٣- اختلاف أعضاء النطق باختلاف الشعوب:
تختلف أعضاء النطق في بنيتها واستعدادها ومنهج تطورها تبعًا لاختلاف الشعوب, وتنوع الخواص الطبيعية المزود بها كل شعب, والتي تنتقل عن طريق الوراثة من السلف إلى الخلف. حقًّا أن أعضاء النطق تظل مرنة طوال المرحلة الأولى من مراحل الطفولة, فمن المشاهد أن الطفل في هذه المرحلة لا يستعصي عليه اكتساب أية لغة عن طريق التقليد، مهما كانت هذه اللغة بعيدة عن لغة أبوية، بل في استطاعته أن يكتسب بهذه الوسيلة عدة لغات أجنبية إذا أتيحت له فرصة الاختلاط بالمتكلمين بها، ويصل في إجادتها جميعها إلى درجة لا يستطيع معها أكبر خبير في اللغات أن يميزه من أهلها، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول من هذا الكتاب١. ولكن ليس من شكٍّ في أنه كلما تقدمت به السن ظهرت عنده الاستعدادات الصوتية الكامنة الخاصة بأمته، ورسخت لديه عاداتها الكلامية, فتفقد أعضاء نطقه مرونتها شيئًا فشيئًا، وتتشكل بالشكل الذي فطرت عليه في شعبه، وتسلك في تطورها منهجًا خاصًّا يختلف عن المنهج الذي تسكله أعضاء النطق في الشعوب الأخرى.
ولا يخفى ما يترتب على اختلاف الشعوب بهذا الصدد من آثار خطيرة في التطور الصوتي في مختلف اللغات.
فإلى هذا يرجع بعض السبب في اختلاف اللغة الواحدة في تطورها الصوتي باختلاف الشعوب الناطقة بها, وذلك أنها تسلك في تطورها الصوتي عند كل شعب منها مسلكًا يتفق مع ما فطرت عليه أعضاء نطقه في طبيعتها واستعدادها ومنهج ارتقائها؛ فاللاتينية مثلًا
стр. 317
قد سلكت في تطورها الصوتي عند كل شعب من الشعوب الناطقة بها مسلكًا يختلف عن مسلكها في الشعوب الأخرى، فلم تلبث أن انشعبت من جراء ذلك إلى عدة لغات "الفرنسية، الإيطالية، الأسبانية. البرتغالية، لغة رومانيا ... إلخ", واللغة العربية قد اتجهت كذلك في تطورها الصوتي عند كل شعب من الشعوب الناطقة بها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيره، فلم تلبث أن تولد عنها من جراء ذلك عدة لهجات "عامية العراق، عامية الشام، عامية نجد والحجاز، عامية اليمن، عامية مصر، عامية المغرب ... إلخ١" حقًّا أن كثيرًا من مظاهر هذا الاختلاف ترجع إلى عوامل اجتماعية ونفسية أو إلى آثار البيئة الجغرافية٢، ولكن ليس من شكٍّ في أن بعض هذه المظاهر يرجع إلى العامل الشعبي الذي نحن بصدد الكلام عنه.
وعلى هذا العامل يقع كذلك قسط من التبعة فيما يصيب اللغة من تحريف في أصواتها حينما تنتقل من شعب إلى آخر٣, وذلك أنها تتشكل عند الشعب المنتقلة إليه في الصورة التي تتفق مع ما فطرت عليه أعضاء نطقه في بنيتها واستعدادها، فتبعد بذلك عن أصولها الأولى، ويزداد بعدها هذا كلما اتسعت مسافة الخلف بين أصول الشعبين. فما أصاب لغة الصقالبة من تحريف في ألسنة البلغاريين يفوق كثيرًا ما أصابها عند غيرهم، وذلك لأن الشعب الفيني Finois الذي ينحدر منه البلغاريون لا تربطه صلة قريبة بالأصل السلافي الذي ينتمي إليه الصقالبة٤, وما أصاب الأصوات اللاتينية من تحريفٍ في اللغة الفرنسية يفوق كثيرًا ما أصابها في اللغة الإيطالية، وذلك لأن الإيطاليين أقرب رحمًا إلى قدماء الرومان من الفرنسيين، ففيهم يغلب
стр. 318
الدم اللاتيني، بينما يغلب في الفرنسيين الدم السلتي والجرماني. ولهجات القسم الجنوبي من فرنسا كالجسكونية والبروفنسية Gascon Provencal etc أقرب إلى أصولها اللاتينية من لهجات القسم الشمالي، وذلك أن الدم اللاتيني في سكان الجنوب أغزر منه في سكان الشمال, ولهجات الجنوب نفسها تختلف في مبلغ قربها إلى اللغة اللاتينية تبعًا لاختلاف الناطقين بها في مبلغ قربهم إلى الأصل اللاتيني, ولذلك كانت البروفنسية Provencal أقرب إلى اللاتينية من الجسكونية Gascon؛ لأن البرفنسيين أدنى إلى اللاتينيين من الجسكونيين، ولهجات القبائل العربية النازحة إلى مصر من المغرب "البراعصة، الفوايد، الرماح، الجوزي، أولاد علي، سمالوس ... إلخ" أدنى في ناحيتها الصوتية إلى العربية الفصحى من لهجات المصريين أنفسهم١, وذلك لأنهم أقرب رحمًا إلى العرب من المصريين.
وعلى ضوء هذا العامل يمكن كذلك قياس مسافة الخلف بين "اللهجات المحلية" "وهي اللهجات التي يتكلم بها في منطقة لغوية واحدة كلهجات البلاد المصرية"٢ والوقوف على بعض الأسباب التي تؤدي إلى بعدها بعضًا عن بعض٣, فالمشاهد أن مبلغ اختلاف هذه اللهجات بعضها عن بعض في أصواتها يتبع إلى حد كبير مبلغ اختلاف الناطقين بها بعضهم عن بعض في أصولهم الشعبية, فكلما كان هؤلاء متجانسين في أصولهم ضاقت مسافة الخلف بين لهجاتهم في ناحيتها الصوتية، وكلما تعددت الأصول الشعبية التي ينتمون إليها اتسعت هذه المسافة؛ فلهجات المصريين لا تختلف كثيرًا بعضها عن بعض في هذه الناحية، وذلك لتجانسهم في الأصول التي انحدروا منها, ولهجات المنطقة الشمالية بفرنسا -منطقة باريس وما إليها- تختلف كثيرًا عن لهجات المنطقة الجنوبية منها: "طولون، نيس ... إلخ
стр. 319
Nice, Toulon"؛ ولكن كلتا المنطقتين تحتوي مجموعة متشابهة من اللهجات١, وذلك لأن سكان المنطقة الشمالية يختلفون في أصولهم الشعبية عن سكان المنطقة الجنوبية، ولكن كلتا المنطقتين تضم من السكان مجموعة متجانسة في هذه الأصول. ولهجات المناطق الوسطى بفرنسا يختلف بعضها عن بعض اختلافًا غير يسير، وذلك لتعدد الأصول الشعبية التي ينتمي إليها سكان هذه المناطق٢.
غير أنه من الخطأ المبالغة في أثر هذا العامل والعامل السابق له, كما حاول ذلك بعض الباحثين, ولا أدلَّ على أن أثرهما ليس بالدرجة التي تصورها هؤلاء من أن الطفل من أية أمة, وفي أي عصر, يستطيع بسهولة أن يجيد لغة أمة أخرى, أو عصر آخر عن طريق التقليد, إذا أحيط في دور طفولته بأفراد يتكلمون هذه اللغة، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول هذه الفقرة.
стр. 320
٤- الأخطاء السمعية:
وسقوط الأصوات الضعيفة, ونظرية روسلو ومييه Boussdlot-Meillet:
يعتمد الطفل في محاكاته للغة أبويه على حاسة السمع، كما سبق شرح ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول من هذا الكتاب١. ولما كانت هذه الحاسة عرضة للزلل في إدراكاتها، كان لزامًا أن يجانب الطفل السداد في بعض ما يحاكيه, وأن تختلف لغته بعض الاختلاف في ناحيتها الصوتية عن لغة أبويه.
