Полный текст (1 159 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
هَذَا مَا اتَّفَقَ نَقْلُهُ مِنْ كَلَامِ التَّابِعِينَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ جُمُعَتَيْنِ إلَّا مَا حَكَيْنَا عَنْ عَطَاءٍ وَأَنْكَرَهُ النَّاسُ.
(فَصْلٌ) قَدْ عَلِمْت قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ لِعَطَاءٍ إنَّ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ الْأَكْبَرَ لَا يَسَعُ أَهْلَهَا وَقَدْ عَلِمْت قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ وَقَوْلَ عَلِيٍّ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ وَقَوْلَهُ لَا جُمُعَةَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ وَقَوْلَ عَطَاءٍ بَلَغَنَا أَنْ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ فَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ عَطَاءٍ اشْتِرَاطُ الْمِصْرِ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَعَلَّهُ يَشْتَرِطُ الْمَسْجِدَ مَعَ ذَلِكَ كَمَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَلَا نَدْرِي هَلْ يَشْتَرِطُ الْإِمَامَ أَوْ لَا فَإِذَا فَرَضَ الْكَلَامَ فِي الْبَصْرَةِ وَشَبَهِهَا وَمَسْجِدُهَا الْأَكْبَرُ لَا يَسَعُ أَهْلَهَا فَمَنْ يَقُولُ لَا يَشْتَرِطُ لِلْجُمُعَةِ الْمَسْجِدَ وَلَا الْإِمَامَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ فِي الطُّرُقَاتِ مَعَ الْجَامِعِ وَتَتَّصِلُ الصُّفُوفُ فَلَا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِجُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَنْ يَشْرِطُ الْمَسْجِدَ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ عِنْدَهُ.
فَإِذَا امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَبَقِيَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَا يُمْكِنُهَا الْوُصُولُ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَحْتَاجُ الَّذِي يَشْتَرِطُ الْمَسْجِدَ أَنْ يَقُولَ فِي حَقِّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا إنَّهُمْ يُقِيمُونَ الظُّهْرَ لِتَعَذُّرِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِمْ كَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَإِمَّا أَنْ يُرَخِّصَ لَهُمْ فِي إقَامَةِ جُمُعَةٍ أُخْرَى فِي مَسْجِدٍ آخَرَ مِنْ مَسَاجِدِ الْمِصْرِ إمَّا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ إنْ اشْتَرَطَ الْإِمَامَ وَإِمَّا بِدُونِهِ إنْ لَمْ يَشْرِطْهُ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّمَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ يَجُوزُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ إقَامَةُ الظُّهْرِ فَعَلَيْهِ دَلِيلٌ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ وَمَعْرِفَةُ حُكْمِهِ بِكَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَبِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الظُّهْرُ وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى الْجُمُعَةِ بِشُرُوطٍ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ يَرْجِعُ إلَى الظُّهْرِ، فَكَأَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَصْرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا عَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ الْجُمُعَةَ وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَشْرِطُ الْمَسْجِدَ فَالْجُمُعَةُ عِنْدَهُ مُمْكِنَةٌ فَحَصَلَ فِي الْبَصْرَةِ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُصَلُّونَ جُمُعَةً وَاحِدَةً.
وَالثَّانِي أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جُمُعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا.
وَالثَّالِثُ أَنَّ الَّذِينَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ وَاَلَّذِينَ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ وَلَا تَتَعَدَّدُ الْجُمُعَةُ، وَهَذَا لَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا وَلَكِنَّهُ مُقْتَضَى الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ اشْتَرَطَ الْمَسْجِدَ، وَالثَّانِي يَحْتَمِلُ مَعَ ضَعْفِهِ وَلَعَلَّ عَطَاءً ذَهَبَ إلَيْهِ، وَفِي قَوْلِ عَطَاءٍ احْتِمَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ وَضِيقُ الْمَسْجِدِ يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا فَلَا تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ عَنْهُ لِأَجْلِ الْإِمْكَانِ وَيُصَلِّيهَا كَيْفَ مَا اتَّفَقَ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ
стр. 177
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الزِّبْرِقَانِ قَالَ: قُلْت لِشَقِيقٍ إنَّ الْحَجَّاجَ يُمِيتُ الْجُمُعَةَ قَالَ: تَكْتُمْ عَلَيَّ قُلْت: نَعَمْ قَالَ: صَلِّهَا فِي بَيْتِك لِوَقْتِهَا وَلَا تَتْرُكْ الْجَمَاعَةَ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَقِيقٌ لَا مَأْخَذَ لَهُ إلَّا مَا ذَكَرْتُهُ فَإِنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ يُؤَخِّرُ الْجُمُعَةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ فَاَلَّذِي تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا ظَاهِرًا لِخَوْفِهِ مِنْهُ يُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ وَلَوْ وَحْدَهُ لِيَكُونَ قَدْ أَدَّى بَعْضَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ وَعَطَاءٌ لَعَلَّهُ يَقُولُ: إنَّهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَهِيَ مَحَلُّ نَظَرٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا إنَّمَا يَأْتِي إنْ كَانَ أَحَدٌ يَشْرِطُ الْمَسْجِدَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ عِنْدَ السَّعَةِ وَعِنْدَ الضِّيقِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ بِذَلِكَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَتَى عَلَى رِجَالٍ جُلُوسٍ فِي الرَّحْبَةِ فَقَالَ: اُدْخُلُوا الْمَسْجِدَ فَإِنَّهُ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ السَّعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ اُدْخُلُوا الْمَسْجِدَ.
أَمَّا حَالَةُ الضِّيقِ فَلَا وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ بَنَاهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَهَذَا الْمِقْدَارُ لَا يَسَعُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ نَفْسٍ يُصَلُّونَ وَكَانَتْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَضْعَافَ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ لَا جُمُعَةَ لِمَنْ صَلَّى فِي الرَّحْبَةِ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الدُّخُولِ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ انْقَرَضَ عَصْرُ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى تَعَدُّدُ جُمُعَةٍ وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ وَبُنِيَتْ بَغْدَادُ وَحَدَثَ فِيهَا جَوَامِعُ أَوَّلًا جَامِعُ الْمَنْصُورِ ثُمَّ جَامِعُ الْمَهْدِيِّ ثُمَّ غَيْرُهُمَا، وَكَانَتْ بَلْدَةً عَظِيمَةً فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵁ رَأَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ﵁ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ رَأَى بَغْدَادَ وَبَيْنَ جَامِعِيهَا نَهْرٌ فَرَأَى جَوَازَ جُمُعَتَيْنِ إمَّا لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ بَلَدَيْنِ فَالْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ بَلَدٌ وَالْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ بَلَدٌ وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَلِهَذَا مَا كَانَ يُوضَعُ الْجِسْرُ الَّذِي عَلَى النَّهْرِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَعَلَى هَذَا لَمْ يَقُلْ بِتَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَإِمَّا لِأَنَّ حَيْلُولَةَ النَّهْرِ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ الْمُحْوِجِ إلَى السِّبَاحَةِ يَشُقُّ مَعَهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّ كُلَّ جَانِبٍ تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ فَأَشْبَهَ الْجَانِبَانِ الْبَلَدَيْنِ وَإِنْ كَانَا بَلَدًا وَاحِدًا، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ هَذَا فِي غَيْرِ بَغْدَادَ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ غَيْرَهَا لَا يُشَارِكُهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فَلَوْ وَجَدْنَا مَا يُشَارِكُهَا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ وَرَأْيُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ يُرِيدُونَ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الشَّرْطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ أَنَّ مَذْهَبَهُ هَذَا عِنْدَ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَيَتَقَيَّدُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى إجَازَةِ تَعَدُّدِهَا مُطْلَقًا فِي كُلِّ الْمَسَاجِدِ فَتَصِيرُ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْجُمُعَةِ خُصُوصِيَّةٌ.
فَإِنَّ هَذَا مَعْلُومٌ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ لِاسْتِمْرَارِ عَمَلِ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْيَوْمَ، وَدَخَلَ الشَّافِعِيُّ
стр. 178
- ﵁ بَغْدَادَ وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ جَارٍ لِلْمَشَقَّةِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا، وَمِنْهُمْ ابْنُ كَجٍّ وَالْحَنَّاطِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا غَيْرَ مُسَلَّمٍ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَصْلًا وَإِنَّمَا لَمْ يُنْكِرْ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُنْكِرُ عَلَى مُجْتَهِدٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ: لَا يُصَلَّى فِي مِصْرٍ وَإِنْ عَظُمَ وَكَثُرَتْ مَسَاجِدُهُ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَجَعَلُوا هَذَا مَذْهَبَهُ لَيْسَ إلَّا، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَطَبَقَتُهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ وَمِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، وَنَحْنُ لَا نَدْرِي مَا كَانَ يَصْنَعُ الشَّافِعِيُّ هَلْ يُعِيدُهَا ظُهْرًا أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ الْجُمُعَةَ الَّتِي صَلَّاهَا هِيَ السَّابِقَةُ فَتَصِحُّ وَحْدَهَا عِنْدَهُ ثُمَّ جَاءَ أَحْمَدُ ﵁ فَرُوِيَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ: عِنْدَ الْحَاجَةِ وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَصْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَالتَّجْوِيزُ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ثُمَّ حَدَّثَتْ فُقَهَاءُ آخَرُونَ فَقَالُوا: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَرُبَّمَا رَجَّحُوهَا وَهِيَ تَرْجِعُ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
وَأَمَّا تَخَيُّلُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي كُلِّ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَهَذَا مِنْ الْمُنْكَرِ بِالضَّرُورَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِصْرِ أَمَّا الْقُرَى فَعِنْدَهُمْ لَا جُمُعَةَ فِيهَا أَصْلًا وَقَالُوا: إنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ فِيمَا وَرَاءَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ بِشَرْطِ الْمَسْجِدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَشْتَرِطُ الْمِصْرَ وَيُجَوِّزُهَا فِي جَمِيعِ الْقُرَى قَرُبَتْ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ بَعُدَتْ إذَا كَانَ فِيهَا أَرْبَعُونَ.
[فَصْلٌ اشْتِرَاطِ السُّلْطَانِ فِي الْجُمُعَةِ]
(فَصْلٌ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِي اشْتِرَاطِ السُّلْطَانِ فِي الْجُمُعَةِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ السُّلْطَانِ أَوْ إذْنِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ مِثْلُهُ وَالْجَدِيدُ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ وَلَا إذْنُهُ وَمُسْتَنَدُ الْقَائِلِينَ بِالِاشْتِرَاطِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ بِهِ لَأَدَّى إلَى أَنْ تُفَوِّتَ كُلُّ شِرْذِمَةٍ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فَرْضَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ بَعْضِ التَّابِعِينَ مَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْإِذْنِ. وَهَذَا فِي الْجُمُعَةِ الْوَاحِدَةِ أَمَّا التَّعَدُّدُ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالِاشْتِرَاطِ لَا مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الصِّحَّةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ
стр. 179
قَبْلَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ السُّلْطَانَ يَقُولُ السَّابِقَةُ صَحِيحَةٌ، وَمَنْ يَشْتَرِطُهُ يَقُولُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي هُوَ مَعَهَا وَأَمَّا الْجَوَازُ فَإِذَا قَصَدَ التَّعَدُّدَ حَيْثُ الْحَاجَةُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ حِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاجَ إلَى إذْنِ السُّلْطَانِ قَطْعًا لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ حَيْثُ قُلْنَاهَا السُّلْطَانُ.
فَالْمُرَادُ بِهِ السُّلْطَانُ أَوْ الْأَمِيرُ الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا كَانَ قَاضِيًا عَامًّا يَنْظُرُ فِي أُمُورِ الْعَامَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقُومُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ هُنَا خَشْيَةُ فِتْنَةٍ وَنِيَابَةُ السَّلْطَنَةِ هِيَ الْمُسْتَقِلَّةُ بِذَلِكَ وَالْقَاضِي إنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ وَفَصْلِ الْمُحَاكَمَاتِ وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ «فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ جَعَلُوا الْقَاضِيَ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ مِثْلَ السُّلْطَانِ وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّقْدِيمَ فِيهِ إلَى فِتْنَةٍ، وَتَسْكِينُ الْفِتَنِ إلَى السُّلْطَانِ لَا إلَى الْقَاضِي.
وَهَذَا فِي قَاضٍ لَمْ يَنُصَّ لَهُ عُرْفًا وَلَا لَفْظًا عَلَى ذَلِكَ، أَمَّا إذَا نَصَّ لَهُ الْإِمَامُ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ شَيْءٌ اسْتِفَادَةً بِالْوِلَايَةِ مِثْلَ شَيْءٍ يَشْتَرِطُ نَظِيرَهُ لِلْقَاضِي وَنَحْوِهِ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرَى ذَلِكَ جَائِزًا فِي مَذْهَبِهِ. وَالثَّانِي أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَى عُمُومِهِمْ وَمَتَى لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ لَا يَأْذَنْ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْقُضَاةِ لَا تَدْخُلُ فِي الْعِبَادَاتِ أُمُورٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ وَالْحُكْمُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مَحْكُومٍ لَهُ وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ وَإِلْزَامٍ وَفَصْلٍ وَذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ لَا يُتَصَوَّرُ نَعَمْ قَدْ يُعَلِّقُ الشَّخْصُ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا عَلَى صِحَّةِ عِبَادَةٍ أَوْ فَسَادِهَا فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِوُقُوعِ ذَلِكَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِنَاءً عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ سَبَبُهُ وَاسْتُجْمِعَتْ شُرُوطُ الْحُكْمِ وَأَمَّا أَنَّهُ يَحْكُمُ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ.
(فَصْلٌ) خَرَجَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِنْ اخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ مَسَائِلُ:
(إحْدَاهَا) : مِصْرٌ أَذِنَ السُّلْطَانُ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَأُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ تَتَعَدَّدْ فِيهِ وَلَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ الَّتِي إذَا فَارَقَهَا الْمُسَافِرُ قَصَرَ الصَّلَاةَ فَهَذِهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَبِحَمْدِ اللَّهِ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ الْمُعَظَّمَةُ الْيَوْمَ كَذَلِكَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُدُنِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) : مِصْرٌ أُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الشُّرُوطِ وَلَكِنْ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) : قَرْيَةٌ أُقِيمَتْ فِيهَا الْجُمُعَةُ كَذَلِكَ
стр. 180
بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلْتَجْعَلْ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِي قَرْيَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ الْمِصْرِ وَعَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْقُرَى انْفِصَالًا ظَاهِرًا بِحَيْثُ تُعَدُّ مُسْتَقِلَّةً وَحْدَهَا غَيْرَ تَابِعَةٍ كَأَكْثَرِ الْقُرَى الَّتِي فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) : الْأَبْنِيَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمِصْرِ تَابِعَةٌ لَهُ وَلَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً وَلَا تُعَدُّ قَرْيَةً وَيُعَبِّرُ عَنْهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِفِنَاءِ الْمِصْرِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمِصْرِ سُوَرٌ فِي حُكْمِ الْمِصْرِ بِلَا شَكٍّ؛ وَإِنْ كَانَ لِلْمِصْرِ سُوَرٌ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ حَتَّى يُجَاوِزَهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمِصْرِ فَلَا تَفْرُدُ بِحُكْمٍ فَعَلَى هَذَا هِيَ وَالْمِصْرُ بَلَدٌ وَاحِدٌ فَإِنْ أُقِيمَتْ جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ إمَّا دَاخِلَ السُّورِ وَإِمَّا خَارِجَهُ جَازَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ أَنْ تُقَامَ دَاخِلَ السُّورِ وَلَا يَكْفِي إقَامَتُهَا خَارِجَ السُّورِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّابِعِ فَلَا يَكُونُ مَتْبُوعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
(الْخَامِسَةُ) : قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ السُّورِ أَوْ مِنْ الْمِصْرِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ سُورٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِاسْمٍ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ لِقُرْبِهَا كَالْأَبْنِيَةِ الَّتِي تُعَدُّ فِنَاءً لِلْمِصْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا تَفْرُدُ بِحُكْمٍ بَلْ لِقُرْبِهَا تَابِعَةٌ فَتُعْطَى حُكْمُ الْفِنَاءِ فَتَكُونُ كَالْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِيهِمَا.
(السَّادِسَةُ) : حُكْمُ بَغْدَادَ فِي الْجُمُعَةِ فِي الْأَمَاكِنِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ فِي الْمِصْرِ مَعْلُومٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ وَفِي الْقَرْيَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ الْجُمُعَةَ كَذَلِكَ وَفِي الْمِصْرِ مَعَ الْفِنَاءِ كَذَلِكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَفِي الْمِصْرِ مَعَ الْقَرْيَةِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَإِنْ جَعَلْنَاهُمَا وَاحِدًا فَالتَّعَدُّدُ كَالتَّعَدُّدِ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُمَا اثْنَيْنِ جَازَ التَّعَدُّدُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ لَا يُجَوِّزُ التَّعَدُّدَ وَتَكُونُ السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَالْمَسْبُوقَةُ بَاطِلَةٌ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا كَانَ دَاخِلَ الْمِصْرِ وَخَارِجَهُ.
(السَّابِعَةُ) : حَيْثُ حَصَلَ التَّعَدُّدُ لِحَاجَةٍ فَقَدْ عُرِفَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَحَيْثُ حَصَلَ لَا لِحَاجَةٍ إمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا بِزِيَادَةِ مَالِيَّةٍ لَا لِحَاجَةٍ إلَيْهَا تَقْضِي التَّطَرُّقَ إلَى فَسَادِ صَلَاةِ الْجَمِيعِ وَلَا تَقْتَضِي الْفَسَادَ عَلَيْهَا لَوْ كَانَ الْمَكَانَانِ مَكَانًا وَاحِدًا.
(الثَّامِنَةُ) : الْمَكَانُ، الْأَبْنِيَةُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَهِيَ الْوَاقِعَةُ الَّتِي حَدَثَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الشَّاغُورِ إنْ عُدَّ مُسْتَقِلًّا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كُلِّهِمْ وَإِنْ عُدَّ مَعَ الْمِصْرِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَانَ إحْدَاثُ هَذِهِ فِيهِ كَإِحْدَاثِهَا فِي دَاخِلِ سُورِ دِمَشْقَ، وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ بِإِحْدَاثِ هَذِهِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَلْزَمُ إبْطَالُ الْجُمُعَةِ فِي جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ إذَا كَانَتْ مَسْبُوقَةً وَفِي ظَاهِرِ دِمَشْقَ النَّيْرَبِ وَالْمِزَّةِ وَكَفْرِ سُوسِيَّا وَالشَّاغُورِ كَانَ فِيهِ جَامِعُ جَرَّاحٍ وَحْدَهُ وَبَيْتُ لَهْيَا وَبَيْتُ الْآبَارِ وَالْعُقَيْبَةُ كَانَ فِيهَا جَامِعُ الْأَشْرَفِ وَحْدَهُ الَّذِي هُوَ الْيَوْمَ جَامِعُ الْعُقَيْبَةِ.
стр. 181
لِأَنَّ الْعُقَيْبَةَ بَلَدٌ وَهِيَ الْأَوْزَاعُ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا الْأَوْزَاعِيُّ وَالْقُرَى الْبَعِيدَةُ عَنْ الْمِصْرِ إذَا أُقِيمَتْ فِيهَا جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِنَاءُ الْمِصْرِ وَهِيَ الْبِنَاءُ الْمُتَّصِلُ بِهِ وَلَيْسَ مُنْفَصِلًا بِحَيْثُ يُعَدُّ قَرْيَةٌ مِثْلَ حَكْرِ السِّمَاقِ الَّذِي فِيهِ جَامِعُ تَنْكُزَ وَالْمَكَانُ الَّذِي فِيهِ جَامِعُ يَلْبُغَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْنِيَ ذَلِكَ عَلَى الْقَصْرِ فَإِنْ لَمْ يَكْتَفِ بِمُجَاوَزَةِ السُّورِ وَاشْتَرَطْنَا مُجَاوَزَةَ الْبُنْيَانِ كَانَتْ هَذِهِ الْأَمَاكِنُ فِي حُكْمِ الْمَدِينَةِ وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةُ فِيهَا مَعَ إقَامَتِهَا فِي الْمَدِينَةِ كَإِقَامَةِ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ.
فَعِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ تَجُوزُ وَعِنْدَنَا الصَّحِيحَةُ هِيَ السَّابِقَةُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ جَامِعُ بَنِي أُمَيَّةَ وَهَذِهِ الْجَوَامِعُ، وَإِذَا قِيلَ بِالْجَوَازِ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ فَهَلْ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ.
يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ انْفَرَدَ كُلُّ بِنَاءٍ وَوُجِدَ فِيهِ أَرْبَعُونَ تَصِحُّ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا كَقَرْيَتَيْنِ وَجَامِعُ تَنْكُزَ وَجَامِعُ يَلْبُغَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ مُنْفَصِلٍ عَنْ الْآخَرِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ التَّعَدُّدُ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَصُلِّيَتْ جُمُعَةٌ دَاخِلَ السُّورِ وَأُخْرَى خَارِجَهُ فِي الْعِمَارَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا لَمْ يَجُزْ وَكَانَتْ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا هِيَ الصَّحِيحَةُ وَفِي ذَلِكَ بَيَّنَ الدَّاخِلَةَ وَالْخَارِجَةَ إلَّا إذَا قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ السُّورِ فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ الَّتِي دَاخِلَ السُّورِ وَاَلَّتِي خَارِجَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ فَعَلَى هَذَا لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي أَحَدِهِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَالِبًا لَا يُعْلَمُ هَلْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَرْبَعًا ظُهْرًا.
فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ صَلَّى فِي هَذِهِ الْجَوَامِعِ أَوْ فِي جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ أَنْ يُعِيدَهَا ظُهْرًا إلَّا عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ عِنْدَ الْجَمِيعِ إعَادَتُهَا ظُهْرًا وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَفِي جَوَازِهَا مَعَ الشَّكِّ وَالْعِلْمِ بِأَنَّ هُنَاكَ جُمُعَةً أُخْرَى يَظْهَرُ لِأَنَّهُ دُخُولٌ فِي صَلَاةٍ يَجِبُ إعَادَتُهَا فَيُحْكَمُ بِفَسَادِهَا فَكَيْفَ يَجُوزُ الدُّخُولُ فِيهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ كَثِيرَةٌ وَالْمُقْتَضِي لَهَا حُدُوثُ جَوَامِعَ وَهَذَا إنَّمَا حَصَلَ فِي الشَّامِ وَمِصْرَ مِنْ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَلَا يُغْتَرَّ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَاهِرَةِ إلَّا خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ حَتَّى حَصَلَتْ الثَّانِيَةُ فِي زَمَانِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ مَعَ امْتِنَاعِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ مِنْ إحْدَاثِهَا وَالْجَوَامِعُ الَّتِي فِي ظَاهِرِهَا أَكْثَرُهَا حَادِثَةٌ أَوْ فِي أَمَاكِنَ مُنْفَصِلَةٍ وَأَكْثَرُ مَا فِي الشَّامِ مِنْ التَّعَدُّدِ حَادِثٌ، وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ الْعِيدُ وَإِنْ كَانَ صَحْرَاءَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَيَقْصُرُ فِيهِ الْمُسَافِرُ خِلَافًا لَنَا وَلَكِنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمِصْرِ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا أُقِيمَتْ هُنَاكَ وَلَمْ تَقُمْ فِي الْمَدِينَةِ.
أَمَّا إذَا أُقِيمَتْ فِيهِمَا فَتَتَخَرَّجُ
стр. 182
عَلَى الْخِلَافِ فِي إقَامَةِ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ فَيَعُودُ فِيهَا الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَمَنْ يُجَوِّزُ مِنْهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْحَاجَةِ وَإِذْنُ السُّلْطَانِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(التَّاسِعَةُ) : جُمُعَتَانِ فِي قَرْيَةٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَذِنَ السُّلْطَانُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ وَوَجَدْنَا فِي الشَّاغُورِ خُطْبَتَيْنِ فِي جَامِعِ جَرَّاحٍ وَجَامِعِ خَيْلَخَانَ حَدَثَ بَعْدَهُ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ إحْدَاثُهُ وَلَوْ رَسْمٌ بِإِبْطَالِ الْخُطْبَةِ كَانَ قَرْيَةً.
(الْعَاشِرَةُ) : ثَلَاثُ جُمَعٍ كَهَذِهِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي حَدَثَتْ الْآنَ فِي الشَّاغُورِ بِإِذْنِ قَاضٍ حَنْبَلِيٍّ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ وَهِيَ بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعِهِمْ فَلِأَنَّهَا قَرْيَةٌ وَالْجُمُعَةُ لَا تَجُوزُ فِي الْقُرَى وَاحِدَةً فَكَيْفَ بِثَلَاثٍ وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَلِعَدَمِ الْحَاجَةِ تَبْطُلُ لِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِالْحَاجَةِ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْهُمْ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَتَّى أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ - مَعَ مَا يُقَالُ أَنَّ مَذْهَبَ الظَّاهِرِيَّةِ الْجَوَازُ بِلَا حَاجَةٍ - لَمْ يَجْسُرْ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ وَإِلْحَاقِهَا بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ بَلْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُجَمْجَمٍ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَلِاعْتِبَارِهِ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ وَالشَّاغُورُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ أَقَلُّ مِنْ مِيلٍ. وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِعَدَمِ الْحَاجَةِ نَقْطَعُ بِهِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَسْجِدَيْنِ وَمَجْمُوعِهِمَا لَا يَكْفِي وَأَرَدْنَا أَنْ نُفَرِّعَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ الْمَسْجِدَ أَصَحُّهَا فِي إثْبَاتِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ إلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ فِي الْقُرَى وَفِي إذْنِ السُّلْطَانِ وَمَذْهَبُهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فِي ذَلِكَ فَتَعَذَّرَ إثْبَاتُ خِلَافٍ إلَّا بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْمَسْجِدَ شَرْطٌ وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي وَأَنَّ إقَامَتَهَا فِي الْقُرَى جَائِزَةٌ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمِصْرِ مَسَافَةٌ.
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ يَحْصُلُ خِلَافٌ وَلَكِنْ أَيْنَ الْمَذْهَبُ الَّذِي فِيهِ ذَلِكَ. وَاَلَّذِي يَشْتَرِطُ الْمَسْجِدَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِمَامِ وَجَمَاعَةٍ أَمَّا جَمِيعُ النَّاسِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ فَمَا أَظُنُّ أَحَدًا اشْتَرَطَ ذَلِكَ وَقَدْ بَنَى النَّبِيُّ ﷺ مَسْجِدَهُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشْرَةٍ وَهَذِهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ لَا تَسَعُ إلَّا مِائَةَ رَجُلٍ أَوْ نَحْوَهَا، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْعَوَالِي فَبِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَلَا يَثْبُتُ خِلَافٌ أَصْلًا فِي اشْتِرَاطِ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ. ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ عَادَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَحْثِ فِي الْعُدُولِ إلَى الظُّهْرِ عَلَى أَنَّا لَا نَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ وَنَقْطَعُ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ.
[فَصْلٌ صَلَاة الْجُمُعَةَ فِي مِصْرٌ أَوْ قَرْيَةٌ فِيهَا جَامِعٌ يَكْفِي أَهْلَهَا وَفِيهَا مَسَاجِدُ أُخْرَى]
(فَصْلٌ) مِصْرٌ أَوْ قَرْيَةٌ فِيهَا جَامِعٌ يَكْفِي أَهْلَهَا وَفِيهَا مَسَاجِدُ أُخْرَى مِنْهَا مَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْجَامِعِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَأَخِّرٌ وَقَصَدَ إحْدَاثَ جُمُعَةٍ ثَانِيَةٍ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ الْمُحْدَثَةِ بَعْدَ الْجَامِعِ وَنَصْبَ مِنْبَرٍ فِيهِ وَأَنْ يَحْفِرَ لِقَوَائِمِهِ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَثْبُتَ فِيهِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ حَتَّى لَوْ قَصَدَ نَقْلَ
стр. 183
الْخُطْبَةِ مِنْ الْجَامِعِ إلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ هَلْ يَجُوزُ؟ .
(الْجَوَابُ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَفْرُ أَرْضِ الْمَسْجِدِ وَالثَّانِي أَنَّ وَاقِفَهُ لَمَّا وَقَفَهُ وَهُنَاكَ مَسْجِدٌ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ يَكْفِي أَهْلَهُ لَمْ يَقْصِدْ الْجُمُعَةَ بَلْ غَيْرَهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَبِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَارَقَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ نَصْبَ الْمِنْبَرِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَنَاهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَسْجِدٌ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ غَيْرُهُ فَكَانَ مَوْقُوفًا لِلْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَحْصُلْ تَصَرُّفٌ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ بِحَفْرٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّرْ وَلَكِنْ قَصَدَ إثْبَاتَهُ وَدَوَامَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ وَقَفَهُ وَاقِفُ الْمَسْجِدِ مِنْ اسْتِحْقَاقٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ وَمِنْ اسْتِحْقَاقِ التَّنَقُّلِ فِيهِ وَالِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَرْقِ، وَنَظِيرُ مَا قُلْتُهُ مِنْ بُطْلَانِ وَقْفِ الْمِنْبَرِ الْمَذْكُورِ مَا قَالَ لِي شَيْخُنَا ابْنُ الرِّفْعَةِ ﵀: إنَّهُ أَفْتَى بِبُطْلَانِ وَقْفِ خِزَانَةِ كُتُبٍ وَقَفَهَا وَاقِفٌ لِتَكُونَ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ مِنْ مَدْرَسَةِ الصَّاحِبِ بِمِصْرَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ مُسْتَحَقٌّ لِغَيْرِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فَمُقْتَضَى الْوَقْفِ الْمُتَقَدِّمِ لَوْ فَرَضَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ اقْتَضَتْ نَقْلَ الْخُطْبَةِ مِنْ جَامِعِ جَرَّاحٍ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْعَتِيقَةِ الَّتِي وُقِفَتْ حِينَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ جُمُعَةٌ فَهَهُنَا يُشْبِهُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ وَقْفُهُ عَلَى كُلِّ مَا يُبْنَى لَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ جَوَازُ نَصْبِ مِنْبَرٍ فِيهِ أُرِيدَ مِنْهُ لِإِسْمَاعِ النَّاسِ، أَوْ وُجُوبُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ حَصَلَ الْإِسْمَاعُ بِهِ فَيَجُوزُ بِلَا حَفْرٍ وَلَا تَسْمِيرٍ قَطْعًا كَمَا فِي مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا التَّسْمِيرُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْمَحَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ أَوْ جِدَارِهِ وَأَيْضًا فَقَدْ تَدْعُو حَاجَةُ الْمُصَلِّينَ إلَى نَقْلِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَإِعَادَتِهِ وَقْتَ الْحَاجَةِ لِلْخُطْبَةِ وَأَمَّا الْحَفْرُ فَمُنْكَرٌ جِدًّا فَيَجِبُ إزَالَتُهُ وَإِعَادَةُ التُّرَابِ إلَى مَكَانِهِ.
(فَصْلٌ) يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ الَّذِي لَهُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقْصِدَ مَصْلَحَةَ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَمَصْلَحَةَ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالْمَصَالِحَ الْأُخْرَوِيَّةَ، وَيُقَدِّمَهَا عَلَى الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْمَصَالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَمَا تَدْعُو إلَيْهِ مِنْ الْحَاجَةِ وَالْأَصْلَحِ لِلنَّاسِ فِي دِينِهِمْ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حُصُولُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ لَا يَعْدِلُ إلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَإِذَا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ مَصْلَحَةٌ خَالِصَةٌ أَوْ رَاجِحَةٌ نَهَى عَنْهَا وَمَتَى اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ أَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ الْإِقْدَامُ بَلْ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ وَمَتَى كَانَ شَيْءٌ مُسْتَمِرٌّ لَمْ يُمَكِّنْ أَحَدًا مِنْ تَغْيِيرِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهٌ يُسَوِّغُ التَّغْيِيرَ وَمَتَى كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ حَرَصَ عَلَى تَكْمِيلِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ وَعَدَمِ انْقِطَاعِهِ وَعَدَمِ إحْدَاثِ بِدْعَةٍ فِيهِ وَحَفِظَ انْضِمَامَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
وَمَتَى كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ اجْتَهَدَ فِي
стр. 184
إزَالَتِهِ جُهْدَهُ وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهَاتُ وَمَتَى كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْمُبَاحَاتِ فَهُوَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ تَمْكِينِ كُلِّ حَدٍّ مِنْهُ وَعَدَمِ مَنْعِ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِمُسْتَنَدٍ وَيَرْجِعُ إلَى عَقْلِهِ وَدِينِهِ وَمَا يَفْهَمُهُ مِنْ الشَّرْعِ وَمِمَّنْ يَثِقُ فِي دِينِهِ؛ وَلَا يُقَلِّدُ فِي ذَلِكَ مَنْ يَخْشَى جَهْلَهُ أَوْ تَهَوُّرَهُ أَوْ هَوَاهُ أَوْ دَسَائِسَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ أَوْ بِدْعَةً تَخْرُجُ فِي صُورَةِ السُّنَّةِ يَلْبِسُ عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُبْتَدِعِينَ وَذَلِكَ أَضَرُّ شَيْءٍ فِي الدِّينِ وَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى النَّاظِرِ فِي ذَلِكَ التَّثْبِيتُ وَعَدَمُ التَّسَرُّعِ حَتَّى يَتَّضِحَ بِنُورِ الْيَقِينِ مَا يَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُهُ وَيَبِينُ أَمْرُهُ وَلَيْسَ مَا فُوِّضَ إلَى الْأَئِمَّةِ لِيَأْمُرُوا فِيهِ بِشَهْوَتِهِمْ أَوْ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَوْ بِتَقْلِيدِ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِمْ وَالسَّمَاعِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَإِنَّمَا فُوِّضَ إلَيْهِمْ لِيَجْتَهِدُوا وَيَفْعَلُوا مَا فِيهِ صَلَاحُ الرَّعِيَّةِ بِصَوَابِ الْفِعْلِ الصَّالِحِ وَإِخْلَاصِ النَّاسِ وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهَيْهَاتَ يَنْجُو رَأْسٌ بِرَأْسٍ فَإِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ لِغَيْرِهِ مَأْسُورٌ بِأَسْرِهِ وَاَللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
قَالَ سَيِّدُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَاضِي الْقُضَاةِ الْخَطِيبُ فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَلَدُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵁ وَلِلشَّيْخِ الْإِمَامِ مُصَنَّفَاتٌ فِي مَنْعِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ مُسْتَقِلَّةً (كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْوَاحِدِ الْأَحَدِ مِنْ إقَامَة جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ) وَهُوَ هَذَا، وَكِتَابُ (ذَمُّ السَّمَعَةِ فِي مَنْعِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ) وَهُوَ مَبْسُوطٌ.
وَكِتَابُ (تَعَدُّدُ الْجُمُعَةِ وَهَلْ فِيهِ مُتَّسَعٌ) وَهُوَ أَيْضًا مَبْسُوطٌ، وَكِتَابُ (الْقَوْلُ الْمُتَّبَعُ فِي مَنْعِ تَعَدُّدِ الْجُمَعِ) وَهُوَ أَخْصَرُهَا وَكِتَابٌ خَامِسٌ فِي الْمَنْعِ أَيْضًا. اتَّفَقَتْ كُتُبُهُ كُلُّهَا وَكُلُّهَا مُصَنَّفٌ فِي شُهُورِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ عَلَى مَنْعِ التَّعَدُّدِ وَدَعْوَى أَنَّهُ حَيْثُ لَا حَاجَةَ مَعْلُومِ التَّحْرِيمِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَحَيْثُ حَاجَةُ مَمْنُوعٍ أَيْضًا عَلَى أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ عِنْدَهُ، وَيُومِئُ إلَى إجْمَاعٍ سَابِقٍ فِيهِ تَعَذَّرَ الْمُخَالِفُ فِيهِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ إيَّاهُ.
هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ. وَقَدْ اقْتَصَرْنَا فِي الْفَتَاوَى عَلَى ذِكْرِ هَذَا الْمُصَنَّفِ الْمُتَوَسِّطِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى خُلَاصَةِ كَلَامِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَبَحَثْت مَعَ كَثِيرٍ مِنْ حَنَفِيَّةِ هَذَا الْعَصْرِ فَوَجَدْت فِي أَذْهَانِ أَكْثَرِهِمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَلَقَدْ فَحَصْت وَنَقَّبْت الْكَثِيرَ فِي كُتُبِهِمْ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا صَرَّحَ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ بَلْ بَعْضُهُمْ أَطْلَقَ عَنْهُ جَوَازَ التَّعَدُّدِ وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَ بِالْحَاجَةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَاجَةِ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِهِمْ مِنْهَا الْمُحِيطُ وَمِنْهَا شَرْحُ الْمُخْتَارِ لِمُصَنِّفِهِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ كُتُبِهِمْ وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِ مُتَأَخِّرِيهِمْ فِي النَّقْلِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ كَالظُّهْرِ، وَتَشْبِيهُهُ إيَّاهَا بِالظُّهْرِ مُشْكِلٌ تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ بَحَثْت مَعَهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ كَالظُّهْرِ فَقُلْت لَهُ: يَلْزَمُك جَوَازُ جُمُعَتَيْنِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ
стр. 185
ثُمَّ أَخْرَجْت لَهُ قَوْلَ صَاحِبِ الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ إنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مُؤَوَّلَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالظُّهْرِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا ثُمَّ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ تَارِيخِ الشَّامِ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَمِصْرَ وَهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْ يَجْعَلُوا لَا عَلَى الْقَبَائِلِ مَسَاجِدَ يُصَلُّونَ فِيهَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ جَمَعُوا فِي الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ إلَّا خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاعْتَذَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ بِاعْتِذَارٍ حَسَنٍ عَنْ دِمَشْقَ حَاصِلُهُ أَنَّ مِصْرَ وَغَيْرَهَا مِمَّا ذَكَرَ كَانَ قُرًى فَتَجَمَّعَتْ لَمَّا تَهَدَّمَتْ بِخِلَافِ دِمَشْقَ فَإِنَّهَا لَمْ تَبْرَحْ مَدِينَةً وَاحِدَةً فَلَا يُعْقَلُ فِيهَا غَيْرُ خُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ سَلَّمَهَا اللَّهُ وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ فُتُوحِ عُمَرَ إلَى الْيَوْمَ وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ فِي دَاخِلِ سُورِهَا إلَّا جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَيُسَلِّمَهَا فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ مِمَّنْ يُحَاوِلُ خِلَافَ ذَلِكَ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ زَكَاةُ مَالِ الْيَتِيمِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا تَجِبُ وَيُخْرِجُهَا الْوَلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ وَرَبِيعَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَطَاوُسٌ.
(وَالْقَوْلُ الثَّانِي) : أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَبِي وَائِلٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَشُرَيْحٍ.
(وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ) : أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ لَكِنَّ الْوَلِيَّ لَا يُخْرِجُهَا بَلْ يُحْصِيهِ فَإِذَا بَلَغَ أَعْلَمَهُ لِيُزَكِّيَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَالَ: إنَّهُ مَتَى أَخْرَجَهَا ضَمِنَ وَلَمْ تُجْعَلْ لَهُ وِلَايَةُ الْأَدَاءِ.
(وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ) : تَجِبُ وَيُخْرِجُهَا الْوَلِيُّ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ.
(وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ) : لَا تَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَلَا الْبَاطِنَةِ إلَّا مِمَّا أَخْرَجَتْ أَرْضُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُقَسِّمْ هَذَا التَّقْسِيمَ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ إلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا تَجِبُ عَلَى مَالِ الصَّغِيرِ
стр. 186
زَكَاةٌ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ. وَابْنُ لَهِيعَةَ لَمْ يَحْتَجّ بِهِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: احْصِ مَا يَجِبُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِذَا بَلَغَ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ فَأَعْلَمَهُ إنْ شَاءَ زَكَّاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ. رَوَاهُ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ وَمُجَاهِدٌ لَمْ يُدْرِكْ ابْنَ مَسْعُودٍ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ خِلَافُهُ وَلَوْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُجَاهِدٍ لَمْ يَقُلْ خِلَافَهُ فَلَمْ يَصِحَّ، وَرَأَيْت فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى صَبِيٍّ حَتَّى تَجِبَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. فَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَالسَّنَدُ إلَيْهِ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا عَلِيٌّ وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُمْ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ إلَّا كَانَ يُزَكِّي أَمْوَالَ يَتَامَى أَبِي رَافِعٍ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَدَمُ وُجُوبِهَا، وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِهَا مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَنَاهِيك بِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا عُمَرُ فَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ أَدَارَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» فَإِذَا وَرَدَ قَوْلُهُ فِي مَسْأَلَةٍ وَلَا دَلِيلَ يُخَالِفُهُ انْشَرَحَ الصَّدْرُ لَهُ وَعَائِشَةُ ﵂ كَانَ فِي حِجْرِهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَخُوهُ وَهُمَا يَتِيمَانِ ابْنَا أَخِيهَا مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَتْ تُخْرِجُ زَكَاةَ مَالٍ. وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورُ وَكَانَ سَيِّدَ زَمَانِهِ وَرَوَاهُ عَنْ الْقَاسِمِ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ سَيِّدَ زَمَانِهِ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَرَوَاهُ عَنْهُمْ ثَلَاثَتِهِمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَرَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَحْمَدُ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَدْ انْضَمَّ إلَى هَذِهِ الْآثَارِ مَعَانٍ تُرَجِّحُهَا، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي تَرَدَّدْنَا فِي صِحَّتِهِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي إسْقَاطِهَا بَلْ يَحْمِلُ لَأَنْ يَكُونَ كَالْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ الْمُوَافِقِينَ بَلْ ذَكَرُوهُ ذِكْرَ مَنْ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُمْ وَفَهِمُوا كَلَامَهُ كَمَا فَهِمْنَاهُ.
وَنَظَرْنَا فِي الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ فَوَجَدْنَا أَرْجَحَهَا فِي نَظَرِنَا الْأَوَّلَ وَهُوَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا وَوُجُوبِ إخْرَاجِهَا وَيَأْثَمُ الْوَلِيُّ إذَا لَمْ يُخْرِجْهَا وَيَضْمَنُ، وَيَلِيهِ الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ إنَّهَا لَا تَجِبُ جُمْلَةً لَكِنَّا لَمْ نَجِدْ لَهُ دَلِيلًا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا قَوْلِ صَحَابِيٍّ وَيَتَمَسَّكُ الْقَائِلُونَ بِهِ «رُفِعَ الْقَلَمُ» وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِذَلِكَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ، وَبِذَلِكَ تَبَيَّنَ وَهَاؤُهُ لِبِنَائِهِ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ. وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ فَبَعِيدَةٌ جِدًّا شَارَكَتْ الثَّانِيَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ وَانْفَرَدَتْ بِتَنَاقُضٍ ظَاهِرٍ وَأَبْعَدُهَا الْخَامِسُ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ لَكُمْ فِي التَّرْجِيحِ عَاضِدٌ غَيْرُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ»
стр. 187
لَكِنَّ الْمُثَنَّى ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ إذَا انْضَمَّ إلَى غَيْرِهِ تَقَوَّى بِهِ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مِنْدَلٍ عَنْ النَّسَائِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «احْفَظُوا الْيَتَامَى فِي أَمْوَالِهِمْ لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ» وَمِنْدَلٌ ضَعِيفٌ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْعَرْزَمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ» وَالْعَرْزَمِيُّ ضَعِيفٌ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ لَكُمْ عَاضِدٌ آخَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ وَهُوَ تَابِعِيٌّ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «ابْتَغُوا فِي مَالِ الْيَتَامَى لَا تُذْهِبْهَا أَوْ لَا تَسْتَهْلِكْهَا الصَّدَقَةُ» فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ لَكُمْ عَاضِدٌ آخَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ اتَّجِرُوا فِي مَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلْهَا الصَّدَقَةُ. وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ وَمُوَافِقٌ الْمُرْسَلَ الْمَذْكُورَ وَالْمُرْسَلُ إذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ جَازَ الْأَخْذُ بِهِ عِنْدَنَا وَكَذَا إذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ بِالْقِيَاسِ وَكُلُّ ذَلِكَ حَاصِلٌ هَهُنَا. وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالْمُرْسَلُ مِثْلُ الْمُسْنَدِ أَوْ أَقْوَى فَمَا لَهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا بِهِ هَهُنَا. فَإِنْ قُلْتَ: هُمْ يَقُولُونَ الْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ النَّفَقَةُ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «تَصَدَّقْ بِهَا عَلَى نَفْسِك» وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَذْهَبُ بِجَمِيعِ الْمَالِ لِأَنَّهَا إذَا نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ لَمْ تَجِبْ. قُلْت: حَمْلُ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّفَقَةِ مَجَازٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَذَهَابُهُ بِالزَّكَاةِ يَعْنِي ذَهَابَ أَكْثَرِهِ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا لَكِنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ الْمَجَازِ الْأَوَّلِ وَهَبْ تَهَيَّأَ لَهُمْ هَذَا الْبَحْثُ فِي لَفْظِ الصَّدَقَةِ فَمَا يَقُولُونَ فِي لَفْظِ الزَّكَاةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَلَيْسَ قَابِلًا لِهَذَا التَّأْوِيلِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ لَكُمْ عَاضِدٌ آخَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ سُعَاةُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ كَانَ سَعْيُهُمْ لِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَّا إلَى الْمَالِ وَلَا نَظَرَ إلَى مَالِكِهِ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : «لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمَعٍ وَلَا نَجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرَّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» . فَإِنْ قُلْتَ: وَمَا مُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ؟ قُلْتُ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» وَقَوْلُهُ «فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ فَفِيهَا حِقَّةٌ فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ» .
وَ " مَنْ " تَعُمُّ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ ثُمَّ قَالَ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ. فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَقَوْلُهُ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ أَعْنِي فِي الْغَنَمِ وَفِي الْوَرِقِ رُبْعُ الْعُشْرِ. وَهَذَا كُلُّهُ وَأَمْثَالُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي الزَّكَاةِ إلَى الْمَالِ لَا إلَى الْمَالِكِ وَهُوَ يَقْتَضِي دُخُولَ الصَّبِيِّ لِأَنَّ مَالَهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْأَمْوَالِ. فَهَذَا مُسْتَنَدُ السُّعَاةِ وَهُوَ أَوَّلُ دَلِيلٍ فِي
стр. 188
الْمَسْأَلَةِ وَانْظُرْ إلَى «قَوْلِهِ ﷺ لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا وَمِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» كَيْفَ أَنَاطَ الْجِزْيَةَ بِالْحَالِمِ وَهُوَ الشَّخْصُ وَالصَّدَقَةُ الْمَالُ. فَإِنْ قُلْتَ: الْمَالُ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِ لِبَيَانِ الْمَقَادِيرِ وَلَيْسَ كُلُّ مَالٍ مَأْخُوذًا مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالَ الْكَافِرِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ قُلْتُ: قَدْ بَيَّنَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلسُّعَاةِ وَكَتَبَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ إنَّهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَفِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَسٍ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ الْكُفَّارِ وَإِنْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] . وَالثَّانِي أَنَّهُ يَعُمُّ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ فَرِيضَةٌ وَالْفَرْضُ لَا يَكُونُ عَلَى الصَّبِيِّ. قُلْتُ: قَدْ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ نَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْفَرِيضَةِ الْمُقَدَّرَةِ أَوْ الْوَاجِبَةِ وَلَا يَخْتَصُّ الْوُجُوبُ بِالْبَالِغِ كَمَا بَيَّنَهُ فَكَمَا أَنَّ فَرِيضَةَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ بِنَصِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَذَلِكَ صَدَقَةُ الْمَالِ وَإِقْلِيمُ الْيَمَنِ وَاسِعٌ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْجِهَاتِ الَّتِي كَانَتْ السُّعَاةُ تَسِيرُ إلَيْهَا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا صِغَارٌ لَهُمْ أَمْوَالٌ وَلَمْ يَسْتَثْنِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا فَضَّلَ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ فَدَلَّ عَلَى الْعُمُومِ كَذَلِكَ «قَالَ لِمُعَاذٍ: سَتَأْتِي أَقْوَامًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ» . فَإِنْ قُلْتَ: هُوَ إنَّمَا يَدْعُو الْبَالِغَ.
قُلْتُ: بَلْ يَدْعُو الْجَمِيعَ وَإِنَّمَا يُقَابِلُ الْبَالِغَ وَكَيْفَ لَا يَدْعُو الصَّبِيَّ وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعْوَتِهِ هِدَايَتُهُ وَقَدْ «عَادَ النَّبِيُّ ﷺ صَبِيًّا يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ وَمَاتَ» بَلْ أَقُولُ: إنَّهُ يَجِبُ ذَلِكَ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَيَضْرِبَهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ. فَإِنْ قُلْت: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الصَّبِيِّ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَيْفَ يَجِبُ الْأَمْرُ بِهِ أَوْ الضَّرْبُ عَلَيْهِ وَهَكَذَا الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَجِبُ دُعَاؤُهُ إلَيْهِ. قُلْت: لَا نُنْكِرُ وُجُوبَ الْأَمْرِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالضَّرْبَ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَنَحْنُ نَضْرِبُ الْبَهِيمَةَ لِلتَّأْدِيبِ فَكَيْفَ الصَّبِيُّ وَذَلِكَ لِمَصْلَحَتِهِ وَأَنْ يَعْتَادَ بِهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ تَقُولُونَ: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَمْرِ الْوَلِيِّ فَقَطْ أَوْ مَأْمُورٌ بِأَمْرِ الشَّارِعِ؟ قُلْتُ: قَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ» .
وَاخْتَارُوا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِأَمْرِ الشَّارِعِ وَذَلِكَ نَظَرٌ إلَى وَضْعِ اللَّفْظِ فَقَطْ وَجُنُوحٌ إلَى أَنَّ الصَّبِيَّ خَارِجٌ مِنْ حُكْمِ الْخِطَابِ وَهُوَ مُقْتَضَى حَدِّ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، أَمَّا مَنْ قَالَ
стр. 189
خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّبِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْعُقَلَاءُ لِيَخْتَصَّ بِالْمُمَيِّزِ أَوْ يُقَالَ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ لِأَنَّا إنْ نَظَرْنَا إلَى أَنَّ الْخِطَابَ شَرْطُهُ الْفَهْمُ لَمْ يَدْخُلْ الْمَجْنُونُ وَلَا الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَيَدْخُلُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ لِفَهْمِهِ وَالصَّلَاةُ مُمْكِنَةٌ مَعَهُ وَإِنَّمَا تَمْتَنِعُ فِي حَقِّهِ لِلتَّكْلِيفِ فَالْوُجُوبُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْكُلْفَةِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» وَيَثْبُتُ النَّدْبُ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الْكُلْفَةِ أَوْ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ لَا وُجُوبٌ وَلَا نَدْبٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ «رُفِعَ الْقَلَمُ» وَهُوَ بَعِيدٌ وَرُفِعَ الْقَلَمُ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ التَّكْلِيفِ لَا عَنْ رَفْعِ كُلِّ حُكْمٍ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ تَقُولُونَ: إنَّ أَمْرَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِالصَّلَاةِ أَمْرُ نَدْبٍ أَمْ أَمْرُ وُجُوبٍ إنْ كَانَ أَمْرَ نَدْبٍ فَلَمْ نَجِدْ مَنْدُوبًا يُضْرَبُ عَلَيْهِ وَيُلْزَمُ إذَا نَوَى بِصَلَاتِهِ النَّدْبَ تَصِحُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَمْرَ إيجَابٍ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْإِيجَابُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ؟ قُلْت: بَلْ أَمْرُ إيجَابٍ وَأَمْرُ الْإِيجَابِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْرُ الْجَازِمُ بِالْأَمْرِ الْجَازِمِ فِي الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ وَلَكِنَّ الْوُجُوبَ يَخْتَلِفُ فِي الصَّبِيِّ بِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ إنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ فَهْمِ الْخِطَابِ وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا فَرُخْصَةٌ بِقَوْلِهِ «رُفِعَ الْقَلَمُ» فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ إيجَابٌ وَلَا وُجُوبَ.
قُلْتُ: إذَا عَنَى بِالْإِيجَابِ الْأَمْرَ الْجَازِمَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَا يَأْثَمُ بِهِ لِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتَ: أَنْتُمْ تُرِيدُونَ بِالْجَازِمِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ ضِدِّهِ. قُلْتُ: نَحْنُ لَا نَلْتَزِمُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأُصُولِيُّونَ قَالُوهُ بَلْ الْجَزْمُ عِنْدَنَا عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةِ الطَّلَبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى رُتْبَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَالصَّلَاةِ وَلَكِنَّهَا أَعْنِي الْفَرْضَ مِنْهَا عَظِيمَةٌ بِحَيْثُ إنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِيهَا، وَالْمَنْدُوبُ فِيهِ رُخْصَةٌ مِنْ حَيْثُ انْحِطَاطُ رُتْبَتِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْفَرْضِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ سَوَاءٌ، وَالشَّخْصُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ الْأَمْرُ يُعْتَبَرُ فِيهِ أُمُورٌ إنْ وُجِدَتْ تَرَتَّبَ مُقْتَضَاهُ كَالْوُجُوبِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْإِيجَابِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَخَلَّفَ ذَلِكَ الْمُقْتَضَى مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ أَرْشَدَنَا الشَّارِعُ إلَيْهَا. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَسْتَبْعِدْهُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الَّذِي اقْتَضَتْ رُخْصَةُ اللَّهِ رَفْعَ الْقَلَمِ عَنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ، أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ خِطَابٌ أَصْلًا لَكِنْ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ بِمَعْنًى آخَرَ سَنُبَيِّنُهُ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ. فَإِنْ قُلْتَ: الْوُجُوبُ مَعَ عَدَمِ الْفَهْمِ لَا يُعْقَلُ. قُلْتُ: الْوُجُوبُ بِمَعْنَى التَّرَتُّبِ فِي الذِّمَّةِ كَمَا يُقَالُ: الدَّيْنُ وَاجِبٌ مَعْقُولٌ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَالْوَلِيُّ يَشْتَرِي لِلصَّبِيِّ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ فَهَذَا دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الصَّبِيِّ بِالْإِجْمَاعِ وَوَاجِبٌ وَالزَّكَاةُ كَذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ جَعَلْتُمْ الصَّبِيَّ
стр. 190
بِهِ وَهَذَا حَرْفُ الْبَحْثِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاَلَّذِي يَفْهَمُ كُلُّ أَحَدٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَاللُّغَةُ مَا قُلْنَاهُ، فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ مَعَ هَذَا شَيْءٌ آخَرُ؟ . قُلْتُ: نَعَمْ مَعْنًى مَعْقُولٌ مِنْ الْآيَةِ لَمَّا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَقَالَ ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] وَقَالَ ﷺ «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ نَظَرْنَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي وُجُوبِهِ لَهُمْ فَرَأَى الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ وُجُوبَهُ لَهُمْ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ بِطَرِيقِ الْقَرَابَةِ كَمَا أَوْجَبَ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَرَابَةِ النَّسَبِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَاشْتَرَكَتْ الْقَرَابَتَانِ فِي اقْتِضَائِهِمَا وُجُوبَ النَّفَقَةِ فَاشْتَرَطَ فِي الْأَوَّلِ مِلْكَ النِّصَابِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْ الْكِفَايَةِ وَافْتَرَقَا فِي أَنَّ الْأُولَى مُسْتَقَرٌّ فِي الذِّمَّةِ لِأَنَّهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالثَّانِيَةُ لِمُعَيَّنٍ عَلَى مُعَيَّنٍ مُقَدَّرَةٌ بِالْحَاجَةِ كُلَّ يَوْمٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِقْرَارِهَا فِي الذِّمَّةِ وَفِي أَنَّ الْأُولَى لَا تُوجِبُ مَحْرَمِيَّةَ النِّكَاحِ وَلَا تُوجِبُ الْعَيْنَ بِالْمِلْكِ وَهَذَا الِافْتِرَاقُ لَا يَقْدَحُ فِي اقْتِضَاءِ الْمُشْتَرَكِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ نَقَلْتُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لِلْفُقَرَاءِ وَمَنْ مَعَهُمْ.
قُلْتُ: يَقُولُ: إنَّهَا لِلْفُقَرَاءِ عَلَى اللَّهِ بِوَعْدِهِ بِرِزْقِهِمْ وَهِيَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَذِنَ لَهُ فِي دَفْعِهَا إلَيْهِمْ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ لِلْمَدْيُونِ: ادْفَعْ دَيْنِي الَّذِي عِنْدَك لِهَذَا مِمَّا لَهُ عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا حَقَّ لِلْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: حَقُّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُولَى وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ رِزْقًا وَوَعَدَهُ بِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: لَخِّصْ لِي مَا تَقَدَّمَ إلَى هُنَا لِأَسْفَلَ بَدْرٍ (؟) مَحَلَّ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ. قُلْتُ: مُسْنَدُ الشَّافِعِيِّ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ الْآمِرَةُ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِأَنَّهَا فِي عَيْنِ الْمَالِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الشَّهِيرَةُ الْكَثِيرَةُ كَذَلِكَ وَفِعْلُ السُّعَاةِ كَذَلِكَ وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَمُرْسَلٌ صَحِيحٌ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَالْمُسْنَدِ أَوْ أَقْوَى وَأَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ وَآثَارٌ عَظِيمَةٌ عَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ وَمَعْنَى نَفَقَةِ الْقَرَابَةِ.
فَهَذِهِ عَشْرَةُ أُمُورٍ مُتَضَافِرَةٌ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ بِأَقَلَّ مِنْهَا. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا تُجِيبُونَ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» أَلَيْسَ مُعَارِضًا لِمَا قُلْتُمْ؟ قُلْتُ: لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهَا وَلَا يَقْتَضِي الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَكْثَرَ مِنْ ارْتِفَاعِ التَّكْلِيفِ إنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَلَا مُخَاطَبًا بِأَدَائِهَا وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي مَقَامٍ آخَرَ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ: إنَّهَا نَفَقَةٌ مَحْضَةٌ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ أَوْ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا شَائِبَةٌ مِنْ هَذَا وَشَائِبَةٌ مِنْ هَذَا. قُلْتُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ وَاَلَّذِي كَانَ
стр. 191
عِنْدِي الْقَطْعُ بِبُطْلَانِ كَوْنِهَا نَفَقَةً مَحْضَةً وَلَيْسَ جَازِمًا بِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُهُ وَإِنَّمَا بَحَثُوا مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي كَوْنِهَا عِبَادَةً مَحْضَةً كَالصَّلَاةِ أَوْ مُرَكَّبَةً مِنْ الْعِبَادَةِ وَالْمُوَاسَاةِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا يَقْتَضِي الْوَجْهَ الثَّالِثَ وَتَمْكِينَ تَقْرِيرِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: يَتَقَرَّرُ مَعَ مَا ذَكَرْت. قُلْتُ: بِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَنْقَسِمُ مِنْهُ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ جِنَايَةً فَيُسَمَّى عُقُوبَةً وَمِنْهُ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ إتْلَافًا وَيُسَمَّى ضَمَانًا وَمِنْهُ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ الْتِزَامًا فَيُسَمَّى ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ مَهْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا لَا سَبِيلَ لَهُ إلَّا كَوْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَبْدًا مِلْكًا لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قُرْبَةٌ فَيُسَمَّى عِبَادَةً أَوْ أَدَاءً لِلدُّيُونِ، وَالْعَوَارِيّ وَالْوَدَائِعُ وَاجِبَةٌ بِالِالْتِزَامِ وَنَفَقَاتُ الزَّوْجَاتِ كَذَلِكَ وَنَفَقَاتُ الْأَقَارِبِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّوَاصُلِ وَالْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ لَيْسَتْ إلَّا لِلَّهِ وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالْجَمِيعِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ رَأَيْت أَنَّ أَخْذَ الْعِبَادَةِ بِالْوَاجِبِ لِحَقِّ اللَّهِ فَقَطْ بِلَا سَبَبٍ وَاحْتُرِزَ بِلَا سَبَبٍ عَنْ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ إنْ كَانَ لِأَجْلِ الْآدَمِيِّ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ فَلَيْسَتْ عِبَادَةً لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا بَيْنَ الْوَصْلَةِ وَالْإِحْسَانِ الْمُفْضِي لِلْمُكَافَأَةِ.
