما له علاقة بالأمور الداخلية "الجوع, الرغبة ... إلخ", وأن الباء والدال والتاء تعبر عن كل ما له علاقة بالعالم الخارجي, غير أن التحقق من صحة هذه النتائج يحتاج إلى استقراء كبير يتعذر إجراؤه, هذا إلى أن كل ما يقال بهذا الشأن تقريبي؛ لأن الأصوات التي نحن بصدد الكلام عليها يتألف معظمها -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- من أصوات مبهمة يصعب تحديد ما يشبهها من أصوات اللغة.
هذا، ويصحب انفعالات الطفل كذلك طائفة من المظاهر الجسمية المرئية؛ كصفرة الوجه وحمرته, ووقوف شعر الرأس, وضيق الحدقة واتساعها, وفتح الفم, وانقباض عضلات الوجه وانبساطها, وتفتح الأسارير وانكماشها ... وهلم جرا. وهذه المظاهر قائمة على الأسس الطبيعية نفسها القائمة عليها الأصوات الوجدانية, وتصدر دائمًا مصاحبة لهذه الأصوات, فهي فطرية غريزية تصدر من الطفل بدون سابق تجربة ولا تعليم, ويثيرها بطريقة آلية ما يتلبس به الطفل من انفعال.
٢- الأصوات الوجدانية الإرادية: وهي أصوات النوع السابق حينما يستعملها الطفل استعمالًا إراديًّا, وذلك أن الأصوات الوجدانية الفطرية التي تقدمت الإشارة إليها يدرك المحيطون بالطفل مصادرها ومثيراتها, فيعملون على وقفها بتحقيق ما يعوز الطفل وقضاء ما يحتاج إليه, ومن تكرار سلوكهم هذا، يدرك الطفل أن هذه الأصوات من شأنها أن ترغم الكبار على تحقيق رغباته، فيلفظها أحيانًا
стр. 130
بشكل إرادي قاصدًا بها التعبير عن حالة قائمة به, أو عن مطلب من مطالبه، فتراه مثلًا يتعمد البكاء أو الصراخ، أو يتمادى فيهما بشكل إرادي حتى تحمله مربيته أو ترضعه أو تبعد عنه هنة لا يريدها ... وهلم جرا. وتسمى حينئذ هذه الأصوات "الأصوات الوجدانية الإرادية".
وما يتخذه حيال الأصوات يتخذه أحيانًا حيال الحركات الجسمية المعبرة عن الانفعالات؛ فقد يقوم ببعض هذه الحركات بشكل إرادي, قاصدًا بها التعبير عما يساوره من انفعال, أو يبغي تحقيقه من رغبة, فقد يتعمد مثلًا تقطيب وجهه, أو تحريك يديه حركات عنيفة للتعبير بشكل إرادي عن غضبه، وقد يتعمد قبض عضلات الوجه للتعبير عن كراهيته لشيء, أو اشمئزازه منه ... وهلم جرا.
وهو في الحالين "حالة الصوت الإرادي, وحالة الحركات الإدارية" يحاكي نفسه في حالتها الفطرية، فيمثل بشكل إرادي ما يصدر عنه عادة بشكل آلي فطري.
٣- أصوات الإثارة السمعية: وهي أصوات فطرية غير تقليدية, تصدر من الطفل في شهوره الأولى حينما يسمع بعض الأصوات؛ ففي هذه المرحلة نرى أن سماع الطفل لبعض الأصوات "وبخاصة الأصوات المرتفعة" يثير أعضاء صوته ويجعلها تلفظ بشكل آلي أصواتًا غير تقليدية "أي: لا تحاكي الأصوات المسموعة" شبيهة بأصواته الوجدانية التي أشرنا إليها فيما سبق, ويحدث هذا عند سماعه أحد المحيطين به يناغيه أو يتحدث بصوت مرتفع، أو عند سماعه صوت حيوان أو آلة موسيقية ... وهلم جرا.