стр. 321
وتنقسم الأخطاء اللغوية الناجمة عن هذا السبب قسمين:
١- أخطاء خاصة مقصورة على بعض الأفراد؛ كالأخطاء الناجمة عن ضعف السمع أو اختلال أجهزته, وما إلى ذلك, وليس لمثل هذه الأمور شأن كبير في تطور اللغة؛ لأن آثارها مقصورة على أصحابها, تبقى معهم وحدهم في حياتهم وتموت بموتهم.
٢- أخطاء عامة يشترك فيها جميع أفراد الطبقة الواحدة, وتمتاز بها لغتهم عن لغة الطبقة السابقة لهم, وذلك كالأخطاء السمعية الناشئة عن ضعف بعض الأصوات, فقد يحيط بالصوت بعض مؤثرات تعمل على ضعفه بالتدريج، فيتضاءل جرسه شيئًا فشيئًا حتى يصل في عصرٍ ما إلى درجة لا يكاد يتبينه فيها السمع, فحينئذ يكون عرضة للسقوط, وذلك أن معظم الصغار في هذا العصر لا يكادون يتبينونه في نطق الكبار، فينطقون بالكلمات مجردة منه, ولا يفطن الآباء لسقوطه في لغة أولادهم للسبب نفسه الذي من أجله لم يفطن الأولاد لوجوده في لغة آبائهم.
ولا يخفى ما لهذا القسم من الأخطاء من أثر بليغ في تطور اللغة من ناحيتها الصوتية, فإليه يرجع السبب في سقوط كثير من الأصوات في مختلف اللغات الإنسانية, وخاصة في اللغات الهندية - الأوروبية. وقد ظهر أثر هذا العامل أوضح ما يكون في الأصوات الواقعة في أواخر الكلمات؛ كعلامات الإعراب في اللغة العربية.
ويرجع أكبر قسط من الفضل في توضيح هذا العامل وبيان آثاره إلى العلامتين روسلو ومييه Rousselot Meillet, ولذلك تنسب إليهما نظريته١.
стр. 322
٥- تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض:
يحدث بين الأصوات المتجاورة والمتقاربة في الكلمة من ظواهر التفاعل أنواع كثيرة, يؤدي كل نوع منها إلى نتائج ذات بالٍ في التطور الصوتي, ومن أهم ما سجله الباحثون بهذا الصدد الأمور الآتية:
١- التفاعل بين الأصوات الساكنة "ونعني بها ما يقابل أصوات اللين".
يحدث أحيانًا بين الصوتين المتجاورين في الكلمة مثل ما يحدث بين المواد المحملة بالكهرباء, فتجاور مادتين من هذه المواد يحدث بينهما تجاذبًا إذا كانتا مختلفتين في نوع كهربائهما، بأن كانت إحداهما موجبة والأخرى سالبة, وتنافرًا إذا كانتا متحدتين فيه, بأن كانت كلتاهما موجبة أو سالبة, وكذلك يفعل أحيانًا التجاور أو التقارب بين الصوتين:
أ- فإذا تجاور صوتان مختلفان في مخارجهما أو تقاربا, انجذب أحيانًا كل منهما نحو الآخر، فينتهي بهما الأمر إلى واحدة من النتائج الأربع الآتية:
فتارةً يلتصق أحدهما بالآخر، فتنتقل الأصوات التي كانت تفصل بينهما إلى ما بعدهما "ظاهرة النقل المكاني Metethese ١K, كما حدث لحرفي b-r في كلمة berbes إذ تحولت إلى brebis, وفي كلمة abeuvrer, إذ تحولت إلى abreuver.
وتارةً يتحول أحدهما إلى صوت من نوع الصوت الآخر "ظاهرة التشاكل assimilation٢", فأحيانًا يتحول الأول إلى نوع الصوت الثاني،
стр. 323
كما حدث في cercher, إذ تحولت إلى cherher، وكما حدث في اللام الشمسية١ في اللغة العربية؛ إذ تحولت إلى صوت الحرف الذي يليها "التقوى، الثوب، الذنب، الرحمة، الزهر، السماء، الشمس، الصواب، الضر، الطول، الظلم، الناب"، وكما حدث في الكلمة العربية "شمس" إذ تحولت في بعض اللهجات العامية إلى "سمس", وأحيانًا يتحول الثاني إلى نوع الصوت الأول كما حدث في gamba. render, إذ تحولت إلى٢ gamma renner، وكما حدث الكلمة العربية "شمس"؛ إذ تحولت في بعض لهجات الصعيد إلى "شمش".
وأحيانًا يمتزجان معًا، فيتكون من امتزاجهما صوت ثالث به صفات من كليهما، كما حدث في جميع الكلمات التي تجاور فيها صوتا Y L؛ إذ تحول هذان الصوتان في الفرنسية إلى صوت واحد يجمع بين صفتيهما وهو صوت L mouile
وأحيانًا يتلاشى أحدهما في الآخر: فيبقى الثاني وحده، كما حدث في الكلمة اللاتينية accapter؛ إذ تحولت في الفرنسية إلى acheter، أو يبقى الأول وحده، كما حدث في الكلمة اللاتينية cliave؛ إذ تحولت في الإيطالية إلى Chiave "ينطق بها٣ Kyave".
ب- وإذا تجاور صوتان متحدان أو تقاربا, فإنهما يتنافران أحيانًا، فينتهي بهما الأمر إلى واحدة من النتائج الثلاث الآتية:
فتارة يتحول صوت أحدهما إلى صوت مغاير للآخر "ظاهرة
стр. 324
التباين١ dissimilation, ويقع هذا على ضربين؛ فأحيانًا يتحول أولهما كما حدث في orphani nus pereg r inum؛ إذ تحولا في الفرنسية إلى orphe in pe l e rin, وأحيانًا يتحول ثانيهما، كما حدث في الكلمة اللاتينية c r ib rum؛ إذ تحولت في الفرنسية إلى crib l e, وكما حدث لصوتي اللام المشددة في اللاتينية؛ إذ تحول صوتها الثاني إلى ياء في معظم الكلمات الأسبانية castella تحولت إلى castilla "وينطق بها٢ castilya".
وتارةً يسقط أحدهما في النطق، كما حدث في معظم الأصوات المشددة في اللاتينية؛ إذ تحولت في النطق الفرنسي والبرفنسي provencal والأسباني إلى أصوات مخففة٣، وكما حدث في معظم الأصوات المشددة في العربية؛ إذ تحولت في لهجات كثير من بلاد محافظة الشرقية إلى أصوات مخففة "فيقال مثلا كلمى، أمْها، عمْها، من كلْ بدْ" بدلًا من: كلمِّى، أمُّها, من كلِّ بدٍّ".
وتارةً يتساقطان معًا ويحل محلهما صوت واحد غريب عنهما، كما حدث في صوتي اللام المشددة اللاتينية؛ إذ تحولا في الجسكونية Gascon إلى تاء t في حالة وقوعهما في آخر الكلمة, وإلى راء r في حالة وقوعهما بين حرفي لين, "فالكلمتان اللاتينيتان bellum bella" محولا في الجسكونية إلى٤ bet bera".
٢- التفاعل بين أصوات اللين:
وتجاور صوتي لين أو تقاربهما في الكلمة يجعلهما كذلك عرضة للتغير والانحراف.
стр. 325
فتارةً يلتصقان بعد تباعدهما، فتسقط الأصوات التي تفصلهما، ويتكون منهما صوت لين مركب diphtongue، كما حدث في الكلمة الاتينية r e g i na؛ إذ تحولت في الفرنسية القديمة إلى١ reine.
وتارةً يتباعدان بعد التصاقهما، فيقحم بينهما صوت ساكن "أي غير لين" لتسهيل النطق بها، كما حدث في الكلمة الفرنسية القديمة pooir؛ إذ تحولت في الفرنسية الحديثة إلى Pouvoir.
وتارةً يتحول أحدهما إلى صوت لين آخر إذا كانا متحدين، كما حدث في الكلمة اللاتينية V i c j nus؛ إذ تحولت في لغة التخاطب عند الرومان إلى V e c i nus
وتارةً يخرج أحدهما عن فصيلته خروجًا تامًّا؛ فيتحول إلى صوت ساكن٢ "ونعني به ما يقابل أصوات اللين" كما حدث في الكلمة اللاتينية p l a tt e a؛ إذ تحولت إلى p l a tt s a٣, وكما حدث في بعض اللهجات العامية للمقاطعات الفرنسية "أوفرني وفوريه ودوفينيه Auvergne Forez Dauphine"؛ إذ تحولت فيها الكلمات التي من قبيل fsalo tsals إلى fialo lialo٦
стр. 326
٦- موقع الصوت في الكلمة
وموقع الصوت في الكلمة يعرضه كذلك لكثير من صنوف التطور والانحراف.
