← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

سَمِعْت فِي الْأَصَحِّ وَلَكِنَّ فَائِدَةَ سَمَاعِهَا مُعَارَضَةُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ بِهَا وَرُجُوعُهَا إلَى يَدِهِ كَمَا لَوْ أَقَامَهَا قَبْلَ الِانْتِزَاعِ فَلْيَتَنَبَّهْ لِهَذَا فَإِنَّهُ قَدْ يَغْلَطُ فِيهِ وَيَغْتَرُّ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الدَّعْوَى مَسْمُوعَةٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الِانْتِقَالِ إذَا كَانَ الِانْتِزَاعُ بِبَيِّنَةٍ لَا بِإِقْرَارٍ وَمُرَادُهُمْ مَا بَيَّنَّاهُ هُنَا. فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ عَلِمَ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّ نَصِيبَ الْأُخْتَيْنِ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مَقْرُونَةٍ بِبَيَانِ سَبَبِ الِانْتِقَالِ فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ وَعُرِفَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الْفَدَادِينِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ تَعَذَّرَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ فِي الرُّبُعِ الزَّائِدِ عَلَى نَصِيبِهِ وَلَمْ تُفِدْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مِلْكِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَمْ يُفِدْ حُكْمُ الْقَاضِي بِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَمْ يُنَفَّذْ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَقَبُولُ الْبَيِّنَةِ الْمُطْلَقَةِ بِالْمِلْكِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلًا لَا حُجَّةً شَرْعِيَّةً لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَيْسَ فِيهَا رَفْعُ يَدٍ وَلَا إبْطَالُ حَقٍّ لِمُعَيَّنِ، وَالْحُكْمُ إذَا ثَبَتَ لِمُعَيَّنِ لَمْ يَجُزْ رَفْعُهُ إلَّا بِمُسْتَنَدٍ بِخِلَافِ الْمَجْهُولِ وَقَبُولُهَا عَلَى ذِي الْيَدِ الَّذِي بِلَا بَيِّنَةٍ لَهُ وَلَا عِلْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّ الْيَدَ وَإِنْ كَانَتْ حُجَّةً فَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهَا وَقَبُولُهَا بَعْدَ الِانْتِزَاعِ بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَضَدَةٌ بِالْيَدِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَتَقَدَّمَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمُجَرَّدَةِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ الدَّاخِلِ، وَفِيمَا سِوَى الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ لَا وَجْهَ لِقَبُولِهَا لِوُجُودِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا وَهُوَ بَيَانُ السَّبَبِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى عَدَمِ بَيَانِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّا دَائِمًا نُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ فَالْأَرْجَحَ وَأَمَّا إذَا اُنْتُزِعَتْ الْعَيْنُ بِإِقْرَارٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُنْتَزِعِ مِنْهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ إلَّا بِبَيَانٍ بِسَبَبِ انْتِقَالٍ جَدِيدٍ لِئَلَّا يَكُونَ مُكَذِّبًا لِغَيْرِهِ؛ هَذَا كُلُّهُ فِي الرُّبُعِ الزَّائِدِ عَلَى نَصِيبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَصِيبِ أُخْتَيْهِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْأَرْبَعَةِ الْفَدَادِينِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الْقَرْيَةِ فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً لِغَيْرِهِ أَوْ فِي أَيْدِيهِمْ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرُّبُعُ الزَّائِدُ مِنْهُ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ بِمِلْكِهِ مَسْمُوعَةً وَيَكُونُ قَدْ وَقَفَ نِصْفًا مِمَّا خَلَفَهُ أَبُوهُ وَرُبُعًا مِنْ غَيْرِهِ، هَذَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ مُمْكِنًا وَالشَّهَادَةُ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالْأَمْرُ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ فِي نَصِيبِ أُخْتَيْهِ وَبِعَدَمِ الرُّبُعِ تُوقَفُ وَلَا يُسْمَعُ مِنْ مُسْتَحِقِّ الْوَقْفِ دَعْوَاهُ فِيهِ وَلَا عِبْرَةَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ الَّذِي عُرِفَ اسْتِنَادُهُ إلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا النِّصْفُ الْمَعْرُوفُ مِلْكُهُ لَهُ مِنْ وَالِدِهِ فَوَقْفُهُ صَحِيحٌ إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَتَقَدَّرُ ذَلِكَ الْقَدْرُ خَاصَّةً. وَقَدْ ذَكَرَ

стр. 1017

فِي الِاسْتِفْتَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْوَاقِفِ سِوَى نِصْفُ فَدَّانِ الْمُخَلَّفِ عَنْ أَبِيهِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ خَرَجَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِيهَا قَبُولُ الْبَيِّنَةِ الْمُطْلَقَةِ فَإِذَا كَانَتْ يَدٌ لِغَيْرِهِ عَلَى جَمِيعِ الْبَاقِي وَبَيِّنَةٌ خَرَجَ الْمَوْضِعُ الثَّانِي كَانَتْ يَدًا لِغَيْرِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا عِلْمِ سَبَبٍ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرْبَعَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْمُخَلَّفِ عَنْ أَبِيهِ بِشَرْطِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ أَنْ تَكُونَ فِي وَجْهِ خَصْمٍ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَأَمَّا هَكَذَا مُطْلَقَةٌ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ خَصْمٍ وَلَا دَعْوَى فَلَا أَثَرَ لَهَا وَلَا الْحُكْمَ بِهَا فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ يَتَسَمَّحُونَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ، وَمَتَى كَانَ خَصْمٌ فَلَا بُدَّ مِمَّا قُلْنَاهُ وَلَا يُقَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. نَعَمْ إذَا قَامَتْ بَيِّنَاتٌ مُطْلَقَاتٌ أَوْ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْإِسْنَادِ إلَى أَسْبَابِ تَعْلِيلِهَا كَمَا تُعِيلُ الْمَسَائِلَ فِي الْفَرَائِضِ. وَذَكَرَ مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ فِي مِثَالِهِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ وَنِعْمَ مَا فَعَلَ شَكَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي مِثَالِهِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ كَانَ وَقَعَ فِي زَمَنِ جَدِّهِ ﵀ وَاقِعَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا وَهُوَ إنْسَانٌ مَلَكَ بَعْضُ أَقَارِبِهِ عَقَارًا ثُمَّ أَنَّهُ بَاعَهُ وَثَبَتَتْ مَلَكِيَّةُ الْبَائِعِ فَلَمَّا ادَّعَى الْمُقَرِّ لَهُ بِالْعَقَارِ عِنْدَ جَدِّ مَوْلَانَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَقَامَتْ بَيِّنَةُ الْإِقْرَارِ السَّابِقِ عَلَى الْبَيْعِ عِنْدَهُ حَكَمَ بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ وَتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُقِرِّ. فَحَفِظَ اللَّهُ مَوْلَانَا لِحِفْظِهِ لِمَسَائِلِ الْعِلْمِ نِعْمَ هَذِهِ قَضِيَّةُ قَرَاسُنْقُرَ فِي بُسْتَانِ الْجُوسَةِ بِظَاهِرِ حَمَاةَ اشْتَرَاهُ مِنْ عِمَادِ الدِّينِ صَاحِبِ حُمَاةَ فِي سَنَةِ ٧١١ ثُمَّ خَرَجَ مَكْتُوبٌ فِيهِ أَنَّ عِمَادَ الدِّينِ أَقَرَّ بِهِ فِي سَنَةِ ٧ لِأُمِّهِ وَلِزَوْجَتِهِ وَحَضَرَتْ الْمُحَاكَمَةُ هَذِهِ إلَى دِمَشْقَ فِي سَنَةِ ٧٤٣ وَفِيهَا نَظَرٌ آخَرُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنَّ تِلْكَ فِي الْإِقْرَارِ وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ مُطْلَقَةً وَذَلِكَ مُسْتَنَدُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ جَدِّ مَوْلَانَا ﵁ فَإِنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ لَيْسَ فِيهَا إقْرَارٌ وَقَدْ تَبَيَّنَ الْحُكْمُ فِيهَا أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ] (مَسْأَلَةٌ دِمْيَاطِيَّةٌ) رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْضُ أَرْبَابِ الدَّيْنِ غَائِبٌ عَنْ بَلَدِ الْمَيِّتِ فَادَّعَى وَكِيلُهُ بِدَيْنِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ وَكَالَتِهِ عَنْهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالدَّيْنِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ تَسْقُطُ الْيَمِينُ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا بِسَبَبِ غَيْبَةِ رَبِّ الدَّيْنِ وَيَسُوغُ

стр. 1018

لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَتَسْلِيمُ الْمَالِ لِلْوَكِيلِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا مِثْلَهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ أَمْ يَتَوَقَّفُ الْحَاكِمُ إلَى حُضُورِ رَبِّ الْمَالِ مَنْ خَلَفَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ وَهَلْ صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَمْ لَا. (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ تَسْقُطُ الْيَمِينُ الْآنَ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِالْبَيِّنَةِ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَيُسَلِّمُ الْمَالَ لِلْوَكِيلِ الْمَذْكُورِ كَمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِهِ اخْتِلَافٌ بَلْ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ الْحُكْمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ إذَا ادَّعَى وَكِيلٌ غَائِبٌ عَلَى غَائِبٍ أَوْ حَاضِرٍ يَشْمَلُ إطْلَاقُهُ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ وَالْمَيِّتَ فَكَانَتْ الْمَسْأَلَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ مَا أَطْلَقُوهُ فَمَنْ ادَّعَى إخْرَاجَهَا مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ أَيْضًا فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي اقْتَضَى الْحُكْمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِوَكِيلِ الْغَائِبِ إنَّمَا هُوَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَعَلَّقَهُ بِأَخِيرِهَا وَأَبْقَى كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَالِغًا غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا أَوْ صَبِيًّا غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا وَوَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ غَيْرُهُ مَتَى كَانَ مُوَكِّلُ الْمُدَّعِي الْمَحْكُومُ لَهُ غَائِبًا فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. وَأَمَّا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يَحْضُرنِي الْآنَ غَيْرَ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي إطْلَاقِهِمْ وَلَا يُقْبَلُ تَخَالُفُهَا مُطْلَقًا وَلَا مُقَيَّدًا وَالْمَعْنَى عَنْهَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ يَحْلِفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْعِتْقِ] (كِتَابُ الْعِتْقِ) (مَسْأَلَةٌ) سَأَلَ عَنْهَا مِنْ حُمَاةَ: رَجُلٌ مَاتَ وَخَلَفَ عَبْدًا فَادَّعَتْ زَوْجَةُ الْمَيِّتِ أَنَّهُ عَوَّضَهَا إيَّاهُ عَنْ صَدَاقِهَا وَأَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ فَهَلْ يَعْتِقُ نَصِيبُهَا وَيَسْرِي إلَى بَاقِيه أَوْ لَا وَهَلْ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا أَوْ لَا؟ (الْجَوَابُ) يَعْتِقُ نَصِيبُهَا وَلَا يَسْرِي؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِإِعْتَاقِهِ مُحْتَمَلٌ؛ لَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَوْتِ بِحُكْمِ التَّعْوِيضِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ وَيَحْتَمِلُ؛ لَأَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ فِي نَصِيبِهَا وَعَدَمَ السِّرَايَةِ وَالثَّانِي يَقْتَضِي السِّرَايَةَ فَتُحْمَلُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ عَدَمُ السِّرَايَةِ وَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهَا فِي إسْقَاطِ صَدَاقِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُتِبَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ٧٤٥ وَلِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ أَحْوَالٍ: (إحْدَاهَا) أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ

стр. 1019

التَّعْوِيضِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ السِّرَايَةِ وَفِي إعْتَاقِ نَصِيبِهَا وَعِتْقُ نَصِيبِهَا إنَّمَا هُوَ لِلْمُؤَاخَذَةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ. (الثَّانِيَةُ) أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ الْآنَ فَيَعْتِقُ نَصِيبُهَا بِإِقْرَارِهَا وَالثَّانِي بِالسِّرَايَةِ وَإِقْرَارُهَا مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لِإِنْشَاءِ عِتْقِ نَصِيبِهَا وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ قُبِلَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ. (الثَّالِثَةُ) أَنْ يُطْلِقَ وَالْإِقْرَارُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَعَلَى أَدْنَى السَّبَبَيْنِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ: إنَّهُ لَا يَسْرِي وَأَنَّهُ يَعْتِقُ نَصِيبُهَا مِنْ بَابِ الْمُؤَاخَذِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَالْحُكْمُ بِسُقُوطِ الصَّدَاقِ مُؤَاخَذَةٌ بِإِقْرَارِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة كَاتَبَ اثْنَانِ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الْكِتَابَةِ وَقَعَ فِيهَا الْتِبَاسٌ فَلَخَّصْتُهَا: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) كَاتَبَ اثْنَانِ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَسْرِي، وَفِي وَقْتِ السِّرَايَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْحَالِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ فِي انْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ. وَهُوَ الْأَصَحُّ فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ وَإِلَّا فَهُوَ بَيْنُهُمَا، وَأَمَّا عَلَى الْأَظْهَرِ فَإِنْ أَدَّى نَصِيبَ الْآخَرِ عَتَقَ عَنْ الْكِتَابَةِ وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ عَجَزَ ثَبَتَتْ السِّرَايَةُ حِينَئِذٍ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي انْفِسَاخِهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَنْفَسِخُ كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا عَنْ نَصِيبِهِ مِنْ النُّجُومِ فَكَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ وَلَوْ قَبَضَ نَصِيبَهُ أَوْ النُّجُومَ كُلَّهَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ قُلْنَا: يَعْتِقُ بَعْضُهُ فَالسِّرَايَةُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْإِعْتَاقِ وَالْإِبْرَاءِ وَإِنْ قَبَضَ جَمِيعَ النُّجُومِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِمَا وَلَا سِرَايَةَ. [مَسْأَلَة كَاتَبَ عَبْدًا وَمَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) كَاتَبَ عَبْدًا وَمَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ فَهُمَا قَائِمَانِ مَقَامَهُ فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ: الْمُحَرَّرُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ فَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا أُبْقِيَتْ الْكِتَابَةُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ فَإِنْ عَجَزَ عَادَ ذَلِكَ النَّصِيبُ قِنًّا وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْأَبِ وَكَذَا وَلَاءُ نَصِيبِ الْأَوَّلِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَقُلْنَا بِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَمْنَعُ السَّرَيَانَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ فَهَاهُنَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَسْرِي

стр. 1020

لِأَنَّ إعْتَاقَهُ تَنْفِيذٌ لِعِتْقِ الْأَبِ وَتَعْجِيلٌ لِمَا أَخَّرَهُ وَلِذَلِكَ كَانَ الْوَلَاءُ لِلْأَبِ وَالْمَيِّتُ لَا يَسْرِي عَلَيْهِ وَالثَّانِي يَسْرِي وَيَقُومُ عَلَى الْمُبَاشِرِ لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْأَبِ فَإِنَّ وَلَاءَ هَذَا النِّصْفِ لِلْمُعْتِقِ عَلَى الْأَصَحِّ وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ: أَعْتِقْ نَصِيبَك عَنِّي عَلَى أَلْفٍ فَأَعْتَقَ فَإِنَّهُ يَسْرِي إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَيَكُونُ الْعِتْقُ قَدْ وَقَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي السَّائِلِ وَالْوَلَاءُ لَهُ وَالتَّقْوِيمُ عَلَى الْمُبَاشِرِ لِلْعِتْقِ. قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي الطَّبَرِيِّ، وَطَرَدَهُ الرُّويَانِيُّ فِيمَا إذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِشَرِيكِهِ: أَعْتِقْ نَصِيبَكَ عَنِّي فَأَعْتَقَهُ سَرَى إلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلسَّائِلِ وَالْغُرْمُ عَلَى الشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ بِالسُّؤَالِ. وَخَالَفَهُمْ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ عَلَى الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ عَنْهُ، وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ مَا قَالَهُ هُوَ وَالرَّافِعِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي السِّرَايَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَبْدٌ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ فَقَالَ رَجُلٌ لِأَحَدِهِمَا: أَعْتِقْ نَصِيبَك عَنِّي عَلَى هَذِهِ الْعَشَرَةِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا فَأَجَابَهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ عَنْ الْمُسْتَدْعَى فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ. لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي الْعَبْدِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ إذَا وَكَّلَ أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ فِي إعْتَاقِ نَصِيبِهِ فَأَعْتَقَهُ أَنَّ وَلَاءَ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُبَاشَرَةُ وَالسَّبَبُ جَمِيعًا مِنْ الْوَكِيلِ وَلِهَذَا تَلِفَ نَصِيبُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ مِنْ غَيْرِهِ إذْ لَوْ كَانَ هُوَ بِتَوْكِيلِهِ سَبَبًا لَضَمَنَ فَلَمَّا لَمْ يَضْمَنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ شَرِيكَهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِعِتْقِ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ الْمُتَسَبِّبِ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ وَلَا يَنْتَسِبُ إلَى الْمُوَكِّلِ بِسَبَبٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَك أَنْ تَقُولَ: يَنْتَسِبُ إلَيْهِ بِسَبَبٍ وَلَكِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُتَقَدِّمَةٌ فَلِذَلِكَ أَحَلْنَا الْإِتْلَافَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَضْمَنْ. هَذَا إنْ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا ادَّعَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَاضِي الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّ عِتْقَ الْجَمِيعِ يَقَعُ عَنْ الْمُوَكِّلِ وَالْوَلَاءُ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَجْهَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ بَعْدَ تَثَبُّتِ أَحَدِهِمَا تَقَعُ السِّرَايَةُ عَنْ الْمُسْتَدْعَى وَالثَّانِي عَنْ الْمُعْتِقِ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ الْغُرْمِ عَلَى السَّائِلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَجْنَبِيًّا فِي أَنْ يَعْتِقَ نَصِيبَهُ فَفَعَلَ فَقِيَاسُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْغُرْمَ عَلَى الْوَكِيلِ، لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَهُ

стр. 1021

فِي مَسْأَلَةٍ إذَا كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ وَأَعْتَقَ اثْنَانِ نَصِيبَهُمَا بِوَكَالَةٍ أَنَّ الْغُرْمَ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ أَيْضًا فِي عَبْدٍ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ قَالَ أَجْنَبِيٌّ مَعَهُ عَشَرَةٌ لِأَحَدِهِمَا: أَعْتِقْ نَصِيبَك عَنِّي بِهَا وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهَا لَا سِرَايَةَ، وَلَوْ كَانَ التَّقْوِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ لَمْ يُنْظَرْ إلَى حَالِ الْمُوَكِّلِ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ. فَلْتَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهَا مُشْكِلَةٌ فَإِنْ قُلْنَا: يَسْرِي فَفِي الْحَالِ أَوْ عِنْدَ الْعَجْزِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي فَإِنْ قُلْنَا: فِي الْحَالِ انْفَسَخَ قَطْعًا وَقِيلَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَوَلَاءُ النِّصْفِ الثَّانِي لِلْمُعْتَقِ وَفِي وَلَاءِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لِلْأَبِ وَيَنْتَقِلُ لَهُمَا بِالْعُصُوبَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ فَوَلَاءُ الْجَمِيعِ لِلْأَبِ وَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ عِنْدَ الْعَجْزِ فَإِنْ أَدَّى فَوَلَاؤُهُ لِلْأَبِ كُلُّهُ وَإِنْ عَجَزَ فَقِيلَ: تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ وَوَلَاءُ الْجَمِيعِ لَهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ مَا سَرَى إلَيْهِ الْعِتْقُ إلَيْهِ وَفِي وَلَاءِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ الْوَجْهَانِ، هَذَا حُكْمُ إعْتَاقِ أَحَدِهِمَا وَإِبْرَاؤُهُ كَإِعْتَاقِهِ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ، وَقَبْضُهُ نَصِيبَهُ مِنْ النُّجُومِ بِغَيْرِ إذْنٍ فَاسِدٌ وَبِإِذْنٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الشَّرِيكَيْنِ فَإِنْ صَحَّحْنَا مَا قَالَ الْإِمَامُ لَا سِرَايَةَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبْضِ وَلَا حُرِّيَّةَ بِغَيْرِ الِاخْتِيَارِ. وَفِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ كَإِعْتَاقِهِ وَإِبْرَائِهِ وَمَالَ الرَّافِعِيُّ إلَيْهِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ وَعَبْدٍ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ أَبَاهُمَا كَاتَبَهُ فَإِنْ كَذَّبَاهُ حَلَفَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَإِنْ صَدَّقَاهُ فَكَمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ فَنَصِيبُ الْمُصَدِّقِ مُكَاتَبٌ وَنَصِيبُ الْمُكَذِّبِ قِنٌّ إذَا حَلَفَ فَإِنْ أَعْتَقَ الْمُصَدِّقُ نَصِيبَ نَفْسِهِ عَتَقَ وَهَلْ يَسْرِي؟ حَكَى الرَّافِعِيُّ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا الْقَطْعُ بِالسِّرَايَةِ وَالثَّانِيَةُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْهُمْ عَدَمُ السِّرَايَةِ، لَكِنَّ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ قَالَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَالطَّرِيقَانِ اللَّتَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي النِّهَايَةِ بِزِيَادَةِ تَحْقِيقٍ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُكَاتَبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَيْسَ إلَّا الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ وَإِنْ كَانَ قِنًّا فَلَيْسَ إلَّا السِّرَايَةُ فَلَيْسَ هَذَا التَّرْتِيبُ فِي الْخِلَافِ كَغَيْرِهِ فِي الْمَسَائِلِ. إذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدْ يُسْتَشْكَلُ تَصْحِيحُ الرَّافِعِيِّ فِي الْمُحَرَّرِ لِلسِّرَايَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ نَصِيبَ الْمُصَدِّقِ مَحْكُومٌ فِي الظَّاهِرِ بِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ أَيْضًا وَمُقْتَضَى كَوْنِهِ مُكَاتَبًا أَنْ لَا يَسْرِي فَكَيْفَ يَلْزَمُ الْمُصَدِّقَ حُكْمُ

стр. 1022

السِّرَايَةِ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَعْتَرِفْ بِمَا يُوجِبُهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّ الْمُكَذِّبَ يَزْعُمُ أَنَّ الْكُلَّ قِنٌّ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ إعْتَاقَ شَرِيكِهِ نَافِذٌ سَارٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ فِي الْعَبْدِ الْقِنِّ: أَنْتَ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ وَأَنْتَ مُوسِرٌ فَإِنَّا نُؤَاخِذُهُ وَنَحْكُمُ بِالسِّرَايَةِ إلَى نَصِيبِهِ لَكِنَّ هُنَاكَ لَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ الْقِيمَةُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ إعْتَاقِهِ بِإِقْرَارِهِ وَلَا بِبَيِّنَةٍ، وَهُنَا لَمَّا ثَبَتَتْ السِّرَايَةُ بِإِقْرَارِ الْمُكَذِّبِ وَهِيَ مِنْ أَثَرِ إعْتَاقِ الْمُصَدِّقِ وَإِعْتَاقُهُ ثَابِتٌ فَهُوَ بِإِعْتَاقِهِ مُتْلِفٌ لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ فَيَضْمَنُ قِيمَةَ مَا أَتْلَفَهُ. وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا أَنَّا فِي الْمُكَاتَبِ كُلِّهِ إنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِالسِّرَايَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الشَّرِيكِ فِي كِتَابَتِهِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَفْقُودَةٌ هَا هُنَا وَلَا مَحْذُورَ فِي السِّرَايَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَصَحُّ الْقَوْلَ بِهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ: يَسْرِي وَلَا يَغْرَمُ. إذَا عَرَفْتَ هَذَا فَإِذَا قُلْنَا بِالسِّرَايَةِ فَهِيَ هَا هُنَا فِي الْحَالِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَجِيءُ الْقَوْلُ الْآخَرُ الْقَائِلُ بِالْوَقْفِ عَلَى الْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ لَا كِتَابَةَ هَاهُنَا فِي الْبَاقِي فَلَا عَجْزَ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسِّرَايَةِ فَوَلَاءُ النِّصْفِ الَّذِي سَرَى الْعِتْقُ إلَيْهِ لِلْمُعْتَقِ وَفِي وَلَاءِ النِّصْفِ الْآخَرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ، وَيَنْبَغِي جَرَيَانُ هَذَا الْخِلَافِ فِي النِّصْفِ الَّذِي سَرَى إلَيْهِ الْعِتْقُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ السِّرَايَةَ لَا تَقْتَضِي الِانْفِسَاخَ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا سِرَايَةَ فَوَلَاءُ مَا عَتَقَ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُصَدِّقُ فِي الْأَصَحِّ لِإِبْطَالِ الْمُنْكِرِ حَقَّهُ، هَذَا حُكْمُ الْإِعْتَاقِ. وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُصَدِّقُ مِنْ نَصِيبِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْرِي كَنَظِيرِهِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَلَا تَجِيءُ الْمُؤَاخَذَةُ هَاهُنَا لِأَنَّ الْمُكَذِّبَ يَزْعُمُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ بَاطِلٌ وَلَوْ أَقْبَضَ الْمُصَدِّقُ نَصِيبَهُ مِنْ النُّجُومِ فَلَا سِرَايَةَ، وَهَلْ يَكُونُ وَلَاءُ مَا عَتَقَ لَهُمَا أَوْ لِلْمُصَدِّقِ وَحْدَهُ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. (سُؤَالٌ) وَرَدَ مِنْ ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة مِنْ جِهَةِ الْفَقِيهِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَنُوبٍ الْقُرَشِيِّ الْمَغْرِبِيِّ عَنْ مَسْأَلَتَيْنِ وَجَدَهُمَا الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إحْدَاهُمَا مَنْ أُخِذَ لَهُ مَالٌ حَلَالٌ فَوَجَدَ عِنْدَ أَخْذِهِ لَهُ مَالًا حَرَامًا فَهَلْ إذَا أَخَذَهُ مِنْ

стр. 1023

الظَّالِمِ لَهُ يَتَنَزَّلُ فِي الْحِلْيَةِ عِنْدَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ قَالَ: يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فِيهِ إشْكَالٌ قَالَ السَّائِلُ: وَلَمْ يَظْهَرْ مُوجِبُ تَوَقُّفِهِ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ الْتِبَاسٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ لَيْسَ رَاجِعًا إلَى الْأَعْيَانِ وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى صِفَةِ الْمُكْتَسَبِ لَهَا بِغَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَكَيْفَ لَا يُقَالُ إنَّ الثَّانِيَ يَحِلُّ مَحَلَّ الْأَوَّلِ. وَطَلَبُ هَذَا السَّائِلِ مُتَعَلِّقُ اسْتِشْكَالِ الْإِمَامِ عِزِّ الدِّينِ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ، قَالَ: وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِي مَذْهَبِنَا مَعْلُومٌ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ غَصَبَ دَرَاهِمَ لِرَجُلٍ فَأَرَادَ الْغَاصِبُ إعْطَاءَ مِثْلِهَا لِرَبِّهَا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهَا. الثَّانِيَةُ فِي تَقْدِيمِ الْفَاضِلِ عَلَى الْمَفْضُولِ فَذَكَرَ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ مَسَائِلَ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ عَبْدَانِ أَحَدُهُمَا أَجْنَبِيٌّ فِي غَايَةِ الصَّلَاحِ وَالثَّانِي قَرِيبٌ مِنْهُ وَأَرَادَ عِتْقَهُمَا هَلْ يُقَدَّمُ عِتْقُ الْأَجْنَبِيِّ الصَّالِحِ عَلَى عِتْقِ قَرِيبِهِ الْفَاسِقِ أَمْ لَا؟ قَالَ هُوَ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فِيهِ نَظَرٌ، قَالَ السَّائِلُ: فَأَقُولُ يُقَدِّمُ عِتْقَ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ الْإِحْسَانُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَالْأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ، وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ النَّسَبِ مَعَ قِيَامِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] وَقَالَ فِي إبْرَاهِيمَ ﵇ ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وَغَيْرُ هَذَا فَمَا مُوجِبُ تَوَقُّفِهِ ﵁ وَظَاهِرُ كَلَامِ مَوْلَانَا عِزِّ الدِّينِ فِي الْعَبْدِ الْقَرِيبِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا أَوْ كَانَ صَالِحًا وَالْعَبْدُ الْأَجْنَبِيُّ أَصْلَحُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ عِتْقَ الْقَرِيبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا أَوْ كَانَ صَالِحًا، وَعِنْدِي أَنَا أَنَّ تَقْدِيمَ الْأَصْلَحِ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى الْقَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ بِفَاسِقٍ أَوْ الْقَرِيبُ الصَّالِحُ أَوْلَى، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَرِيبُ صَالِحًا قَدَّمْت الْأَجْنَبِيَّ الْأَصْلَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْأَصْلَحِيَّةِ زَادَ بِهِ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى الْقَرِيبِ فَإِنْ قِيلَ: وَصْفُ الْأَصْلَحِيَّةِ تَقَابَلَ بِهِ وَصْفُ الْقَرَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْقُرْبِ فَاعْتَدَلَا فَوَجَبَ الْوَقْفُ. فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ اثْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ تَقَدُّمَةَ الْأَصْلَحِيَّةِ تَقْدِيمٌ دِينِيٌّ وَتَقْدِيمُ الْقَرَابَةِ دُنْيَوِيٌّ وَالدِّينِيُّ يُقَدَّمُ وَبَسْطُهُ يَطُولُ، الثَّانِي: أَنَّا إذَا قَدَّمْنَا الْأَجْنَبِيَّ عَلَى الْقَرِيبِ وَقَعَتْ السَّلَامَةُ مِنْ الشَّوَائِبِ الْقَادِحَةِ فِي الْقَرَابَةِ فَإِنَّهُ إذَا أَعْطَى الْقَرِيبَ رُبَّمَا خَطَرَ لَهُ وَصْفُ الْقَرَابَةِ فِي السَّبَبِيَّةِ وَهَذَا تَقْتَضِيه الْحِيلَةُ فَيَكُونُ بَاعِثًا عَلَى الْإِعْطَاءِ أَوْ مُشَارِكًا فِي النَّسَبِ مَعَ وَصْفِ

стр. 1024

الصَّلَاحِ فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعَ اتِّصَافِ الْقَرِيبِ بِوَصْفِ الصَّلَاحِ فَمِنْ بَابٍ آخَرَ إذَا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا وَلَا فَاسِقًا. انْتَهَى كَلَامُ السَّائِلِ وَكُتِبَ بِذَلِكَ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فِي كِتَابِ رِسَالَةٍ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الْقَاهِرَةِ فَالْتَمَسَ الْجَوَابَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ سَعِيدٌ وَالْتَمَسَ مِنْهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْفَقِيرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيّ فَقَالَ مُعْتَصِمًا بِاَللَّهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَالْحَقُّ فِيهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَنَزَّلُ فِي الْحِلْيَةِ عِنْدَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ مَتَى كَانَ مَعْلُومَ التَّحْرِيمِ بِاكْتِسَابِهِ مِنْ جِهَةٍ مُحَرَّمَةٍ بِاعْتِقَادِهِمَا وَاحْتَرَزْنَا بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ عَمَّا إذَا قَالَ الْغَاصِبُ: إنَّ هَذَا الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ حَرَامٌ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهُ لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ تَحْرِيمِهِ أَوْ قَالَ الْغَاصِبُ: إنَّهُ حَلَالٌ وَقَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ: هُوَ حَرَامٌ، وَكَانَ الْمَغْصُوبُ تَالِفًا فَإِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ. وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا فِي اعْتِقَادِهِمَا عَمَّا إذَا رَأَى الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ يَبِيعُ الْخَمْرَ وَقَبَضَ ثَمَنَهَا وَأَرَادَ إعْطَاءَهُ فِيمَا عَلَيْهِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِبُطْلَانِ اعْتِقَادِهِمْ وَإِنْ كَانُوا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ بِالْحِلِّ ضَعِيفٌ، وَعَمَّا إذَا رَأَى مُسْلِمًا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا فَاسِدًا فِي اعْتِقَادِهِ جَائِزًا فِي اعْتِقَادِ الْمُتَصَرِّفِ كَمَا فِي الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي تَحَقَّقَ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ وَالْقَوْلُ بِالْحِلِّ هُنَا أَقْوَى مِنْهُ فِي الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَصَحُّ هُنَا أَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ فَلَا يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ فَإِنْ قُلْنَا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٍ حَلَّ، وَإِنْ قُلْنَا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنْ اتَّصَلَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ صَحَّ حِلٌّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مَنْشَؤُهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مِثْلِ هَذَا الْقِسْمِ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الْحِلِّ وَيُقِرُّ الْأَمْرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ أَمْ لَا كَمَا إذَا حَكَمَ الْحَنَفِيُّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ وَالْأَصَحُّ الْحِلُّ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَعَدَمُ الْحِلِّ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْأَوَّلُونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِغَيْرِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ

стр. 1025

أَمْ لَا فَإِنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا أَثَرَ لَهُ فِيهَا فِي التَّعْبِيرِ أَصْلًا وَهُوَ الْحَقُّ فَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ دُونَ الْآخَرِ وَقَدْ لَا يَعْتَقِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَكِنَّهُ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْغَاصِبِ فَيُعْطِيهِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَيَأْخُذُهُ مِنْهُ وَهُمَا يَظُنَّانِ أَنَّهُ مِلْكُهُ فَهَذَا لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ أَلْبَتَّةَ مَا دَامَ حَالُهُ مَجْهُولًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ صِفَتَانِ لِلْأَعْيَانِ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وَهُوَ إطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ حُصُولَ الْإِثْمِ بِهِ هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَقِيهٌ وَلَا أُصُولِيٌّ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ الْمَجَازِيُّ ارْتَكَبَهُ كَثِيرُونَ مِنْ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ حَرَامٌ قُلْت: وَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَجَمِيعُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَأْخُوذُ فِيهَا مَوْصُوفٌ بِالْحِلِّ حَالٌّ مَحَلَّ الْأَوَّلِ ظَاهِرًا حَتَّى يَعْلَمَ الْآخِذُ مِمَّا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَةُ يَدِهِ عَنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَغُرْمُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا. إذَا عُرِفَ ذَلِكَ جِئْنَا إلَى مَسْأَلَتِنَا، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالُ كَانَ حَرَامًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْقَابِضُ يَظُنُّهُ حَلَالًا فَالْحَقُّ أَنَّهُ يُنَزَّلُ فِي الْحِلْيَةِ مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا يَتَّجِهُ الِاسْتِشْكَالُ فِيهِ وَلَا الْقَوْلُ بِحِلِّهِ بَاطِنًا وَمِلْكِ الْقَابِضِ لَهُ سَوَاءٌ قُلْنَا: التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ رَاجِعَانِ لِلْأَفْعَالِ أَوْ لِلْأَعْيَانِ. وَقَوْلُ السَّائِلِ: إنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَذِكْرُهُ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ مُنْطَبِقًا عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَهِيَ مَا إذَا عَلِمَ الْقَابِضُ تَحْرِيمَ الْمَقْبُوضِ مِنْ غَيْرِ الْقِسْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَمَا إذَا رَأَى مُسْلِمٌ مُسْلِمًا يَبِيعُ الْخَمْرَ أَوْ الْمَيْتَةَ أَوْ الْخِنْزِيرَ وَقَبَضَ ثَمَنَ ذَلِكَ أَوْ نَهَبَ أَمْوَالَ النَّاسِ أَوْ سَرَقَ أَوْ قَبَضَ مَالًا مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ مِمَّا لَا شُبْهَةَ فِي تَحْرِيمِهِ وَأَحْضَرَ ذَلِكَ الْمَالَ بِعَيْنِهِ إلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ وَجَدَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ فِي يَدِهِ فَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَخْذُهُ وَلَا قَبْضُهُ وَلَا وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ غَاصِبًا ظَالِمًا وَكَانَ الْمَالُ مُسْتَمِرَّ التَّحْرِيمِ فِي يَدِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ رَدُّهُ إلَى الَّذِي قَبَضَهُ مِنْهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَا يُبْقِيه فِي يَدِهِ وَهَذَا فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ غَيْرِ النُّقُودِ وَلَا أَعْتَقِدُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا النُّقُودُ فَإِنْ