ويظهر هذا النوع من الأصوات لدى الطفل في سن مبكرة, فقد لاحظ الأستاذ "جويوم Guillaume" أن "بول" ولما يتجاوز الشهر الثاني، تصدر منه هذه الأصوات عندما تكلمه أمه, أو يكلمه هو بعبارات طويلة، وأنه عندما بلغ الشهر الثالث كان صوت "البيانو" يثير
стр. 131
أعضاء نطقه, فتلفظ أصواتًا مبهمة لا تحاكي في شيء النغم الموسيقي الذي يسمعه، وأن بنته "لويز" وسنها شهران ونصف، كانت الأصوات التي تلفظها في أثناء مناغاته لها أشبه شيء بإجابات على حديثه، فكانت تلفظ هذه الأصوات كلما توقف هو عن الحديث, أو انتهت عبارة من عباراته، وأن حالتهما كانت شبيهة بحالة شخصين يتحدثان محادثة منظمة, وقد لاحظ هذه الظاهرة نفسها على ابنتي عفاف في سن مبكرة؛ ففي اليوم الثاني من شهره الثالث "٢٧/٣/ ٣٤" أثارت مناغاتي لها أعضاء نطقها, فأخذت تلفظ أصواتًا مبهمة مصحوبة بالابتسام وحركات الأطراف.
ومن هذا النوع من الأصوات ما يسمونه: "العدوى الصوتية", التي تبدو عند الأطفال إذا ضمهم مكان واحد، والتي تلازمهم في معظم مراحل طفولتهم؛ يصوت الوليد منهم فيثير صوته أصوات زملائه، ويبكي فيبكي لبكائه الآخرون١.
ويتألف هذا النوع، كما يتألف النوعان السابقان، من أصوات مبهمة "تشبه أصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة" وأصوات لين "وهي التي نرمز إليها بحروف المد" مختلطة أحيانًا ببعض أصوات ذات مقاطع "وهي التي نرمز إليها بالحروف الساكنة".
وقد ثبت أن هذه الأصوات ليست إرادية ولا تقليدية، بل فطرية آلية تصدر بدون تدخل إرادة الطفل ولا تتجه إلى محاكاة أمر ما, وهي قائمة على أسس طبيعية شبيهة بالأسس القائمة عليها الأصوات الوجدانية. فكما أن تلبس الطفل بحالة انفعالية يثير أعضاء صوته، فتتحرك بشكل آلي وتلفظ الأصوات الوجدانية السابق ذكرها، كذلك سماع الطفل في هذه المرحلة لبعض الأصوات، فإنه يثير أعضاء نقطه فتتحرك بشكل آلي وتلفظ الأصوات التي نحن بصدد الكلام عنها. فكلا
стр. 132
النوعين فطري آلي قائم على روابط طبيعية, وكل ما بينهما من فرق ينحصر في أن الأول مؤسس على روابط طبيعية تربط أعضاء الصوت بحالات الجسم والنفس بطريقة تجعل هذه الأعضاء تتحرك بشكل آلي وتلفظ أصواتًا خاصة عند وجود حالة من هذه الحالات، على حين أن الثاني قائم على روابط طبيعية تربط جهاز السمع بجهاز الصوت بطريقة تجعل أعضاء الجهاز الثاني تتحرك بشكل آلي, وتلفظ أصواتًا مبهمة عند وصول أصوات إلى الجهاز الأول.
٤- أصوات التمرينات النطقية Exercices vocaux, أو "اللعب اللفظي" Jeu vocal أو "اللغط" Babillage:
يظهر لدى الطفل -حوالي الشهر الخامس- ميل فطري إلى اللعب بالأصوات وتمرين أعضاء النطق, فيقضي فترات طويلة من وقته في إخراج أصوات مركبة متنوعة, عارية عن الدلالة, وعن قصد التعبير, وقد سمى الباحثون هذا النوع من الأصوات بالتمرينات النطقية أو اللعب اللفظي أو اللغط١.
وينتظم هذا النوع جميع الأصوات المدية والمقطعية "حروف اللين والحروف الساكنة", التي يمكن أن تلفظها أعضاء النطق الإنساني, ولذلك كثيرًا ما نجد من بينها أصواتًا غريبة عن اللغة التي ينطق بها آباء الطفل, فكثيرًا ما يرد فيما يلفظه أطفالنا المصريون من هذا النوع أصوات لا وجود لها في لغتنا، كالأصوات التي يرمز إليها في الفرنسية بهذه الحروف V, P, eu
وقد لاحظ الأساتذة: رونجات وميرينجير وجوتمان Ronjat, Maringer, Gutzman أن من بين الأصوات التي يلفظها أطفال الأوروبيين في هذه المرحلة أصواتًا لا يوجد لها نظير إلّا في لغات
стр. 133
الصين، أو اليابان، أو في رطانات زنوج أفريقيا، أو في لهجات السكان الأصليين لأمريكا وأستراليا, ومن لم يظهر فساد ما ذهب إليه فونت وبرييرومور Wundt Preyer Moor؛ إذ زعموا أن أصوات هذه المرحلة تختلف باختلاف الشعوب، وأن أطفال كل أمة لا يلفظون في أثنائها إلّا الأصوات الخاصة بلغة بلادهم، أي: التي يستخدمونها في المرحلة التالية، فكأنهم بذلك يدربون أعضاء نطقهم على ما ستواجهه في المستقبل من مشكلات لغوية خاصة بأمتهم.