فَهَذَا خَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ وَإِذَا خَرَجَ هَذَا مِنْ الْعِبَادَةِ فَغَيْرُهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ بِلَا شَكٍّ لِتَحَقُّقِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ بِلَا شُبْهَةٍ وَالزَّكَاةُ أَشْبَهَتْ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ وَصِلَةَ الرَّحِمِ وَإِقْرَانَهَا بِالصَّلَاةِ وَبِنَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمَا قَدْ يَكُونُ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا رَأْسُ الْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْأُخْرَى رَأْسُ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمُعَدَّى نَفْعُهَا فَلَمْ يُطْلِقْ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَيْهَا عِبَادَةً لِذَلِكَ وَكَأَنَّهَا لِلْوَصْلَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأُخُوَّةِ الدِّينِ وَهِيَ قَرَابَةٌ عَامَّةٌ فَإِيجَابُ اللَّهِ تَعَالَى لِحَقِّهِمْ فَهِيَ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ بِقَوْلِهِ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] حَقَّهُ وَحَقَّ الْآدَمِيِّ وَأَسْبَابَهُمَا إلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْجِنْسَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْإِسْلَامُ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى ثَلَاثٍ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ» . وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَاهُ وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِرُجُوعِ الصِّيَامِ وَالْحَجِّ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنْ دَخَلَهُمَا الْمَالُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْ لِرُجُوعِهِمَا إلَيْهِمَا مَعًا وَقَصَدْنَا بِهَذَا أَنْ لَا يُسْتَنْكَرَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا عَظِيمًا وَرُكْنَ الْإِسْلَامِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الشَّائِبَتَيْنِ وَالْمُرَكَّبَةُ مِنْ شَائِبَتَيْنِ إذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عُمِلَ بِهِ فَفِي الْبَالِغِ يُوجَدَانِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ بِالْإِجْمَاعِ عِبَادَةً وَمُوَاسَاةً إمَّا بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِلَّةٌ وَإِمَّا بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْأُولَى وَحْدَهَا وَالثَّانِيَةَ وَحْدَهَا أَوْ مَجْمُوعُهُمَا، وَفِي الصَّبِيِّ مَنْ رَأَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوَاسَاةُ فَقَطْ اكْتَفَى بِهَا وَمَنْ رَأَى الْعِلَّةَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ اكْتَفَى بِهَا أَيْضًا وَمِنْ
стр. 192
مُتَعَلَّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ يَأْبَاهُ.
قُلْتُ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يُطْلَقُ عَلَى أُمُورٍ: (أَحَدُهَا) الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِمَا شَرْطُهُ الْفَهْمُ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُمَا بِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَلَا بِالْمُمَيِّزِ إذْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُمَا الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ إلَّا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي حَرَّرْنَاهُ آنِفًا وَأَمَّا الْأَمْرُ بِمَعْنًى فَالْمَجَازُ تَعَلُّقُهُ بِالْمُمَيِّزِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ.
(الثَّانِي) : خِطَابُ الْوَضْعِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَمَتَى أَتْلَفَ الصَّبِيُّ شَيْئًا ضَمِنَهُ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْإِتْلَافَ سَبَبًا فِي الضَّمَانِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ.
(الثَّالِثُ) : التَّرْتِيبُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: يَلْزَمُ مِنْ الثُّبُوتِ فِي الذِّمَّةِ الْخِطَابُ، وَهَذَا هُوَ ثَمَرَةُ الْبَحْثِ الْمُعْتَبَرِ فِي ذِمَّتِهِ الدَّيْنُ وَلَا يُخَاطَبُ بِهِ، وَالزَّكَاةُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمْكِينِ وَاجِبَةٌ وَلَا خِطَابَ. وَقَوْلُهُمْ يَلْزَمُ مِنْ التَّرَتُّبِ فِي الذِّمَّةِ الْخِطَابُ مَمْنُوعٌ وَالْوَلِيُّ يَشْتَرِي لِلصَّبِيِّ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَيَسْتَقْرِضُ لَهُ وَيَسْتَأْجِرُ لَهُ بِأُجْرَةٍ فِي ذِمَّتِهِ وَيُزَوِّجُهُ بِصَدَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ وَيَتَرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ بِالْإِتْلَافِ بَدَلُ التَّالِفِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. فَإِنْ قَالُوا بِالْخِطَابِ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَلْيَقُولُوا بِهِ هُنَا وَلَا مَحْذُورَ فِي إطْلَاقِهِ بِتَأْوِيلٍ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ رُتْبَةٌ فِي تَقْسِيمِ الْخِطَابِ الْمُتَعَلَّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لِنُثْبِتَهَا فِي الصَّبِيِّ وَصَلَاتِهِ، وَهَلْ يَنْوِي الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ أَوْ كَيْفَ حَالُهُ؟ قُلْتُ: لَا رُتْبَةَ لَهُمَا وَالْأَمْرُ فِي حَقِّهِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَلَا يَنْوِي إلَّا الْفَرْضَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقَعُ فِعْلُهُ فَرْضًا وَيُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْفَرْضِ. وَهَذَا قَدْ يَسْتَنْكِرُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْفَرْضِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَأَبْعَدُ مَنْ قَالَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِ لِلتَّمْرِينِ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ تَقُولُونَ إنَّ الصَّبِيَّ دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ؟ قُلْتُ: نَعَمْ هَذَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدِي لِأَنَّ الْخِطَابَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ لِجَمِيعِ النَّاسِ وَهُوَ مِنْ النَّاسِ فَإِذَا كَانَ مُمَيِّزًا وَقَدْ فَهِمَ وَسَمِعَ أَمْرَ اللَّهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِ وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَبِيٍّ يَا بُنَيَّ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» وَعِنْدَ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ ذَلِكَ فِي أَمْرِ التَّأْدِيبِ لَا يُصِبْهَا وَقَدْ فُتِلَ بِأُذُنَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَدَارَهُ مِنْ شِمَالِهِ إلَى يَمِينِهِ وَذَلِكَ أَمْرٌ بِمَوْقِفِ الْوَاحِدِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَأَثْبَتَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ حُكْمًا شَرْعِيًّا. فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا حَالُ الْمُمَيِّزِ فَمَا حَالُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ؟ قُلْتُ: وَضْعُ الْخِطَابِ يَقْتَضِي دُخُولَهُ لَكِنَّهُ خَرَجَ بِالدَّلِيلِ سِرَاءُ طَلَلِهِمْ فَخَرَجَ مِنْ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ لَا مِنْ الْخِطَابِ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْخِطَابَ شَامِلٌ
стр. 193
وَوَاوُ الضَّمِيرِ فِي (أَقِيمُوا) عَامَّةٌ وَإِنَّمَا لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ شَرْطٌ فَإِنْ وُجِدَ تَعَلَّقَ وَإِلَّا فَلَا. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا إذَا أُمِرَ جَمَاعَةٌ بَالِغُونَ وَصِبْيَانٌ بِشَيْءٍ وَمِنْ الصِّبْيَانِ غَيْرُ مُمَيِّزٍ ثُمَّ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ التَّمْيِيزِ وَقْتَ الْمَأْمُورِ بِهِ أَقُولُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَمْرُ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا مُرَادُك مِنْ هَذَا كُلِّهِ؟ قُلْتُ: أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] شَامِلًا لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَالِغٍ وَصَبِيٍّ فَيَكُونُ هُوَ عَاضِدًا آخَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَقَالَ ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج: ٧٨] فَهَذِهِ الْأَوَامِرُ كُلُّهَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِدُخُولِ الصَّبِيِّ فِيهَا فَمَا لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ فَعَلَهُ وَلِيُّهُ عَنْهُ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ مَعَ هَذَا شَيْءٌ آخَرُ مِنْ النُّصُوصِ.
قُلْتُ: نَعَمْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وَالصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَيَتَوَجَّهُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ وقَوْله تَعَالَى ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] وَذَكَرَ هَذَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْهَلُوعِ وَجَعَلَ الْحَقَّ فِي أَمْوَالِ مَنْ اسْتَثْنَى وَلَا حَقَّ إلَّا الزَّكَاةُ.
وَرُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ» وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ؛ وَكَوْنُهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ مَعْلُومٌ مُسْتَقَرٌّ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ غَيْرَ الزَّكَاةِ مَعْلُومٌ وَهَذَا كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالزَّكَاةِ لِلْعُمُومِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي عَيْنِ الْمَالِ مِثْلَ مَا دَلَّ قَوْلُهُ ﷺ «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» فَهُوَ عَاضِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. فَإِنْ قُلْتَ هَلْ مَعَ هَذَا شَيْءٌ آخَرُ؟ قُلْتَ: نَعَمْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ «إنَّ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ تَمَثَّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلَفْظُ الْحَدِيثِ «لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا» وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِعُمَرَ: فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حُقُوقِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمَالِكِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ مَعَ هَذَا شَيْءٌ آخَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلَى آخَرِ الْآيَةِ فَرَضَهَا سُبْحَانَهُ لَهُمْ وَمَلَّكَهُمْ إيَّاهَا فَهِيَ حَقٌّ فِي الْمَالِ لِلْأَصْنَافِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَالِكِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ وَأَجَابَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ هُنَا الْمُتَصَدَّقُ بِهِ وَهُوَ الْمَالُ وَحَقِيقَةُ الصَّدَقَةِ إنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ وَهُوَ فِعْلُ الْمُتَصَدِّقِ.
فَإِنْ قُلْتَ فَمَا جَوَابُكُمْ عَنْ هَذَا؟ قُلْت: فِعْلُ الْمُتَصَدِّقِ تَصَدُّقٌ وَالصَّدَقَةُ إنَّمَا هِيَ اسْمٌ لِمَا تَصَدَّقَ بِهِ وَهِيَ الْوَاجِبُ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ الْمَقْصُودُ بِالْحُصُولِ لِلْفَقِيرِ وَفِعْلُ الْمُتَصَدِّقِ وَسِيلَةٌ إلَيْهَا وَالتَّكْلِيفُ بِالْأَصَالَةِ إنَّمَا هُوَ الْمَقَاصِدُ لَا الْوَسَائِلُ؛ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ اسْمُ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَالْإِيتَاءُ هُوَ الْفِعْلُ وَالزَّكَاةُ مَفْعُولَةٌ وَهِيَ الصَّدَقَةُ فَالزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ الْمَقْصُودَةُ لَيْسَتْ هِيَ فِعْلُ الْمُتَصَدِّقِ بَلْ مَا يَحْصُلُ
стр. 194
رَأَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ يَتَمَحَّضُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْهُ يَحْصُلُ عِنْدَهُ وَقْفَةٌ فِي الصَّبِيِّ الْمُتَوَقِّفِ فِي كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَفِي كَوْنِ الْعِبَادَةِ تَقْبَلُ النِّيَابَةَ فَأَبُو حَنِيفَةَ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَاشْتَرَطَ الزَّكَاةَ عَنْ الصَّبِيِّ وَغَيْرِهِ قَرَّرَ أَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ تَقْبَلُ النِّيَابَةَ فَأَثْبَتَهَا. فَإِنْ قُلْتَ: فَالْعِبَادَةُ إنَّمَا هِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ. قُلْتُ: لَا بَلْ الْعِبَادَةُ هِيَ الْحَقُّ وَفِعْلُ الْعَبْدِ تَأْدِيَةٌ لَهُ فَإِنْ قُبِلَتْ النِّيَابَةُ نَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَالْحَقُّ قَدْ يَكُونُ مَالًا وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَهُ وَالْمَالُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ وَغَيْرُهُ قَدْ يَقْبَلُ كَالْحَجِّ وَقَدْ لَا يَقْبَلُ كَالصَّلَاةِ. فَإِنْ قُلْتَ: لَخِّصْ لِي الْآنَ مَنْشَأَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ.
قُلْتُ: مَنْشَؤُهُ مَا ذَكَرْت فِي كَوْنِهَا عِبَادَةً وَفِي كَوْنِ الصَّبِيِّ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الزَّكَاةُ وَجَبَتْ عَادَةً ابْتَلَى اللَّهُ عِبَادَهُ بِهَا لِتَنْقِيصِ الْمَالِ كَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ بِإِتْعَابِ الْبَدَنِ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ بِالْبَدَنِ وَبِالْمَالِ، وَالْعَادَةُ فِي الزَّكَاةِ إنَّمَا هِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَهِيَ إخْرَاجُ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْبَالِغُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهَا فَتَوْكِيلُهُ هُوَ التَّنْقِيصُ الْمُبْتَلَى بِهِ وَمِثْلُهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الصَّبِيِّ لَا تَثْبُتُ الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ بَلْ فِي الْعَيْنِ لِحَقِّ اللَّهِ فِي الْعَيْنِ وَحَالُ الْفَقِيرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَلَا مَعْنَى لِلتَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ عِنْدَهُمْ إلَّا أَنَّ الْمَالِكَ مَأْمُورٌ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْمَالِ فَلَا يَقُولُونَ بِشَيْءٍ آخَرَ وَلِأَجْلِ التَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ لَا بِالذِّمَّةِ إذَا تَلِفَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَنَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ مُتَعَلَّقَانِ الذِّمَّةُ وَالْعَيْنُ فَلَوْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْآخَرُ وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمْكِينِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ بِالضَّمَانِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ قَبْلَ التَّمْكِينِ وَلَوْ أَتْلَفَهُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ أَجَازَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْغَزَالِيُّ الْأَوَّلُ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَإِذَا مَاتَ لَا يَجِبُ إخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَهُمْ كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَأَدَاءُ الزَّكَاةِ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّرَاخِي وَلَا مَعْنَى لِلزَّكَاةِ عِنْدَهُمْ إلَّا خِطَابُ الْأَدَاءِ، وَعِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ فَرْقٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ فَأَصْحَابُنَا اسْتَعْمَلُوهُ رَهْنًا وَجَعَلُوهُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الذِّمَّةِ وَوُجُوبُ أَدَائِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا إلَّا وُجُوبَ الْأَدَاءِ.
وَنَشَأَ النِّزَاعُ فِي قَوْلِنَا الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ فَهْمِ مَعْنَى الزَّكَاةِ فَهْمَ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَفَهْمَ حَالِ الصَّبِيِّ وَأَهْلِيَّتِهِ كَذَلِكَ، وَأَوْرَدَ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: إنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِهَا لَأُخْرِجَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ وَأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يُعْقَلُ إلَّا فِي الذِّمَّةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ وَالسُّقُوطِ بِمَوْتِهِ لِزَوَالِ ذِمَّتِهِ وَلَا مُتَعَلَّقَ لِلْأَرْشِ غَيْرُهَا، وَأَوْرَدَ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ بِوُجُوبِ الْعُشْرِ فِيمَا أَخْرَجَتْهُ أَرْضُ الصَّبِيِّ وَاعْتَذَرُوا بِأَنَّ هَذَا وَاجِبُ الْأَرْضِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهُمْ وَالزَّكَاةُ وَاجِبُ الْمَالِ؛ وَأَوْرَدَ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا قَوْلَهُمْ بِوُجُوبِ
стр. 195
زَكَاةِ الْفِطْرِ سَبَبِيَّةً عَلَى لَبَّةِ (؟) الْقَادِرِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ مَالٌ وَفِي مَالِ الصَّبِيِّ عَلَى خِلَافٍ عِنْدَهُمْ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا بِإِثْبَاتِ الزَّكَاةِ فِي الذِّمَّةِ وَإِنَّهَا عَلَى الصَّحِيحِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ، وَيَسْبِقُ إلَى الذِّهْنِ أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْمَالِ يَقْتَضِي وُجُوبَهَا عَلَى الصَّبِيِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى الْمَالِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمَالِكِ وَهُمْ بَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّ مَعَ وُجُوبِهِ فِي الْمَالِ وَقَطْعِهِ عَنْ الذِّمَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ الْوُجُوبُ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَنَّ الْوُجُوبَ إمَّا فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ وَإِمَّا وُجُوبُ الْأَدَاءِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الصَّبِيِّ يَسْقُطُ جُمْلَةً وَأَجَابُوا عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِأَنَّ وُجُوبَهَا بِمَعْنَى الْمَئُونَةِ تَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ وَفِيهِ حَقٌّ لِلْأَبِ فَأَمَّا لَوْ لَمْ تَجِبْ فِي مَالِهِ احْتَجْنَا إلَى الْإِيجَابِ عَلَى الْأَبِ وَمَئُونَةُ الْأَرْضِ كَالْخَرَاجِ وَهِيَ أَجْوِبَةٌ ضَعِيفَةٌ.
فَإِنْ قُلْتَ: اُذْكُرْ لِي أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ فِعْلُ الْمُتَصَدِّقِ وَالْوُجُوبُ الْخِطَابُ؛ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ وَالزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ فِي الْمَالِ وَالْوُجُوبُ الثُّبُوتُ فِي الذِّمَّةِ وَالصَّبِيُّ أَهْلٌ فَلَمْ يَتَوَارَدْ كَلَامُنَا وَكَلَامُهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْقَطْعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالصَّوَابِ وَأَنَّ الْمُخَالِفَيْنِ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَزٍّ وَنُطَالِبُ نَحْنُ بِدَلِيلِنَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِمْ فِي الْعُشْرِ؟ قُلْتُ: قَالُوا: إنَّهُ يَجِبُ فِيمَا أَخْرَجَتْهُ أَرْضُ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْأَرْضِ وَحَقٌّ لَهَا وَصَحِيحٌ أَنَّهُ نَمَاءُ الْأَرْضِ وَلَكِنْ بِالْمَعْنَى حَقٌّ لَهَا وَشَبَّهُوهُ بِالْخَرَاجِ وَالْخَرَاجُ وَاجِبٌ عَلَى شَخْصٍ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلَّقًا بِالْأَرْضِ وَإِذَا كَانَ الْعُشْرُ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالصَّبِيِّ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فَهَذَا حَقٌّ بِاعْتِبَارِ شَرْطِ الْخِطَابِ فِيهِ فَهُمْ لَمْ يَقُولُوا إنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ وَإِنَّمَا قَالُوا بِشَيْءٍ مُرَتَّبٍ عَلَى أَرْضٍ سَمَّوْهُ عُشْرًا لَا دَلِيلَ لَهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَحَقِيقَتُهُ عِنْدَهُمْ جِزْيَةٌ وَعِنْدَهُمْ اخْتِلَافٌ فِي أَخْذِهِ مُضَعَّفًا بِاسْمِ الصَّدَقَةِ أَوْ غَيْرَ مُضَعَّفٍ أَعْنِي مِنْ الرَّهْنِ.