стр. 1026

قُلْنَا: إنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَكَذَلِكَ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ يَقُولُونَ بِتَعْيِينِهَا فِي الْغَصْبِ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ النَّصِّ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّ لِلْمَغْصُوبِ أَنْ يُجْبِرَ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ عَلَى أَخْذِ مِثْلِ دَرَاهِمِهِ مَعَ بَقَائِهَا فَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مُنْطَبِقًا عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ. فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ انْقَطَعَ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْ عَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ وَالدَّرَاهِمُ الَّتِي أَخَذَهَا بَدَلَهَا حَلَالٌ وَتَصِيرُ هِيَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ حَلَالًا لَهُ وَلِمَنْ أَخَذَهُمَا مِنْهُ بِطَرِيقِهِ، هَذَا مُقْتَضَى التَّفْرِيعِ عَلَى عَدَمِ التَّعْيِينِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ فِي الْغَصْبِ وَخِلَافِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي الْإِجْمَاعِ حِكَايَةَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ شَيْئًا - أَيَّ شَيْءٍ كَانَ - وَكَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَنَّهُ يَرُدُّ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَقْبَلُ الْخِلَافُ أَمَّا فِي غَيْرِ النُّقُودِ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ وَأَمَّا النُّقُودُ فَفِيهَا الشُّبْهَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ فَالْحَقُّ التَّعْيِينُ وَبَقَاءُ ذَلِكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَمَنْ قَبَضَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ عَلَى التَّحْرِيمِ حَتَّى يَرُدَّ إلَى صَاحِبِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَالْمَالُ الْمَغْصُوبُ كَائِنًا مَا كَانَ مَالُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَمَنْ أَكَلَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ أَكَلَ مَالَ غَيْرِهِ بِالْبَاطِلِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَإِذَا كَانَتْ الْأَمَانَاتُ تَجِبُ تَأْدِيَتُهَا إلَى أَهْلِهَا فَالْمَضْمُونَاتُ الْمَأْخُوذَةُ عُدْوَانًا بِطَرِيقٍ أَوْلَى فَكَانَ النَّصُّ دَالًا عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ إلَى صَاحِبِهَا مَا دَامَتْ بَاقِيَةً. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] قَدَّمَ تَعَالَى عَلَى عَدَمِ أَدَاءِ الدِّينَارِ الْمُؤْتَمَنِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ لِيَشْمَلَ مَا إذَا أَرَادَ أَوْ مَثِيلَهُ أَوْ لَا وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ النُّقُودَ وَغَيْرَهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الْأَمْوَالِ وَيَتَعَلَّقُ الْمِلْكُ بِأَعْيَانِهَا وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] الْآيَاتِ، فَحَكَمَ بِمِلْكِهِمْ لِمَا يَخُصُّهُمْ مِنْ مَتْرُوكِ الْمَيِّتِ وَذَلِكَ يَشْمَلُ النَّقْدَ وَغَيْرَهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مَمْلُوكَةً لَمَا كَانَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

стр. 1027

وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وَقَوْلُهُ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] ، وَقَوْلُهُ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ [النساء: ٣٢] كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمِلْكِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَهُوَ يَشْمَلُ النَّقْدَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] دَلِيلٌ عَلَى تَعَيُّنِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَّا بِرَدِّهِ بِعَيْنِهِ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَلَا شَكَّ أَنَّ النُّقُودَ دَاخِلَةٌ فِيهَا وَكَذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّطْوِيلِ لِلِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ وَأَنَّهَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَعْيَانُهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَاتِ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ «أَنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ لَيْسَ طَيِّبَ النَّفْسِ بِأَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ غَيْرُهُ، وَقَوْلُهُ ﷺ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك» وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ وَقَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ لِعَرَقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَقَوْلُهُ ﷺ «أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ أَيِّ مَنْ وَصَلَ إلَى يَدِهِ. وَقَالَ ﷺ «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَهَذَا الْعَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ الْغَاصِبُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ مَرْدُودٌ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ يُبِيحُ الْعَيْنَ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَعَنْهُ ﷺ قَالَ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَقَالَ ﷺ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ ﵎: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ» . وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ جَعَلَ أَكْلَ ثَمَنِ الْحُرِّ دَاخِلًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَعِيدِ وَالْغَالِبُ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ نَقْدًا فَلَوْ كَانَتْ النُّقُودُ إذَا أَخَذَهَا أَحَدٌ بِغَيْرِ حَقٍّ يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُهَا وَإِجْبَارُ صَاحِبِهَا عَلَى أَخْذِ مِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ أَكْلُهَا حَرَامًا بَلْ كَانَ الْمُحَرَّمُ عَدَمُ إيفَاءِ مِثْلِهَا وَذَلِكَ خِلَافُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ وَصْفِ الْأَكْلِ. وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ التَّتَبُّعُ فِي الْوَعْدِ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ الْأَكْلُ بِعَيْنِهِ أَعْنِي التَّصَرُّفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الثَّمَنِ حَرَامًا وَهُوَ دَلِيلٌ لِتَعَيُّنِهِ بِالْغَصْبِ فَإِنَّ قَبْضَ ثَمَنِ الْحُرِّ قَبْضٌ فَاسِدٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَصْبِ وَقَدْ أَطَلْنَا فِي الِاسْتِدْلَالِ لِهَذَا أَكْثَرَ مِنْ الْحَاجَةِ رَدًّا لِلْخِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ السَّائِلُ. وَيَنْبَغِي تَأْوِيلُ

стр. 1028

هَذَا النَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ وَالِاعْتِذَارُ عَنْهُ. أَمَّا غَيْرُ النُّقُودِ فَلَا مَسَاغَ لِذَلِكَ فِيهَا فَنَعُودُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ وَنَقُولُ: إنَّهُ مَتَى أَخَذَ الْمَالَ الْحَرَامَ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ لَمْ يَحِلَّ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ إمْسَاكُهُ أَصْلًا، وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ السَّائِلِ مِنْ مَيْلِهِ إلَى الْقَوْلِ بِالْحِلِّ إذَا قُلْنَا: التَّحْرِيمُ رَاجِعٌ إلَى الْأَفْعَالِ قَدْ ظَهَرَ جَوَابُهُ وَأَنَّهُ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِحَالِهِ جَازَ لَهُ ظَاهِرًا وَكِلَا الْحُكْمَيْنِ لَا إشْكَالَ فِيهِ، أَمَّا اسْتِشْكَالُ عِزِّ الدِّينِ فِي ذَلِكَ فَأَنِّي بَنَيْت أَوَّلًا الْأَمْرَ عَلَى نَقْلِ السَّائِلِ وَفَكَّرْت فِيهِ فَلَمْ أَجِدْ لَهُ وَجْهًا إلَّا خَيَالَاتٍ لَا أَرْضَى أَنْ تَمُرَّ بِخَاطِرِي وَأَجْلَلْت الشَّيْخَ عَنْهَا فَأَخَذْت الْقَوَاعِدَ؛ لِأَنْظُرَ كَلَامَهُ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْهُ كَمَا نَقَلَهُ السَّائِلُ وَإِنَّمَا وَجَدْته قَالَ فِي ضِمْنِ قَاعِدَةٍ فِي الْجَوَائِزِ وَالزَّوَاجِرِ وَتَكَلَّمَ فِي أَنَّ الْمِثْلِيَّ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ يَضْمَنُ بِالْمِثْلِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جُبِرَ الْمَالُ الْمَقْطُوعُ بِحِلِّهِ بِمِثْلِهِ مِنْ مَالٍ أَكْثَرُهُ حَرَامٌ فَقَدْ فَاتَ وَصْفُ مَقْصُودِ الشَّرْعِ وَعِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى أَخْذِهِ مَعَ التَّفَاوُتِ الظَّاهِرِ بَيْنَ الْحَلَالِ الْمَحْضِ وَبَيْنَ مَا تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الْحَرَامِ؟ قَالَ: قُلْت: فِي هَذَا نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ كَمَا يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى أَخْذِ مَالٍ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ حَرَامٌ وَفِي هَذَا بُعْدٌ وَإِشْكَالٌ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَوَجْهُ إشْكَالِهِ بَيِّنٌ. وَأَمَّا الَّذِي نَقَلَهُ السَّائِلُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ هُوَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ نُقِلَ بِالْمَعْنَى فَقَدْ أَوْهَمَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُعَيِّنَهُ لَنَا حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ وَنَتَأَمَّلَهُ ثُمَّ نُجِيبُ عَنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِلسَّائِلِ لَفْظٌ أَكْثَرُهُ مِنْ قَوْلِهِ مَالٌ أَكْثَرُهُ حَرَامٌ فَنَقَلَ أَنَّهُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُتَرَدَّدُ فِيهِ وَنَحْنُ قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْحَلَالِ وَلَا يُزَالُ مَأْمُورًا بِرَدِّهِ عَلَى صَاحِبِهِ، لَمْ نَجِدْ شَيْئًا فِي الشَّرِيعَةِ يُخَالِفُ ذَلِكَ إلَّا حَدِيثًا فِيهِ كَلَامٌ رَوَاهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ حَدَّثَهُ قَالَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى مَرْوَانَ إذَا سُرِقَ لِلرَّجُلِ فَوُجِدَتْ سَرِقَتُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا حَيْثُ وَجَدَهَا قَالَ: فَكَتَبَ إلَيَّ بِذَلِكَ مَرْوَانُ وَأَنَا عَلَى الْيَمَامَةِ فَكَتَبْت إلَى مَرْوَانَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَضَى إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ غَيْرِ الْمُتَّهَمِ فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهَا

стр. 1029

أَخَذَهَا بِالْيَمِينِ وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ سَارِقَهُ، ثُمَّ قَضَى بِذَلِكَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ قَالَ: فَكَتَبَ مَرْوَانُ إلَى مُعَاوِيَةَ بِكِتَابِهِ وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى مَرْوَانَ إنَّكَ لَسْت أَنْتَ وَلَا أُسَيْدٌ تَقْضِيَانِ عَلَيَّ فِيمَا وُلِّيت وَلَكِنِّي أَقْضِي عَلَيْكُمَا فَانْقَدْ لِمَا أَمَرْتُك بِهِ. وَبَعَثَ مَرْوَانُ بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ إلَيْهِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْضِي أَبَدًا. قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ قُلْت: وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ. قُلْت: وَهُوَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ تَعْلِيلُ الْحَدِيثِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَهُوَ حَدِيثٌ مُشْكِلٌ إنْ صَحَّ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا عَنْ شُرَحْبِيلَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ اشْتَرَى سَرِقَةً وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا سَرِقَةٌ فَقَدْ شَرِكَ فِي عَارِهَا وَإِثْمِهَا» وَقَالَ الْحَاكِمُ فِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. قُلْت: وَفِي إسْنَادِهِ أَيْضًا مَقَالٌ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ التَّقِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الشَّقِيِّ وَالْقَرِيبَ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى غَايَةِ الصَّلَاحِ فَفِي تَقْدِيمِهِ عَلَى عِتْقِ الْقَرِيبِ الْفَاسِقِ نَظَرٌ وَوَجْهُ هَذَا النَّظَرِ الَّذِي أَبْدَاهُ الشَّيْخُ فِيهَا تَعَارَضَ الصَّلَاحُ وَالْقَرَابَةُ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ رُجْحَانًا قَوِيًّا تَقْدِيمُ الْقَرَابَةِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ السَّائِلُ وَإِنَّ عِتْقَ الْقَرِيبِ الصَّالِحِ أَوْ الْفَاسِقِ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الْأَجْنَبِيِّ الصَّالِحِ أَوْ الْأَصْلَحِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِالْأَجْنَبِيِّ وَصْفٌ آخَرُ خَاصٌّ أَوْ عَامٌّ كُلِّيٌّ أَوْ جُزْئِيٌّ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ كَمَا أُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلِنَفْرِضَ الْكَلَامَ فِي الْعِتْقِ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا فَرَضَهُ السَّائِلُ وَإِنَّمَا قُلْت بِأَنَّ وَصْفَ الْقَرَابَةِ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إحْسَانٌ وَبِرٌّ وَالْإِحْسَانُ وَالْبِرُّ مُقَدَّمٌ فِيهِ الْقَرِيبُ فَالْعِتْقُ يُقَدَّمُ فِيهِ الْقَرِيبُ. أَمَّا الْمُقَدَّمَةُ الْأُولَى فَبَيِّنَةٌ بِنَفْيِهَا وَالْمُقَدَّمَةُ الثَّانِيَةُ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَك مَالٌ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: مَنْ يَشْتَرِيه مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِهَا إلَى رَسُولِ

стр. 1030

اللَّهِ ﷺ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِك فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِك شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِك فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِك شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُولُ بَيْنَ يَدَيْك وَعَنْ يَمِينِك وَشِمَالِك» . أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ وَرُوِيَ فِيهِ خَارِجَ الصَّحِيحِ زِيَادَاتٌ وَأَلْفَاظٌ، وَالْعَبْدُ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ يَعْقُوبُ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ عَامَّةَ دَهْرِهِ كَمَا رَوَاهُ النَّاسُ، قَالَ: ثُمَّ وَجَدْت فِي كِتَابِي دَبَرَ رَجُلٌ مِنَّا غُلَامًا لَهُ فَمَاتَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً مِنْ كِتَابِي أَوْ خَطَأً مِنْ سُفْيَانَ فَإِنْ كَانَ مِنْ سُفْيَانَ فَابْنِ جُرَيْجٍ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ مِنْ سُفْيَانَ وَمَعَ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدِيثُ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَجِدُ الْحَدِيثَ بِحَدِيدٍ انْجَبَرَ فِيهِ حَيَاةُ الَّذِي دَبَرَهُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مَعَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ وَحْدَهُ، وَقَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ مِنْ خُطَّائِهِ بِأَقَلَّ مِمَّا وَجَدْته فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَاللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَغَيْرُ حَمَّادٍ يَرْوِيه عَنْ عَمْرٍو كَمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَقَدْ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ لَقَى سُفْيَانَ قَدِيمًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ فِي حَدِيثِهِ مَاتَ وَعَجِبَ بَعْضُهُمْ حِينَ أَخْبَرْته أَنِّي وَجَدْت فِي كِتَابِي مَاتَ فَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا خَطَأٌ مِنْهُ أَوْ زَلَلٌ مِنْهُ حَفِظْته عَنْهُ. هَذَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ لَكِنِّي نَقَلْته لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَغَيْرِهِ عَرَفَ تَمَكُّنَهُ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ. وَلِنَرْجِعْ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ: دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا صَالِحًا أَوْ غَيْرَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِي النَّاسِ غَيْرَ أَقَارِبِ الْإِنْسَانِ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُمْ غَالِبًا، وَمِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا لَمَّا «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّك، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّك ثُمَّ أَبَاك ثُمَّ أَدْنَاك ثُمَّ أَدْنَاك» وَالْأَدْنَى هُوَ الْقَرِيبُ. وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: أُمَّك» وَذَكَرَ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ «وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ أَنَّهَا ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» . وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِزَوْجَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ

стр. 1031

«زَوْجُك وَوَلَدُك أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْت عَلَيْهِمْ» وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ مِنْ وَلَدِهَا وَأَصْلَحُ «. وَقَوْلُهُ ﷺ لِمَنْ قَالَ لَهُ مَعِي دِينَارٌ؛ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك» . وَلَوْ اسْتَوْعَبْنَا الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ لَطَالَ وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ وَلَكِنِّي سَأَذْكُرُ فِي آخَرِ الْكَلَامِ مَا حَمَلَ السَّائِلَ عَلَى ذَلِكَ وَجَوَابَهُ وَمَا حَمَلَ الشَّيْخَ عَلَى التَّوَقُّفِ أَيْضًا وَجَوَابَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (الدَّلِيلُ الثَّانِي) عَلَى أَنَّ الْقَرِيبَ مُقَدَّمٌ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ وَقَطِيعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] وَقَالَ ﷺ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلِهِ لِلرَّحِمِ «أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَك؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَك» ، وَقَالَ ﷺ «بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» . وَمِنْ الْمُسْتَفِيضِ الْمُشْتَهَرِ فِي صِفَاتِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَقَالَ ﷺ «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ صِلَةِ الْقَرِيبِ الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ فَاسِقٌ وَقَدْ أَمَرَ بِصِلَتِهِ وَجُعِلَتْ هِيَ الصِّلَةُ «وَقَالَ ﷺ لِمَنْ قَالَ: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّك» . فَهَذَا الْعَبْدُ الْقَرِيبُ الْفَاسِقُ صِلَتُهُ وَاجِبَةٌ وَالصِّلَةُ بِالْإِحْسَانِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِتَوَدُّدٍ أَوْ إعْتَاقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ فَأَيُّ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْإِحْسَانِ أَسَدَاهَا إلَيْهِ كَانَ بِهَا وَاصِلًا مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَ مَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ كَمَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ إذَا أَعْتَقَ أَوْ أَطْعَمَ أَوْ كَسَا يُقَالُ: إنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْخِصَالِ وَكَمَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا صَلَّى الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا يَكُونُ أَدَّى فَرْضَ اللَّهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْفَرْضِ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْإِتْيَانُ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ شَاءَ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ قَرِيبَهُ مُمْتَثِلًا أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابَ الْوَاجِبِ

