Полный текст (1 159 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَأَمَّا الْأَمْلَاكُ فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا هَذَا.
إذَا عَرَفْت هَذَا فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ شَهِدَتْ بِالْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَلَا أَثَرَ لَهَا وَشَهَادَتُهَا بِالْحَالَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْمِلْكِ إمَّا مُمْتَنِعٌ أَوْ بَعِيدٌ فَإِنْ أَمْكَنَ إذَا أَطْلَقَتْ وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ بِالْحَالَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ بِالْأَوَّلَيْنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّعَارُضُ فَلَا يُنْقَضُ بِهَا الْحُكْمُ قَطْعًا، وَإِنْ أَمْكَنَ وَفَصَّلَتْ فِي غَيْرِ صُورَتِنَا وَحَصَلَ التَّعَارُضُ فَهُوَ تَعَارُضٌ مُجَرَّدٌ لَا تَرْجِيحَ مَعَهُ فَلَيْسَ نَقْضُ الْحُكْمِ بِالثَّانِيَةِ أَوْلَى مِنْ اسْتِمْرَارِهِ بِالْأُولَى.
فَإِنْ قُلْت: الْحَاكِمُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى الْبَيِّنَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ بَانَ عَدَمُ سَلَامَتِهَا. قُلْت وَكَذَلِكَ إذَا حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى أَمَارَةٍ سَالِمَةٍ عَنْ الْمُعَارِضِ، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ أَمَارَةٌ أُخْرَى مُعَارِضَةٌ فَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهَا وَلَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ يَسْتَمِرُّ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ السَّلَامَةُ عَنْ الْمُعَارِضِ وَقْتَ الْحُكْمِ وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الصُّورَتَيْنِ أَعْنِي صُورَةَ التَّقْوِيمِ وَصُورَةَ الْأَمَارَةِ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ نَحْكُمْ. قُلْنَا: نَعَمْ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ مَعَ الشَّكِّ وَكَذَلِكَ لَا يُنْقَضُ مَعَ الشَّكِّ فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَبْقَى مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ بِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ؟
قُلْت: لَا نَعْتَقِدُ ذَلِكَ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ الشَّكَّ بِمُقْتَضَى تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَإِنْ قُلْت: أَتَقُولُونَ بِالتَّعَارُضِ. قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، وَعَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّقْوِيمَ اجْتِهَادِيٌّ وَقَدْ يَكُونُ مَنْ شَهِدَ بِالْأَقَلِّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عِلَّتَانِ وَمُقْتَضَى الْعِلَّةِ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ لُزُومُ الْأَقَلِّ لِتَيَقُّنِهِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ وَهُمَا مُتَعَارِضَانِ فِيهِ، وَمُقْتَضَى الثَّانِيَةِ إنَّمَا يُثْبِتُ أَنَّ قِيمَتَهُ الْأَقَلُّ، وَعَنْ الْحَاوِي وَالنِّهَايَةِ فِيمَا إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّ قِيمَتَهُ سُدُسٌ وَآخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ رُبُعٌ ثَبَتَ السُّدُسُ وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِ الرُّبُعِ وَيَسْتَحِقُّهُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا نَعَمْ وَالثَّانِي لَا لِلتَّعَارُضِ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ الْأَكْثَرُ فِي صُورَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَلَا نَعْرِفُ مَنْ قَالَ بِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا التَّعَارُضُ أَوْ ثُبُوتُ الْأَقَلِّ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعَارُضِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لَمْ نَحْكُمْ بِإِثْبَاتِ الزَّائِدِ وَلَا نَفْيِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: الْقِيمَةُ هِيَ الْأَقَلُّ حَكَمْنَا بِنَفْيِهِ وَلَكِنَّا لَا نَعْرِفُ مَنْ صَرَّحَ بِهِ أَنَّهُ رَأَى فِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ
стр. 1052
فِي التَّعْلِيقَةِ الْأُصُولِيَّةِ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي زِيَادَةِ الرَّاوِي أَنَّهُ لَوْ قَوَّمَ اثْنَانِ السِّلْعَةَ بِثَمَانِيَةٍ وَقَوَّمَهَا آخَرَانِ بِعَشَرَةٍ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ مِنْهُمَا تَعَارَضَا فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِيَةِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. قُلْت: وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْأُسْتَاذِ صَرِيحٌ فِي التَّعَارُضِ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ حَصَلَ هَذَا التَّعَارُضُ قَبْلَ الْبَيْعِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ؟ قُلْت: أَمَّا فِي الْبَيْعِ
لِلْغِبْطَةِ وَالْمَصْلَحَةِ
فَلَا لِانْتِفَائِهَا حِينَئِذٍ، وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ لِلْحَاجَةِ فَإِنْ قُلْنَا: الْأَقَلُّ هُوَ الْقِيمَةُ جَازَ الْبَيْعُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ: الْأَقَلُّ هُوَ الْقِيمَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ حَتَّى تَثْبُتَ الْقِيمَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَصِحُّ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَلَمْ نَجِدْ مَنْدُوحَةً عَنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ ضَرُورَةُ الْيَتِيمِ إلَى طَعَامٍ لَا نَجِدُهُ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْعَيْنِ فَكَيْفَ تُوجَدُ ضَرُورَتُهُ مِنْ الشَّكِّ فِي الْقِيمَةِ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ دَعَتْ الْحَاجَةُ أَوْ الضَّرُورَةُ لِلْيَتِيمِ إلَى بَيْعِهِ بِدُونِ الْقِيمَةِ الْمُحَقَّقَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ يَشْتَرِي بِهَا مَعَ الضَّرُورَةِ الْحَاقَّةِ لِلْبَيْعِ. قُلْت: هَاهُنَا يَقْوَى الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْبَيْعِ وَهَذَا حَيْثُ لَا نَجِدُ بُدًّا مِنْ الْبَيْعِ لَا شَكَّ عِنْدِي فِيهِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَالْعِلْمُ لِلَّهِ تَعَالَى.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تَثْبُتُ الْقِيمَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُسْمَعُ بَعْدَ الدَّعْوَى؟ قُلْت: إمَّا بِأَنْ يَكُونَ غَصَبَهَا غَاصِبٌ فَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْحَيْلُولَةِ، وَإِمَّا بِأَنْ يُقَالَ: شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي الْقِيمَةِ مَقْبُولَةٌ وَإِمَّا بِأَنْ يَنْذُرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى هَذَا الْفَقِيرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ قِيمَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ فَيَدَّعِيَ الْفَقِيرُ عَلَيْهِ بِدِرْهَمٍ نَحْكُمُ أَنَّ قِيمَتَهَا أَلْفٌ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطُّرُقِ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ حَصَلَ التَّعَارُضُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ. قُلْت: يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَهَلْ يُبْطِلُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ كُلُّ بَيْعٍ صَدَرَ مِنْ قَيِّمِ يَتِيمٍ فِي حَالَةٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا يُبْطِلُهُ الْحَاكِمُ وَكُلُّ بَيْعٍ صَدَرَ فِي حَالَةٍ يَجُوزُ فِيهَا وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْحَاكِمِ، فَإِذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ لَا يُبْطِلُهُ بَلْ يُمْضِيهِ وَيَحْمِلُ التَّصَرُّفَ فِيهِ عَلَى السَّدَادِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ، وَأَعْنِي بِالْإِمْضَاءِ أَنَّهُ يُثْبِتُهُ وَيَحْكُمُ بِمُوجَبِهِ وَيُلْزِمُ بِهِ. وَلَكِنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَسْتَدْعِي بِحَسَبِ الْعَادَةِ ثُبُوتَ الشُّرُوطِ وَلَمْ تُوجَدْ، وَإِنَّمَا قُلْت: بِحَسَبِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدِي نَظَرًا فِي وُجُوبِهِ بِحَسَبِ
стр. 1053
الشَّرْعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى الْعَاقِدِ وَالْمُقِرِّ فَتَكْفِي الْيَدُ وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِالصِّحَّةِ عَلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْ إلْزَامُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي كَانَ صَدَرَ مِنْهُ الْبَيْعُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمَصْلَحَةِ كَالْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنَّ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ لَا يُمْضِيهِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، فَإِنْ أَرَادَ بِعَدَمِ الْإِمْضَاءِ التَّوَقُّفَ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِبْطَالَ فَبَعِيدٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْحَاكِمِ فِي الْبَيْعِ بِالْمَصْلَحَةِ مَقْبُولٌ قَطْعًا وَقَوْلَ الْأَبِ وَالْجَدِّ كَذَلِكَ إلَّا عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَقَوْلُ الْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحُكْمِ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَقِيلَ: يُقْبَلُ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ وَلَا يُقْبَلُ فِي الْعَقَارِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ وَغَيْرِ الْإِمَاءِ وَنَحْوِهَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاقْتِنَائِهِ، وَلَوْ جَرَى الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالصَّبِيِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَهَلْ هُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْمَصْلَحَةِ؟ الْأَقْرَبُ لَا؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ شَرْطٌ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ كَالْإِذْنِ فَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي صِفَةِ الْبَيْعِ الْمَأْذُونِ فَيَنْبَغِي تَصْدِيقُ الْعَاقِدِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ اخْتِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ حَتَّى يُجْرَى فِيهِ قَوْلَانِ، وَأَمَّا الْقَطْعُ بِعَدَمِ قَبُولِ الْعَاقِدِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لَنَا وَلَيْسَ بِمَنْقُولٍ.
وَلَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ بِالْمَصْلَحَةِ أَوْ بِمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً أَوْ بِعْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِمَا تَرَاهُ ثَمَنَ الْمِثْلِ فَسَوَاءٌ فِيمَا يَظْهَرُ لَنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ أَوْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا أَمِينُ الْحُكْمِ وَالْوَصِيُّ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا فِي الْبَيْعِ بِخُصُوصِهِ بَلْ هُمَا مَنْصُوبَانِ لِفِعْلِ مَا هُوَ مَصْلَحَةُ الْيَتِيمِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِبْقَاءِ فَإِذَا ادَّعَيَا الْمُسَوِّغَ لِلْبَيْعِ فَعَلَيْهِمَا بَيَانُهُ فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ مِنْ الْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ وَمِنْهُ الْعَقَارُ أَمَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ قَبُولُ قَوْلِ الْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحُكْمِ فِيهِ؛ وَإِثْبَاتُ الْحَاكِمِ وَإِمْضَاؤُهُ تَابِعٌ لِذَلِكَ، وَمَنْ أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ فِي الْبَيْعِ بِخُصُوصِهِ لَيْسَ كَالْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ كَفِعْلِهِ، وَسَوَاءٌ أَقُلْنَا: هُوَ وَكَالَةٌ أَمْ وِلَايَةٌ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ هُنَا فَإِنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِي هَذَا الْبَيْعِ، وَفِعْلُ الْحَاكِمِ اخْتَلَفَ فِي أَنَّهُ حُكْمٌ أَوْ لَا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يُصَانُ عَنْ النَّقْضِ وَيُحْمَلُ عَلَى السَّدَادِ وَاسْتِجْمَاعِ الشُّرُوطِ عِنْدَهُ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُنَافِي ذَلِكَ.
وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ هَذِهِ الْبَيْعُ فِيهَا
стр. 1054
لِلْحَاجَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ غِبْطَةٍ وَالْبَائِعُ الْقَيِّمُ وَلَيْسَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْبَيْعِ بَلْ فِي الْمَصْلَحَةِ بِخِلَافِ مَأْذُونِ الْحَاكِمِ.
[مَسْأَلَةٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِهِ رَهْنٌ فَطَالَبَ الْمُرْتَهِنُ بِبَيْعِهِ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِهِ رَهْنٌ فَطَالَبَ الْمُرْتَهِنُ بِبَيْعِهِ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا فِي الْوَفَاءِ فَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ عَلَى الْيَتِيمِ لِلْحَاجَةِ عَائِدٌ هَاهُنَا، وَإِذَا تَعَيَّنَ الْبَيْعُ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي الْمَغْصُوبِ الْمِثْلِيِّ إذَا تَلِفَ وَلَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ مِثْلِهِ إلَّا بِأَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ فِي وُجُوبِهِ وَجْهَانِ رَجَّحَ كُلًّا مِنْهُمَا مُرَجِّحُونَ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْوُجُوبَ، وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ، وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَالضَّرَرُ فِيهِ قَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْدِلُ إلَى الْقِيمَةِ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ هُنَا يَتَعَطَّلُ حَقُّهُ، قَالُوا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ: إنَّهُ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ بِأَزْيَدَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْبَيْعُ هُنَا بِأَنْقَصَ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الْمُسْلَمِ يُمْكِنُ الْفَسْخُ وَهُنَا لَا مَنْدُوحَةَ، وَقَالُوا فِيمَا إذَا أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ وَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ لَا يَلْزَمُ بَيْعُهُ بَلْ يَبْقَى وَيُسْتَكْتَبُ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَنْ يَرْغَبُ فِيهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَلْتَزِمْ بِالْبَيْعِ وَلَا صَدَرَ مِنْهُ مَا يُوجِبُهُ فَإِنَّ مُوجِبَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ إنَّمَا حَصَلَ مِنْ الْعَبْدِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا وَقُلْنَا بِالصِّحَّةِ وَيُزَالُ مِلْكُهُ فَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ: إنَّهُ لَا يُرْهَقُ إلَى بَيْعِهِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ قَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهَا فَإِنَّهُ بِشِرَاءِ الْمُسْلِمِ كَأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ فَيُشْبِهُ الْمُسْلِمَ فِيهِ. فَإِنْ ثَبَتَ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَلَعَلَّهُ لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ تَحْصُلُ فَيَخِفُّ الضَّرَرُ بِخِلَافِ تَأْخِيرِ وَفَاءِ الدَّيْنِ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى صَاحِبِهِ فَيَقْرُبُ عِنْدَنَا الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَشْتَرِي وَلَا يُتَوَقَّعَ فِي زَمَنٍ قَرِيبٍ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا فِي الرَّهْنِ وَفِي أَمْوَالِ الْمُفْلِسِ أَنَّهَا لَا تُبَاعُ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَهُوَ وُجُودُ مَنْ يَشْتَرِي بِهِ فَإِنَّهُ ضَيِّقُ الْغَرَضِ وَلَمْ نَجِدْ مَنْدُوحَةً يَنْبَغِي جَوَازُ الْبَيْعِ. وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُ الرَّهْنِ يُقَوَّمُ بِالدَّيْنِ وَلَمْ يُمْكِنْ بَيْعُهُ إلَّا كَامِلًا أَنَّهُ يُبَاعُ وَيُوَفَّى مِنْهُ الدَّيْنُ وَيُحْفَظُ الْبَاقِي فَكَمَا أَزَلْنَا مِلْكَ الرَّاهِنِ عَنْ جَمِيعِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ الْوَفَاءُ بِبَعْضِهِ نَظَرًا إلَى مُطَالَبَةِ الْمُرْتَهِنِ كَذَلِكَ يُزِيلُ اسْتِحْقَاقَهُ لِلزِّيَادَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ
стр. 1055
الْأَصْحَابَ قَالُوا فِيمَا إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَقَالَ: إنَّهَا لِغَائِبٍ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً لِتَنْصَرِفَ الْخُصُومَةُ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّا نَنْزِعُهَا وَنَحْكُمُ بِهَا لِلْمُدَّعِي وَيَبْقَى الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ حَتَّى يَجِيءَ وَيَدَّعِيَ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حَقُّهُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتِهِ فَكَمَا رَاعَيْنَا حَقَّ الْمُدَّعِي وَحَكَمْنَا لَهُ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَنَّهَا لِلْغَائِبِ كَذَلِكَ نُرَاعِي حَقَّ صَاحِبِ الدَّيْنِ هُنَا وَلَا نُؤَخِّرُهُ لِأَجْلِ الشَّكِّ الْحَاصِلِ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَرَادَ الْحَاكِمَ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ فِي عَيْنٍ أَنَّهَا لِغَائِبٍ لَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَمْ يَحْضُرْ هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ بَلْ نَقْسِمُهَا بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَيَبْقَى الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ، كَذَا حَكَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُسْتَشْهِدًا بِهَا لِلْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا فَكَمَا حَكَمْنَا وَقَسَمْنَا الْعَيْنَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهَا لِلْغَائِبِ رِعَايَةً لِحُقُوقِهِمْ النَّاجِزَةِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ لِلظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ أَخْبَارِ الشَّاهِدَيْنِ كَذَلِكَ يُرَاعَى حَقُّ الْغَرِيمِ هُنَا وَلَا يُلْتَفَتُ لِلشَّكِّ الْحَاصِلِ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَتَوَهُّمِ زِيَادَةٍ تَحْصُلُ لِلْمَدْيُونِ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَا يُقِيمُ الْقَاضِي عَنْ الْغَائِبِ مَنْ يَدَّعِي لَهُ لِيُثْبِتَ حَقَّهَا وَيَحْفَظَهَا لَهُ؟ قُلْت: وَهَبْ لَوْ قِيلَ بِذَلِكَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يَقُولُوهُ.
