Полный текст (1 159 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
آخَرَ، وَفِي الصَّلَاةِ حَصَلَ دَلِيلٌ مُرَجِّحٌ وَكَذَا هُنَا اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ مُرَجِّحٌ.
وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ إذَا حَصَلَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَعْبَانَ شُكَّ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ بَيْنَ فِطْرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ حَرَامٌ وَصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَهُوَ جَائِزٌ فَكَانَ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ يَنْبَغِي الصَّوْمُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حَرَامٌ؛ وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْأَصْلِ أَوْلَى، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ حَصَلَ فِي يَوْمِ الشَّكِّ مَعَ ذَلِكَ التَّنَطُّعِ وَخَشْيَةِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي التَّقَدُّمِ بِالصَّوْمِ مُحَرَّمٌ لِذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَمِثْلُهُ لَيْسَ مَوْجُودًا هُنَا لَكِنَّ مَقْصُودَنَا دَفْعُ التَّحْرِيمِ وَإِنَّ الِاسْتِصْحَابَ يَكْفِي فِي التَّمَسُّكِ بِهِ وَيَبْقَى رُجْحَانُ الصَّوْمِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْأَجْرِ الْمَوْعُودِ فِيهِ وَانْدِفَاعِ الْمُعَارِضِ بِالِاسْتِصْحَابِ.
(فَصْلٌ) لَمَّا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِأَنَّ غَدًا الْعِيدُ سَمِعْت بَعْضَ الشَّبَابِ يَقُولُ صَوْمُ غَدٍ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ فَأَعْرَضْت عَنْ جَوَابِهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا سَمِعَهُ مِنْ أَنَّ صَوْمَ الْعِيدِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْجُزْئِيِّ وَالْكُلِّيِّ وَلَا بَيْنَ كَلَامِ الْمُفْتِي وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي الْكُتُبِ فَوَظِيفَةُ الْعُلَمَاءِ فِي الْكُتُبِ ذِكْرُ الْمَسَائِلِ الْكُلِّيَّةِ وَوَظِيفَةُ الْمُفْتِي تَنْزِيلُ تِلْكَ الْكُلِّيَّاتِ عَلَى الْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ فَإِذَا عَلِمَ الْمُفْتِي انْدِرَاجَ ذَلِكَ الْجُزْئِيِّ فِي ذَلِكَ الْكُلِّيِّ أَفْتَى فِيهِ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْكُتُبِ، وَهَذَا الْعِيدُ جُزْئِيٌّ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ الْعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ هُوَ الَّذِي تُسْكَبُ فِيهِ الْعَبَرَاتُ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى شُرُوطٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا فِي الشَّاهِدَيْنِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا وَمِنْهَا فِي الْحُكْمِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ هَلْ حَكَمَ فِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ أَوْ فِي مَحَلِّ الِاخْتِلَافِ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ فِي الشُّهُودِ وَالْمَشْهُودِ بِهِ وَالتَّثَبُّتِ فِي الْحُكْمِ وَصِحَّتِهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ لِكُلِّ بَلْدَةٍ حُكْمُهَا أَوْ لَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرَ فِي دِمَشْقَ فَإِذَا كَانَ قَدْ رُئِيَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى مُخَالِفَةٍ لِدِمَشْقَ فِي مَطَالِعِ الْهِلَالِ حَتَّى يَجْرِيَ خِلَافٌ وَحَكَمَ فِيهِ وَسَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ مَوَاضِعِ الْخِلَافِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُنَفَّذُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا وَلَا يُنَفَّذُ إلَّا ظَاهِرًا، وَاَلَّذِي يَقُولُ: لَا يُنَفَّذُ إلَّا ظَاهِرًا يَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهَهُنَا لَمْ يَحْصُلْ إجْمَاعُنَا عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا الْإِجْمَاعُ فِيمَا يَقَعُ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا رُئِيَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ رُؤْيَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ عِنْدَ أَهْلِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَرْبِعَاءُ فَهَلْ يَكُونُ عِيدَانِ فِي يَوْمَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ حَرَامٌ صَوْمُهُمَا؛ وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ رُئِيَ عِنْدَنَا لَكَانَ يُقَالُ بِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ لَكِنْ لَمْ يُرَ.
стр. 212
فَصْلٌ فِي الثُّبُوتِ) قَدْ قُلْنَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي الشُّهُودِ فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِمْ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يُلْزِمْ الْعَامَّةَ حُكْمَ تِلْكَ الشَّهَادَةِ، وَالْقَاضِي الَّذِي أَثْبَتَ ذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ التَّزْكِيَةَ كَافِيَةٌ فَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ يَثْبُتُ إلَّا بِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ، وَقَدْ بَقِيَ وَرَاءَ هَذَا أُمُورٌ أُخْرَى مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا ثُبُوتُ الشَّهْرِ فِي نَفْسِهِ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
(فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْقَاضِي بِهِ) مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الِالْتِزَامُ وَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي مَحْكُومًا عَلَيْهِ وَمَحْكُومًا لَهُ، وَهُوَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَى وَسُؤَالِ الْحُكْمِ، وَفِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ حَسْبُهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي بِهَا نَظَرٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ يُطَالِبُ بِالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ هَذَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ نَفْعِ الْمَسَاكِينِ فَمَا ظَنُّك بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يُثْبِتُ الشَّهْرَ فَقَطْ أَمَّا يَحْكُمُ بِهِ فَلَا لَكِنْ إذَا تَرَتَّبَ عَلَى الثُّبُوتِ حَقٌّ وَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى حُكْمٍ بِهِ يَحْكُمُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ بِشُرُوطِهِ مُسْتَنِدًا إلَى ذَلِكَ الثُّبُوتِ.
(فَصْلٌ فِي التَّنْفِيذِ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ لَمْ يَصِحَّ التَّنْفِيذُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ تَنْفِيذَ الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ أَوْ لَا فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا أَنَّهُ حُكْمٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّهُ حُكْمٌ بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ وَلَيْسَ بِحُكْمٍ بِالْمَشْهُودِ بِهِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إذَا أَثْبَتَهُ مَنْ يَرَاهُ فَمَنْ يَجْعَلُهُ حُكْمًا يَمْنَعُ نَقْضَهُ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُكْمًا يُجَوِّزُ لِمَنْ لَا يَرَاهُ نَقْضَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلْته حُكْمًا بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ وَلَيْسَ حُكْمًا بِالْمَشْهُورِ بِهِ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةٌ فِي الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ بِهِ إذَا أَثْبَتَهُ مَنْ يَرَاهُ أَيْضًا فِي نَقْلِهِ فِي الْبَلَدِ الصَّحِيحِ مَنْعَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ بِجَوَازِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي لِمَا اخْتَرْتُهُ. وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ لِي أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ لِي وَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا فِي الرُّجُوعِ إذَا رَجَعَ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ إثْبَاتِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ. فَإِنْ قُلْنَا: الْإِثْبَاتُ لَيْسَ بِحُكْمٍ أَصْلًا فَيُبْطِلُ الشَّهَادَةَ كَمَا لَوْ رَجَعَا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الثُّبُوتِ، وَإِنْ قُلْنَا حُكْمٌ بِالْحَقِّ فَكَمَا لَوْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ، وَإِنْ قُلْت بِالْمُخْتَارِ عِنْدِي فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ وَيَكُونُ كَالرُّكُوعِ بَعْدَ الْحُكْمِ.
(فَصْلٌ فِي شَرْحِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ) قَوْلُهُ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْقَائِلِينَ
стр. 213
بِجَوَازِ الصَّوْمِ أَوْ وُجُوبِهِ إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى رُؤْيَتِهِ، وَوَجْهُ الِاعْتِذَارِ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى الصَّوْمِ بِإِكْمَالِ ثَلَاثِينَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ فَهِمْنَا الْمَعْنَى وَهُوَ طُلُوعُ الْهِلَالِ وَإِمْكَانُ رُؤْيَتِهِ وَهُمَا حَاصِلَانِ بِالْهِلَالِ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَنْدَرِجُ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ بِحَسْبِ الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي أَنَّ النَّظَرَ إلَى اللَّفْظِ أَوْ الْمَعْنَى فَمَنْ اعْتَبَرَ اللَّفْظَ مَنَعَ دَلَالَةَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» وَمَنْ اعْتَبَرَ الْمَعْنَى قَالَ: الْحَدِيثُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَأَشَارَ إلَى الْعِلَّةِ فَإِذَا وُجِدَتْ وَلَوْ نَادِرًا اُتُّبِعَتْ، وَقَوْلُهُ " رَأَيْتُمُوهُ " لَيْسَ الْمُرَادُ رُؤْيَةَ الْجَمِيعِ بِدَلِيلِ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَعْمَى بِالْإِجْمَاعِ، وَلِمَا أَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِرُؤْيَتِهِ أَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ فَالْمُرَادُ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ وَتَحَقُّقٌ إمَّا بِالْحِسِّ وَإِمَّا بِخَبَرِ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَوْ شَهَادَةِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِشُرُوطِهَا، وَقَوْلُهُ «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمَقْصُودُهُ بَيَانُ الشَّهْرِ الشَّرْعِيِّ الْعَرَبِيِّ وَمُخَالَفَةُ مَا يَفْهَمُهُ مِنْهُ أَهْلُ الْحِسَابِ لَا إبْطَالَ حِسَابِهِمْ جُمْلَةً بَلْ بَيَانُ أَنَّهُ تَارَةً ثَلَاثُونَ وَتَارَةً تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا رَدَّ فِيهِ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الصَّوْمِ بِالْحِسَابِ لِأَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «عَرَفَةَ يَوْمَ تُعَرِّفُونِ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» فَالْمُرَادُ مِنْهُ إذَا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ فَالْمُسْلِمُونَ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ وَلَا بُدَّ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِالْحُجَّةِ حَتَّى لَوْ غُمَّ الْهِلَالُ وَأَكْمَلَ النَّاسُ ذَا الْقِعْدَةِ ثَلَاثِينَ وَوَقَفُوا فِي تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ لِظَنِّهِمْ وَعَيَّدُوا فِي غَدِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ وَقَفُوا فِي الْعَاشِرِ فَوُقُوفُهُمْ صَحِيحٌ وَأَضْحَاهُمْ يَوْمَ ضَحُّوا، وَكَذَا إذَا كَمَّلُوا عِدَّةَ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ وَأَفْطَرُوا مِنْ الْغَدِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ ثَانِي شَوَّالٍ كَانَ فِطْرُهُمْ يَوْمَ أَفْطَرُوا. فَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا رَأَى وَحْدَهُ أَفْتَاهُ بِأَنْ يُفْطِرَ سِرًّا وَيَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ فِطْرِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ يَوْمَ فِطْرِ غَيْرِهِ بَلْ يَوْمُ فِطْرِ غَيْرِهِ مِنْ الْغَدِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ بِرُؤْيَةٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِطْرُ كُلِّ أَحَدٍ يَوْمَ فِطْرٍ، وَإِذَا اتَّفَقَ غَلَطُ أَهْلِ بَلَدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ وَكَانَ قَدْ رُئِيَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ حَوَالَيْهِ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْغَلَطُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْبَلَدِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ بَلَدٌ لَهَا حُكْمٌ وَاحْتُمِلَ خِلَافُهُ؛ وَإِنْ تَعَمَّدَ أَهْلُ بَلَدٍ فَضَحُّوا يَوْمَ التَّاسِعِ أَوْ وَقَفُوا يَوْمَ الثَّامِنِ أَوْ أَفْطَرُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ ذَلِكَ يَوْمُ أَضْحَاهُمْ وَلَا يَوْمُ وُقُوفِهِمْ وَلَا يَوْمُ فِطْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ بَلَدٍ فِي الرُّؤْيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ رَأَى مَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَأَمَّا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ يَعْتَقِدُ الْقَاضِي أَنَّهُ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَيْهِ، وَوَقَعَتْ الرِّيبَةُ فِي ذَلِكَ كَمَا
стр. 214
اُتُّفِقَ فِي هَذَا الْعَامِ فَعَيَّدَ أَكْثَرُ النَّاسِ بِقَوْلِهِمْ وَالْبَاقُونَ لَمْ يُصْغُوا إلَيْهِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ يَوْمُ أَضْحَى النَّاسِ كُلِّهِمْ حَتَّى يَحْرُمَ صَوْمُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصْغِ إلَى ذَلِكَ، وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَيُحْتَجُّ عَلَى أَنَّهُ الْعِيدُ بِتَعْيِيدِ النَّاسِ وَتَعْيِيدُ النَّاسِ مَشْرُوطٌ فِي الثُّبُوتِ الَّذِي لَا رِيبَةَ فِيهِ أَعْنِي التَّعْيِيدَ الشَّرْعِيَّ وَأَمَّا التَّعْيِيدُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ فَلَوْ اسْتَدْلَلْنَا بِالتَّعْيِيدِ عَلَى صِحَّةِ الْمُسْتَنَدِ لَزِمَ الدَّوْرُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فَالتَّعْيِيدُ كَالتَّعْيِيدِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَهُوَ حَرَامٌ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَإِذَا كَانَ مَرْدُودًا فَلَا يُرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ مُعْتَبَرًا فَالْعِيدُ ثَابِتٌ قَبْلَهُ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْعِيدِ لَا يَصِحُّ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ) وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي هَذَا الْعَامِ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ لِمَا قُلْنَاهُ فَإِنْ اُضْطُرَّ شَخْصٌ إلَى الْحُضُورِ مَعَ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الضُّحَى فَإِنَّهُ إذَا نَوَى الْعِيدَ لَمْ يَصِحَّ فِي اعْتِقَادِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ، ثُمَّ فِي صِحَّتِهَا نَفْلًا مُطْلَقًا إذَا بَطَلَتْ نِيَّةُ الْعِيدِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْبُطْلَانُ فَلِذَلِكَ قُلْنَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الضُّحَى أَوْ نَفْلًا مُطْلَقًا وَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِاَلَّذِي يُصَلِّي الْعِيدَ إذَا كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَا يَضُرُّ الِاخْتِلَافُ فِي النِّيَّةِ.
(فَصْلٌ) فَإِذَا صَلَّى كَمَا قُلْنَاهُ وَكَبَّرَ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ فَإِنْ كَبَّرَ مَعَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَجْرِيَ خِلَافٌ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ مِنْ الْخِلَافِ فِي نَقْلِ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ رُكْنٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجْرِيَ لِأَنَّ الرُّكْنَ مَشْرُوعٌ فِي الِانْتِقَالَاتِ، فَإِنْ اُضْطُرَّ فِي مُوَافَقَةِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ إلَى ذِكْرٍ وَأَرَادَ الِاحْتِرَازَ عَنْ ذَلِكَ أَتَى مَكَانَهُ بِتَسْبِيحٍ أَوْ يَقُولُ مَكَانَ أَكْبَرُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ، وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي ذَلِكَ فَالْأَوْلَى التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فِعْلٌ كَثِيرٌ فَيَقْتَضِي الْبُطْلَانَ وَلَيْسَ مُتَفَرِّقًا فَهُوَ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ مِمَّا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبُطْلَانِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ضَعِيفًا لِعَدَمِ التَّوَالِي وَلِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ، فَلَوْ اُضْطُرَّ فِي مُوَافَقَةِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ فَلْيُقَلِّلْ الرَّفْعَ مَا أَمْكَنَ.
(فَصْلٌ) وَالتَّضْحِيَةُ يَوْمَ السَّبْتِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَكِنَّ الْأَوْلَى التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى التَّضْحِيَةِ أَفْضَلُ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى التَّأْخِيرِ وَالْوُقُوعِ مَعَهُ فِي الشَّكِّ وَنَحْنُ إنَّمَا اسْتَحْبَبْنَا صَوْمَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ وَلَا مَنْدُوحَةَ فِي حُصُولِ الْأَجْرِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ وَأَمَّا تَأْخِيرُ الْأُضْحِيَّةِ فَلَا دَاعِيَ إلَيْهِ.
(فَصْلٌ) قَدَّمْنَا أَنَّ فِي الْحُكْمِ بِالشَّهْرِ نَظَرًا، وَمِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى
стр. 215
غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوَّلُهُ إنْ كَانَ جِهَةً عَامَّةً كَبَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْفُقَرَاءِ فَيَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ لِلْفُقَرَاءِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ أَمَّا الْحُكْمُ هُنَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الصَّوْمِ أَوْ وُجُوبَهُ وَاسْتِحْبَابَ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَالْأُضْحِيَّةِ لَيْسَ لِلْجِهَةِ وَلَا عَلَيْهَا وَهَذَا مِمَّا يُبْعِدُ دُخُولَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) فَإِنْ سُلِّمَ دُخُولُهُ وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ ثُبُوتُ أَوَّلِ الشَّهْرِ الِاثْنَيْنِ وَالْحُكْمُ بِهِ فَهَلْ يَتَعَارَضُ الْحُكْمَانِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَقَدُّمَ الْحُكْمِ بِالْهِلَالِ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ.
(فَصْلٌ) إذَا قِيلَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِالْمُكَلَّفِينَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَشْمَلُ مَنْ يَحْدُثُ بُلُوغُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ الشَّهْرِ مَثَلًا فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِهَةِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إذَا صَحَّحْنَا الْحُكْمَ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ صِحَّتِهِ.
(فَصْلٌ) إذَا صَحَّحْنَا عَلَى الْعُمُومِ وَنَزَّلْنَاهُ عَلَى الْجِهَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْأَعْيَانِ وَلَا يَصِحُّ فِي وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِنْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى الْأَعْيَانِ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَنْ لَيْسَ قَاضِيًا مِثْلُ ذَاكَ الْقَاضِي أَمَّا مَنْ هُوَ قَاضٍ مِثْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَشْمَلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الَّذِي حَكَمَ فَإِنَّ الْعُرْفَ يَقْضِي بِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ دُونَهُ لَا عَلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي رُتْبَةِ الْقَضَاءِ، وَاحْتَرَزْنَا بِرُتْبَةِ الْقَضَاءِ عَنْ الْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ فَقَضَاءُ قَاضِي الْقُضَاةِ يَشْمَلُهُمْ لِأَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ بِالشَّرْعِ، وَالْقُضَاةُ نُصِّبُوا لِيَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْقَاضِيَيْنِ فَإِنَّهُمَا مُؤْتَمَرَانِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَلَكِنْ لَمْ يُنَصَّبْ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْقَضَاءِ عَلَى الْآخَرِ.
(فَصْلٌ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا مِنْ الْأُمُورِ الْقَطْعِيَّةِ وَلَيْسَتْ مِنْ مَحَالِّ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ قَطْعِيَّةٍ: أَحَدُهَا أَمْرٌ حِسَابِيٌّ عَقْلِيٌّ، وَالْآخَرُ أَمْرٌ عَادِيٌّ مَعْلُومٌ، وَالثَّالِثُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ مَعْلُومٌ فَالْغَلَطُ فِيهَا إذَا انْتَهَى إلَى هَذَا الْحَدِّ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَكِنْ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٌ جِدًّا فَعَلَى الْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَسْتَعْجِلَ بِالنَّقْضِ كَمَا قُلْنَا إنَّ عَلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَلَا يَسْتَعْجِلَ بِالْإِثْبَاتِ.
(فَصْلٌ) قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الْأَغْمَارِ وَالْجُهَّالِ تَوَقُّفٌ فِيمَا قُلْنَاهُ وَيَسْتَنْكِرُ الرُّجُوعَ إلَى الْحِسَابِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَيَجْمُدُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ يَثْبُتُ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا خِطَابَ مَعَهُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَكَلَّمُ مَعَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَبَصُّرٍ وَالْجَاهِلُ لَا كَلَامَ مَعَهُ.
(فَصْلٌ) مِمَّا يُؤْنِسُك فِي أَنَّ التَّجْوِيزَ الْعَقْلِيَّ مَعَ الِاسْتِحَالَةِ الْعَادِيَّةِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ مَسْأَلَةُ الْمَشْرِقِيِّ وَالْمَغْرِبِيَّةِ وَعَدَمِ لُحُوقِ النَّسَبِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فَلَمْ يَقُلْ بِلُحُوقِ النَّسَبِ إلَّا لِأَجْلِ الْفِرَاشِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَالزَّوْجَةُ فِرَاشٌ فَكَمَا نَفَى أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ النَّسَبَ لِلِاسْتِحَالَةِ الْعَادِيَّةِ وَخَصَّصُوا الْحَدِيثَ بِهِ كَذَا هُنَا بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ هُنَا لَيْسَ مَعَنَا نَصٌّ عَلَى قَبُولِ
стр. 216
الشَّهَادَةِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا النَّصُّ فِي الرُّؤْيَةِ وَهِيَ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ وَلَمْ يَحْصُلْ لَنَا هَهُنَا؛ وَفِي الْحَدِيثِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَالْعُمُومُ حَاصِلٌ فَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِهِ هُنَا.
(فَصْلٌ) فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالِاسْتِحَالَةِ قُلْنَا أَنْ نَقُولَ لِمَنْ لَا يَنْجَذِبُ طَبْعُهُ إلَى الْحِسَابِ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ زَيْدًا قَتَلَ عَمْرًا يَوْمَ كَذَا فِي بَلَدِ كَذَا فَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ عَمْرًا كَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي بَلَدٍ آخَرَ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ مِنْهَا إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَادَةً وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ عَقْلًا.