стр. 1032

وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْأَجْنَبِيَّ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الصَّلَاحِ لَمْ يَكُنْ عِتْقُهُ ذَلِكَ إلَّا نَفْلًا وَتَطَوُّعًا وَقُرْبَةً لَا وُجُوبَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ وَلَا شَكَّ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ النَّفْلِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ عِتْقَ الْقَرِيبِ أَوْلَى وَهَذَا بُرْهَانٌ قَوِيٌّ. (الدَّلِيلُ الثَّالِثُ) وَهُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْأَقَارِبِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْقَرِيبُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِعِتْقِهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ كَالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ؛ وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا كَلَامٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَرَعَ يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِي ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَوُرُودِ الْأَحَادِيثِ، وَالتَّوَرُّعُ عَنْ الْحَرَامِ أَوْلَى مِنْ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ زِيَادَةُ إحْسَانٍ. وَالدَّلِيلَانِ الْأَوَّلَانِ عَامَّانِ فِي كُلِّ قَرِيبٍ وَبِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ يُعْرَفُ ضَعْفُ جَمِيعِ مَا قَالَهُ السَّائِلُ أَمَّا قَوْلُهُ الْأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَإِنَّ الشَّرِيعَةَ طَافِحَةٌ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ النَّسَبِ مَعَ قِيَامِ الْمَعْصِيَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا قَاعِدَةٌ إذَا تَحَقَّقَتْ ظَهَرَ الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا حَصَلَتْ الْغَفْلَةُ بِالذُّهُولِ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي الْخَلْقُ فِيهَا خُلَفَاءُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى كَالْوِلَايَاتِ وَالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَأُمُورِ الدِّيَانَاتِ وَجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّجُوعُ فِي التَّقْدِيمِ فِي ذَلِكَ إلَى صِفَاتِ ذَلِكَ الشَّخْصِ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْقِيَامِ بِمَا فُوِّضَ إلَيْهِ فَمَنْ كَانَ أَكْمَلَ كَانَ بِالتَّقْدِيمِ أَحَقَّ لِئَلَّا يَفُوتَ بِتَأْخِيرِهِ مَصْلَحَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَفِي هَذَا الْقِسْمِ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَفْضَلِ عَلَى الْفَاضِلِ وَالْفَاضِلِ عَلَى الْمَفْضُولِ وَالِاحْتِيَاطِ لِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ لَمْ يُحِطْهُمْ بِنَصِيحَةٍ وَلَمْ يَخْفَ عَنَّا أَنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالْفَاضِلِ هُنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يُفَوَّضُ مِنْ الْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَحُسْنِ الرَّأْيِ وَجَوْدَةِ التَّدْبِيرِ وَالسِّيَاسَةِ وَمَا يَسْتَوْجِبُ صِفَةَ الْكَمَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَلَوْ انْفَرَدَ شَخْصٌ بِالزِّيَادَةِ بِالتَّقْوَى وَالْكَرَامَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ عَدَمِ اهْتِدَائِهِ إلَى غَوَائِلِ الْوِلَايَاتِ لَمْ نُقَدِّمْهُ إلَّا فِيمَا يَلِيقُ بِهِ كَالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَوَاتِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِيهَا فَعُرِفَ أَنَّ إطْلَاقَ السَّائِلِ لِتَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) فِي الْعَطَاءِ مِنْ الْأَرْزَاقِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ كَالْفَيْءِ وَغَيْرِهِ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّمَ فِيهِ بِحَسْبِ الْفَضَائِلِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁، وَلَهُ أَنْ يُسَوِّيَ كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَالتَّقْدِيمُ هَاهُنَا

стр. 1033

جَائِزٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إلَّا أَنْ تَقْتَرِنَ بِهِ حَالَةٌ خَاصَّةٌ تُوجِبُهُ. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا يَصْرِفُهُ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ فَأَمَّا النَّفَقَاتُ وَمَا كَانَ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالْإِيثَارِ فَالتَّقْدِيمُ فِيهِ بِالْقَرَابَةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَبَعْدَ الْقَرَابَةِ لَا يَجِبُ التَّقْدِيمُ أَصْلًا وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ كَانَ أَحْوَجَ أَوْ أَفْضَلَ أَوْ أَصْلَحَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي التَّقْدِيمَ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَأَمَّا صَدَقَةُ الْفَرْضِ فَيُقَدَّمُ بِالْقَرَابَةِ فِيهَا أَيْضًا وَإِذَا تَعَارَضَ الْجَوَازُ وَالْقَرَابَةُ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِنَا تَقْدِيمُ الْقَرَابَةِ إذَا كَانُوا حَاضِرِينَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ النَّقْلُ لِأَجْلِهِمْ وَقَدْ وَقَفْت عَلَى رِسَالَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ الْمَالِكِيِّ ذَكَرَ فِيهَا الِاخْتِلَافَ فِي تَفْضِيلِ الْقَرَابَةِ مِنْ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ فَنَقَلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يَرَى إيثَارَهُمْ بِمَا يُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ. وَرَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ لَا يُعْطِي لِأَقَارِبِهِ مِنْ زَكَاتِهِ وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سَأَلَ فِيمَنْ أَضَعُ زَكَاتِي قَالَ: فِي أَقَارِبِك فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَجِيرَانُك فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَصَدِيقُك الْمُحْتَاجُ قَالَ: وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ قَالَ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَرَاهُ أَبَا يَحْيَى الْوَقَّادَ قَالَ: إنْ كَانَتْ لِي زَكَاةٌ فَأَعْطَيْتُهَا غَيْرَ قَرَابَتِي فَلَا يَقْبَلُهَا اللَّهُ مِنِّي قَالَ وَالْقَوْلُ مِنْ مَالِكٍ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِشْفَاقِ. وَرُوِيَ عَنْ الْوَاقِدِيِّ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَسُفْيَانَ أَنَّ أَفْضَلَ لَك أَنْ تُعْطِيَ زَكَاتَك لِأَقَارِبِك الَّذِينَ لَا يَلْزَمُك نَفَقَتُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَفِي الْجَارِ وَالصَّاحِبِ وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ يُؤْثِرُ قَرَابَتَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ الْعَطَاءَ فِي النَّوَافِلِ لِلْقَرَابَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَأَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّمَا يُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ أَفْضَلُ بِبَاطِنِ مَعْرِفَتِك بِبَاطِنِ فَقْرِهِمْ. وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ تَعَلَّلَ تَفْضِيلَ الْقَرَابَةِ بِالضَّعْفِ فَيُجْعَلُ لِلْقَرَابَةِ مِنْ التَّفْضِيلِ خَطَأٌ قَالَ وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ فِي التَّطَوُّعِ حَسَنٌ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَنْ يُفَضِّلَهُمْ فِي تَطَوُّعِهِ لَا فِي نَذْرِهِ كَصَدَقَتِهِ نَذَرَهَا أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ وَنَقَلَ خِلَافًا فِي تَعْلِيلِ تَقْدِيمِهِمْ فِي الْفَرْضِ فَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ لِلْقَرَابَةِ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ لِهَذَا وَلِهَذَا وَهُوَ الْأَوْلَى قُلْت: فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَالْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ الْأَقَارِبَ يُقَدَّمُونَ فِي النَّفْلِ بِلَا إشْكَالٍ وَفِي الْفَرْضِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَمَسْأَلَتُنَا

стр. 1034

كَانَتْ فِي الْعِتْقِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِ فَلَا يَتَّجِهُ فِيهِ غَيْرُ تَقْدِيمِ الْقَرِيبِ نَعَمْ قَدْ يَعْرِضُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْجُزْئِيَّةِ مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ كَمَا إذَا كَانَ الْأَجْنَبِيُّ عَالِمًا وَكَانَ النَّاسُ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى التَّعَلُّمِ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ خِدْمَةِ السَّيِّدِ وَلَا يُمْكِنُ السَّيِّدُ أَنْ يَعْتِقَ الْقَرِيبَ وَيُخَلِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ الْعَالِمِ فَنُفَوِّتُ مَصْلَحَةً لِلسَّيِّدِ فَهَاهُنَا قَدْ يُقَالُ: إنَّ عِتْقَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ أَوْلَى مِنْ عِتْقِ الْقَرِيبِ الَّذِي مَصْلَحَتُهُ قَاصِرَةٌ عَلَيْهِ وَإِنَّ الَّذِي فِي غَايَةِ الصَّلَاحِ كَمَا فَرَضَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ إذَا أَعْتَقَ عَمْرٌو جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِمْرَارُ حَسَنَاتٍ لِلسَّيِّدِ مَا دَامَ بَاقِيًا لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ رَاجِحٌ عَلَى الْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ الْحَاصِلَةِ بِإِعْتَاقِ قَرِيبِهِ الْفَاسِقِ وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ النَّظَرِ الَّذِي أَبْدَاهُ الشَّيْخُ وَفِكْرُهُ ﵀ أَدَقُّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُتَأَهِّلًا لِلِاشْتِغَالِ وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ مَخَائِلُ الْعِلْمِ فَإِعْتَاقُهُ مُعِينٌ لَهُ عَلَى تَأَهُّلِهِ لِرُتْبَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْوَقْتُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ قَدْ يَتَرَجَّحُ عَلَى عِتْقِ الْقَرِيبِ. فَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ كُلُّهَا أَنَا أُشَارِكُ الشَّيْخَ فِي التَّوَقُّفِ فِيهَا إذَا وُجِدَتْ كَمَا فُرِضَتْ مِنْ مِثْلِي إلَى تَقْدِيمِ الْقَرِيبِ عَلَى مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّخْصِيصِ بِالرَّأْيِ وَأَمَّا مَا اعْتَقَدَهُ السَّائِلُ مِنْ التَّقْدِيمِ بِوَصْفِ الصَّلَاحِ عَلَى وَصْفِ الْقَرَابَةِ فَلَا، وَذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَلْبَتَّةَ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ فَذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَلَيْسَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا. وَقَوْلُهُ: إنَّ التَّقْدِيمَ بِالْأَصْلَحِيَّةِ أَمْرٌ دِينِيٌّ وَالدِّينِيُّ مُقَدَّمٌ ظَهَرَ جَوَابُهُ وَأَيْنَ يَجِبُ التَّقْدِيمُ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَبَسْطُهُ يَطُولُ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ الَّذِي يَطُولُ بَسْطُ بُطْلَانِهِ. وَقَوْلُهُ: إذَا قَدَّمْنَا الْأَجْنَبِيَّ عَلَى الْقَرِيبِ وَقَعَتْ السَّلَامَةُ مِنْ الشَّوَائِبِ إلَخْ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ أَيْضًا ارْتِبَاكَةٌ أُخْرَى وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ بِأَوَامِرَ مِنْهَا مَا لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ وَمِنْهَا مَا فِيهِ حَظٌّ وَقَدْ وَرَدَتْ أَوَامِرُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْهَا مَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَمِنْهَا مَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ كَإِيجَابِ الْأَكْلِ عَلَى الْمُضْطَرِّ عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ وَإِيجَابِ الْفِطْرِ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ عَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الْوِصَالِ وَالْأَمْرِ بِنَوْمِ بَعْضِ اللَّيْلِ وَإِعْطَاءِ الْعَيْنِ حَظَّهَا وَإِعْطَاءِ الْجَسَدِ حَظَّهُ وَإِعْطَاءِ الرُّوحِ حَظَّهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَتَرَتُّبِ الْأَجْرِ عَلَى ذَلِكَ وَالْحُكْمِ بِكَوْنِهِ صَدَقَةً

стр. 1035

وَتَرَتُّبِ الْأَجْرِ عَلَى مُبَاضَعَةِ أَهْلِهِ وَحِفْظِ الْأَمْوَالِ وَعَدَمِ إفْسَادِهَا وَتَرْكِ وَرَثَتِهِ أَغْنِيَاءَ وَاسْتِحْبَابِ الرِّفْقِ فِي الْأُمُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى، وَذَلِكَ لِحِكَمٍ وَأَسْبَابٍ أَكْثَرُهَا ظَاهِرٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ الْحَجِّ رَاكِبًا عَلَى الْمَاشِي وَالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ عَلَى الْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ وَجَوَازِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: أَنَا مَتَى فَعَلْتُ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَخْلُصُ لِي نِيَّةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ حَظِّ النَّفْسِ فَأَتْرُكُهَا وَأَعْمَلُ بِخِلَافِهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْهَلِ الْجَاهِلِينَ وَرَاغِبًا عَنْ سُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ مِنْ غَلَبَةِ الْوَسْوَاسِ وَالتَّنَطُّعِ فِي الدِّينِ وَلَكِنَّ الطَّرِيقَةَ الْمُثْلَى وَالْمَحَجَّةَ الْعُظْمَى إتْبَاعُ الشَّرِيعَةِ وَتَصْحِيحُ النِّيَّةِ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاحِ وَالْإِخْلَاصِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي الشَّرِيعَةِ. قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] الْآيَةَ، فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَفْقِ السُّنَّةِ وَعَدَمُ الْإِشْرَاكِ بِالْعِبَادَةِ إشَارَةٌ إلَى الْإِخْلَاصِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ أَتَى بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمُوَافِقِ لِلسُّنَّةِ وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَبِتَرْكِهِ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ لَهُ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ وَإِلَّا يَكُونُ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ. فَإِنْ قُلْت: هَذَا أَمْرٌ قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُ وَطَبْعُ الْجِبِلَّةِ الْمَيْلُ إلَى إيثَارِ النَّفْسِ وَالْقَرِيبِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لِلَّهِ وَالرَّحِمِ، وَقَالَ: لَا يَكُونُ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَكَيْفَ الْخَلَاصُ مِنْ هَذَا؟ قُلْت: يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُلَاحِظَ جَانِبَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَيَعْرِفَ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِهِ وَلَا يَضُرُّهُ مَعَ قَصْدِهِ ذَلِكَ مَيْلُ الطَّبْعِ وَالْجِبِلَّةِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَضُرُّ أَنْ يَنْفَرِدَ قَصْدُ إيثَارِ مَا سِوَى اللَّهِ أَوْ يَكُونَ غَالِبًا عَلَى قَصْدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْشَى عَلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَ بَاعِثُ الْأَمْرِ رَاجِحًا فَإِنَّ الْأَجْرَ حَاصِلٌ وَإِنْ اسْتَوَى الْبَاعِثَانِ فَهَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ حُصُولِ الْأَجْرِ حَتَّى يَتَرَجَّحَ بَاعِثُ الْأَمْرِ، وَأَنْتَ تَجِدُ فِي الشَّاهِدِ السَّيِّدِ يَأْمُرُ عَبْدَهُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ الْعَبْدِ فَيَفْعَلُهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ السَّيِّدِ مَعَ مَيْلِ طَبْعِهِ إلَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَفْعَلُ الْعَبْدُ ذَلِكَ مَعَ اللَّهِ لِيَحْصُلَ لَهُ الْأَجْرُ مَعَ حَظِّ النَّفْسِ الْمُحَقَّقِ عَلَى بَابِ النِّيَّةِ شَدِيدٌ وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يُعْطِيَ زَكَاتَهُ لِغَيْرِهِ يُفَرِّقُهَا خَوْفَ الْمَحْمَدَةِ وَالْمَذَمَّةِ وَلِيَكُونَ أَسْلَمَ مِنْ الْخَوَاطِرِ وَالْوَسَاوِسِ فِيمَا يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ أَنْ يَقُولَ: أَخْشَى أَنِّي إنَّمَا أَعْطَيْت فُلَانًا لِوَجْهِ كَذَا وَفُلَانًا لِكَذَا فَإِذَا تَرَكَهَا سَلِمَ مِنْ

стр. 1036

ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي رَاعَاهُ مَالِكٌ حَسَنٌ فِي الْأُمُورِ الَّتِي الشَّخْصُ مُخَيَّرٌ فِيهَا كَالتَّفْرِقَةِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَائِزٌ شَرْعًا فَاخْتَارَ ﵁ أَحَدَ الْجَائِزَيْنِ وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي أَوْجَبَهَا الشَّرْعُ وَنَدَبَ إلَيْهَا فَلَا مَنْدُوحَةَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا وَلَا يَسُوغُ تَرْكُهَا خَوْفًا مِنْ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ فَيَقَعُ فِيمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ الْبِدْعَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَرَغْت مِنْهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ عَاشِرَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. انْتَهَى. [بَابٌ جَامِعٌ] (بَابٌ جَامِعٌ) (مَسْأَلَةٌ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِيهَا بَحْثٌ) كُنَّا فِي مَجْلِسٍ نَقْرَأُ فِيهِ قُرْآنًا وَإِلَى جَانِبِي قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ وَإِلَى جَانِبِهِ الْقَاضِي بُرْهَانُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ وَهُنَاكَ مَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ أَيْضًا فَقَرَأَ الْقَارِئُ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَرْكَ تَوْفِيَةِ الْأُجُورِ ظُلْمٌ فَتَكُونُ التَّوْفِيَةُ وَاجِبَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَرْكَ تَوْفِيَةِ الْأُجُورِ ظُلْمٌ فَتَكُونُ التَّوْفِيَةُ وَاجِبَةً قَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ قَدْ يُرِيدُ بِالظَّالِمِينَ الْكَافِرِينَ فَيَكُونُ عَائِدًا إلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ جَلَالُ الدِّينِ: مَا يَسْتَقِيمُ هَذَا وَلَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ أَحَدِ الْبُلَغَاءِ فَضْلًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ قِسْمٌ مُسْتَقِلٌّ قَدْ أَخَذَ حُكْمَهُ فَأَسْكَتَ الْحَاضِرُونَ فَقُلْت لَهُ: لِمَ سَمَّى الْجَزَاءَ أَجْرًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ رَشَّحَ ذَلِكَ بِأَنْ جَعَلَ تَرْكِهِ ظُلْمًا وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِأَجْرٍ وَلَا تَرْكِهِ ظُلْمًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ بِطَاعَتِهِ شَيْئًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ النِّزَاعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخَصْمِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ إثَابَةَ الطَّائِعِ صِفَةُ كَمَالٍ وَضِدُّهَا نَقْصٌ بِالْعَقْلِ سَوَاءٌ وَعَدَ بِذَلِكَ أَمْ لَا. فَالْخَصْمُ يَدَّعِي ذَلِكَ وَنَحْنُ نُنْكِرُهُ وَنَقُولُ: الْعَقْلُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَلَا نَحْكُمُ بِأَنَّ ضِدَّهُ صِفَةُ نَقْصٍ بَلْ مَهْمَا فَعَلَ تَعَالَى مِنْ الْإِثَابَةِ وَعَدَمِهَا لَا يُنَافِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَالَهُ لَكِنَّهُ تَفَضَّلَ وَوَعَدَ بِإِثَابَةِ الطَّائِعِ وَزَادَ فِي الْفَضْلِ بِأَنْ سَمَّاهُ أَجْرًا تَأْكِيدًا لِثُبُوتِهِ وَتَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْأَجْرِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَمَلِ كَمَا قَالَ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وَكَمَا قَالَ ﷺ حَاكِيًا عَنْهُ تَعَالَى «إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ: حَقُّك وَاجِبٌ عَلَيَّ وَأَنَا ظَالِمٌ إنْ لَمْ أَفْعَلْ، وَالْمَقْصُودُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ

стр. 1037

تَأْكِيدُ الْوَفَاءِ لَا حَقِيقَةُ الْوُجُوبِ وَلَكِنَّهُ اسْتَعَارَ اسْمَ الْوُجُوبِ وَالظُّلْمِ عَلَى التَّرْكِ وَيَجُوزُ بِإِطْلَاقِهِمَا عَلَيْهِ لِيَدُلَّ عَلَى قُوَّةِ التَّأْكِيدِ، قَالَ هَذَا بِالْوَعْدِ يَصِيرُ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ إخْلَافٌ لِلْوَعْدِ وَهُوَ نَقْصٌ. قُلْت: لَهُ النِّزَاعُ فِي الْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ فَبَعْدَ الْوَعْدِ نَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ وَاقِعٌ وَلَا بُدَّ وَأَمَّا قَبْلَ الْوَعْدِ فَلَا وَعْدَ فَلَا خُلْفَ فَلَا نَقْصَ؛ فَأُفْحِمَ وَسَكَتَ وَكَأَنَّنِي أَلْقَمْتُهُ حَجَرًا، وَقُلْت لَهُ: إنَّ هَذَا الِاحْتِجَاجَ الَّذِي قَالَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ جَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الظُّلْمَ النَّقْصُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ؛ لِحَدِيثِ «نِسْمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ» وَفِي حَدِيثِ «الشُّهَدَاءُ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ» يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ " فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ " مِثْلُ قَوْلِنَا جَاءَ جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَتَشَكَّلُ طُيُورًا وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْحَوَاصِلِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْغِذَاءِ إشَارَةً إلَى كَمَالِ تَنَعُّمِهَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ قَوْلُهُمْ حَمْلُ كَلَامِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ كَلَامٌ مُجْمَلٌ يَحْتَاجُ بَيَانُهُ إلَى نَظَرٍ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا عُرِضَ مِنْ الْمَبَاحِثِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إنْشَاءً فَاسِدًا أَوْ إقْرَارًا هَلْ يُجْعَلُ إقْرَارًا لِظَاهِرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْيَقِينُ؟ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ. [مَسْأَلَةٌ حَدّ الْخَمْر بَعْد التَّوْبَةِ] (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ شَرِبَ الْخَمْرَ وَفَعَلَ الْمَعَاصِيَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَابَ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ هَلْ يَبْقَى عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ حَدٌّ؟ . (أَجَابَ) الَّذِي أَقُولُهُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ شَيْءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا لِعَدَمِ اطِّلَاعِنَا عَلَى خُلُوصِ التَّوْبَةِ أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَاَللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالسَّرَائِرِ وَيُجَازِي عَلَيْهَا فَإِذَا اطَّلَعَ مِنْ عَبْدِهِ عَلَى خُلُوصِ تَوْبَتِهِ لَمْ يُطَالِبْهُ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ نَبِيُّهُ ﷺ «إنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا» مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لِذَلِكَ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) قِيلَ لَهَا الْكِتَابَةُ بِالذَّهَبِ عَلَى فِضَّةٍ مِنْ كَفِّ أَحْسَنَ مَنْ كَتَبَ قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة: ٣٣] فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ وَسُورَةِ الصَّفِّ بَعْدَ قَوْلِهِ (يُرِيدُونَ - الْآيَةَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَمَامَ النُّورِ هُوَ إرْسَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمُوَافِقٌ لِمَا فِي الْحَدِيثِ

стр. 1038

«مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا إلَّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ فَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَأَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةُ» وَإِذَا عُرِفَ هِدَايَةُ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ فِي الْأَلْفَاظِ بِقَوْلِهِ فِي بَرَاءَةَ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢] إشَارَةً إلَى إرَادَتِهِمْ فِي زَمَنِ عِيسَى ﵇ وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ [البقرة: ١١٣]- الْآيَةَ وَلِذَلِكَ قَالَ ﴿أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢] بِأَنَّ الْمُخَلِّصَةَ لِلِاسْتِقْبَالِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ اللَّامِ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُطْفِئُوا فِي الْمُسْتَقْبَلِ نُورَ مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] أَيْضًا بِأَنَّ الْمُخَلِّصَةَ لِلِاسْتِقْبَالِ وَفِي سُورَةِ الصَّفِّ أَتَى بِاللَّامِ الْمُؤَكِّدَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذِهِ إرَادَةٌ أُخْرَى بَعْدَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَرَادَ تَوْرِيَتَهُمْ فِي ذَلِكَ فَأَكَّدَهَا بِاللَّامِ وَقَالَ: وَأَنْذَرَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لِلْحَالِ وَيُسَاعِدُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِإِضَافَةِ مُتِمٍّ إلَى نُورِهِ فَإِنَّهَا أَقْوَى فِي ذَلِكَ فَانْظُرْ مَا أَعْظَمُ هَذِهِ الْفَائِدَةِ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ جَرَيَانُ مَاءِ دَارٍ إلَى أُخْرَى] (مَسْأَلَةٌ مِنْ غَزَّةَ) دَارَانِ مُتَلَاصِقَتَانِ إحْدَاهُمَا لِزَيْدٍ وَالْأُخْرَى لِعَمْرٍو هَدَمَ عَمْرٌو دَارِهِ وَعَمَرَهَا عَلَى غَيْرِ صِفَتِهَا وَجَدَّدَ فِيهَا مَسَاكِنَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْتَنَى دَارِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ الْآنَ وَأَنَّ مَاءَ الشِّتَاءِ الْمُجْتَمِعَ مِنْ عُلْوِ دَارِ عَمْرٍو، سُفْلُهَا يَمُرُّ فِي دَارِ زَيْدٍ وَيَذْهَبُ فِي الْقَنَاةِ الْكَائِنَةِ بِدَارِ زَيْدٍ بِحَقٍّ وَاجِبٍ ثَابِتٍ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمَآلِ، وَثَبَتَ مَضْمُونُ الْمَحْضَرِ عِنْدَ حَاكِمِ النَّاحِيَةِ وَكَانَ زَيْدٌ غَائِبًا فَحَضَرَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنْ جَرَيَانَ دَارِ عَمْرٍو عَلَى دَارِهِ حَادِثٌ وَأَنَّ مُرُورَهُ مِنْ أَرْضِهِ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ وَأَنَّهُ كَانَ بِدَارِ عَمْرٍو قَنَاةٌ يَذْهَبُ مَاءُ الشِّتَاءِ فِيهَا وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَا إلَى دَارِ زَيْدٍ وَلَا إلَى دَارِ عَمْرٍو فَمَا الْحُكْمُ؟ (الْجَوَابُ) يُمْنَعُ عَمْرٌو مِنْ جَرَيَانِ مَاءِ دَارِهِ فِي دَارِ زَيْدٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ بِبَيِّنَةٍ سَبَبُ الْحَقِّ الْوَاجِبِ وَإِنْ بَيَّنَ سَبَبًا صَحِيحًا اُتُّبِعَ وَقُدِّمَتْ عَلَى مَنْ شَهِدَتْ بِالْعُدْوَانِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا الَّذِي كَتَبْته عَلَيْهَا بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَمُسْتَنَدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ إجْرَاءِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ سَبَبٌ يَخْفَى عَنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ كَالْمِلْكِ فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بَيَانُ سَبَبِهِ وَلَا أَقُولُ: إنَّ الْبَيِّنَةَ بَاطِلَةٌ إذَا لَمْ تُبَيِّنْ السَّبَبَ بَلْ فَائِدَتُهَا أَنَّ عَمْرًا يَصِيرُ كَصَاحِبِ يَدٍ وَذَلِكَ أَنَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ وَوَضْعَ الْجُذُوعِ وَنَحْوَهُ إذَا رَأَيْنَاهُ ثَابِتًا وَجَهِلْنَا سَبَبَهُ حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ بِحَقٍّ وَلَمْ يَجُزْ لِمَنْ عَلَيْهِ الْحَمْلُ وَالْإِجْرَاءُ رَفْعُهُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ فَأَقَامَ عَمْرٌو بَيِّنَتَهُ

стр. 1039

الْمَذْكُورَةِ ثَبَتَ بِهَا وُجُودُ هَذَا الْحَقِّ وَلَمْ يُمَكِّنْ زَيْدًا مِنْ رَفْعِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِحَقٍّ وَاجِبٍ وَهَكَذَا فِي الْجُذُوعِ وَنَحْوِهِ فَإِذَا أَقَامَ زَيْدٌ بَيِّنَةً بِالْعُدْوَانِ ثَبَتَ وَأَلْزَمْنَا عَمْرًا بِرَفْعِهِ وَكَذَا فِي الْجُذُوعِ وَنَحْوِهِ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةَ مِلْكٍ أَوْ نَحْوَهَا بِأَنَّهُ اشْتَرَى أَوْ صَالَحَ أَوْ اسْتَأْجَرَ وَنَحْوَهُ إمَّا مِنْ زَيْدٍ وَإِمَّا مِمَّنْ قَبْلَهُ فَتَكُونُ بَيِّنَتُهُ نَاقِلَةً وَتَكُونُ بَيِّنَةَ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ فَمَعَ بَيِّنَةِ عَمْرٍو وَالْحَالَةُ هَذِهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَتْ فَجَازَ أَنْ تَكُونَ اعْتَمَدَتْ اسْتِمْرَارَ الْيَدِ وَقَدْ يَكُونُ اسْتِمْرَارُ الْيَدِ بِغَصْبٍ أَوْ عَارِيَّةٍ. وَكُنْت أَرَدْت أَنْ أُخْرِجَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ شَخْصٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهَا وَأَنَّ الدَّاخِلَ غَصَبَهَا مِنْهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهَا فَإِنَّهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى الصَّحِيحِ لَكِنَّ الْمُسْتَنَدَ فِيهِ أَنَّ الْخَارِجَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بَيِّنَتُهُ شَهِدَتْ بِمِلْكِ زَيْدٍ سَابِقَةً فَقُدِّمَتْ عَلَى مَنْ شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ وَحْدَهُ وَمَسْأَلَتُنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإِنَّ زَيْدًا صَاحِبُ يَدٍ فِي الدَّارِ وَعَمْرًا بَعْدَ قِيَامِ بَيِّنَتِهِ صَاحِبُ يَدٍ فِي الْحَقِّ وَبَيِّنَةُ زَيْدٍ شَهِدَتْ بِأَنَّ تِلْكَ الْيَدَ عَادِيَةٌ وَبَيِّنَةُ عَمْرٍو شَهِدَتْ بِأَنَّهَا بِحَقٍّ وَلَمْ تُبَيِّنْ فَإِنْ جَعَلْنَا شَهَادَتَهَا بِالْحَقِّ مُعَارِضَةً لِشَهَادَةِ بَيِّنَةِ زَيْدٍ بِالْعُدْوَانِ تَسَاقَطَتَا وَبَقِيَتْ الْيَدُ لِزَيْدٍ فِي دَارِهِ وَحُقُوقُهَا فَيُمْنَعُ عَمْرٌو مِنْ الْإِجْرَاءِ، وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهَا مُعَارِضَةً نَقُولُ: إنَّهَا شَهِدَتْ بِالْحَقِّ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ وَلَعَلَّ الْحَقَّ عَارِيَّةٌ، وَقَوْلُهَا: إنَّهَا وَاجِبَةٌ مِمَّا يَخْفَى سَبَبُهُ وَالشَّيْءُ إذَا خَفِيَ سَبَبُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ الشَّاهِدِ إطْلَاقُهُ كَالنَّجَاسَةِ وَنَحْوِهَا فَحِينَئِذٍ لَمْ تَفِدْ شَهَادَتُهُمَا إلَّا وُجُودَ جَرَيَانِ الْمَاءِ لِيَصِيرَ صَاحِبُهُ صَاحِبَ يَدٍ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ صَدَرَتْ دَعْوَى صَحِيحَةٌ وَإِلَّا فَزَيْدٌ غَائِبٌ كَمَا قَالَ فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَالْمَحْضَرِ الَّذِي عَمِلَ بِإِنْشَاءِ دَارِ عَمْرٍو ضِمْنَ هَذَا الْفَصْلِ عَلَى سَبِيلِ الْوَصْفِ. وَفِي سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ نَظَرٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: تُسْمَعُ بِتَغَايُرٍ وَهُوَ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: لَا يَثْبُتُ مُوجِبُهَا فِي حَقِّ زَيْدٍ إلَّا بِشَرْطِ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ وَالدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ هُنَا مُتَعَذِّرَةٌ؛ لِأَنَّ عَمْرًا يَدَّعِي أَنَّ هَذَا الْمَاءَ مُسْتَمِرُّ الْجَرَيَانِ فَمُقْتَضَى دَعْوَاهُ أَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ فَهُوَ لَا يُنْشِئُ دَعْوَى وَالْغَائِبُ لَيْسَ يَمْنَعُهُ حَتَّى يَقُولَ: إنَّهُ يَمْنَعُنِي إنْ سَأَلَ مَنْعَهُ مِنْ الْمَنْعِ فَالْوَجْهُ تَأْخِيرُ الْمُخَاصَمَةِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ وَتَبْتَدِيَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ أَنَّ الْإِجْرَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ يَقُولَ عَمْرٌو: إنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ إجْرَائِهِ وَهُوَ الْحَقُّ وَحِينَئِذٍ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ وَإِذَا

стр. 1040

سُمِعَتْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ تَتَعَلَّق بِالْوَقْفِ] رَجُلٌ فِي يَدِهِ قِيرَاطٌ مِنْ ضَيْعَةٍ اشْتَرَاهَا مِنْ شَخْصٍ بِمَكْتُوبٍ بِيَدِهِ وَحَضَرَ الْبَائِعُ وَقَالَ: إنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَحَضَرَ مَكْتُوبُ شِرَاءِ أَبِيهِ مِنْ شَخْصٍ وَلَمْ يَحْضُرْ مِنْ أُصُولِهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَحَضَرَ كِتَابُ وَقْفٍ يَشْهَدُ أَنَّ شَخْصًا وَقَفَ قِيرَاطًا مِنْ تِلْكَ الضَّيْعَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ وَذُرِّيَّتِهِ فِي سَنَةِ ٦٨١ وَثَبَتَ إقْرَارُهُ بِالْوَقْفِ الْمَذْكُورِ وَإِقْرَارُهُ بِأَنَّ حَاكِمًا يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ وَصِحَّةَ وَقْفِ الْمُشَاعِ حُكِمَ بِذَلِكَ ثُمَّ اتَّصَلَ هَذَا الثُّبُوتُ بِابْنِ بِالْحَوْلِ قَاضِي أَذْرَعَاتٍ أَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَزَلْ مَالِكًا جَائِزًا لِذَلِكَ إلَى حِينِ الْوَقْفِ وَبَعْدَهُ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ الْمُرَحَّلِ وَاتَّصَلَ بَعْدَهُ إلَى الْآنَ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ الْقِيرَاطَ الَّذِي بِيَدِ الْمُشْتَرِي كَانَ بِيَدِ الْوَاقِفِ وَلَا بِيَدِ أَحَدٍ مِمَّنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بَعْدَهُ فَحَضَرَ شَخْصٌ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ وَقَصَدَ انْتِزَاعَ الْقِيرَاطِ الَّذِي بِيَدِ الْمُشْتَرِي وَأَثْبَتَ كِتَابَ إقْرَارِ الْوَقْفِ الْمُتَّصِلِ عَلَى أَقْضَى الْقُضَاةِ عَلَاءِ الدِّينِ نَائِبِ الْحُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِدِمَشْقَ ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَى مَجْلِسِ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفِ الدِّينِ الْمَالِكِيِّ فَصَدَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورِ إقْرَارٌ فِي مَجْلِسِهِ كُتِبَ بِهِ فَصْلٌ فِي ذَيْلِ كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ جَمِيعَ الْقِيرَاطِ مِنْ الضَّيْعَةِ الْمَذْكُورَةِ أَعْلَاهُ فِي يَدِهِ وَشَهِدَ بِذَلِكَ كِبَارٌ وَادَّعَوْا عِنْدَ الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ فَأَثْبَتَهُ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِهِ وَأَنَّهُ حَكَمَ بِرَفْعِ يَدِهِ ثُمَّ سَأَلَ الْمُشْتَرِي مِنْ مِلْكِ الْأُمَرَاءِ عَقْدَ مَجْلِسٍ يُعْقَدُ بِحُضُورِ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ. فَجَرَى الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْقِيرَاطَ الْمَوْقُوفَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْقِيرَاطِ الَّذِي بِيَدِ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الْفَصْلَ الْمُكْتَتَبَ عَلَى إقْرَارِهِ لَمْ يَقُلْ فِيهِ: إنَّهُ هُوَ، وَلَا قَالَ: هُوَ الْمَذْكُورُ أَعْلَاهُ وَهِيَ صِفَةٌ لِلضَّيْعَةِ لَا لِلْقِيرَاطِ وَعَلَامَةُ الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ عَلَيْهِ وَالْأَدَاءُ إنَّمَا هُوَ لِمَا تَضَمَّنَهُ فَقَالَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ: إنَّ صِيغَةَ الْأَدَاءِ الَّتِي أُدِّيَتْ عِنْدَهُ تَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ، وَجَرَى الْكَلَامُ أَيْضًا فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الْقِيرَاطِ هِيَ لِلْعَهْدِ وَإِذَا كَانَتْ لِلْعَهْدِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ هُوَ وَجَرَى الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْمُقِرَّ الْمَذْكُورَ ظَهَرَ مِنْ قَرَائِنِ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ، وَقَالَ وَكِيلُهُ: إنَّمَا قَالَ: الْقِيرَاطُ مِلْكِي فَهَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ يَرْفَعُ يَدَهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مَانِعًا أَوْ لَا؟ .