فَإِنْ قُلْت فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا: إذَا سَمِعْنَا الْبَيِّنَةَ لِانْصِرَافِ الْخُصُومَةِ لِمَ لَا يَثْبُتُ حَقُّ الْغَائِبِ تَبَعًا وَقَدْ قَالُوا فِيمَا إذَا كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَطَالَبَهُ بِهِ فَقَالَ إنَّك أَحَلْت عَلَيَّ بِهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِالْحَوَالَةِ سُمِعَتْ لِرَفْعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَهَلْ يُسْمَعُ لِإِثْبَاتِ حَقِّ الْغَائِبِ تَبَعًا حَتَّى لَا يَحْتَاجَ بَعْدَ حُضُورِهِ إلَى إقَامَتِهَا؟ وَجْهَانِ لَمْ يُصَحِّحْ الرَّافِعِيُّ شَيْئًا.
قُلْت الشَّهَادَةُ بِالْحَوَالَةِ سُمِعَتْ فِي مَوْضُوعِهَا وَمَقْصُودِهَا وَهُوَ انْدِفَاعُ حَقِّ الْمُدَّعِي وَحَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي سَمَاعِهَا فِيمَا يَسْتَتْبِعُهُ مِنْ ثُبُوتِ حَقِّ الْغَائِبِ. وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ لِانْصِرَافِ الْخُصُومَةِ فَسُمِعَتْ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهَا وَمَوْضُوعِهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا شَهِدَتْ لِلْغَائِبِ فَسُمِعَتْ فِيمَا يَسْتَتْبِعُهُ وَهُوَ انْصِرَافُ الْخُصُومَةِ، وَالْبَائِعُ لَا يُسْتَتْبَعُ، وَحَقُّ الْغَائِبِ هُوَ الْمَشْهُودُ بِهِ الْأَصْلُ لَا يُمْكِنُ ثُبُوتُهُ بِغَيْرِ دَعْوَاهُ أَوْ دَعْوَى وَكِيلِهِ فَالْمَسْأَلَتَانِ مُتَعَاكِسَتَانِ فِي الصُّورَةِ.
стр. 1056
[مَسْأَلَةٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِإِقْرَارِهِ وَرَهَنَ بِهِ عِنْدَ صَاحِبَةِ الدَّيْنِ]
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الْوَاقِعَةُ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ حَادِثَةٌ وَقَعَتْ فِي الْمُحَاكَمَاتِ فِي الْقُدْسِ رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَتَا دِرْهَمٍ بِإِقْرَارِهِ وَرَهَنَ بِهَا عِنْدَ صَاحِبَةِ الدَّيْنِ وَهِيَ امْرَأَةٌ كَرْمًا فَحَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ وَهُوَ غَائِبٌ فَادَّعَتْ امْرَأَةٌ عِنْدَ زَيْنِ الدِّينِ الْقَمُولِيِّ نَائِبِ الْحُكْمِ بِالْقُدْسِ كَانَ فَأَثْبَتَ إقْرَارَهُ بِالدَّيْنِ وَالرَّهْنِ وَالْقَبْضِ وَعَيَّنَهُ الْمُقِرُّ الرَّاهِنُ وَنَدَبَ مَنْ قَوَّمَ الْكَرْمَ الْمَرْهُونَ فَثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ شَهَادَتَيْنِ الْقِيمَةُ الْمَنْدُوبَيْنِ أَنَّ قِيمَتَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ فِي سَابِعِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَهَذَا الْإِثْبَاتُ فِي ظَهْرِ مَكْتُوبِ الْقِيمَةِ الْمُؤَرَّخِ بِسَادِسِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي ذَيْلِ هَذَا الْمَكْتُوبِ تَعْوِيضٌ، عَوَّضَ بَعْضُ الْعُدُولِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ الْمُرْتَهِنَةَ الْكَرْمَ بِدَيْنِهَا، وَقَالَ فِيهِ الْكَاتِبُ: إنَّهَا قَاصَصَتْ الْمُقِرَّ الرَّاهِنَ بِدَيْنِهَا وَذَلِكَ فِي ثَامِنِ رَمَضَانَ فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ ذَكَرَ شَمْسُ بْنُ سَالِمٍ نَائِبُ الْحُكْمِ بِالْقُدْسِ الْآنَ أَنَّ بَيِّنَةً قَامَتْ عِنْدَهُ أَنَّ قِيمَةَ الْكَرْمِ يَوْمَ التَّعْوِيضِ ثَلَثُمِائَةٍ فَكَشَفْت عَنْ ذَلِكَ فَوَجَدْت الْكَرْمَ الْمَذْكُورَ قَدْ اشْتَرَاهُ الرَّاهِنُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ هَذَا بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا وَبَاعَتْهُ الْمُتَعَوَّضَةُ بَعْدَ تَعْوِيضِهَا بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا. وَكَتَبَ إلَى ابْنِ سَالِمٍ الْمَذْكُورِ يَسْتَنْكِرُ كَوْنَ زَيْنِ الدِّينِ الْقَمُولِيِّ أَثْبَتَ غَيْبَةَ الْمُقِرِّ وَحُضُورَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُقِرَّ قَاصَصَ صَاحِبَةَ الدَّيْنِ، وَأَنَّ فَتَاوَى عُرِضَتْ عَلَيْهِ مِنْ دِمَشْقَ بِتَقْدِيمِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِالزِّيَادَةِ فَرَأَيْت أَنَّ الَّذِي قَالَهُ عَنْ الْقَمُولِيِّ مِنْ إثْبَاتِ غَيْبَةِ الْمُقِرِّ وَحُضُورِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَلَمْ يُثْبِتْ زَيْنُ الدِّينِ فَصْلَ التَّعْوِيضِ أَصْلًا، أَنَّ قَوْلَهُ: " قَاصَصَ الْمُقِرُّ صَاحِبَةَ الدَّيْنِ " لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا هُوَ عِبَارَةُ التَّعْوِيضِ وَإِنَّمَا عِبَارَةُ التَّعْوِيضِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْقَاضِي بَلَى مِنْ الْوَرَّاقِ أَنَّهَا قَاصَصَتْهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقَاصَّ لَا يَحْتَاجُ إلَى الرِّضَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَأَنَّ الْوَرَّاقِينَ يَقْصِدُونَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ، فَقَالُوا: إنَّهَا قَاصَصَتْهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بَلْ عَلَيْهَا خَاصَّةً، وَذَلِكَ يَصِحُّ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ الرِّضَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَكَذَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ إذَا بَلَغَ الْخَبَرُ الْمُقِرَّ وَرَضِيَ.
وَنَظَرْت الْفَتَاوَى فَوَجَدْتهَا إذَا ثَبَتَ أَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ أَكْثَرُ
стр. 1057
وَهَذَا كَلَامٌ مُخَلِّصٌ لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ وَلَيْسَ جَوَابًا عَنْ الْمَسْئُولِ فَرَأَيْت أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَالِمٍ وَنَسَبَهُ إلَى الْقَمُولِيِّ مِمَّا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَحَامُلٍ عَلَيْهِ وَالْقَمُولِيُّ مَشْكُورٌ وَمَا قَالَهُ عَنْ الْفَتَاوَى وَجَعْلُهَا عُمْدَةً لَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ وَأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ غَيْرِ تَبَصُّرٍ أَوْ عَنْ تَحَامُلٍ وَحَصَلَ لِي رِيبَةٌ فِي الشُّهُودِ بِالْقِيمَةِ الزَّائِدَةِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفِقْهِ بَلْ هِيَ أُمُورٌ جُزْئِيَّةٌ مِمَّا يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِيهِ وَالْمُفْتِي بَعِيدٌ عَنْهَا. وَكَانَ مِنْ الْأَدَبِ عَدَمُ تَصْرِيحِي بِهَذِهِ التَّفَاصِيلِ وَلَكِنْ دَعَانِي إلَيْهَا مَا يَجِبُ مِنْ بَيَانِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ الشَّرْعِ وَعَدَمِ الْمُحَابَاةِ وَالنَّظَرِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا، وَلَا أُحَاشِي أَحَدًا فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّي أَنَّ الْحَقَّ مَعَ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى، ثُمَّ قَرَّرْت أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِهِ وَتَسَاوِي الْجَانِبَيْنِ وَالْبَيِّنَتَيْنِ وَعَرَضْته عَلَى قَانُونِ الْفِقْهِ فَوَجَدْت جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ عَائِدًا هُنَا وَزِيَادَةً أَنَّ الْبَيْعَ هُنَا مَأْذُونُ الْحَاكِمِ الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ بِخُصُوصِهِ، وَأَنَّهُ تَعْوِيضٌ وَقَعَ بِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ بِإِذْنِ حَاكِمٍ فَلَا يُرْفَعُ إلَّا بِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ وَلَمْ نَجِدْ الْبَيِّنَةَ الَّتِي قَامَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَنَدًا؛ لِأَنَّ غَايَتَهَا مُعَارَضَتُهَا لِلْأُولَى مُعَارَضَةً خَالِيَةً عَنْ التَّرْجِيحِ فَلَا تَصْلُحُ لِنَقْصِ التَّصَرُّفِ الَّذِي وَقَعَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَالِمٍ أَنَّ الْمَبِيعَ أَكْثَرُ مِنْ الْمَرْهُونِ، وَتَأَمَّلْت الْمَكْتُوبَ فَلَمْ أَجِدْهُ كَذَلِكَ بَلْ مُطَابِقٌ لَهُ فِي الْحُدُودِ وَالصِّفَاتِ فَرَسَمْت بِبَقَاءِ الْكَرْمِ فِي يَدِ مُشْتَرِيهِ عِيسَى الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مَبْغُوضَتِهِ حُسْنِيَّة الْيَهُودِيَّةِ وَدَفَعَ مُنَازَعَةَ الْمُقِرِّ الرَّاهِنِ وَهُوَ عُمَرُ الْكُرْدِيُّ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ٧٤٥ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ قَالَ الْقَاضِي يُفْتِي وَالْمُفْتِي يَهْذِي]
(الْجَوَابُ) هَذَا لَفْظٌ صَعْبٌ يُخْشَى عَلَى قَائِلِهِ الْكُفْرُ فَإِنَّ لِلْفَتْوَى سُنَنُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْلُهَا تَبْيِينُ مَا أَشْكَلَ فَالْمُفْتِي مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ وَارِثُ النُّبُوَّةِ.
هَذَا وَضْعُ الْمُفْتِي إذَا أَفْتَى بِحَقٍّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء: ١٧٦] وَالْقَاضِي هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ وَيَلْزَمُ عَلَى مُقْتَضَى الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ الْإِلْزَامُ وَالْفَصْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] فَالْمُفْتِي إذَا أَفْتَى بِالْحَقِّ وَالْقَاضِي إذَا قَضَى بِالْحَقِّ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَأْجُورٌ أَجْرًا عَظِيمًا وَالْمُفْتِي أَعْلَى وَالْقَاضِي تَابِعٌ لَهُ، وَإِنْ اتَّفَقَ اخْتِلَافُهُمَا فَإِنَّمَا يَتَّفِقُ مِنْ اخْتِلَافِ
стр. 1058
الِاجْتِهَادِ فِي الْفَتْوَى، فَالْقَاضِي أَبَدًا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِفَتْوَى إمَامِهِ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا وَوَضْعُ الْقَضَاءِ إنَّمَا هُوَ الْفَصْلُ وَالْإِلْزَامُ فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُفْتِيَ يَهْذِي مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ فَتْوَاهُ صَوَابٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَافِرٌ فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي إطْلَاقِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يُطْلِقُونَهَا وَلَا يَفْهَمُونَ مَا تَحْتَهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَ أَنَّ الْقَضَاءَ إلْزَامٌ وَالْفَتْوَى لَيْسَتْ بِإِلْزَامٍ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتَى وَالْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ مِنْهَا، وَهَذَا أَيْضًا خَطَأٌ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ رَاجِحٌ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي بِاعْتِبَارِ تَحْرِيرِ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ حُصُولِ أَسْبَابِهَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَفْحَصُ وَيَسْتَكْشِفُ مِنْ أَسْبَابِ الْحُكْمِ مَا لَا يَسْتَكْشِفُهُ الْمُفْتِي لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ وَلَا يَقْتَضِي تَعَارُضًا بَيْنَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْمُفْتِيَ جَاهِلٌ أَوْ أَخْطَأَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي قَاضٍ حَقًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ حَدِيث مَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ]
قَوْلُهُ ﷺ «مَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ» وَرُبَّمَا يُقَالُ «مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ» قَدْ يُقَالُ: إنَّ الصِّدْقَ كَيْفَ يَقْبَلُ التَّفَاوُتَ فَإِنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ صَادِقَانِ دَائِمًا، وَلَيْسَ الصِّدْقُ كَالْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ حَتَّى نَقُولَ: إنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِيهَا فَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِزِيَادَةٍ لَا تَكُونُ فِي الْفَاضِلِ أَمَّا الصِّدْقُ فَالرَّجُلَانِ اللَّذَانِ لَا يَكْذِبَانِ لَا يَتَفَاوَتَانِ.
(فَالْجَوَابُ) أَنَّ التَّفَاوُتَ قَدْ يَكُونُ فِي الْقُوَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا صِدْقُ اللِّسَانِ وَتِلْكَ الْقُوَّةُ تَقْبَلُ التَّفَاوُتَ وَهِيَ غَرِيزَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْقَلْبِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ ثُمَّ يُورَدُ أَنَّ الْقُوَّةَ الَّتِي فِي الْقَلْبِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَكْمَلُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَفْضُلَ غَيْرُهُمَا عَلَيْهِمَا فِيهَا. وَيَجِبُ أَنْ تَتَأَمَّلَ لَفْظَ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ بَلْ قَالَ: أَصْدَقَ لَهْجَةً فَجَعَلَ الصِّدْقَ صِفَةَ اللَّهْجَةِ لَا صِفَةَ الرَّجُلِ وَاللَّهْجَةُ اللِّسَانُ كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، وَإِنْ صَحَّ قَوْلُهُ: " أَصْدَقَ " فَأَصْدَقُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِذِي وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلَّهْجَةِ فَيُجْعَلَ صِفَةً لَهَا لِتَطَابُقِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ
стр. 1059
فَعَلَى هَذَا قَدْ تَكُونُ قُوَّةُ الصِّدْقِ فِي لِسَانِ الْمَفْضُولِ أَقْوَى مِنْهَا فِي قَلْبِ الْمَفْضُولِ وَالْقَلْبُ أَكْمَلُ مِنْ اللِّسَانِ فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ، عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ اسْتَوَيَا فِي الْقُوَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَتَرَجَّحَ الْمَفْضُولُ بِالْقُوَّةِ اللِّسَانِيَّةِ وَلِلْفَاضِلِ مُرَجِّحَاتٌ أُخَرُ لَمْ يَلْزَمْ إشْكَالٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُمَا لَوْ اسْتَوَيَا فِي الْقُوَّةِ اللِّسَانِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ خَاصَّةً فَبَانَ لِلْفَاضِلِ صِفَاتٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ مُرَجِّحَةٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ إنَّمَا قُلْنَا لِبَيَانِ التَّفَاوُتِ فِي الْقُوَّةِ، أَمَّا الصِّدْقُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ الْمُطَابِقُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ يُعْلَمُ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا لَا يَكْذِبَانِ وَأَنَّهُمَا يَتَحَرَّيَانِ الصِّدْقَ، وَكُلٌّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبِي ذَرٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ فِي غَايَةِ التَّحَرِّي فِي الصِّدْقِ ﵃. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ حَدِيث طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ]
مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي مَتْنُهُ
«طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ» هَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ أَمْ لَا؟ فَقَدْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَآخَرُ: إنَّهُ فِي مُسْلِمٍ وَآخَرُ إنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. (الْجَوَابُ) أَلْهَمَك اللَّهُ الصَّوَابَ الْحَمْدُ لِلَّهِ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ حَفْصِ ابْنِ سَلْمَى عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ» وَكَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرَ مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) وَرَدَ مِنْ طَرَابُلُسَ مِنْ فَخْرِ الدِّينِ بْنِ الْمَأْمُونِ فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْآخِرِ سَنَةَ ٧٣٩ وَهُوَ أَنَّهُ وَرَدَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ آدَمَ ﵇ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَبْعَثَ بَعْثَ النَّارِ فَيَقُولُ آدَم: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ شَقَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ وَاحِدًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بَاقِي الْأَلْفِ.» فَهَذِهِ الْمُخَاطَبَةُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مِنْ غَيْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثِيرًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ الْكَافِرِينَ مَقْطُوعٌ لَهُمْ بِالنَّارِ فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ بِيَأْجُوجَ
стр. 1060
وَمَأْجُوجَ وَلِمَ فُصِلَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ؟ .