١- وأكثر ما يكون ذلك في الأصوات الواقعة في أواخر
стр. 327
الكلمات، سواء أكانت أصوات لين أم أصواتًا ساكنة "ونعني بالساكنة ما عدا أصوات اللين".
أ- أما أصوات اللين فقد لوحظ أن وقوعها في آخر الكلمة يجعلها في الغالب عرضة للسقوط، ويؤدي أحيانًا إلى تحولها إلى أصوات أخرى.
فمن ذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد أصوات اللين القصيرة "المسماة بالحركات, وهي الفتحة والكسرة والضمة" التي تلحق أواخر الكلمات؛ ففي جميع اللهجات العامية المنشعبة عن العربية "عاميات مصر والسودان، والعراق والشام ولبنان وفلسطين والحجاز واليمن والمغرب ... إلخ" قد انقرضت هذه الأصوات جميعها، سواء في ذلك ما كان منها علامة إعراب, وما كان منها حركة بناء, فينطق الآن في هذه اللهجات بجميع الكلمات مسكنة الأواخر؛ فيقال مثلًا: رجعْ عمرْ للمدرسةْ بعدْ ما خفْ من عياه" بدلًا من "رجعَ عمرُ إلى المدرسةِ بعدَ ما خفَّ من إعيائه", ولعل هذا هو أكبر انقلاب حدث في اللغة العربية، فقد أتى جميع الكلمات فانتقصها من أطرافها، وجردها من العلامات الدالة على وظائفها في الجملة، وقلب قواعدها القديمة رأسًا على عقب١.
ومن هذا القبيل كذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد أصوات اللين الطويلة "الألف والياء والواو" الواقعة في آخر الكلمات؛ فقد تضاءلت هذه الأصوات في عامية المصريين وغيرهم, حتى كادت تنقرض تمام الانقراض، سواء في ذلك ما كان منها داخلًا في بنية الكلمة. "رمى، يرمي ... إلخ" وما كان خارجًا عنها "ضربوا، ناموا ... إلخ", فيقال مثلًا في عامية المصريين. "سامِ وعيسَ ومصطفَ أبُ حسين سافرُ
стр. 328
يوم الخميس لجرجَ" بدلَا من "سامي وعيسى ومصطفى أبو حسين سافروا يوم الخميس إلى جرجا"١.
وما حدث في اللغة العربية حدث في مثله في كثير من اللغات الأخرى, فمعظم أصوات اللين المتطرفة في اللغة اللاتينية قد انقرضت في اللغات المنشعبة عنها٢؛ ففي الأسبانية سقط من هذه الأصوات صوتان وهما٣ l E، وفي البروفنسية provencal والفرنسية القديمة لم يكد يبقى شيء منها٤, وبعض هذه الأصوات قد تحول إلى أصوات لين أخرى كما حدث لصوت "a" إذ تحول في الفرنسية القديمة إلى٥ "e" canta chante linta lente fava feve
ب- ووقوع الصوت الساكن "ونعني به ما يقابل الصوت اللين" في آخر الكلمة يجعله كذلك عرضة للتحول أو السقوط.
فمن ذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد التنوين ونون الأفعال الخمسة والهمزة والهاء المتطرفين٦؛ فقد انقرضت هذه الأصوات في معظم اللهجات العامية المنشعبة عن العربية، كما يظهر ذلك من الموازنة بين العبارات العربية المدونة في السطرين التاليين ونظائرهما في عامية المصريين المدونين في أول الصفحة التالية:
محمدٌ ولدٌ مطيعٌ، الأولاد يلعبون، الهواء شديدٌ, انظرته ساعةً كاملةً.
стр. 329
محمدْ ولدْ مطيعْ، الأولادْ بيلعبُ، الهوَ شديدْ، انتظرتُ ساعَ كامْلَ.
ومن هذا القبيل كذلك حذف آخر الكلمة التي يوقف عليها في عامية كثير من المناطق المصرية؛ كبعض مناطق بني سويف والشرقية ورشيد وغيرها، فيقال مثلًا: "أنت ياول" بدلًا من "أنت يا ولد", "فين أخوك محمود" بدلًا من "أين أخوك محمود", "ادِّيلُ خمسأرو" بدلًا من "أد له خمسة قروش"١.
وما حدث في اللغة العربية بهذا الصدد حدث مثله في كثير من اللغات الأخرى, فمعظم الأصوات الساكنة المختتمة بها الكلمات اللاتينية قد انقرضت في النطق الفرنسي, أو تحولت إلى أصوات ساكنة أخرى أضعف منها, أو إلى أصوات لين.
أما الانقراض فلم يكد ينجو منه إلّا القليل من أنواع هذه الأصوات plunbum, تحولت في الفرنسية إلى plomb التي ينطق بها plon بدون صوت الباء الأخير، compus تحولت في الفرنسية إلى champ ينطق بها chan بدون صوت p الأخير ... إلخ٢. ومن ذلك أيضًا حذف علامة الجمع S في النطق الفرنسي، وبذلك أصبح المفرد وجمعه المختتم بصوت S سيين في النطق ولا يختلفان إلّا في الرسم.
وأما تحولها إلى أصوات ساكنة ضعيفة فقد حدث في كثير من الكلمات المنتهية بأصوات مدوية sonores مثل أصوات v d d؛ إذ تحولت في الفرنسية القديمة هذه الأصوات القوية إلى أصوات ضعيفة صامتة مثل أصوات f t p "na v em gran dem تحولتا في الفرنسية القديمة إلى vef grant" وقد جرت عادة العلماء أن يطلقوا على
стр. 330
هذه الظاهرة اسم "توهين الأصوات الساكنة الأخيرة.
assourdissement des consonnes sonores finales١
وأما تحولها إلى أصوات لين فقد حدث على الأخص في حرف اللام المتطرفة "vocalisation de "١' final"٢.
هذا، وقد أحدث سقوط الأصوات اللينة والساكنة الواقعة في أواخر الألفاظ انقلابًا كبيرًا في عالم اللغات, فقد كان من آثاره انقراض "طريقة الإعراب" في كثير من اللغات التي كانت تسير عليها كالعربية واللاتينية وما إليهما٣.
٢- ووقوع الصوت في وسط الكلمة يعرضه كذلك لكثير من صنوف التطور والانحراف.
فمن ذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد الهمزة الساكنة الواقعة في وسط الثلاثي, فقد تحولت إلى ألف لينة في عامية المصريين وغيرهم "فيقال: راس، فاس، فال، ضاني ... بدلًا من: رأس، فأس، فأل، ضأن ... إلخ".
ومن هذا القبيل كذلك ما حدث بصدد الياء والواو الساكنتين في وسط الكلمة في مثل عين ويوم, فقد تحولتا في بعض المناطق المصرية وغيرها إلى صوتين من أصوات اللين: فأولهما تحول إلى صوت يشبه صوت ai e في اللغة الفرنسية "عين، خيل، بين، زينب ... إلخ" وثانيهما تحول إلى صوت يشبه صوت o الفرنسي "يوم، نوم، فوز، لوم ... إلخ".
стр. 331
ومن ذلك تحريك الحرف الساكن إذا وقع في وسط كلمة ثلاثية في كثير من لهجات البلاد العربية "عامية الشرقية، وبعض عاميات الصعيد، ولهجات القبائل العربية النازحة إلى مصر من المغرب، ولهجة العراق ... إلخ"، فيقال مثلًا: اسِم، رَسِم، مِصر، جُرُن، بِدرِ، فَحلِ، فِجلِ, بدلًا من: اسمْ، رسمْ، مصْر، جرنْ، بَدْر، فَحْل، فجْل ... إلخ١.
وقد سجل الباحثون ظواهر كثيرة من هذا القبيل في اللغات الهندية - الأوربية.