(فَصْلٌ) قَدْ دَلَّ الْحِسَابُ وَالِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ عَلَى أَنَّ السَّنَةَ الْقَمَرِيَّةَ ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَخُمُسُ وَسُدُسُ يَوْمٍ. وَهَذَا بِاعْتِبَارِ مُفَارَقَةِ الْهِلَالِ لِلشَّمْسِ، وَأَمَّا بِحَسْبِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ فَقَدْ يَنْتَهِي إلَى خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسْبِ الْكَسْرِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ شُهُورٌ يَقْتَضِي الْحِسَابُ اسْتِحَالَةَ نَقْصِ مَجْمُوعِهَا لَمْ تُسْمَعْ لِمَا قُلْنَاهُ، وَإِذَا غُمَّ الْهِلَالُ عَلَيْنَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَقْوَى فِي الْأَخِيرِ اعْتِمَادُ الْحِسَابِ وَالْحُكْمِ بِالْهِلَالِ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا ضَيَّقَ الْفَرْضُ كَمَا فَرَضْنَاهُ هَهُنَا يَكُونُ الْقَوْلُ بِهِ أَقْوَى وَأَوْلَى وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الْهِلَالَ إذَا غَابَ بَعْدَ الْعِشَاءِ]
(فَصْلٌ) حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْهِلَالَ إذَا غَابَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَهُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. وَهَذَا إذَا صَحَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُحْمَلُ إمَّا عَلَى وَقْتٍ خَاصٍّ أَوْ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْهِلَالَ إذَا فَارَقَ الشَّمْسَ وَكَانَ عَلَى خَمْسِ دَرَجٍ عِنْدَ الْغُرُوبِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ لَا يُرَى وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ فَإِذَا حُسِبَ ذَلِكَ مَعَ سَيْرِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً يُقِيمُ إلَى بَعْدِ الْعِشَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ عِنْدَهُ الْبَيَاضُ وَهُوَ يَتَأَخَّرُ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ﵀ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ فَلَقِيَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ فَقُلْنَا: إنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ. فَانْظُرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ كِبَارُ التَّابِعِينَ كَيْفَ ظَنُّوهُ ابْنَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ انْتَهَى.
стр. 217
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: أَنْشَدَنَا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ الْفَاضِلُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ شَيْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد التِّرْمِذِيُّ الْجُهَنِيُّ لِنَفْسِهِ:
يَا أَيُّهَا الْحَبْرُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ ... رَدْعُ الْعِدَى بِبَرَاعَةٍ وَلِسَانِهِ
بَيِّنْ لَنَا نَهْجَ الصَّوَابِ وَسِيلَةً ... لَا زَالَ عِلْمُك يُهْتَدَى بِبَيَانِهِ
فِي صَائِمٍ يَا صَاحَ قَبَّلَ زَوْجَهُ ... قَبْلَ انْتِهَاءِ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانِهِ
فَرَأَى الْمَنِيَّ مِنْ الْعَبَالَةِ هَلْ لَهُ ... صَوْمٌ أَمْ الْفُتْيَا عَلَى بُطْلَانِهِ
هَلْ تُوجِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ ... أَمْ لَا وَهَلْ يُقْضَى عَلَى إتْيَانِهِ
تَمَّ السُّؤَالُ أَجِبْ جَوَابًا شَافِيًا ... مِمَّا حَبَاك اللَّهُ مِنْ إحْسَانِهِ
هَذَا سُؤَالُ التِّرْمِذِيِّ مُحَمَّدٍ ... الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ بِشَانِهِ
فَأَجَبْت فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ:
يَا فَاضِلًا نَظْمَ السُّؤَالِ مُحَبِّرًا ... عَنْ شَأْنِ مَنْ قَدْ لَحَّ فِي عُدْوَانِهِ
لَمَّا تَجَرَّأَ جَاهِلٌ لِصِيَامِهِ ... مِنْ غَيْرِ تَعْظِيمٍ لِحُرْمَةِ شَانِهِ
يَقْضِي وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ ... وَالْقَطْعُ مَحْتُومٌ عَلَى عِصْيَانِهِ
يَا وَيْلَهُ مِنْ حَرِّ نَارِ جَهَنَّمَ ... وَعَذَابِهِ فِيهَا وَعِظَمِ هَوَانِهِ
دَعْهُ يَتُوبُ لَعَلَّ يُغْفَرُ مَا جَنَى ... مُتَضَرِّعًا لِلَّهِ فِي غُفْرَانِهِ
هَذَا جَوَابٌ عَلَى السُّبْكِيّ عَنْ ... فَضْلٍ حَبَاهُ اللَّهُ مِنْ إحْسَانِهِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مَا يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ إنَّ الْأَوْلَى لِلسَّالِكِ مُلَازَمَةُ ذِكْرٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَنْفَتِحَ قَلْبُهُ وَيَجْتَمِعَ وَلَا يَتَفَرَّقَ. هُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الضَّعِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ فَيُرَبَّى كَمَا يُرَبَّى الطِّفْلُ وَكَمَا يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ شَيْئًا فَشَيْئًا وَالْأَسْهَلَ فَالْأَسْهَلَ، فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْمَشَايِخِ وَصَنِيعُهُمْ، وَلَا نَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَالْكَامِلُونَ الْأَقْوِيَاءُ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَكَثِيرٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ تَقْوَى قُلُوبُهُمْ عَلَى الْمَعَارِفِ الْكَثِيرَةِ لَيْسُوا كَذَلِكَ وَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا السَّالِكِ الْمُقْتَصِرِ عَلَى ذِكْرٍ وَاحِدٍ، لِذَلِكَ أَقُولُ فِي مَقَامِ الْفَنَاءِ الَّذِي يُعَظِّمُهُ الصُّوفِيَّةُ وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ أَعْلَى الْأَحْوَالِ وَأَنَّهُ رُبَّمَا يُسْلَبُ التَّكْلِيفُ فَأَقُولُ إنَّمَا فِي الضَّعِيفِ الَّذِي تَبْهَرُ لُبَّهُ صِفَاتُ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ أَضْعَافَ ذَلِكَ فَيَغِيبُ عَنْ نَفْسِهِ. وَالْكَامِلُونَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ شُهُودِ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ وَالْجَمَالِ أَضْعَافُ ذَلِكَ وَيَحْصُلُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ اللَّذَّةِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْحَالِ مِثْلُ مَا حَصَلَ لِأُولَئِكَ وَلَا يَغِيبُونَ عَنْ حِسِّهِمْ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ التَّكْلِيفُ بَلْ تَكُونُ تِلْكَ الْحَالَةُ مُنْغَمِرَةً مَسْتُورَةً بِبَقِيَّةِ أَحْوَالِهِمْ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ أَخْذَ الْمَعَانِي مِنْ الْأَلْفَاظِ كَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ وَأَخْذَهَا مِنْ مَعْدِنِهَا كَمَنْ يَمْشِي سَوِيًّا. وَفِيهِ نَظَرٌ.
стр. 218
لِأَنَّ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يُوثَقُ بِهِ نَعَمْ إنَّ الْمَعَانِيَ أَوْسَعُ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَتَأْثِيرُ الْكَلَامِ فِي النَّفْسِ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
(أَحَدُهَا) بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الْمُتَكَلِّمُ.
(وَالثَّانِي) : بِصُورَتِهِ الَّتِي صَنَعَتْ ذَلِكَ.
(وَالثَّالِثُ) : بِحَالَةٍ فِي الْمُتَكَلِّمِ تُقَرِّرُ مَعْنَى ذَلِكَ الْكَلَامِ فِي قَلْبِهِ وَتَكَيُّفِهِ بِهِ وَكَيْفِيَّةِ إلْقَائِهِ لِلسَّامِعِ وَالْحَالَةِ الَّتِي تَلْبَسُهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
(وَالرَّابِعُ) : بِحَالَةٍ فِي السَّامِعِ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَتَفْرِيغِ قَلْبِهِ وَإِلْقَائِهِ سَمْعَهُ وَطِيبِ مَنْبَتِهِ حَتَّى يَكُونَ قَلْبُهُ كَالْأَرْضِ الَّتِي يُلْقَى فِيهَا الْبَذْرُ وَتَشَوُّقِهِ لَهُ وَقَبُولِهِ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْعِلَّةُ الْمَادِّيَّةُ، وَالثَّانِي: الْعِلَّةُ الصُّورِيَّةُ وَالثَّالِثُ: الْعِلَّةُ الْفَاعِلِيَّةُ، وَالرَّابِعُ: الْعِلَّةُ الْقَابِلِيَّةُ؛ وَمِنْ هَذَا كَانَ كَلَامُ النَّبِيِّ ﷺ لِلصَّحَابَةِ لَا شَيْءَ أَعْظَمُ تَأْثِيرًا مِنْهُ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَعَدِمُوا تِلْكَ الْحَالَةَ الشَّرِيفَةَ وَهِيَ مُخَاطَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَبَقِيَتْ عِنْدَهُمْ الْعِلَّةُ الْمَادِّيَّةُ وَالصُّوَرُ بِبَقَاءِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَأَلْفَاظِ السُّنَّةِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ بِالْمَعْنَى فَهُوَ حَاصِلٌ لَنَا كَمَا هُوَ حَاصِلٌ لِلصَّحَابَةِ، وَأَمَّا الْقَابِلِيَّةُ فَبِحَسْبِ مَا يُفِيضُهُ اللَّهُ مِنْ الْأَنْوَارِ عَلَى قُلُوبِنَا وَهِيَ لَوْ بَلَغَتْ مَا بَلَغَتْ لَا تَصِلُ إلَى رُتْبَةِ الصَّحَابَةِ وَأَيْنَ وَأَيْنَ فَكُلُّ مَعْنًى خَطَرَ فِي الْقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْ عَرْضِهِ عَلَى كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي هِيَ جَوَامِعُ الْكَلِمِ فَإِذَا شَهِدَتْ لَهَا قُبِلَتْ وَإِلَّا رُدَّتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبْت بُكْرَةَ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.
[حِفْظُ الصِّيَامِ مِنْ فَوْتِ التَّمَامِ]
(مَسْأَلَةٌ فِي حِفْظِ الصِّيَامِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَبَعْدُ فَقَدْ سُئِلْت عَنْ الصَّائِمِ إذَا حَصَلَ مِنْهُ شَتْمٌ أَوْ غِيبَةٌ ثُمَّ تَابَ هَلْ يَزُولُ مَا حَصَلَ لِصَوْمِهِ مِنْ النَّقْصِ أَوْ لَا؟ فَابْتَدَرَ ذِهْنِي إلَى أَنَّهُ لَا يَزُولُ فَنَازَعَ السَّائِلُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ذُو عِلْمٍ وَزَادَ فَادَّعَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتُبْ لَا يَحْصُلُ لِصَوْمِهِ نَقْصٌ لِأَنَّهَا صَغِيرَةٌ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَلَا تَنْثَلِمُ بِهَا تَقْوَاهُ.
وَرُبَّمَا زَادَ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهَا وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَانْتَقَصَ الصَّوْمُ وَإِنَّمَا تَنْثَلِمُ تَقْوَاهُ وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلَا تَثْلَمُ تَقْوَاهُ لِأَنَّهَا تَقَعُ مُكَفِّرَةً وَلِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا وَنُدْرَةِ السَّالِمِينَ عَنْهَا. وَقَدْ تَضَمَّنَ سُؤَالُهُ هَذَا وَمُرَاجَعَتُهُ جُمْلَةً مِنْ الْمَسَائِلِ تَحْتَاجُ أَنْ نُجِيبَ عَنْهَا فَنَقُولَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ:
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي أَنَّ الصَّوْمَ هَلْ يَنْقُصُ بِمَا قَدْ يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الْمَعَاصِي أَوْ لَا؟
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْقُصُ وَمَا أَظُنُّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ
стр. 219
سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ لِمَا قُلْنَاهُ لِأَنَّ الرَّفَثَ وَالصَّخَبَ وَقَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ مِمَّا عُلِمَ النَّهْيُ عَنْهُ مُطْلَقًا لِلصَّائِمِ وَلِغَيْرِهِ، وَالصَّوْمُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ إذَا حَصَلَتْ فِيهِ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهَا فِيهِ مَشْرُوطَةً بِهِ مُقَيَّدَةً بِتَوْبَةٍ مَعْنًى نَفْهَمُهُ فَلَمَّا ذُكِرَتْ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ تَنَبَّهْنَا عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا زِيَادَةُ قُبْحِهَا فِي الصَّوْمِ عَلَى قُبْحِهَا فِي غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي الْحَثُّ عَلَى سَلَامَةِ الصَّوْمِ عَنْهَا وَإِنَّ سَلَامَتَهُ عَنْهَا صِفَةُ كَمَالٍ فِيهِ لِأَنَّهُ صَدَّرَ الْحَدِيثَ بِهِ، وَقُوَّةُ الْكَلَامِ تَقْتَضِي أَنَّ تَقْبِيحَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الصَّوْمِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكْمُلُ بِالسَّلَامَةِ عَنْهَا فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ عَنْهَا نَقَصَ كَمَا قُلْنَاهُ، وَقَوْلُ الزُّورِ وَالْعَمَلُ بِهِ حَرَامَانِ وَالرَّفَثُ وَالصَّخَبُ قَدْ لَا يَكُونَانِ حَرَامَيْنِ بَلْ صِفَتَا نَقْصٍ فَعَلِمْنَا بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ بِنَبْغِي لِلصَّائِمِ تَنْزِيهُ صَوْمِهِ عَمَّا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَالرَّذَائِلِ الْمُنَافِيَةِ لِلْعِبَادَةِ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] فَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الْمَعَاصِيَ لِأَنَّ الصَّائِمَ أَظَلْفُ لِنَفْسِهِ وَأَرْدَعُ لَهَا مِنْ مُوَاقَعَةِ السُّوءِ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي فِي قَوْلِهِ ﷺ «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» فَفَهِمَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ لِإِضْعَافِ الصَّوْمِ الْبَدَنَ فَتَضْعُفُ الشَّهْوَةُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ زَائِدٌ عَلَيْهِ حَاصِلٌ مَعَهُ وَهُوَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكُونُ حَامِلًا لَهُ عَلَى مَا يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ إمَّا لِبَرَكَةِ الصَّوْمِ وَإِمَّا لِأَنَّ حَقِيقًا عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَكُفَّ فَإِنَّهُ إذَا أُمِرَ بِالْكَفِّ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْمُبَاحَيْنِ فَالْكَفُّ عَنْ الْحَرَامِ أَوْلَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّكَالِيفَ قَدْ تُرَدُّ بِأَشْيَاءٍ وَيُنَبَّهُ بِهَا عَلَى أَشْيَاءَ أُخْرَى بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ، وَقَدْ كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِمَعَارِفَ وَأَحْوَالٍ فِي قُلُوبِهِمْ وَبِأَقْوَالٍ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ وَبِأَعْمَالٍ فِي جَوَارِحِهِمْ وَبِتُرُوكٍ، وَلَيْسَ مَقْصُودًا مِنْ الصَّوْمِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ فِي الْمَنْهِيَّاتِ وَكَمَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْهَا بِالْإِجْمَاعِ بَلْ هُوَ إمْسَاكٌ وَلَعَلَّهُ كَانَ الْمَقْصِدُ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ الْإِمْسَاكَ عَنْ كُلِّ الْمُخَالَفَاتِ لَكِنَّهُ يَشُقُّ فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنَّا وَأَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ وَنَبَّهَ الْعَاقِلَ بِذَلِكَ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ.
وَأَرْشَدنَا إلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ الْمُبَيِّنِ لِمَا نَزَلَ فَيَكُونُ
стр. 220
اجْتِنَابُ الْمُفْطِرَاتِ وَاجِبًا وَاجْتِنَابُ الْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِهَا مُفْطِرَةً أَمْ لَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُفْطِرَةً فَاجْتِنَابُهَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ وَاجْتِنَابُ سَائِرِ الْمَعَاصِي وَالْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي لَا تُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ بَابِ كَمَالِ الصَّوْمِ وَتَمَامِهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى بُطْلَانِ الصَّوْمِ بِكُلِّ الْمَعَاصِي وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: إذَا صُمْت فَلْيَصُمْ سَمْعُك وَبَصَرُك وَلِسَانُك عَنْ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ وَأَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْك وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِك وَيَوْمَ صَوْمِك سَوَاءً. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ إذَا صُمْت فَتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْت. فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الصَّوْمَ يَنْقُصُ بِمُلَابَسَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِهَا وَأَنَّ السَّلَامَةَ عَنْهَا صِفَةٌ فِيهِ وَكَمَالٌ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّنْبِيهِ: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنْ الشَّتْمِ وَالْغِيبَةِ فَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ " يَنْبَغِي " الْمُشْعِرَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنَّ التَّنَزُّهَ مُطْلَقًا عَنْ الْغِيبَةِ وَاجِبٌ وَلَكِنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّنَزُّهَ عَنْ الْغِيبَةِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي الصَّوْمِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ حَصَلَ الْإِثْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ لِلنَّهْيِ الْمُطْلَقِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ لِلتَّحْرِيمِ وَحَصَلَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ النَّدْبِ بِتَنْزِيهِ الصَّوْمِ عَنْ ذَلِكَ وَنَقَصَ الصَّوْمُ بِتِلْكَ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ خَاصَّةٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ صَوْمٌ، وَهِيَ غَيْرُ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَقْصِ الصَّوْمِ بِذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِي الْحَجِّ مِثْلُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَفِي ذَلِكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ سَلَامَةَ الْحَجِّ عَنْ ذَلِكَ كَمَالٌ لَهُ وَتَرْكُ الْكَمَالِ نَقْصٌ فَتَرْكُ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي الْحَجِّ؛ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَأَعْظَمُ مِنْ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ مِنْ تَصْنِيفِهِ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ انْتَخَبْتُهُ لَمَّا كُنْت بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: أَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَغَلَ جَارِحَةً مِنْ جَوَارِحِهِ بِعَمَلٍ مِنْ غَيْرِ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ أَوْ بِفِكْرٍ وَشَغَلَ قَلْبَهُ بِالنَّظَرِ فِي غَيْرِ عَمَلِ الصَّلَاةِ إنَّهُ مَنْقُوصٌ مِنْ ثَوَابِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَاقِدًا جَزَاءً مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ وَكَمَالِهَا.
стр. 221
فَالْمُصَلِّي كَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا إذَا كَانَ يَمْنَعُ قَلْبَهُ وَجَمِيعَ بَدَنِهِ مِنْ غَيْرِ الصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ إلَّا إنْ ثَقُلَ بَدَنُهُ عَلَيْهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ يُنَاجِي الْمَلِكَ الْأَكْبَرَ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمَنْ صَدَّقَ بِذَلِكَ أَنْ يَلْتَفِتَ أَوْ يَغِيبَ أَوْ يَتَفَكَّرَ أَوْ يَتَحَرَّكَ بِغَيْرِ مَا يُحِبُّ الْمُقْبِلُ عَلَيْهِ وَمَا يَقْوَى قَلْبُ عَاقِلٍ لَبِيبٍ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَلْقِ مَنْ لَهُ عِنْدَهُ قَدْرٌ فَيَرَاهُ يُوَلِّي عَنْهُ كَيْفَ وَكُلُّ مُقْبِلٍ سِوَى اللَّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَى ضَمِيرِ مَنْ وَلَّى عَنْهُ بِضَمِيرِهِ وَاَللَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى الْمُصَلِّي بِوَجْهِهِ يَرَى إعْرَاضَهُ بِضَمِيرِهِ وَبِكُلِّ جَارِحَةٍ سِوَى صَلَاتِهِ الَّتِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُؤْمِنٍ عَاقِلٍ أَنْ يُخِلَّهَا أَوْ يَلْتَفِتَ أَوْ يَتَشَاغَلَ بِغَيْرِ الْإِقْبَالِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَالَ ﷺ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى»
وَعَنْهُ ﷺ قَالَ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِ أَحَدِكُمْ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ. وَمِمَّا أَوْحَى اللَّهُ إلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ إلَى وَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْعَبْدَ إذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ بَيْنَ عَيْنَيْ الرَّحْمَنِ فَإِذَا الْتَفَتَ قَالَ لَهُ الرَّبُّ ابْنَ آدَمَ أَقْبِلْ إلَيَّ فَإِذَا الْتَفَتَ الثَّانِيَةَ قَالَ لَهُ الرَّبُّ ابْنَ آدَمَ أَقْبِلْ إلَيَّ فَإِذَا الْتَفَتَ الثَّالِثَةَ أَوْ الرَّابِعَةَ قَالَ لَهُ الرَّبُّ ابْنَ آدَمَ لَا حَاجَةَ لِي فِيك» سَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
هَذَا كُلُّهُ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الِالْتِفَاتُ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَانْظُرْ نَقْلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَلَى جَلَالَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَقْصِ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَأَكْثَرُهَا لَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذَاهِبِ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الَّذِي حَكَيْنَاهُ إنْكَارَ جَوَازِ الِالْتِفَاتِ وَلَا يُسْتَبْعَدُ مَا قَالَهُ فَمَا قَالَهُ مِنْ الدَّلِيلِ قَوِيٌّ فِيهِ؛ وَحَقِيقٌ بِالْمُسْلِمِ أَنْ يُرَوِّضَ نَفْسَهُ حَتَّى يَصِيرَ كَذَلِكَ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ الْإِجْمَاعِ لَا يُعَارِضُهُ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّهَا كَامِلَةٌ؛ وَهُوَ إنَّمَا نَقْلُ الْإِجْمَاعِ فِي النَّقْصِ وَأَنَّ ذَلِكَ جُزْءٌ مِنْهَا فَقَدْ تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ صَحِيحٌ فِي الْعِبَادَاتِ الثَّلَاثِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَشَوَاهِدِ الْكِتَابِ
стр. 222
وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْفُقَهَاءِ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَفِي الصَّلَاةِ وَالِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ وَنِعْمَ مَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا شَوَاهِدُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْفُقَهَاءِ فَفِي الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ هَذَا جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ مَثَلًا لَوْ قَارَنَهُمَا مَعْصِيَةٌ أَوْ نَحْوُهَا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لَنَا أَنَّ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ إذَا كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُمَا لَا يَتَأَثَّرَانِ بِهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا مِنْ نُصْرَةِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَالْإِثْخَانِ فِي الْأَرْضِ وَسَدِّ خُلَّةِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَتَطْهِيرِ النَّفْسِ وَالْمَالِ حَاصِلٌ لَا أَثَرَ لِتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فِيهِ أَلْبَتَّةَ وَلَا صِفَةَ لَهُمَا مِنْهَا وُجُودًا وَلَا عَدَمًا وَفَاعِلٌ مُمْتَثِلٌ لِجِهَادِهِ وَصَدَقَتِهِ عَاصٍ بِمُخَالَفَتِهِ فِي شَيْءٍ آخَرَ فَيُثَابُ عَلَيْهِمَا ثَوَابًا كَامِلًا وَيَأْثَمُ عَلَى ذَاكَ.