(الْجَوَابُ) اللَّفْظُ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ» وَفِيهِ فِي جَوَابِهِمْ «فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ» . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ «مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ» .
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ «فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِك فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ.» وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّ مِنْكُمْ وَاحِدًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بَاقِي الْأَلْفِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَيْضًا أَنَّ الْوَاحِدَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِشْكَالُ الْمُشَارُ إلَيْهِ أَنَّ الْوَاحِدَ فِي الْجَنَّةِ وَالْوَاحِدَ الْآخَرَ فِي النَّارِ مِنَّا وَبَقِيَّةَ الْأَلْفِ فِي النَّارِ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَأَيْنَ الْكُفَّارُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ.
وَنَحْنُ لَا نُنْزِلُ الْحَدِيثَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِشْكَالُ بَلْ نَقُولُ: بَعْثُ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَالْوَاحِدُ الَّذِي يَبْقَى قَدْ يَكُونُ مِنَّا وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِنَا وَلَمَّا اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ أَعْلَمَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كَثْرَةِ الْخَلَائِقِ بِأَنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْهُمْ وَاحِدًا أَيْ إذَا عُدَّتْ الْخَلَائِقُ وُجِدُوا كَذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ إشَارَةً إلَى تِلْكَ الْأَلْفِ الْمُخْرَجِ مِنْهَا بَعْثُ النَّارِ وَلَا الْوَاحِدِ الَّذِي يَبْقَى مِنْهَا بَلْ هُوَ قِسْمَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لِبَيَانِ كَثْرَةِ الْخَلْقِ وَحِينَئِذٍ لَا تَتَرَتَّبُ الْمُقَدِّمَاتُ الثَّلَاثُ الَّتِي نَشَأَ مِنْهَا الْإِشْكَالُ، وَالْمَقْصُودُ تَبْقِيَةُ رَجَائِهِمْ وَأَنْ لَا يَشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَهُ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ وَكَثْرَةِ الْآلَافِ الَّتِي يَبْقَى مِنْ كُلِّ أَلْفٍ مِنْهَا وَاحِدٌ فَقَدْ يُصِيبُهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَالْبَعْثُ الَّذِي يُبْعَثُ إلَى النَّارِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَقْتَضِي خُصُوصِيَّتَهُ بِيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ لِبَيَانِ كَثْرَةِ الْخَلْقِ وَعَدَدِ الْآلَافِ لِيَقْرُبَ رَجَاؤُهُمْ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُسْلِمُونَ يَبْقَى مِنْهُمْ آحَادٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَهَذَا كُلُّهُ
стр. 1061
بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَأَنَّ الْخِطَابَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَا عَدَا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَإِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُمْ لِتَمَيُّزِهِمْ وَرَاءَ السَّدِّ وَقَرِينَةِ أَنَّهُمْ جُعِلُوا فِي الْحَدِيثِ قَسْمًا لَهُمْ خَرَجُوا مِنْ الْإِرَادَةِ فَبَقِيَ الْمُرَادُ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ وَيَحْتَمِلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ مَا عَدَا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ؛ لِأَنَّهُمْ جُعِلُوا قَسْمًا لَهُمْ لَكِنْ يُبْعِدُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْمُرَادَ هَذِهِ الْأُمَّةُ فَقَطْ لِقَوْلِهِ «كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ» .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَعْثَ الْمَذْكُورَ كُلُّ مَنْ اسْتَحَقَّ النَّارَ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْعُصَاةِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ» إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافًا فِي أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ فَحِينَئِذٍ يُنْظَرُ فِي الْأَرْجَحِ مِنْهَا، إمَّا أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِآدَمَ ﵇ مَرَّتَيْنِ، فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى يُخْرِجُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَهُمْ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا النَّارَ إمَّا بِكُفْرٍ وَإِمَّا بِمَعْصِيَةٍ ثُمَّ يَعْفُو اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَيَصِيرُ الْبَاقُونَ لِلْبَعْثِ إلَى النَّارِ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْكُمْ رَجُلٌ وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ» فَهُوَ اخْتِلَافٌ مِنْ الرُّوَاةِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْأَلْفِ التَّكْثِيرُ وَبِالتِّسْعِمِائَةِ وَتِسْعِينَ النُّصْبَةُ فَإِنَّ الْأَلْفَ يُتَجَوَّزُ بِهَا عَنْ الْكَثِيرِ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَبْعُوثَ إلَى النَّارِ كُلَّهُ مِنْ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ وَالْمَبْعُوثُ إلَى جَهَنَّمَ الَّتِي هِيَ دَرَكَةٌ مِنْ دَرَكَاتِهَا بَعْضُ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَوُجِّهَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ اخْتِصَاصَهَا بِتِسْعَةٍ خَاصَّةً قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَاقِيَةِ الدَّرَكَاتِ، وَأَيْضًا الْغَالِبُ أَنَّ جَهَنَّمَ وَالنَّارَ يُطْلَقَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ]
ٌ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَوَى عَنْ عُمَرَ سَمَاعًا غَيْرَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: وَأَقُولُ فِي سَمَاعِهِ مِنْ عُمَرَ نَظَرٌ لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً فَيَكُونُ عِنْدَ وَفَاةِ عُمَرَ ابْنَ أَرْبَعٍ فَكَيْفَ يَسْمَعُ وَقَدْ رَوَى لَهُ عَنْ عُمَرَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَذَكَرَ رِوَايَتَهُ عَنْ عُمَرَ الْبُخَارِيُّ وَالْمُزَنِيُّ فِي الْأَطْرَافِ
стр. 1062
حَدِيثَ إذْنِ عُمَرَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، وَلَمْ يُرَقِّمْ لَهُ فِي التَّهْذِيبِ إلَّا النَّسَائِيَّ وَذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ.
[فَائِدَةٌ نَفْي الْحَصْرِ فِي آيَة وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ]
﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] قِيلَ: إنَّهُ نَفْيٌ لِلْحَصْرِ فَلَا يَلْزَمُ نَفْيُ الْحُزْنِ.
(وَجَوَابُهُ) عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ هُمْ يَحْزَنُونَ لِلْحَصْرِ تَقْدِيرُهُمْ دَاخِلَةٌ عَلَى لَا يَحْزَنُونَ كَمَا إذَا دَخَلَ النَّفْيُ عَلَى الْفِعْلِ الْمُؤَكَّدِ بِقَدْرِ التَّأْكِيدِ دَاخِلًا بَعْدَ النَّفْيِ لَا قَبْلَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ بِلَا لِيُقَابِلَ بِهَا لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ " لَا " مُسَلَّطَةٌ عَلَى يَحْزَنُونَ لَا عَلَى الْجُمْلَةِ. وَسَبَبُ الْحَصْرِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ يَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَرْفَعَ الْفَاعِلَ الَّذِي يُمْكِنُ تَحْوِيلُهُ إلَى الْمُبْتَدَأِ مِثْلُ زَيْدٌ يَقُومُ، أَصْلُهُ يَقُومُ زَيْدٌ؛ فَاقْتَضَى التَّقْدِيمُ الْحَصْرَ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِهِ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَة الْفُتُوَّة وشد الوسط مِنْ البدع]
(مَسْأَلَةٌ) مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِي هَذِهِ الْفُتُوَّةِ الَّتِي فَشَتْ فَظَهَرَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَصُورَتُهَا أَنَّ قَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ أَحَدِهِمْ فَإِذَا اجْتَمَعُوا وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ قَامَ نَقِيبُهُمْ وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا تَتَضَمَّنُ اسْتِئْذَانَهُمْ فِي شَدِّ وَسَطِهِ فَيَأْذَنُونَ لَهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ شَرْبَةً فِيهَا مَاءٌ وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى مِلْحًا وَيَخْطُبُ خُطْبَةً يَقْرَأُ فِي آخِرِهَا ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] وَيُومِئُ بِرَأْسِهِ إلَى الْمَاءِ ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] وَيُومِئُ إلَى الْمِلْحِ وَيَضَعُ الْمِلْحَ فِي الْمَاءِ وَيَرْفَعُ الشَّرْبَةَ، ثُمَّ يَقُومُ زَعِيمُ الْقَوْمِ وَهُوَ الَّذِي يُلْبِسُهُمْ سَرَاوِيلَاتِ الْفُتُوَّةِ فَيَجْلِسُ وَسْطَ الْقَوْمِ وَيَقُولُ لَهُ النَّقِيبُ: مَنْ يَطْلُبُ فَيُسَمِّي مَنْ يُرِيدُ مِنْ الْحَاضِرِينَ فَيَقُومُونَ وَاحِدًا وَاحِدًا كُلَّمَا قَامَ أَحَدُهُمْ شَدَّ الزَّعِيمُ وَسَطَهُ وَأَوْقَفَهُ فَيَقُولُ هَذَا الْمَشْدُودُ الْوَسَطُ: أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَسْأَلُ السَّادَةَ الْحَاضِرِينَ كُلُّ مَا أَقَامَنِي وَشَدَّ وَسَطِي أَنْ يُقْعِدَنِي فَتًى كَامِلًا.
ثُمَّ يَقُولُ النَّقِيبُ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيُثْنُونَ ثَنَاءً حَسَنًا، وَيَقُولُونَ نِعْمَ الْأَخُ ثُمَّ يَنْصِبُونَ ثَوْبًا كَهَيْئَةِ الْقَوْصَرَّةِ يُسَمُّونَهُ التَّنُّورَةَ وَيُدْخِلُونَ الزَّعِيمَ وَاَلَّذِي يَلْبَسُ إلَى وَسْطِهَا فَيُلْبِسُهُ سَرَاوِيلَ بِيَدِهِ وَيُدْخِلُ الزَّعِيمُ يَدَهُ تَحْتَ ثِيَابِ اللَّابِسِ إلَى مَرْبِطِ السَّرَاوِيلِ وَيَشُدُّ بِيَدِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَيَقْرَأُ الْقَوْمُ حِينَئِذٍ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ ثُمَّ يَقُولُ النَّقِيبُ: اللِّبَاسُ لِبَاسُ فُلَانٍ وَالْفُتُوَّةُ فُتُوَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
стр. 1063
بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ مَا تَكْرَهُهُ لِنَفْسِك لَا تَرْضَاهُ لِغَيْرِك وَمَا تَكْرَهُهُ لِغَيْرِك لَا تَرْضَاهُ لِنَفْسِك فَالْزَمْ عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ هَذَا شَرْطُنَا عَلَيْك وَاَللَّهُ نَاظِرٌ إلَيْك، يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ رَفَعُوا التَّنُّورَةَ وَخَرَجَا مِنْ وَسْطِهَا ثُمَّ يَأْتِي النَّقِيبُ بِالشَّرْبَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيُقَدِّمُهَا إلَى شَيْخِهِمْ فَيَأْخُذُهَا بِيَدِهِ ثُمَّ يَقُولُ: السَّلَامُ يَا فِتْيَانِ السَّلَامِ مَرَّتَيْنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ وُقُوفِي لِلَّهِ وَاتِّبَاعِي بِالْفُتُوَّةِ لِآلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخُصُّ بِهَذِهِ الشَّرْبَةِ الْعَفِيفَةِ النَّظِيفَةِ لِكَبِيرِي فُلَانٍ وَيُسَمِّيهِ ثُمَّ يُسْنِدُهَا عَنْ شَيْخٍ بَعْدَ شَيْخٍ إلَى الْإِمَامِ النَّاصِرِ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ ثُمَّ يَشْرَبُ وَيَدْفَعُهَا إلَى غَيْرِهِ فَيَفْعَلُ كَذَلِكَ حَتَّى يَشْرَبَ الْقَوْمُ جَمِيعُهُمْ فَهَلْ هَذِهِ الْهَيْئَةُ الْمَذْكُورَةُ سُنَّةٌ أَمْ بِدْعَةٌ وَهَلْ قَوْلُ النَّقِيبِ ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] وَإِشَارَتُهُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَطَأٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ قَوْلُهُ أَيْضًا: أَسْأَلُ اللَّهَ وَأَسْأَلُ الْحَاضِرِينَ بِوَاوِ الْعَطْفِ خَطَأٌ أَمْ لَا -؟ وَهَلْ هَذِهِ الشَّرْبَةُ الَّتِي يُسْنِدُهَا إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَهَا أَصْلٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ لَهَا أَصْلٌ فَهَلْ مُتَّصِلَةٌ أَمْ مُنْقَطِعَةٌ وَالْحَالَةُ هَذَا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وَفَرْضُنَا السُّؤَالُ وَفَرْضُكُمْ الْجَوَابُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَا يَشُكُّ فِيهَا أَحَدٌ وَلَا يُرْتَابُ فِي ذَلِكَ، وَيَكْفِي أَنَّهَا لَمْ تُعْرَفْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا فِي زَمَنِ أَصْحَابِهِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ، وَإِدْخَالُ الزَّعِيمِ يَدَهُ تَحْتَ ثِيَابِ اللَّابِسِ إلَى مَرْبِطِ السَّرَاوِيلِ وَشَدُّهُ، الْغَالِبُ أَنَّهُ يَحْصُلُ مَسُّ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَمَسُّ ذَلِكَ الْمَكَانِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَوْرَةِ وَاسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ خَطَأٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] إنَّمَا الْإِشَارَةُ فِيهِ إلَى الْبَحْرَيْنِ فَالْإِشَارَةُ بِهِ إلَى غَيْرِهِمَا خَطَأٌ وَذَلِكَ الْمَاءُ وَالْمِلْحُ اللَّذَانِ بِيَدِهِ غَيْرُهُمَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِشَارَةَ إلَى الْجِنْسَيْنِ فَيَكُونَ أَخَفَّ مَعَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَزُولُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ، وَالْجُلُوسُ فِي وَسْطِ الْحَلْقَةِ
стр. 1064
مَكْرُوهٌ.
وَقَوْلُهُ: أَسْأَلُ اللَّهَ وَأَسْأَلُ الْحَاضِرِينَ إلَى آخِرِهِ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْإِتْيَانُ بِوَاوِ الْعَطْفِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّشْرِيكَ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْمَسْئُولَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ فَلَا يَجُوزُ طَلَبُهُ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ اللَّهُ تَعَالَى وَعَزْوُ هَذِهِ الشَّرْبَةِ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَا أَصْلَ لَهَا وَافْتِتَاحُ الْمَجْلِسِ بِشِعْرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْتَتَحَ الْمَجَالِسُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ .
وَأَمَّا مَا فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ وَأَنْ يَكْرَهَ لِغَيْرِهِ مَا كَرِهَ لِنَفْسِهِ وَلِنَفْسِهِ مَا كَرِهَهُ لِغَيْرِهِ وَالْإِلْزَامُ بِتَقْوَى اللَّهِ فَكُلُّهُ حَسَنٌ دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وَ ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وَالْفُتُوَّةُ مِنْ أَعْظَمِ خِصَالِ الْخَيْرِ جَامِعَةً كَمَالَ الْمُرُوءَةِ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَالْإِيثَارَ عَلَى النَّفْسِ وَاحْتِمَالَ الْأَذَى وَبَذْلَ النَّدَى وَطَلَاقَةَ الْوَجْهِ وَالْقُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى تَكُونَ فُتُوَّتُهُ عَلَى ذَلِكَ فُتُوَّةَ الْفِتْيَانِ وَالصَّفْحِ عَنْ الْعَثَرَاتِ وَيَكُونُ خَصْمًا لِرَبِّهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيُنْصِفُ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَنْتَصِفُ وَلَا يُنَازِعُ فَقِيرًا وَلَا غَنِيًّا وَيَسْتَوِي عِنْدَهُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ وَالدُّعَاءُ وَالطَّرْدُ وَلَا يَحْتَجِبُ وَلَا يَدَّخِرُ وَلَا يَعْتَذِرُ وَيُظْهِرُ النِّعْمَةَ وَيُحَقِّقُ الْمَحَبَّةَ سِرًّا وَعَلَنًا فَإِذَا قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الْفَتَى وَإِذَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ عَلَى ذَلِكَ وَتَعَاهَدُوا عَلَيْهِ فَنِعْمَ مَا هُوَ.