فمن ذلك ما حدث بصدد صوت اللين القوي tonique الواقع قبيل آخر الكلمة، وخاصة إذا كان حرًّا Voyelle libre, أي: متبوعًا بصوت ساكن واحد, أو بصوتين من إحدى المجموعات الآتية: br cr dr tr, فقد تحول هذا الصوت في معظم حالاته في اللغات الاتينية والجرمانية واليونانية القديمة إلى صوت لين مركب diphtongue. وأشد أصوات اللين اتجاهًا إلى هذا التحول صوتان هما e o، وأقل منهما ميلًا إلى ذلك صوتا e o، وأقلها جميعًا ميلًا إلى هذا التحول صوتا U i, فإنه لم يكد يبدو فيها هذا الميل إلّا في اللغات الجرمانية "scinan تحولت في الألمانية scheinen وينطق بها chainen، وفي الإنجليزية إلى shine وينطق بها٢ shaine".
ومن ذلك ما حدث للصوت الساكن الواقع بين صوتي لين, فموقعه هذا قد أدى به أحيانًا إلى السقوط, وأحيانًا إلى الانحراف عن مخرجه الأصلي والتحول إلى صوت آخر؛ فصوت الباء b قد تحول في لغة التخاطب اللاتينية إلى صوت v "faba تحولت إلى fava٣، وصوت السين قد تحول في اللاتينية إلى راء "arbosis تحول
стр. 332
إلى arboris" وصوت الدال a في الكلمات اللاتينية قد تحول إلى z في البروقنسية١ وسقط في الفرنسية والأسبانية.
latin: videre; provene Wal: vezer; francais: veoer, voir; espagnol: veer ver, وصوتا اللام والنون الواقعتان بين صوتي لين قد سقطا في اللغة البرتغالية في العصور الوسطى "p o pu l u s تحول إلى: rationem povo تحول إلى razoe.. إلخ", والأصوات الصامتة "p t k etc" consonnes الواقعة بين صوتي لين قد تحولت في اللاتينية الحديثة حوالي القرن السادس إلى أصوات مدوية consonnes sonores قريبة منها b d g etc, وإلى هذا الحد وقف تطور هذا النوع في الأسبانية والبروفنسية. أما في الفرنسية الحديثة فقد حدث تحول آخر؛ إذ انقلب صوت الباء b إلى V وسقط صوتا الدال والجيم d g كما يظهر ذلك من الأمثلة الآتية٢.
latin: ripa; amata; securus
esp. et prov: libera "riba" amada, segur "o
francais: rive, aimee, sur
٣- ووقوع الصوت في أول الكلمة يجعله كذلك عرضة للانحراف, فمن ذلك ما حدث في بعض المفردات العربية المفتتحة بالهمزة؛ إذ تحولت همزتها في بعض اللهجات العامية إلى فاء أو واو "أذن" تحولت في عامية المصريين إلى "ودن"، و"أين" تحولت إلى "فين" أو إلى "وين" في عامية القبائل العربية النازحة إلى مصر من المغرب وفي عامية العراق والحجاز، و"أدّى" تحولت في بعض المواضع في عامية المصريين إلى "وى", فيقال مثلًا: "وداه المدرسة" بمعنى "أدى به إلى المدرسة" أي: أوصله إليها"٣.
стр. 333
٤- وقد تتبادل الأصوات مواقعها في الكلمة ويحل بعضها محل بعض، فيتقدم المتأخر منها ويتأخر السابق, وتسمى هذه الظاهرة "بالنقل المكاني" "Metathese", كما حدث في Abeuvere؛ إذ تحولا إلى abreuver brebis، وكما حدث في الكلمة العربية "أرانب" إذ تحولت في عامية القاهرة وغيرها إلى "أنارب".
стр. 334
٧- تناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض:
وفيما عدا الحالات السابقة قد لوحظ أن الأصوات المتحدة النوع تتناوب ويحل بعضها محل بعض, وقد سجَّل الباحثون ظواهر كثيرة بهذا الصدد, بعضها خاص بأصوات اللين, وبعضها يتعلق بالأصوات الساكنة.
١- أما تناوب أصوات اللين فلم تكد تخلو منه لغة من اللغات الإنسانية؛ ففي اللغة العربية حدث تناوب واسع النطاق بين أصوات اللين القصيرة "التي يرمز إليها بالفتحة والكسرة والضمة", ويمثل هذا التناوب انقلابًا من أهم الانقلابات التي اعتورت هذه اللغة, فقد كان من آثاره أن انحرفت أوزان الكلمات وانقلبت أشكالها رأسًا على عقب، حتى لا نكاد نجد في اللهجات العامية كلمة واحدة باقية على وزنها العربي القديم؛ فالفتحة قد استبدل به الضمة أحيانًا, والكسرة في كثير من الأحوال, فبدلًا من: يَعوم، يَسجد، يَسمع، عَثر، خَلص، سَكت, كبير، أ َلكتاب.. إلخ" يقال في عامية المصريين: يُعوم: يُسحد، يِسمع، عِتِر أو عُنُّر، خِلِص أو خُلُّص، سِكِت أو سُكُت، كِبير، اِلكتاب ... إلخ"، والكسرة قد استبدل بها الضمة أحيانًا والفتحة في كثير من الأحوال, فبدلًا من: يلِطم، يضرِب، يسرِق، عِند ... إلخ, يقال في عامية المصريين: يلُطم، يضرَب، يسرَأ، عَند ... إلخ"، والضمة قد استبدل بها الفتحة
стр. 335
أحيانًا, والكسرة في معظم الحالات؛ فبدلًا من: مُحمد، ثُعبان، أُنثى، عُثَّة، يقتُل، يذُم، ظُفرَ ... إلخ، يقال في عامة المصريين: مَحمد، تِعبان، انتاية، عِنَّة، يئتِل، يزِم، ضِفر ... إلخ".
وحدث كذلك تناسخ في أصوات اللين الطويلة نفسها، وخاصة في الألف اللينة؛ إذ أميلت في لغات بعض القبائل العربية القديمة، وتمال الآن في كثير من لهجات المغاربة وفي لهجات القبائل العربية النازخة إلى مصر من المغرب, وفي بعض اللهجات في بلاد الشرقية.
وما حدث في اللغة العربية بهذا الصدد حدث مثله في اللغات الأوربية.
فمن ذلك تحول أصوات اللين المركبة diphtongue إلى أصوات لين بسيطة في كثير من هذه اللغات؛ فاللغة الفرنسية مثلًا قد تحول في نطقها معظم أصوات اللين المركبة إلى أصوات لين بسيطة، وإن كانت لا تزال ترسم حسب حالتها القديمة "ai ei au eau eu etc", وعلى هذه الظاهرة يقع قسط كبير من التبعة في صعوبة الرسم الفرنسي وعدم مطابقته للنطق١, وما حدث في اللغة الفرنسية بهذ الصدد حدث مثله في سائر اللغات الأوربية, وخاصة الأسبانية والإيطالية والألمانية والإنجليزية٢.
ومن ذلك أيضًا تحول صوت a إلى صوت في عدد كبير من مفردات اللغة اليونانية, وفي بعض مواطن في اللغتين السلتية والفرنسية, وقد لوحظ أن هذا التحول يتم بالتدريج، فينحرف صوت a إلى صوت آخر قريب منه، وهذا حتى يصل إلى i, ولوحظ كذلك أنه يقطع لهذه الغاية أحد طريقين: طريق قصير وهو a e e i وطريق طويل وهو a o o ou ui. ولم يحدث مطلقًا أن قطع في تطوره سبيلًا آخر غير هذين الطريقين أو تخطى مرحلة من المراحل المرسومة في كليهما، أو غير شيئًا في ترتيبها السابق بيانه.
стр. 336
٢- وأما تناسخ الأصوات الساكنة فقد حدث كذلك في جميع اللغات الإنسانية, فكثير من الأصوات الساكنة في اللغة العربية قد تناسخت في اللهجات العامية وحل بعضها محل بعض, فالسين قد تحولت إلى صاد في بعض المواطن ""ساخن" تحولت إلى "صاخن" في عامية الشرقية وغيرها"، والصاد إلى سين في كثير من الألفاظ في عامية القاهرة وغيرها, فبدلًا من يصدق، مصير ... إلخ، يقال: يسدق، مسير", والضاد إلى ظاء في عامية المغرب وخاصة برقة، وفي لهجة العراق، وفي لهجة نجد والقصيم, وفي لهجات القبائل العربية النازحة إلى مصر من الغرب١ "فبدلًا من: وضوء، يضيع، يضرب، يضم ... إلخ، يقال: وظوء، يظيع، يظرب، يظم ... إلخ"، والعين إلى نون في بعض الكلمات في لهجة العراقيين، فيقال مثلًا: "ينطي" بدلًا من "يعطي"٢، واللام إلى ميم في بعض الكلمات في عامية القاهرة "امبارح" بدلًا من "البارحة"٣، والميم إلى نون أحيانًا في عامية المصريين "فيقال: "فاطنة" بدلًا من "فاطمة"..وهلم جرا.