ويلاحظ أن الطفل في هذه المرحلة يولع بتكرار الصوت الذي يلفظه من هذا النوع عدة مرات: با بابا -تا تا تا أتيتا..إلخ. ويرجع هذا إلى أسباب كثيرة؛ منها: أن النشاط الحركي يتجه دائمًا إلى الأشكال المتماثلة والأوضاع المتشابهة, ومنها: أن وقف الحركة فجأة يتطلب مجهودًا أكبر من المجهود الذي يتطلبه استمرارها، فالطفل بتكراره هذا يميل أكبر بفطرته إلى أخف المجهودين "وإلى هذا يرجع السبب في حدوث هذه الظاهرة نفسها عند الكبار أحيانًا, وخاصة حينما يسرعون في كلامهم", ومنها: أن الطفل عندما يلفظ صوتًا ما يحدث لديه هذا الصوت إحساسًا سمعيًّا يرتاح إليه ويتلذذ بوقعه، فيكرر الصوت ليتكرر إحساسه هذا، كما أن إحساسه صوت طبلة دقها بيده أو صوت هنة رماها يدعوه إلى تكرار الدق والرمي ليتكرر الصوت نفسه. وهذا مظهر من المظاهر التي أطلق عليها العلامة بلدوين "تقليد الطفل لنفسه" أو "التفاعل الدائري عند الطفل", وتبقى هذه العادة عند الطفل في أوائل المرحلة التالية كما سنذكر ذلك في موطنه١.
ولا يرمي الطفل من وراء هذه الأصوات إلى محاكاة أو تعبير، وإنما تدفعه إليها غرائزه دفعًا كما تدفعه إلى سائر ألعابه, ويجد لذة كبيرة في مجرد لفظها, كما يجد لذة في القيام بألعابه الأخرى.
стр. 134
ويظهر أن الغرض الذي ترمي إليه الطبيعة من دفع الطفل إلى هذا النوع من الألعاب هو تدريب أعضاء نطقه على القيام بوظائفها العامة, وإعداده إعدادًا تامًّا للمرحلة التالية، وهي المرحلة التي يأخذ فيها اللغة عن طريق محاكاته لما يسمعه من المحيطين به١.
غير أنه يظهر كذلك أن بعض الأصوات التي يلفظها الطفل في أواخر هذه المرحلة, والتي تبدو من نوع "التمرينات النطقية", هي في الحقيقة أصوات تقليدية يحاول بها الطفل أن يحاكي ما يسمعه من كلمات؛ فيلفظها لفظًا خاطئًا بعيدًا كل البعد عن الأصل، أو يحاول بها محاكاة النبرات العامة التي تتالف منها الصورة الموسيقية لبعض ما يسمعه من عبارات, ولا أدلَّ على ذلك مما لاحظه الأستاذ جرامون Gramont الفرنسي؛ فقد اختار لابنه مربية إيطالية, ظلت ملازمةً له حتى قبيل انتهاء هذه المرحلة، وبعد شهر تقريبًا من انقطاعها عنه، دخل الطفل في مرحلة التقليد اللغوي، فلاحظ والده حينئذ أنه يلفظ الكلمات الفرنسية بلكنة إيطالية، وأن هذه العادة لم يتخلص منها إلّا بعد أمد طويل, وهذا يدل على أن بعض الأصوات التي كان يلفظها في مرحلة "التمرينات النطقية"؛ إذ كانت مربيته الإيطالية تناغيه بلهجتها، كان يحاول بها تقليد النبرات العامة لحديثها, وأن هذه المحاولات قد مكَّنت أسلوب الصوت الإيطالي من لسانه، وظهرت آثار ذلك في حديثه فيمابعد.
٥- الأصوات التي يحاكي بها الطفل أصوات الأشياء، والحيوانات "هزيز الريح، حفيف الشجر، خرير الماء، جعجعة الرحى، صرير الباب، درداب الطبل، طنطنة الأوتار، دقات الساعة، نفير السيارة، صهيل الفرس. نهيق الحمار، خوار البقر، ثغاء الغنم، نباح الكلب، مواء الهر، صياح الديك، هديل الحمام، نعيق الغراب ... وهلم جرا".