وَأَمَّا هَذِهِ الْعِبَادَاتُ الثَّلَاثُ فَالْعَبْدُ فِيهَا مُنْتَصِبٌ بِقَلْبِهِ وَبَدَنِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ بِأَعْمَالٍ قَاصِرَةٍ عَلَيْهِ وَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا نَفْعٌ لِغَيْرِهِ وَحُقُوقٌ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ أَمَّا الصَّلَاةُ فَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ إقْبَالِ الرَّبِّ عَلَيْهِ وَأَنَّ اللَّهَ فِي قِبْلَتِهِ وَمَا أَرْشَدَهُ إلَيْهِ مِنْ الْأَدَبِ فِيهَا، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَبِالْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَسَلْبِهِ الْحَاجَةَ فِي مُجَرَّدِ تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
وَأَمَّا الْحَجُّ فَبِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَسَلْبِهَا الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ وَالْجِدَالَ مِنْ مَاهِيَّةِ الْحَجِّ وَأَنَّ بَدَنَ الْحَاجِّ مُنْتَصِبٌ فِي تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ وَالتَّجَرُّدِ فِيهَا.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ فِي الْعِبَادَاتِ الثَّلَاثِ مُسْتَوْعِبَةٌ لِلْبَدَنِ كُلِّهِ لِمَعَانٍ قَاصِرَةٍ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ مِمَّا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ مَنَافِعَ وَحُقُوقٍ: أَمَّا الْمَنَافِعُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَالِانْتِهَاءُ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فِي الصَّلَاةِ فَقَوْلُ الْمُصَلِّي السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَإِصَابَتُهَا لِكُلِّ صَالِحٍ مِنْ مَلِكٍ وَغَيْرِهِ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَهَذَانِ حَقَّانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمُصَلِّي لِغَيْرِهِ.
وَفِي الصَّوْمِ الْكَفُّ عَنْ شَتْمِ الْخَلْقِ وَغِيبَتِهِمْ وَأَذَاهُمْ. وَفِي الْحَجِّ إقَامَةُ مَنَارِ تِلْكَ الشَّعَائِرِ فَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ الْأَغْلَبُ فِيهِمَا حَقُّ الْغَيْرِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ، وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ الْأَغْلَبُ فِيهَا حَقُّ الْمُكَلَّفِ نَفْسِهِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَيَبْقَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَلَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَدْلَلْنَا بِهِمَا أَمَّا الرَّفَثُ فَيُطْلَقُ عَلَى الْجِمَاعِ وَهُوَ مِنْ مُفْطِرَاتِ الصَّوْمِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ حَرَامًا إذَا كَانَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ.
وَقَدْ لَا يَكُونُ حَرَامًا إذَا كَانَ مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ أَوْ عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَهِّي بِهِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ عَنْ الْحَدِّ الْجَائِزِ، وَالصَّخَبُ ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا وَقَدْ لَا يَكُونُ حَرَامًا بِحَسْبِ عَوَارِضِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الزُّورِ وَالْعَمَلُ
стр. 223
بِهِ فَلَا يَخْفَى تَحْرِيمُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» فَيَحْتَاجُ إلَى فَهْمِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا فِي تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا لَا فِيمَنْ تَرَكَ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَلَا فِيمَنْ لَمْ يَتْرُكْ، وَهَذَا أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ وَإِنَّمَا وَجْهُ هَذَا الْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مِمَّا خَطَرَ لِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ عِبَادَهُ بِتَكَالِيفَ تَعُودُ إلَيْهِمْ إمَّا لِحَاجَتِهِمْ إمَّا قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي قَلْبِهِ أَوْ فِي بَدَنِهِ وَإِمَّا مُتَعَدِّيَةٌ إلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْعِبَادِ لِحَاجَتِهِمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ عِبَادَاتِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ تَقْوَانَا أَيْضًا وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِهَا لِحَاجَتِنَا وَحَاجَةِ بَقِيَّةِ الْعِبَادِ إلَيْهَا.
وَقَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» ، ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى تَلَطَّفَ فِي الْخِطَابِ وَالْأَمْرِ وَتَحْصِيلِ مَصَالِحِنَا فَقَالَ تَعَالَى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي قَرْضٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْفُقَرَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ - اخْتِبَارًا لَهُمْ هَلْ يَصْبِرُونَ أَوْ لَا وَلِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ خَلْقِهِ هَلْ يَقُومُونَ بِحَقِّهِمْ أَوْ لَا - مُحْتَاجِينَ جَعَلَ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ كَالْقَرْضِ مِنْهُمْ لِيُوَفُّوهُمْ إيَّاهُمْ مِنْ فَضْلِ رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ بَالَغَ فَجَعَلَ ذَلِكَ قَرْضًا لَهُ .
وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُك فَلَمْ تُطْعِمْنِي فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَطْعَمَك عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُك فَلَمْ تَسْقِنِي فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ: اسْتَسْقَاك عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ فَلَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي ثُمَّ يَقُولُ: مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَيْف أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: مَرِضَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَعُدْهُ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» .
(فَائِدَةٌ عَارِضَةٌ) قَالَ فِي الْأَوَّلَيْنِ " لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي " وَفِي هَذَا " لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ " لِأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَرُوحُ إلَى أَحَدٍ بَلْ يَأْتِي النَّاسُ إلَيْهِ فَنَاسَبَ أَنْ يَقُولَ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَطْعِمِ وَالْمُسْتَسْقِي فَإِنَّهُمَا قَدْ يَأْتِيَانِ إلَى غَيْرِهِمَا مِنْ النَّاسِ، فَإِذَا عُرِفَ هَذَا ظَهَرَ حُسْنُ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» أَيْ أَنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ السِّرِّ فِي الْأَمْرِ بِهِ مِنْ نَفْعٍ يَحْصُلُ فِي قَلْبِ الصَّائِمِ أَوْ فِي بَدَنِهِ أَوْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ لَا حَاجَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ لَا لِلصَّائِمِ لِأَنَّهُ تَعْذِيبُ بَدَنِهِ بِتَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ غَيْرِ نَتِيجَةٍ فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ
стр. 224
غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادِ فَانْتَفَتْ الْحَاجَةُ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِلْعِبَادِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَوَضَعَ اللَّفْظَ مَوْضِعَ اللَّفْظِ لِحَاجَةِ الْخَلْقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رُتْبَةَ الْكَمَالِ فِي الصَّوْمِ قَدْ تَكُونُ بِاقْتِرَانِ طَاعَاتٍ بِهِ مِنْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَاعْتِكَافٍ وَصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِهَا وَقَدْ تَكُونُ بِاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتٍ. فَكُلُّ ذَلِكَ يَزِيدُهُ كَمَالًا وَمَطْلُوبٌ فِيهِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ أَجْوَدُ الثَّانِي بِالرَّفْعِ، بَلْ أَقُولُ: إنَّ الْكِمَالَاتِ فِي الصَّوْمِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ قَدْ تَكُونُ بِزِيَادَةِ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يَتَنَاهَى فَلَيْسَ لِحَدِّ الْكَمَالِ نِهَايَةٌ وَكُلُّ مَا كَانَ كَمَالًا فَفَوَاتُهُ نَقْصٌ لَا سِيَّمَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا ... كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
لَا سِيَّمَا فِي مُخَالَفَةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِالصَّوْمِ مِنْ تَرْكِ مَأْمُورٍ أَوْ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ فَهِيَ نَقْصٌ لَا مَحَالَةَ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى شُرِعَ الِاسْتِغْفَارُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ وَالِاسْتِغْفَارُ بِالْأَسْحَارِ بَعْدَ قِيَامِ اللَّيْلِ وَعَدَمِ الْهُجُوعِ لَيْلًا.
فَأَعْلَى مَرَاتِبِ الصَّوْمِ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَأَنْزَلُهَا مَا لَا يَبْقَى بَعْدَهُ إلَّا الْبُطْلَانُ، وَاَلَّذِي يُثْلِمُ التَّقَوِّي مِنْ ذَلِكَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ مِنْ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ وَدَعْوَى كَوْنِ الصَّغِيرَةِ لَا تُثْلِمُ التَّقْوَى مَمْنُوعَةً فَإِنَّ التَّقْوَى مَرَاتِبُ: إحْدَاهَا تَقْوَى الشِّرْكِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] الْمَعْنَى هُنَا مَنْ اتَّقَى الشِّرْكَ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ اتَّقَى الشِّرْكَ يُتَقَبَّلُ مِنْهُ، الثَّانِيَةُ تَقْوَى الْكَبَائِرِ، الثَّالِثَةُ تَقْوَى الصَّغَائِرِ، وَالرَّابِعَةُ تَقْوَى الشُّبُهَاتِ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» وَإِذَا كَانَ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَقْوَى فَتَرْكُ الصَّغَائِرِ أَوْلَى فَإِذَا لَمْ يَتْرُكْهَا فَقَدْ انْخَرَمَتْ تَقْوَاهُ وَلَا بُدَّ حِينَ ارْتَكَبَ الصَّغِيرَةَ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مُحَرَّمَةً وَمَعْصِيَةً وَمَذْمُومًا فَاعِلُهَا وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يُكَفِّرُهَا غَيْرُهَا فَلَا رِيبَةَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ تُنَافِي التَّقْوَى إلَّا أَنَّ التَّقْوَى عَلَى مَرَاتِبَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَالتَّقْوَى الْكَامِلَةُ تُنَافِيهَا الصَّغِيرَةُ قَطْعًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَالتَّوْبَةِ أَمَّا بَعْدَ التَّكْفِيرِ وَالتَّوْبَةِ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) : فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ وَشُرُوطُهَا وَأَحْكَامُهَا فِي غَيْرِ مَا نَقْصِدُهُ مَعْرُوفَةٌ وَأَمَّا مَا نَقْصِدُهُ هُنَا فَقَدْ نَظَرْت مَا حَضَرَنِي مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَلَمْ أَجِدْ التَّوْبَةَ إلَّا فِي الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] بَعْدَ ذِكْرِهِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النُّورِ إلَى هُنَا أَحْكَامَ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي وَالْقَذْفَ وَقَضِيَّةَ الْإِفْكِ الَّتِي لَا شَيْءَ أَقْبَحُ مِنْهَا، وَكَمْ حَصَلَ فِي تِلْكَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ مِنْ
стр. 225
الِالْتِفَاتِ الدَّالِّ عَلَى قُوَّةِ الْغَضَبِ وَذَلِكَ لِأَجْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّهْيِ عَنْ دُخُولِ الْبُيُوتِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَالْأَمْرِ بِغَضِّ الْبَصَرِ لِأَجْلِ النَّظَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِبْدَاءِ الزِّينَةِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَنَاهٍ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ. وَجَزَاؤُهُمْ بَعْدَ مَا ذَكَرَ ثَلَاثَةً مِنْ الْمَأْمُورَاتِ وَوَاحِدٌ فِيهِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَهُوَ الْإِنْفَاقُ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ ثُمَّ خَتَمَ بِثَلَاثَةٍ وَقَالَ عَنْ الْعَشَرَةِ ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] فَلَا شَكَّ أَنَّ التَّوْبَةَ عَنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يَرْتَفِعُ بِهَا إثْمُهُ.
وَأَمَّا التَّوْبَةُ عَنْ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَمْ أَجِدْهَا وَتَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ حَرَامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَكِنْ لَا يَكْفِي بِدُونِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ فِيهِ فَلَوْ فَرَضْنَا مَنْ تَرَكَ صَلَاةً عَامِدًا ثُمَّ نَدِمَ وَتَابَ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الْقَضَاءِ هَلْ نَقُولُ لَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ أَصْلًا حَتَّى يَقْضِيَ أَوْ تَصِحُّ وَيَسْقُطُ الْإِثْمُ السَّابِقُ وَتَبْقَى الصَّلَاةُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْأَوَامِرَ قَصَدَ فِيهَا فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ لِمَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِ وَلَا تَحْصُلُ لَك الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِالْفِعْلِ فَإِذَا تَرَكَ عَصَى لِإِخْلَالِهِ بِالْمَقْصُودِ؛ وَتِلْكَ الْمَعْصِيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَقْصُودِ فَلَا يَسْقُطُ الْفِعْلُ قَطْعًا وَلَا الْإِثْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَأَمَّا النَّوَاهِي فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا عَدَمُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ الْمُكَلَّفُ بِهِ هُوَ الْكَفُّ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ الْعَدَمُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ سَاهِيًا لَمْ يَأْثَمْ لِحُصُولِ مَقْصُودِ النَّهْيِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ السَّاهِي عِبَادَةً؛ وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ رِيَاءً وَسُمْعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالتَّرَدُّدُ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ أَمَّا الْفِعْلُ فَلَا يَسْقُطُ قَطْعًا إلَّا بِالْفِعْلِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمَنْهِيَّاتُ تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ، وَالْمَأْمُورَاتُ لَا تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) : إذَا تَابَ عَنْ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ الْحَاصِلَتَيْنِ مِنْهُ فِي الصَّوْمِ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ كَبِيرَةً وَفَعَلَ صَغِيرَةً وَحَصَلَ مِنْهُ مِنْ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا كَفَّرَهَا فَلَا شَكَّ فِي سُقُوطِ إثْمِهَا وَلَكِنْ هَلْ نَقُولُ ذَلِكَ النَّقْصُ الَّذِي حَصَلَ مِنْهَا لِلصَّوْمِ يَزُولُ وَيَزُولُ حُكْمُهَا كَمَا زَالَ إثْمُهَا أَوْ لَا يَزُولُ؟
هَذَا أَصْلُ السُّؤَالِ وَاسْتَعْظَمْت الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا أَمْرُهُ إلَى اللَّهِ يَظْهَرُ لَنَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فِي الْأَعْمَالِ فَلَمْ نُتَكَلَّفْ الْخَوْضَ فِيهِ، ثُمَّ قُلْت: لَعَلَّ بِعِلْمِهِ يَكُفُّ الصَّائِمُ وَيَزْدَادُ حَذَرًا مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَزُولُ النَّقْصُ وَيَزْدَادُ شُكْرُهُ لِلَّهِ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَزُولُ النَّقْصُ فَنَظَرْت فَرَجَحَ عِنْدِي عَلَى ثَلْمٍ
стр. 226
فِيهِ وَهُوَ إنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ:
وَأَمَّا الرُّجْحَانُ عِنْدِي فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَزُولُ النَّقْصُ لِأَنَّ الَّذِي تَخَيَّلْتُهُ مِمَّا قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ لِزَوَالِ النَّقْصِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا وَأَنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ جَبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْإِثْمِ، وَتَشْبِيهُ التَّائِبِ بِمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ فِي ذَلِكَ خَاصَّةً وَالْمُشَبَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمَوْضِعُ التَّشْبِيهِ هُوَ الذَّنْبُ السَّابِقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا مِنْ حَيْثُ عَوَارِضُهُ وَمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ» مَعْنَاهُ مِنْ الذَّنْبِ الْمَعْهُودِ أَوْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ أَوْ مِنْ جِنْسِ الذَّنْبِ، وَقَوْلُهُ «كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» الْمَقْصُودُ بِهِ الْعَهْدُ وَأَنَّ الْمَعْنَى كَمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ ذَلِكَ الذَّنْبِ قَطُّ وَلَا يَبْقَى فِيهِ تَعَلُّقٌ لِلسَّبَبِ؛ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ مَعَ الذَّنْبِ الْمُتَقَدِّمِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ مَعَ إرَادَةِ الْعَهْدِ أَوْ الْجِنْسِ فِي الْأَوَّلِ فَنَحْنُ نَمْنَعُ أَنَّ هَذَا مُرَادٌ لِتَعَذُّرِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ قَدْ تُعَادُ مَعْرِفَةً وَالنَّكِرَةَ قَدْ تُعَادُ مَعْرِفَةً فَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ.
وَالنَّكِرَةُ تُعَادُ نَكِرَةً وَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا إعَادَةُ الْمَعْرِفَةِ نَكِرَةً فَقَلِيلٌ وَوَرَدَ مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْهُ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ أَثَرُ التَّوْبَةِ إنَّمَا هُوَ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَنْهِيَّاتِ دُونَ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ، وَفَوَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الصَّوْمِ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا التَّوْبَةُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا حَجَّ فَرَفَثَ فِي حَجِّهِ وَفَسَقَ وَجَادَلَ ثُمَّ تَابَ لَا يُمْكِنَّا أَنْ نَقُولَ عَادَ حَجُّهُ كَامِلًا بَعْدَ مَا نَقَصَ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ نَهَارِ الصَّوْمِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ.
وَمِمَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ الرُّجُوعُ وَالرُّجُوعُ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ يَكْفِي لِأَنَّ الْعَدَمَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ فَاتَ وَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَالْقَصْدُ إلَيْهِ قَدْ حَصَلَ الرُّجُوعُ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ فَكَفَى، وَأَمَّا تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِذَا رَجَعَ عَنْهُ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْفِعْلِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ فَمَنْ تَابَ مِنْ الْحَرَامِ الْوَاقِعِ فِي الصَّوْمِ حَصَّلَ الْمَقْصُودَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَرَامِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَارْتَفَعَ إثْمُهُ وَلَمْ يُحَصِّلْ الْمَقْصُودَ فِي تَحْصِيلِ صِفَةِ السَّلَامَةِ لِلصَّوْمِ إذْ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ؛ وَفِي هَذَا احْتِمَالٌ هُوَ مَثَارُ الثَّلْمِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عِنْدِي دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ تَرْكَ تِلْكَ الْمَنْهِيَّاتِ جُزْءًا مِنْ الصَّوْمِ حَتَّى تَكُونَ مُلْتَحِقَةً بِالْمَأْمُورَاتِ فَقَدْ تَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَالنَّهْيُ عَنْهَا لِقُبْحِهَا فِي نَفْسِهَا فَلَا تُضَمُّ إلَى الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ فَإِذَا جَاءَتْ التَّوْبَةُ مَحَتْ ذَلِكَ الْقُبْحَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَبْقَى الصَّوْمُ عَلَى سَلَامَتِهِ.
وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّ مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ وَشَرِبَ يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ
стр. 227
نَاقِصٍ وَإِنْ وَجَدَ صُورَةَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ فَبَعْدَ التَّوْبَةِ يَصِيرُ كَذَلِكَ.
وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الشَّارِعَ إنْ كَانَ جَعَلَ تَرْكَ تِلْكَ الْمَنَاهِي جُزْءًا مِنْ الصَّوْمِ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ لَمْ يُزَلْ الْخَلَلُ الْحَاصِلُ بِهَا بِالتَّوْبَةِ وَإِلَّا فَيَزُولُ، وَلِلشَّارِعِ التَّصَرُّفُ فِي مَاهِيَّاتِ الْعِبَادَاتِ بِالْجَعْلِ.
وَأَمَّا الرَّفَثُ وَالْجَدَلُ وَالْفُسُوقُ فِي الْحَجِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ مَا حَصَلَ لِلْحَجِّ بِهِ مِنْ النَّقْصِ فَإِنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ قَوِيَّةٌ فِي نَفْيِهَا عَنْ الْحَجِّ، وَالْحَدِيثُ وَعَدَ الْخُرُوجَ مِنْ الذُّنُوبِ عَلَى تَرْكِهَا، وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ فِيهَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ أَحَدُهَا ذَاتُهَا، وَالثَّانِي مُخَالَفَةُ فَاعِلِهَا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّالِثُ جَزَاؤُهُ عَلَيْهَا، وَكَذَا كُلُّ طَاعَةٍ ذَاتُهَا وَامْتِثَالُهُ بِهَا وَجَزَاؤُهُ بِالثَّوَابِ عَلَيْهَا وَالتَّوْبَةُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ إنَّمَا تُسْقِطُ الثَّالِثَ فَتَمْحُوهُ وَتُعْدِمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَأَمَّا ذَاتُهَا وَمَا حَصَلَ بِهَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ فَقَدْ وَقَعَا فِي الْمَاضِي فَيَسْتَحِيلُ دَفْعُهَا، وَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ رَاجِعٌ إلَى حُكْمِ مَنْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] وَأَمَّا وُجُودُ تِلْكَ الْمَعَاصِي وَكَوْنُهَا مُخَالِفَةً فَلَمْ تَرْتَفِعْ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] قُلْت: يَسْتَحِيلُ أَنْ تَصِيرَ السَّيِّئَةُ نَفْسُهَا حَسَنَةً وَإِنْ ظَنَّ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ؛ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُبَدِّلُهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةِ حَسَنَاتٍ مُسْتَقْبَلَةً أَوْ يَمْحُو السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَكْتُبُ مَكَانَهَا الْحَسَنَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةَ أَوْ حَسَنَاتٍ أُخْرَى مِنْ فَضْلِهِ، وَأَمَّا إنَّ ذَاتَ السَّيِّئَةِ تَكُونُ حَسَنَةً صَادِرَةً مِنْ الشَّخْصِ فَمُحَالٌ.
إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَالزِّنَا مَثَلًا ذَاتُهُ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ الزَّانِي لَمْ يَرْتَفِعْ وُجُودُهَا فِيمَا مَضَى بِالتَّوْبَةِ لِمُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا ارْتَفَعَ الْإِثْمُ عَلَيْهَا وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ الَّذِي دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى ارْتِفَاعِهِ
стр. 228
عَنْ الزَّانِي حَالَةَ زِنَاهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّوْبَةَ تُعِيدُهُ فِي وَقْتِ الزِّنَا الْمَاضِي وَإِنَّمَا يَعُودُ مِثْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ النَّقْصُ الْحَاصِلُ مِنْهُ وَقْتَ الزِّنَا لَا يَرْتَفِعُ، كَذَلِكَ الْغِيبَةُ لِلصَّائِمِ حَصَلَتْ نَقْصًا فِيهِ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهُ أَوْ يُعَامِلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ لَمْ يُنْقَصْ، وَكَذَا كَوْنُهَا مُخَالِفَةً لِلَّهِ لَا تَرْتَفِعُ وَإِنَّمَا تَرْتَفِعُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهَا.
فَالْمُضَادُّ لِلصَّوْمِ الْكَامِلِ هُوَ ذَاتُ الْغِيبَةِ فَقَطْ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَفْسَدَةِ أَوْ ذَاتِهَا مَعَ الْمُخَالَفَةِ، وَكُلٌّ مِنْ الْمُخَالَفَةِ وَذَاتِهَا لَا أَثَرَ لِلتَّوْبَةِ فِيهِمَا.
فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ يَنْشَرِحُ صَدْرُك لِفَهْمِ مَا قُلْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الشَّيْءُ الثَّانِي مِمَّا قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ لِزَوَالِ النَّقْصِ أَنَّا وَجَدْنَا الصَّلَاةَ تَجْبُرُ النَّقْصَ الْحَاصِلَ فِيهَا بِسُجُودِ السَّهْوِ؛ وَالْحَجُّ يَنْجَبِرُ النَّقْصُ فِيهِ بِدِمَاءِ الْحَيَوَانَاتِ فَقَدْ يُقَالُ: الصَّوْمُ أَيْضًا يَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ الْحَاصِلُ فِيهِ بِالتَّوْبَةِ، وَإِطْلَاقُ جَبْرِ سَهْوِ الصَّلَاةِ بِسُجُودِ السَّهْوِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي إطْلَاقَاتِهِمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَقْرِيرِهِ، وَكَانَ عِنْدِي فِيهِ تَوَقُّفٌ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَرِدْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ فَإِذَا اسْتَيْقَنَ التَّمَامَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً وَالسَّجْدَتَانِ وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ تَمَامًا لِصَلَاتِهِ وَكَانَتْ السَّجْدَتَانِ مُرْغِمَتَيْ الشَّيْطَانِ» .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ الْمُرْغِمَتَيْنِ فَكُنْت أَقُولُ لَعَلَّ الْأَمْرَ بِسُجُودِ السَّهْوِ لِإِرْغَامِ الشَّيْطَانِ فَقَطْ لَا لِجَبْرِ الصَّلَاةِ حَتَّى رَأَيْت فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنْ الْجُلُوسِ» .
فَقَوْلُهُ «مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنْ الْجُلُوسِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَابِرٌ، وَهُوَ مِنْ كُلٍّ كَلَامُ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنْ تَوْقِيفٍ أَوْ فَهْمٍ، وَأَيْضًا فَالشَّيْطَانُ قَصَدَ نَقْصَ الصَّلَاةِ فَإِرْغَامُهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْكَمَالِ وَلَكِنَّهُ جَعَلَ طَرِيقَةَ السُّجُودِ الَّذِي امْتَنَعَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ لِآدَمَ ﵇.
فَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُجْبَرُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بِالسُّجُودِ فَقَدْ يَكُونُ نَقْصُ الصَّوْمِ أَيْضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرْت
стр. 229
فَوَجَدْت خَبَرَ ابْنِ بُحَيْنَةَ فِي السَّهْوِ بِالنَّقْصِ وَهُوَ تَرْكُ مَأْمُورٍ فَيَظْهَرُ الْجَبْرُ فِيهِ وَلَا يَأْتِي مِثْلُهُ فِي الصَّوْمِ إلَّا إنْ ثَبَتَ لَنَا أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ التَّرْكَ لِتِلْكَ الْأُمُورِ جُزْءًا مِنْ الصَّوْمِ، وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ تُرَكَّبُ مِنْ التَّرْكِ وَالْفِعْلِ وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ إرْغَامُ الشَّيْطَانِ لَمْ يَكُنْ السُّجُودُ جَابِرًا لِشَيْءٍ فَلِذَلِكَ جُعِلَ مُرْغَمًا فَصَارَ سُجُودُ السَّهْوِ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَارَةً يَكُونُ جَابِرًا وَتَارَةً لَا يَكُونُ جَابِرًا وَذَلِكَ إذَا زَادَ قِيَامًا أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا سَاهِيًا، وَالْإِتْيَانُ بِالْمَنْهِيَّاتِ فِي الصَّوْمِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَفِعْلُ الْمَنْهِيِّ فِيهِ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّارِعُ السُّجُودَ فِيهَا إلَّا إرْغَامًا فَقَطْ لَا جَابِرًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهَا اعْتِبَارًا بِالصُّورَةِ وَعَدَمِ التَّعَمُّدِ بِالْفِعْلِ الزَّائِدِ.
أَمَّا هُنَا فَقَدْ حَصَلَ تَعَمُّدُ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ فَالنَّقْصُ حَاصِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ جَابِرًا لَكِنْ لَمْ يُرْعَ مِنْ الشَّرْعِ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: الْمَجْبُورُ مِنْ الصَّلَاةِ بِسُجُودِ السَّهْوِ بَعْضٌ مِنْهَا وَالصَّوْمُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ بَعْضٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ.
قُلْت: الْمَقْصُودُ الْجَبْرُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَالْجُزْءُ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ لَا يُجْبَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَالْأَبْعَاضُ فِي الصَّلَاةِ وَالْوَاجِبَاتُ فِي الْحَجِّ تُجْبَرُ وَالسُّنَنُ لَا تُجْبَرُ فِي الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمُ لَيْسَ مُنْقَسِمًا كَالصَّلَاةِ إلَى أَبْعَاضٍ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ مُطْلَقَ كَوْنِهِ مَطْلُوبًا فِيهِ قَدْ يُلْحِقُهُ بِالْبَعْضِ أَوْ السُّنَّةِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ نَحْنُ إنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَبَدًا لِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مُتَمَسِّكٌ وَنَحْنُ لَا نَرَى ذَلِكَ، وَنَقُولُ لِمَنْ يَقْصِدُ التَّمَسُّكَ بِهِ الْجَبْرَانِ لَيْسَ مِمَّا يَثْبُتُ قِيَاسًا وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ بِنُصُوصٍ وَرَدَتْ فِيهِ وَهَهُنَا فِي الصَّوْمِ لَمْ يَرِدْ مَا يَقْتَضِي جَبْرَهُ بِغَيْرِهِ لَا بِالتَّوْبَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَلَيْسَ لَنَا نَصْبُ جُبْرَانَاتٍ وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ فِي ذَلِكَ هُنَا فَوَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُ وَإِنَّا لَا نَزِيدُ فِي التَّوْبَةِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّارِعِ فِيهَا وَلَا نُثْبِتُ فِي الصَّوْمِ جُبْرَانًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَنُثْبِتُ النَّقْصَ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَنَسْتَصْحِبُهُ لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ.
هَذَا الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي وَلَيْسَ رُجْحَانًا قَوِيًّا بَلْ فِيهِ ثَلْمٌ كَمَا قَدَّمْت لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْجَبْرَانِ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ هُنَا بَلْ مِنْ جِهَةِ مَحْوِ التَّوْبَةِ لِكُلِّ أَثَرِ الذَّنْبِ، وَمِنْ جُمْلَةِ آثَارِهِ نَقْصُ الصَّوْمِ إذَا سُلِّمَ أَنَّهُ نَقَصَ بِهِ وَأَنَّهُ فَاتَ جُزْءٌ مِنْهُ كَمَا إذَا فَاتَ الْإِمْسَاكُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فِي صُورَةِ الْأَكْلِ نَاسِيًا، وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ، وَتَعْظِيمُ قَدْرِ الْعِبَادَةِ وَالِاحْتِيَاطُ يَقْتَضِي مَا قُلْتُهُ لِيَحْذَرَ الصَّائِمُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِلَافُ ذَلِكَ فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ؛ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ وَالثَّلْمُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِ هَذِهِ الْمَنَاهِي عَدَمِيَّةً فَلَوْ كَانَ فِي الصَّوْمِ أَمْرٌ ثُبُوتِيٌّ
стр. 230
فَاتَ عَمْدًا كُنْت أَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَا يَزُولُ النَّقْصُ بِالتَّوْبَةِ عَنْ تَرْكِهِ.
وَلَمْ أَجِدْ إلَّا قَوْلَهُ «إنِّي صَائِمٌ» إذَا شَاتَمَهُ أَحَدٌ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِهِ فَلَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ يَبْقَى النَّظَرُ فِي عَدِّهِ جُزْءًا مِنْ الصَّوْمِ. فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ النَّقْصُ وَإِنَّهُ لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ ثَلْمٍ وَلَا احْتِمَالٍ، وَيُمْكِنُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ الْإِجْمَاعِ فِي الصَّلَاةِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتُوبَ أَوْ لَا يَتُوبَ وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّوْبَةِ يَظْهَرُ أَنَّهُ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ بِغَيْرِ التَّوْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵁: كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي بْنِ عَلِيِّ بْنِ تَمَامٍ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى بْنِ تَمَامٍ السُّبْكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ فِي نِصْفِ نَهَارِ السَّبْتِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
[بَابُ الِاعْتِكَافِ]
(قَدْرُ الْإِمْكَانِ الْمُخْتَطَفِ فِي دَلَالَةِ " كَانَ إذَا اعْتَكَفَ ")
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ» وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِيءُ خَبَرُ " كَانَ " فِيهَا جُمْلَةً شَرْطِيَّةً هَلْ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْجَزَاءِ أَوْ لَا؟ وَقَالَ: قَالَ ابْنِي أَبُو حَامِدٍ بَارَكَ اللَّهُ فِي عُمُرِهِ إنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ اعْتَكَفَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلُ الْمَعْنَى لِوُقُوعِهِ بَعْدَ أَدَاةِ الشَّرْطِ وَ " كَانَ " وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى مُضِيِّ مَضْمُونِ خَبَرِهَا فَمَضْمُونُ الْخَبَرِ تَرَتُّبُ الْجَزَاءِ عَلَى الشَّرْطِ وَهُوَ كَوْنُهُ إذَا وَقَعَ مِنْهُ الِاعْتِكَافُ يُدْنِي رَأْسَهُ ﷺ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُقُوعُ الِاعْتِكَافِ كَمَا لَوْ قُلْت: " كَانَ زَيْدٌ إنْ جَاءَ أَكْرَمْتُهُ " لَا يَلْزَمُ وُقُوعُ الْمَجِيءِ مِنْهُ بَلْ الْمَاضِي مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ بِجُمْلَتِهَا وَمَضْمُونُهَا حُصُولُ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَفِعْلُ الشَّرْطِ قَيْدٌ فِيهَا لَا بَعْضٌ مِنْهَا وَلَا مِنْ مَدْلُولِهَا وَ " إذَا " وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى تَحَقُّقِ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَوْ رُجْحَانِهِ فَلَا يَلْزَمُ التَّحَقُّقُ فِي الْخَارِجِ بَلْ فِي الذِّهْنِ، فَإِذَا قُلْتَ: " إذَا جَاءَ زَيْدٌ أَكْرَمْتُهُ " فَمَعْنَى التَّحَقُّقِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ تَحَقَّقَ أَنَّهُ سَيَقَعُ هَذَا الشَّرْطُ وَلَا يَلْزَمُ مُطَابَقَةُ هَذَا التَّحَقُّقِ لِلْخَارِجِ لِجَوَازِ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اعْتَكَفَ» غَايَتُهُ تَحَقُّقُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ سَيَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَيْسَ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْهُ ﷺ حَالَ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا قَبْلَهُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ فَإِنْ قِيلَ: تَحَقُّقُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ سَيَقَعُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُهُ
стр. 231
فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الدَّلَالَةُ خَارِجَةً عَنْ اللَّفْظِ. هَذَا نَصُّ كَلَامٍ لِوَلَدٍ أَبْقَاهُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِ وَكَتَبَ إلَيَّ بِذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ مِنْ الْقَاهِرَةِ إلَى دِمَشْقَ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ فَكَتَبْت إلَيْهِ الْجَوَابَ فِي الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ بِمَا نَصُّهُ: (مَسْأَلَةٌ) مِثْلُ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ» ادَّعَى بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ وُقُوعِ الِاعْتِكَافِ.
وَادَّعَى آخَرُونَ أَنَّهُ يَدُلُّ وَأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى ذَلِكَ ضَرُورِيَّةٌ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي الْمَأْخَذِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ " إذَا " وَأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى الْمَعْلُومِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ " كَانَ " وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ أَخْذِهِ مِنْهَا. وَاَلَّذِي أَقُولُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْجَزَاءِ مُطَابَقَةً، وَأَمَّا الشَّرْطُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْتِزَامًا لَا مُطَابَقَةً وَأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ " كَانَ " لَا مِنْ إذَا وَحْدَهَا قَطْعًا وَلَا مِنْ " إذَا " مَعَ " كَانَ " عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا سَيُبَيَّنُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ، أَمَّا كَوْنُ " إذَا " وَحْدَهَا لَا تَدُلُّ فَلِأَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الرَّاجِحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ إنَّمَا يُعْلَمُ أَوْ يُتَرَجَّحُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ لَا إلَى الْحَالِ وَالْمَاضِي، وَأَمَّا كَوْنُ " إذَا " مَعَ " كَانَ " لَا تَدُلُّ فَلَمَّا سَبَقَهُمْ مِنْ كَلَامِنَا فِيمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا كَانَ مَوْضِعُهَا إنْ فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ مِنْ " إذَا " مَعَ " كَانَ " قَوِيَتْ، وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْهَا الرُّجْحَانُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَزْمُ بِالْوُقُوعِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا سَنَذْكُرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ دَلَالَتِهَا مَعَ " كَانَ " عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْعُ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ رَأْسًا فَتُنْكِرُهُ الطِّبَاعُ وَلَا يَتَرَدَّدُ أَحَدٌ فِي فَهْمِ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ «كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» وَ «كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ» وَ «كَانَ إذَا تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ يَقُولُ» وَ «كَانَ إذَا نَامَ نَفَخَ» وَ «كَانَ إذَا سَجَدَ جَخَّ جَخًّا» وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: مَا سَبَبُ فَهْمِ ذَلِكَ؟ قُلْت: بَحَثْت فِيهِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ فَلَمْ يُفْصِحُوا فِيهِ بِشَيْءٍ وَيَكْتَفُونَ بِمُجَرَّدِ الْفَهْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتَفِي بِالْفَهْمِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مِنْ تَسْوِيغِ الْإِخْبَارِ إذْ لَوْ لَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ لَمَا كَانَ لَهَا أَنْ تُخْبِرَ، وَلَا طَرِيقَ إلَى الْعِلْمِ إلَّا رُؤْيَةُ الْفِعْلِ.
قُلْنَا: قَدْ يَكُونُ لِلْعِلْمِ طَرِيقٌ آخَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَدْ يَكُونُ هَذَا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تُفْهَمُ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ غَيْرَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُفْرَدَاتِ دَلَالَةٌ عَلَيْهَا حَتَّى الْأَفْرَادُ، وَمِنْهُمْ مَنْ
стр. 232
لَا يَصِلُ ذِهْنُهُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَتَخَبَّطُ فِي الْفِكْرِ فِي ذَلِكَ وَلَّيْت لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ طَرِيقًا إلَى تَفْهِيمِهِ فَإِنَّ شَرْطَ الْفَهْمِ تَشَوُّفُ الذِّهْنِ إلَيْهِ، وَلَعَمْرِي إنَّ مَانِعَ الدَّلَالَةِ أَقْرَبُ إلَى الْعُذْرِ مِنْ الْمُنْكَرِ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ لِأَنَّ الْمَانِعَ مُتَمَسِّكٌ بِقَوَاعِد الْعِلْمِ فِي مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ غَافِلٌ عَنْ نُكْتَةٍ خَفِيَّةٍ، وَالْمُنْكَرُ عَلَيْهِ إنَّمَا مَعَهُ مِنْ التَّمَسُّكِ فَهُوَ يُشَارِكُهُ فِيهِ الْعَوَامُّ فَلَا حَمْدَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُحْمَدُ عَلَى أَخْذِ الْمَعَانِي مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعِلْمِيَّةِ، وَحَقٌّ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْقَوَاعِدَ وَيَغُوصَ لِلْبُحُوثِ فِيهَا عَلَيْهَا ثُمَّ يُرَاجِعَ حِسَّهُ وَفَهْمَهُ حَسْبَ طَبْعِهِ الْأَصْلِيِّ وَمَا يَفْهَمُهُ عُمُومُ النَّاسِ ثُمَّ يُوَازِنَ بَيْنَهُمَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ كَمَا يَعْرِضُ الذَّهَبَ عَلَى الْمِحَكِّ وَيُعَلِّقُهُ ثُمَّ يَعْرِضُهُ حَتَّى يَخْلُصَ.
وَاَلَّذِي أَقُولُهُ: إنَّ الْجُمْلَة الِاسْتِقْبَالِيَّة قبالية إذَا وَقَعَتْ خَبَرًا لَكَانَ انْقَلَبَتْ مَاضِيَةَ الْمَعْنَى لِدَلَالَةِ " كَانَ " عَلَى اقْتِرَانِ مَضْمُونِ الْخَبَرِ بِالزَّمَانِ الْمَاضِي فَكَانَ تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ جَزَاءِ الشَّرْطِ وَهُوَ إدْنَاءُ رَأْسِهِ ﷺ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي عَنْ قَوْلِ عَائِشَةَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا عَنْ ابْتِدَاءِ كَوْنِهِ ﷺ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ " كَانَ " وَدَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ مُطَابِقَةٌ إنْ جَعَلْنَا الْمَحْكُومَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الْجَزَاءَ مُقَيَّدًا بِالشَّرْطِ؛ وَإِنْ جَعَلْنَا الْمَحْكُومَ بِهِ النِّسْبَةَ لَزِمَ أَيْضًا لِأَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُمَا فَيَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُمَا فَتَكُونُ الدَّلَالَةُ عَلَى الْجَزَاءِ بِالِاسْتِلْزَامِ وَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى الشَّرْطِ فَبِالِاسْتِلْزَامِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
فَإِنْ قُلْت: النِّسْبَةُ إنَّمَا هِيَ رَبْطُ الشَّرْطِ بِالْجَزَاءِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَدْعِي وُجُودَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قُلْت: النِّسْبَةُ لَهَا طَرَفَانِ: طَرَفٌ مِنْ جَانِبِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ الرَّبْطُ وَذَلِكَ التَّمَكُّنُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا بَلْ هُوَ حَاصِلٌ عِنْدَ التَّكَلُّمِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ؛ وَطَرَفٌ هُوَ أَثَرٌ عَنْ ذَلِكَ الرَّبْطِ وَهُوَ ارْتِبَاطُ الشَّرْطِ بِالْجَزَاءِ وَذَلِكَ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ وَهُوَ حَاصِلٌ الْآنَ أَيْضًا حَاصِلٌ عِنْدَ التَّكَلُّمِ لِأَنَّهُ أَثَرٌ عَنْ الرَّبْطِ فَيُوجَدُ عِنْدَ ضَرُورَةِ وُجُودِ الْأَثَرِ عِنْدَ الْمُؤَثِّرِ وَلَمْ يُؤْتَ بِكَانَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بَلْ لِأَمْرٍ ثَالِثٍ وَهُوَ وُقُوعُ الْجَزَاءِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ.
فَإِنْ قُلْت: وَالْوُقُوعُ عِنْدَ الْوُقُوعِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ مُطْلَقًا. قُلْت: ذَاكَ إذَا أُخِذَ مُطْلَقُ الْوُقُوعِ وَهُنَا يُؤْخَذُ مُقَيَّدًا بِالْمُضِيِّ لِدَلَالَةِ " كَانَ " فَدَلَّتْ عَلَى وُقُوعِ إدْنَاءِ الرَّأْسِ فِي الْمَاضِي وَمِنْ ضَرُورَتِهِ وُقُوعُ الِاعْتِكَافِ وَلَوْ قُلْت إنْ كَانَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى مَعْنَى ارْتِبَاطِ مُطْلَقِ وُقُوعِ الشَّرْطِ بِمُطْلَقِ وُقُوعِ الْجَزَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُضِيِّ مَعْنًى لِأَنَّ هَذَا حَاصِلٌ بِدُونِهَا.
وَهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي كُلٍّ شَرْطِيَّةٌ. فَإِذَا قُلْتَ: إذَا جَاءَ زَيْدٌ جَاءَ عَمْرٌو فَإِخْبَارُك وَمَرْبِطُك وَالِارْتِبَاطُ الْمَحْكُومُ بِهِ كُلُّ ذَلِكَ حَاصِلٌ الْآنَ وَالْخَبَرُ
стр. 233
عَنْهُ إنَّمَا هُوَ نَفْسُ الْمَجِيءِ الْمُسْتَقْبَلِ عِنْدَ الْمَجِيءِ الْمُسْتَقْبَلِ فَإِذَا كَانَتْ خَبَرًا لَكَانَ لَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا مَا كَانَ مُسْتَقْبَلًا فَيَصِيرُ مَاضِيًا مِنْ هُنَا دَلَّتْ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَاضِي، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَتَفَطَّنُونَ لِوَجْهِهِ وَإِنْ فَهِمُوهُ بِطِبَاعِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّك تَقُولُ: كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا فَصَارَ قَائِمًا بَعْدَ مَا كَانَ لِلْحَالِ مَاضِيًا، وَتَقُولُ: كَانَ زَيْدٌ يَقُومُ فَصَارَ يَقُومُ مَاضِيًا بَعْدَ مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ.
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّك تَقُولُ: زَيْدٌ قَائِمٌ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِقِيَامِهِ حِينَ الْإِخْبَارِ فَإِذَا أَدْخَلْت " كَانَ " صَارَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ بِقِيَامِهِ فِي الْمَاضِي وَدَلَالَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَا تَغَيَّرَتْ، وَتَقُولُ: زَيْدٌ قَائِمٌ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِقِيَامٍ مَاضٍ عَنْ زَمَانِ الْإِخْبَارِ فَإِذَا دَخَلَتْ كَانَ صَارَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ بِقِيَامٍ مَاضٍ عَنْ الزَّمَانِ الْمَاضِي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ كَانَ، فَلَيْسَ قَوْلُك زَيْدٌ قَائِمٌ وَكَانَ زَيْدٌ قَامَ سَوَاءً كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ بَلْ زَيْدٌ قَامَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْقِيَامِ بِزَمَانٍ وَكَانَ زَيْدٌ قَامَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْقِيَامِ بِزَمَانَيْنِ، وَتَقُولُ: زَيْدٌ يَقُومُ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِحُدُوثِ قِيَامٍ عِنْدَ الْإِخْبَارِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي دَلَالَةِ الْمُضَارِعِ فَإِذَا دَخَلَتْ " كَانَ " صَارَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ بِذَلِكَ الْحُدُوثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ " كَانَ " وَتَقُولُ زَيْدٌ سَيَقُومُ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِقِيَامٍ مُسْتَقْبَلٍ عَنْ زَمَانِ الْإِخْبَارِ.
وَلَا أَدْرِي هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ " كَانَ " عَلَى هَذَا أَوْ لَا، وَالْأَقْرَبُ الْمَنْعُ لِأَنَّ بَيْنَ مَعْنَى " كَانَ " وَمَعْنَى السِّينِ تَنَاقُضًا، وَتَقُولُ: زَيْدٌ أَبُوهُ قَائِمٌ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِقِيَامِ أَبِيهِ فِي حَالِ الْإِخْبَارِ فَإِذَا أَدْخَلْتَ كَانَ صَارَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ بِقِيَامِ أَبِيهِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ كَانَ وَتَقُولُ: زَيْدٌ إنْ يَقُمْ يَلْقَ خَيْرًا، وَلَا أَدْرِي: هَلْ يَجُوزُ دُخُولُ كَانَ عَلَى هَذِهِ أَوْ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ كَانَ تَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ خَبَرِهَا وَ " إنْ " تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَحَقُّقِهِ؛ وَالْأَقْرَبُ الْجَوَازُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِأَنَّ نُدْرَةَ قُدُومِهِ وَالشَّكَّ فِيهِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ كَانَ وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ مَا فِي الْحَدِيثِ فِي «قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ الَّذِي قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: رَأَيْت رَجُلًا إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وُضُوئِهِ» ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ رَأَيْت تَدُلُّ عَلَى الْمُضِيِّ كَمَا أَنَّ كَانَ تَدُلُّ عَلَى الْمُضِيِّ وَقَدْ جَاءَتْ فِي مُتَعَلِّقِهَا وَدَخَلَتْ عَلَى أَمْرٍ مُحَقَّقٍ فَلِذَلِكَ إذَا دَخَلَتْ فِي خَبَرِ كَانَ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ هُنَا أَنَّ " إنْ " إذَا لَمْ تَكُنْ فِي خَبَرِ كَانَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ وَإِذَا وَقَعَتْ فِي خَبَرِ كَانَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِضَمِيمَةِ كَانَ تَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ وَلَا تُفَرَّقُ حِينَئِذٍ مِنْ " إذَا " إلَّا بِأَنَّ مَضْمُونَهَا نَادِرُ الْوُقُوعِ وَمَضْمُونَ " إذَا " غَالِبُ الْوُقُوعِ، وَهَذَا قَدْ يُنْكِرُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لِمَا فِي الْأَذْهَانِ مِنْ أَنَّ " إنْ " إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمُحْتَمَلِ وَنَحْنُ
стр. 234
نَقُولُ: صَحِيحٌ أَنَّهَا لِلْمُحْتَمَلِ وَكَذَلِكَ هِيَ هُنَا لَكِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ هَذَا الْمُحْتَمَلِ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي خَبَرِ كَانَ، وَتَقُولُ: زَيْدٌ إذَا اعْتَكَفَ يَصُومُ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْهُ اعْتِكَافٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ حِينَئِذٍ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْعَامِلَ فِي " إذَا " جَوَابُهَا أَوْ الْفِعْلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الصَّوْمُ مُقَارِنًا لِلِاعْتِكَافِ.
وَعَلَى الثَّانِي لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَالْمُخْبَرُ بِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الصَّوْمُ إذَا اعْتَكَفَ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ: لَيْسَ الصَّوْمُ مُخْبَرًا بِهِ بَلْ الْمُخْبَرُ بِهِ النِّسْبَةُ لِأَنَّا نَقُولُ: النِّسْبَةُ هِيَ نَفْسُ الْخَبَرِ أَوْ لَازِمُهُ وَهُوَ التَّفْصِيلُ الذِّهْنِيُّ وَأَمَّا الْمُخْبَرُ بِهِ فَلَا شَكَّ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ الْمَحْمُولُ وَأَيْضًا وَالْمَعْنَيَانِ مُتَلَازِمَانِ فِي الْخَارِجِ فَإِذَا دَخَلَتْ كَانَ فَقُلْت: كَانَ زَيْدٌ إذَا اعْتَكَفَ يَصُومُ صَارَ الْمَعْنَى الْإِخْبَارَ بِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْهُ اعْتِكَافٌ فِي زَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ عَنْ الزَّمَانِ الْمَاضِي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ كَانَ مَاضٍ عَنْ زَمَانِ إخْبَارِك الصَّوْمَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي قُلْنَاهُ فَإِنَّ دُخُولَ كَانَ لَمْ يَزْدَدْ إلَّا تَحَقُّقَ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ مُسْتَقْبَلًا صَارَ مَاضِيًا لِضَرُورَةِ دُخُولِهِ فِي خَبَرِ كَانَ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ كَانَ الِاحْتِمَالُ أَنْ لَا يَقَعَ الشَّرْطُ وَلَا الْجَزَاءُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] وَقَدْ يَكُونُ شَخْصٌ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ غَضَبٌ أَصْلًا. وقَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج: ٤١] .
وَقَدْ تَخْتَرِمُ الْمَنِيَّةُ شَخْصًا قَبْلَ حُصُولِ التَّمْكِينِ لَهُ، فَفِي مِثْلِ هَذَا إذَا دَخَلَتْ كَانَ لَا بُدَّ أَنَّ مُحَصِّلَ هَذَا إذَا أُخِذَتْ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ الْفِعْلِيُّ، وَقَدْ تَأْتِي هَذِهِ الصِّيغَةُ وَالْمَقْصُودُ بِهَا الْإِخْبَارُ عَنْ الصِّفَةِ وَأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ كَمَا تَقُولُ: الْأَسَدُ إنْ ظَفِرَ افْتَرَسَ أَيْ مِنْ صِفَتِهِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: إنْ قُوبِلُوا سَمِعُوا أَيْ مِنْ صِفَتِهِمْ هَذَا سَوَاءٌ وُجِدَ أَمْ لَا، فَإِذَا دَخَلَتْ كَانَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَقُلْت: كَانَ زَيْدٌ قَوِيًّا جَلْدًا إنْ لَقِيَ أَلْفًا كَسَرَهُمْ وَقَصْدُك الْإِخْبَارُ عَنْ قُوَّتِهِ وَأَنَّهُ بِحَيْثُ لَوْ لَقِيَ أَلْفًا كَسَرَهُمْ لَمْ يَلْزَمْ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ قَدْ لَقِيَ وَلَا كَسَرَ.
وَالْوَاقِعُ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَيْسَ حَقِيقَةً بِاللَّفْظِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْإِخْبَارُ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقُوَّةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ مُرَادِ الصَّحَابِيِّ لَا سِيَّمَا وَقَصْدُهُ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُسْنَدَةِ إلَى أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا بَنَى عَلَيْهِ السَّائِلُ كَلَامَهُ وَهُوَ أَنَّ خَبَرَ كَانَ هُوَ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وَأَنْ يُدْنِي جَوَابُ الشَّرْطِ، وَهُنَا احْتِمَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُدْنِي خَبَرُ كَانَ وَإِذَا وَإِمَّا شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ وَإِمَّا ظَرْفِيَّةٌ مَحْضَةٌ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَجَرُّدَهَا عَنْ الشَّرْطِيَّةِ. هَذَا مَا حَضَرَنِي الْآنَ وَتَيَسَّرَ ذِكْرُهُ وَأَرْجُوهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودَ.
وَلَنَا كَلَامٌ آخَرُ إذَا وَقَعَتْ كَانَ فِعْلَ شَرْطٍ كَقَوْلِك: إنْ كَانَ فَكَذَا فِيهِ مَبَاحِثُ
стр. 235
حَسَنَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثِ فِي الْقَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ يَنْبَغِي لَك أَنْ تُحَقِّقَهُ وَتَسْتَعْمِلَهُ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةً كَانَتْ أَوْ حَمْلِيَّةً فَإِنَّك إذَا قُلْتَ: زَيْدٌ قَائِمٌ فَهُنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا نَفْسُ حُكْمِكَ وَهُوَ الْإِخْبَارُ وَالثَّانِي مُتَعَلِّقُ حُكْمِكَ وَهُوَ صُدُورُ الْقِيَامِ مَنْسُوبًا إلَى زَيْدٍ بِمُقْتَضَى حُكْمِكَ صِدْقًا كَانَ أَوْ كَذِبًا وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ حَاصِلَانِ الْآنَ عِنْدَ كَمَالِ لَفْظِك لَا يُمْكِنُ فِيهِمَا الْمُضِيُّ وَلَا الِاسْتِقْبَالُ، وَالثَّالِثُ حُصُولُ الْقِيَامِ فِي الْخَارِجِ لِزَيْدٍ وَهَذَا هُوَ الْمُخْبَرُ بِهِ وَهُوَ الْمُنْقَسِمُ إلَى الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَالنُّحَاةُ يَقُولُونَ عَنْ قَائِمٍ مَثَلًا: إنَّهُ الْمُخْبَرُ وَالْمَنْطِقِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ الْمَحْكُومُ بِهِ، وَفِي الْكَلَامَيْنِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ وَالْمَحْكُومُ بِهِ وَهُوَ حُصُولُهُ لَا هُوَ فَفِي كُلِّ قَضِيَّةٍ مُفْرَدَانِ وَنِسْبَةٌ بَيْنَهُمَا وَلِلنِّسْبَةِ طَرَفَانِ: أَحَدُهُمَا مِنْ جَانِبِ الْحَاكِمِ وَمِنْ نَفْسِ الْحُكْمِ، وَالثَّانِي مِنْ جَانِبِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَالْمَحْكُومِ بِهِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْحُكْمِ وَإِذَا حُقِّقَتْ كَانَتْ هِيَ الْمَحْكُومَ بِهِ وَهِيَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْحُكْمِ وَإِذَا حُقِّقَتْ كَانَتْ هِيَ الْمَحْكُومَ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَخَاك قَائِمًا أَرَدْتَ أَنْ تُخْبِرَ عَنْ الْأُخُوَّةِ، وَفِي كَلَامِ سِيبَوَيْهِ هَذَا تَجَوُّزٌ وَحَقِيقَتُهُ أَنْ تَقُولَ بِالْأُخُوَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَمَّيْتُ هَذَا التَّصْنِيفَ (قَدْرُ الْإِمْكَانِ الْمُخْتَطَفِ فِي دَلَالَةِ كَانَ إذَا اعْتَكَفَ) وَأَرْسَلْتُهُ إلَى الْوَلَدِ ثُمَّ أَلْحَقْت بِهِ مَا صَوَّرْتُهُ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ تَأَمَّلْت فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢] هَلْ تَقْدِيرُهُ كُنْتُمْ فَيَكُونُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ تُؤْمِنُوا خَبَرَهَا فَيَدُلُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ كَانَ زَيْدٌ إنْ قَامَ عَمْرٌو يَقُمْ أَوْ لَا يَكُونُ تَقْدِيرُهُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ إخْبَارًا عَنْ صِفَتِهِمْ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُشْرِكِينَ لِظُهُورِ الْحَقَائِقِ بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ أَوْ لِأَنَّ الْمَرْءَ يَمُوتُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ فَيَكُونُوا مُحَقَّقِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَإِنْ ظَهَرَتْ الْحَقَائِقُ، وَعَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ هَلْ نَقُولُ فِيهِ وَفِي مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
إنَّ هَذَا إخْبَارٌ عَنْ الصِّفَةِ فَقَطْ فِي الْحَالِ أَوْ إخْبَارٌ بِالْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَطِيفٌ أَوْ لَا؟
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ هَلْ هُمَا مُتَلَازِمَانِ أَوْ لَا؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ وَالثَّانِي أَوْفَقُ لِمَا قَرَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ لَا يُدْفَعُ هُنَا لِأَنَّهَا خَبَرٌ عَنْ كَانَ وَالتَّرَدُّدُ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ هَلْ هُوَ الصِّفَةُ أَوْ الْجَزَاءُ وَفِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ لَيْسَ إلَّا الْجَزَاءُ فَإِنْ ثَبَتَ لَنَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ وَأَنَّ الْمَدْلُولَ فِي مِثْلِ قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ " إذَا وَعَدَ وَفَّى " الْإِخْبَارُ عَنْ صِفَتِهِ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ حُصُولُ.
стр. 236
الْوَعْدِ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ الْكَلَامُ إذَا جَعَلَ خَبَرًا لَكَانَ فَقُلْت: زَيْدٌ كَانَ إذَا وَعَدَ وَفَّى، وَ " كَانَ " إنَّمَا تَصِيرُ مَا كَانَ حَالًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا مَاضِيًا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا عَنْ الصِّفَةِ فَقَطْ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وُقُوعِ الشَّرْطِ وَلَا الْجَزَاءِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج: ٤١] وقَوْله تَعَالَى ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
إذَا أَنْتَ لَمْ تَنْزِعْ عَنْ الْجَهْلِ وَالْخَنَا ... أَصَبْتَ حَلِيمًا أَوْ أَصَابَك جَاهِلُ
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَفِي بَعْضِهَا يَظْهَرُ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ بِالْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ مِثْلُ قَوْلِهِ: إذَا أَنْتَ لَمْ تَنْزِعْ عَنْ الْجَهْلِ وَالْخَنَا أَصَبْت حَلِيمًا أَوْ أَصَابَك جَاهِلُ وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا النَّظَرِ وَالتَّرَدُّدِ قُوَّةُ السُّؤَالِ وَتُوقَفُ دَلَالَةُ قَوْلِهَا «كَانَ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي» عَلَى وُقُوعِ الِاعْتِكَافِ وَالْإِدْنَاءِ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى وُقُوعَ الِاعْتِكَافِ وَحِينَئِذٍ لَا يَدُلُّ هَذَا اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى قُوَّةِ الِاعْتِكَافِ لَا دَلَالَةَ مُطَابَقَةٍ وَلَا دَلَالَةَ الْتِزَامٍ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الْمُحَقَّقُ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ صِفَتَهُ كَذَا وَكَوْنُ صِفَتِهِ كَذَا تُعْرَفُ بِأُمُورٍ إمَّا لِوُقُوعِ ذَلِكَ وَتَكَرُّرِهِ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ مَا عَلِمَهُ الْمُخْبِرُ مِنْ حَالِهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا يَكُونُ مُسَوِّغًا لِلْإِخْبَارِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَالِمٌ بِصِفَةِ الشَّخْصِ وَمَا يَكُونُ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِمَّا قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ يَسْتَدِلُّ بِهَا الْعِبَادُ عَلَى ذَلِكَ فَفِي حَقِّ الْعِبَادِ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ طَرِيقَانِ مُسَوِّغَانِ فَلَوْ انْحَصَرَ الطَّرِيقُ فِي الْأَوَّلِ كُنَّا نَقُولُ تَدُلُّ دَلَالَةَ الْتِزَامٍ مَعَ نَظَرٍ فِيهِ، وَوَجْهُ النَّظَرِ أَنَّ الذِّهْنَ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ اللَّفْظِ إلَيْهِ بَلْ مِنْ حَالِ الْمُخْبِرِ وَصِدْقِهِ إلَيْهِ وَلَكِنَّ الطَّرِيقَ لَا يَنْحَصِرُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ الْمُخْبِرِ هُوَ الطَّرِيقَ الثَّالِثَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَهَذَا مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ نَظَرِي فَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ وَقَعَ ذِهْنُهُ بَدِيهَةً عَلَيْهِ وَبَارَكَ فِي عُمُرِهِ.
وَكُتِبَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فَوَصَلَ الَّذِي كَتَبْتُهُ أَوَّلًا دُونَ الْمُلْحَقِ إلَى وَلَدِي أَبِي حَامِدٍ بِالْقَاهِرَةِ وَتَوَقَّفَ فِي جَوَابِهِ أَدَبًا فَأَلْحَحْت عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ فَكَتَبَ فِي بَعْضِ نَهَارِ الْخَمِيسِ الثَّانِي مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ غَيْرِ مُذَاكَرَةِ أَحَدٍ وَلَا كِتَابَةٍ مُسَوَّدَةٍ فِي دَرْجِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَصْلًا وَأَرْسَلَهُ فِي طَيِّ كِتَابِهِ فَوَصَلَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ الثَّانِي عَشْرَ مِنْ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ رَبِيعٌ الْآخَرُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. انْتَهَى.
стр. 237
كَلَامُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵀، وَلَمْ يَحْضُرْنِي الْآنَ جَوَابُ الشَّيْخِ بَهَاءِ الدِّينِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي حَامِدٍ أَحْمَدَ بَارَكَ اللَّهُ فِي عُمُرِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِوَالِدِهِ جَوَابًا عَنْ هَذَا، وَلَكِنَّ هَذَا جَوَابُ الْجَوَابِ الَّذِي أَعَادَهُ عَلَيْهِ وَالِدُهُ نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ الْمُجِيبِ بِهِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ حَرْفًا حَرْفًا: قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ مَا نَصُّهُ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت: تَأَمَّلْت تَصْنِيفَك أَيُّهَا الْوَلَدُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْوَالِدِ وَمَنْ يَخْضَعُ لَهُ الْمُقِرُّ وَالْجَاحِدُ وَسَمَّيْته (شَحْذُ الْأَذْهَانِ فَوْقَ قَدْرِ الْإِمْكَانِ) لِمَا رَأَيْتُهُ أَنْظَرَنِي عَلَى فَضْلٍ جَمَعَهُ اللَّهُ لَدَيْهِ وَنِعَمٍ لَا تُحْصَى أَسْبَغَهَا اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَيْك وَسَجَدْت لِلَّهِ شُكْرًا وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَنْفَعَ بِك فِي الدَّارَيْنِ وَيُطِيلَ لَك عُمُرًا، وَلَمْ يَقِفْ أَحَدٌ عَلَى هَذَا التَّصْنِيفِ مِنْ الْفُضَلَاءِ إلَّا خَضَعَ وَوَقَفَ حَائِرًا لَا يَرْفَعُ عِنْدَهُ وَلَا يَضَعُ؛ لَا سِيَّمَا وَهُوَ كُرَّاسَتَانِ عَمِلَهُمَا فِي بَعْضِ نَهَارٍ مَعَ مَا فِيهِمَا مِنْ دِقَّةِ الْفِكْرَةِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِحْضَارِ، عَجَزَتْ قُوَايَ عَنْ مُقَابَلَتِهَا أَوْ أَهُمُّ بِمُسَاجَلَتِهَا وَقُلْت: انْتَهَى الْكَلَامُ وَوَجَبَ التَّسْلِيمُ وَالسَّلَامُ وَعَمَّقْت فِكْرِي لِأَقَعَ عَلَى مَا أَجْمَعُ بِهِ أَمْرِي وَأُوَفِّقَ بَيْنَ مَا حَرَّكَتْهُ هَذِهِ الْبَدِيهَةُ السَّلِيمَةُ وَأَبْدَتْهُ بِدُرَرِهَا الْيَتِيمَةُ وَبَيْنَ مَا يُتَبَادَرُ إلَى الْأَذْهَانِ الَّتِي لَا تُنْكِرُ أَنَّ أَكْثَرَهَا مُسْتَقِيمَةٌ.