وما حدث في اللغة العربية بهذا الصدد حصل مثله في اللغات الهندية - الأوربية؛ فمن ذلك تحول صوت w في اللغة اللاتينية "وكان ينطق به كما ينطق به الآن في الإنجليزية, وكما ينطق بالواو في العربية" إلى صوت v. فقد أخذ الصوت الأول، منذ بدأ العصور الوسطى، يدنو شيئًا فشيئًا من الصوت الأخير, حتى استبدل به في كثير من الكلمات في معظم اللغات المنشعبة عن اللاتينية٤.
стр. 337
ومن هذا القبيل كذلك ما حدث في صوت c المتبوع بصوت a في الكلمات اللاتينية, فقد تحول في اللغة الفرنسية في معظم مواطنه إلى canem caballum تحولًا في الفرنسية إلى chien cheval"١.
ومن ذلك أيضًا ما حدث في اللغات الجرمانية من تناوب بين المجموعات الثلاثة الآتية من الأصوات: p, t,b" ‘"b, d, g" f, th, kh" فإن كل صوت من أصوات المجموعة الأولى قد تحول إلى ما يقابله في الترتيب من أصوات المجموعة الثانية، وأصوات المجموعة الثانية تحولت بهذا النظام إلى أصوات الثالثة، وأصوات الثالثة إلى أصوات الأولى, فبالموازنة بين الكلمات الجرمانية وأصولها في اللغات الهندية - الأوربية القديمة, ونظائرها في اللاتينية والإغريقية يظهر أن الأصوات الآتية المدونة في السطر الأول قد تحولت في اللغات الجرمانية إلى الأصوات المدونة تحتها في السطر الثاني:
bdg p t k f "ph" th kh
p t k f "ph" th kh "gh" b d g
كما يظهر ذلك في الأمثلة الآتية:
"sanscrit" "Latin" "Anglais"
pitar pater father
frater brother
dentis touth
genu knee
pedis fout
وقد حدث في بعض اللغات الجرمانية في العصور الوسطى تطور ثانٍ في الأصوات الجديدة التي نجمت عن التطور الأول، فتحولت هذه الأصوات نفسها إلى ما يقابلها في الجدول السابق, وحدث في اللغة الألمانية في العصور الحديثة تطور ثالث في الأصوات التي جاء بها
стр. 338
التطور الثاني وفقًا للخطة نفسها المرسومة آنفًا، وقد أدى ذلك إلى رجوع بعض هذه الأصوات إلى الأصل الذي كانت عليه قبل التطور الأول؛ فالتاء مثلًا t في كلمة frater, قد تحولت إلى ذاك th, فأصبحت bruther, ثم تحولت هذه الذال إلى دال d فأصبحت bruder، وهذه الدال قد تحولت في الألمانية الحديثة إلى تاء فأصبحت bruter، وبذلك عاد هذا الصوت بعد هذه التطورات الثلاثة إلى الأصل القديم الذي كان عليه قبل التطور الأول, وهذا هو ما اصطلح علماء اللغة من الألمان على تسميته "بالدورة الثلاثية"١.
стр. 339
الفصل السادس: الدلالة وتطورها
أنواع التطور الدلالي
...
الفصل السادس: الدلالة وتطورها:
La Semantique
ذكرنا في فاتحة الفصل السابق أن أهم ظواهر اللغة ترجع إلى ناحيتين رئيسيتين, وهما الظواهر المتعلقة بالصوت, والظواهر المتعلقة بالدلالة، وأن كلتا الناحيتين في تطور مطرد وتغير مستمر، وأنها في تطورها وتغيرها تتأثر بعوامل شتّى, وتخضع لطائفة كبيرة من القوانين, وقد فرغنا في الفصل السابق من دراسة الناحية الأولى، وهي المتعلقة بالصوت وتطوره، وسنقف هذا الفصل على دراسة الناحية الثانية وهي المتعلقة بالدلالة.
١- أنواع التطور الدلالي:
ترجع أهم ظواهر التطور الدلالي إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: تطور يلحق القواعد المتصلة بوظائف الكلمات، وتركيب الجمل, وتكوين العبارة.. وما إلى ذلك؛ كقواعد الاشتقاق والصرف "المورفولوجيا", والتنظيم "السنتكس" ... وهلم جرا. وذلك كما حدث في اللغات العامية المنشعبة من اللغة العربية؛ إذ تجردت من علامات الإعراب١, وتغيرت فيها قواعد الاشتقاق٢,واختلفت مناهج تركيب
стр. 340
العبارات١.
وثانيها: تطور يلحق الأساليب، كما حدث في لغات المحادثة العامية المنشعبة عن العربية؛ إذ اختلفت أساليبها اختلافًا كبيرًا عن الأساليب العربية الأولى، وكما حدث للغة الكتابة في عصرنا الحاضر؛ إذ تميزت أساليبها عن أساليب الكتابة القديمة تحت تأثير الترجمة والاحتكاك بالآداب الأجنبية ورقيّ التفكير وزيادة الحاجة إلى الدقة في التعبير عن حقائق العلوم والفلسفة والاجتماع ... وهلم جرا.
وثالثها: تطور يلحق معنى الكلمة نفسه، كأن يخصص معناها العام، فلا تطلق إلّا على بعض ما كانت تطلق عليه من قبل، أو يعمم مدلولها الخاص؛ فتطلق على معنًى يشمل معناها الأصلي ومعاني أخرى تشترك معه في بعض الصفات، أو تخرج عن معناها القديمة فتطلق على معنًى آخر تربطه به علاقة ما، وتصبح حقيقة في هذا المعنى الجديد بعد أن كانت مجازًا فيه، أو تستعمل في معنى غريب كل الغرابة عن معناها الأول..وهلم جرا.
стр. 341
٢- خواص التطور الدلالي ومناهجه:
للتطور الدلالي بمختلف أنواعه خواص كثيرة تشبه في جملتها خواص التطور الصوتي التي أشرنا إليها في الفصل السابق١ ومن أهم هذه الخواص ما يلي:
١- أنه يسير ببطء وتدرج, فتغير مدلول الكلمة مثلًا لا يتم بشكل فجائي سريع، بل يستغرق وقتًا طويلًا، ويحدث عادةً في صورة
стр. 342
تدريجية، فينتقل إلى معنًى آخر قريب منه، وهذا إلى ثالث متصل به ... وهكذا دواليك، حتى تصل الكلمة أحيانًا إلى معنًى بعيد كل البعد عن معناها الأول, فكلمة bureau مثلًا كانت تطلق في المبدأ على صنف خاص من الأقمشة "Etoffe de bure"، ثم أطلقت على غطاء مائدة المكتب لاتخاذه غالبًا من هذا الصنف، ثم أطلقت على مائدة المكتب نفسها، ثم أطلقت على مقر العمل والإدارة لملازمة المكتب لهما, فلا علاقة مطلقًا بين أول مدلول لهذه الكلمة وهو القماش الصوفي, وآخر مدلول لها وهو مقر العمل والإدارة، على حين أن العلاقة وثيقة بين كل معنًى من المعاني التي اجتازتها والمعنى السابق له١.
٢- أنه يحدث من تلقاء نفسه بطريق آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية؛ فسقوط علامات الإعراب في اللهجات العربية الحاضرة، وتغير أوزان الأفعال٢، وتأنيث بعض الكلمات المذكرة، وتذكير بعض الكلمات المؤنثة٣، وجمع صفة المثنى٤، وتأخر الإشارة عن المشار إليه٥، وتزحزج كثير من المفردات عن مدلولاتها الأولى إلى معانٍ جديدة ... كل ذلك وما إليه قد حدث من تلقاء نفسه في صورة آلية لا دخل فيها للتواضع أو إرادة المتكلمين.