وَأَمَّا شَدُّ الْوَسَطِ فَلَا سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ وَكَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الْحَزْمِ وَالنُّهُوضِ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا لُبْسُ السَّرَاوِيلِ فَأَيْضًا لَا سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ اشْتَرَاهُ وَمَا لَبِسَهُ ثُمَّ صَارَ حَسَنًا لِلسَّتْرِ، وَأَمَّا لُبْسُهُ لِهَذَا الْغَرَضِ وَالِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ الِالْتِزَامَ بِحِفْظِ مَا هُوَ سَاتِرٌ لَهُ مِنْ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ اللَّابِسُ لَهُ عَلَى أَحْسَنِ طَرِيقَةٍ مِنْ الْعَفَافِ وَالصِّيَانَةِ وَطَهَارَةِ الذَّيْلِ يَقِي مَا تَحْتَ الْإِزَارِ فَإِذَا قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَشُدَّ مِنْ فَوْقٍ أَوْ يُعْطِيَ اللَّابِسَ فَيَشُدَّهُ هُوَ بِيَدِهِ حَتَّى لَا يَحْصُلَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ لَمْسِ الْعَوْرَةِ وَأَمَّا الدُّخُولُ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُعْمَلُ كَالْقَوْصَرَّةِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إفْضَاءِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّوْمِ وَحَالَةِ التَّجَرُّدِ أَمَّا قَبْلَ هَذَا فَلَا. وَقَدْ صَحَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ
стр. 1065
حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ ثُمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] » وَأَمَّا شُرْبُ الْمَاءِ وَالْمِلْحِ فَمَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَصِحَّ عَنْ عَلِيٍّ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا، وَقَدْ «بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ بِمِنًى فِي عَامٍ ثُمَّ فِي عَامٍ آخَرَ وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ مُبَايَعَاتِهِ أَكْلٌ وَلَا شُرْبٌ، فَفِعْلُ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا أَنْ نَعْتَقِدَ فِي شَيْءٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ حَتَّى يَكُونَ لَهُ شَبِيهُ أَصْلٍ؛ وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ مُبَاحًا فَإِنَّ جَعْلَهُ مِنْ الدِّينِ أَوْ مَطْلُوبًا وَسُنَّةً وَشِعَارًا إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمَا لِأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَهُ لَا شَيْخٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي بُكْرَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسِ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ٧٥٢ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ الْخَيْل هَلْ كَانَتْ قَبْلَ آدَمَ]
سُئِلَ عَنْ الْخَيْلِ هَلْ كَانَتْ قَبْلَ آدَمَ ﵇ أَوْ خُلِقَتْ بَعْدَهُ وَهَلْ خُلِقَ الذُّكُورُ قَبْلَ الْإِنَاثِ أَوْ الْإِنَاثُ قَبْلَ الذُّكُورِ وَهَلْ الْعَرَبِيَّاتُ قَبْلَ الْبَرَاذِينِ أَوْ الْبَرَاذِينُ قَبْلَ الْعَرَبِيَّاتِ وَهَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ الْأَثَرِ أَوْ السِّيَرِ أَوْ الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
(أَجَابَ) إنَّا نَخْتَارُ أَنَّ خَلْقَ الْخَيْلِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوِهِ وَأَنَّ خَلْقَ الذُّكُورِ قَبْلَ الْإِنَاثِ وَأَنَّ الْعَرَبِيَّاتِ قَبْلَ الْبَرَاذِينِ. أَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ خَلْقَهَا قَبْلَ آدَمَ فَلِآيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ سَنَذْكُرُهَا آيَةً آيَةً وَنَذْكُرُ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ وَلِمَعْنًى فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ الْكَبِيرَ يُهَيَّأُ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ قَبْلَ قُدُومِهِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَكُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ إكْرَامًا لَهُمْ، وَمِنْ كَمَالِ إكْرَامِهِمْ وُجُودُهَا قَبْلَهُمْ فَجَمِيعُ ذَلِكَ تَقَدَّمَ خَلْقُهُ ثُمَّ كَانَ خَلْقُ آدَمَ بَعْدَ ذَلِكَ آخِرَ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَشْرَفُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَفُ مِنْ الْجَمِيعِ فَلِذَلِكَ كَانَ آخِرًا؛ لِأَنَّ بِهِ تَمَّ كَمَالُ الْوُجُودِ وَمَا آدَم مِمَّا هُيِّئَ لَهُ حَيَوَانٌ وَجَمَادٌ وَالْحَيَوَانُ أَشْرَفُ مِنْ الْجَمَادِ؛ وَالْخَيْلُ مِنْ أَشْرَفِ الْحَيَوَانِ غَيْرَ الْآدَمِيِّ أَوْ أَشْرَفَهَا فَكَيْفَ يُؤَخَّرُ خَلْقُهَا عَنْهُ فَهَذِهِ الْحِكْمَةُ تَقْتَضِي خَلْقَهَا مَعَ غَيْرِهَا مِنْ الْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوِهَا لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ يَتَضَمَّنُ أَنَّ «بَثَّ الدَّوَابِّ يَوْمَ الْخَمِيسِ» وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ وَلَا شَكَّ
стр. 1066
أَنَّ «خَلْقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ بَعْدَ الْعَصْرِ قُلْنَا: إنَّهُ بِيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوِهَا عَلَى التَّقْرِيبِ وَأَمَّا التَّقَدُّمُ فَلَا تَرَدُّدَ فِيهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَالْآيَاتُ الَّتِي تَدُلُّ لَهُ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ اقْتَضَتْ خَلْقَ مَا فِي الْأَرْضِ قَبْلَ تَسْوِيَةِ السَّمَاءِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِي الْأَرْضِ الْخَيْلُ فَالْخَيْلُ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ تَسْوِيَةِ السَّمَاءِ عَمَلًا بِالْآيَةِ وَدَلَالَةُ ﴿ثُمَّ﴾ [البقرة: ٢٩] عَلَى التَّرْتِيبِ فَتَسْوِيَةُ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ لِأَنَّ تَسْوِيَةَ السَّمَاءِ مِنْ جُمْلَةِ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ «خَلْقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ كَمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ» إمَّا آخِرَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ إنْ قُلْنَا: ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْأَحَدِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُؤَرِّخُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَإِمَّا فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ خَارِجًا عَنْ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ الَّذِي صَدْرُهُ «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ» وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَلَامٌ، وَأَمَّا تَأَخُّرُ خَلْقِ آدَمَ فَلَا كَلَامَ فِيهِ. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ خَلْقَ الْخَيْلِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ﵇ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْأَيَّامِ السِّتَّةِ لَا كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ الْكَفَرَةِ فَيُرْوَى فِيهِ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ لَا تَصْدُرُ إلَّا عَنْ سُخْفِ الْمَجَانِينِ، لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهَا.
وَمِنْ الْآيَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا نَفْسُ الْأَسْمَاءِ أَوْ صِفَاتُ الْمُسَمَّيَاتِ وَمَنَافِعُهَا وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ الْمُسَمَّيَاتُ مَوْجُودَةٌ فِي
стр. 1067
ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْإِشَارَةِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (هَؤُلَاءِ) وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُسَمَّيَاتِ الْخَيْلُ فَلْتَكُنْ مَوْجُودَةً حِينَئِذٍ، وَالْأَسْمَاءُ عَامٌّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مُؤَكَّدَةٌ بِقَوْلِهِ (كُلَّهَا) فَيَقْوَى الْعُمُومُ فِيهِ، وَالْمُسَمَّيَاتُ لَا بُدَّ مِنْ إرَادَتِهَا بِقَوْلِهِ (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) وَقَوْلِهِ (بِأَسْمَائِهِمْ) فَهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ فِي ذَلِكَ، وَالْعُمُومُ شَامِلٌ لِلْخَيْلِ فَمَنْ يَرَى دَلَالَةَ الْعُمُومِ قَطْعِيَّةً يَقْطَعْ بِدُخُولِهَا وَمَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ مُسْتَدِلٌّ بِهِ فِيهِ كَمَا يُسْتَدَلُّ بِسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَمِنْ الْآيَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ اقْتِضَاؤُهَا خَلْقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ السِّتَّةِ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ خَلْقَ آدَمَ خَارِجٌ عَنْ السِّتَّةِ بَعْدَهَا أَوْ حَاصِلٌ فِي آخِرِهَا بَعْدَ خَلْقِ غَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ، وَمِنْ الْآيَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَا قَبْلَهَا. فَهَذِهِ أَرْبَعُ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِيهَا كِفَايَةٌ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات أَنَّ الْخَيْلَ خُلِقَتْ مِنْ رِيحِ الْجَنُوبِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ وَلَا نَلْتَزِمُ صِحَّتَهُ لِأَنَّا لَا نُصَحِّحُ إلَّا مَا صَحَّ لَنَا عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْخَيْلَ كَانَتْ وَحْشًا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَلَّلَهَا لِإِسْمَاعِيلَ ﵇ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ فَقَدْ تَكُونُ كَانَتْ مَخْلُوقَةً قَبْلَ آدَمَ ﵇ وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى وَحْشِيَّتِهَا إلَى عَهْدِ إسْمَاعِيلَ ﵇ أَوْ تَكُونُ كَانَتْ تُرْكَبُ فِي وَقْتٍ ثُمَّ تَوَحَّشَتْ ثُمَّ ذُلِّلَتْ لِإِسْمَاعِيلَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ دَلِيلٌ فَالْمُعْتَمَدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ وَاَلَّذِي قِيلَ فِي أَنَّ إسْمَاعِيلَ ﵇ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَهَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ إسْنَادُهُ صَحِيحًا حَتَّى نَلْتَزِمَهُ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّا لَا نَلْتَزِمُ إلَّا مَا صَحَّ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ الْحَكِيمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ بِرَفْعِ الْقَوَاعِدِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ: إنِّي مُعْطِيكُمَا كَنْزًا ادَّخَرْته لَكُمَا ثُمَّ أَوْحَى لِإِسْمَاعِيلَ أَنْ اُخْرُجْ إلَى أَجْيَادٍ فَادْعُ يَأْتِك الْكَنْزُ فَخَرَجَ إلَى أَجْيَادٍ وَلَا يَدْرِي مَا الدُّعَاءُ وَلَا الْكَنْزُ فَأَلْهَمَهُ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَرَسٌ بِأَرْضِ الْعَرَبِ إلَّا جَاءَتْهُ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَاصِيَتِهَا وَذَلَّلَهَا لَهُ، وَلَوْ ذَكَرْنَا
стр. 1068
مَا قَالَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَشَرَحْنَاهُ بِطُولِهِ لَطَالَ فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَثِيرًا وَذَكَرُوا مِنْ خَوَاصِّ الْخَيْلِ وَمَنَافِعِهَا شَيْئًا كَثِيرًا لَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا نَلْتَزِمُ صِحَّتَهُ، وَمَطَالِبُ الْقَاصِدِ بِسُرْعَةِ الْجَوَابِ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَفِيهِ كِفَايَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ خَلْقَ الذُّكُورِ قَبْلَ الْإِنَاثِ فَلِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: شَرَفُ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى. وَالثَّانِي: حَرَارَتُهُ.
وَإِذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنْ مِزَاجٍ وَاحِدٍ وَأَحَدُهُمَا أَكْثَرُ حَرَارَةً مِنْ الْآخَرِ جَرَتْ عَادَةُ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِتَكْوِينِ أَقْوَاهُمَا حَرَارَةً قَبْلَ الْآخَرِ وَالذَّكَرُ أَقْوَى حَرَارَةً مِنْ الْأُنْثَى فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ أَسْبَقَ وَلِتَحْصُلَ الْمِنَّةُ بِهِ أَكْثَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ خَلْقُ آدَمَ قَبْلَ خَلْقِ حَوَّاءَ، وَلِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يُقْصَدُ لَهُ الْخَيْلُ الْجِهَادُ وَالذَّكَرُ فِي الْجِهَادِ خَيْرٌ مِنْ الْأُنْثَى؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ أَجْرَى وَأَجْرَأُ أَعْنِي أَشَدَّ جَرْيًا وَأَقْوَى جُرْأَةً وَيُقَاتِلُ مَعَ رَاكِبِهِ وَالْأُنْثَى بِخِلَافِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقْطَعُ بِصَاحِبِهَا رُجُوعَ مَا يُمْكِنُ إلَيْهَا إذَا كَانَتْ وَدِيقًا وَرَأَتْ فَحْلًا، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ رُكُوبُ جِبْرِيلَ ﵇ أُنْثَى لَمَّا جَازَ الْبَحْرَ لِمُوسَى لِأَنَّ ذَلِكَ لِرُكُوبِ فِرْعَوْنَ فَحْلًا فَقَصَدَ طَلَبَهُ لِلْأُنْثَى وَعَجَزَ فِرْعَوْنُ عَنْ إمْسَاكِ رَأْسِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا إنَّ الْعَرَبِيَّاتِ قَبْلَ الْبَرَاذِينِ فَلِمَا ذُكِرَ مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ ﵇ وَلِأَنَّ الْعَرَبِيَّاتِ أَشْرَفُ وَآصَلُ وَالْبِرْذَوْنُ إنَّمَا يَكُونُ بِعَارِضٍ أَوْ عِلَّةٍ إمَّا مِنْهُ وَإِمَّا مِنْ أُمِّهِ وَلَمْ تَكُنْ الْبَرَاذِينُ تُذْكَرُ فِيمَا خَلَا مِنْ الزَّمَانِ أَلَا تَرَى إلَى قِصَّةِ إسْمَاعِيلَ ﵇ وَقِصَّةِ سُلَيْمَانَ ﵇، وَإِنَّمَا الْبَرَاذِينُ مَا انْتَحَسَ مِنْ الْخَيْلِ حَتَّى اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُسْهَمُ لَهُ كَمَا يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ أَوْ لَا، وَفِي حَدِيثٍ مِنْ مَرَاسِيلِ مَكْحُولٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِلْهَجِينِ سَهْمٌ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْهَجِينَ لَا يُسَمَّى فَرَسًا وَالْهَجِينُ هُوَ الْبِرْذَوْنُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ الْبَرَاذِينُ حُثَالَةُ الْخَيْلِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَخْلُقَ مِنْ الْجِنْسِ حُثَالَتَهُ قَبْلَ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ وَالْآثَارُ الصَّحِيحَةُ فَإِنَّمَا جَاءَ مِنْهَا فِي فَضِيلَةِ الْخَيْلِ وَسِبَاقِهَا وَشِيَاتِهَا وَفَضِيلَةِ اتِّخَاذِهَا وَبَرَكَتِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا وَخِدْمَتِهَا وَمَسْحِ نَوَاصِيهَا وَالْتِمَاسِ نَسْلِهَا وَنَمَائِهَا وَالنَّهْيِ عَنْ خِصَائِهَا وَجَزِّ نَوَاصِيهَا وَأَذْنَابِهَا وَفِيمَا يُقْسَمُ لَهَا وَلِصَاحِبِهَا فِي الْغَنِيمَةِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَهَلْ
стр. 1069
يَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ أَوْ لَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ كَتَبْتهَا عَلَى سَبِيلِ الْعَجَلَةِ وَإِنْ اخْتَرْتُمْ كَتَبْت فِيهَا كِتَابًا مُسْتَقِلًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ نَسَبَ إلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ مَا لِي رَأْيٌ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: رَجُلٌ نَسَبَ إلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: مَا لِي رَأْيٌ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ حَطَّ رُتْبَتِهِ عَمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ذَا رَأْيٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهِ فَإِنْ صَدَقَ فَهُوَ جَاهِلٌ بِقَاعِدَتَيْنِ مِنْ قَوَاعِدِ الْعِلْمِ:
(إحْدَاهُمَا) أَنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْحَالِ.