وَأَمَّا عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ زَكَاةٌ لَا تُؤْخَذُ مِنْ كَافِرٍ ثُمَّ إذَا قَالُوا: الْوَلِيُّ يُخْرِجُهُ مِنْ زَرْعِ الصَّبِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ مُلَاقَاةِ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ؛ وَغَايَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْعُشْرَ لَيْسَ عِبَادَةً وَلَكِنَّهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ هَكَذَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَإِنْ لَمْ نُسَلِّمْهُ لَهُمْ وَأَمَّا الْأَرْضُ فَلَا حَقَّ عَلَيْهَا وَلَا لَهَا. فَإِنْ قُلْتَ: فَزَكَاةُ الْفِطْرِ؟ قُلْتُ: هِيَ طُهْرَةٌ لِلْبَدَنِ وَلِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى الصَّبِيِّ فَلَأَنْ تَجِبَ زَكَاةُ الْمَالِ عَلَيْهِ أَوْلَى لِوُجُودِ الْمَعْنَى مَعَ أَنَّ النِّعْمَةَ فِيهِ أَكْثَرُ وَكَوْنُهَا تَابِعَةً لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ مُرَاعَاةِ هَذَا الْمَعْنَى، وَيَضُمُّ كَلَامُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى
стр. 196
الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لَمْ يَضْمَنْ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ آخَرُ؟ قُلْت: نَعَمْ لَهُمْ بِحَقٍّ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا» وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ فَإِذَا قَالُوا: إنَّ الْعُشْرَ حَقُّ الْأَرْضِ بِلَا دَلِيلٍ وَقُلْنَا نَحْنُ فَالزَّكَاةُ مِنْ الْمَالِ بِدَلِيلٍ فَكَمَا يَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الصَّبِيِّ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَمَعْنَى حَقِّ الْمَالِ حَقُّ شُكْرِهِ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ يَسْتَحِقُّ بِهَا اللَّهُ الشُّكْرَ فَزَكَاتُهُ شُكْرُهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هَلْ مَعْنَاهُ صَلُّوا وَزَكُّوا أَوْ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَجْعَلَهَا قَائِمَةً ظَاهِرَةَ الشِّعَارِ عَالِيَةَ الْمَنَارِ فَيُصَلِّيهَا بِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ وَيَأْمُرُ غَيْرَهُ بِهَا إذَا قَدَرَ فَهِيَ فَرْضٌ عَلَيْهِ عَيْنًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَفَرْضٌ عَلَيْهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي حَقِّ الْأَوْلِيَاءِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُمْكِنُ قَوْلُهُ فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَفَرْضِيَّتُهَا فِي الْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُكَلَّفِينَ بِهَا وَجَبَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْأَمْرُ بِإِخْرَاجِهَا بِتِلْكَ الْمَقَادِيرِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيصَالِهَا إلَى مُسْتَحِقِّيهَا.
فَإِنْ قُلْتَ: وُجُوبُهَا عَلَى الصَّبِيِّ هَلْ تَأْخُذُونَهُ مِنْ النُّصُوصِ أَوْ بِالْقِيَاسِ؟ قُلْتُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النُّصُوصِ بِالطُّرُقِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَالْعُمُومَاتِ، وَلَوْ فَرَضْنَا اقْتِصَارَ النُّصُوصِ عَلَى الْبَالِغِينَ أَمْكَنَ أَخْذُهَا فِي الصَّبِيِّ بِالْقِيَاسِ بِمَعْنَى الْمُوَاسَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَى شَخْصٍ شَيْءٌ لِمَعْنًى وَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى عُدِّيَ إلَيْهِ. فَإِنْ قُلْتَ: أَصْحَابُكُمْ نَصَبُوا الْخِلَافَ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالذِّمَّةِ أَوْ بِالْعَيْنِ وَجَعَلُوا الْأَوَّلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَالثَّانِيَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَكَرُوا مِنْ اسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] وَنَحْوَهُ وَأَجَابَ أَصْحَابُكُمْ بِأَنَّهُ لِبَيَانِ الْمَحَلِّ وَالْمِقْدَارِ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ دَلِيلًا لَكُمْ؟
قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْطَعُهَا عَنْ الذِّمَّةِ خِلَافًا لَنَا وَإِنَّهَا لَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالذِّمَّةِ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا تَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا تَخْتَارُهُ فِي تَعْلِيقِ الزَّكَاةِ؟ قُلْتُ: قَدْ ذَكَرُوا مَعَانِيَ:
(أَحَدُهَا) : الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ التَّكَالِيفِ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِبَادَهُ وَفِي كُلِّ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالْمُرَادُ بِالِابْتِلَاءِ إمَّا الِاخْتِبَارُ لِيَظْهَرَ مُحْسِنُهُمْ مِنْ مُسِيئِهِمْ وَطَائِعُهُمْ مِنْ عَاصِيهِمْ وَإِمَّا الْبَلْوَى بِإِتْعَابِ الْبَدَنِ وَتَنْقِيصِ الْمَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَ (الثَّانِي) : صَلَاحُ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ فَإِنَّ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ يَصْلُحَانِ بِالطَّاعَةِ وَيَفْسُدَانِ بِالْمَعْصِيَةِ وَهَذَا أَيْضًا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ
стр. 197
وَالْمَنْهِيَّاتِ.
(الثَّالِثُ) : شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَيْضًا عَامٌّ فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَى الْعِبَادِ بِالْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُ تِلْكَ النِّعَمِ فَكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَبَعْضُ بَعْضِ شُكْرِ تِلْكَ النِّعَمِ شُكْرُ نِعْمَةِ الْبَدَنِ وَشُكْرُ نِعْمَةِ الْمَالِ لَكِنْ قَدْ نَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ شُكْرٌ بَدَنِيٌّ وَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ شُكْرٌ مَالِيٌّ وَقَدْ نَتَرَدَّدُ فِيهِ وَمِنْهُ الزَّكَاةُ.
(الرَّابِعُ) : وَبِهِ بَيَانٌ ذَلِكَ مُوَاسَاةٌ لِلْفُقَرَاءِ وَسَدُّ خَلَّتِهِمْ وَلَا نُنْكِرُ أَنَّهَا تَحْصُلُ بِالزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَتْ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ لِشَرْعِهِ فَرْضَ الزَّكَاةِ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ تَرَجَّحَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا فَيُرَجَّحُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا تَقُولُونَ إذَا قُلْتُمْ: إنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ؟
قُلْتُ: وَلَوْ قُلْنَا بِذَلِكَ وَلَكِنَّ طَرِيقَهَا أَدَاءُ الْمَالِ فَيَقُومُ الْوَلِيُّ مَقَامَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا قَدَّمْنَا لِلْإِشَارَةِ مِنْ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَحْضَةَ الْحَقُّ الْمُؤَدَّى بِالْفِعْلِ لَا نَفْسُ الْفِعْلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ فَالْمُؤَدَّى الْمَأْمُورُ بِهِ وَهُوَ الْمَفْعُولُ وَفِعْلُ الْعَبْدِ حَرَكَتُهُ وَسُكُونُهُ شَيْءٌ آخَرُ وَإِذَا كَانَ طَرِيقُهَا أَدَاءَ الْمَالِ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَلِيِّ لِلْأَكْثَرِ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا احْتَاجَ إلَى شِرَاءِ مَاءٍ لِطَهَارَتِهِ أَوْ صَوْمِهِ أَوْ غُسْلِهِ إذَا أَوْلَجَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَهُوَ مُمَيِّزٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْغُسْلِ وَتَصِحُّ نِيَّتُهُ وَيَشْتَرِي لَهُ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْوَاجِبَيْنِ أَوْ شِرَاءِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ أَوْ إلَى أُجْرَةِ مَنْ يُعَلِّمُهُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَشُرُوطَهَا وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ.
وَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَقَدْ وَجَبَ التَّوَصُّلُ إلَيْهَا بِمَالِهِ وَإِذَا طَلَبَتْ الصَّبِيَّةُ الدُّخُولَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَقَدْ تَحْتَاجُ لِأَجْلِ ذَلِكَ إلَى إخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا بِسَبَبِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ ذَلِكَ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِبَادَاتِ بِالصَّبِيِّ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَكَيْفَ لَا وَلَوْ زُوِّجَتْ فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَالثَّانِي إخْرَاجُ الْمَالِ فِي طَرِيقِ الْعِبَادَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ الزَّكَاةُ عِبَادَةً لَمَا وَجَبَتْ النِّيَّةُ فِيهَا.
قُلْتُ: النِّيَّةُ تَجِبُ فِي أَدَاءِ الدُّيُونِ لِلتَّمْيِيزِ وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ بِالْعِبَادَةِ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الزَّكَاةِ تَكْفِي بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِهِ صُحِّحَ خِلَافُهُ وَذَكَرُوا فِي مُسْتَنَدِ النَّصِّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ الزَّكَاةِ لَيْسَتْ عِبَادَةً مَحْضَةً وَإِنَّمَا مُلْحَقَةٌ بِالنَّفَقَاتِ وَالْغَرَامَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ عِنْدِي شَيْءٌ آخَرُ؟
قُلْتُ: نَعَمْ وَهُوَ أَمْرُهُ ﷺ لِلصَّبِيِّ بِالصَّلَاةِ وَذَلِكَ لِيَتَمَرَّنَ عَلَيْهَا وَيُدْمِنَ عَلَيْهَا فَلَا تَشُقُّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الزَّكَاةِ لِتَتَوَطَّنَ نَفْسُهُ عَلَى إخْرَاجِ بَعْضِ مَالِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَهَذَا قِيَاسٌ عَلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ فَهَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لِلْحَجْرِ عَلَيْهَا فِي الْمَالِ فَيَقُومُ الْوَلِيُّ مَقَامَهُ.
стр. 198
فَإِنْ قُلْتَ: مَا حُكْمُ الْمَجْنُونِ؟ قُلْتُ: حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ لَكِنْ لَوْ وَجَبَتْ عَلَى عَاقِلٍ ثُمَّ جُنَّ أَخْرَجَهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِ، وَوَافَقُونَا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْجُنُونِ الطَّارِئِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ مُفِيقًا فِي أَكْثَرِ الْحَوْلِ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ مُفِيقًا فِي جُزْءٍ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجُنُونَ الْأَصْلِيَّ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ، وَالْجُنُونُ الْأَصْلِيُّ أَنْ يَبْلُغَ مَجْنُونًا.
فَإِنْ قُلْتَ: مَا تَقُولُ فِي اقْتِرَانِ الزَّكَاةِ بِالصَّلَاةِ؟ قُلْتُ: دَلَالَةُ الِاقْتِرَانِ ضَعِيفَةٌ وَمَنْ قَالَ بِهَا فَذَاكَ فِي كَوْنِهِمَا وَاجِبَتَيْنِ مَثَلًا وَذَلِكَ حَاصِلٌ هُنَا وَالْأَمْرَيْنِ لِلصَّلَاةِ؛ وَالْفُرُوقُ فُرُوقٌ كَثِيرَةٌ الصَّلَاةُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسُ مَرَّاتٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْمَالُ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا السُّتْرَةُ وَالطَّهَارَةُ، وَلَيْسَ فِي الزَّكَاةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ آخَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ التَّرِكَةُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الدَّيْنِ وَلَوْ كَانَ فِيهَا زَكَاةٌ وَجَبَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ قُدِّمَتْ فَإِذَا كَانَ نِصَابٌ انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَقُلْنَا: يَبْنِي الْوَارِثُ عَلَى حَوْلِ الْمُورِثِ طَهَّرَ تَرِكَتَهُ بِحَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ يَتِيمًا.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَبْنِي أَوْ كَانَ بَعْدَ اسْتِئْنَافِ حَوْلٍ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِلنِّصَابِ سَبَبٌ لِحَقِّ الزَّكَاةِ مُتَقَدِّمٌ مِلْكَ الْوَارِثِ الْيَتِيمِ فَإِذَا وُجِدَ الْحَوْلُ وَهُوَ شَرْطٌ أَخْرَجْنَا الزَّكَاةَ مِنْهُ لِتَقَدُّمِ سَبَبِهَا كَمَا نُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ التَّرِكَةِ لِتَقَدُّمِ وُجُوبِهَا. فَإِنْ قُلْت: هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ آخَرُ؟ قُلْت: نَعَمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَآيَةُ الْفَيْءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْعَمَ عَلَيْنَا نِعْمَةً مَالِيَّةً يَجِبُ لَهُ بَعْضُهَا، وَالنِّصَابُ نِعْمَةٌ مَالِيَّةٌ فَيَجِبُ بَعْضُهُ بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَهَذَا لَيْسَ قِيَاسًا مُحَقَّقًا لَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ شُكْرُ الْمَالِ وَتَعْلِيلُ وُجُوبِهَا عَلَى الْبَالِغِ لِذَلِكَ، وَهَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ فِي الصَّبِيِّ فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ الْإِخْرَاجُ لِيَكُونَ شُكْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الصَّبِيِّ وَيَزِيدَهُ بِسَبَبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فَإِنْ قُلْت: فِيهَا تَضْيِيعُ مَالِ الصَّبِيِّ. قُلْت: الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذَا مُرَاعَاةُ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَإِخْرَاجُهَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَأُخْرَوِيَّةٌ أَمَّا الْأُخْرَوِيَّةُ فَظَاهِرٌ بِالثَّوَابِ وَأَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ إلَى الدِّينِ بِصَلَاحِ قَلْبِهِ وَبَدَنِهِ وَتَوَطُّنِ نَفْسِهِ عَلَى ذَلِكَ وَاطْمِئْنَانِهَا إلَيْهِ وَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ إلَى الدُّنْيَا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِبَرَكَةِ إخْرَاجِهَا يَحْفَظُ اللَّهُ مَا بَقِيَ.
وَفِي الْحَدِيثِ «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو مَسْلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا. وَاخْتَلَفَ الثَّوْرِيُّ وَجَرِيرٌ فِيهِ فَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَأَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَحْفَظُ، وَهَذَا
стр. 199
الِاخْتِلَافُ لَا يَضُرُّنَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
فَإِنْ قُلْت: هَذَا كُلُّهُ فِي الْوُجُوبِ فَمَا دَلِيلُكُمْ فِي أَنَّ لِلْوَلِيِّ وِلَايَةَ الْأَدَاءِ وَقَدْ تَنَازَعَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْتُمْ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
قُلْت: دَلِيلُنَا فِعْلُ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَبِأَنَّهَا حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَهِيَ فِي يَدِ الْوَلِيِّ فَيَجِبُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ حَقِّهِمْ وَإِيصَالُهُ إلَيْهِمْ.
فَإِنْ قُلْتَ: فِعْلُ الصَّحَابَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَدَاءِ الْوَلِيِّ لَا عَلَى وُجُوبِهِ. قُلْتُ: يُؤْخَذُ الْوُجُوبُ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَحَقِّ الْفُقَرَاءِ وَتَقْدِيرِ كَوْنِ الْأَمْرِ بِالزَّكَاةِ لِلْفَوْرِ لِتَحَقُّقِ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَعَدَمِ انْحِصَارِهِمْ وَذَلِكَ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مُطَالَبَةِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِدَيْنِهِ فَيَصِيرُ تَأْخِيرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَطْلًا وَظُلْمًا، وَفِي وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ الْحَالِّ قَبْلَ الطَّلَبِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ إلَّا إنْ كَانَ وَجَبَ بَعْضُهُ أَوْ كَانَ صَاحِبُهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَيَعْلَمُهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ لِلْوَلِيِّ وِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ يَحْتَاجُ إلَى الْقَاضِي؟ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ بَلْ لَهُ الِانْفِرَادُ بِذَلِكَ وَيَدُلُّ لَهُ فِعْلُ عَائِشَةَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ بِلَا شَكٍّ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَتَسْلِيمُهَا إلَى الْمُسْتَحِقِّ وَهُمْ الْأَصْنَافُ عَلَى الْعُمُومِ فَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ أَوْ الْقَاضِي وَقَسَمَهَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ فَلَا شَكَّ فِي بَرَاءَتِهِ وَإِنْ أَوْصَلَهَا هُوَ إلَى مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمْ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَكْفِي كَمَا فِي الْمُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ وِلَايَةُ الدَّفْعِ وَالْفَقِيرُ لَهُ الْأَخْذُ وَهَذَا أَكَادُ أَقْطَعُ بِهِ.
وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَامٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ وَلِيِّ أَمْرٍ عَامٍّ يَقْضِيهِ عَنْهُ لِيَتَعَيَّنَ لَهُ ثُمَّ يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ يَرَاهُ مِنْ الْأَفْرَادِ، وَذَلِكَ خَيَالٌ لَا أَرَى لَهُ وَجْهًا وَلَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَزِمَ فِي الْمُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى لَهُ أَنْ يُفَرِّقَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْإِمَامِ؟ قُلْتُ: إذَا انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ كَانَ عَلَى خَطَرٍ فَرَّقَ أَوْ لَمْ يُفَرِّقْ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُخْرِجْهَا أَثِمَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَضَمِنَهَا لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا أَثِمَ وَضَمِنَهَا الصَّبِيُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَمِنْ الْفُقَهَاءِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِبَرَاءَتِهِ حَتَّى لَا يُطَالِبَهُ الصَّبِيُّ بِهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ وَإِنْ أَخْرَجَهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْ الْحَاكِمِ فَتَنْتَفِي عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ أَخْرَجُوهَا، قُلْت: عُمَرُ كَانَ إمَامًا وَكَذَا عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ لَعَلَّهَا كَانَ مَأْذُونًا لَهَا وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يُمَكِّنَ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ مِنْ الدَّفْعِ إلَى الْفَقِيرِ وَالنِّيَّةِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّبِيِّ فِي الصَّبِيِّ لَا تُعْتَبَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا وَلَيْسَ كَنِيَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَيْسَ هُوَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ وَالنِّيَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ هِيَ الْمُقَارَنَةُ لِتَصَرُّفٍ
стр. 200
صَحِيحٍ فَكَانَتْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ مُلْغَاةً، وَأَمَّا مُجَرَّدُ كَوْنِهِ يُنَاوِلُ الْفَقِيرَ وَالنِّيَّةُ مِنْ الْوَلِيِّ مَحْصُورَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ وَيَحْصُلُ بِهِ جَبْرُ الصَّبِيِّ فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مُنَاوَلَةَ الْفَقِيرِ تَقِي فِتْنَةَ السُّوءِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا فَالصَّبِيُّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ.
وَلَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ أَمَرَ الصَّبِيَّ بِالدَّفْعِ وَلَمْ يَبْرَأْ الْوَلِيُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ نَوَى بِلَفْظِهِ وَلَمْ يَنْوِ بِقَلْبِهِ فَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي أَنَّهُ يَكْفِي أَوْ لَا. فَإِنْ قُلْتَ: النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمَا رُتْبَتُهَا عِنْدَك فَإِنَّ الْمَسَائِلَ مِنْهَا يُقَوَّى وَمِنْهَا يُضَعَّفُ.
قُلْتُ: كُنْت قَبْلَ نَظَرِي الْآنَ لِعَدَمِ نَصٍّ وَارِدٍ فِيهَا بِخُصُوصِهَا أَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا مُتَمَاسِكٌ وَالْآنَ أَرَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ قَوِيٌّ جِدًّا إلَى غَايَةِ مَا يَكُونُ. فَإِنْ قُلْتُ: مَا دَعَاك فِي ثَبَتِ الْكَلَامِ فِيهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. قُلْتُ: لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ دَلِيلًا وَاحِدًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهَا لَا مِنْ جَانِبِنَا وَلَا مِنْ جَانِبِهِمْ لِمَا بَانَ لَك مِنْ الْكَلَامِ، وَالتَّمَسُّكُ مِنْ جِهَتِهِمْ ضَعْفٌ بِمَرَّةٍ وَالتَّمَسُّكُ مِنْ جِهَتِنَا قَوِيٌّ بِمَجْمُوعِ أُمُورِ عُمُومِ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَعْلِيقِهَا بِالْمَالِ لَا بِالْمِلْكِ وَاسْتِمْرَارِ عَمَلِ السُّعَاةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَنَاوُلِهِمْ تَخْصِيصًا وَفَهْمِ الْمَعْنَى فِي سَدِّ خَلَّةِ الْمَسَاكِينِ وَظُهُورِ الطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ وَالْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ وَالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْقِيَاسِ.
وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ يُحَصِّلُ الْقَطْعَ بِالْوُجُوبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهَا. فَإِنْ قُلْتَ: كُلُّ وَاحِدٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحِلٍّ فَمَا مَحِلُّ وُجُوبِ الزَّكَاةِ؟ قُلْتُ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَحِلُّهُ الْمَالُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَحِلُّهُ بَدَنُ الْمَالِكِ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ عِنْدَهُ بِالْأَدِلَّةِ فَقَطْ وَالْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ مَحِلُّهَا الْبَدَنُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَلِهَذَا إذَا مَاتَ سَقَطَتْ لِفَوَاتِ مَحِلِّهَا.