٣- أنه جبري الظواهر؛ لأنه يخضع في سيرة لقوانين صارمة
стр. 343
لا يد لأحد على وقفها أو تعويقها، أو تغيير ما تؤدي إليه. وإليك مثلًا حالة اللغة العربية؛ فعلى الرغم من الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل صيانتها ومحاربة ما يطرأ عليها من لحن وتحريف، ومع أن هذه الجهود كانت تعتمد على دعامة من الدين، فإن ذلك كله لم يحل دون تطورها في القواعد والأساليب ودلالة المفردات إلى الصورة التي تتفق مع قوانين التطور اللغوي، فأصبحت على الحالة التي هي عليه الآن في اللهجات العامية.
غير أن علماء اللغة لم يصلوا بعد إلى الكشف عن جميع القوانين التي يسير عليها التطور الدلالي، وما كشفوه منها لم يصل بعد في دقته وضبطه وعمومه إلى مستوى القوانين المتعلقة بالتطور الصوتي، كما أشرنا إلى ذلك وإلى أسبابه في مقدمة هذا الكتاب١.
٤- إن الحالة التي تنتقل إليها الدلالة ترتبط غالبًا بالحالة التي انتقلت منها بإحدى العلاقتين اللتين يعتمد عليهما تداعي المعاني٢، ونعني بهما علاقتي المجاورة والمشابهة٣: فتارة يعتمد انتقال الدلالة على علاقة المجاورة المكانية؛ كتحول معنى "ظعينة" "معناها في الأصل المرأة في الهودج" إلى معنى الهودج نفسه, وإلى معنى البعير٤، وتحول معنى ذقن في عامية المصريين إلى معنى اللحية٥، وتحول bureau من غطاء المكتب إلى المكتب نفسه، وكتأنيث الرأس في عامية بعض المناطق المصرية "انتقل إليه التأنيث من الأعضاء المؤنثة المجاورة له وهي العين والأذن" ... وهلم جرا. وتارةً يعتمد على علاقة المجاورة الزمنية؛ كتحول معنى العقيقة "هي في الأصل الشعر
стр. 344
الذي يخرج على الولد من بطن أمه" إلى معنى الذبيحة التي تنحر عند حلق الشعر١ وتكذيب كلمة ete "فصل الصيف" التي كانت مؤنثة في الأصل لمجاورة مدلولها مجاورة زمنية لمدلول كلمة مذكرة وهي printimps فصل الربيع٢, وتارة يعتمد على علاقة المشابهة؛ كتحول معنى "الأفن" "وهو في الأصل قلة لبن الناقة" إلى معنى قلة العقل والسفه، وتحول معنى "المجد" "وهو في الأصل امتلاء بطن الدابة من العلف" إلى معنى الامتلاء بالكرم.... وهلم جرا٣.
٥- أن التطور الدلالي في غالب أحواله مقيد بالزمان والمكان, فمعظم ظواهره يقتصر أثرها على بيئة معينة وعصر خاص, ولا نكاد نعثر على تطور دلالي لحق جميع اللغات الإنسانية في صورة واحدة ووقت واحد..
٦- أنه إذا حدث في بيئته ما ظهر أثره عند جميع الأفراد الذين تشملهم هذه البيئة, فسقوط علامات الإعراب في لغة المحادثة المصرية مثلًا لم يفلت من أثره أي فرد من المصريين.
ومن هذه الخواص يتبين فساد كثير من النظريات القديمة بصدد هذا التطور.
стр. 345
فليس بصحيح ما ذهب إليه بعض العلماء من أن هذا التطور يحدث نتيجة لأعمال فردية اختيارية يقوم بها بعض الأفراد وتنتشر عن طريق المحاكاة١.
وليس بصحيح ما ذهب إليه أعضاء المدرسة الإنجليزية وبعض الباحثين من الفرنسيين؛ كالعلامة بريال Breal؛ إذ يرون أن التطور الدلالي يسير باللغة نحو التهذيب والكمال, ويسد ما بها من نقص, ويخلصها مما لا تدعو إليه الحاجة٢, وذلك أن اتجاهات كهذه لا يمكن أن تتحقق إلّا في تطور اختياري مقصود تقوده الإرادة الإنسانية في سبيل الإصلاح, أما وقد ثبت أن التطور الذي نحن بصدده تطور تلقائي آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية، فلا يتصور أن يتقيد في اتجاهه بالسبل التي تقول بها هذه النظرية.
وأن موازنة بين الحالة التي كانت عليه اللغة العربية فيما يتعلق بدلالة ألفاظها وقواعدها في الإعراب وغيره وما آلت إليه في اللغة العامية الحاضرة لأكبر دليل على ما نقول, فمن الواضح أن هذا التطور لم يتجه دائمًا نحو التهذيب والكمال، بل أدّى في معظم مظاهره إلى اللبس في دلالة الكلمات والخلط بين وظائفها وأنواعها، وجرَّدَ اللغة مما به من دقة وسمو، وهوى بها إلى منزلة وضيعة في التعبير, وما حدث في اللغة العربية بهذا الصدد حدث مثله في كثير من اللغات, وإليك مثلًا قواعد اللغة اللاتينية التي انقرضت في اللغات المنشعبة عنها, فإن معظم هذه القواعد كبير الفائدة في بيان وظيفة الكلمات وتحديد مدلولاتها وتعيين العلاقات التي تربط عناصر العبارة بعضها ببعض، وقد أدى انقراض هذه القواعد في اللهجات المنشعبة عن اللاتينية إلى كثير من اللبس والاضطراب.
стр. 346
حقًّا إن هذه المذاهب تصدق على بعض مظاهر التطور الدلالي الخاص بلغات الكتابة, فتطور لغات الكتابة يعتمد في كثير من نواحيه على عوامل أدبية مقصودة ترمي إلى تنقيح اللغة وتهذيبها والسير بها في سبيل الكمال، كما أشرنا إلى ذلك في الفقرة الرابعة من الفصل الرابع١.
стр. 347
٣- عوامل التطور الدلالي:
عرضنا في الفصول السابقة لطائفة كبيرة من عوامل التطور في القواعد والأساليب, وأشرنا في شيء من التفصيل إلى مختلف آثارها في كثير من اللغات الإنسانية١, ولكن لم يتح لنا فيما سبق أن نوفي البحث في عوامل النوع الثالث من أنواع التطور الدلالي، وهو التطور في معاني الكلمات، ولذلك سنقصر عليها دراستنا في هذ الفقرة.
لهذا النوع من التطور عوامل كثيرة, من أهمها الطوائف الآتية:
١- عوامل تتعلق باستخدام الكلمات، فمدلول الكلمة يتغير تبعًا للحالات التي يكثر فيها استخدامها.
فكثرة استخدام العام مثلًا في بعض ما يدل عليه يزيل مع تقادم العهد عموم معناه, ويقصر مدلوله على الحالات التي شاع فيها استعماله, ولدينا في اللغة العربية وحدها الآف من أمثلة هذا النوع؛ فمن ذلك جميع المفردات التي كانت عامة المدلول, ثم شاع استعمالها في الإسلام في معانٍ خاصةٍ تتعلق بالعقائد أو الشعائر أو النظم الدينية؛ كالصلاة والحج, والصوم, والمؤمن, والكافر, والمنافق, والركوع, والسجود ... وهلم جرا. فالصلاة مثلًا معناها في الأصل الدعاء٢, ثم شاع استعمالها
стр. 348
في الإسلام في العبادة المعروفة لاشتمالها على مظهر من مظاهر الدعاء، حتى أصبحت لا تنصرف عند إطلاقها إلى غير هذا المعنى، والحج معناه في الأصل: قصد الشيء والاتجاه إليه، ثم شاع استعماله في قصد البيت الحرام، حتى أصبح مدلوله الحقيقي مقصورًا على هذه الشعيرة, وقس على ذلك جميع أفراد هذ الطائفة, ومن ذلك أيضًا كلمة "الرث" فقد كانت تطلق على الخسيس من كل شيء, ثم قصر مدلولها على الخسيس مما يفرش أو يلبس لكثرة استخدامها في هاتين الطائفتين، وكلمة "المدام" فهي في الأصل كل ما سكن ودام، ثم شاع استعمالها في الخمر لدوامها في الدن، أو لأنه يغلى عليها حتى تسكن، فأصبحت لا تنصرف إلى غير هذا المعنى.