(وَالثَّانِيَةُ) أَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ يَصْدُقُ بِالْقُوَّةِ وَبِالْفِعْلِ فَهُوَ بِالْفِعْلِ حَقِيقَةٌ وَفِي الْقُوَّةِ مَجَازٌ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ: مَا لِي رَأْيٌ نَفْيُ الرَّأْيِ بِالْفِعْلِ الْآنَ وَلَا عَيْبَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَا رَأْيٍ فَمُؤَاخَذَتُهُ بِهَذَا جَهْلٌ أَوْ تَجَاهُلٌ، هَذَا إذَا أَخَذْنَا اللَّفْظَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَسَلَّمْنَا الْمُؤَاخَذَةَ بِمُقْتَضَاهُ تَعَنُّتًا وَتَجَاهُلًا وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهَذَا إنَّمَا يَقْصِدُ التَّوَاضُعَ وَحَطَّ رُتْبَتِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَوَاقِبِ وَأَنَّهُ سَالِكٌ طَرِيقَةَ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. كُتِبَ بُكْرَةَ الْخَمِيسِ رَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ سَنَةَ ٧٤٧. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ مَنْ عَبَدَ اللَّه تَعَالَى بِالْخَوْفِ فَهُوَ حَرُورِيٌّ]
مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِيمَا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مِنْ كِتَابِ الْمُنَجِّيَّاتِ مِنْ إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ نَقْلًا عَنْ مَكْحُولٍ الدِّمَشْقِيِّ ﵁ مَنْ عَبَدَ اللَّه تَعَالَى بِالْخَوْفِ فَهُوَ حَرُورِيٌّ وَمَنْ عَبَدَ اللَّه تَعَالَى بِالرَّجَاءِ فَهُوَ مُرْجِئٌ وَمَنْ عَبَدَ اللَّه تَعَالَى بِالْمَحَبَّةِ فَهُوَ زِنْدِيقٌ مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مُفَسَّرًا أَثَابَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ:
(الْجَوَابُ) مَكْحُولٌ ﵁ تَابِعِيٌّ فَقِيهٌ عَالِمٌ جَمَعَ عِلْمَ مِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَاسْتَوْطَنَ دِمَشْقَ فَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُ: فَقِيهُ الشَّامِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّه بِالْخَوْفِ وَحْدَهُ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَالْخَوْفُ يَقْبِضُهُ وَالرَّجَاءُ يَبْسُطُهُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَلْ الْأَوْلَى اسْتِوَاءُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ أَوْ رُجْحَانُ أَحَدِهِمَا؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَوْلَى اسْتِوَاؤُهُمَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَوْلَى فِي زَمَنِ الصِّحَّةِ غَلَبَةُ الْخَوْفِ لِيَحْجِزَهُ عَنْ الْمَعَاصِي وَفِي حَالَةِ الْمَرَضِ غَلَبَةُ الرَّجَاءِ حَذَرًا مِنْ الْقُنُوطِ وَلِيَمُوتَ وَهُوَ حَسَنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَهُمَا جَنَاحَانِ كَجَنَاحَيْ الطَّائِرِ فَكَمَا أَنَّ
стр. 1070
الطَّائِرَ لَا يَطِيرُ إلَّا بِجَنَاحَيْهِ كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُهُ إلَّا بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَقَالَ مَنْ يَرَى اسْتِوَاءَهُمَا: لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ، وَالْقَائِلُ بِفَضْلِ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا لَا يَعْنِي بِهِ غَلَبَتَهُ بِحَيْثُ يَنْغَمِرُ جَانِبُ الرَّجَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ لَا بُدَّ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ مُلَاحَظَتِهِمَا وَاعْتِبَارِهِمَا وَحُضُورِهِمَا فِي الْقَلْبِ فِي كُلِّ حَالٍ وَهُمَا حَالَانِ مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ نَاشِئَانِ عَنْ مَعْرِفَةِ اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى فَالْخَوْفُ يَنْشَأُ مِنْ صِفَةِ الْقَهْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالرَّجَاءُ يَنْشَأُ مِنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَالْمَعَارِفُ فِي الْقُلُوبِ بِمَنْزِلَةِ الْمِيَاهِ وَمَوَادِّ الْأَرَاضِي لِلْأَشْجَارِ، وَالْأَحْوَالُ النَّاشِئَةُ عَنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الْأَغْصَانِ وَالْأَزْهَارِ، وَالْأَعْمَالُ الَّتِي فِي ظَاهِرِ الْبَدَنِ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ.
وَقَوْلُ الصُّوفِيَّةِ: فُلَانٌ صَاحِبُ حَالٍ يُشِيرُونَ بِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الْمَعَارِفِ وَالْأَعْمَالِ فَعَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ يَكُونُ الْحَالُ وَعَلَى قَدْرِ الْحَالِ يَكُونُ الْعَمَلُ وَصَلَاحُ الْقَلْبِ بِالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَصَلَاحُ الْبَدَنِ بِالْأَعْمَالِ وَمَقَامُ كُلِّ رَجُلٍ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَحَالُهُ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ تَفَاوُتًا كَثِيرًا وَلَا أَحَدَ أَجْمَعُ لَهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ بَعْدَهُ عَلَى مَقَامَاتِهِمْ فَمِنْهُمْ الْمُكْثِرُ مِنْهَا وَمِنْهُمْ الْمُقِلُّ، وَالْخَوْفُ وَاجِبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وَالرَّجَاءُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْيَأْسِ وَالْيَأْسُ حَرَامٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] وَلِأَنَّ فِي الرَّجَاءِ التَّصْدِيقَ بِوَعْدِ اللَّهِ فَقَدْ تَظَاهَرَتْ آيَاتُ الْوَعْدِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَمَا تَظَاهَرَتْ آيَاتُ الْوَعِيدِ عَلَى الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ.
وَالتَّصْدِيقُ بِوَعْدِ اللَّهِ وَاجِبٌ فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْخَوْفِ وَحْدَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رَجَاءٌ أَلْبَتَّةَ أَوْ كَانَ جَانِبُ الرَّجَاءِ عِنْدَهُ مَغْمُورًا لَا وَزْنَ لَهُ مَعَ الْخَوْفِ اقْتَضَى لَهُ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى الْعَاصِي بِالِانْسِلَاخِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الدِّينِ وَهَذَا رَأْيُ الْحَرُورِيَّةِ وَهُمْ أَوَّلُ طَوَائِفِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ خَرَجُوا عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ أَوْ حِينِ فُرْقَةٍ كَمَا أَخْبَرَ فِيهِمْ النَّبِيُّ ﷺ وَمِنْهُمْ ذُو الثُّدَيَّةِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقُتِلَ بِسُيُوفِ عَلِيٍّ ﵁، وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا اتَّفَقَ مِنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ مَا اُتُّفِقَ وَلَمْ يَكُنْ
стр. 1071
ذَلِكَ يَقْتَضِي تَكْفِيرًا وَلَا تَفْسِيقًا وَإِنَّمَا هُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي سَائِرِ الْفُرُوعِ جَرَّ قِتَالًا لِأَمْرٍ أَرَادَهُ اللَّهُ - أَنْكَرَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْخَبِيثَةُ مَا اتَّفَقَ مِنْ التَّحْكِيمِ وَغَيْرِهِ وَكَفَّرَتْ الصَّحَابَةَ.
وَمِنْ اعْتِقَادِهِمْ التَّكْفِيرُ بِالذَّنْبِ، وَيُسَمَّوْنَ خَوَارِجَ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلِيٍّ ﵁ وَيُسَمَّوْنَ حَرُورِيَّةَ لِنُزُولِهِمْ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ وَكَانُوا ثَمَانِيَةَ آلَافِ نَفْسٍ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَنَاظَرَهُمْ يَوْمًا كَامِلًا فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَبَقِيَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الَّذِي قَتَلَ عَلِيًّا ﵁، وَأَخْبَارُهُمْ طَوِيلَةٌ وَلَا خِلَافَ فِي فِسْقِهِمْ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كُفْرِهِمْ وَالْأَقْرَبُ كُفْرُهُمْ وَهُمْ مُتَنَطِّعُونَ فِي الدِّينِ غَالُونَ فِيهِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ وَاثْنَانِ هَالِكَانِ مُفَرِّطٌ وَمُفَرِّطٌ فَهَؤُلَاءِ هَلَكُوا بِالْإِفْرَاطِ كَمَا هَلَكَ غَيْرُهُمْ بِالتَّفْرِيطِ.
وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ جَرَّدُوا الْخَوْفَ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تُرْدِي صَاحِبَهَا وَلَمْ يَرْجُوا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ عَفْوًا وَلَا مَغْفِرَةً وَلَا رَحْمَةً فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى مُجَرَّدِ الْخَوْفِ فَقَدْ تَشَبَّهَ بِهَؤُلَاءِ حَيْثُ لَا يَرْجُو رَحْمَةً وَمَغْفِرَةً لِلْعَاصِي الْمُذْنِبِ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ يَرْجُوهُمَا مَحْضَ الْخَوْفِ فَأَرَادَ مَكْحُولٌ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ تَجْرِيدَ الْخَوْفِ يُوجِدُ الِالْتِحَاقَ بِهَذِهِ الطَّائِفَةِ.
وَقَوْلُهُ وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالرَّجَاءِ فَهُوَ مُرْجِئٌ يَعْنِي إذَا عَبَدَ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ خَوْفٌ أَوْ حَصَلَ وَلَكِنَّهُ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ الرَّجَاءِ فَهَذَا لَا يَخَافُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ فَيُشْبِهُ الْمُرْجِئَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ سَيِّئَةٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ حَسَنَةٌ، فَقَاسُوا قِيَاسًا فَاسِدًا وَقَالُوا: كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا فَعَلَ مَا شَاءَ مِنْ الْحَسَنَاتِ لَا يَنْفَعُهُ وَيَخْلُدُ فِي النَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ إذَا ارْتَكَبَ أَنْوَاعَ الْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ كَبَائِرَهَا وَصَغَائِرَهَا لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ مَعَ الْإِيمَانِ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عِقَابٍ، وَرُبَّمَا تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا تَجْرِيدُهُمْ الرَّجَاءَ لِلْمُؤْمِنِ وَأَنَّهُ بِإِيمَانِهِ قَدْ اسْتَحَقَّ ثَوَابَ اللَّهِ وَالْأَمْنَ مِنْ عَذَابِهِ فَلَا يَضُرُّهُ مَا صَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْمُبْتَدِعَةِ حَدَثَتْ بَعْدَ الْفِرْقَةِ الْأُولَى.
وَالْمُرْجِئَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: هَذِهِ الطَّائِفَةُ وَطَائِفَةُ أُخْرَى لَهُمْ اعْتِقَادٌ آخَرُ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ فَالْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ أَرَادَهُمْ مَكْحُولٌ
стр. 1072
- ﵁ هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ وَالْحَامِلُ لَهُمْ بِمَحْضِ الرَّجَاءِ فَلِذَلِكَ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ شَابَهُ هَؤُلَاءِ.
وَهَذِهِ الْفِرْقَةُ أَيْضًا مُنَابِذَةٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨]- الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُحَارَبِينَ ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَشَرَطَ الْمَشِيئَةَ وَالْآيَاتُ الصَّرِيحَةُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي ثَوَابِ فَاعِلِ الْحَسَنَاتِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فَتَبًّا لِهَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ الْحَرُورِيَّةِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ الرَّجَاءِ وَالْمُرْجِئَةِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ الْخَوْفِ وَسَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَقُولُ: إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَعْلَمَكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدَّكُمْ لَهُ خَشْيَةً.
وَهَا هُنَا نُكْتَتَانِ يَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لَهُمَا: (إحْدَاهُمَا) أَنَّ الَّذِي يَتَجَرَّدُ فِيهِ الرَّجَاءُ عَنْ الْخَوْفِ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا تَصِحُّ طَاعَاتُهُ وَمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ شَرْطٌ فِي ذَلِكَ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ الْمَفْرُوضَةُ إلَّا بِهَا، وَالْفَرْضُ هُوَ الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ أَوْ الَّذِي يُعَاقَبُ تَارِكُهُ أَوْ الَّذِي يَخَافُ مِنْ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا قِيلَ فِي حُدُودِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِذَا فُرِضَ انْتِفَاءُ الْخَوْفِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ انْتَفَى اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَالْفَرْضِيَّةُ عَلَى الْحَدِّ الثَّالِثِ وَكَذَا عَلَى الْحَدِّ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ الْعِقَابَ خَافَ وَكَذَا عَلَى الْحَدِّ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الذَّمَّ يُخَافُ مِنْهُ كَمَا يُخَافُ مِنْ الْعِقَابِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ انْتِفَاءَ الْخَوْفِ لَا يَصِحُّ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ وَكَفَى بِهَذَا بَلِيَّةً.
(النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ) كَانَتْ فِي نَفْسِي وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ الْأُولَى فَلَمَّا اشْتَغَلْت بِكِتَابَةِ الْأُولَى نَسِيتُهَا فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِفَتْحٍ بِتَذَكُّرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ تَذَكَّرْتُهَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَهِيَ قَوْلُ عُمَرَ نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ
стр. 1073
لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْخَوْفِ وَهَذَا يُنَافِي مَا قُلْتُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا انْتَفَى الْخَوْفُ كَانَ مُرْجِئًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَمْ نَقُلْ: إذَا انْتَفَى الْخَوْفُ يَكُونُ مُرْجِئًا مُطْلَقًا بَلْ قُلْنَا: إنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ كَانَ مُرْجِئًا وَإِنَّ تَجْرِيدَ الرَّجَاءِ يُوجِبُ الْجُرْأَةَ وَالْإِقْدَامَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَانْتِفَاءُ الْخَوْفِ أَعَمُّ مِنْ تَجْرِيدِ الرَّجَاءِ فَإِنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ انْتِفَاءِ الْخَوْفِ حَالَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الْحَيَاءُ بِمَنْعٍ مِنْ الْمَعْصِيَةِ فَذَاكَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَعْبُدُ بِالْحَيَاءِ لَا بِمُجَرَّدِ الرَّجَاءِ. فَإِنْ قُلْت: فَهَذَا الْأَثَرُ مِنْ كَلَامِ عُمَرَ يَقْدَحُ فِيمَا قُلْتُمْ مِنْ فَسَادِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْخَوْفِ.
قُلْت: الْجَوَابُ تَخْصِيصُ الْكَلَامِ بِالْخَوْفِ مِنْ الْعِقَابِ الْأُخْرَوِيِّ لِمَا قُلْنَاهُ: إنَّ الذَّمَّ يُخَافُ وَهُوَ لَازِمٌ لِلْوُجُوبِ اللَّازِمِ لِلْمَعْصِيَةِ بِتَقْدِيرِ التَّرْكِ وَعَدَمِ الْمَعْصِيَةِ بِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا؟ . قُلْت: تَمَسُّكُهُمْ بِهَا مِنْ جَهْلِهِمْ بِمُرَادِهَا وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ مَا يُرْسِلُ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا تَخْوِيفًا لِلنَّاسِ لِيُؤْمِنُوا وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْنَاهَا فَأَيُّ دَلِيلٍ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ. وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْإِطَالَةِ لَزِدْنَا فِي تَقْرِيرِ فَسَادِ الطَّائِفَتَيْنِ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ خَذَلَهُمْ اللَّهُ.
وَقَوْلُ مَكْحُولٍ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْمَحَبَّةِ فَهُوَ زِنْدِيقٌ فَمَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ خَوْفًا مِنْهُ وَلَا رَجَاءً وَلَا لِصِفَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْمَحَبَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَتَى فُرِضَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ انْتَفَى اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَصَارَ كَمَنْ يَعْمَلُ لِمَنْ يُحِبُّهُ عَمَلًا لِأَجْلِ مَحَبَّتِهِ لَهُ لَا لِاسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَمَلَ وَمَنْ اعْتَقَدَ هَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَافِرٌ وَإِظْهَارُهُ لِلْإِيمَانِ بِلِسَانِهِ وَبِطَاعَاتِهِ الظَّاهِرَةِ فَقَطْ مِثْلُ إظْهَارِ الزِّنْدِيقِ الْإِسْلَامَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِسْرَارِهِ الْكُفْرَ فَلِهَذَا شَبَّهَهُ بِالزِّنْدِيقِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اعْتِقَادَهُ كُفْرٌ وَعَمَلُهُ عَمَلُ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَكَابِرِ أَهْلِ الطَّرِيقِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا عَبَدْنَاك خَوْفًا مِنْ نَارِك وَلَا طَمَعًا فِي جَنَّتِك وَهَذَا مِنْ ذَاكَ الْقَبِيلِ أَفَتَقُولُونَ: إنَّ هَذَا كُفْرٌ؟ . قُلْت: لَيْسَ هَذَا مِنْ ذَاكَ الْقَبِيلِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا يَصِيرُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا بِدُونِهِ اعْتِقَادُ اسْتِحْقَاقِ اللَّهِ الْعِبَادَةَ عَلَى عِبَادِهِ سَوَاءً أَمْ عَذَّبَهُمْ فَهُوَ لِذَاتِهِ تَعَالَى مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ بِأَمْرِهِ تَعَالَى ذَاتِهِ اسْتَحَقَّ أَنَّهُ مَهْمَا أَمَرَ بِهِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَحَرُمَتْ مَعْصِيَتُهُ ثُمَّ إنَّهُ بِفَضْلِهِ تَعَالَى وَعَدَ الطَّائِعِينَ
стр. 1074
وَتَوَعَّدَ الْعَاصِينَ.
وَالْعَامِلُونَ عَلَى أَصْنَافٍ صِنْفٌ عَبَدُوهُ لِذَاتِهِ وَكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَخْلُقْ جَنَّةً وَلَا نَارًا فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَا عَبَدْنَاك خَوْفًا مِنْ نَارِك وَلَا طَمَعًا فِي جَنَّتِك أَيْ بَلْ عَبَدْنَاك لِاسْتِحْقَاقِك ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا فَهَذَا الْقَائِلُ يَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ النَّارِ وَيَظُنُّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ جَهْلٌ فَمَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَالنَّجَاةَ مِنْ النَّارِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ، وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ الْقَائِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إنَّهُ يَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ النَّارِ، وَقَالَ: مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَك وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» .
فَهَذَا سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فَمَنْ اعْتَقَدَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ جَاهِلٌ خَتَّالٌ.