стр. 135
وتعتمد هذه الأصوات على استعداد فطريٍّ عند الطفل، وهو غريزة المحاكاة. مع ذلك، تصدر بشكل إرادي، ويرمي الطفل من ورائها إلى غايات معينة؛ فهو يرمي أحيانًا، إلى مجرد التلذذ بالمحاكاة، أو إثبات قدرته على التقليد، وأحيانًا إلى التعبير عن أمور تتصل بالشيء أو الحيوان الذي يحاكي صوته؛ كأن يحاكي صوت الكلب للتعبير عن رغبته في رؤيته أو عن قدومه ... وما إلى ذلك, وهو يحاكي أحيانًا هذه الأصوات المبهمة في صورتها الطبيعية، وأحيانًا يحاكيها بوضعها في أصوات ذات مقاطع، فيعبر عن صوت الدجاجة مثلًا بكلمة "كاك", وعن صوت الكلب بكلمة "هَوْ" ... وهلم جرا.
٦- الأصوات المركبة ذات المقاطع والدلالات الوضعية التي تتألف منها الكلمات وتتكون منها اللغة:
وهذا النوع من الأصوات يأخذه الطفل عن المحيطين به بطريق التقليد، ويندفع إليه تحت تأثير ميله الفطريّ إلى المحاكاة, ولكنه مع ذلك، إرادي في تكونه وفي استخدامه, أما فيما يتعلق بتكونه، فهو لا يصدر من الطفل بشكل آلي كما تصدر أصواته الوجدانية مثلًا، بل يبذل في إصداره وإصلاح خطئه وتكملة نقصه وجعله مطابقًا للصوت الذي يحاكيه مجهودًا إراديًّا، ويشرف على جميع هذه الأمور إشرافًا مقصودًا، وأما فيما يتعلق باستخدامه، فإن الطفل يلفظه مريدًا به التعبير عن المعاني والحقائق التي يدل عليها, وذلك أن هذه الطائفة من الأصوات لا تنتقل إلى الطفل مجردة، بل تنتقل إليه حاملة معها معانيها, فهو يدرك ما تدل عليه من سياق أعمال المتكلمين بها، ومن الحركات اليدوية والجسمية التي تصحبها، ومن الإشارة الحسية إلى مدلولاتها ... وهلم جرا. فيحاكيها متصورًا معانيها تصورًا كاملًا أو ناقصًا تبعًا لمبلغ الدقة في ملاحظته, وكلما اكتسب لفظًا منها عن هذا الطريق, احتفظ به إلى حين الحاجة إليه، فيلفظه كلما أراد التعبير عن مدلوله١.
стр. 136
٢- أنواع التعبير في الطفولة:
عرضنا في الفقرة السابقة لجميع أنواع التعبير في الطفولة ما عدا واحدًا لم تدع إلى الكلام عنه مناسبة ما في الموضوع السابق، وهو التعبير الإرادي عن المعاني, عن طريق الإشارات اليدوية والجسمية, وإلى هذا النوع من التعبير يلجأ الطفل في جميع مرحل طفولته، فيستخدمه أحيانًا مستقلًّا عن غيره "كأن يمد يده ويفتح نحو شخص ويقبض أصابعه ويبسطها للتعبير عن رغبته في مجيئه بجانبه، أو يقبض أصابعه ويقربها من شفتيه محاكيًا حركة الشرب للتعبير عن حاجته إلى الماء، أو يهوي بيده بحركة عنيفة للتعبير عن الضرب ... وهلم جرا"، وأحيانًا يستخدمه مع الكلام لتكملة ما ينقص حديثه ويعوزه من دلالة, أو لتوكيد المعاني, وتمثيل الحقائق, وزيادة التوضيح.
وبإضافة هذا النوع إلى الأنواع التي عرضنا لها في الفقرة السابقة, يتبين أن مظاهر التعبير في الطفولة ترجع إلى سبعة أقسام:
١- التعبير الطبيعي عن الانفعال عن طريق الأصوات.
٢- التعبير الطبيعي عن الانفعال عن طريق الحركات الجسمية.
٣- التعبير الإرادي عن الانفعال عن طريق محاكاة النوع الأول.
٤- التعبير الإرادي عن الانفعال عن طريق محاكاة النوع الثاني.
٥- التعبير عن المعاني عن طريق محاكاة أصوات الحيوان ومظاهر الطبيعية.
٦- التعبير عن المعاني عن طريق اللغة -الجمل والكلمات.
٧- التعبير عن المعاني عن طريق الإشارات اليدوية والجسمية.