فَإِنْ قُلْتَ هَلْ: تُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهَا عَلَى الصَّبِيِّ؟ قُلْتُ: جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَطْلَقُوهُ فَاقْتَضَاهُ رَأْيَانِ صَحِيحَانِ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ وَوُجُوبُهَا فِي مَالِهِ، وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ قَالَ لَا يُقَالُ إلَّا إنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي مَالِهِ وَلَا يُقَالُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَغَلَّطَهُ الرُّويَانِيُّ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَعَلَى الْوَلِيِّ بِلَا إشْكَالٍ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يُثَابُ الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ؟
قُلْت الثَّوَابُ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ رُتِّبَ عَلَى سَبَبٍ وَالسَّبَبُ هُنَا نُقْصَانُ مَالِهِ، وَقَدْ «رُفِعَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ صَبِيٌّ فَقِيلَ لَهُ: أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ» ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ لَهُ حَجٌّ إلَّا أَنَّهُ لَهُ أَجْرٌ وَهُوَ عَلَى حُضُورِهِ الْمُسَاعَدَةَ وَإِحْرَامِ وَلِيِّهِ عَنْهُ، وَقَدْ يَحْصُلُ لِبَدَنِهِ مِنْ الصَّحَا وَالْكَلَالِ مَا يَكُونُ الثَّوَابُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَالْكُلُّ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵁ كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ فِي بَعْضِ يَوْمِ السَّبْتِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِظَاهِرِ
стр. 201
دِمَشْقَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
[مُخْتَصَرُ فَصْلِ الْمَقَالِ فِي هَدَايَا الْعُمَّالِ]
(مَسْأَلَةٌ) لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ مُصَنَّفٌ فِي هَدَايَا الْعُمَّالِ سَمَّاهُ فَصْلَ الْمَقَالِ كَبِيرٌ لَخَصَّهُ فِي مُصَنَّفٍ آخَرَ صَغِيرٍ وَهُوَ هَذَا.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ الْكَافِيَةِ وَمِنَنِهِ الْوَافِيَةِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَدَّخِرُهَا جُنَّةً مِنْ النَّارِ وَاقِيَةً وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ إلَى كُلِّ أُمَّةٍ قَاصِيَةٍ وَدَانِيَةٍ ﷺ صَلَاةً عَلَى مَمَرِّ الْأَيَّامِ بَاقِيَةً، وَبَعْدُ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِي فَصْلُ الْمَقَالِ فِي هَدَايَا الْعُمَّالِ مُرَتَّبٌ عَلَى فَصْلَيْنِ:
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْأَحَادِيثِ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ. وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ قَالَ: فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَلْيَنْظُرْ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْتَى بِشَيْءٍ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَثْغُو ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ رَأَيْنَا عُفْرَةَ إبْطَيْهِ أَلَا هَلْ بَلَّغْت» . رَوَاهُ ح م. وَعَنْ بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» . إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد.
وَعَنْ أَبِي حَمِيدَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا عَدَلَ وَالٍ تَجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ» . رَوَاهُ النَّقَّاشُ. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ فَرَأَى عُمَرُ عِنْدَهُ غِلْمَانًا قَالَ مَا: هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: أَصَبْتُهُمْ فِي وَجْهِي هَذَا قَالَ عُمَرُ: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ؟ قَالَ: أَهْدَوْا إلَيَّ وَأُكْرِمْت
стр. 202
بِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ: أَذَكَرْتَهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ مُعَاذٌ: مَا ذِكْرِي لِأَبِي بَكْرٍ وَنَامَ مُعَاذٌ فَرَأَى كَأَنَّهُ عَلَى شَفِيرِ النَّارِ وَعُمَرُ آخِذٌ بِحُجْزَتِهِ مِنْ وَرَائِهِ أَنْ يَقَعَ فِي النَّارِ فَفَزِعَ مُعَاذٌ فَذَكَرَهُ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ فَسَوَّغَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا حِينَ حَلَّ وَطَابَ.
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ) قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَتْ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةً وَالْيَوْمَ رِشْوَةً. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: إذَا قَبِلَ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ أَكَلَ السُّحْتَ، وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ.
وَقَالَ كَعْبٌ: الرِّشْوَةُ تُسَفِّهُ الْحَلِيمَ وَتُعْمِي عَيْنَ الْحَكِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيَأْكُلُهَا وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ إذَا كَانَ مِنْهُ قَبُولُهَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِبْدَادِ بِهَا دُونَ رَعِيَّتِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُهْدِيَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَمِيرُ رَعِيَّتِهِ، وَلَيْسَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفْرِ يَكُونُ لَهُ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ حُكْمِهِ لَا يَكُونُ لَهُ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ النَّاسِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهَا فَيْءٌ.
وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : «هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» انْتَهَى الْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، يَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهَا كَمَا سَنَحْكِيهِ. وَمُلَخَّصُ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يُعْطِي الْحُكَّامُ الْأَئِمَّةَ وَالْأُمَرَاءَ وَالْقُضَاةَ وَالْوُلَاةَ وَسَائِرَ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إمَّا رِشْوَةً وَإِمَّا هَدِيَّةً أَمَّا الرِّشْوَةُ فَحَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْ يَأْخُذُهَا وَعَلَى مَنْ يُعْطِيهَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَخْذُ لِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلًا وَكَذَا الْمُعْطِي سَوَاءٌ أَكَانَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ وَكِيلًا، وَيَجِبُ رَدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَلَا تُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ إلَّا إذَا جَهِلَ مَالِكُهَا فَتَكُونُ كَالْمَالِ الضَّائِعِ، وَفِي احْتِمَالٍ لِبَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا تُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ وَالْمُرَادُ بِالرِّشْوَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَا يُعْطَى لِدَفْعِ حَقٍّ أَوْ لِتَحْصِيلِ بَاطِلٍ وَإِنْ أُعْطِيت لِلتَّوَصُّلِ إلَى الْحُكْمِ بِحَقٍّ فَالتَّحْرِيمُ عَلَى مَنْ يَأْخُذُهَا كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْطِهَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ إلَّا بِذَلِكَ جَازَ وَإِنْ قَدَرَ إلَى الْوُصُولِ إلَيْهِ بِدُونِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَهَكَذَا حُكْمُ مَا يُعْطَى عَلَى الْوِلَايَاتِ وَالْمَنَاصِبِ يَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ مُطْلَقًا وَيَفْصِلُ فِي الدَّافِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ وَقَدْ شَذَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَقَالَ: يَجُوزُ الْأَخْذُ عَلَى الْحُكْمِ بِشُرُوطٍ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَكُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْزُقَهُ وَأَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ لَهُ فِي الْأَخْذِ وَأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ
стр. 203
يَقْطَعُهُ عَنْ كَسْبِهِ وَأَنْ يَعْلَمَ بِهِ الْخَصْمَانِ قَبْلَ التَّحَاكُمِ وَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمَا مَعًا وَأَنْ لَا يُوجَدَ مُتَطَوِّعٌ وَيَعْجَزُ الْإِمَامُ عَنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ وَيَكُونُ مَا يَأْخُذُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالْخُصُومِ وَلَا زَائِدٍ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ وَيَكُونُ مَشْهُورًا بَيْنَ النَّاسِ يَتَسَاوَى فِيهِ الْخُصُومُ مِنْ غَيْرِ تَفَاضُلٍ فَإِنْ فُقِدَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ لَمْ يَجُزْ، ثُمَّ الْجَوَازُ إذَا اجْتَمَعَتْ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي فَرَضَهُ إنَّمَا قَالَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْمَخْمَصَةِ وَفِيهِ مَعَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ وَهِيَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا التَّوَدُّدُ وَاسْتِمَالَةُ الْقُلُوبِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تُقَدَّمْ لَهُ عَادَةً قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَحَرَامٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَهُ عَادَةً قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَإِنْ زَادَ فَكَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ يَزِدْ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ جَازَ بِقَدْرِ مَا كَانَتْ عَادَتُهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْبَلَ؛ وَالتَّشْدِيدُ عَلَى الْقَاضِي فِي قَبُولِ الْهَدِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ التَّشْدِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الشَّرْعِ فَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يَسِيرَ بِسِيرَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ الْمَالِكِيُّ: لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي هَدِيَّةً مِنْ أَحَدٍ لَا مِنْ قَرِيبٍ وَلَا مِنْ صَدِيقٍ وَإِنْ كَافَأَهُ بِأَضْعَافِهَا إلَّا مِنْ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَخَاصَّةِ الْقَرَابَةِ الَّتِي تَجْمَعُ مِنْ حُرْمَةِ الْحَاجَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ حُرْمَةِ الْهَدِيَّةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: مِثْلُ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ وَبِنْتِ الْأَخِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ الْهَدِيَّةِ إلَى السُّلْطَانِ الْأَكْبَرِ وَإِلَى الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَجُبَاةِ الْأَمْوَالِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ» وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا قَالَ: وَقَدْ رَدَّ عَلِيٌّ خَرُوفًا أُهْدِيَ إلَيْهِ وَقَالَ رَبِيعَةُ: الْهَدِيَّةُ ذَرِيعَةُ الرِّشْوَةِ وَعُلْمَةُ الظَّلَمَةِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَالنَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ كَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُهْدَى إلَيْهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا أُهْدِيَ إلَى الْوَالِي لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إلَّا السُّلْطَانُ، وَفِي كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ مَلِكَ الْعَدُوِّ إذَا بَعَثَ إلَى أَمِيرِ الْجُنْدِ هَدِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَهَا وَيَصِيرَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ مَا أُهْدِيَ إلَيْهِ لِعَيْنِهِ بَلْ لِمَنَعَتِهِ وَمَنَعَتُهُ بِالْمُسْلِمِينَ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الْمُصَابِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْهَدِيَّةِ فَإِنَّ قُوَّتَهُ وَمَنَعَتَهُ لَمْ تَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَلِهَذَا كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لَهُ خَاصَّةً وَسُنَّةً أَيْضًا بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ إلَى الْحُكَّامِ فَإِنَّ ذَلِكَ رِشْوَةٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلَ الْمُهْدِي عَلَى التَّقَرُّبِ إلَيْهِ وِلَايَتُهُ الثَّابِتَةُ بِتَقْلِيدِ الْإِمَامِ إيَّاهُ وَالْإِمَامُ فِي ذَلِكَ نَائِبٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» يَعْنِي إذَا حَبَسُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ: لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي هَدِيَّةَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ.
وَقَالَ
стр. 204
أَحْمَدُ: إذَا أَهْدَى الْبِطْرِيقُ إلَى صَاحِبِ الْجَيْشِ عَيْنًا أَوْ فِضَّةً لَمْ تَكُنْ لَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُ فِيهِ سَوَاءً.
فَهَذِهِ نُقُولُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: كَلَامُ الشَّافِعِيَّةِ ﵏ لَخَّصْنَاهُ أَوَّلًا وَكَلَامُ الثَّلَاثَةِ ذَكَرْنَاهُ بَعْدَهُ. وَمِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى دَفْعِ بَاطِلٍ أَوْ إيصَالٍ إلَى حَقٍّ فَهُوَ رِشْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ سَبَبٍ يُعْرَفُ أَكْثَرَ مِنْ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَثَابَهُ بِمِثْلِهِ كَانَ لَهُ قَبُولُهُ وَإِنْ لَمْ يُثِبْهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ عِنْدِي إلَّا وَضْعُهُ فِي الصَّدَقَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْعِمَالَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي عَامِلِ الصَّدَقَةِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ ﵁ قَوْلٌ ثَانٍ قَبُولُهَا غَيْرُ مُحَرَّمٍ فَهِمَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَوْلٌ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهَا وَالِاخْتِصَاصُ بِهَا؛ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ الْإِجْمَاعِ فَلَعَلَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ ﵀ جَوَازُ الْقَبُولِ إذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهَا بَلْ وَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لَا يَمْلِكُهَا الْحَاكِمُ بِاتِّفَاقِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ كُلِّهِمْ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ أَخْذِهَا فَحَيْثُ أَوْجَبَتْ رِيبَةً حُرِّمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا؛ وَالتَّحْرِيمُ فِي الْقَاضِي آكَدُ مِنْ بَقِيَّةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ لِأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ الصِّيَانَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الشَّرْعِ.
فَلْيَنْظُرْ الْقَاضِي الْمِسْكِينُ الْمُشْفِقُ عَلَى دِينِهِ إلَى سِيرَتِهِ وَإِلَى سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ فِي أَحْكَامِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَإِنْ وَجَدَ سِيرَتَهُ قَرِيبَةً مِنْ ذَلِكَ فَأَحْرَى أَنْ يَنْجُوَ أَوْ لِيَسْأَلَ اللَّهَ فِي تَقْصِيرِهِ وَإِنْ وَجَدَ سِيرَتَهُ مُخَالِفَةً لِسِيرَتِهِمْ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ يَعْدِلُ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ وَلْيَقْنَعْ بِأَنْ يَكُونَ فِي عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَلَا نَتَعَرَّضُ إلَى هَذَا الْخَطَرِ الْعَظِيمِ وَنَتَحَمَّلُ أَعْبَاءَ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ، وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ مِنْ السَّلَفِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ خَطَرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِيهِ بِحَقٍّ وَعَدْلٍ فِيهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِينَ بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَكُلُّ قَضِيَّةٍ يَحْكُمُ فِيهَا بِالْحَقِّ فَيَدْفَعُ ظَالِمًا وَيَصِلُ حَقًّا هِيَ جِهَادٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ وَأَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَلَكِنْ هَيْهَاتَ الْعَدْلُ مِنْ صَاحِبِهَا إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَالْأَوْلَى لِلْمُحْتَاطِ لِدِينِهِ الِانْكِفَافُ عَنْهَا وَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ جِهَةَ مَكْسَبٍ بَلْ جِهَةُ عِبَادَةٍ وَفِيهَا خَطَرٌ إنْ زَلَّ هَوَى فِي جَهَنَّمَ فَالسَّلَامَةُ فِي تَرْكِهَا وَنَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ.
وَأَحْسَنُ أَحْوَالِ الْفَقِيهِ عِنْدِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَا مَنْصِبًا وَيَجْعَلُ كَسْبَهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جِهَاتِ الْحِلِّ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَرْزُقَهُ الْإِمَامُ أَوْ يَفْعَلَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ أُجْرَةً مِثْلَ أَنْ يَكْتُبَ مَكْتُوبًا فَيَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِيهِ إذَا لَمْ تَكُنْ كِتَابَةُ ذَلِكَ وَاجِبَةً
стр. 205
عَلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى حُكْمٍ بِحَقٍّ وَلَا بِبَاطِلٍ وَلَا عَلَى تَوْلِيَةِ نِيَابَةِ قَضَاءٍ أَوْ مُبَاشَرَةِ وَقْفٍ أَوْ مَالِ يَتِيمٍ لَا يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَصَّبَهُ لِذَلِكَ نَائِبًا عَنْهُ وَحُكْمُ اللَّهِ وَعَدْلُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْذُولًا لِكُلِّ أَحَدٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاجِبُ الْقَاضِي وَنَائِبُهُ وَكُلُّ مَنْ نَدَبَهُ لِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَنُوَّابُهُ فِي إيصَالِ عَدْلِهِ إلَى النَّاسِ وَتَأْدِيَةِ الْأَمَانَةِ إلَى أَهْلِهَا، وَمَنْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ فَذَلِكَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ مُتَأَوَّلٌ وَمَحَلُّهُ فِي صُورَةٍ نَادِرَةٍ وَهِيَ حَالَةُ الضَّرُورَةِ وَالْمَخْمَصَةِ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ، وَمَنْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ فَقَدْ غَيَّرَ فَرِيضَةَ اللَّهِ وَبَاعَ عَدْلَ اللَّهِ الَّذِي بَذَلَهُ لِعِبَادِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَأَخَذَ عَلَيْهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَلِهَذَا نَجِدُ بَعْضَ الْفَجَرَةِ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَيَكْتُمُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ خُفْيَةً وَهَذَا عَلَامَةُ الْحَرَامِ.
فَإِنَّ الْحَلَالَ يَأْخُذُهُ صَاحِبُهُ جِهَارًا لَا يَسْتَحْيِي مِنْ أَخْذِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَعْصِمَنَا مِنْ الزَّيْغِ وَيَسْلُكَ بِنَا طَرِيقَ الْهُدَى بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ انْتَهَى.
[كِتَابُ الصِّيَامِ]
ِ (مَسْأَلَةٌ) فِيمَنْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ مُنْفَرِدًا بِشَهَادَتِهِ وَاقْتَضَى الْحِسَابُ تَكْذِيبَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وَالْمَوَاقِيتُ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى الْهِلَالِ مِيقَاتُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْفِطْرِ مِنْهُ وَصِيَامِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ وَعَاشُورَاءَ وَكَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ وَصِيَامِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وَمَعْرِفَةِ سِنِّ شَاةِ الزَّكَاةِ وَأَسْنَانِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِيهَا وَالِاعْتِكَافِ فِي النَّذْرِ وَالْحَجِّ وَالْوُقُوفِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ وَالْهَدْيِ وَالْآجَالِ وَالسَّلَمِ وَالْبُلُوغِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ وَاللُّقَطَةِ وَأَجَلِ الْعُنَّةِ وَالْإِيلَاءِ وَكَفَّارَةِ الْوِقَاعِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ بِالصَّوْمِ وَالْعِدَّةِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَفِي الْآيِسَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَالرَّضَاعِ وَلُحُوقِ النَّسَبِ وَكِسْوَةِ الزَّوْجَةِ وَالدِّيَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ الْمُهِمِّ صَرْفُ بَعْضِ الْعِنَايَةِ إلَى ذَلِكَ وَمَعْرِفَةُ دُخُولِ الشَّهْرِ شَرْعًا.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا وَهَكَذَا عَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ ثَلَاثِينَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ وَقَدْ تَأَمَّلْت هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْت مَعْنَاهُ إلْغَاءَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْهَيْئَةِ وَالْحِسَابِ مِنْ أَنَّ الشَّهْرَ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ مُفَارَقَةِ الْهِلَالِ شُعَاعَ الشَّمْسِ فَهُوَ أَوَّلُ الشَّهْرِ عِنْدَهُمْ وَيَبْقَى
стр. 206
الشَّهْرُ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَهَا وَيُفَارِقَهَا فَالشَّهْرُ عِنْدَهُمْ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَهَذَا بَاطِلٌ فِي الشَّرْعِ قَطْعًا لَا اعْتِبَارَ بِهِ فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّا أَيْ الْعَرَبُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْكِتَابَةُ وَلَا الْحِسَابُ.