стр. 1041

(الْجَوَابُ) نَفْسُ الْوَقْفِ لَمْ يَثْبُتْ وَإِنَّمَا ثَبَتَ إقْرَارُ الْوَاقِفِ وَالْحُكْمُ بِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْوَاقِفِ وَعَلَى مَنْ تَلَقَّى عَنْهُ وَالْمُشْتَرِي الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْيَدِ لَمْ يَتَلَقَّ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا ثَبَتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُتَبَايِعِينَ تَرَتَّبَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَلَا مِمَّنْ تَسْتَنِدُ يَدُهُ إلَى الْوَاقِفِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُ إقْرَارِهِ بِالْوَقْفِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ إقْرَارُهُ إلَّا لَهُ وَلِمَنْ تَرَتَّبَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَإِقْرَارُهُ بِالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، وَإِقْرَارُهُ بِأَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ عَلَيْهِ يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَقْفُ الْمُشَاعِ مُعْتَبَرٌ أَيْضًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا يَجُوزُ لَنَا بِذَلِكَ أَنْ نَحْكُمَ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ حَتَّى لَوْ أَقَامَ شَخْصٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بَعْدَ الْوَقْفِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ كَانَ لِمَنْ يَرَى بُطْلَانَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا وَيَكُونَ مُقَدِّمَهَا عَلَى إقْرَارِهِ وَعَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ لِكَوْنِهَا ذَكَرَتْ مَا لَوْ اطَّلَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ فَحِينَئِذٍ مَا أَفَادَنَا ذَلِكَ غَيْرَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِمُوجَبِ إقْرَارِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِنْدَ مَنْ يَرَى بُطْلَانَهُ وَإِثْبَاتَ ابْنِ بَابَا جُولٍ الْمِلْكَ وَالْحِيَازَةَ مَعَ مَا فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ تَارِيخِ الْإِقْرَارِ، وَمَنْ هُوَ الشَّاهِدُ الَّذِي يَكُونُ أَدْرَكَ الْوَقْفَ قَبْلَهُ وَعَرَفَ الْمِلْكَ حِينَئِذٍ لَكِنَّا لَا نَقْدَحُ فِي الشُّهُودِ وَنَبْنِي الْأَمْرَ عَلَى السَّلَامَةِ وَنَقُولُ: ثَبَتَ الْمِلْكُ فَهَلْ يَقْتَضِي ذَلِكَ ثُبُوتَ الْوَقْفِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ مَالِكٌ إلَى حِينِ عِلْمِهِمْ بِالْوَقْفِ أَوَّلًا إمَّا لِأَنَّ مُرَادَهُمْ إلَى قُبَيْلِ الْإِقْرَارِ الَّذِي يَحْكُمُ بِفَسَادِ الْوَقْفِ إلَيْهِ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَلَغَهُمْ الْوَقْفُ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ لَا تَسُوغُ الشَّهَادَةُ بِهِ وَيَسُوغُ قَوْلُهُمْ إيَّاهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ لِغَايَةِ زَمَانِ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ. وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ أَعْنِي أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ إلَى الْوَقْفِ لَا تَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ بِالْوَقْفِ فَلِذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْوَقْفُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ بِثُبُوتِ الْوَقْفِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ الْوَاقِفِ فَلَا يُمْكِنُ الْحَاكِمَ الَّذِي يَرَى بُطْلَانَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا تَضَمَّنَهُ بَعْضُ الْإِسْجَالَاتِ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ رَفْعًا لِلْخِلَافِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْوَرَّاقِ وَهُوَ جَهْلٌ

стр. 1042

لِأَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ بِتَقْدِيرِ أَنَّهُ يُثْبِتُ أَنَّهُ بَاعَهُ بَعْدَ الْوَقْفِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّ الْخِلَافَ لَا شَكَّ فِيهِ عَائِدٌ، وَلِمَنْ يَرَى بُطْلَانَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِبَيْعِهِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ حَسَّنَّا الظَّنَّ بِالْوَرَّاقِ قُلْنَا: لِأَنَّ مُرَادَهُ رَفْعُ الْخِلَافِ فِي الْحُكْمِ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ لَا شَكَّ فِيهِ وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ لَا شَكَّ فِي امْتِنَاعِهِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ تَفِدْنَا عِنْدَ مَنْ يَرَى بُطْلَانَ الْوَقْفِ شَيْئًا وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ فَلْيَلْتَفِتْ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ هَلْ تَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ بِالْوَقْفِ فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مُتَضَمِّنَةً لَهُ فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا أَيْضًا إلَّا ثُبُوتَ الْمِلْكِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ مُنَازِعًا يُقِيمُ بَيِّنَةً بِمِلْكِهِ وَيَطْلُبُ انْتِزَاعَهُ مِنْ الْوَاقِفِ وَمِمَّنْ تَلَقَّى عَنْهُ فَتَكُونُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ مُعَارِضَةً لِبَيِّنَتِهِ وَإِنْ جَعَلْنَاهَا مُتَضَمِّنَةً الشَّهَادَةَ بِالْوَقْفِ فَيُقْتَضَى الْوَقْفُ وَالْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ. وَإِلَى الْآنَ لَمْ نَجِدْ حَاكِمًا حَكَمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ فَلِمَنْ يَرَى بُطْلَانَهُ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِهِ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ إقْرَارُ الْوَاقِفِ بِالْحُكْمِ فَلَمَّا ثَبَتَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ فَقَطْ وَفِي حَقِّ مَنْ تَلَقَّى عَنْهُ فَيَمْتَنِعُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ بِالْبُطْلَانِ لَكِنَّ الْحُكْمَ بِرَفْعِ الْيَدِ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ لَا وَجْهَ لَهُ فَإِذَا أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّ هَذَا الْقِيرَاطَ الَّذِي فِي يَدِي هُوَ الْقِيرَاطُ الَّذِي أَقَرَّ الْوَاقِفُ أَنَّهُ وَقَفَهُ وَأَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَقَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ إلَى حِينِ الْوَقْفِ، بَقِيَ احْتِمَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ كَاذِبًا فِي أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَيَكُونُ انْتَقَلَ عَنْهُ بَعْدَ الْوَقْفِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ وَقْفٌ بِالْكُلِّيَّةِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ هَذَا الِاحْتِمَالِ تَكُونُ يَدُهُ بِحَقٍّ فَهَلْ لَنَا أَنْ نُزِيلَ يَدَهُ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَلِأَنَّ الْمُقِرَّ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي اسْتِيفَاءَ مَشْرُوطِهِ وَلَا يَكْفِي فِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْأَصْلِ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ لَا الْإِقْدَامَ. وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا: الْأَصْلُ عَدَمُهُ، إنَّمَا يُفِيدُ الظُّهُورَ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِالظُّهُورِ الَّذِي تُفِيدُهُ الْيَدُ وَالْيَدُ لَا تُزَالُ بِالْأَصْلِ وَإِنَّمَا تُزَالُ بِالْبَيِّنَةِ. هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ يَحْتَاجُ إلَى فِكْرٍ قَوِيٍّ. هَذَا إذَا حُرِّرَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى إقْرَارِ الْمُشْتَرِي بِإِيجَادِ مَا فِي يَدِهِ وَمَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَالْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ فِيهِ لِلْوَاقِفِ أَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ وَقَدْ احْتَمَلَ فَظَاهِرُ حَالِ الْمُقِرِّ عَدَمُ الْفَهْمِ كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ فِي أَنَّهُ إذَا بَاعَ ثُمَّ ادَّعَى الْإِكْرَاهَ وَكَانَ

стр. 1043

حَالُ الْبَيْعِ فِي تَرْسِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَشْهَدُ ظَاهِرُ حَالِهِ بِتَصْدِيقِهِ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي الْآنَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ يَتَجَدَّدُ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَظَرٌ آخَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَيْنًا فِي يَدِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: هَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) مَنْقُولَةٌ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عَيْنًا فِي يَدِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَانْتُزِعَتْ مِنْ الَّتِي هِيَ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَحْضَرَ الدَّاخِلُ الَّذِي كَانَتْ فِي يَدِهِ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ مُسْتَنِدًا إلَى مَا قَبْلَ نَزْعِهَا مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ الَّذِي حَكَمَ بِانْتِزَاعِهَا يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَلَا يَسْمَعُهَا بَعْدَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا حَكَمَ لِلْخَارِجِ بِبَيِّنَتِهِ لِعَدَمِ إتْيَانِ الدَّاخِلِ بِبَيِّنَةٍ وَقَدْ أَتَى بِهَا الْآنَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ تُسْمَعُ وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ وَتُرَدُّ إلَى الدَّاخِلِ، وَالثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ لَا تُسْمَعُ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ إنْ قَامَتْ بَعْدَ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ سُمِعَتْ وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ وَإِنْ قَامَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ لَمْ تُسْمَعْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَأَكَّدَ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَوْ جَهِلْنَا هَلْ حَكَمَ الْحَاكِمُ مُسْتَنِدًا إلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ أَوْ إلَى عَدَمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ لَمْ يُنْقَضْ فِي الْأَصَحِّ. التَّوْجِيهُ: أَمَّا قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ فَمَأْخَذُهُ أَنَّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ إذَا عَارَضَتْهَا وَهَلْ الْحُكْمُ بِهَا لِرُجْحَانِهَا بِالْيَدِ لِتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَتَسَاقُطِهِمَا؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي تَحْلِيفِهِ إنْ قُلْنَا الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَحْلِفْ وَإِنْ قُلْنَا بِالْيَدِ حَلَفَ. إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَإِذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ قَبْلَ الْحُكْمِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ لِأَنَّهَا أَقْوَى وَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ لِأَنَّ جَانِبَهُ أَقْوَى وَالْحُكْمُ بِالْأَقْوَى وَاجِبٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَى الْأَضْعَفِ كَمَا لَا يُلْتَفَتُ إلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لِلْخَارِجِ بِبَيِّنَتِهِ حَيْثُ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ ثُمَّ قَامَتْ كَانَ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ وَجَدَ النَّصَّ بِخِلَافِهِ فَيَنْقُضُهُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالِاجْتِهَادِ مَانِعًا مِنْ الِاعْتِدَادِ بِالْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مَعْذُورًا لِعَدَمِ عِلْمِهِ فَإِذَا ظَهَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَجَبَ نَقْضُهُ كَذَلِكَ هُنَا الْبَيِّنَةُ لِلدَّاخِلِ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْحُكْمِ لِلْخَارِجِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْحَاكِمُ وَلَوْ عَلِمَ بِهَا لَحَكَمَ لِلدَّاخِلِ وَلَمْ يَحْكُمْ لِلْخَارِجِ فَإِذَا ظَهَرَتْ بَعْدَ الْحُكْمِ كَانَتْ هِيَ وَالْيَدُ مَانِعَتَيْنِ مِنْ الِاعْتِدَادِ بِالْحُكْمِ لِلْخَارِجِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ

стр. 1044

بِأَنَّهُ لَا يُنْقَضُ فَفِي كَلَامِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ مَأْخَذَهُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّ تَرْجِيحَ الْبَيِّنَةِ الْمُنْضَمَّةِ إلَى الْيَدِ لَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ كَالنَّصِّ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ فَلَا يُنْقَضُ بِهِ الْحُكْمُ، وَالثَّانِيَ: أَنَّ حُكْمَ الْخَارِجِ وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ فَلَا يُنْقَضُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى كَوْنِ الْحُكْمِ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ أَوْ لَا، وَاحْتِمَالًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ إنَّمَا مُسْتَنَدُهَا ظَنٌّ فَلَوْ نَقَضْنَا حُكْمَ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِالْأُخْرَى لَنَقَضْنَا الظَّنَّ بِالظَّنِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُفِيدُ الظَّنَّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْبَيِّنَةِ مَقْطُوعٌ بِوُجُوبِهِ مِنْ الشَّرْعِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَبَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ لَا نَحْكُمُ بِالنَّقْضِ بَلْ نَتْرُكُهَا فِي يَدِ الْمَحْكُومِ لَهُ، وَقَبْلَهُ لَا نُسَلِّمُ بَلْ نَتْرُكُهَا فِي يَدِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِحُكْمِهِ فَهَذَا يَكُونُ مَأْخَذُهُ التَّوَقُّفَ مَعَ الشَّكِّ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يَحْكُمُ بِبُطْلَانِ الْحُكْمِ فَلَا وَجْهَ لَهُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَبَعْدَهُ وَالْحُكْمُ مُتَأَكِّدٌ بِنَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤَكِّدٍ. هَذَا مَا وَصَلَ إلَيْهِ فِكْرِي فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: إنَّهَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَتَرَدَّدَ جَوَابُهُ فِيهَا وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَمْ بَعْدَهُ. وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَخْتَارُ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَتَعْلِيلُهُ مَا قَدَّمْته وَمَحَلُّهُ إذَا تَحَقَّقَ مِنْ الْحَاكِمِ أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ لِعَدَمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَإِنْ حَكَمَ؛ لِأَنَّهُ يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ أَوْ احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقُضْ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَدَارَ نَقْضِ الْحُكْمِ عَلَى تَبَيُّنِ الْخَطَأِ وَالْخَطَأُ إمَّا فِي اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ حَيْثُ يَتَبَيَّنُ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ أَوْ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ بِخِلَافِهِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ، وَإِمَّا فِي السَّبَبِ حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ كَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَفِي الْقِسْمَيْنِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَنْفُذْ فِي الْبَاطِنِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْقِسْمِ الثَّانِي إذَا كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى شَهَادَةِ زُورٍ فِي الْعُقُودِ أَوْ الْفُسُوخِ وَأَمَّا الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ إجْمَاعًا أَوْ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا فَنَافِذٌ قَطْعًا وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالصَّادِرُ عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ وَلَكِنَّهُ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَوْ مُجْتَهَدٍ فِيهِ يَتَقَدَّمُ فِيهِ خِلَافٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى رَدِّهِ فَنَافِذٌ

стр. 1045

ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَيْضًا وَقِيلَ بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ، وَمِثَالُ ذَلِكَ شُفْعَةُ الْجِوَارِ إذَا حَكَمَ بِهَا الْحَنَفِيُّ فَالْأَصَحُّ حِلُّهَا عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَرَجُلٌ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ فَقَضَى الْقَاضِي عَلَى الْمُقِرِّ بِكُلِّ الدَّيْنِ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْفَتَاوَى نَفَذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ وَهُوَ وُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَى أَبِيهِ وَالْوَارِثُ الْمُقِرُّ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيهَا قَضَاءُ الْقَاضِي إلَّا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَاكَ، وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى تُنَاسِبُ مَسْأَلَتَنَا الَّتِي نَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا وَهِيَ رَجُلٌ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ مُطْلَقًا وَأَخَذَ الدَّارَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي وَالزَّوَائِدُ عَلَى مِلْكِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتِلْكَ الدَّارِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ تِلْكَ الدَّارَ مِلْكِي مِنْ شَهْرٍ يُنْقَضُ الْقَضَاءُ وَتُسَلَّمُ إلَى الثَّانِي مَعَ الزَّوَائِدِ. انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي تَعْلِيلِهِ أَنَّ الْمُؤَرِّخَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمُطْلِقَةِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُعْتَضَدَةَ بِالْيَدِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ وَهُوَ قَدْ اخْتَارَ عَدَمَ النَّقْضِ بِهَا فَلَعَلَّ هَذَا مِنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ كَانَ يَرَى النَّقْضَ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ تَرَدَّدَ جَوَابُهُ فِيهِ وَاسْتَفَدْنَا مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي هَذَا أَنَّ الْخَارِجَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الَّذِي أُزِيلَتْ يَدُهُ عَنْ الْعَيْنِ إمَّا فِي صُورَةِ الزَّوَائِدِ لِأَجْلِ الزَّوَائِدِ وَإِمَّا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ فِي يَدِهِ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ. هَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيِّنَةِ إذَا قَامَتْ لِلدَّاخِلِ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَانْتِزَاعِ الْعَيْنِ مِنْ يَدِهِ لِلْخَارِجِ. أَمَّا إذَا جَاءَ خَارِجٌ آخَرُ وَادَّعَاهَا فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ شُرَيْحٍ فَرْعًا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى خَالِدٍ عَبْدًا فِي يَدِ خَالِدٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَقُضِيَ لَهُ ثُمَّ أَقَامَ عَمْرٌو بَيِّنَةً أَنَّهُ لَهُ قَالُوا: إنْ قُلْنَا: بَيِّنَةُ قَدِيمِ الْمِلْكِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ حَدِيثِهِ فَقَدْ تَعَارَضَتَا فَلَا يَحْتَاجُ زَيْدٌ إلَى إعَادَةِ بَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ كَانَ مُسْتَنَدًا إلَى حِينِ التَّنَازُعِ وَإِنْ قُلْنَا: هُمَا سَوَاءٌ فَقَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يُحْتَاجُ إلَى إعَادَةٍ وَيَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الشَّهَادَةِ حِينَ التَّنَازُعِ وَلَمْ يَشْهَدْ بِمَا مَضَى وَجَرَى هَذَا مَجْرَى الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ وَوَقَفَ الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ فَإِنْ بَانَ عَدَالَتُهُمْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ الْمَاضِيَةِ