стр. 137
ومجمل هذا أن التعبير في الطفولة لا يخرج عن طائفتين: تعبير عن الانفعالات، وتعبير عن المعاني.
أما التعبير عن الانفعالات فيكون أحيانًا طبيعيًّا, وأحيانًا إراديًّا يحاكى فيه التعبير الطبيعي، وكلاهما يكون عن طريق الصوت, أو عن طريق الحركة, فهذه أربعة.
أما التعبير عن المعاني فلا يكون إلّا إراديًّا, ويحدث أحيانًا عن طريق الإشارة اليدوية أو الجسمية، وأحيانًا عن طريق محاكاة أصوات الحيوانات والأشياء، وأحيانًا عن طريق اللغة, وهذه ثلاثة أنواع.
стр. 138
٣- المراحل التي يجتازها الطفل في أصواته وتعبيراته:
يجتاز الطفل في هذه السبيل أربع مراحل, تمتاز كل منها بمميزات خاصة في أصواته وتعبيراته.
المرحلة الأولى: من الولادة إلى الشهر الخامس:
وفي هذه المرحلة لا يظهر من أنواع الأصوات الستة السابق ذكرها إلّا الأنواع الثلاثة الأولى: "الأصوات الوجدانية"، و"الأصوات الوجدانية الإرادية"، و"أصوات الإثارة السمعية"١.
أما تعبيرات الطفل في هذه المرحلة فتنتظم جميع أنواع التعبير السابق ذكرها٢ ما عدا النوعين الخامس والسادس "التعبير عن المعاني عن طريق اللغة، والتعبير عن المعاني عن طريق محاكاة أصوات الحيوان والأشياء".
فيبدو لديه في هذه المرحلة التعبير الطبيعي عن الانفعال في
стр. 139
مظهرية الصوتي والحركي "البكاء، الصراخ، الضحك، الابتسام، انقباض الأسارير وانبساطها، إحمرار الوجه، إصفراره، ارتعاش الجسم، وقوف شعر الرأس.. وهلم جرا", وتختلف هذه التعبيرات في موعد ظهورها؛ فأول ما يظهر من أنواعها الصوتية الأصوات الدالة على الألم الجسمي وعلى الجوع, وما إلى ذلك، ثم تظهر بعد ذلك -في أواخر الشهر الثاني تقريبا- الأصوات المعبرة عن الألم النفسي؛ كأصوات الحزن والإخفاق وضيق الصدر ... ، أما الأصوات المعبرة عن الحالات السارة جسميها ونفسيها؛ كالفرح والطمأنينة والارتواء والشبع, فلا تبدو إلّا في منتصف هذه المرحلة أو في أواخرها, وتسير التعبيرات الحركية في مواقيت ظهورها على سنن قريب من التعبيرات الصوتية.
وتبدو لدى الطفل كذلك في هذه المرحلة مظاهر "التعبير الوجداني الإرادي"، فكثيرًا ما يتعمد الصبي في شهوره الأولى محكاة تعبيره الطبيعي؛ ليقف المحيطين به على حالة وجدانية متلبس بها، أو ليحملهم على تحقيق رغبة من رغباته "يتعمد مثلًا الصراخ أو البكاء ليقضي له مطلب ما".
ويبدو لديه كذلك في أواخر هذه المرحلة بعض مظاهر من التعبير عن المعاني عن طريق الإشارة؛ فكثيرًا ما يلجأ إلى الإشارات اليدوية والجسمية للتعبير عما يهمه التعبير عنه، كأن يمد يده ويضم أصابع كفه للإشارة إلى شخص بالدنو منه، وكأن يدفع شخصًا بيده للتعبير عن رغبته في أن يبعد عنه ... وهلم جرا.
المرحلة الثانية: من الشهر الخامس إلى أواخر السنة الأولى
وتمتاز هذه المرحلة عن المرحلة السابقة من الناحية الصوتية بظهور نوع جديد من الأصوات, وهي أصوات "التمرينات النطقية", أو "اللعب اللفظي", أو"اللغط" التي تكلمنا فيما سبق عن طبيعتها
стр. 140
ووظائفها وأسسها١, ويتألف معظمها في المبدأ من أصوات لينة "حروف مد", ثم تكثر فيها فيما بعد ذلك الأصوات ذات المقاطع "الحروف الساكنة", وقد تظهر لديه في هذه المرحلة بعض أصوات يحاول بها محاكاة ما يسمعه في صورة ما, كما تقدم بيان ذلك٢.