فَالشَّرْعُ فِي الشَّهْرِ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ وَيُدْرَكُ ذَلِكَ إمَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَإِمَّا بِكَمَالِ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ، وَاعْتِبَارُهُ إكْمَالُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُونَ بِهِ الْهِلَالَ وَأَنَّ وُجُودَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لَكَانَ إذَا فَارَقَ الشُّعَاعَ مَثَلًا قَبْلَ الْفَجْرِ يَجِبُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْ الصَّوْمَ إلَّا فِي الْيَوْمِ الْقَابِلِ، وَهَذَا مَحَلٌّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَثَمَّ مَحَلٌّ آخَرُ اخْتَلَفُوا فِيهِ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْحَدِيثِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْهُ وَهُوَ مَا إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى أَنَّهُ فَارَقَ الشُّعَاعَ وَمَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُرَى فِيهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ الصَّوْمِ بِذَلِكَ وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْحَاسِبِ وَعَلَى غَيْرِهِ أَعْنِي فِي الْجَوَازِ عَلَى غَيْرِهِ فَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَبِعَدَمِ الْجَوَازِ فَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِالْحَدِيثِ وَيَعْتَضِدُ بِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»
وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ اعْتَقَدَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ الْهِلَالِ وَإِمْكَانُ رُؤْيَتِهِ كَمَا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَيْهَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ كِبَارٌ وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ الْأَوَّلُ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ ذَلِكَ رَدًّا لِلْحِسَابِ فَإِنَّ الْحِسَابَ إنَّمَا يَقْتَضِي الْإِمْكَانَ وَمُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ لَا يَجِبُ أَنْ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ لِلشَّارِعِ وَقَدْ رَتَّبَهُ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْهُ إلَّا إذَا كَمُلَتْ الْعِدَّةُ، الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْغَلَطَ قَدْ يَحْصُلُ هُنَا كَثِيرًا بِخِلَافِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ يَحْصُلُ الْقَطْعُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ غَالِبًا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ وَلَمْ يُرَ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ السَّبَبَ إمْكَانُ الرُّؤْيَةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ السَّبَبَ نَفْسُ الرُّؤْيَةِ أَوْ إكْمَالُ الْعِدَّةِ وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحِسَابُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ وَقَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ بِحَيْثُ تَنْتَهِي مُقَدِّمَاتُهُ إلَى الْقَطْعِ وَقَدْ لَا تَنْتَهِي
стр. 207
إلَى ذَلِكَ بِحَسْبِ مَرَاتِبِ بُعْدِهِ عَنْ الشَّمْسِ وَقُرْبِهِ. وَهَهُنَا صُورَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ الْحِسَابُ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ رُؤْيَتِهِ وَيُدْرَكُ ذَلِكَ بِمُقَدَّمَاتٍ قَطْعِيَّةٍ وَيَكُونُ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ مِنْ الشَّمْسِ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُمْكِنُ فَرْضُ رُؤْيَتِنَا لَهُ حِسًّا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فَلَوْ أَخْبَرَنَا بِهِ مُخْبِرٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَحْتَمِلُ خَبَرُهُ الْكَذِبَ أَوْ الْغَلَطَ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ قَبُولُ هَذَا الْخَبَرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْكَذِبِ أَوْ الْغَلَطِ وَلَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّ الْحِسَابَ قَطْعِيٌّ وَالشَّهَادَةَ وَالْخَبَرَ ظَنِّيَّانِ وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةُ شَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ مَا شَهِدْت بِهِ مُمْكِنًا حِسًّا وَعَقْلًا وَشَرْعًا فَإِذَا فُرِضَ دَلَالَةُ الْحِسَابِ قَطْعًا عَلَى عَدَمِ الْإِمْكَانِ اسْتَحَالَ الْقَبُولُ شَرْعًا لِاسْتِحَالَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَالشَّرْعُ لَا يَأْتِي بِالْمُسْتَحِيلَاتِ، وَلَمْ يَأْتِ لَنَا نَصٌّ مِنْ الشَّرْعِ أَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا وَلَا يَتَرَتَّبُ وُجُوبُ الصَّوْمِ وَأَحْكَامُ الشَّهْرِ عَلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ أَوْ الشَّهَادَةِ حَتَّى إنَّا نَقُولُ: الْعُمْدَةُ قَوْلُ الشَّارِعِ صُومُوا إذَا أَخْبَرَكُمْ مُخْبِرٌ فَإِنَّهُ لَوْ وَرَدَ ذَلِكَ قَبِلْنَاهُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَأْتِ قَطُّ فِي الشَّرْعِ بَلْ وَجَبَ عَلَيْنَا التَّبَيُّنُ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ حَتَّى نَعْلَمَ حَقِيقَتَهُ أَوَّلًا وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَشْهَدُ بِالْهِلَالِ قَدْ لَا يَرَاهُ وَيُشْتَبَهُ عَلَيْهِ أَوْ يَرَى مَا يَظُنُّهُ هِلَالًا وَلَيْسَ بِهِلَالٍ أَوْ تُرِيهِ عَيْنُهُ مَا لَمْ يَرَ أَوْ يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَيَحْصُلُ الْغَلَطُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي رَأَى فِيهَا أَوْ يَكُونُ جَهْلُهُ عَظِيمًا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَعْتَقِدَ فِي حَمْلِهِ النَّاسَ عَلَى الصِّيَامِ أَجْرًا أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقْصِدُ إثْبَاتَ عَدَالَتِهِ فَيَتَّخِذُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى أَنْ يُزَكَّى وَيَصِيرَ مَقْبُولًا عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ قَدْ رَأَيْنَاهَا وَسَمِعْنَاهَا فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إذَا جَرَّبَ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ بِخَبَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّ دَلَالَةَ الْحِسَابِ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ أَنْ لَا يَقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَلَا يُثْبِتَ بِهَا وَلَا يَحْكُمَ بِهَا، وَيُسْتَصْحَبُ الْأَصْلُ فِي بَقَاءِ الشَّهْرِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مُحَقَّقٌ حَتَّى يَتَحَقَّقَ خِلَافُهُ، وَلَا نَقُولُ الشَّرْعُ أَلْغَى قَوْلَ الْحِسَابِ مُطْلَقًا وَالْفُقَهَاءُ قَالُوا: لَا يُعْتَمَدُ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا قَالُوهُ فِي عَكْسِ هَذَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ الَّتِي حَكَيْنَا فِيهَا الْخِلَافَ أَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَلَا وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذِهِ نَقْلًا وَلَا وَجْهَ فِيهَا لِلِاحْتِمَالِ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُهُ.
وَرَأَيْت إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ فِيهَا إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ فِي مَوْضِعٍ وَلَمْ يُرَ فِي غَيْرِهِ وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ وَجْهَانِ هَلْ تُعْتَبَرُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَوْ الْمُطَالِعُ جَزَمَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَذَكَرَ الْمُطَالِعُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِمَالِ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهُ ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَرْصَادِ وَالتُّمُودَرَاتِ، وَفَرَضَ ذَلِكَ فِي دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بِانْخِفَاضٍ وَارْتِفَاعٍ؛ وَهَذَا الْفَرْضُ الَّذِي قَدْ فَرَضَهُ نَادِرٌ فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ
стр. 208
وَحَكَمَ حَاسِبٌ بِعَدَمِ الْإِمْكَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ. وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ فِي قُطْرٍ عَظِيمٍ وَأَقَالِيمَ دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ فِيهَا فَشَهِدَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى رُؤْيَتِهِ مَعَ احْتِمَالِ قَوْلِهِمَا بِجَمِيعِ مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا أَرَى قَبُولَ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ أَصْلًا وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُنَا بِالْقَطْعِ هَهُنَا الَّذِي يَحْصُلُ بِالْبُرْهَانِ الَّذِي مُقَدِّمَاتُهُ كُلُّهَا عَقْلِيَّةٌ فَإِنَّ الْحَالَ هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْصَادٍ وَتَجَارِبَ طَوِيلَةٍ وَتَسْيِيرِ مَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَعْرِفَةِ حُصُولِ الضَّوْءِ الَّذِي فِيهِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ النَّاسُ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي حِدَّةِ الْبَصَرِ فَتَارَةً يَحْصُلُ الْقَطْعُ إمَّا بِإِمْكَانِ الرُّؤْيَةِ وَإِمَّا بِعَدَمِهِ وَتَارَةً لَا يَقْطَعُ بَلْ يَتَرَدَّدُ وَالْقَطْعُ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مُسْتَنَدُهُ الْعَادَةُ كَمَا نَقْطَعُ فِي بَعْضِ الْأَجْرَامِ الْبَعِيدَةِ عَنَّا بِأَنَّا لَا نَرَاهَا وَلَا يُمْكِنَّا رُؤْيَتَهَا فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ خَارِقًا لِلْعَادَةِ وَقَدْ يَقَعُ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ أَوْ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ أَمَّا غَيْرُهُمَا فَلَا، فَلَوْ أَخْبَرَنَا مُخْبِرٌ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا بَعِيدًا عَنْهُ فِي مَسَافَةِ يَوْمٍ مَثَلًا وَسَمِعَهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ وَلَا نُرَتِّبُ عَلَيْهَا حُكْمًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي الْعَقْلِ لَكِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فِي الْعَادَةِ فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ عِنْدَنَا اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَجُوزُ كَذِبُهُمَا أَوْ غَلَطُهُمَا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَقَدْ دَلَّ حِسَابُ تَسْيِيرِ مَنَازِلِ الْقَمَرِ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ رُؤْيَتِهِ فِي ذَلِكَ الَّذِي قَالَا: إنَّهُمَا رَأَيَاهُ فِيهِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ فِي الْمَشْهُورِ بِهِ وَتَجْوِيزُ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَجْوِيزِ انْخِرَامِ الْعَادَةِ فَالْمُسْتَحِيلُ الْعَادِيُّ وَالْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِيُّ لَا يُقْبَلُ الْإِقْرَارُ بِهِ وَلَا الشَّهَادَةُ فَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِيلُ الْعَادِيُّ، وَحَقٌّ عَلَى الْقَاضِي التَّيَقُّظُ لِذَلِكَ وَأَنْ لَا يَتَسَرَّعَ إلَى قَبُولِ الشَّاهِدَيْنِ حَتَّى يَفْحَصَ عَنْ حَالِ مَا شَهِدَا بِهِ مِنْ الْإِمْكَانِ وَعَدَمِهِ وَمَرَاتِبِ الْإِمْكَانِ فِيهِ وَهَلْ بَصَرُهُمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَوْ لَا وَهَلْ هُمَا مِمَّنْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمَا أَوْ لَا فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْإِمْكَانُ وَإِنَّهُمَا مِمَّنْ يُجِيدُ بَصَرُهُمَا رُؤْيَتَهُ وَلَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمَا لِفِطْنَتِهِمَا وَيَقِظَتِهِمَا وَلَا غَرَضَ لَهُمَا وَهُمَا عَدْلَانِ ذَلِكَ بِسَبَبٍ أَوْ لَا فَيُتَوَقَّفُ أَوْ يُرَدُّ؛ وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَشْهَدُ بِهِ شَاهِدَانِ يُثْبِتُهُ الْقَاضِي لَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يُدْرِكُ حَقِيقَةَ الْقَضَاءِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نَظَرٍ لِأَجْلِهِ جُعِلَ الْقَاضِي، فَإِذَا قَالَ الْقَاضِي: ثَبَتَ عِنْدِي عَلِمْنَا أَنَّهُ اسْتَوْفَى هَذِهِ الْأَحْوَالَ كُلَّهَا وَتَكَامَلَتْ شُرُوطُهَا عِنْدَهُ فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي التَّثَبُّتُ وَعَدَمُ التَّسَرُّعِ مَظِنَّةَ الْغَلَطِ، وَلِهَذَا إنَّ الشَّاهِدَ الْمُتَسَرِّعَ إلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَمَنْ عُرِفَ مِنْهُ التَّسَرُّعُ فِي ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهِ؛ وَمَرَاتِبُ مَا يَقُولُهُ الْحِسَابُ فِي ذَلِكَ
стр. 209
مُتَفَاوِتَةٌ مِنْهَا مَا يَقْطَعُونَ بِعَدَمِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ فَهَذَا لَا رَيْبَ عِنْدَنَا فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ إذَا عَرَفَهُ الْقَاضِي بِنَفْسِهِ أَوْ اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَيَظْهَرُ أَنْ يَكْتَفِيَ فِيهِ بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ مَوْثُوقٍ بِهِ وَيَعْلَمُهُ أَمَّا اثْنَانِ فَلَا شَكَّ فِيهِمَا، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْطَعُونَ فِيهِ بِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَلَكِنْ يَسْتَعِدُّونَ فَهَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ فِي حَالِ الشُّهُودِ وَحِدَّةِ بَصَرِهِمْ وَيَرَى أَنَّهُمْ مِنْ احْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالْكَذِبِ يَتَفَاوَتُ ذَلِكَ تَفَاوُتًا كَبِيرًا وَمَرَاتِبَ كَثِيرَةً فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الِاجْتِهَادُ وُسْعَ الطَّاقَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْإِمْكَانُ بِحَيْثُ يَرَاهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فَلَا يَبْقَى إلَّا النَّظَرُ فِي حَالِ الشَّاهِدَيْنِ فَلَا يَعْتَقِدُ الْقَاضِي أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَتَزْكِيَتِهِمَا يَثْبُتُ الْهِلَالُ وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ الْعَمَلَ بِمَا يَقُولُهُ الْحِسَابُ مُطْلَقًا فَلَمْ يَأْتِ ذَلِكَ، وَكَيْفَ وَالْحِسَابُ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْكِتَابَةُ وَالْحِسَابُ، وَلَيْسَتْ الْكِتَابَةُ مَنْهِيًّا عَنْهَا فَكَذَلِكَ الْحِسَابُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ ضَبْطُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الشَّهْرِ بِطَرِيقَيْنِ ظَاهِرَيْنِ مَكْشُوفَيْنِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ تَمَامِ ثَلَاثِينَ وَأَنَّ الشَّهْرَ تَارَةً تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَتَارَةً ثَلَاثُونَ وَلَيْسَتْ مُدَّةً زَمَانِيَّةً مَضْبُوطَةً بِحِسَابٍ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْهَيْئَةِ؛ وَلَا يَعْتَقِدُ الْفَقِيهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هِيَ الَّتِي قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ: إنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ الْعَمَلِ بِالْحِسَابِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى إنْكَارِ الرُّؤْيَةِ وَهَذَا عَكْسُهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ هُنَاكَ بِجَوَازِ الصَّوْمِ أَوْ وُجُوبِهِ يَقُولُ هُنَا بِالْمَنْعِ بِطَرِيقِ الْأُولَى وَمَنْ قَالَ هُنَاكَ بِالْمَنْعِ فَهَهُنَا لَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَاَلَّذِي اقْتَضَاهُ نَظَرُنَا الْمَنْعُ فَالْمَنْعُ هُنَا مَقْطُوعٌ بِهِ. وَلَمْ نَجِدْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةً لَكِنَّا تَفَقَّهْنَا فِيهَا وَهِيَ عِنْدَنَا مِنْ مُحَالِ الْقَطْعِ مُتَرَقِّيَةٌ عَنْ مَرْتَبَةِ الظُّنُونِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: كَانَ الدَّاعِي إلَى كِتَابَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ يَرَى النَّاسُ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ بِدِمَشْقَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ فِي الْمَعْظَمِيَّةِ مِنْ عَمَلِ دَارِي الْمُجَاوِرَةِ لِدِمَشْقَ، وَرُبَّمَا قِيلَ إنَّهُ رُئِيَ فِي بَيْسَانَ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَكِنْ لَا يَقْتَضِي الْحِسَابُ إمْكَانَ الرُّؤْيَةِ فِيهَا بَلْ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ دِمَشْقَ. فَلَمَّا بَلَغَنِي ذَلِكَ تَوَقَّفْت لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ أَوَّلَهُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ الْمَضْمُومِ إلَى عَدَمِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ وَالِاسْتِصْحَابُ وَحْدَهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَقَدْ قَوِيَ بِذَلِكَ. وَقُلْت لِلْقَاضِي الَّذِي وَقَعَتْ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ لَا تَسْتَعْجِلْ فَلَمْ أَشْعُرْ إلَّا وَقَدْ حَضَرَ شَاهِدَانِ مِنْ عِنْدِهِ أَنَّهُ أَثْبَتَهُ وَأَنَّ الْيَوْمَ وَهُوَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ. قُلْت: مَا هُوَ الْخِلَافُ؟ قِيلَ: اخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ فَلَمْ أَرَ هَذَا دَافِعًا لِمَا
стр. 210
ثَبَتَ عِنْدِي وَامْتَنَعْت مِنْ تَنْفِيذِ حُكْمِهِ لِمَا قَدَّمْتُهُ وَلِأَنِّي قَدْ جَرَّبْتُهُ فِي عِشْرِينَ عِيدًا أَوَّلُهَا عِيدُ الْفِطْرِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ فِي كُلِّ عِيدٍ هَكَذَا أَتَحْرِصُ عَلَى إثْبَاتِهِ وَتَارَةً نَسْمَعُ مِنْهُ وَتَارَةً لَا نَسْمَعُ مِنْهُ وَفِي الْعَامِ الْمَاضِي هَكَذَا وَعِيدُ أَهْلِ دِمَشْقَ بِقَوْلِهِ الْجُمُعَةَ وَكَانَتْ الْوَقْفَةُ عِنْدَ الْحُجَّاجِ، وَأَرْسَلَ فِي هَذَا الْعَامِ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ وَأَشَاعَ ذَلِكَ إلَى الْمَحْضَرِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ عِنْدَهُ وَفِيهِ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ قَالَا إنَّهُمَا رَأَيَاهُ فِي الْمَعْظَمِيَّةِ مِنْ عَمَلِ دَارِي وَزُكِّيَا عِنْدَهُ فَمَا أَلْوَيْت عَلَى قَوْلِهِمَا، وَعِيدُ النَّاسِ بِقَوْلِهِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَلَا اسْتَحْسَنْت الطَّعْنَ فِي حُكْمِ حَاكِمٍ بَعْدَ اشْتِهَارِهِ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ النَّاسُ إلَى الرِّيبَةِ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ وَاكْتَفَيْت بِصِيَانَةِ نَفْسِي عَنْ الْحُكْمِ بِمَا لَا أَرَاهُ مَعَ عَدَمِ إمْكَانِ دَفْعِهِ.
(فَصْلٌ) وَنَفَّذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ التَّنْفِيذَ سَائِغًا وَصَمَّمْت عَلَى عَدَمِ التَّنْفِيذِ.
(فَصْلٌ فِي التَّضْحِيَةِ فِي هَذَا الْعَامِ) أَمَّا يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ التَّضْحِيَةِ فِيهِمَا وَكَذَا الْجُمُعَةُ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْعِيدِ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَعِنْدِي أَنَّ التَّضْحِيَةَ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَمَنْ ضَحَّى فِيهِ تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُ الْأُضْحِيَّةِ، وَمَنْ ضَحَّى مَنْذُورًا لَمْ يُجْزِئْهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَكَذَا الْمُتَطَوِّعُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَرَى وُجُوبَ التَّضْحِيَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا وَعَكْسُهُ يَوْمُ السَّبْتِ عِنْدِي يَجُوزُ فِيهِ التَّضْحِيَةُ.
(فَصْلٌ فِي الصَّوْمِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ) عِنْدِي أَنَّهُ جَائِزٌ لِأَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفُوتَ صَوْمُهُ لِأَنَّهُ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ يُقَالُ بِأَنَّهُ يُعَارِضُ هَذَا احْتِمَالُ الْعِيدِ وَصَوْمُهُ حَرَامٌ وَاحْتِمَالُ عَرَفَةَ وَصَوْمُهُ سُنَّةٌ فَكَانَ تَرْكُ الْحَرَامِ أَوْلَى. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حَرَامًا إذَا تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ الْعِيدُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَنَظِيرُهُ إذَا شَكَّ الْمُتَوَضِّئُ هَلْ غَسَلَ ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَغْسِلُ أُخْرَى لِأَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ أَوْلَى مِنْ اقْتِحَامِ الْبِدْعَةِ وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَغْسِلَ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِدْعَةً إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هُنَا أَوْلَى بِالتَّرْكِ لِأَنَّ التَّرَدُّدَ فِي الْوُضُوءِ بَيْنَ سُنَّةٍ وَمَكْرُوهٍ وَهُنَا بَيْنَ سُنَّةٍ وَحَرَامٍ فَقَدْ يُقَالُ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ مَعَ الشَّكِّ، وَغَايَةُ السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ الْأَوْلَى التَّرْكُ هُنَا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا يُقَالُ بِالِاسْتِصْحَابِ هُنَا كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ هُنَاكَ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِمَنْ دَخَلَ بَعْدَ الْعَصْرِ اسْتَحَبَّهَا الشَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ التَّنَفُّلُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَالتَّعَارُضُ بَيْنَ سُنَّةٍ وَحَرَامٍ وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ مُرَجِّحًا لِجَانِبِ التَّرْكِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ التَّعَارُضَ الْمُعْتَبَرَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ رُجْحَانٌ مِنْ دَلِيلٍ
стр. 211
آخَرَ، وَفِي الصَّلَاةِ حَصَلَ دَلِيلٌ مُرَجِّحٌ وَكَذَا هُنَا اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ مُرَجِّحٌ.
وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ إذَا حَصَلَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَعْبَانَ شُكَّ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ بَيْنَ فِطْرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ حَرَامٌ وَصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَهُوَ جَائِزٌ فَكَانَ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ يَنْبَغِي الصَّوْمُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حَرَامٌ؛ وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْأَصْلِ أَوْلَى، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ حَصَلَ فِي يَوْمِ الشَّكِّ مَعَ ذَلِكَ التَّنَطُّعِ وَخَشْيَةِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي التَّقَدُّمِ بِالصَّوْمِ مُحَرَّمٌ لِذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَمِثْلُهُ لَيْسَ مَوْجُودًا هُنَا لَكِنَّ مَقْصُودَنَا دَفْعُ التَّحْرِيمِ وَإِنَّ الِاسْتِصْحَابَ يَكْفِي فِي التَّمَسُّكِ بِهِ وَيَبْقَى رُجْحَانُ الصَّوْمِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْأَجْرِ الْمَوْعُودِ فِيهِ وَانْدِفَاعِ الْمُعَارِضِ بِالِاسْتِصْحَابِ.
(فَصْلٌ) لَمَّا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِأَنَّ غَدًا الْعِيدُ سَمِعْت بَعْضَ الشَّبَابِ يَقُولُ صَوْمُ غَدٍ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ فَأَعْرَضْت عَنْ جَوَابِهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا سَمِعَهُ مِنْ أَنَّ صَوْمَ الْعِيدِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْجُزْئِيِّ وَالْكُلِّيِّ وَلَا بَيْنَ كَلَامِ الْمُفْتِي وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي الْكُتُبِ فَوَظِيفَةُ الْعُلَمَاءِ فِي الْكُتُبِ ذِكْرُ الْمَسَائِلِ الْكُلِّيَّةِ وَوَظِيفَةُ الْمُفْتِي تَنْزِيلُ تِلْكَ الْكُلِّيَّاتِ عَلَى الْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ فَإِذَا عَلِمَ الْمُفْتِي انْدِرَاجَ ذَلِكَ الْجُزْئِيِّ فِي ذَلِكَ الْكُلِّيِّ أَفْتَى فِيهِ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْكُتُبِ، وَهَذَا الْعِيدُ جُزْئِيٌّ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ الْعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ هُوَ الَّذِي تُسْكَبُ فِيهِ الْعَبَرَاتُ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى شُرُوطٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا فِي الشَّاهِدَيْنِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا وَمِنْهَا فِي الْحُكْمِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ هَلْ حَكَمَ فِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ أَوْ فِي مَحَلِّ الِاخْتِلَافِ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ فِي الشُّهُودِ وَالْمَشْهُودِ بِهِ وَالتَّثَبُّتِ فِي الْحُكْمِ وَصِحَّتِهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ لِكُلِّ بَلْدَةٍ حُكْمُهَا أَوْ لَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرَ فِي دِمَشْقَ فَإِذَا كَانَ قَدْ رُئِيَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى مُخَالِفَةٍ لِدِمَشْقَ فِي مَطَالِعِ الْهِلَالِ حَتَّى يَجْرِيَ خِلَافٌ وَحَكَمَ فِيهِ وَسَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ مَوَاضِعِ الْخِلَافِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُنَفَّذُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا وَلَا يُنَفَّذُ إلَّا ظَاهِرًا، وَاَلَّذِي يَقُولُ: لَا يُنَفَّذُ إلَّا ظَاهِرًا يَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهَهُنَا لَمْ يَحْصُلْ إجْمَاعُنَا عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا الْإِجْمَاعُ فِيمَا يَقَعُ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا رُئِيَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ رُؤْيَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ عِنْدَ أَهْلِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَرْبِعَاءُ فَهَلْ يَكُونُ عِيدَانِ فِي يَوْمَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ حَرَامٌ صَوْمُهُمَا؛ وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ رُئِيَ عِنْدَنَا لَكَانَ يُقَالُ بِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ لَكِنْ لَمْ يُرَ.
стр. 212
فَصْلٌ فِي الثُّبُوتِ) قَدْ قُلْنَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي الشُّهُودِ فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِمْ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يُلْزِمْ الْعَامَّةَ حُكْمَ تِلْكَ الشَّهَادَةِ، وَالْقَاضِي الَّذِي أَثْبَتَ ذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ التَّزْكِيَةَ كَافِيَةٌ فَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ يَثْبُتُ إلَّا بِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ، وَقَدْ بَقِيَ وَرَاءَ هَذَا أُمُورٌ أُخْرَى مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا ثُبُوتُ الشَّهْرِ فِي نَفْسِهِ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
(فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْقَاضِي بِهِ) مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الِالْتِزَامُ وَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي مَحْكُومًا عَلَيْهِ وَمَحْكُومًا لَهُ، وَهُوَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَى وَسُؤَالِ الْحُكْمِ، وَفِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ حَسْبُهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي بِهَا نَظَرٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ يُطَالِبُ بِالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ هَذَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ نَفْعِ الْمَسَاكِينِ فَمَا ظَنُّك بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يُثْبِتُ الشَّهْرَ فَقَطْ أَمَّا يَحْكُمُ بِهِ فَلَا لَكِنْ إذَا تَرَتَّبَ عَلَى الثُّبُوتِ حَقٌّ وَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى حُكْمٍ بِهِ يَحْكُمُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ بِشُرُوطِهِ مُسْتَنِدًا إلَى ذَلِكَ الثُّبُوتِ.
(فَصْلٌ فِي التَّنْفِيذِ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ لَمْ يَصِحَّ التَّنْفِيذُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ تَنْفِيذَ الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ أَوْ لَا فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا أَنَّهُ حُكْمٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّهُ حُكْمٌ بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ وَلَيْسَ بِحُكْمٍ بِالْمَشْهُودِ بِهِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إذَا أَثْبَتَهُ مَنْ يَرَاهُ فَمَنْ يَجْعَلُهُ حُكْمًا يَمْنَعُ نَقْضَهُ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُكْمًا يُجَوِّزُ لِمَنْ لَا يَرَاهُ نَقْضَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلْته حُكْمًا بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ وَلَيْسَ حُكْمًا بِالْمَشْهُورِ بِهِ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةٌ فِي الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ بِهِ إذَا أَثْبَتَهُ مَنْ يَرَاهُ أَيْضًا فِي نَقْلِهِ فِي الْبَلَدِ الصَّحِيحِ مَنْعَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ بِجَوَازِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي لِمَا اخْتَرْتُهُ. وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ لِي أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ لِي وَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا فِي الرُّجُوعِ إذَا رَجَعَ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ إثْبَاتِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ. فَإِنْ قُلْنَا: الْإِثْبَاتُ لَيْسَ بِحُكْمٍ أَصْلًا فَيُبْطِلُ الشَّهَادَةَ كَمَا لَوْ رَجَعَا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الثُّبُوتِ، وَإِنْ قُلْنَا حُكْمٌ بِالْحَقِّ فَكَمَا لَوْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ، وَإِنْ قُلْت بِالْمُخْتَارِ عِنْدِي فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ وَيَكُونُ كَالرُّكُوعِ بَعْدَ الْحُكْمِ.
(فَصْلٌ فِي شَرْحِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ) قَوْلُهُ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْقَائِلِينَ
стр. 213
بِجَوَازِ الصَّوْمِ أَوْ وُجُوبِهِ إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى رُؤْيَتِهِ، وَوَجْهُ الِاعْتِذَارِ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى الصَّوْمِ بِإِكْمَالِ ثَلَاثِينَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ فَهِمْنَا الْمَعْنَى وَهُوَ طُلُوعُ الْهِلَالِ وَإِمْكَانُ رُؤْيَتِهِ وَهُمَا حَاصِلَانِ بِالْهِلَالِ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَنْدَرِجُ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ بِحَسْبِ الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي أَنَّ النَّظَرَ إلَى اللَّفْظِ أَوْ الْمَعْنَى فَمَنْ اعْتَبَرَ اللَّفْظَ مَنَعَ دَلَالَةَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» وَمَنْ اعْتَبَرَ الْمَعْنَى قَالَ: الْحَدِيثُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَأَشَارَ إلَى الْعِلَّةِ فَإِذَا وُجِدَتْ وَلَوْ نَادِرًا اُتُّبِعَتْ، وَقَوْلُهُ " رَأَيْتُمُوهُ " لَيْسَ الْمُرَادُ رُؤْيَةَ الْجَمِيعِ بِدَلِيلِ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَعْمَى بِالْإِجْمَاعِ، وَلِمَا أَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِرُؤْيَتِهِ أَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ فَالْمُرَادُ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ وَتَحَقُّقٌ إمَّا بِالْحِسِّ وَإِمَّا بِخَبَرِ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَوْ شَهَادَةِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِشُرُوطِهَا، وَقَوْلُهُ «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمَقْصُودُهُ بَيَانُ الشَّهْرِ الشَّرْعِيِّ الْعَرَبِيِّ وَمُخَالَفَةُ مَا يَفْهَمُهُ مِنْهُ أَهْلُ الْحِسَابِ لَا إبْطَالَ حِسَابِهِمْ جُمْلَةً بَلْ بَيَانُ أَنَّهُ تَارَةً ثَلَاثُونَ وَتَارَةً تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا رَدَّ فِيهِ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الصَّوْمِ بِالْحِسَابِ لِأَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «عَرَفَةَ يَوْمَ تُعَرِّفُونِ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» فَالْمُرَادُ مِنْهُ إذَا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ فَالْمُسْلِمُونَ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ وَلَا بُدَّ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِالْحُجَّةِ حَتَّى لَوْ غُمَّ الْهِلَالُ وَأَكْمَلَ النَّاسُ ذَا الْقِعْدَةِ ثَلَاثِينَ وَوَقَفُوا فِي تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ لِظَنِّهِمْ وَعَيَّدُوا فِي غَدِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ وَقَفُوا فِي الْعَاشِرِ فَوُقُوفُهُمْ صَحِيحٌ وَأَضْحَاهُمْ يَوْمَ ضَحُّوا، وَكَذَا إذَا كَمَّلُوا عِدَّةَ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ وَأَفْطَرُوا مِنْ الْغَدِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ ثَانِي شَوَّالٍ كَانَ فِطْرُهُمْ يَوْمَ أَفْطَرُوا. فَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا رَأَى وَحْدَهُ أَفْتَاهُ بِأَنْ يُفْطِرَ سِرًّا وَيَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ فِطْرِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ يَوْمَ فِطْرِ غَيْرِهِ بَلْ يَوْمُ فِطْرِ غَيْرِهِ مِنْ الْغَدِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ بِرُؤْيَةٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِطْرُ كُلِّ أَحَدٍ يَوْمَ فِطْرٍ، وَإِذَا اتَّفَقَ غَلَطُ أَهْلِ بَلَدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ وَكَانَ قَدْ رُئِيَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ حَوَالَيْهِ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْغَلَطُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْبَلَدِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ بَلَدٌ لَهَا حُكْمٌ وَاحْتُمِلَ خِلَافُهُ؛ وَإِنْ تَعَمَّدَ أَهْلُ بَلَدٍ فَضَحُّوا يَوْمَ التَّاسِعِ أَوْ وَقَفُوا يَوْمَ الثَّامِنِ أَوْ أَفْطَرُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ ذَلِكَ يَوْمُ أَضْحَاهُمْ وَلَا يَوْمُ وُقُوفِهِمْ وَلَا يَوْمُ فِطْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ بَلَدٍ فِي الرُّؤْيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ رَأَى مَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَأَمَّا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ يَعْتَقِدُ الْقَاضِي أَنَّهُ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَيْهِ، وَوَقَعَتْ الرِّيبَةُ فِي ذَلِكَ كَمَا
стр. 214
اُتُّفِقَ فِي هَذَا الْعَامِ فَعَيَّدَ أَكْثَرُ النَّاسِ بِقَوْلِهِمْ وَالْبَاقُونَ لَمْ يُصْغُوا إلَيْهِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ يَوْمُ أَضْحَى النَّاسِ كُلِّهِمْ حَتَّى يَحْرُمَ صَوْمُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصْغِ إلَى ذَلِكَ، وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَيُحْتَجُّ عَلَى أَنَّهُ الْعِيدُ بِتَعْيِيدِ النَّاسِ وَتَعْيِيدُ النَّاسِ مَشْرُوطٌ فِي الثُّبُوتِ الَّذِي لَا رِيبَةَ فِيهِ أَعْنِي التَّعْيِيدَ الشَّرْعِيَّ وَأَمَّا التَّعْيِيدُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ فَلَوْ اسْتَدْلَلْنَا بِالتَّعْيِيدِ عَلَى صِحَّةِ الْمُسْتَنَدِ لَزِمَ الدَّوْرُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فَالتَّعْيِيدُ كَالتَّعْيِيدِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَهُوَ حَرَامٌ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَإِذَا كَانَ مَرْدُودًا فَلَا يُرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ مُعْتَبَرًا فَالْعِيدُ ثَابِتٌ قَبْلَهُ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْعِيدِ لَا يَصِحُّ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ) وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي هَذَا الْعَامِ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ لِمَا قُلْنَاهُ فَإِنْ اُضْطُرَّ شَخْصٌ إلَى الْحُضُورِ مَعَ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الضُّحَى فَإِنَّهُ إذَا نَوَى الْعِيدَ لَمْ يَصِحَّ فِي اعْتِقَادِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ، ثُمَّ فِي صِحَّتِهَا نَفْلًا مُطْلَقًا إذَا بَطَلَتْ نِيَّةُ الْعِيدِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْبُطْلَانُ فَلِذَلِكَ قُلْنَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الضُّحَى أَوْ نَفْلًا مُطْلَقًا وَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِاَلَّذِي يُصَلِّي الْعِيدَ إذَا كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَا يَضُرُّ الِاخْتِلَافُ فِي النِّيَّةِ.
(فَصْلٌ) فَإِذَا صَلَّى كَمَا قُلْنَاهُ وَكَبَّرَ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ فَإِنْ كَبَّرَ مَعَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَجْرِيَ خِلَافٌ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ مِنْ الْخِلَافِ فِي نَقْلِ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ رُكْنٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجْرِيَ لِأَنَّ الرُّكْنَ مَشْرُوعٌ فِي الِانْتِقَالَاتِ، فَإِنْ اُضْطُرَّ فِي مُوَافَقَةِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ إلَى ذِكْرٍ وَأَرَادَ الِاحْتِرَازَ عَنْ ذَلِكَ أَتَى مَكَانَهُ بِتَسْبِيحٍ أَوْ يَقُولُ مَكَانَ أَكْبَرُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ، وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي ذَلِكَ فَالْأَوْلَى التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فِعْلٌ كَثِيرٌ فَيَقْتَضِي الْبُطْلَانَ وَلَيْسَ مُتَفَرِّقًا فَهُوَ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ مِمَّا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبُطْلَانِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ضَعِيفًا لِعَدَمِ التَّوَالِي وَلِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ، فَلَوْ اُضْطُرَّ فِي مُوَافَقَةِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ فَلْيُقَلِّلْ الرَّفْعَ مَا أَمْكَنَ.
(فَصْلٌ) وَالتَّضْحِيَةُ يَوْمَ السَّبْتِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَكِنَّ الْأَوْلَى التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى التَّضْحِيَةِ أَفْضَلُ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى التَّأْخِيرِ وَالْوُقُوعِ مَعَهُ فِي الشَّكِّ وَنَحْنُ إنَّمَا اسْتَحْبَبْنَا صَوْمَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ وَلَا مَنْدُوحَةَ فِي حُصُولِ الْأَجْرِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ وَأَمَّا تَأْخِيرُ الْأُضْحِيَّةِ فَلَا دَاعِيَ إلَيْهِ.
(فَصْلٌ) قَدَّمْنَا أَنَّ فِي الْحُكْمِ بِالشَّهْرِ نَظَرًا، وَمِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى
стр. 215
غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوَّلُهُ إنْ كَانَ جِهَةً عَامَّةً كَبَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْفُقَرَاءِ فَيَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ لِلْفُقَرَاءِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ أَمَّا الْحُكْمُ هُنَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الصَّوْمِ أَوْ وُجُوبَهُ وَاسْتِحْبَابَ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَالْأُضْحِيَّةِ لَيْسَ لِلْجِهَةِ وَلَا عَلَيْهَا وَهَذَا مِمَّا يُبْعِدُ دُخُولَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) فَإِنْ سُلِّمَ دُخُولُهُ وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ ثُبُوتُ أَوَّلِ الشَّهْرِ الِاثْنَيْنِ وَالْحُكْمُ بِهِ فَهَلْ يَتَعَارَضُ الْحُكْمَانِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَقَدُّمَ الْحُكْمِ بِالْهِلَالِ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ.
(فَصْلٌ) إذَا قِيلَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِالْمُكَلَّفِينَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَشْمَلُ مَنْ يَحْدُثُ بُلُوغُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ الشَّهْرِ مَثَلًا فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِهَةِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إذَا صَحَّحْنَا الْحُكْمَ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ صِحَّتِهِ.
(فَصْلٌ) إذَا صَحَّحْنَا عَلَى الْعُمُومِ وَنَزَّلْنَاهُ عَلَى الْجِهَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْأَعْيَانِ وَلَا يَصِحُّ فِي وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِنْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى الْأَعْيَانِ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَنْ لَيْسَ قَاضِيًا مِثْلُ ذَاكَ الْقَاضِي أَمَّا مَنْ هُوَ قَاضٍ مِثْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَشْمَلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الَّذِي حَكَمَ فَإِنَّ الْعُرْفَ يَقْضِي بِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ دُونَهُ لَا عَلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي رُتْبَةِ الْقَضَاءِ، وَاحْتَرَزْنَا بِرُتْبَةِ الْقَضَاءِ عَنْ الْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ فَقَضَاءُ قَاضِي الْقُضَاةِ يَشْمَلُهُمْ لِأَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ بِالشَّرْعِ، وَالْقُضَاةُ نُصِّبُوا لِيَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْقَاضِيَيْنِ فَإِنَّهُمَا مُؤْتَمَرَانِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَلَكِنْ لَمْ يُنَصَّبْ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْقَضَاءِ عَلَى الْآخَرِ.
(فَصْلٌ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا مِنْ الْأُمُورِ الْقَطْعِيَّةِ وَلَيْسَتْ مِنْ مَحَالِّ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ قَطْعِيَّةٍ: أَحَدُهَا أَمْرٌ حِسَابِيٌّ عَقْلِيٌّ، وَالْآخَرُ أَمْرٌ عَادِيٌّ مَعْلُومٌ، وَالثَّالِثُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ مَعْلُومٌ فَالْغَلَطُ فِيهَا إذَا انْتَهَى إلَى هَذَا الْحَدِّ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَكِنْ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٌ جِدًّا فَعَلَى الْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَسْتَعْجِلَ بِالنَّقْضِ كَمَا قُلْنَا إنَّ عَلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَلَا يَسْتَعْجِلَ بِالْإِثْبَاتِ.
(فَصْلٌ) قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الْأَغْمَارِ وَالْجُهَّالِ تَوَقُّفٌ فِيمَا قُلْنَاهُ وَيَسْتَنْكِرُ الرُّجُوعَ إلَى الْحِسَابِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَيَجْمُدُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ يَثْبُتُ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا خِطَابَ مَعَهُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَكَلَّمُ مَعَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَبَصُّرٍ وَالْجَاهِلُ لَا كَلَامَ مَعَهُ.
(فَصْلٌ) مِمَّا يُؤْنِسُك فِي أَنَّ التَّجْوِيزَ الْعَقْلِيَّ مَعَ الِاسْتِحَالَةِ الْعَادِيَّةِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ مَسْأَلَةُ الْمَشْرِقِيِّ وَالْمَغْرِبِيَّةِ وَعَدَمِ لُحُوقِ النَّسَبِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فَلَمْ يَقُلْ بِلُحُوقِ النَّسَبِ إلَّا لِأَجْلِ الْفِرَاشِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَالزَّوْجَةُ فِرَاشٌ فَكَمَا نَفَى أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ النَّسَبَ لِلِاسْتِحَالَةِ الْعَادِيَّةِ وَخَصَّصُوا الْحَدِيثَ بِهِ كَذَا هُنَا بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ هُنَا لَيْسَ مَعَنَا نَصٌّ عَلَى قَبُولِ
следующие страницы →