وَمِنْ آدَابِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا: الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالِافْتِقَارُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِغَاثَةُ بِاَللَّهِ وَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ إلَى الْمَمَاتِ. كَذَا قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ وَهُوَ كَلَامٌ حَقٌّ. وَصِنْفٌ عَبَدُوهُ خَوْفًا مِنْ نَارِهِ وَطَمَعًا فِي جَنَّتِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ هُوَ دُونَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ وَكِلَا الصِّنْفَيْنِ يَعْتَقِدُونَ وُجُوبَ الطَّاعَةِ وَاسْتِحْقَاقَهَا خَاضِعُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ مُنْقَادُونَ تَحْتَ أَعْبَاءِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مُسَخَّرُونَ تَحْتَ ذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ الْيَهُودُ ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] بَلَى نَحْنُ عَبِيدُهُ نَوَاصِينَا بِيَدِهِ مَاضٍ فِينَا حُكْمُهُ عَدْلٌ فِينَا قَضَاؤُهُ وَمَعَ ذَلِكَ نُحِبُّهُ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُحِبَّنَا.
وَأَمَّا هَذَا الشَّخْصُ الَّذِي جَرَّدَ وَصْفَ الْمَحَبَّةِ وَعَبَدَ اللَّهَ بِهَا وَحْدَهَا فَقَدْ رَبَا بِجَهْلِهِ عَلَى هَذَا وَاعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ رَفَعَتْهُ عَنْ حَضِيضِ الْعُبُودِيَّةِ وَضَآلَتِهَا وَحَقَارَةِ نَفْسِهِ الْخَسِيسَةِ وَذِلَّتِهَا إلَى أَوْجِ الْمَحَبَّةِ كَأَنَّهُ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَآخِذٌ عَهْدًا مِنْ رَبِّهِ أَنَّهُ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَضْلًا عَنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ كَلًّا بَلْ هُوَ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ سُلُوكُ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ وَتَضَاؤُلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاحْتِقَارُهُ نَفْسَهُ وَاسْتِصْغَارُهُ إيَّاهَا وَالْخَوْفُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَعَدَمُ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَرَجَاءُ فَضْلِ اللَّهِ وَاسْتِعَانَتُهُ بِهِ وَاسْتِعَانَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَقُولُ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ: مَا عَبَدْنَاك حَقَّ عِبَادَتِك وَيَعْتَرِفُ بِالتَّقْصِيرِ
стр. 1075
وَيَسْتَغْفِرُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ إشَارَةً إلَى مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ وَفِي الْأَسْحَارِ إشَارَةً إلَى مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنْ التَّقْصِيرِ وَقَدْ قَامَ طُولَ اللَّيْلِ فَكَيْفَ مَنْ لَمْ يَقُمْ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا وَعَنْ وَالِدِينَا وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَيَرْحَمَنَا بِفَضْلِهِ إنَّهُ لَا عَمَلَ لَنَا وَلَا سَبَبَ نَدِلُّ بِهِ عِنْدَهُ إلَّا فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ الْقَدِيمُ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّي مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ تَغْفِرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الشَّرِيفِ لِوَالِدَتِي الْمِسْكِينَةِ وَوَالِدِي الْمِسْكِينِ وَتَرْحَمَهُمَا بِفَضْلِك وَمَنِّكَ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إلَى رَبِّي فِي قَضَاءِ حَاجَتِي هَذِهِ اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِي الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْجَنَّةِ أَفْضَلُ أُمّ الْعِبَادَة]
رَجُلَانِ تَنَازَعَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: دُخُولُ الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَعَكَسَ الْآخَرُ، أَيُّهُمَا الْمُصِيبُ؟
(أَجَابَ) الْمُصِيبُ هُوَ الَّذِي قَالَ: دُخُولُ الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
(أَحَدُهُمَا) قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] فَالْعِبَادَةُ حَسَنَةٌ وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ الْجَزَاءَ خَيْرٌ مِنْهَا.
(الثَّانِي) قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] وَهِيَ فُعْلَى تَأْنِيثُ أَفْعَلَ الَّذِي لِلتَّفْضِيلِ.
(الثَّالِثُ) مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي» ، فَالْجَنَّةُ رَحْمَتُهُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.
(الرَّابِعُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] إذَا جَعَلْنَاهُ مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ.
(الْخَامِسُ) قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ» .
إشَارَةً إلَى تَفْضِيلِ الْجَزَاءِ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ.
(السَّادِسُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وَ ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] .
(السَّابِعُ) قَوْلُهُ ﷺ «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» لَمَّا قَالَ لَهُ أَسْأَلُ الْجَنَّةَ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَك وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ.
(الثَّامِنُ) أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِهِ يَحْصُلُ الْفَوْزُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فَدَاخِلُ الْجَنَّةِ فَائِزٌ وَالْعَابِدُ عَلَى خَطَرٍ وَخَوْفٍ كَمَا قِيلَ: النَّاسُ كُلُّهُمْ هَالِكُونَ إلَّا الْعَالِمِينَ وَالْعَالِمُونَ هَلْكَى إلَّا الْعَامِلِينَ وَالْعَامِلُونَ هَلْكَى إلَّا الْمُخْلِصِينَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ أَمِنَ هَذِهِ الْأَخْطَارَ كُلَّهَا.
(التَّاسِعُ) أَنَّ دُخُولَ
стр. 1076
الْجَنَّةِ هُوَ الْمَقْصِدُ وَالْعِبَادَةُ وَسِيلَةٌ وَالْمَقْصِدُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَسِيلَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَنَّةِ الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَمِنْ جُمْلَتِهِ رُؤْيَةُ الرَّبِّ .
(الْعَاشِرُ) أَنَّ الْجَنَّةَ فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعِبَادَةُ فِعْلُ الْعَبْدِ وَأَيْنَ فَضْلُ اللَّهِ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) الْعَابِدُ كَمَنْ لُوِّحَ بِالْقُرْبِ لَهُ وَدَاخِلُ الْجَنَّةِ وَاصِلٌ، وَقَدْ قِيلَ:
لَيْسَ مَنْ لُوِّحَ بِالْقُرْبِ لَهُ ... مِثْلَ مَنْ سِيرَ بِهِ حَتَّى وَصَلْ
لَا وَلَا الْوَاصِلُ عِنْدِي كَاَلَّذِي ... طَرَقَ الْبَابَ وَفِي الدَّارِ حَصَلْ
لَا وَلَا الْحَاصِلُ عِنْدِي كَاَلَّذِي ... سَارَرُوهُ فَأَزِحْ عَنْك الْعِلَلْ
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَطُولُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّفْضِيلِ وَمَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ وَالْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مَا هُوَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ وَمَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا جَوَابٌ مُخْتَصَرٌ يَكْفِي بِحَسَبِ مَا حَصَلَ مِنْ السُّؤَالِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ آخِرُ مِنْ يَدْخُل الْجَنَّة]
(مَسْأَلَةٌ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ) مَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ السُّبْكِيُّ أَمْتَعَ اللَّهُ بِبَقَائِهِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ آخِرُ الْجَنَّةِ دُخُولًا إلَيْهَا إذَا تَرَاءَتْ لَهُ الشَّجَرَةُ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَوْ أَدْنَيْتنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَأَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا - الْحَدِيثَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَسْتَظِلُّ وَقَرَأَ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ - وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٢ - ٣] ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] .
(أَجَابَ) الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْآثَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى ظِلِّ الْجَنَّةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَكْوِيرِ الشَّمْسِ وَانْكِدَارِ النُّجُومِ وَتَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَتَعْطِيلِ الْعِشَارِ عَدَمُ الظِّلِّ وَالِاسْتِظْلَالِ وَلَا عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، وَقَدْ يَحْصُلُ الضَّحَاءُ مِنْ غَيْرِ شَمْسٍ وَيُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الظِّلِّ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] وَإِنَّمَا النَّاسُ أَلِفُوا أَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَى الظِّلِّ مِنْ أَجْلِ الشَّمْسِ وَأَنَّ الظِّلَّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِمَّا يَلِي إتْيَانَهَا عَلَيْهِ وَهَذَا بِالْعَادَةِ لَا يَنْحَصِرُ، وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي أَذْهَانِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الظِّلَّ عَدَمُ الشَّمْسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الظِّلُّ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ بِعَدَمٍ بَلْ هُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَهُ نَفْعٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا فَذَلِكَ الْمُحْتَالُ يَحْصُلُ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ
стр. 1077
الَّتِي يَرَاهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ وَلَيْسَ هُوَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَيَطْلُبُهُ لِيَحْصُلَ لَهُ بِهِ رَوْحٌ وَرَاحَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ وَضْعُ الْقَدَمِ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ أَشْكَالُ حُرُوفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ]
مَا تَقُولُونَ فِي وَضْعِ الْإِنْسَانِ قَدَمَهُ عَلَى بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ وَقَدْ ارْتَسَمَتْ فِي النَّسْجِ فِي الْبِسَاطِ أَشْكَالُ حُرُوفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَانْتَظَمَتْ مِنْهَا كَلِمَاتٌ مَفْهُومَةُ الْمَعْنَى مِثْلُ بَرَكَةٍ وَسَعَادَةٍ وَالْعِزِّ الدَّائِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هَلْ يَجُوزُ وَطْءُ الْإِنْسَانِ مَوَاضِعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ الْبِسَاطِ.
(أَجَابَ ﵀) أَنَا أَمِيلُ إلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ دَلِيلٌ مُعْتَمَدٌ وَلَكِنْ أَدِلَّةٌ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلَا شَكَّ فِيهَا، وَإِنَّمَا أَنَا أَسْتَصْعِبُ لَفْظَ التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] فَلَا أَسْتَجِيزُ إطْلَاقَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ إلَّا بِوُرُودِ نَهْيٍ مِنْ الشَّارِعِ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ عَلَى نَصٍّ مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مَنْ قَالَ: كُلُّ حَرْفٍ قَدْ يُجْعَلُ دَلِيلًا عَلَى اسْمٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فَذَلِكَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي فِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ قَدْ يُجْعَلُ دَلِيلًا عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] وَدَلَالَتِهَا عَلَى كَافٍ وَهَادٍ إلَى آخِرِهَا فَقَدْ قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أُشِيرَ بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَى تِلْكَ الْمَعَانِي أَنْ تَكُونَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَذَلِكَ وَالْمُصَنِّفُونَ فِي عِلْمِ الْحُرُوفِ قَدْ تَوَسَّعُوا وَذَكَرُوا أَلْوَانًا وَدَلَالَاتٍ وَأَوْفَاقًا حَرَتْ بَعْضُهَا وَأُنْكِرَ بَعْضُهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ لَهَا طَبَائِعَ ثُمَّ يَبْنِي عَلَى ذَلِكَ آثَارًا وَأَكْثَرُ ذَلِكَ يَكُونُ مَعْصِيَةً مِمَّا يَجِبُ إنْكَارُهُ وَبَعْضُهُ مِمَّا جَرَّبْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ صَحِيحًا مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَلَكِنَّ الَّذِي أَقُولُهُ إنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ مَخْلُوقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وَهِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلِأَنَّهَا قِطَعٌ مِنْ الْأَصْوَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضُ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ لِلرَّبِّ فَهِيَ مَخْلُوقَةٌ مَعَهَا فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ فَتَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَاَلَّذِي خَلَقَهُ لَنَا الْمَقْصُودُ بِهِ الِاعْتِبَارُ وَنَحْوُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَالْأَدِلَّةُ الْقَائِمَةُ عَلَيْهِ فَكُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ
стр. 1078
تَعَالَى يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْغَرَضِ الَّذِي خُلِقَ لِأَجْلِهِ وَيُعَامِلَهُ بِتِلْكَ الْمُعَامَلَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ مِنْ الْإِكْرَامِ وَالْإِهَانَةِ وَسَائِرِ مَا دَلَّ خَلْقَهُ وَالشَّرِيعَةَ عَلَيْهِ وَيَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ فَمَعْنَى وَضْعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَجِيءَ إذْنٌ مِنْ الشَّارِعِ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «سَاءَ رَجُلٌ سَوَّقَ بَقَرَةً فَرَكِبَهَا فَقَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا» فَالْبَقَرَةُ لَمَّا خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ وَنَحْوِهِ عَاتَبَتْ رَاكِبَهَا وَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، وَإِذَا قِيلَ بِجَوَازِ رُكُوبِ الْبَقَرِ فَإِمَّا لِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَإِمَّا لِأَنَّ الرُّكُوبَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَغْرَاضِ الَّتِي خُلِقَتْ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْحِرَاثَةُ أَغْلَبَ أَغْرَاضِهَا فَالْحُرُوفُ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِيَنْتَظِمَ مِنْهَا كَلَامُهُ وَكَلَامُ رَسُولِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَمَلَائِكَتِهِ ﵈ وَالْأَذْكَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ انْتِظَامَ تِلْكَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ مِنْهَا يَقْتَضِي إكْرَامَهَا وَتَعْظِيمَهَا وَمَهَابَتَهَا.
وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ الْوَرَقَةَ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ كَاغِدَةً يُجْعَلُ فِيهَا قِصَّةٌ وَنَحْوُهَا، فَالتَّحْرِيمُ هُنَا لَا شَكَّ فِيهِ لِأَجْلِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَحَيْثُ لَا يَكُونُ اسْمُ اللَّهِ وَلَكِنْ حُرُوفٌ يُمْكِنُ أَنْ يُرَكَّبَ مِنْهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ غَيْرِهِ إنْ لَمْ نَقُلْ بِالتَّحْرِيمِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْفَرْعَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مُسَاوَاةُ الْأَصْلِ بَلْ يَكْفِي اشْتِرَاكُهُمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ.
فَإِنْ قِيلَ كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يَنْتَظِمُ مِنْهَا كَلِمَاتُ الْكُفْرِ وَالْقَبَائِحِ.
قُلْت: نَعَمْ وَلَكِنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ لَهَا إنَّمَا خُلِقَتْ لِلْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ خُلِقَتْ لِغَرَضٍ وَمُكِّنَ الْإِنْسَانُ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا فِي ذَلِكَ الْغَرَضِ وَفِي ضِدِّهِ فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ كَانَ قَدْ وَضَعَ الشَّيْءَ فِي مَوْضِعِهِ وَعَدَلَ وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَقَدْ جَارَ وَقَسَطَ، وَالْجَوْرُ وَالْقَسْطُ ظُلْمٌ وَحَرَامٌ بِخِلَافِ الْعَدْلِ وَالْإِقْسَاطِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يَمَسُّ الْوَرَقَ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ وَإِنْ كَانَ الْوَرَقُ مُحْتَمَلًا؛ لَأَنْ يُكْتَبَ فِيهِ هَذَا وَهَذَا لَكِنَّ الَّذِي خُلِقَ لِأَجْلِهِ هُوَ أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَالْعِلْمُ النَّافِعُ فَيُعَظَّمُ لِذَلِكَ، فَلَوْ جَاءَ إنْسَانٌ يَدُوسُ وَرَقَةً عَمْدًا وَهِيَ بَيَاضٌ وَقَدْ بَلَغَهُ مَا يَجِبُ مِنْ تَعْظِيمِهَا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْحُرُوفُ لَا يَجُوزُ دَوْسُهَا لِمَنْ بَلَغَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي خُلِقَتْ لَهُ، وَاحْتَرَزْنَا بِذَلِكَ عَنْ الْجَاهِلِ فَقَدْ يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ
стр. 1079
الْأَحْكَامِ اشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي الْإِثْمِ بِهَا الْعِلْمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا فَكَذَلِكَ أَقُولُ: إنَّمَا يَأْثَمُ بِدَوْسِ هَذِهِ الْحُرُوفِ مَنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ لَمْ يَمْتَنِعْ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ مَعَ نَفْيِ الْإِثْمِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حَتَّى يَعْلَمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ ٧٥٢. انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد وتفسيرها]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] مَعْنَاهُ وَرِثَ الْعِلْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَرِثَ الْمَالَ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» وَلِأَنَّ الرُّوَاةَ وَحَمَلَةَ الْأَخْبَارِ وَجَمِيعِ التَّوَارِيخِ الْقَدِيمَةِ وَجَمِيعِ طَوَائِفِ بَنِي إسْرَائِيلَ يَنْقُلُونَ بِلَا خِلَافٍ نَقْلًا يُوجِبُ الْعِلْمَ أَنَّ دَاوُد ﵇ كَانَ لَهُ بَنُونَ ذُكُورٌ جَمَاعَةٌ غَيْرُ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ وَرِثَهُ غَيْرُ سُلَيْمَانَ فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ وَلِيَ مَكَانَ أَبِيهِ ﵉ وَعُمْرَهُ اثْنَا عَشَرَ عَامًا وَلِدَاوُد ﵇ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ابْنًا ذُكُورًا كِبَارًا وَصِغَارًا.