وَرَتَّبْت ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا ضَابِطُ مَا يَحْصُلُ بِهِ شِفَاءُ الْعَلِيلِ وَالِاهْتِدَاءُ فِي ذَلِكَ إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَالثَّانِي فِي النَّظَرِ فِي بَعْضِ كَلِمَاتِ الْوَلَدِ وَمَا هُوَ مِنْهَا قَدْ يُسْتَفَادُ أَوْ يُنْتَقَدُ وَبِاَللَّهِ الْعَوْنُ وَالْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ فَإِنَّهُ هَادِي مِنْ الرَّشَادِ إلَى أَقْوَمِ طَرِيقٍ، وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ بَابَ الْهُدَى وَالْمُنْقِذِ مِنْ الرَّدَى ﷺ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَأَقُولُ: إنَّ " كَانَ " إذَا وَقَعَ خَبَرُهَا شَرْطًا وَخَبَرًا فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا أَنَّهَا لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا الْجَزَاءِ وَلَا عَدَمِهِ بَلْ سَاكِتَةٌ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَدُلُّ، وَقَدْ تَأَمَّلْت مَوَاقِعَهَا وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا فَوَجَدْتُهَا قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يُقْصَدُ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ صِفَةِ اسْمِهَا فَهَذَا لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا الْجَزَاءِ كَقَوْلِك " كَانَ الزُّبَيْرُ إنْ لَقِيَ أَلْفًا كَسَرَهُمْ " مُرَادُك الْإِخْبَارُ عَنْ شَجَاعَتِهِ؛ وَالثَّانِي مَا لَا يُقْصَدُ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَى مَضْمُونِ الْخَبَرِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِمَا عَلَى حَسْبِ مَا كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِهَا غَيْرَ مَا تَجَدَّدَ بِدُخُولِهَا مِنْ الْمُضِيِّ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ وَشَرْحُهُ فِي فُصُولٍ: (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ مُسْتَقْبَلَةً غَيْرَ شَرْطِيَّةٍ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ شَرْطِهَا وَلَا جَزَائِهَا وَلَا عَدَمِهَا وَلَكِنَّ مَعْنَاهَا الْإِخْبَارُ بِغِيَابِك عِنْدَ قِيَامِ زَيْدٍ أَوْ بَعْدَهُ وَأَدَاةُ الشَّرْطِ دَخَلَتْ لِلرَّبْطِ بَيْنَهُمَا، وَقَامَ زَيْدٌ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ لَيْسَ بِكَلَامٍ بَلْ هُوَ فِي قُوَّةِ الْمُفْرَدِ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْكَلَامِ بِدُخُولِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ.
стр. 238
وَقَوْلُك " قُمْت " هُوَ الْكَلَامُ وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالشَّرْطِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْخَبَرُ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا وَقَدْ يَكُونُ مُقَيَّدًا وَهَذَا خَبَرٌ مُقَيَّدٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى جُمْلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا جُمْلَةُ الشَّرْطِ وَالثَّانِيَةُ جُمْلَةُ الْجَزَاءِ وَالْمُخْبَرُ بِهِ الْفِعْلُ الَّذِي فِي جُمْلَةِ الْجَزَاءِ وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ فَاعِلُهُ وَالْإِخْبَارُ غَيْرُهُمَا وَهُوَ مَدْلُولُ الْقَضِيَّةِ كُلِّهَا، وَمَدْلُولُ جُمْلَةِ الْجَزَاءِ كِلَاهُمَا إخْبَارٌ لَكِنَّ الْأَوَّلَ إخْبَارٌ مُقَيَّدٌ وَالثَّانِي إخْبَارٌ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ فِي ضِمْنِ الْمُقَيَّدِ، وَالرَّبْطُ هُوَ جَعْلُك أَحَدَهُمَا مُرْتَبِطًا بِالْآخَرِ بِمَا أَدْخَلْتَهُ عَلَيْهِمَا مِنْ أَدَاةِ الشَّرْطِ، وَالِارْتِبَاطُ أَثَرُ الرَّبْطِ.
فَهْده أَرْبَعَةُ مَعَانٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْمُخْبَرِ بِهِ وَالْإِخْبَارِ وَالرَّبْطِ وَالِارْتِبَاطِ وَأَرْبَعَةُ مَعَانٍ دَلَّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ وَهِيَ غَيْرُ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ فَالْخَبَرُ اسْمٌ لِلَفْظٍ، وَالْإِخْبَارُ اسْمٌ لِفِعْلِ الْمُخْبِرِ وَهُوَ إتْيَانُهُ بِالْخَبَرِ، وَالْمُخْبَرُ بِهِ هُوَ الْجَزَاءُ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْخَبَرِ وَالرَّبْطُ اسْمٌ لِفِعْلِ الْمُخْبِرِ وَهُوَ جَعْلُهُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ مُرْتَبِطَةً بِالْأُخْرَى وَالِارْتِبَاطُ مَدْلُولُ مَرْبِطِهِ.
وَنَعْنِي بِالرَّبْطِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهُ كَالْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ سَبَبٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَالشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَمِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ كَقَوْلِك " إنْ تَوَضَّأْت صَلَّيْت " فَالْوُضُوءُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ لَا سَبَبٌ وَقَدْ يَكُونُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَمِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَهُوَ الشَّرْطُ الْمُسَاوِي كَقَوْلِك " إنْ زَنَى وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ " وَمَقْصُودُنَا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ كُلِّهِ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ وَهُوَ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ وَهُوَ فَائِدَةُ الْخَبَرِ، وَإِذَا أَطْلَقْنَا مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ فَلَا يَزِيدُ غَيْرَهُ حَتَّى نَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى فَهْمِ قَوْلِنَا كَأَنْ يَقْضِيَ اقْتِرَانُ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ بِالزَّمَانِ الْمَاضِي وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا " إنْ قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو " هُوَ عَمْرٌو وَالْمَحْكُومُ بِهِ قَامَ الْعَامِلُ فِيهِ وَمَجْمُوعُهُمَا جُمْلَةُ الْجَزَاءِ وَأَمَّا جُمْلَةُ الشَّرْطِ فَلَيْسَ فِيهَا فِي هَذَا الْحُكْمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ وَلَا مَحْكُومٌ بِهِ وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا تَقْيِيدًا لِنِسْبَةِ الْحُكْمِ فِي جُمْلَةِ الْجَزَاءِ كَمَا تُقَيَّدُ بِالظُّرُوفِ وَغَيْرِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ الْجَزَاءِ خَبَرِيَّةً كَالْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْ إنْشَائِيَّةً كَقَوْلِك " إنْ قَامَ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ " وَ " وَإِنْ قَامَ فَلَأَضْرِبَنَّهُ " أَوْ فِعْلِيَّةً كَمَا سَبَقَ أَوْ اسْمِيَّةٌ كَقَوْلِك إنْ قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو قَائِمٌ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ وَلَا فَرْقَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا يُرَادُ كَوْنُهُ كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَبْدِي حُرٌّ، وَمَا لَا يُرَادُ كَوْنُهُ كَإِنْ عَصَيْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمَدْلُولُ الْقَضِيَّةِ الْكُبْرَى أَعْنِي الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى قَضِيَّتَيْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْحُكْمُ بِمَوْضُوعِ الْجَزَاءِ عَلَى مَوْضُوعِهِ مُقَيَّدٍ بِالشَّرْطِ.
стр. 239
فَالشَّرْطُ قَيْدٌ بِالْقَضِيَّةِ وَجْهُهُ فِيهَا وَلَيْسَ جُمْلَةُ الْجَزَاءِ بِكَمَالِهَا مَحْكُومًا بِهَا عَلَى جُمْلَةِ الشَّرْطِ. وَمَقْصُودِي بِهَذَا الْكَلَامِ يَظْهَرُ عِنْدَ دُخُولِ " كَانَ " عَلَيْهَا نَعَمْ تَارَةً يَكُونُ الْحَاضِرُ فِي الذِّهْنِ الْجَزَاءَ وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارَ بِتَقْيِيدِهِ كَأَنَّك تُرِيدُ بِأَنْ قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو مَعْنَى قَوْلِك قِيَامُ عَمْرٍو يُوجَدُ عِنْدَ قِيَامِ زَيْدٍ أَوْ بَعْدَهُ وَإِذَا أَرَدْت حَلَّهُ مَحَلَّهُ إلَى ذَلِكَ، وَتَارَةً يَكُونُ الْحَاضِرُ فِي الذِّهْنِ الشَّرْطَ وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بَيَانَ حُكْمِهِ فَيَنْحَلُّ إلَى قَوْلِهِ قِيَامُ زَيْدٍ يُوجَدُ عِنْدَهُ أَوْ بَعْدَهُ قِيَامُ عَمْرٍو، وَإِنَّمَا قُلْت يُوجَدُ وَلَمْ أَقُلْ مُسْتَلْزِمٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَقْسَامِ الشَّرْطِ وَأَنَّ الشَّرْطَ وَالْمَشْرُوطَ قَدْ يَكُونُ الرَّبْطُ بَيْنَهُمَا لُزُومِيًّا كَبَعْضِ الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَدْ يَكُونُ اتِّفَاقِيًّا كَقَوْلِك إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَكْرَمْتُك، هَذَا كُلُّهُ فِي الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ إذَا لَمْ تُجْعَلْ خَبَرًا لِشَيْءٍ بَلْ جَاءَتْ مُسْتَعْمَلَةً ابْتِدَاءً.
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِيهَا) إذَا وَقَعَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وَلَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهَا كَانَ كَقَوْلِك: زَيْدٌ إنْ قَامَ قُمْت فَقَدْ صَارَ الشَّرْطُ وَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ كُلُّهُ حُرُّ كَلَامٍ خَبَرًا عَنْ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ زَيْدٌ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَقْصُودُ هُنَا وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْمُبْتَدَأِ إلَّا أَنَّهُ قَصَدَ الِاهْتِمَامَ بِذِكْرِ زَيْدٍ لِأَنَّهُ الْحَاضِرُ فِي الذِّهْنِ دُونَ مَا سِوَاهُ أَوْ كَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَغْرَاضِ وَقَصَدَ بَيَانَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ رَبْطِ قِيَامِك بِقِيَامِهِ وَهُوَ مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ حَاصِلٍ قَبْلَ دُخُولِ الْمُبْتَدَأِ لَكِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي قُصِدَ هُنَاكَ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْقِيَامِ عِنْدَ الْقِيَامِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ وَكَأَنَّك قُلْت: زَيْدٌ أَنَا قَائِمٌ عِنْدَ قِيَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْنَى الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاهْتِمَامِ.
الْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارَ عَنْ صِفَةِ زَيْدٍ وَحَالِهِ كَقَوْلِك: الشُّجَاعُ إنْ قَاتَلَ كَرَّ وَالْجَبَانُ إنْ قَاتَلَ فَرَّ وَالْكَرِيمُ إنْ سُئِلَ جَادَ وَالْبَخِيلُ إنْ سُئِلَ حَادَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ إلَّا بَيَانُ صِفَةِ الْمُبْتَدَأِ وَتَعْرِيفِهِ لَا حُصُولُ الْفِعْلِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْجَزَاءِ وَلَا عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ وَإِنْ دَلَّ بِوَضْعِهِ عَلَى وُجُودِ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ أَوْ بَعْدَهُ لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ صَحِيحٌ مَعَ عَدَمِهِمَا، وَصَارَتْ جُمْلَتَا الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فِي هَذَا الْمِثَالِ كَالْمُفْرَدِ كَأَنَّك قُلْت: الشُّجَاعُ هُوَ الْكَارُّ وَالْجَبَانُ هُوَ الْفَارُّ.
وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] فَإِنَّ الْمُرَادَ الْإِخْبَارُ عَنْ صِفَتِهِ بِالْهَلَعِ الْمُفَسَّرِ بِالْجَزَعِ عِنْدَ الشَّرِّ وَالْمَنْعِ عِنْدَ الْخَيْرِ سَوَاءٌ وَقَعَا أَوْ لَمْ يَقَعَا. إذَا عَرَفْت هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ عَرَفْت انْقِسَامَ الشَّرْطِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ شَرْطِهَا أَوْ جَوَابِهَا وَهُوَ مَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ مَقْصُودًا فَيَقْتَضِي وُقُوعَهُ وَلَا يَقْتَضِي إثْبَاتَ صِفَةٍ لِلْمُبْتَدَأِ الْآنَ بَلْ إنَّمَا أَتَى لِلتَّوَصُّلِ إلَى الْإِخْبَارِ بِالْفِعْلِ الَّذِي
стр. 240
جُعِلَ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ خَبَرٌ مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ فَقَطْ وَلَمْ يَقْتَضِ تَعْرِيفًا لِلْمُبْتَدَأِ وَلَا وَصْفًا وَإِلَى مَا لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ شَرْطِهَا وَلَا جَزَائِهَا وَهُوَ مَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ تَعْرِيفَ الْمُبْتَدَأِ وَوَصْفَهُ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ شَرْطًا وَجَزَاءً قَوْله تَعَالَى ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥]- الْآيَةُ فَالْمَقْصُودُ بِالْخَبَرِ هُنَا ذِكْرُ مَثَلِ الْجَنَّةِ وَصِفَتِهَا لَا الْإِخْبَارُ الْمُجَرَّدُ بِمَا بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَقِلَّةً ابْتِدَائِيَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ بِحُصُولِ الْمُخْبَرِ بِهِ، وَإِذَا كَانَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ احْتَمَلَ، وَضَابِطُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ إنْ ذُكِرَتْ صِفَةُ الْمُبْتَدَأِ أَوْ قُصِدَتْ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ بِالْخَبَرِ بِهِ مَقْصُودًا وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ وَإِلَّا كَانَ مَقْصُودًا وَالْقَصْدُ لِذَلِكَ قَدْ يُعْرَفُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ. هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ دُخُولِ " كَانَ ".
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) إذَا جَاءَتْ خَبَرًا لَكَانَ كَقَوْلِك: كَانَ زَيْدٌ إذَا كَانَ كَذَا فَعَلَ كَذَا، وَهُوَ يَتَنَوَّعُ كَمَا يَتَنَوَّعُ قَبْلَ دُخُولٍ إلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يَظْهَرُ بِالْوَضْعِ أَوْ بِالْقَرِينَةِ أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ الصِّفَةِ كَقَوْلِك: كَانَ خَالِدٌ إنْ لَقِيَ أَلْفًا كَسَرَهُمْ وَكَانَ حَاتِمٌ إنْ جَاءَهُ أَلْفٌ أَطْعَمَهُمْ وَكَانَ الْحُكْمُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ إذَا نَاجَى أَحَدُهُمْ الرَّسُولَ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ صَدَقَةً.
فَهَذَا صَحِيحٌ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا الْجَزَاءِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ عُمِلَ بِالصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ النَّجْوَى أَوْ نُسِخَتْ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ صِيغَةُ " كَانَ " قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] لِأَنَّ " خُلِقَ " تَدُلُّ عَلَى الْمُضِيِّ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ " كَانَ " وَ " هَلُوعًا " حَالٌ مِنْهُ وَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا دُخُولُ " إذَا " عَلَى الْمُحْتَمَلِ لِأَنَّهَا لَوْ قُوبِلَتْ بِمِثْلِهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ نِسْبَةَ الْأَمْرَيْنِ إلَيْهِ سَوَاءٌ وَلَوْ أَتَى مَوْضِعَهَا بِأَنْ وَكَانَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ.
(النَّوْعُ الثَّانِي) مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ ذَلِكَ أَوْ يَظْهَرُ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ الْفِعْلِ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، فَاَلَّذِي أَقُولُهُ: إنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّ " كَانَ " تَدُلُّ عَلَى اقْتِرَانِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ بِالزَّمَانِ الْمَاضِي وَمَضْمُونُ الْجُمْلَةِ هُوَ الْمُخْبَرُ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ وَهَهُنَا وَقْفَةٌ يَسِيرَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ قَوْلُك زَيْدٌ قَائِمٌ هُوَ قَائِمٌ أَوْ الْقِيَامُ وَالْمُخْبَرُ بِهِ فِي قَوْلِك كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا هَلْ هُوَ قَائِمٌ أَوْ لَا؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِهِ لِأَنَّ أَصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ قَبْلَ دُخُولِ النَّاسِخِ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مَعَ زِيَادَةِ دَلَالَةِ " كَانَ " عَلَى الْمُضِيِّ وَكَأَنَّك قُلْت: زَيْدٌ قَائِمٌ أَمْسِ إلَّا أَنَّ " أَمْسِ " ظَرْفٌ لِقَائِمٍ فِي هَذَا الْمِثَالِ وَ " كَانَ " لَيْسَتْ ظَرْفًا لِخَبَرِهَا وَيَكُونُ الْمَعْنَى كَأَنَّك قُلْت
стр. 241
اسْتَقَرَّ أَمْسِ مَعْنَى (زَيْدٌ قَائِمٌ) .
وَلَمْ أَقُلْ اسْتَقَرَّ أَمْسِ أَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ الْآنَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادَ بَلْ الْمُرَادُ اسْتَقَرَّ أَمْسِ أَنَّهُ قَائِمٌ أَمْسِ فَعَدَلَ إلَى قَوْلِهِ مَعْنَى (زَيْدٌ قَائِمٌ) لِأَنَّهُ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ وَهُوَ نِسْبَةُ الْقِيَامِ الثَّابِتِ إلَى زَيْدٍ وَأَيْضًا فَفِي هَذَا أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ وَلَمْ أَجِدْ نَقْلًا يَشْهَدُ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْمُعْتَضَدُ بِالنَّقْلِ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ هُوَ كَانَ مَعَ الْخَبَرِ وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ هُوَ الِاسْمُ كَأَنَّك قُلْت زَيْدٌ كَانَ قَائِمًا وَهُوَ الِاحْتِمَالُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ النُّحَاةِ.
فَإِنَّ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: إنَّ خَبَرَهَا انْتَصَبَ لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْمَفْعُولِ وَالْفَرَّاءُ يَقُولُ: انْتَصَبَ لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْحَالِ فَالْكَلَامَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ كَالْقِصْلَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ أَقُلْ إنَّهُ الْمُخْبَرُ بِهِ بَلْ الْمُخْبَرُ بِهِ كَانَ فَمَعْنَى قَوْلِنَا كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا الْإِخْبَارُ عَنْ زَيْدٍ بِأَنَّهُ مَضَى كَوْنُهُ قَائِمًا وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِنَا زَيْدٌ قَائِمٌ إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ كَانَ حَالٌ وَبَعْدَ دُخُولِهَا مَاضٍ وَالْإِخْبَارُ بِذَلِكَ الْآنَ وَالْمُخْبَرُ بِهِ هُوَ الْمَاضِي، وَيَحْتَمِلُ احْتِمَالًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّ قِيَامَ زَيْدٍ هُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ وَكَانَ هُوَ الْمُخْبَرُ بِهِ كَأَنَّك قُلْت: قِيَامُ زَيْدٍ مَضَى؛ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى قَوِيٌّ جِدًّا وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ تَقُولُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَخَاك قَائِمًا أَرَدْت أَنْ تُخْبِرَ عَنْ الْأُخُوَّةِ وَلَقَدْ أَقَمْتُ بُرْهَةً أَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ هَذَا وَأَقُولُ كَيْفَ جَعَلَ الْأُخُوَّةَ مُخْبَرًا عَنْهَا وَإِنَّمَا هِيَ مُخْبَرٌ بِهَا حَتَّى وَقَفْت عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَازْدَدْت بَصِيرَةً بِكَلَامِ سِيبَوَيْهِ وَيَحِقُّ لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ الْكَلَامُ الْمُحَرَّرُ وَهَكَذَا يَنْبَغِي إذَا وَرَدَ كَلَامٌ مِنْ إمَامٍ نَتَأَمَّلُ وَنَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ تَحْتَهُ مِنْ حِكْمَةٍ، وَلَا يَنْفِي هَذَا مَا قَالَهُ مَنْ يُشَبِّهُهُ بِالْمَنْعُوتِ وَمَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ مِنْ تَشَبُّهِهِ بِالْحَالِ لِأَنَّ ذَاكَ مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ وَهَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَقَدْ بَانَ مَعْنَى كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَائِمٌ مَثَلًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَمَانٍ وَهُوَ زَمَانٌ فَكَأَنَّك قُلْت مَعْنًى قِيَامُ زَيْدٍ وَلَيْسَ بَاقٍ عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الْحَالِ حَتَّى يَكُونَ الْمَعْنَى مَضَى أَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ الْآنَ لِمَا سَبَقَ فَلَا تَتَوَهَّمُ ذَلِكَ وَكَذَا لَا تَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَعْنَى جَعَلَ زَمَان كَانَ كَالْمَنْطُوقِ فِيهِ بِزَيْدٍ قَائِمٍ وَأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْمُضِيِّ فِيهِ.
وَهَذَا تَوَهُّمٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ النُّطْقَ حَاصِلٌ الْآنَ لَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْكَلَامُ وَالْإِخْبَارُ وَنَحْوُهُ وَإِنَّمَا الْمَاضِي الْمُخْبَرُ بِهِ وَهُوَ فَائِدَةُ الْخَبَرِ وَالْمُسْتَفَادُ مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِنَا كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا وَانْحَلَّتْ الْوَقْفَةُ الْيَسِيرَةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا. هَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ " كَانَ " مَقْصُودُنَا التَّدَرُّجُ بِهَا وَبِمَا بَعْدَهَا إلَى الْمَقْصُودِ.
(الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) كَانَ زَيْدٌ يَقُومُ فَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ قَبْلَ دُخُولِ كَانَ إمَّا حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الِاسْتِقْبَالِ أَوْ مُشْتَرَكٌ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْدَ دُخُولِ كَانَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ يَكُونُ الْمَعْنَى الْإِخْبَارَ بِمُقَارَنَةِ حُدُوثِ الْقِيَامِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ
стр. 242
فِعْلُ الْمُضَارَعَةِ لِلزَّمَانِ الْمَاضِي لِأَنَّ دَلَالَةَ قَوْلِنَا زَيْدٌ يَقُومُ عَلَى حَالِ الْمُتَكَلِّمِ انْتَقَلَتْ بِكَانَ إلَى الْمَاضِي لَيْسَ إلَّا مَعَ بَقَاءِ فِعْلِ الْمُضَارَعَةِ عَلَى مَعْنَاهُ كَمَا أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ انْتَقَلَ إلَى الْمَاضِي مَعَ بَقَاءِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَعْنَاهُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ أَوْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ كَانَ صَارِفَةٌ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ وَمَعْنًى أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ يَصِيرُ كَقَوْلِك كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
(الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا كَانَ فِعْلًا مَاضِيًا فَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِقَدْ فَهُوَ جَائِزٌ وَصَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ فَقَوْلُك: زَيْدٌ قَدْ قَامَ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ قِيَامٍ فِي الْمَاضِي مُتَوَقَّعٍ فِيمَا مَضَى مُحَقَّقٍ قَرِيبٍ فَإِذَا قُلْت: كَانَ زَيْدٌ قَدْ قَامَ فَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِمُضِيِّ مَعْنَى قَوْلِنَا زَيْدٌ قَدْ قَامَ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَنَا إنَّ زَيْدًا قَدْ قَامَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُخَاطَبَ مُتَوَقِّعٌ لِذَلِكَ وَأَنَّك حَقَّقْت لَهُ وُقُوعَ مَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ لَهُ وَقَرَّبْتَهُ مِنْهُ وَقَوْلُنَا: كَانَ زَيْدٌ قَدْ قَامَ يَقْتَضِي أَنَّ التَّوَقُّعَ كَانَ فِي الْمَاضِي وَلَيْسَ مُسْتَمِرًّا إلَى الْآنَ لِدُخُولِ كَانَ.
(فَائِدَةٌ) وَهَلْ نَقُولُ: إنَّ الْقِيَامَ مُقَارِنٌ لِزَمَانِ كَانَ أَوْ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ مُحَافَظَةً عَلَى دَلَالَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي؟ كُنْت أَظُنُّ الثَّانِيَ؛ وَلَمَا رَضَتْ نَفْسِي بِالْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَعَانِيهَا كَانَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي الْأَوَّلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِقَدْ مِثْلُ قَوْلِك: كَانَ زَيْدٌ قَامَ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَبِيحٌ وَرُدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] وَغَيْرِهِ مِنْ الشَّوَاهِدِ الْكَثِيرَةِ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُحْصَى ثُمَّ مَا مَعْنَاهُ قِيلَ: إنَّ مَعْنَاهُ مَعْنَى زَيْدٍ قَامَ وَكَانَ تَأْكِيدٌ؛ وَكُنْت أَظُنُّ أَنَّ مَعْنَاهَا التَّقَدُّمُ بِزَمَانَيْنِ مُحَافَظَةً عَلَى مَعْنَى الْمَاضِي فِي الْفِعْلَيْنِ كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَوَقَّفْت فِيهِ كَمَا قَدَّمْت وَفِي " قَدْ " ظَهَرَ مَعْنًى زَائِدٌ وَهَهُنَا إنْ لَمْ يَثْبُتْ التَّقَدُّمُ بِزَمَانَيْنِ لَمْ تَظْهَرْ زِيَادَةُ مَعْنًى.
(الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا دَخَلَ عَلَى الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ السِّينُ كَقَوْلِك كَانَ زَيْدٌ سَيَفْعَلُ كُنْت مُتَوَقِّفًا فِي صِحَّةِ هَذَا التَّرْكِيبِ وَأَمِيلُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا بَيْنَ كَانَ وَالسِّينِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَكَتَبْت ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَتْ كِتَابَتُهُ لِابْنِي فَأَرْسَلَ إلَيَّ فِيمَا كَتَبَهُ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ: " لَوْ " حَرْفٌ كَمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ فَتَعَجَّبْت مِنْ غَفْلَتِي عَنْهُ مَعَ نُطْقِي بِهِ طُولَ الدَّهْرِ وَجَاءَ هَذَا الْإِيرَادُ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ لِأَنَّهُ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ وَهُوَ مَا هُوَ وَلَمْ أَسْتَحْضِرْ غَيْرَهُ مِمَّا يَدُلُّ لِجَوَازِ مُرِيدٍ سَيَفْعَلُ فَهَلْ نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالَ سِيبَوَيْهِ أَوْ لَا؟ وَالْأَقْرَبُ لَا وَأَنَّهُ يَفْصِلُ فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُطْلَقًا امْتَنَعَ وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ لَمْ يَقَعْ جَازَ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ أَمَّا امْتِنَاعُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ قَوْلَك كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ زَيْدٍ بِمُضِيِّ قِيَامٍ مِنْهُ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِقْبَالِ مَا بَعْدَ زَمَانِ الْإِخْبَارِ تَنَاقَضَ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُرَادُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ فِي الْمُضَارِعِ
стр. 243
وَاسْمِ الْفَاعِلِ حَالَ الْإِخْبَارِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِقْبَالِ زَمَانُ كَانَ مُطْلَقًا امْتَنَعَ أَيْضًا لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَاصِلًا مُسْتَقْبَلًا وَإِنْ أُرِيدَ اسْتِقْبَالُهُ عَنْ أَوَّلِ أَزْمِنَةِ كَانَ إلَى زَمَانِ الْإِخْبَارِ فِي حَالَةٍ يَكُونُ الزَّمَانُ الْمَذْكُورُ مُتَّسَعًا فَيَصِيرُ الْمَعْنَى الْإِخْبَارَ بِحُصُولِ الْقِيَامِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَيُغْنِي عَنْهُ قَوْلُك: قَامَ زَيْدٌ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي سُلُوكِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فَلَا فَائِدَةَ وَإِنْ قِيلَ: الْفَائِدَةُ مَا فِي السِّينِ مِنْ التَّوَقُّعِ قُلْنَا: كَانَ يُكْتَفَى عَنْهَا بِقَدْ فَنَقُولُ: قَدْ قَامَ زَيْدٌ أَوْ كَانَ زَيْدٌ قَدْ قَامَ. وَهَذَا أَقْصَى مَا ظَهَرَ لِي فِي تَعْلِيلِ امْتِنَاعِ ذَلِكَ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ قَبْلَهُ، وَأَمَّا جَوَازُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّرْطُ وَاقِعًا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ وَاقِعًا وَتَجَرَّدَتْ السِّينُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّوَقُّعِ فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَنَا بِهِ مُتَوَقِّعٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلسِّينِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا الْإِخْبَارُ بِاسْتِقْبَالِ الْفِعْلِ؛ وَالثَّانِي تَوَقُّعُهُ أَيْ يَقَعُ جَوَابًا لِمَنْ هُوَ مُتَوَقِّعٌ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ الْآنَ وَذَلِكَ لَازِمٌ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِقْبَالٍ وَتَوَقُّعِهِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ حَاصِلَانِ بِلَا شَكٍّ فِي ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ حَاصِلٌ عَلَى تَقْدِيرٍ فَحَسَنٌ فَلِذَلِكَ جَازَتْ عِبَارَةُ سِيبَوَيْهِ فِي لَوْ كَانَ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ مِنْهَا مَا هُوَ لَمَّا سَيَقَعُ وُقُوعَ غَيْرِهِ مَعَ رُجْحَانِ الْوُقُوعِ كَإِذَا أَوْ عَدِمَ رُجْحَانِهِ كَإِنْ وَمِنْهَا مَا هُوَ مَا وَقَعَ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ كُلَّمَا وَمِنْهَا مَا هُوَ لَمَّا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ وَهُوَ فَقَوْلُنَا كَانَ احْتِرَازٌ مِنْ إذَا وَإِنْ وَالسِّينُ احْتِرَازٌ مِنْ الَّذِي عُرِفَ أَنَّهُ فِي الْمَاضِي يَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ بِأَنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَتَكَرَّرَ وَهُوَ لَمَّا فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا وَيَقَعُ احْتِرَازٌ مِنْ لَمَّا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا وَلِوُقُوعِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ الشَّرْطُ الَّذِي يَقَعُ الْمَشْرُوطُ لِأَجْلِهِ. فَلَا جُرْمَ كَانَتْ عِبَارَةُ سِيبَوَيْهِ مِنْ أَسَدِّ الْعِبَارَاتِ مَخْرُوطَةً عَلَى الْغَرَضِ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعَةٌ إلَى مَا جُعِلَ الْخَبَرُ فِيهِ عَنْ صِفَةِ الْمُبْتَدَأِ لِأَنَّ قَوْلَنَا لَمَّا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ مَا نَكِرَةٌ بِمَعْنَى شَيْءٍ وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَمْرٍ لِتَشْمَلَ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ وَكَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ تَعْرِيفٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ وَوَصْفٌ لَهُ لَكِنْ هُنَا شَرْطٌ وَلَا جَزَاءَ. إذَا عَرَفْت هَذِهِ الصُّوَرَ الْأَرْبَعَةَ وَقَدْ جَعَلْنَاهَا مُقَدِّمَةً لِلْمَقْصُودِ نَرْجِعُ إلَى الْمَقْصُودِ وَنَقُولُ: إذَا جُعِلَتْ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لَكَانَ انْقَسَمَ قِسْمَيْنِ كَمَا كَانَ يَنْقَسِمُ قَبْلَ ذَلِكَ: أَحَدُهُمَا مَا يُقْصَدُ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ صِفَةِ اسْمِ كَانَ مِثْلُ كَانَ خَالِدٌ أَوْ الزُّبَيْرُ إذَا لَقِيَ أَلْفًا كَسَرَهُمْ وَحَاتِمٌ إذَا جَاءَهُ أَلْفٌ قَرَاهُمْ وَمَا أَشْبَهَهُ فَهَذَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وُجُودِ شَرْطٍ وَلَا جَزَاءٍ لِمَا سَبَقَ، وَالثَّانِي مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَقَوْلِنَا كَانَ زَيْدٌ إذَا جَاءَ مِصْرَ نَزَلَ عِنْدِي وَقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 244
إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي رَأْسَهُ» وَقَوْلِ حُذَيْفَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» .
وَنَحْوِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَعْنَى مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ وَمَضْمُونُ الْجُمْلَةِ هُوَ الْجَزَاءُ الْمُخْبَرُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَوَاعِدِ فَكَانَ الْمَعْنَى الْإِخْبَارَ بِمُضِيِّ الْجَزَاءِ وَيَلْزَمُ مِنْ الْجَزَاءِ مُضِيُّ الشَّرْطِ يَصِحُّ بِذَلِكَ مَا ادَّعَيْتُهُ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى وُجُودِ الْجَزَاءِ مُطَابَقَةً عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ الْتِزَامًا؛ وَهَكَذَا قَوْلُنَا: كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ حَيْثُ لَا نُرِيدُ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ ذَلِكَ صِفَتُهُ وَدَيْدَنُهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِمُضِيِّ صِدْقِهِ فِي حَدِيثِهِ فَالصِّدْقُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالْمُطَابَقَةِ وَالْحَدِيثُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ. فَإِنْ قُلْت: الْمَعْنَى فِي كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ وَفِي كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَيَقُومُ وَبِأَنَّهُ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ فَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُهُمَا.
قُلْت: قَدْ أَبْطَلْت ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ مَعَانِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ زَيْدٌ مَضَى أَنَّهُ سَيَقُومُ لَمْ يَلْزَمْ الْمُضِيُّ عَنْ وَقْتِ الْإِخْبَارِ وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي كَانَ قَائِمًا وَكَانَ يَقُومُ وَلَا قَائِلَ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى الْإِخْبَارَ بِأَنَّهُ سَيَقُومُ وَلَا بِأَنَّهُ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ وَلَكِنَّ الْإِخْبَارَ بِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ حُصُولُ الْقِيَامِ مِنْهُ فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ عَنْ أَوَّلِ أَزْمِنَةِ كَانَ إلَى آخِرِهَا وَكَذَلِكَ حُصُولُ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَهُوَ الْمُخْبَرُ بِهِ الْمَحْكُومُ بِهِ وَهُوَ الْجَزَاءُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الشَّرْطِ وَمِنْ لَازِمِهِ الشَّرْطُ وَإِنَّمَا وَقَعَ الِالْتِبَاسُ فِي هَذَا مِنْ جِهَةِ تَقْدِيرِ مَدْلُولِ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ كَالْمَنْسُوقِ بِهَا حَالَةَ الْكَوْنِ بِمَعْنَى أَنَّ الْقَائِلَ كَانَ زَيْدٌ إذَا جَاءَ أَكْرَمْتُهُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَمْسِ إذَا جَاءَ زَيْدٌ أَكْرَمْتُهُ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ وُجُودُ الْمَجِيءِ وَلَا الْإِكْرَامِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالزَّمَانِ الْمَاضِي بَلْ عَمَّ مَا بَعْدَ كَانَ مِنْ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ عَنْهَا وَعَنْ حَالَةِ الْإِخْبَارِ الْآنَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُخْبِرُ الْآنَ حَاكِمٌ بِنِسْبَةِ الْجَزَاءِ إلَى الشَّرْطِ مُسْتَنَدَةً إلَى مَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ فَيَجِبُ أَنْ يُتَنَبَّهَ إلَى أَنَّ فِي كُلِّ قِصَّةٍ مِثْلُ قَوْلِنَا قَامَ زَيْدٌ مَثَلًا شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا حُصُولُ الْقِيَامِ مِنْ زَيْدٍ وَالثَّانِي حُكْمُك بِذَلِكَ وَالتَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ وَالظَّرْفِ وَغَيْرِهِمَا إنَّمَا هُوَ لِلْأَوَّلِ، وَكِلَاهُمَا أَعْنِي حُصُولَ الْقِيَامِ مَعَ قُيُودِهِ دَاخِلَانِ تَحْتَ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ فَالْحُكْمُ وَارِدٌ عَلَى الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْجُمْلَةِ بِقُيُودِهِ وَشُرُوطِهِ وَظُرُوفِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، وَكَانَ تَدُلُّ عَلَى اقْتِرَانِ ذَلِكَ بِالزَّمَانِ الْمَاضِي وَهُوَ انْتِسَابُ الْقِيَامِ إلَى زَيْدٍ لَا النِّسْبَةَ الَّتِي هِيَ فِعْلُ الْحَاكِمِ. وَإِنَّمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسْبَةَ تَارَةً يُرَادُ بِهَا فِعْلُ الْحَاكِمِ أَعْنِي حُكْمَهُ بِذِهْنِهِ
стр. 245
أَوْ بِلَفْظِهِ، وَتَارَةً يُرَادُ بِهَا الْمَعْنَى الْمَحْكُومُ بِهِ الْمُطَابِقُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَقَيَّدُ وَهُوَ الدَّاخِلُ فِي خَبَرِ كَانَ.
(جَامِعَةٌ بِهَا نَخْتِمُ الْكَلَامَ) إذَا قُلْت: إنْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُك مَدْلُولُهُ الْإِخْبَارُ بِإِكْرَامٍ مُسْتَقْبَلٍ عَلَى تَقْدِيرِ مَجِيءٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَإِذَا قُلْتَ: كَانَ زَيْدٌ إنْ جَاءَنِي أَكْرَمْتُهُ فَمَدْلُولُهُ الْإِخْبَارُ بِإِكْرَامٍ مَاضٍ عَلَى تَقْدِيرِ مَجِيءٍ مَاضٍ أَعْنِي الْإِخْبَارَ بِإِكْرَامٍ وَقَعَ عَلَى تَقْدِيرِ مَجِيءٍ وَقَعَ لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى الْمَاضِي فَمَعْنَى قَوْلِنَا كَانَ زَيْدٌ إنْ قَدِمَ أَكْرَمْتُهُ أَنَّ الْقُدُومَ وَالْإِكْرَامَ مَضَيَا كَمَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِنَا قَبْلَ دُخُولِ كَانَ أَنَّهُمَا لَمْ يَمْضِيَا إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كَانَ مِنْ الْمُضِيِّ إمَّا أَنْ تَكُونَ لِلْإِخْبَارِ أَوْ لِلرَّبْطِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا حَاصِلٌ الْآنَ فَلَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ إمَّا أَنْ تَكُونَ لِلِارْتِبَاطِ وَهُوَ أَيْضًا حَاصِلٌ الْآنَ بِمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَإِنَّمَا قُلْت: بِمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْبِطُ الْمُتَكَلِّمُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاضِي كَوْنُهُ إنْ قَدِمَ أَكْرَمْتُهُ مَثَلًا فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ نَفْسُ الِارْتِبَاطِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أُرِيدَ شَيْءٌ آخَرُ فَلْنَتَبَيَّنْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَنَا كَانَ زَيْدٌ إنْ قَدِمَ أَكْرَمْتُهُ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ قَطْعًا فَالْمَاضِي إمَّا نَفْسُ الْإِكْرَامِ عِنْدَ الْقُدُومِ وَإِمَّا النَّهْيُ فَكَذَلِكَ وَإِمَّا الِارْتِبَاطُ بَيْنَهُمَا وَإِمَّا الرَّبْطُ وَإِمَّا الْإِخْبَارُ وَإِمَّا الْخَبَرُ وَالْكُلُّ بَاطِلٌ إلَّا الْأَوَّلَ.
أَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُرَادَ لِأَنَّ التَّهَيُّؤَ لِلشَّيْءِ غَيْرُ الشَّيْءِ وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّ الْمَاضِيَ نَفْسُ نَفْسِ الشَّيْءِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ فَلِأَنَّهَا لَا تُوصَفُ بِالْمُضِيِّ قَطْعًا، وَأَمَّا السَّادِسُ فَلِأَنَّهُ نَفْسُ اللَّفْظِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَأَيْضًا هُوَ حَاصِلٌ وَغَيْرُ النِّسْبَةِ مَفْقُودٌ وَمَنْ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ ثُمَّ إرَادَتُهُ.
فَهَذَا الْحَاصِلُ يَكْفِي فِي بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ وَنَزِيدُهُ إيضَاحًا فَنَقُولُ: قَوْلُنَا يَكُونُ كَذَا عِنْدَ كَذَا إخْبَارٌ بِمَاضٍ عِنْدَ مَاضٍ فَهُوَ خَبَرُ إنْ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُقَيَّدٌ وَالْمُقَيَّدُ فِي ضِمْنِهِ الْمُطْلَقُ فَقَوْلُنَا " إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي " إخْبَارٌ بِإِدْنَاءٍ مُسْتَقْبَلٍ عِنْدَ اعْتِكَافٍ مُسْتَقْبَلٍ فَقَوْلُنَا: كَانَ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إخْبَارٌ بِإِدْنَاءٍ مَاضٍ عِنْدَ اعْتِكَافٍ مَاضٍ فَإِنْ أَرَدْت كَانَ الْبَيَانَ فَالْبَيَانُ غَيْرُ نَفْسِ الْإِدْنَاءِ وَغَيْرُ نَفْسِ الِاعْتِكَافِ فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَتِهِ مِنْ دَلِيلٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِالْتِبَاسُ فِي هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلَّ قَضِيَّةٍ لِلنِّسْبَةِ فِيهَا طَرَفَانِ: أَحَدُهُمَا مِنْ جَانِبِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ حُكْمُهُ وَهَذَا لَيْسَ مُعَلَّقًا وَلَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ وَلَا يُوصَفُ بِاسْتِقْبَالٍ وَلَا مُضِيٍّ.
وَالثَّانِي مَا اقْتَضَتْهُ تِلْكَ النِّسْبَةُ مِنْ ثُبُوتِ الْإِدْنَاءِ عِنْدَ الِاعْتِكَافِ وَهَذَا هُوَ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ وَهُوَ الَّذِي يُوصَفُ بِالِاسْتِقْبَالِ وَالْمُضِيِّ
стр. 246
وَالتَّعْلِيقِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَتْ كَانَ مُضِيَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) : فِي النَّظَرِ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْوَلَدِ أَبْقَاهُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِ وَبَارَكَ فِي عُمُرِهِ فِي خَبَرِ كَانَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا عَنْ زَمَنِ الْكَوْنِ مَمْنُوعًا لِمَا قَدَّمْتُهُ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَصَحَّ أَنْ نَقُولَ كَانَ زَيْدٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقُومُ يَوْمَ السَّبْتِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَكَانَ أَمْسِ قَائِمًا الْيَوْمَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيَكَادُ الطَّبْعُ يَنْبُو عَنْهُ.
قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ بَيْنَهُمَا تَرَتُّبًا. هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا مُقْتَضَى مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مَمْنُوعٌ وَيَسْتَنِدُ الْمَنْعُ مَا سَبَقَ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُقَارِنًا لَا مَاضِيًا وَلَا مُسْتَقْبَلًا فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ ذَلِكَ يُؤَوَّلُ عَلَى مَعْنَى ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهُ وَالثُّبُوتُ مُقَارِنٌ لَا مُتَقَدِّمٌ وَلَا مُتَأَخِّرٌ. قَوْلُهُ فِي نَفْسِ الْقِيَامِ وَالِاتِّصَافِ بِهِ أَقُولُ أَمَّا تَغَايُرُهُمَا فَصَحِيحٌ وَأَمَّا انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فَإِنْ أُرِيدَ فِي الذِّهْنِ فَصَحِيحٌ وَإِنْ أُرِيدَ فِي الْخَارِجِ فَمَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ فِي كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا أَوْ يَقُومُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَمْنُوعٌ لِمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: كَانَ زَيْدٌ أَمْسِ قَامَ أَوَّلَ أَمْسِ أَنَا أَمْنَعُ صِحَّةَ هَذَا التَّرْكِيبِ وَمَنْ ادَّعَاهُ فَلِيَأْتِ بِشَاهِدٍ لَهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَابِلًا لِلتَّرْكِيبِ. قَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا: الْعِلَّةُ مَعَ الْمَعْلُولِ لَا وَجْهَ لِلْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَا عِلَّةٌ وَلَا مَعْلُولٌ بَلْ خَبَرٌ وَمُخْبَرٌ عَنْهُ.
قَوْلُهُ فِي الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ يُرَادُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى مَنْعِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ فِيمَا إذَا قَالَ: كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ وَالْمَنْعُ عَائِدٌ فِيهِ. قَوْلُهُ فَإِنْ قِيلَ: مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِك: كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ أَنَّهُ كَانَ أَمْسِ ثَبَتَ أَنَّهُ صَدَقَ أَوَّلَ أَمْسِ صِدْقًا نَاشِئًا عَنْ الْحَدِيثِ.
أَقُولُ هَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ كَيْفَ يُتَخَيَّلُ هَذَا وَكَيْفَ يُقَدَّرُ جَزَاءُ الشَّرْطِ الْمُسْتَقْبَلِ مَاضِيًا عَنْ زَمَانِ كَانَ بِالْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ الْمُقَارِنَةِ لِزَمَانِ الشَّرْطِ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا. أَنَّهَا جَعَلَتْ الْكَوْنِيَّةَ ثَابِتَةً لَهُ قَبْلَ إقْرَاعِهِ بَيْنَهُنَّ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَالْإِقْرَاعُ مَعْطُوفٌ بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ كَثِيرًا وَفِي غَيْرِ الْجُمَلِ دَائِمًا.
أَقُولُ: أَمَّا كَوْنُهَا جَعَلَتْ الْكَوْنِيَّةَ ثَابِتَةً لَهُ قَبْلَ إقْرَاعِهِ فَمَمْنُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ فَمَنْ تَأَمَّلَ مَا تَقَدَّمَ عَرَفَ أَنَّ الْكَوْنِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْإِقْرَاعِ؛ وَكَوْنُ الْفَاءِ مُقْتَضِيَةً لِلتَّرْتِيبِ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ الزَّمَانِيُّ بَلْ يَكْفِي التَّرْتِيبُ الْعَقْلِيُّ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِطَرِيقَيْنِ: إمَّا أَنْ نَجْعَلَ الْفَاءَ سَبَبِيَّةً لِأَنَّ كَوْنَهُ إذَا أَرَادَ
стр. 247
سَفَرًا أَقْرَعَ سَبَبٌ لِإِقْرَاعِهِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَالسَّبَبُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى السَّبَبِ عَقْلًا، وَإِمَّا أَنْ نَجْعَلَ الْفَاءَ تَفْسِيرِيَّةً عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَاعَ مُفَسِّرٌ لِمَا اقْتَضَتْهُ تِلْكَ الْكَوْنِيَّةُ، وَإِمَّا طَرِيقٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ تِلْكَ الْكَوْنِيَّةَ اقْتَضَتْ إقْرَاعًا مُطْلَقًا.
وَهَذَا إقْرَاعٌ مُقَيَّدٌ، وَبَيْنَ الْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ تَرْتِيبٌ عَقْلِيٌّ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَهُ النُّحَاةُ فِي تَرْتِيبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُجْمَلِ وَالْفَرْقُ فِي الْعَطْفِ بِالْفَاءِ بَيْنَ الْجُمَلِ وَغَيْرِهَا بَعِيدٌ وَالْحَقُّ اقْتِصَارُهَا لِلتَّرْتِيبِ فِي الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ وَالتَّقْدِيرُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ يُقْرِعُ عِنْدَ إرَادَةِ الْغَزْوِ وَإِرَادَةُ الْغَزْوِ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ عَنْ وَقْتِ الْكَوْنِ. أَقُولُ هَذَا التَّقْدِيرُ مَمْنُوعٌ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ أَوَّلَ أَمْسِ يَقُومُ أَمْسِ.
قَوْلُهُ فِي قَوْلِ كَعْبٍ:
وَكَانَ إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ
إنَّ حَمْلَهُ عَلَى الِاسْتِنَارَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَحْسَنُ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُرَادُ الْحَالَةُ الدَّائِمَةُ، وَإِعْرَابُهُ وَكَانَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مَمْنُوعٌ بَلْ هِيَ مُعْتَرِضَةٌ. قَوْلُهُ: إنَّهُ صَحَّ أَنَّ زَمَنَ الْكَوْنِ أَوْسَعُ مِنْ زَمَنِ الْفِعْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مَمْنُوعٌ بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. قَوْلُهُ يَعْنِي الْأَمْرُ بِجَلْدِ الزَّانِي إيقَاعُ الْجَلْدِ بِمَنْ هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالزِّنَا كَأَنَّهُ سَبَقَ قَلَمٌ وَتَصْحِيحُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ إيجَابُ الْجَلْدِ عَلَى مَنْ زَنَى أَوْ الْأَمْرُ بِإِيقَاعِ الْجَلْدِ.
قَوْلُهُ فَإِيقَاعُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَزْنِ أَوْ مَنْ زَنَى وُقُوعٌ هُوَ الْمَجَازُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْمَجَازَ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَالْإِيقَاعُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ، وَمَا قَصَدَهُ الْوَلَدُ مِنْ الْمَعْنَى صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْعِبَارَةَ لَمْ تُوَفِّ بِمَقْصُودِهِ. قَوْلُهُ: وَغَرَضُنَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ خَبَرَ كَانَ مُسْتَقْبَلٌ عَنْ زَمَنِ الْكَوْنِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الْغَرَضُ وَلَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَغَرَضُهُ فِي أَصْلِ الْبَحْثِ حَاصِلٌ بِدُونِهِ. قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُسْتَقْبَلًا عَنْ الْكَوْنِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا عَنْ وَقْتِ الْإِخْبَارِ أَوْ لَا وَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ؟
أَقُولُ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَوْ قُبِلَ ذَلِكَ النِّزَاعُ لَقُبِلَ قَوْلُنَا كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ قَائِمٌ فِيمَا مَضَى أَوْ الْآنَ وَكَذَلِكَ كَانَ زَيْدٌ يَقُومُ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَلَا تَنَازُعَ فِيهِ. قَوْلُهُ مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ لِلَّهِ دَرَّهُ كَيْفَ انْتَزَعَهُ وَعَجِبَ لِي كَيْفَ غَفَلْت عَنْهُ. قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِهِ لَوْ حَرْفٌ لِشَيْءٍ أَصَابَ فِي تَقْدِيرِهِ مَا نَكِرَةٌ وَلَمْ يَجْعَلْهَا مَوْصُولَةً وَلَكِنْ لَوْ قَالَ الْأَمْرُ لَكَانَ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِهِ لِشَيْءٍ لِمَا قَدَّمْنَا فَإِنَّ الْأَمْرَ يَشْمَلُ الْوُجُودَ وَالْمَعْدُومَ وَالشَّيْءُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا عَلَى الْمَوْجُودِ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ السُّنَّةِ، نَعَمْ النُّحَاةُ يُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِمَا فَالْوَلَدُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ هُوَ قِيَامُ عَمْرٍو مِنْ قَوْلِك لَوْ قَامَ زَيْدٌ لَقَامَ عَمْرٌو لَا أُسَامِحُهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّ قَدْرَهُ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ قِيَامَ عَمْرٍو مَحْكُومٌ بِهِ لَا مَحْكُومٌ عَلَيْهِ وَعَمْرٌو مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ فَقِيَامُ عَمْرٍو كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِوَاقِعٍ قَبْلَ وَقْتِ الْإِخْبَارِ
стр. 248
ضَرُورَةً أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ بِسِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَذْكُرْ الِامْتِنَاعَ فَكَيْفَ يُقَالُ رَأْيُهُ.
قَوْلُهُ: إنَّهُ كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ مُرَادِفٌ لِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ مَمْنُوعٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فَإِنَّ التَّقْيِيدَ فِيهِ دَلَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالْإِطْلَاقُ يُضَادُّهُ. قَوْلُهُ إنَّ اسْتِوَاءَهُمَا قَطْعِيٌّ يَنْبَغِي أَنْ يُنْصِفَ مِنْ نَفْسِهِ وَيَتَأَمَّلَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصِّيَغِ الثَّلَاثَةِ. قَوْلُنَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ.
وَقَوْلُنَا كَانَ زَيْدٌ إذَا قَامَ يَقُومُ ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ تُشْعِرُ دَعْوَاهُ الْقَطْعَ بِاسْتِوَائِهَا أَوْ لَا وَحِينَئِذٍ نَتَكَلَّمُ مَعَهُ. قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ الْوَلَدُ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِعَدَمِ جَوَازٍ كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ وَكَلَامُ سِيبَوَيْهِ هَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِهِ أَقُولُ: لَيْسَ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً فِيهِ وَلَا تَوَارُدًا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَيَا أَيُّهَا الْوَلَدُ الْفَاضِلُ أَيْنَ قَوْلُك هُنَا إنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ مِنْ قَوْلِك فِيمَا مَضَى إنَّهُ مُرَادِفٌ لَهُ وَالْمُرَادِفُ غَيْرُ مُرَادِفِهِ فَكَيْفَ هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ فَمَا أَسْرَعَ مَا يَنْسَى النَّاسُ إلَّا أَنْ يُعْتَذَرَ بِأَنَّ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُتَقَرِّرَانِ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ تَغَايَرَا فِي اللَّفْظِ وَالصَّرَاحَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَحِينَئِذٍ أَمْنَعُك الِاتِّفَاقَ فِي الْمَعْنَى وَسَنَدُ الْمَنْعِ مَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ فِي وَقْتٍ لَمْ يَقَعْ الْحَدِيثُ فِيهِ لَمَا صَحَّ كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ. قَوْلُهُ فِي ثُنَائِهَا إنَّ " لَوْ " وَ " إذَا " كُلٌّ مِنْهُمَا لِلشَّرْطِ.
أَقُولُ: تَسْمِيَةُ " لَوْ " حَرْفَ شَرْطٍ فِيهِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرْطِ لِمَا يُسْتَقْبَلُ لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ وَالْعَلَامَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَإِنَّمَا هِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْكَلِمَاتِ: إحْدَاهَا مَا دَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ الْمَاضِي لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ فِي الْمَاضِي وَهِيَ لَوْ، وَالثَّانِيَةُ مَا دَلَّ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ فِي الْمَاضِي لِوُجُودِ شَيْءٍ فِيهِ وَهِيَ لَمَّا، وَالثَّالِثَةُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ مُسْتَقْبَلٍ لِوُجُودِ مُسْتَقْبَلٍ آخَرَ وَهِيَ إنْ وَإِذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا. قَوْلُهُ فِي الْفِعْلَيْنِ الْوَاقِعَيْنِ بَعْدَ إذَا فِي الْمُطَابَقَةِ وَالِالْتِزَامِ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ فِي الْفِعْلَيْنِ الْوَاقِعَيْنِ بَعْدَ لَوْ إنَّ وُقُوعَهُمَا بَعْدَ لَوْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَقَعَا فِي الْمَاضِي مُطَابَقَةٌ لِأَنَّ لَوْ مَوْضُوعَةٌ لِلِامْتِنَاعِ. أَقُولُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ " لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ " دَالًّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ إنَّمَا وُضِعَتْ دَالَّةً عَلَى امْتِنَاعِ مَا يَلِيهَا وَأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِمَا لَهَا فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى امْتِنَاعِ الثَّانِي وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ امْتِنَاعُهُ مِنْ انْتِفَاءِ الْأَوَّلِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَوْ وَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ السَّبَبِ انْتِفَاءُ الْمُسَبِّبِ مَا لَمْ يَخْلُفْهُ سَبَبٌ آخَرُ كَمَا فِي قَوْلِهِ " لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ " فَعُلِمَ أَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى انْتِفَاءِ الثَّانِي لَيْسَ بِالْمُطَابَقَةِ بَلْ وَلَا بِالِالْتِزَامِ إلَّا بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ
стр. 249
الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهُ، هَذِهِ السَّبَبِيَّةُ تُسْتَفَادُ مِنْ لَامِ التَّعْلِيلِ الَّتِي فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.
وَقَوْلُهُ وَذَاكَ عَلَى أَنَّهُمَا إنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَقَعَ الْآخَرُ مَمْنُوعٌ فَقَدْ تَقُولُ: لَوْ جِئْتَنِي أَمْسِ أَكْرَمْتُك وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَاكَ إكْرَامُهُ إذَا جَاءَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَقَوْلُهُ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اسْتِلْزَامِ الثُّبُوتِ لِلثُّبُوتِ إنْ أَرَادَ فِي الْمَاضِي وَأَنَّ الْأَوَّلَ يَدُلُّ ثُبُوتُهُ عَلَى ثُبُوتِ الثَّانِي فَذَلِكَ صَحِيحٌ بِالْمُطَابَقَةِ بِالِاسْتِلْزَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْوَلَدَ فِيمَا يَقْصِدُهُ، وَإِنْ أَرَادَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَمْنُوعٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِامْتِنَاعِ لِلِامْتِنَاعِ فِي الْمَاضِي الثُّبُوتُ لِلثُّبُوتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّك تَقُولُ: " لَوْ جِئْتَنِي أَمْسِ أَكْرَمْتُك " وَقَدْ يَجِيءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْمُسْتَقْبَلِ لِذَلِكَ، وَقِيَاسُ الثُّبُوتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي الْمَاضِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَوْ صَحَّ لَزِمَ عَكْسُهُ فِي " إذَا " وَنَحْوُهُ بِأَنْ يُقَالَ: إذَا دَلَّ قَوْلُنَا " إذَا جِئْتَنِي أَكْرَمْتُك " عَلَى ثُبُوتِ الْإِكْرَامِ عِنْدَ الْمَجِيءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِلْزَامِ عَدَمِ الْمَجِيءِ لِعَدَمِ الْإِكْرَامِ فِي الْمَاضِي، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ. قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ بِزَعْمِهِ أَنَّ " لَوْ " لَهَا دَلَالَتَانِ فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهَا " كَانَ " اقْتَضَتْ مُضِيَّ الدَّلَالَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا عَدَمُ الْوُقُوعِ فِي الْمَاضِي وَالثَّانِيَةُ الْوُقُوعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَنْحَلُّ إلَى كَانَ زَيْدٌ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ صِدْقٌ لِعَدَمِ وُقُوعِ الْحَدِيثِ وَإِنْ وَقَعَ حَدِيثٌ وَقَعَ صِدْقٌ، ثُمَّ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الِاسْتِقْبَالِيَّة فِي الْمَاضِي لِأَنَّهُ يَلْزَمُ إلْغَاءُ دَلَالَةِ " لَوْ " بِالْمُطَابَقَةِ. هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنْ الدَّلَالَتَيْنِ وَهُوَ فَاسِدٌ.
قَوْلُهُ: وَإِنْ أَنْكَرَ مُنْكِرٌ جَوَازَ " كَانَ زَيْدٌ لَوْ حَدَّثَ كَذَبَ " فَلْيُنْظَرْ كَلَامُ الْعَرَبِ نَجِدْ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا نَحْنُ لَا نُنْكِرُهُ وَلَكِنَّا نُنْكِرُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الدَّلَالَتَيْنِ وَمَعْنَى قَوْلِنَا " كَانَ زَيْدٌ لَوْ حَدَّثَ كَذَبَ " أَنَّهُ اقْتَرَنَ بِالْمَاضِي عَدَمُ حَدِيثِهِ وَأَنَّ حَدِيثَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِكَذِبِهِ. قَوْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَكُنْت إذَا أَرْسَلْت طَرْفَك رَائِدًا ... لِقَلْبِك يَوْمًا أَتْعَبَتْك الْمَنَاظِرُ
أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ طَرَفَهُ إلَى شَيْءٍ فَأَتْعَبَهُ. أَقُولُ: صَحِيحٌ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ الْإِخْبَارَ فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ الْجُزْئِيَّةُ فَقَطْ بَلْ مُرَادُهُ الْحَالَةُ الدَّائِمَةُ، وَالْمِثَالُ الَّذِي قَالَهُ الْوَلَدُ فِعْلٌ مَاضٍ فِي مَسَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي فِي الْبَيْتِ تَدُلُّ عَلَى الْحَالَةِ الدَّائِمَةِ.
قَوْلُهُ بَلْ أُثْبِتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَاكَ لَوَقَعَ هَذَا. أَقُولُ: الْإِثْبَاتُ بِلَوْ لَا يَجُوزُ هُنَا لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَهُوَ ضِدُّ مَقْصُودِ الشَّارِعِ.
وَقَوْلُهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ صِفَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِنَا " كَانَ خَالِدٌ إنْ لَقِيَ أَلْفًا كَسَرَهُمْ " فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا أَقُولُهُ لَكِنِّي أَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادَ الشَّاعِرِ بَلْ مُرَادُهُ ثُبُوتُ هَذِهِ الْحَالَةِ لَهُ وَتَحْقِيقُهَا
стр. 250
وَلِذَلِكَ أَتَى بِإِذَا فَإِنْ كَانَ إذَا جَاءَتْ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لَهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ مَعْلُومَ الْوُقُوعِ أَوْ رَاجِحَهُ يُؤْتَى فِيهِ بِإِذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يُؤْتَى فِيهِ بِإِنْ.
قَوْلُهُ وَمَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ " يَوْمًا " أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ الْأَيَّامِ الْمُسْتَقْبَلَاتِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ حِكَايَةَ حَالِ مَاهِيَّتِه لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ يَوْمًا فَائِدَةٌ وَيَصِيرُ كَقَوْلِك قَامَ زَيْدٌ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الظَّرْفِ إلَّا لِقَصْدِ شَيْءٍ خَاصٍّ إمَّا الْإِبْهَامُ عَلَى السَّامِعِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. أَقُولُ: فَائِدَةُ التَّوْسِعَةِ وَالتَّعْمِيمِ يَعْنِي أَيَّ يَوْمٍ كَانَ وَهُوَ مِنْ الْأَيَّامِ الْمُسْتَقْبَلَاتِ عَنْ أَوَّلِ أَزْمِنَةِ كَانَ وَهِيَ مَاضِيَةٌ عَنْ وَقْتِ الْإِخْبَارِ لَا تُنَافِي أَنَّهَا حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ وَلَا تُسَاوِي قَوْلَك: قَامَ زَيْدٌ يَوْمًا لِعَدَمِ الْعُمُومِ فِيهِ بِخِلَافِ الْبَيْتِ فَإِنَّ الْعُمُومَ فِيهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّرْطِ فَإِنَّ الشَّرْطَ مِنْ جُمْلَةِ مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ، وَقَدْ قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: إنَّ النَّكِرَةَ إذَا وَرَدَتْ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ كَانَتْ لِلْعُمُومِ بِخِلَافِهَا فِي الْإِثْبَاتِ.
قَوْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَتًى كَانَ يُدْنِيه الْغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ ... إذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ
أَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ عِزَّةِ النَّفْسِ كَمَا قَالَهُ فَيَخْرُجُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ وَيَرْجِعُ إلَى الْقِسْمِ الَّذِي سَلَّمْنَا عَدَمَ دَلَالَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّخْصُ الْمَمْدُوحُ حَصَلَ لَهُ هَاتَانِ الْحَالَتَانِ وَجَرَّبَ فِيهِمَا فَعُرِفَ مِنْهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ
وَكُنْت امْرَأً لَا أَسْمَعُ الدَّهْرَ سُبَّةً
فَمَعْنَى كُنْت لَوْ سَمِعْت مَمْنُوعٌ لِأَنَّ " لَوْ " تَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّاعِرِ مَا يَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الثُّبُوتَ فَتَفْسِيرُهُ بِلَوْ تَحْمِيلٌ لِكَلَامِهِ مَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ.
وَقَوْلُهُ إنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ سَمِعَ سُبَّةً قَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ مِثْلِهِ فَإِنْ سَمِعَ سُبَّةً لَا عُمُومَ فِيهِ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ فِي الْإِثْبَاتِ. وَقَوْلُهُ " لَا أَسْمَعُ الدَّهْرَ سُبَّةً " فِيهِ عُمُومٌ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا. وَقَوْلُهُ: أَرْبَعَةٌ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَدْ يَسُبُّ هَيْهَاتَ بَعْدَ حَالِ الْعَرَبِ فِي حَمَاسَتِهِمْ وَأَنَفِهِمْ وَتَمَدُّحِهِمْ بِمُقَابَلَةِ الذَّنْبِ الْيَسِيرِ بِالِانْتِقَامِ الْكَثِيرِ وَهَلْ يَبْقَى لِتِلْكَ السُّبَّةِ وَقْعٌ فِي حَيْثُ مَا حَصَلَ مِنْ كَشْفِ غِطَائِهَا بِالْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ عَنْ الصِّفَةِ وَقَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إلَى مَا سَلَّمْنَاهُ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ إلَى آخِرِهِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَاهَدَهُ ﷺ تَوَضَّأَ وَلَيْسَ فِي الْقَضِيَّةِ مَا يُبْعِدُ ذَلِكَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ رَأَيْت مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ مَعْنَى الْجُمْلَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ
следующие страницы →