وأما فيما يتعلق بأنواع التعبير، فلا يظهر منها لدى الطفل في هذه المرحلة أيّ نوع جديد, ولكن ترقى لديه الأنواع القديمة التي تكلمنا عليها في المرحلة السابقة، وبخاصة الإرادي منها، فتكثر محاكاته الإرادية لوسائل التعبير الفطري, وتتهذب طرق تعبيره بالإشارة، ويتسع نطاقه، وتضبط دلالاته.
وفي هذه المرحلة، بل من قبل هذه المرحلة، يختزن الطفل في ذاكرته كثيرًا من الكلمات والجمل التي ينطق بها المحيطون به ويفهم مدلولها بدون أن يستطيع محاكاتها, ويساعده على فهمها سياق أعمال المتكلمين وما يصدر عنهم في أثناء النطق بها من حركات يدوية وجسمية وإشارات إلى ما تدل عليه, فإذا كُلِّفَ الطفل في هذه المرحلة أمرًا ما "اقفل الباب، هات الكوب، ضع لعبتك في العربة ... إلخ" أو طلب إليه الإشارة إلى أحد أعضائه، أو أعضاء غيره, أو إلى هنة ما "أين أنفك، أذنك، أبوك، أمك، عمك، سريرك، لعبتك ... " أدى ما كلفه, وأشار إلى ما يطلب إليه تعيينه من أعضاء وأشياء في صورة تدل دلالة قاطعة على فهمه لما سمع.
وقد ذكر الأستاذ بريير Preyer, أن النطق الواضح بالكلام لم يبدأ عنه ابنه إلّا في الشهر الثامن عشر، مع أنه، منذ الشهور الأخيرة من السنة الأولى، كان يفهم معظم ما يقال له وما يسمعه.
стр. 141
وذكر الأستاذ جويوم أن ابنته "لويز" كانت تفهم معنى كلمة "بابا" منذ الشهر الثالث، مع أنها لم تستطع النطق بها إلّا في الشهر السابع، وأن ابنه بول كان في شهره الرابع يفهم معاني الكلمات الآتية: "بابا"، "بول" "اسمه"، "ثدي"، وفي شهره الخامس كان يفهم كذلك معاني كلمتي "ماما" و"أخي الأكبر"، مع أنه في هذه المرحلة ما كان يستطيع النطق بآية كلمة من هذه الكلمات، وأن نطاق الفهم عند ولديه هذين قد اتسع اتساعًا كبيرًا في الشهور الأولى من مرحلة "التمرينات النطقية"، فكان الولد منها يلوح بيده تلويح الوداع عندما يقال له Adieu "مع السلامة", كما يلوح الكبار بأيديهم عندما يسمعون هذه الصيغة من مودعيهم، ويحاول أن يلبي ما يطلب إليه أداؤه بالقدر الذي تسمح به قواه الجسمية وقدرته على الحركة عندما يطلب إليه أن يرقص أو يجلس أو يقف أو يجيء ... وهلم جرا، ويلبي تلبية صحيحة ما يؤمر به إذا طلب إليه تقبيل أحد أبويه, أو الأخذ بلحية والده, أو شد شعر رأسه، ويشير إلى الشخص أو الهنة التي يطلب إليه الإشارة إليها إذا قيل له: أين أبوك أو ريموند -أخوه, أو الهرة, أو الدجاجة, أو الثدي, أو المدفأة, أو السرير ... وما إلى ذلك، مع أنهما في هذه المرحلة ما كانا ليستطيعا النطق بآية كلمة ولا عبارة من هذه الكلمات والعبارات.
وقد لاحظت على ابنتي عفاف، وهي في أوائل شهرها السادس، أنها كانت تفهم معنى كلمة "بوبول" -اسم كنا نطلقه على هرة بالمنزل، فكانت كلما ذكر أمامها هذا الاسم, صوبت نظرها نحو الأرض وأدراته في نواح كثيرة لتبحث عنها، فإن عثرت عليها حدقت فيها وتابعت حركاتها بنظرها، مع أنها في هذا الدور ما كانت لتستطيع النطق بكلمة ما.