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ زَكَرِيَّا ﵇ فَوَهَبَهُ اللَّهُ يَحْيَى وَوَرِثَ مِنْهُ النُّبُوَّةَ وَالْعِلْمَ كَمَا وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْآيَةِ نَفْسِهَا قَوْلُهُ ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] وَلِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ عَصَبَاتٌ عَظِيمَاتٌ وَلَا يَرِثُ يَحْيَى مِنْهُمْ مَالًا فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا رَغِبَ فِي وَلَدٍ يَرِثُ عَنْهُ وَعَنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ فَقَطْ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّ زَكَرِيَّا ﵇ يَرْغَبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي وَلَدٍ يَحْجُبُ عَصَبَتَهُ عَنْ مِيرَاثِهِ، وَهُوَ ﵇ وَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ قَدْ نَزَّهَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الرَّغْبَةِ فِي الْمَالِ وَالدُّنْيَا فَهَذَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ أَمْثَالِهِ، وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا طَلَبَ الْوَلَدَ حِينَ رَأَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَرْيَمَ الَّتِي كَانَتْ فِي كَفَالَتِهِ مِنْ الْخَوَارِقِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى دَعَا حِينَئِذٍ أَيْضًا فَقَالَ ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦]
стр. 1080
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ وَهَبَهُ وَلَدًا حَصُورًا لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] فَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ وِرَاثَةَ الْمَالِ كَانَ إعْطَاؤُهُ وَلَدًا يَكُونُ لَهُ عَقِبًا يَصِلُ إلَيْهِمْ بِمِيرَاثِهِ الْمَالِيِّ لَوْ كَانَ يُورَثُ عَنْهُ الْمَالُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] مَعْنَاهُ خَوْفُهُمْ عَلَى إرْثِ مَالِهِ لِكَوْنِهِ لَا وَلَدَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ مَوْلًى وَلَهُ عَصَبَاتٌ وَهُمْ أَسْبَاطُ بَنِي إسْرَائِيلَ فَمِنْ أَيْنَ يُتَوَهَّمُ وِرَاثَةُ الْمَالِ لِلْمَوَالِي فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي وِرَاثَةِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِهِمَا أَيْضًا فِي وِرَاثَةِ الْخِلَافَةِ كَمَا ادَّعَتْهُ الدَّوْدَوِيَّةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْخِلَافَةُ إلَّا فِي وَلَدِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ تَقَرُّبًا لِبَنِي الْعَبَّاسِ عَلَى أَنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ لَمْ يَرْتَضُوا بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ وَلَا ادَّعَاهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَالْعَبَّاسُ ﵁ كَانَ حَيًّا عِنْدَمَا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا ادَّعَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا مِنْ وِرَاثَةِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ مِمَّا يُورَثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ لَهُ مِنْهُ الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ كَلَامٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا تَوَهَّمَتْهُ نَفْسُهُ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي وَلَدِ عَلِيٍّ ﵁.
فَهَاتَانِ الطَّائِفَتَانِ حَصَرَتْهَا فِي بَنِي هَاشِمٍ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا فِي وَلَدِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخِي عَلِيٍّ ﵄ ثُمَّ قَصَرُوهَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ بَعْضُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَّا لِبَنِي الْمُطَّلِبِ خَاصَّةً وَيَرَاهَا فِي جَمِيعِ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ فَقَطْ لَمْ يُعْقِبْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ غَيْرَهُمْ، وَهُمْ الْعَبَّاسُ وَالْحَارِثُ وَأَبُو طَالِبٍ وَأَبُو لَهَبٍ، وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ طَبَرِيَّةَ الْأُرْدُنِّ إلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْخِلَافَةُ إلَّا فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَلَهُ فِي ذَلِكَ تَأْلِيفٌ مَجْمُوعٌ وَلَعَلَّهُ عَمِلَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إلَى بَنِي أُمَيَّةَ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ رَأَى كِتَابًا مُؤَلَّفًا لِرَجُلٍ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَحْتَجُّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَطْ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَقَالَاتٌ بَاطِلَةٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي قُرَيْشٍ وَلَا تَخْتَصُّ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَلَا تَجُوزُ فِي حَلِيفٍ لَهُمْ وَلَا مَوْلًى وَلَا فِيمَنْ أَبُوهُ غَيْرُ قُرَشِيٍّ وَأُمُّهُ قُرَشِيَّةٌ، هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ وَجُمْهُورِ
стр. 1081
الْمُرْجِئَةِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَذَهَبَتْ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ فِي كُلِّ مَنْ قَامَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قُرَشِيًّا كَانَ أَوْ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا أَوْ ابْنَ زِنْجِيَّةٍ بَغِيَّةٍ.
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو الْغَطَفَانِيُّ إذَا اجْتَمَعَ قُرَشِيٌّ وَحَبَشِيٌّ وَكِلَاهُمَا قَائِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ تَقْدِيمُ الْحَبَشِيِّ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخَلْعِهِ إذَا حَادَ عَنْ الطَّرِيقَةِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَذَاهِبُ بَاطِلَةٌ إلَّا الْقَوْلَ بِأَنَّهَا فِي قُرَيْشٍ كُلِّهَا كَمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ النَّبِيِّ ﷺ .
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِاخْتِصَاصِهَا بِوَلَدِ عَلِيٍّ ﵁ فَطَائِفَةٌ قَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اتَّفَقُوا عَلَى ظُلْمِ عَلِيٍّ وَكِتْمَانِ ذَلِكَ النَّصِّ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الرَّوَافِضُ.
وَطَائِفَةٌ قَالُوا: لَمْ يَنُصَّ عَلَى عَلِيٍّ لَكِنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الزَّيْدِيَّةُ نُسِبُوا إلَى زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃، ثُمَّ اخْتَلَفَ الزَّيْدِيَّةُ فَفِرْقَةٌ قَالُوا: إنَّ الصَّحَابَةَ ظَلَمُوهُ فَكَفَرُوا وَفِرْقَةٌ قَالُوا: لَمْ يَظْلِمُوهُ لَكِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِتَسْلِيمِ حَقِّهِ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَأَنَّهُمَا إمَامَا هُدًى، وَوَقَفَ بَعْضُهُمْ فِي عُثْمَانَ ﵁ وَتَوَلَّاهُ بَعْضُهُمْ وَقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ عَمِيدُ الرَّافِضَةِ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْمِيزَانِ: وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنُ حَيٍّ أَنَّ مَذْهَبَهُ كَانَ أَنَّ الْإِمَامَةَ كَانَتْ فِي جَمِيعِ وَلَدِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ وَفِهْرُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ قُرَيْشِيٌّ وَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: هُمْ وَلَدُ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ وَهِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ أَدْرَكَ الْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ وَشَاهَدَهُ وَكَانَ جَارَهُ بِالْكُوفَةِ فَهُوَ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِهِ، وَأَعْلَمُ بِهِ مِمَّنْ نَسَبَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ﵀ يَحْتَجُّ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِهِ بِمُعَاوِيَةَ وَبِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵃ هَذَا مَشْهُورٌ عَنْهُ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ عَنْهُ.
وَجَمِيعُ الزَّيْدِيَّةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الْإِمَامَةَ فِي جَمِيعِ بَنِي عَلِيٍّ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ يَدْعُو إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَبَ حَمْلُ السَّيْفِ مَعَهُ.
وَقَالَتْ الرَّوَافِضُ بِانْتِقَالِهَا مِنْ عَلِيٍّ إلَى الْحَسَنِ ثُمَّ الْحُسَيْنِ ثُمَّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ ثُمَّ الْبَاقِرِ ثُمَّ الصَّادِقِ وَهَذَا مَذْهَبُ جَمِيعِ مُتَكَلِّمِيهِمْ كَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَهِشَامٍ الْجَوَالِيقِيِّ وَدَاوُد الْحَوَارِيِّ وَدَاوُد الرَّقِّيِّ وَعَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ
стр. 1082
وَعَلِيِّ بْنِ سَمٍّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفِ بِشَيْطَانِ الطَّاقِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْبَكَّالِ تِلْمِيذِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَأَبِي مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَبَعْدَ الصَّادِقِ طَائِفَةُ إسْمَاعِيلَ وَقِيلَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَقِيلَ: جَعْفَرُ بْنُ حَيٍّ.
وَقَالَ جُمْهُورُهُمْ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى ثُمَّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ مَاتَ الْحَسَنُ عَنْ غَيْرِ عَقِبٍ.
وَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ أَخْفَاهُ، وَقِيلَ: وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ جَارِيَةٍ اسْمُهَا صُقَيْلٌ وَقِيلَ: اسْمُهَا نَرْجِسُ وَقِيلَ: سَوْسَنٌ وَكَانَ مَوْتُ الْحَسَنِ هَذَا سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ أَنْ تَعَصَّبَ لِكُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَوْمٌ، وَأَخَذَ مِيرَاثَهُ أَخُوهُ جَعْفَرٌ وَاَلَّذِينَ قَالُوا: إسْمَاعِيلُ، قَالُوا بَعْدَهُ إلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَأَنَّهُ صَاحِبُ الزَّمَانِ وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْإِسْمَاعِيلِيَّة، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَطَائِفَةٌ وَقَالُوا: إنَّهَا بَعْدَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إلَى أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ وَكَثِيرٌ غَيْرُهُ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيٌّ بِجَبَلِ رَضْوَى، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ أَصْلُهُمْ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَكُلُّ هَذِهِ تَخَالِيطُ، وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَلِيٍّ «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» يَعْنِي فِي الْقَرَابَةِ وَالِاسْتِخْلَافِ فِي تِلْكَ السُّفْرَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَاَلَّذِي خَلَفَ مُوسَى ﵇ فَتَاهُ يُوشَعُ كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَفَهُ صَاحِبُهُ فِي الْغَارِ كَمَا صَاحَبَ مُوسَى فَتَاهُ فِي طَلَبِ الْخَضِرِ ﵇ فَسَفَرُ مُوسَى فِي طَلَبِ الْخَضِرِ كَسَفَرِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرٍ آخَرَ جَمَاعَةً وَقَدْ تَأَخَّرَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَمَا أَكْرَهَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ بَايَعَهُ طَائِعًا مُخْتَارًا ثُمَّ بَايَعَ عُمَرُ ﵁ طَائِعًا مُخْتَارًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ مِنْ فَاطِمَةَ ثُمَّ قَبِلَ إدْخَالَهُ فِي الشُّورَى فَلَوْ اعْتَقَدَ فِي غَيْرِهِ ضَلَالًا أَوْ كُفْرًا مَا فَعَلَ ذَلِكَ.
وَهَذَا أَمْرٌ أَدَّى أَبَا كَامِلٍ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الرَّوَافِضِ إلَى تَكْفِيرِ عَلِيٍّ ﵁ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ أَعَانَ الْكُفَّارَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَأَيَّدَهُمْ عَلَى كِتْمَانِ الدِّيَانَةِ وَعَلَى سَتْرِ مَا لَا يَتِمُّ الدِّينُ إلَّا بِهِ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ مَعَ قُبْحِهِمْ وَجُرْأَتِهِمْ جَاهِلُونَ بِحَالِ عَلِيٍّ ﵁ وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَنْ ذِكْرِ النَّصِّ عَلَيْهِ خَوْفَ الْمَوْتِ وَهُوَ الْأَسَدُ شَجَاعَةً.
قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ
стр. 1083
وَعُمَرَ جُلِدَ وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ قُتِلَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِيهَا ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ وَمَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ قُتِلَ
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ هَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ دَخَلْت عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لِي أَتَعْرِفُ حَدِيثًا مُسْنَدًا فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَيُقْتَلُ قُلْت نَعَمْ فَذَكَرْت لَهُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بُلْقِينَ قَالَ «كَانَ رَجُلٌ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَكْفِينِي عَدُوًّا لِي فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَنَا، فَبَعَثَهُ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ» فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: لَيْسَ هَذَا مُسْنَدًا هُوَ عَنْ رَجُلٍ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا يَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلُ وَقَدْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فَأَمَرَ لِي بِأَلْفِ دِينَارٍ؛ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذَا صَحِيحٌ نُدِينُ بِهِ كُفْرَ مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ ﷺ .
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ كُلُّ كُفْرٍ شِرْكٌ وَكُلُّ شِرْكٍ كُفْرٌ وَهُمَا اسْمَانِ شَرْعِيَّانِ أَوْقَعَهُمَا اللَّهُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَنَقَلَهُمَا عَنْ مَوْضُوعِهِمَا فِي اللُّغَةِ إلَى كُلِّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ بِإِنْكَارِهِ مُعَانِدًا لِلرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ بُلُوغِ النِّذَارَةِ.
[فَصْلٌ تَكْفِير الصَّحَابَة]
احْتَجَّ الْمُكَفِّرُونَ لِلشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ بِتَكْفِيرِهِمْ لِأَعْلَامِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَطْعِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ. وَهَذَا عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ فِيمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ تَكْفِيرُ أُولَئِكَ.
وَأَجَابَ الْآمِدِيُّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُكَفِّرُ يَعْلَمُ بِتَزْكِيَةِ مَنْ كَفَّرَهُ قَطْعًا عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَى مَمَاتِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ» إلَى آخِرِهِمْ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ لَيْسَ مُتَوَاتِرًا لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ مُسْتَفِيضٌ وَعَضَّدَهُ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى إمَامَتِهِمْ وَعُلُوِّ قَدْرِهِمْ وَتَوَاتُرِ مَنَاقِبِهِمْ أَعْظَمَ التَّوَاتُرِ الَّذِي يُفِيدُ تَزْكِيَتَهُمْ فَبِذَلِكَ نَقْطَعُ بِتَزْكِيَتِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَى مَمَاتِهِمْ لَا يَخْتَلِجُنَا شَكٌّ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ عِلْمِ الْمُكَفِّرِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ تَكْذِيبُهُ الْأَخْبَارَ بِأَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ، وَهُوَ عُمْدَةُ الْقَوْلِ فِي التَّكْفِيرِ، لَكِنْ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخَاصَّةِ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ -
стр. 1084
الثَّابِتُ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا وَمَنْ رَمَى رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ» فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَتَحَقَّقُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْكُفْرِ أَوْ أَنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ كُفَّارٌ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ تَكْفِيرُهُمْ أَبَا بَكْرٍ وَحْدَهُ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ تَكْذِيبُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لِلشَّارِعِ وَلَكِنْ نَحْنُ نَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ بِمُقْتَضَى إخْبَارِ الشَّارِعِ، وَهَذِهِ تُشْبِهُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ لَمَّا فَسَّرُوا الْكُفْرَ بِأَنَّهُ الْجُحُودُ، وَكَفَّرُوا بِأَشْيَاءَ لَيْسَ فِيهَا جُحُودٌ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِهِ، وَأَجَابُوا بِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِالْكُفْرِ فَكَذَلِكَ أَقُولُ هُنَا هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَائِمٌ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى مُكَفِّرِ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ الْمُكَفِّرُ مُعْتَقِدًا كَاعْتِقَادِ السَّاجِدِ لِلصَّنَمِ أَوْ مُلْقِي الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ وَنَحْوِهِ لَا يُنْجِيهِ اعْتِقَادُهُ لِلْإِسْلَامِ مِنْ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ.
فَالْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ هُمْ مَعْذُورُونَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى حَقِيقَةِ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُكَفِّرِ.
وَفَاتَهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدْلَلْت أَنَا بِهِ وَالْمَأْخَذُ الَّذِي أَبْدَيْته وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ كِتَابَتِي لِهَذَا أَنَّنِي كُنْت بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ ظُهْرَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَادِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فَأُحْضِرَ إلَيَّ شَخْصٌ شَقَّ صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَامِعِ وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ وَلَمْ يُصَلِّ وَهُوَ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ظَلَمَ آلَ مُحَمَّدٍ وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ فَسَأَلْته مَنْ هُوَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْت: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَيَزِيدُ وَمُعَاوِيَةُ فَأَمَرْت بِسَجْنِهِ وَجَعْلِ غُلٍّ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ فَضَرَبَهُ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ، وَزَادَ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا عَدُوُّ اللَّهِ، وَشَهِدَ عِنْدِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ وَقَالَ: إنَّهُ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَأَنَّهُ ظَلَمَ فَاطِمَةَ مِيرَاثَهَا وَأَنَّهُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ كَذَبَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنْعِهِ مِيرَاثَهَا، وَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْمَالِكِيُّ الضَّرْبَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الْمَذْكُورِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ثَامِنَ عَشَرَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ أَحْضَرُوهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ تَاسِعَ عَشَرَ الشَّهْرِ بِدَارِ الْعَدْلِ وَشُهِدَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ
стр. 1085
وَلَمْ يَقُلْ وَلَكِنْ صَارَ كُلُّ مَا سُئِلَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وَكُرِّرَ السُّؤَالُ عَلَيْهِ مَرَّاتٍ وَهُوَ يَقُولُ هَذَا الْجَوَابَ ثُمَّ أُعْذِرَ إلَيْهِ فَلَمْ يُبْدِ دَافِعًا ثُمَّ قِيلَ لَهُ: تُبْ، فَقَالَ: تُبْت عَنْ ذُنُوبِي وَكَرَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِتَابَةَ وَهُوَ لَا يَزِيدُ فِي الْجَوَابِ عَلَى ذَلِكَ الْبَحْثِ فِي الْمَجْلِسِ فِي كُفْرِهِ وَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ بِبَعْضِ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْكُرَّاسَةُ فَحَكَمَ الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ.