وكثرة استخدام الخاص في معانٍ عامة عن طريق التوسع, تزيل مع تقادم العهد خصوص معناه وتكسبه العموم, فمن ذلك مثلًا في اللغة العربية: البأس والورد والرائد والنجعة والحوة ... وهلم جرا: فالبأس في الأصل الحرب, ثم كثر استخدامه في كل شدة، فاكتسب من هذا الاستخدام عموم معناه، وأصل الورد إتيان الماء وحده, ثم صار إتيان كل شيء وردًا، لكثرة استخدامه في هذا المعنى العام، والرائد في الأصل طالب الكلأ, ثم صار طالب كل حاجة رائدًا، والنجعة في الأصل طلب الغيث, ثم عممت في الاستخدام فأصبح كل طلب انتجاعًا، والحوة في الأصل شية من شيات الخيل، وهي بين الدهمة والكمتة، ثم توسّع في استعمالها حتى صار كل أسود أحوى، فيقال ليل أحوى، وشعر أحوى. ومن ذلك في اللغة الفرنسية كلمة salaire؛ فقد كان معناها في الأصل -كما تدل على ذلك بنيتها: ما يصرف للجندي من نقود في نظير ما يحتاج إليه من ملح الطعام، ثم شاع استعمالها في كل أجرة حتى نسي معناها الأصلي، وكلمة arriver: فقد كانت تدل في الأصل -كما تشير إلى ذلك بنيتها- على الوصول إلى الشاطي، ثم شاع استعمالها في كل وصول، فاستقر معناها على هذا الوضع العام.
стр. 349
وكثرة استخدام الكلمة في معنًى مجازيّ تؤدي غالبًا إلى انقراض معناه الحقيقيّ, وحلول هذا المعنى المجازي محله؛ فمن ذلك مثلًا في اللغة العربية كلمات: المجد والأفن والوغى والغفران والعقيقة.. وهلم جرا؛ فالمجد معناها في الأصل: امتلاء بطن الدابة من العلف، ثم كثر استخدامه مجازًا في الامتلاء بالكرم, حتى انقرض معناه الأصلي, وأصبح حقيقة في هذا المعنى المجازي, ولهذا السبب نفسه انتقل معنى "الأفن" من قلة لبن الناقة إلى نقص العقل، وانتقل معنى "الوغى" من اختلاط الأصوات في الحرب إلى الحرب نفسها، ومعنى "الغفر" والغفران من الستر إلى الصفح عن الذنوب، ومعنى "العقيقة" من الشعر الذي يخرج على الولد من بطن أمه إلى ما ذبح عنه عند حلق ذلك الشعر.
وكثرة استخدام الكلمة في العبارات المنفية ينزع عنها معناها الأصلي ويكسبها معنى العموم والإطلاق، فتصبح أشبه شيء بأداة من أدوات النفي, فمن ذلك في العربية كلمات: أحد وديار وقط وأبدًا, وما إليها، وفي الفرنسية كلمات. Pas, rien, Personne, etc
واستخدام الكلمة في فن بمعنًى خاصٍّ يجردها في هذا الفن من معناها اللغوي, ويقصرها على مدلولها الاصطلاحي. ويدخل في هذا مصطلحات الآداب والفلسفة والقانون والاجتماع والعلوم والفنون ... وما إلى ذلك.. ومن ثَمَّ نرى أن الكلمة الواحدة تستعمل في الشعر بمعنى، وفي الرسائل بمعنى آخر، وفي السياسة بمعنى ثالث، وفي القانون بمعنى رابع، وفي الفنون الحربية بمعنى خامس، وفي الطبيعة بمعنى سادس، وفي الطب بمعنى سابع ... وهلم جرا. وقد عرضنا لهذا الموضوع بشيء من التفصيل في الفصل الأول من الباب الثاني من هذا الكتاب١.
٢- عوامل تتعلق بمبلغ وضوح الكلمة في الذهن, فكلما كان مدلول الكلمة واضحًا في الأذهان قلَّ تعرضه للتغير، وكلما كان مبهمًا
стр. 350
غامضًا مرنًا كثر تقلبه وضعفت مقاومته لعوامل الانحراف, ويساعد على وضوح مدلول الكلمة عوامل كثيرة؛ من أهمها أن تكون مرتبطة بفصيلة من الكلمات معروفة الأصل, ويعمل على إبهامها عوامل كثيرة من أهمها أن لا تكون لها أسرة معروفة الأصل متداولة الاستعمال.
٣- عوامل تتعلق بأصوات الكلمة؛ فثبات أصوات الكلمة يساعد على ثبات معناها، وتغيرها يذلل أحيانًا السبيل إلى تغيره, وذلك أن في الذهن ما دامت محتفظة بصورتها الصوتية، وقوة هذه الصلة تساعد على ثبات مدلولها، على حين أن تغير صورتها الصوتية يضعف صلتها في الأذهان بأصلها وأسرتها ويبعدها عنهما، وهذا يجعل معناها عرضة للتغير والانحراف, فالوصف اللاتيني vivus مثلًا ظل محتفظًا بمعناه, وذلك لقوة ارتباطه عن طريق هذه البنية بأفراد أسرته vivere, veta etc, ولكنه لم يلبث بعد أن تغيرت صورته الصوتية الفرنسية إلى Vif أن أخذ يتعرف شيئًا فشيئًا، عن مدلوله القديم حتى بعد عنه وأصبح يدل الآن على الوصف بالقوة والحدة والنشاط, وذلك لأن تغير صورته الصوتية باعد ما بينه وبين أفراد أسرته "vivre, vivant etc" فعرض مدلوله لهذا الانحراف. ومن هذا القبيل كذلك كلمة Sage, فإن انحراف صورتها الصوتية إلى هذا الوضع قد عزلها عن أفرد فصيلتها "savoir, savant" وعرض مدلولها للتغير، فانحرف من معنى العالم إلى معنى الهادئ المطيع.
٤- عوامل تتعلق بالقواعد, فقد تذلل قواعد اللغة نفسها السبيل إلى تغير مدلول الكلمة، وتساعد على توجيهه وجهة خاصة, فتذكير كلمة "ولد" مثلًا في العربية "ولد صغير" قد جعل معناها يرتبط في الذهن بالمذكر، ولذلك أخذ مدلولها يدنو شيئًا فشيئًا من هذا النوع, حتى أصبحت لا تطلق في كثير من اللهجات العامية إلّا على الولد من الذكور, وكذلك كلمة homo في اللاتينية, فقد كانت تطلق في الأصل على
стр. 351
الإنسان رجلًا كان أم امرأة، ولكن تذكيرها ربط مدلولها في الذهن بنوع الذكور، فأخذ يدنو شيئًا فشيئًا من هذا النوع حتى أصبحت في كثير من اللغات المنشعبة عن اللاتينية لا تطلق إلّا على الرجال.
٥- عوامل تتعلق بانتقال اللغة من السلف إلى الخلف, فكثيرًا ما ينجم عن هذا الانتقال تغير في معاني المفردات, وذلك أن الجيل اللاحق لا يفهم جميع الكلمات على الوجه الذي يفهمها عليه الجيل السابق. ويساعد على هذا الاختلاف كثرة استخدام المفردات في غير ما وضعت له على طريق التوسع أو المجاز, فقد يكثر استخدام الكلمة مثلًا في جيلٍ ما في بعض ما تدل عليه، أو في معنًى مجازيٍّ تربطه بمعناها الأصلي بعض العلاقات، فيعلق المعنى الخاص أو المجازي وحده بأذهان الصغار، ويتحول بذلك مدلولها إلى هذا المعنى الجديد. وإليك مثلًا كلمة saoul الفرنسية، فقد كان معناها في الأصل "الشبعان" من الطعام، ثم كثر استخدامها في عصر ما في النشوان من الخمر عن طريق المجاز والتهكم, وللتحرج من استخدام الكلمة الصريحة في هذا الجيل، وتحول إليه مدلول هذه الكلمة, فأصبحت صريحة فيه١، وانقرض معناها القديم.
وإلى هذا العامل يرجع أهم الأسباب في تحول الكلمات إلى معانٍ كانت مجازية في الأصل، وفيما يعتري المدلولات في نطاقها من سعة أو ضيق, بل إن طائفة من العلماء على رأسها العلامة هرزوج Herzog قد رجعت إلى هذا العامل وحده كل ما يحدث من تطور في الدلالة٢.