هذا وفهم الطفل للكلمات والجمل يظهر على صورة تدريجية, وأول كلمات يفهم مدلولها هي الكلمات الدالة على أكثر الأشخاص
стр. 142
ملازمة له وأحبهم إليه "بابا، ماما، ددة ... إلخ" وعلى الأمور الضرورية له "أمبو=الماء، مم=الطعام ... " وعلى الأشياء التي تستأثر بانتباهه لغرابتها مثلًا، فقد كانت كلمة طيارة من الفوج الأول من الكلمات التي لاحظت أن ابني إقدامًا يفهم مدلولها -يظهر فهمه لمدلولها في أوائل شهره العاشر, فقد كنا نجلس به في حديقة المنزل، فتحلق بعض الطائرات فوق رءوسنا محدثة دويًّا مزعجً، فاستأثر هذا بقسط كبير من انتباهه, وتمكن معنى الكلمة في ذهنه، فكنا إذا سألناه في وقت لا طائرة فيه فوق رءوسنا: "فين الطيارة يا ميمي" = "أين يا إقدام" رفع بصره إلى السماء كمن يبحث عنها.
المرحلة الثالثة: مرحلة التقليد اللغوي:
تبدأ هذه المرحلة عند العاديين من الأطفال في أواخر السنة الأولى أو أوائل الثانية، وتنتهي في الخامسة أو السادسة أو السابعة, وأما غير العاديين من الناحية اللغوية فقد لا تبدأ لديهم إلّا في أواخر الثانية أو أوائل الثالثة، ويتأخر تبعًا لذلك موعد انتهائها, وعند بعض الشواذ من الأطفال لا تبدأ إلّا في سن متأخرة جدًّا، كما سنذكر لك فيما بعد, وقد تبدأ في حالات نادرة في سن مبكرة جدًّا؛ فقد سجَّل سكوبن Scupin بعض شواهد لها حدثت في الشهر الثاني، ولاحظ مثلها جويوم وشترن في الشهر الثالث، ودارون في الشهر الرابع. ولكن ظهورها في مثل هذه السن نادر جدًّا، والشواهد التي تذكر من هذا القبيل غير موثوق بصحتها كل الوثوق, ويمكن تأويلها على وجه آخر.
وفي هذه المرحلة يظهر النوعان الخامس والسادس من أنواع الأصوات السابق ذكرها "محاكاة أصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة بقصد التعبير عن مصادرها أو عن أمور تتصل بها، ومحاكاة الكلمات بقصد التعبير عن مدلولاتها".
стр. 143
وبظهور هذين النوعين من الأصوات يظهر نوعان جديدان في تعبير الطفل: التعبير عن المعاني عن طريق محاكاة الأصوات الحيوانية وأصوات الأشياء، والتعبير عن المعاني عن طريق محاكاة الأصوات اللغوية, أي: عن طريق اللغة.
وتسير المحاكاة اللغوية في هذه المرحلة على أساليب خاصة بعضها يتعلق بالأصوات وبعضها يتعلق بالدلالة. وسنتكلم عن كل منهما على حدة:
أولًا: الأساليب المتعلقة بالأصوات، ومن أهمها ما يلي:
١- أن الطفل يحاكي في مبدأ الأمر الكلمات التي يسمعها محاكاة خاطئة، ولا يزال يصلح من فاسد نطقه شيئًا فشيئًا، مستعينًا بالتكرار ومعتمدًا على مجهوده الإرادي, ومستفيدًا من تجاربه، حتى تستقيم له اللغة.
ومظاهر أخطائه في هذه الناحية كثيرة, من أهمها ما يلي:
أ- أنه يغيِّر الأصوات فيحل محل الصوت الأصلي صوتًا آخر قريبًا منه في المخرج, أو بعيدًا عنه -ويغلب أن يكون قريبًا منه، فينطق مثلًا الكاف تاء "تتاب=كتاب، الستينة=السكينة ... إلخ"، والشين سينًا "سعر=شعر ... إلخ"، والفاء باء "بيبي=فيفي..إلخ"، والعين أو الخاء همزة "نئناءة=نعناعة، نأم= نعم، أد =خد"، واللام نونًا "نمنة=نملة" ... وهلم جرا. وقد ينال هذا التغيير معظم حروف الكلمة، فلا يكاد يبقى فيها شيء من أصواتها الأصلية "ساساته= شوكولاته"١.
ويظل هذا النوع من الخطأ ملازمًا الطفل حتى أواخر هذه المرحلة، فقد لازم ابنتي عفاف حتى أواخر سنتها الخامسة، فظلت في أثناء هذه السنة تجد بعض الصعوبة في النطق بالشين, وتميل إلى قلبها
стр. 144
سينًا -وكان هذا آخر مظهر لديها من مظاهر الخطأ الذي نحن بصدده. وقد بقيت مظاهر كثيرة منه في لغة أولادي إقدام وحزم ونائل ووفاء إلى أواخر السنة السادسة، وبقي بعض مظاهره، وهو قلب الراء لامًا، في لغة ابني إخلاص حتى أواخر السنة العاشرة.