стр. 1046

وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الشَّهَادَةِ. وَ (الثَّانِي) لَا يَتَعَارَضَانِ حَتَّى يُعِيدُوا الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهُمَا الْآنَ تَنَازَعَا وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّعَارُضُ مُقَابَلَةً حِينَ التَّنَازُعِ وَلَمْ يَتَقَابَلَا فَاحْتِيجَ إلَى إعَادَةِ الشَّهَادَةِ لِيَتَقَابَلَا. كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ. وَفِي الشَّافِي لِلْجُرْجَانِيِّ وَهَلْ صُورَةُ هَذَا النِّزَاعِ فِيمَا إذَا أَطْلَقَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ الْمِلْكَ الْآنَ أَوْ فِيمَا إذَا شَهِدَتْ بِهِ وَأَسْنَدَتْهُ إلَى مَا قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُهُمْ فَيَكُونُ الْمَأْخَذُ إمَّا عَلَى قَوْلِ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ يُعَلِّلُهُ بِأَنَّهُمَا تَعَارَضَتَا فِي الْمِلْكِ الْآنَ وَانْفَرَدَتْ السَّابِقَةُ بِالْمِلْكِ الْقَدِيمِ فَيَسْتَصْحِبُهُ الْآنَ فَتَكُونُ كَأَنَّهَا أُقِيمَتْ الْآنَ فَتَتَعَارَضُ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ انْفِرَادُهَا بِالْمِلْكِ الْقَدِيمِ لَا أَثَرَ لَهُ وَإِنَّمَا الْمَقْبُولُ شَهَادَتُهُمَا الْآنَ فَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا. وَالثَّانِي: يَجْعَلُهَا كَأَنَّهَا شَهِدَتْ الْآنَ كَمَا لَوْ شَهِدَتْ ثُمَّ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ نَظَرًا فِي تَعْدِيلِهَا، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ فِي مُدَّةِ الْكَشْفِ عَنْ التَّعْدِيلِ الْمُدَّعِي يَطْلُبُ وَهِيَ مُقِيمَةٌ عَلَى شَهَادَتِهَا فَكَأَنَّهُ عِنْدَ التَّعْدِيلِ مُقِيمٌ لَهَا نَعَمْ لَوْ تَأَخَّرَتْ مُدَّةً وَاحْتُمِلَ تَغَيُّرُ الْحَالِ مِنْ تَجَدُّدِ سَبَبٍ يَنْبَغِي أَنْ تُسْتَعَادَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يَقُولُوا بِهِ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا: إذَا قُلْنَا: بَيِّنَةُ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ أَوْلَى مِنْ الثَّانِيَةِ الْمُطْلِقَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ فِيهَا إثْبَاتَ الْمِلْكِ فِي الْمَاضِي صَرِيحًا وَالْآنَ اسْتِصْحَابًا وَالثَّانِيَةُ بِالْعَكْسِ فَتَسَاوَيَا وَتَعَارَضَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا أَثَرَ لَهَا أَصْلًا. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهَا شَهِدَتْ الْآنَ وَاسْتَنَدَتْ إلَى مَا قَبْلَ الْحُكْمِ. فَإِنْ قُلْنَا: بَيِّنَةُ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ أَوْلَى فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هُنَا بِالتَّعَارُضِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِرُجْحَانِ الثَّانِيَةِ لِتَصْرِيحِهَا بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَةَ مُقَدَّمَةٌ إلَّا أَنْ تُعِيدَ الْأُولَى الشَّهَادَةَ. ثُمَّ إنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْحُكْمِ إذَا قُلْنَا بِالتَّعَارُضِ هَلْ يَرُدُّ الْعَبْدَ إلَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ لَا أَنَّ ذَلِكَ هَلْ هُوَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ أَوْ لَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَيَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ فِي يَدِ خَالِدٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ الشَّكُّ بِالتَّعَارُضِ تَوَقَّفْنَا عَنْ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ أَمَّا لَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ فَإِنْ قُلْنَا: يُرَدُّ إلَى خَالِدٍ كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ بِالشَّكِّ وَالتَّعَارُضِ الْمُجَرَّدِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدَّاخِلِ إذَا

стр. 1047

أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُسْتَنِدٌ إلَى الْبَيِّنَةِ مَعَ الْيَدِ، وَلَئِنْ قِيلَ: إنَّهُ ظَهَرَ لَنَا بِالتَّعَارُضِ صُدُورُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ التَّعَارُضُ قَبْلَ الْحُكْمِ مُنِعَ مِنْ الْحُكْمِ. قُلْنَا: وَهَكَذَا بَيَانُ حُدُوثِ دَلِيلٍ لِلْحَاكِمِ يَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ فِي الْحُكْمِ فِيمَا هُوَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ بِهِ الْحُكْمُ، فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ التَّعَارُضَ الْمُجَرَّدَ لَا يُوجِبُ نَقْضَ الْحُكْمِ وَأَنَّ الْوَجْهَ بَقَاؤُهَا فِي يَدِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ الْآنَ وَأَنَّ التَّعَارُضَ الْمَحْضَ الَّذِي لَا تَرْجِيحَ مَعَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ لَا أَثَرَ لَهُ. وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْفَرْعُ أَمْرًا لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ مِلْكٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ اسْتَصْحَبْنَا حُكْمَهُ إلَى الْآنَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي هَذَا الْفَرْعِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ وَلَيْسَ كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَمْسِ فَأَنَّهَا غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ عَلَى قَوْلٍ إذَا قَصَدَ بِهَا الْمِلْكَ الْآنَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْتَضِيهِ بَلْ تَقْتَضِي رُتْبَةً فِيهِ وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ حِينَ شَهِدَتْ كَانَتْ مَقْبُولَةً قَطْعًا فَلْيُسْتَصْحَبْ حُكْمُهَا فَإِنْ عَارَضَتْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى فَيَأْتِي مَا قَالُوهُ فِي الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّهَا هَلْ يُحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهَا مَرَّةً أُخْرَى وَإِنْ عَارَضَتْهَا يَدٌ فَهَلْ نُزِيلُهَا بِمَا عَلِمْنَاهُ مِنْ الْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ نُبْقِيهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَدَثَ بِأَقَلِّ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَمْسِ، قَالُوا: الْأَصَحُّ لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنْ اُقْتُضِيَ بَقَاؤُهُ فَالْيَدُ تَقْتَضِي الِانْتِقَالَ وَقَالُوا عَلَى هَذَا إنَّهُ إذَا قَالَتْ: لَا نَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا سُمِعَتْ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَشْهَدَ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ مَا عَرَفَهُ مِنْ قَبْلُ كَشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ كَانَ يُجَوِّزُوا لَهُ وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ يَقْتَضِي أَنَّا إذَا أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ فِيمَا مَضَى لَا تُعَارِضُهُ الْيَدُ الْمُشَاهَدَةُ الْآنَ بَلْ نُزِيلُهَا إلَى أَنْ يَثْبُتَ انْتِقَالٌ، وَهَذَا إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ. أَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ مَثَلًا إذَا شَهِدَتْ أَنَّهُ أَقَرَّ أَمْسِ اُسْتُدِيمَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ بَعِيدٍ وَفِي الْإِقْرَارِ بِالْمِلْكِ السَّابِقِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمُؤَاخَذَةُ وَلَوْ أَسْنَدَتْ الْبَيِّنَةُ الشَّهَادَةَ إلَى التَّحْقِيقِ بِأَنْ قَالَتْ هُوَ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ أَوْ أَقَرَّ بِهِ بِالْأَمْسِ قُبِلَتْ وَالشَّهَادَةُ بِالْيَدِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَضْعَفَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ إذَا زَالَتْ ضَعُفَتْ دَلَالَتُهَا، وَإِذَا قُلْنَا: الشَّهَادَةُ بِالْيَدِ السَّابِقَةِ لَا تُسْمَعُ فَلَوْ زَادَ الشَّاهِدَانِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَخَذَهُ مِنْهُ أَوْ غَصَبَهُ سُمِعَتْ وَيُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي وَيُجْعَلُ صَاحِبَ يَدٍ، وَحَيْثُ قَالَ

стр. 1048

الشُّهُودُ لَا نَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَ شَهَادَتِهِمْ إلَّا أَنْ يَقُولُوا: غَصَبَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ وَلَمْ يُسْقِطُوا الظَّاهِرَ الَّذِي مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْيَدِ فَأُضِيفَ إلَيْهَا الْيَمِينُ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَمَّا جَمَعَ مِنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ اشْتَرَاهَا الْمُدَّعِي مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهَا وَلَمْ يَقُولُوا: إنَّهَا الْآنَ مِلْكُهُ فَفِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ قَوْلَانِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ بِالْأَمْسِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ كَافِيَةٌ. قُلْت: وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا بَيِّنَةً أُخْرَى وَإِلَّا فَهِيَ شَهَادَةٌ بِبَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ قَطْعًا وَيَتَوَقَّفَ الْعَمَلُ بِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى التَّكْمِلَةِ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى أَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ إذَا ادَّعَى دَارًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَانْتَزَعَهَا وَجَاءَ آخَرُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ أَوْ يَسِيرَةٍ يَدَّعِيهَا وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي كَانَتْ فِي يَدِهِ وَكَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَئِذٍ يُقْضَى بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي وَكَانَ كَمَا لَوْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ إنْسَانٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهَا وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ يَوْمَ كَذَا وَلَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَئِذٍ وَلَكِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَئِذٍ سُمِعَتْ هَاتَانِ الْبَيِّنَتَانِ وَصَارَتَا كَبَيِّنَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَحْصُلُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَيِّنَةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا الْمُدَّعِي الْأَوَّلُ. وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْأُمِّ لَوْ ادَّعَى عَبْدُ الْمَلِكِ أَرْضًا فِي يَدِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَاعَهَا وَهُوَ يَمْلِكُهَا أَوْ أَنَّهَا أَرْضُ الْمُدَّعِي اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَقَبَضَهَا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا بِالْقَبْضِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَفِي هَذَا الْقَبْضِ دَلِيلٌ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْيَدِ أَمْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحُكْمِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ، ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّ هَذَا يَعْنِي إذَا شَهِدُوا بِالشِّرَاءِ أَوْ الْمِلْكِ شَهَادَةً بِالْمِلْكِ أَمْسِ. وَأَجَابَ بِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا حَصَلَ مِنْ جِهَتِهِ فَإِذَا كَانَتْ مِلْكَ الْبَائِعِ كَانَ كَيَدِ الْمُشْتَرِي الْآنَ فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَتْ لَهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مِنْ سَنَةٍ وَيُخَالِفُ إذَا قَالَتْ كَانَ مَالِكًا لَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي بَقَاءَ مِلْكِهِ فِيهَا إلَى الْآنَ، وَهَذَا يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ

стр. 1049

الْقَفَّالِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَضْعُفُ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ الْقَفَّالُ. وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ هُنَا يَحْتَمِلُ فِي الْأَمْلَاكِ الَّتِي تَحْتَمِلُ النَّقْلَ أَمَّا الْوَقْفُ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ، فَإِذَا شَهِدَتْ بِوَقْفٍ وَأَنَّ الْوَاقِفَ مَالِكٌ حِينَ الْوَقْفِ اُنْتُزِعَتْ مِنْ يَدِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ وَأَخَذَهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَلَا بَيِّنَةَ فِيهِ خِلَافُ نَعَمْ هَذَا إذَا كَانَتْ بَيِّنَةً مُحَرِّرَةً وَقَدْ تَقَعُ مُرَتِّبَةً. وَقَدْ اتَّفَقَ لَنَا ذَلِكَ فِي الْمُحَاكَمَاتِ أَرْضٌ بِيَدِ شَخْصٍ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِوَقْفِهَا فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَبَيِّنَةٌ أُخْرَى فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِمِلْكِ الْوَاقِفِ حِينَ الْوَقْفِ فَحَصَلَ التَّوَقُّفُ فِيهَا لِهَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَلِعَدَمِ رُكُونِ الْقَلْبِ إلَى الشُّهُودِ كُلَّ الرُّكُونِ. وَفِيمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: قَدْ عَرَفْت هَذِهِ الدَّارَ مِلْكَ فُلَانٍ وَمَاتَ وَانْتَقَلَتْ إلَى فُلَانٍ وَارِثِهِ فَأَقِمْ بَيِّنَةً عَلَى تَمَلُّكِهِ مِنْهُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَتَنْدَفِعُ بَيِّنَتُهُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلْيَكُنْ هَذَا جَوَابًا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ. قُلْت بَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ هَذَا، مَا أَرَدْنَا أَنْ نُنَبِّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي فِيهَا اسْتِصْحَابُ الْمِلْكِ الثَّابِتِ فِي الْمَاضِي إلَى الْحَالِ وَتَعَلَّقَ بِهَا غَيْرُهَا وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ لَنَا مَسَائِلَ أُخْرَى عَكْسَهُ يُسْتَصْحَبُ فِيهَا الْمِلْكُ الثَّابِتُ الْآنَ إلَى الْمَاضِي فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا أُخِذَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِحُجَّةٍ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَا أُخِذَ مِنْ الْمُتَّهَبِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَهُوَ مُشْكِلٌ إذَا لَمْ تَتَعَرَّضْ الْبَيِّنَةُ إلَى إسْنَادِ الْمِلْكِ إلَى مَا قَبْلَ الشِّرَاءِ أَطْلَقَتْهُ وَالْبَيِّنَةُ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ إلَّا قَبْلَهَا فَكَيْفَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ مَعَ إطْلَاقِ الْبَيِّنَةِ الْمِلْكَ وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا انْتِقَالًا جَدِيدًا. وَمَعَ قَوْلِ الْأَصْحَابِ: إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ قَالُوا: لَا يُقْضَى لِلْمَشْهُودِ لَهُ بِالْمِلْكِ بِالنِّتَاجِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَعَجِيبٌ أَنْ نَزَلَ النِّتَاجُ فِي يَدِهِ وَقَدْ حَصَلَ قَبْلَ الْبَيِّنَةِ وَبَعْدَ الشِّرَاءِ ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّهُ أَكْثَرَ الْبَحْثَ عَنْهُ وَأَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْجَوَابِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْكَى إلَّا أَنِّي سَأَلْت عَنْهُ فَقِيهًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: إنَّمَا يَثْبُتُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِالْبَيْعِ كَأَنَّهُ ضَمِنَ سَلَامَةَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ وَأُخِذَ مِنْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِحُكْمِ الضَّمَانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْبَيْعُ. قُلْت: وَفِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجْهٌ وَأَنَا أَمِيلُ إلَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ

стр. 1050

عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى تُصَرِّحَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ مِلْكَهُ مُسْتَنِدٌ إلَى مَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَأَنَّ الْمِلْكَ الْحَاضِرَ لَا يُسْتَصْحَبُ إلَى الْمَاضِي أَصْلًا، ثُمَّ إنَّ هَذَا الْجَوَابَ بِضَمَانِ الْبَائِعِ مَقْصُورٌ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَأْتِي فِي كُلِّ صُورَةٍ يَثْبُتُ فِيهَا الْمِلْكُ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ فِي الْمَاضِي فَإِنَّهُ يُسْتَصْحَبُ فِي كُلِّ صُورَةٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ مِلْك اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ عَلَى يَتِيمٍ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَسْأَلَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي مِلْكٍ اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ عَلَى يَتِيمٍ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ عَلَى الْيَتِيمِ بِذَلِكَ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمَذْكُورَةِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّ قِيمَتَهُ حِينَئِذٍ مِائَتَانِ. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُنْقَضُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ عَلَى الْبَيِّنَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ وَتَبَيَّنَ اسْتِنَادُ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ فَهُوَ كَمَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ فِيمَا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بَعْدَ الْقَضَاءِ لِلْخَارِجِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا قُلْنَاهُ فِيهَا عَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا تَعَارُضٌ مُجَرَّدٌ فِي الْقِيمَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّقْضِ بِبَيِّنَةٍ مَعَهَا يَدُ النَّقْضِ بِبَيِّنَةٍ مُجَرَّدَةٍ، فَإِنْ قُلْت: الْيَدُ لِلْيَتِيمِ فَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْقِيمَةَ أَكْثَرُ مِمَّا بِيعَ بِهِ يُقْضَى لِلْيَتِيمِ بِهَا بِالْبَيِّنَةِ مَعَ يَدِهِ. قُلْت: يَدُ الْيَتِيمِ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الْقِيمَةِ وَإِنَّمَا لَهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْمِلْكِ فَالْقَضَاءُ بِالْمِلْكِ لِلدَّاخِلِ بِالْيَدِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ لَهُ بِهَا وَرُدَّتْ إلَيْهِ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَأَيْضًا أَنَّ بَيِّنَةَ الْقِيمَةِ تَعْتَمِدُ التَّقْوِيمَ وَالتَّقْوِيمُ حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ، وَتُفْرَضُ عَلَى ثَلَاثِ أَحْوَالٍ: (إحْدَاهَا) أَنْ تَشْهَدَ الْآنَ أَنَّ قِيمَتَهُ الْآنَ كَذَا فَهَذِهِ لَا تُعَارِضُ الْبَيِّنَةَ السَّابِقَةَ يَوْمَ الْبَيْعِ بِلَا إشْكَالٍ. (الثَّانِيَةُ) أَنْ تَشْهَدَ الْآنَ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْبَيْعِ كَذَا فَهِيَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُسْمَعَ؛ لِأَنَّ التَّخْمِينَ عَلَى تَقْدِيرٍ قَدْ لَا يَحْصُلُ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي بَيْعِ صُبْرَةٍ إلَّا صَاعًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُخَمِّنُ شَيْئًا عَلَى تَقْدِيرٍ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ يَتَغَيَّرُ التَّخْمِينُ وَاخْتِلَافُ الزَّمَانِ مِنْ جُمْلَةِ التَّقَادِيرِ. (الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) أَنْ لَا تَقُومَ الْآنَ لَكِنْ تَشْهَدُ أَنَّ قِيمَتَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عِنْدَ النَّاسِ كَذَا فَإِنَّ الْأَسْعَارَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ عُمُومِ النَّاسِ تَنْضَبِطُ فِي أَوْقَاتِهَا لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ تَقْوِيمًا بَلْ شَهَادَةً بِأَمْرٍ خَارِجٍ فَهَذِهِ تُسْمَعُ وَلَيْسَتْ شَهَادَةَ قِيمَةٍ وَالْغَالِبُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ

стр. 1051

فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَأَمَّا الْأَمْلَاكُ فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا هَذَا. إذَا عَرَفْت هَذَا فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ شَهِدَتْ بِالْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَلَا أَثَرَ لَهَا وَشَهَادَتُهَا بِالْحَالَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْمِلْكِ إمَّا مُمْتَنِعٌ أَوْ بَعِيدٌ فَإِنْ أَمْكَنَ إذَا أَطْلَقَتْ وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ بِالْحَالَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ بِالْأَوَّلَيْنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّعَارُضُ فَلَا يُنْقَضُ بِهَا الْحُكْمُ قَطْعًا، وَإِنْ أَمْكَنَ وَفَصَّلَتْ فِي غَيْرِ صُورَتِنَا وَحَصَلَ التَّعَارُضُ فَهُوَ تَعَارُضٌ مُجَرَّدٌ لَا تَرْجِيحَ مَعَهُ فَلَيْسَ نَقْضُ الْحُكْمِ بِالثَّانِيَةِ أَوْلَى مِنْ اسْتِمْرَارِهِ بِالْأُولَى. فَإِنْ قُلْت: الْحَاكِمُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى الْبَيِّنَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ بَانَ عَدَمُ سَلَامَتِهَا. قُلْت وَكَذَلِكَ إذَا حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى أَمَارَةٍ سَالِمَةٍ عَنْ الْمُعَارِضِ، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ أَمَارَةٌ أُخْرَى مُعَارِضَةٌ فَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهَا وَلَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ يَسْتَمِرُّ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ السَّلَامَةُ عَنْ الْمُعَارِضِ وَقْتَ الْحُكْمِ وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الصُّورَتَيْنِ أَعْنِي صُورَةَ التَّقْوِيمِ وَصُورَةَ الْأَمَارَةِ. فَإِنْ قُلْت: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ نَحْكُمْ. قُلْنَا: نَعَمْ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ مَعَ الشَّكِّ وَكَذَلِكَ لَا يُنْقَضُ مَعَ الشَّكِّ فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَبْقَى مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ بِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ؟ قُلْت: لَا نَعْتَقِدُ ذَلِكَ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ الشَّكَّ بِمُقْتَضَى تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَإِنْ قُلْت: أَتَقُولُونَ بِالتَّعَارُضِ. قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، وَعَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّقْوِيمَ اجْتِهَادِيٌّ وَقَدْ يَكُونُ مَنْ شَهِدَ بِالْأَقَلِّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عِلَّتَانِ وَمُقْتَضَى الْعِلَّةِ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ لُزُومُ الْأَقَلِّ لِتَيَقُّنِهِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ وَهُمَا مُتَعَارِضَانِ فِيهِ، وَمُقْتَضَى الثَّانِيَةِ إنَّمَا يُثْبِتُ أَنَّ قِيمَتَهُ الْأَقَلُّ، وَعَنْ الْحَاوِي وَالنِّهَايَةِ فِيمَا إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّ قِيمَتَهُ سُدُسٌ وَآخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ رُبُعٌ ثَبَتَ السُّدُسُ وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِ الرُّبُعِ وَيَسْتَحِقُّهُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا نَعَمْ وَالثَّانِي لَا لِلتَّعَارُضِ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ الْأَكْثَرُ فِي صُورَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَلَا نَعْرِفُ مَنْ قَالَ بِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا التَّعَارُضُ أَوْ ثُبُوتُ الْأَقَلِّ. فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعَارُضِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لَمْ نَحْكُمْ بِإِثْبَاتِ الزَّائِدِ وَلَا نَفْيِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: الْقِيمَةُ هِيَ الْأَقَلُّ حَكَمْنَا بِنَفْيِهِ وَلَكِنَّا لَا نَعْرِفُ مَنْ صَرَّحَ بِهِ أَنَّهُ رَأَى فِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ

стр. 1052

فِي التَّعْلِيقَةِ الْأُصُولِيَّةِ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي زِيَادَةِ الرَّاوِي أَنَّهُ لَوْ قَوَّمَ اثْنَانِ السِّلْعَةَ بِثَمَانِيَةٍ وَقَوَّمَهَا آخَرَانِ بِعَشَرَةٍ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ مِنْهُمَا تَعَارَضَا فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِيَةِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. قُلْت: وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْأُسْتَاذِ صَرِيحٌ فِي التَّعَارُضِ. فَإِنْ قُلْت: لَوْ حَصَلَ هَذَا التَّعَارُضُ قَبْلَ الْبَيْعِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ؟ قُلْت: أَمَّا فِي الْبَيْعِ لِلْغِبْطَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فَلَا لِانْتِفَائِهَا حِينَئِذٍ، وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ لِلْحَاجَةِ فَإِنْ قُلْنَا: الْأَقَلُّ هُوَ الْقِيمَةُ جَازَ الْبَيْعُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ: الْأَقَلُّ هُوَ الْقِيمَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ حَتَّى تَثْبُتَ الْقِيمَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَصِحُّ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَلَمْ نَجِدْ مَنْدُوحَةً عَنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ ضَرُورَةُ الْيَتِيمِ إلَى طَعَامٍ لَا نَجِدُهُ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْعَيْنِ فَكَيْفَ تُوجَدُ ضَرُورَتُهُ مِنْ الشَّكِّ فِي الْقِيمَةِ. فَإِنْ قُلْت: لَوْ دَعَتْ الْحَاجَةُ أَوْ الضَّرُورَةُ لِلْيَتِيمِ إلَى بَيْعِهِ بِدُونِ الْقِيمَةِ الْمُحَقَّقَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ يَشْتَرِي بِهَا مَعَ الضَّرُورَةِ الْحَاقَّةِ لِلْبَيْعِ. قُلْت: هَاهُنَا يَقْوَى الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْبَيْعِ وَهَذَا حَيْثُ لَا نَجِدُ بُدًّا مِنْ الْبَيْعِ لَا شَكَّ عِنْدِي فِيهِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَالْعِلْمُ لِلَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تَثْبُتُ الْقِيمَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُسْمَعُ بَعْدَ الدَّعْوَى؟ قُلْت: إمَّا بِأَنْ يَكُونَ غَصَبَهَا غَاصِبٌ فَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْحَيْلُولَةِ، وَإِمَّا بِأَنْ يُقَالَ: شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي الْقِيمَةِ مَقْبُولَةٌ وَإِمَّا بِأَنْ يَنْذُرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى هَذَا الْفَقِيرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ قِيمَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ فَيَدَّعِيَ الْفَقِيرُ عَلَيْهِ بِدِرْهَمٍ نَحْكُمُ أَنَّ قِيمَتَهَا أَلْفٌ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطُّرُقِ. فَإِنْ قُلْت: لَوْ حَصَلَ التَّعَارُضُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ. قُلْت: يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَهَلْ يُبْطِلُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ كُلُّ بَيْعٍ صَدَرَ مِنْ قَيِّمِ يَتِيمٍ فِي حَالَةٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا يُبْطِلُهُ الْحَاكِمُ وَكُلُّ بَيْعٍ صَدَرَ فِي حَالَةٍ يَجُوزُ فِيهَا وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْحَاكِمِ، فَإِذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ لَا يُبْطِلُهُ بَلْ يُمْضِيهِ وَيَحْمِلُ التَّصَرُّفَ فِيهِ عَلَى السَّدَادِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ، وَأَعْنِي بِالْإِمْضَاءِ أَنَّهُ يُثْبِتُهُ وَيَحْكُمُ بِمُوجَبِهِ وَيُلْزِمُ بِهِ. وَلَكِنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَسْتَدْعِي بِحَسَبِ الْعَادَةِ ثُبُوتَ الشُّرُوطِ وَلَمْ تُوجَدْ، وَإِنَّمَا قُلْت: بِحَسَبِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدِي نَظَرًا فِي وُجُوبِهِ بِحَسَبِ

стр. 1053

الشَّرْعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى الْعَاقِدِ وَالْمُقِرِّ فَتَكْفِي الْيَدُ وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِالصِّحَّةِ عَلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْ إلْزَامُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي كَانَ صَدَرَ مِنْهُ الْبَيْعُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمَصْلَحَةِ كَالْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنَّ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ لَا يُمْضِيهِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، فَإِنْ أَرَادَ بِعَدَمِ الْإِمْضَاءِ التَّوَقُّفَ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِبْطَالَ فَبَعِيدٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْحَاكِمِ فِي الْبَيْعِ بِالْمَصْلَحَةِ مَقْبُولٌ قَطْعًا وَقَوْلَ الْأَبِ وَالْجَدِّ كَذَلِكَ إلَّا عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَقَوْلُ الْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحُكْمِ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَقِيلَ: يُقْبَلُ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ وَلَا يُقْبَلُ فِي الْعَقَارِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ وَغَيْرِ الْإِمَاءِ وَنَحْوِهَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاقْتِنَائِهِ، وَلَوْ جَرَى الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالصَّبِيِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَهَلْ هُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْمَصْلَحَةِ؟ الْأَقْرَبُ لَا؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ شَرْطٌ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ كَالْإِذْنِ فَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي صِفَةِ الْبَيْعِ الْمَأْذُونِ فَيَنْبَغِي تَصْدِيقُ الْعَاقِدِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ اخْتِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ حَتَّى يُجْرَى فِيهِ قَوْلَانِ، وَأَمَّا الْقَطْعُ بِعَدَمِ قَبُولِ الْعَاقِدِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لَنَا وَلَيْسَ بِمَنْقُولٍ. وَلَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ بِالْمَصْلَحَةِ أَوْ بِمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً أَوْ بِعْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِمَا تَرَاهُ ثَمَنَ الْمِثْلِ فَسَوَاءٌ فِيمَا يَظْهَرُ لَنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ أَوْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا أَمِينُ الْحُكْمِ وَالْوَصِيُّ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا فِي الْبَيْعِ بِخُصُوصِهِ بَلْ هُمَا مَنْصُوبَانِ لِفِعْلِ مَا هُوَ مَصْلَحَةُ الْيَتِيمِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِبْقَاءِ فَإِذَا ادَّعَيَا الْمُسَوِّغَ لِلْبَيْعِ فَعَلَيْهِمَا بَيَانُهُ فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ مِنْ الْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ وَمِنْهُ الْعَقَارُ أَمَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ قَبُولُ قَوْلِ الْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحُكْمِ فِيهِ؛ وَإِثْبَاتُ الْحَاكِمِ وَإِمْضَاؤُهُ تَابِعٌ لِذَلِكَ، وَمَنْ أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ فِي الْبَيْعِ بِخُصُوصِهِ لَيْسَ كَالْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ كَفِعْلِهِ، وَسَوَاءٌ أَقُلْنَا: هُوَ وَكَالَةٌ أَمْ وِلَايَةٌ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ هُنَا فَإِنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِي هَذَا الْبَيْعِ، وَفِعْلُ الْحَاكِمِ اخْتَلَفَ فِي أَنَّهُ حُكْمٌ أَوْ لَا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يُصَانُ عَنْ النَّقْضِ وَيُحْمَلُ عَلَى السَّدَادِ وَاسْتِجْمَاعِ الشُّرُوطِ عِنْدَهُ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُنَافِي ذَلِكَ. وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ هَذِهِ الْبَيْعُ فِيهَا

стр. 1054

لِلْحَاجَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ غِبْطَةٍ وَالْبَائِعُ الْقَيِّمُ وَلَيْسَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْبَيْعِ بَلْ فِي الْمَصْلَحَةِ بِخِلَافِ مَأْذُونِ الْحَاكِمِ. [مَسْأَلَةٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِهِ رَهْنٌ فَطَالَبَ الْمُرْتَهِنُ بِبَيْعِهِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِهِ رَهْنٌ فَطَالَبَ الْمُرْتَهِنُ بِبَيْعِهِ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا فِي الْوَفَاءِ فَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ عَلَى الْيَتِيمِ لِلْحَاجَةِ عَائِدٌ هَاهُنَا، وَإِذَا تَعَيَّنَ الْبَيْعُ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي الْمَغْصُوبِ الْمِثْلِيِّ إذَا تَلِفَ وَلَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ مِثْلِهِ إلَّا بِأَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ فِي وُجُوبِهِ وَجْهَانِ رَجَّحَ كُلًّا مِنْهُمَا مُرَجِّحُونَ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْوُجُوبَ، وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ، وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَالضَّرَرُ فِيهِ قَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْدِلُ إلَى الْقِيمَةِ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ هُنَا يَتَعَطَّلُ حَقُّهُ، قَالُوا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ: إنَّهُ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ بِأَزْيَدَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْبَيْعُ هُنَا بِأَنْقَصَ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الْمُسْلَمِ يُمْكِنُ الْفَسْخُ وَهُنَا لَا مَنْدُوحَةَ، وَقَالُوا فِيمَا إذَا أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ وَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ لَا يَلْزَمُ بَيْعُهُ بَلْ يَبْقَى وَيُسْتَكْتَبُ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَنْ يَرْغَبُ فِيهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَلْتَزِمْ بِالْبَيْعِ وَلَا صَدَرَ مِنْهُ مَا يُوجِبُهُ فَإِنَّ مُوجِبَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ إنَّمَا حَصَلَ مِنْ الْعَبْدِ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا وَقُلْنَا بِالصِّحَّةِ وَيُزَالُ مِلْكُهُ فَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ: إنَّهُ لَا يُرْهَقُ إلَى بَيْعِهِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ قَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهَا فَإِنَّهُ بِشِرَاءِ الْمُسْلِمِ كَأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ فَيُشْبِهُ الْمُسْلِمَ فِيهِ. فَإِنْ ثَبَتَ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَلَعَلَّهُ لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ تَحْصُلُ فَيَخِفُّ الضَّرَرُ بِخِلَافِ تَأْخِيرِ وَفَاءِ الدَّيْنِ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى صَاحِبِهِ فَيَقْرُبُ عِنْدَنَا الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَشْتَرِي وَلَا يُتَوَقَّعَ فِي زَمَنٍ قَرِيبٍ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا فِي الرَّهْنِ وَفِي أَمْوَالِ الْمُفْلِسِ أَنَّهَا لَا تُبَاعُ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَهُوَ وُجُودُ مَنْ يَشْتَرِي بِهِ فَإِنَّهُ ضَيِّقُ الْغَرَضِ وَلَمْ نَجِدْ مَنْدُوحَةً يَنْبَغِي جَوَازُ الْبَيْعِ. وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُ الرَّهْنِ يُقَوَّمُ بِالدَّيْنِ وَلَمْ يُمْكِنْ بَيْعُهُ إلَّا كَامِلًا أَنَّهُ يُبَاعُ وَيُوَفَّى مِنْهُ الدَّيْنُ وَيُحْفَظُ الْبَاقِي فَكَمَا أَزَلْنَا مِلْكَ الرَّاهِنِ عَنْ جَمِيعِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ الْوَفَاءُ بِبَعْضِهِ نَظَرًا إلَى مُطَالَبَةِ الْمُرْتَهِنِ كَذَلِكَ يُزِيلُ اسْتِحْقَاقَهُ لِلزِّيَادَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ

стр. 1055

الْأَصْحَابَ قَالُوا فِيمَا إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَقَالَ: إنَّهَا لِغَائِبٍ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً لِتَنْصَرِفَ الْخُصُومَةُ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّا نَنْزِعُهَا وَنَحْكُمُ بِهَا لِلْمُدَّعِي وَيَبْقَى الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ حَتَّى يَجِيءَ وَيَدَّعِيَ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حَقُّهُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتِهِ فَكَمَا رَاعَيْنَا حَقَّ الْمُدَّعِي وَحَكَمْنَا لَهُ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَنَّهَا لِلْغَائِبِ كَذَلِكَ نُرَاعِي حَقَّ صَاحِبِ الدَّيْنِ هُنَا وَلَا نُؤَخِّرُهُ لِأَجْلِ الشَّكِّ الْحَاصِلِ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَرَادَ الْحَاكِمَ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ فِي عَيْنٍ أَنَّهَا لِغَائِبٍ لَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَمْ يَحْضُرْ هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ بَلْ نَقْسِمُهَا بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَيَبْقَى الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ، كَذَا حَكَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُسْتَشْهِدًا بِهَا لِلْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا فَكَمَا حَكَمْنَا وَقَسَمْنَا الْعَيْنَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهَا لِلْغَائِبِ رِعَايَةً لِحُقُوقِهِمْ النَّاجِزَةِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ لِلظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ أَخْبَارِ الشَّاهِدَيْنِ كَذَلِكَ يُرَاعَى حَقُّ الْغَرِيمِ هُنَا وَلَا يُلْتَفَتُ لِلشَّكِّ الْحَاصِلِ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَتَوَهُّمِ زِيَادَةٍ تَحْصُلُ لِلْمَدْيُونِ. فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَا يُقِيمُ الْقَاضِي عَنْ الْغَائِبِ مَنْ يَدَّعِي لَهُ لِيُثْبِتَ حَقَّهَا وَيَحْفَظَهَا لَهُ؟ قُلْت: وَهَبْ لَوْ قِيلَ بِذَلِكَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يَقُولُوهُ. فَإِنْ قُلْت فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا: إذَا سَمِعْنَا الْبَيِّنَةَ لِانْصِرَافِ الْخُصُومَةِ لِمَ لَا يَثْبُتُ حَقُّ الْغَائِبِ تَبَعًا وَقَدْ قَالُوا فِيمَا إذَا كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَطَالَبَهُ بِهِ فَقَالَ إنَّك أَحَلْت عَلَيَّ بِهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِالْحَوَالَةِ سُمِعَتْ لِرَفْعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَهَلْ يُسْمَعُ لِإِثْبَاتِ حَقِّ الْغَائِبِ تَبَعًا حَتَّى لَا يَحْتَاجَ بَعْدَ حُضُورِهِ إلَى إقَامَتِهَا؟ وَجْهَانِ لَمْ يُصَحِّحْ الرَّافِعِيُّ شَيْئًا. قُلْت الشَّهَادَةُ بِالْحَوَالَةِ سُمِعَتْ فِي مَوْضُوعِهَا وَمَقْصُودِهَا وَهُوَ انْدِفَاعُ حَقِّ الْمُدَّعِي وَحَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي سَمَاعِهَا فِيمَا يَسْتَتْبِعُهُ مِنْ ثُبُوتِ حَقِّ الْغَائِبِ. وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ لِانْصِرَافِ الْخُصُومَةِ فَسُمِعَتْ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهَا وَمَوْضُوعِهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا شَهِدَتْ لِلْغَائِبِ فَسُمِعَتْ فِيمَا يَسْتَتْبِعُهُ وَهُوَ انْصِرَافُ الْخُصُومَةِ، وَالْبَائِعُ لَا يُسْتَتْبَعُ، وَحَقُّ الْغَائِبِ هُوَ الْمَشْهُودُ بِهِ الْأَصْلُ لَا يُمْكِنُ ثُبُوتُهُ بِغَيْرِ دَعْوَاهُ أَوْ دَعْوَى وَكِيلِهِ فَالْمَسْأَلَتَانِ مُتَعَاكِسَتَانِ فِي الصُّورَةِ.
следующие страницы →