٦- وكثيرًا ما يتغير مدلول الكلمة على أثر انتقالها من لغة إلى
стр. 352
لغة؛ فقد يخصص مدلولها العام, وتقصر على بعض ما كانت عليه في لغتها الأصلية، وقد يعمم مدلولها الخاص، وقد تستعمل في غير ما وضعت له لعلاقةٍ ما بين المعنيين، وقد تنحط إلى درجة وضيعة في الاستعمال؛ فتصبح من فحش الكلام وهجره، وقد تسمو إلى منزلة راقية فتعتبر من نبي القول ومصطفاه، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك وإلى أسبابه وأمثلته في الفصول السابقة١.
٧- وقد يكون العامل في تغير معنى الكلمة أن الشيء نفسه الذي تدل عليه قد تغيرت طبيعته أو عناصره أو وظائفه أو الشئون الاجتماعية المتصلة به.. وما إلى ذلك, فكلمة "الريشة" مثلًا "Plume" كانت تطلق على آلة الكتابة أيام أن كانت تتخذ من ريش الطيور، ولكن تغير الآن مدلولها الأصلي تبعًا لتغير المادة المتخذة منها آلة الكتابة, فأصبحت تطلق على قطعة من المعدن مشكلة في صورة خاصة, والقطار كان يطلق في الأصل على عدد من الإبل على نسق واحد تستخدم في السفر، ولكن تغير الآن مدلوله الأصلي تبعًا لتطور وسائل المواصلات، فأصبح يطلق على مجموعة عربات تقطرها قاطرة بخارية, و"البريد" كان يطلق على الدابة التي تحمل عليها الرسائل، ثم تغير الآن مدلوله تبعًا لتطور الطرق المستخدمة في إيصال الرسائل، فأصبح يطلق على النظم والوسائل المتخذة لهذه الغاية في العصر الحاضر, و"بنى الرجل بامرأته" كانت تستخدم كناية عن دخوله بها؛ لأن الشاب البدوي كان إذا تزوج يبني له ولأهله خباء جديدًا، ولا تزال تستخدم هذه العبارة كناية عن المعنى نفسه, مع أن الزفاف لا علاقة له في نظمنا الحاضرة بالبناء, وقد جرت العادة في بعض العصور بفرنسا أن يقضي المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة مدة عقوبتهم في أعمال التجديف على ظهر السفن الملكية، ومن ثَمَّ جاءت عبارة envoyer aux galeres وجاءت وصف galerien، ولكن تغير الآن مدلولها تبعًا لتغير النظم المتصلة بهذه العقوبة ونوعها.
стр. 353
٨- عوامل تتعلق باختلاف الطبقات والجماعات, فكثيرًا ما ينجم عن اختلاف الناس في طبقاتهم وفئاتهم اختلاف مدلول الكلمات وخروجها عن معانيها الأولى, ويؤدي إلى ذلك ما يوجد بين الجماعات الناطقة باللغة الواحدة من فروق في الخواص الشعبية والجسمية والنفسية, وفي شئون السياسة والاجتماع والثقافة والتربية ومناحي التفكير والوجدان ومستوى المعيشة وحياة الأسرة والتقاليد والعادات، وفي الظروف الطبيعية والجغرافية المحيطة بكل جماعة منها، وما تزواله كل طبقة من أعمال, وتضطلع به من وظائف، والآثار العميقة التي تتركها كل وظيفة ومهنة في عقلية المشتغلين بها، وحاجة أفراد كل طبقة إلى دقة التعبير وسرعته, وإنشاء مصطلحات خاصة بصدد الأمور التي يكثر ورودها في حياتهم, وتستأثر بقسط كبير من انتباههم، وما يلجئون إليه من استخدام مفردات في غير ما وضعت له, أو قصرها على بعض مدلولاتها للتعبير عن أمور تتصل بصناعاتهم وأعمالهم.. وهلم جرا. فمن الواضح أن هذه الأمور وما إليها من شأنها أن تخرج بالكلمات عن مدلولاتها الأولى, وتوجه معانيها في كل طبقة وفي كل جماعة وجهةً تختلف عن وجهتها عند غيرها, كما تقدم شرح ذلك بتفصيل في الفصل الأول من الباب الثاني من هذا الكتاب١.
ويدخل في موضوع التطور الدلالي نشأة كلمات لم تكن موجودة في اللغة من قبل, وهجر كلمات مستخدمة فيها, أو انقراضها انقراضًا تامًّا.
أما نشأة كلمات في اللغة فتدعو إليها في الغالب مقتضيات الحاجة إلى تسمية مستحدث جديد مادي أو معنوي "مخترع جديد، نظام حديث في الشئون الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها، نظرية جديدة علمية أو فلسفية ... وهلم جرا". ويتم ذلك بإحدى الوسائل الآتية:
١- إنشاء الكلمة إنشاءً على الوجه الذي بيناه بتفصيل في آخر
стр. 354
الفصل الرابع من الباب الثاني بصدد موضوع التجديد في اللغة١, وهذه الوسيلة لا تكاد تستخدم إلّا في لغات الكتابة, وخاصةً في إنشاء المصطلحات العلمية وما شاكلها٢.
٢- انتقال الكلمة من اللغة أو اللهجة إلى لغة أو لهجة أخرى, على الوجه الذي شرحناه في الفصول الأول والثالث والرابع من الباب الثاني٣.
٣- إحياء الأدباء والعلماء لبعض المفردات المهجورة في اللغة, على الوجه الذي شرحناه في أواخر الفصل الرابع من الباب الثاني٤.
٤- تفرع الكلمة في صورة تلقائية أو مقصودة من الكلمات المستخدمة في اللغة, ويتم ذلك عن طريق الاشتقاق بأوسع معانيه، أو تكوين كلمة من كلمتين أو أكثر، أو تسمية شيء جديد باسم مكانه أو مخترعه، أو نحت أفعال من بعض الأسماء الجامدة أو أسماء الأعلام لعلاقة ما.... وهلم جرا ٥.
وأما انقراض الكلمة من الاستعمال فترجع أسبابه إلى عوامل كثيرة من أهمها ما يلي:
١- انقراض مدلول الكلمة نفسه أو عدم استخدامه, ويصدق
стр. 355
هذا على الملابس والأثاث وعدد الحرب ووسائل النقل وآلات الصناعة والمقاييس والنقود ومظاهر النشاط والنظم الاجتماعية التي انقرضت أو بطل استخدامها, فانقرضت معها المفردات الدالة عليها, فمن ذلك في الفرنسية١ Veste, casaquin, cabas, carosse, soupentes, briquet, pacotille corvette, fregate, brulot, boulet, arpent, ecu, liard, toise, etc
وقد انقرض كذلك في اللغة العربية كثير من الكلمات الدالة على نظم جاهلية قضى عليها الإسلام, كالمرباع والصرورة والنوافج ... وهلم جرا٢؛ ومن اللهجات العامية المصرية بعض أسماء النقود القديمة كالبارة والخردة والفضة.. إلخ.
٢- انعزال الكلمة وعدم ارتباطها بفصيلة من الكلمات معروفة الأصل متداولة الاستعمال, فانعزال الكلمة، أي: عدم اتصالها بأسرة معروفة، لا يقف أثره عند تعريض مدلولها للانحراف عن وضعه الأصلي على الوجه الذي سبق شرحه٣، بل كثيرًا ما يعرضها هي نفسها للفناء, فما أشبه الكلمات بأفراد الحيوانات الاجتماعية: يظل الواحد منه قويًّا منيع الجانب ما اندمج في أفراد قطيعه, وقوي تضمنه معه، ويتعرض للأذى، والهلاك كلما انعزل عنه, أو وهنت العلاقات التي تربطه به, ولهذا السبب كادت تنقرض من لغة التخاطب الفرنسية:
besicles, binocle, missive, visage, miroir, Lunettes, lorgnon, lettre figure, glace
٣- ثقل الكلمة على اللسان أو عدم تلاؤم أصواتها مع الحالة التي انتهى إليها تطور أعضاء النطق, فإن هذا العامل لا يقف أثره عند تعريض أصواتها للانحراف عن مخارجها الأولى على الوجه الذي سبق