غير أن نوع الحروف التي ينالها التغيير وكميتها ... كل ذلك يختلف باختلاف السن.
ب- أنه يحرِّفُ أصوات الكلمة عن مواضعها، فيجعل اللاحق منها سابقًا والسابق لاحقًا.
ويلازمه هذا النوع من الخطأ مدة طويلة, فلم تتحرر منه ابنتى عفاف إلّا في أواسط السنة الرابعة، ففي الشهر الخامس من سنها الرابعة كانت لا تزال تقول "امسو" بدل اسمو "اسمه"، و"جمزة" بدل جزمة "حذاء"، و"أحبسو" بدل أحسبو "أحسبه" ... وهلم جرا. ولم يتحرر منه ابني إقدام إلّا بعد أن أتَمَّ سنته الرابعة، وكان من مظاهره لديه "امسو" بدل اسمه، "وجمزة" بدل جزمة، و"حمز" بدل حزم "اسم أخته الصغيرة".
جـ- لا ينطق بجميع أصوات الكلمة، بل يكتفي بلفظ بعضها "تت=تحت، دي=منديل ... إلخ".
وترجع هذه الأخطاء الصوتية جميعها إلى ضعف أعضاء النطق عند الطفل في مبدأ هذه المرحلة، وضعف إدراكه السمعي وذاكراته السمعية، وقلة المرانة، وتأثر عناصر الكلمة بعضها ببعض ... وهلم جرا.
وكلما تقدمت به السن, واشتدت أعضاء صوته, ودقت حاسة سمعه, وقويت ذاكرته, حسن نطقه وقلت أخطاؤه, ويعينه في هذا السبيل ما يبذله المحيطون به من جهود لإصلاح نطقه؛ إذ يكررون له الكلمة عدة مرات، أو ينطقونها على مهلٍ متميزة الحروف، أو ينطقونها بصوت مرتفع ... وما إلى ذلك.
стр. 145
وإلى الأخطاء السابقة, وما إليها يرجع السبب في صعوبة فهم حديثه على غير المحيطين به, وقد خُيِّلَ إلى بعض الباحثين أن الطفل يخترع اختراعًا بعض كلمات في مبدأ هذا الدور, والحق أن الطفل لا يأتي بجديد من عنده، وأن الكلمات التي يظن أنها من اختراعه يرجع جميعها إلى كلمات تقليدية؛ فبعضها محاكاة محرفة كثرت فيها الأخطاء السابق ذكرها, حتى بعدت عن أصلها بعدًا كبيرًا، وبعضها محاكاة صحيحة لكلمات يتعمد بعض الملازمين للطفل أن ينطقوا بها نطقًا محرفًا يتفق مع طريقة نطقه، فهذه الكلمات الأخيرة هي من اختراع الكبار لا من اختراع الطفل.
٢- يولع الطفل في مبدأ هذه المرحلة بما كان مولعًا به في المرحلة السابقة من تكرار المقاطع والكلمات عدة مرات "با با با با با =بابا أي: الوالد، ما ما ما ما = ماما, أي: الأم ... وهكذ معظم الكلمات". وهذا راجع إلى أسباب كثيرة؛ منها: أن الطفل يحاول بذلك أن يثبت الكلمة في ذاكرته, ويمكن لها من أعضاء نطقه حتى يسهل عليه حفظها والنطق بها فيما بعد عند الحاجة إليها, ومنها: أن النشاط الحركي يتجه دائمًا إلى الأشكال المتماثلة والأوضاع المتشابهة, ومنها: أن وقف الحركة فجأة بتكراره هذا يميل بفطرته إلى أخف المجهودين "وإلى هذا يرجع السبب في حدوث هذه الظاهرة نفسها عند الكبار أحيانًا، وخاصة حينما يسرعون في كلامهم". ومنها أن الطفل المبتدئ في الكلام عندما يلفظ كلمة ما، يحدث لديه صوتها إحساسًا سمعيًّا يرتاح إليه ويتلذذ بوقعه، فيكرر الصوت ليتكرر إحساسه هذا، كما أن إحساسه صوت طبلة دقه بيده أو صوت هنة رماها يدعوه إلى تكرار الدق والرمي ليتكرر الصوت نفسه فيتكرر إحساسه به، وهذا مظهر من المظاهر التي أطلق عليها العلامة بلدوين "تقليد الطفل نفسه" أو "التفاعل الدائري عند الطفل".
٣- وفي مبدأ هذه المرحلة يضع الطفل في معظم الكلمات