وَسَهَّلَ عِنْدِي قَتْلَهُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ فَهُوَ الَّذِي انْشَرَحَ صَدْرِي لِكُفْرِهِ بِسَبِّهِ وَلِقَتْلِهِ بِعَدَمِ تَوْبَتِهِ، وَهُوَ مَنْزَعٌ لَمْ أَجِدْ غَيْرِي سَبَقَنِي إلَيْهِ إلَّا مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ ﵀ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَنَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ النَّوَوِيُّ قَالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَا يُكَفِّرُونَ لَكِنِّي أَنَا لَا أُوَافِقُ النَّوَوِيَّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَنَّهُ يُكَفِّرُ مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ مِنْ الْعَشَرَةِ وَغَيْرِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا يَلْزَمُنِي طَرْدُ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَعْلَامِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إمَامَتِهِمْ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَضْرَابِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ يَمِيلُ إلَى إلْحَاقِهِمْ بِهِمْ لَا شَكَّ عِنْدَنَا فِي إيمَانِهِمْ فَمَنْ كَفَّرَهُمْ رُجِعَ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ لَكِنْ نَحْمَدُ اللَّهَ لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا كَفَّرَهُمْ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لِلْحَاجَةِ إلَى بَيَانِ الْحُكْمِ وَهُوَ أَجَلُّ فِي أَعْيُنِنَا وَأَوْقَرُ عِنْدَنَا مِنْ كُفْرِهِمْ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ.
وَالصَّحَابَةُ أَعْظَمُ مِنْهُمْ وَالْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ مِنْهُمْ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ وَأَعْظَمُ، وَلَا أَسْتَبْعِدُ أَنْ أَقُولَ الطَّعْنُ فِي هَؤُلَاءِ طَعْنٌ فِي الدِّينِ أَعْنِي الشَّافِعِيَّ وَمَالِكًا وَأَضْرَابَهُمَا فَضْلًا عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَهَؤُلَاءِ إجْمَاعُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ يُلْحِقُهُمْ بِمَنْ وَرَدَ الْحَدِيثُ فِيهِمْ وَأَمَّا سَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ حُكِمَ لَهُ بِالْإِيمَانِ فَلَا يَلْزَمُنِي تَكْفِيرُ مَنْ يَرْمِي وَاحِدًا مِنْهُمْ بِالْكُفْرِ لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِإِيمَانِهِ الْبَاطِنِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ «إنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» وَإِنَّمَا نَقْطَعُ بِكَوْنِهِ لَيْسَ كَمَا قَالَ فِيمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَهَذَا هُوَ الْمَأْخَذُ الَّذِي ظَهَرَ لِي فِي قَتْلِ هَذَا الرَّافِضِيِّ وَإِنْ كُنْت لَمْ أَتَقَلَّدْهُ لَا فَتْوَى وَلَا حُكْمًا وَضَمَمْت إلَيْهِ قَوْلَهُ ﷺ «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» مَعَ تَحَقُّقِنَا
стр. 1086
إيمَانَ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
وَإِنْ كَانَ اللَّعْنُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا لَكِنَّ الْقَتْلَ أَعَمُّ مِنْ الْقِصَاصِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَنْهَضُ فِي الْحُجَّةِ كَالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ فِيهِ، وَانْضَمَّ إلَى احْتِجَاجِي بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ مَجْمُوعُ الصُّورَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ هَذَا الرَّافِضِيِّ مِنْ إظْهَارِهِ ذَلِكَ فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ وَمُجَاهَرَتِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوْ كَانَ حَيًّا لَآذَاهُ ذَلِكَ وَمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ الْبِدْعَةِ وَأَهْلِهَا وَغَمَصِ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا، وَهَذَا الْمَجْمُوعُ فِي غَايَةِ الْبَشَاعَةِ وَقَدْ يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ حُكْمٌ لَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَحْكَامٌ بِقَدْرِ مَا يَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ الْفُجُورِ فَلَا نَقُولُ: إنَّ الْأَحْكَامَ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ بَلْ بِاخْتِلَافِ الصُّورَةِ الْحَادِثَةِ فَإِذَا حَدَثَتْ صُورَةٌ عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِيهَا فَقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ لَهُ حُكْمًا وَمَجْمُوعُ هَذِهِ الصُّورَةِ يَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَهَذَا مَا انْشَرَحَ صَدْرِي لَهُ بِقَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ.
وَأَمَّا السَّبُّ وَحْدَهُ فَفِيهِ مَا قَدَّمْته وَمَا سَأَذْكُرُهُ وَإِيذَاءُ النَّبِيِّ ﷺ أَمْرٌ عَظِيمٌ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي ضَابِطٌ فِيهِ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ فِعْلَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ قَالَ ﷺ «إنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا» .
وَأَيْضًا فَلَوْ سَبَّ وَاحِدٌ مِنْ الْأَعْرَابِ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ لِأَمْرٍ خَاصٍّ دُنْيَوِيٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ يَبْعُدُ دُخُولُهُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ سَبَّ لِأَيِّ صَحَابِيٍّ كَانَ آذَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ أَجِدْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ سَبَّ الصَّحَابِيِّ يُوجِبُ الْقَتْلَ إلَّا مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ إطْلَاقِ الْكُفْرِ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِالْقَتْلِ، وَمِمَّا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ فِي الْقَتْلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَإِلَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَعِنْدِي أَنَّهُمْ غَلِطُوا عَلَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا مِنْ قَوْلِهِ: شَتْمُ عُثْمَانَ زَنْدَقَةٌ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ كُفْرَ الشَّاتِمِ بِشَتْمِهِ لِعُثْمَانَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: زَنْدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَهُ وَلَمْ يُبْطِنْهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَقَدْ طَعَنَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
стр. 1087
يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَطُوفُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَيَخْلُو بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَيَسْتَشِيرُهُ فِيمَنْ يَكُونُ خَلِيفَةً حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى عُثْمَانَ فَحِينَئِذٍ تَابَعَهُ.
فَمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَنْ شَتَمَ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ شَتْمٌ لِعُثْمَانَ وَبَاطِنُهُ تَخْطِئَةٌ لِجَمِيعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَتَخْطِئَتُهُمْ جَمِيعِهِمْ كُفْرٌ فَيَكُونُ زَنْدَقَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ شَتْمَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كُفْرٌ، هَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحْمَدَ أَصْلًا وَلَا نَقْلًا، وَأَيْضًا نَقُولُ: إنَّ أَحْمَدَ بِهَذَا يُقْدِمُ عَلَى قَتْلِ سَابِّ عُثْمَانَ فَاَلَّذِي خَرَجَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ رِوَايَةً فِي سَابِّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَابِي الْمُسَمَّى بِالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ أَنَّ الضَّابِطَ أَنَّ مَا قُصِدَ بِهِ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَمَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ لَا يُوجِبُ الْقَتْلَ كَمِسْطَحٍ وَحَمْنَةَ.
[فَصْلٌ سَبُّ النَّبِيِّ]
أَمَّا سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِ كُفْرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] بَلْ لَوْ لَمْ تَسْتَهْزِئُوا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِيمَنْ حَفِظَ شَطْرَ بَيْتٍ مِمَّا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ كُفْرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِ مَا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَكِتَابَتِهِ وَقِرَاءَتِهِ وَتَرْكِهِ مَتَى وُجِدَ دُونَ مَحْوِهِ.
(فَصْلٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُوجِبُ الْقَتْلَ بِمَنْ سُبَّ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ .
(فَصْلٌ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ كَمَا قَرَأْته عَلَى الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّنْهَاجِيِّ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْكَرَمِ بْنِ الْبِنَاءِ أَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ الْكَرُوخِيُّ أَنَا أَبُو عَامِرٍ مَحْمُودُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْغُورَجِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْيَوِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ قَالَ: بَابٌ فِيمَنْ يَسُبُّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ : حَدَّثَنَا
стр. 1088
مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَا أَبُو دَاوُد أَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْت ذَكْوَانَ أَنَا صَالِحٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَبِالْإِسْنَادِ إلَى التِّرْمِذِيِّ أَنْبَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
وَبِهِ إلَى التِّرْمِذِيِّ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثنا عُبَيْدَةُ بْنُ أَبِي رَائِطَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قُلْت: وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ بْنُ أَبِي رَائِطَةَ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ فَرُوَاةُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَيَحْسُنُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ فِيهِ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ " أَصْحَابِي " الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ خِطَابٌ لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] فَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ تَأْوِيلٍ بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِهِ وَلِيَكُونَ الْمُخَاطَبُونَ غَيْرَ الْأَصْحَابِ الْمُوصَى بِهِمْ كِبَارَ الْأَصْحَابِ وَإِنْ شَمِلَ اسْمُ الصُّحْبَةِ لِلْجَمِيعِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي» يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَاسْمُ الصُّحْبَةِ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَسْلِيمًا وَكِبَارُهُمْ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا قَبْلَ الْفَتْحِ فَأَمْرُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّأَدُّبُ مَعَهُمْ، وَسَمِعْت شَيْخَنَا الشَّيْخَ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ عَطَاءٍ يَذْكُرُ فِي مَجْلِسِهِ فِي الْوَعْظِ تَأْوِيلًا آخَرَ يَقُولُ: إنَّ
стр. 1089
النَّبِيَّ ﷺ لَهُ تَجَلِّيَاتٌ يُرَى فِيهَا مِنْ بَعْدِهِ فَيَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ ﷺ فِي تِلْكَ التَّجَلِّيَاتِ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُ فِي حَقِّ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَبَعْدَهُ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ صُوفِيَّةٌ وَهُوَ كَانَ مُتَكَلِّمَ الصُّوفِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الشَّاذِلِيَّةِ فَإِنْ ثَبَتَ مَا قَالَهُ فَالْحَدِيثُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَإِلَّا فَهُوَ فِي حَقِّ الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَيَدْخُلُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي حُكْمِهِمْ فَإِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ كَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِهِمْ لِأَجْلِ صِيغَةِ الْجَمْعِ وَاسْتِغْرَاقِ الْعُمُومِ.
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْبَحْثِ سَبُّ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ سَبَّ الْجَمِيعِ لَا شَكَّ أَنَّهُ كُفْرٌ وَهَكَذَا إذَا سَبَّ وَاحِدًا مِنْ الصَّحَابَةِ حَيْثُ هُوَ صَحَابِيٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الصُّحْبَةِ فَفِيهِ تَعَرُّضٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ السَّابِّ.
وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الطَّحَاوِيَّ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ فَإِنَّ بُغْضَ الصَّحَابَةِ بِجُمْلَتِهِمْ لَا شَكَّ أَنَّهُ كُفْرٌ، وَأَمَّا إذَا سَبَّ صَحَابِيًّا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا بَلْ لِأَمْرٍ خَاصٍّ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ مَثَلًا مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَنَحْنُ نَتَحَقَّقُ فَضِيلَتَهُ كَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يَسُبُّونَ الشَّيْخَيْنِ وَإِنَّهُمَا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَإِنَّهُمَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ رَوَيْنَا فِي كِتَابِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ إلَيْهِ.
قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ» فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي كُفْرِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ وَجْهَيْنِ وَوَجْهُ التَّرَدُّدِ مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّ سَبَّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ قَدْ يَكُونُ لِأَمْرٍ خَاصٍّ بِهِ، وَقَدْ يُبْغِضُ الشَّخْصُ الشَّخْصَ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَكْفِيرًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ أَبْغَضَ وَاحِدًا مِنْهُمَا لِأَجْلِ صُحْبَتِهِ فَهُوَ كُفْرٌ بَلْ مَنْ دُونَهُمَا فِي الصُّحْبَةِ إذَا أَبْغَضَهُ لِصُحْبَتِهِ كَانَ كَافِرًا قَطْعًا.
بَقِيَ لَنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بُغْضُ الرَّافِضِيِّ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لَيْسَ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ مُشَارَكَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَإِلَّا كَانَ فِيهِمَا مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ
стр. 1090
الرَّفْضِ وَتَقْدِيمِهِ عَلِيًّا وَاعْتِقَادِهِ بِجَهْلِهِ أَنَّهُمَا ظَلَمَاهُ وَهُمَا مُبَرَّآنِ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ يَعْتَقِدُ بِجَهْلِهِ أَنْ يَنْتَصِرَ لِعَلِيٍّ ﵁ لِقَرَابَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَلَفْظُ الْحَدِيثِ لَمْ يَقْتَضِ كُلَّ فَرْدٍ وَالْمَعْنَى الْمُعَلَّلُ بِهِ لَمْ يَقْتَضِ كُلَّ فَرْدٍ.
فَهَذَا وَجْهُ التَّرَدُّدِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى «مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا فَاجْلِدُوهُ» إنْ صَحَّ فَهُوَ نَصٌّ فِي الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْجَلْدُ لَا شَكَّ فِيهِ كَبِيرًا كَانَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ أَوْ صَغِيرًا، وَإِنْ كَانَ سَبُّهُ لِعَيْنِهِ وَأَمْرٍ خَاصٍّ بِهِ لَا يَعُودُ عَلَى الدِّينِ بِنَقْصٍ، وَأَمَّا الرَّافِضِيُّ فَإِنَّهُ يُبْغِضُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لِمَا اسْتَقَرَّ فِي ذِهْنِهِ بِجَهْلِهِ وَمَا نَشَأَ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ عَنْ اعْتِقَادِهِ ظُلْمَهُمَا لِعَلِيٍّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا عَلِيٌّ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَاعْتِقَادُ الرَّافِضِيِّ ذَلِكَ يَعُودُ عَلَى الدِّينِ بِنَقْصٍ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ هُمَا أَصْلٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَهَذَا مَأْخَذُ التَّكْفِيرِ بِبُغْضِ الرَّافِضَةِ لَهُمَا وَسَبِّهِمْ لَهُمَا وَقَدْ رَأَيْت فِي الْفَتَاوَى الْبَدِيعِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ قَسَّمَ الرَّافِضَةَ إلَى كُفَّارٍ وَغَيْرِهِمْ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي بَعْضِ طَوَائِفِهِمْ وَفِيمَنْ أَنْكَرَ إمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يُكَفَّرُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إنْكَارُ الْإِمَامَةِ دُونَ السَّبِّ.
وَرَأَيْت فِي الْمُحِيطِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الرَّافِضَةِ ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافَتِهِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كُتُبِهِمْ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ فَهُوَ كَافِرٌ. وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى: وَالرَّافِضِيُّ الْغَالِي الَّذِي يُنْكِرُ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ يَعْنِي لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ.
وَفِي الْغَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ ﵀ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ صَاحِبِ هَوًى وَبِدْعَةٍ وَلَا تَجُوزُ خَلْفَ الرَّافِضِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَحَاصِلُهُ إنْ كَانَ هَوًى يُكَفَّرُ بِهِ لَا تَجُوزُ وَإِلَّا تَجُوزُ وَتُكْرَهُ، وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ لِابْنِ بَلَدْجِيٍّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: وَسَبُّ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبُغْضُهُ لَا يَكُونُ كُفْرًا لَكِنْ يُضَلَّلُ فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُكَفِّرْ شَاتِمَهُ حَتَّى لَمْ يَقْتُلْهُ.
وَقَالَ جَلَالُ الدِّينِ الْخِيَارِيُّ فِي عُمَرَ ﵁: مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ كَانَ يَغْصِبُ الْحَقَّ أَهْلَهُ وَيَسْتَوْلِي عَلَى مَا كَانَ غَيْرُهُ أَحَقَّ بِهِ ظُلْمًا مِنْهُ وَعُتُوًّا وَيُزَوِّجُ ابْنَتَهُ قَهْرًا أَبَى أَوْ شَاءَ فَقَدْ أَصَرَّ بِالْقَتْلِ إذْ لَا دَاءَ أَعْظَمُ مِنْ الْعِنَادِ، وَفِي الْفَتَاوَى الْبَدِيعِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ أَنْكَرَ إمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَهُوَ كَافِرٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُبْتَدِعٌ، وَالصَّحِيحُ
следующие страницы →