Полный текст (1 159 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَالتَّعْلِيقِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَتْ كَانَ مُضِيَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) : فِي النَّظَرِ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْوَلَدِ أَبْقَاهُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِ وَبَارَكَ فِي عُمُرِهِ فِي خَبَرِ كَانَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا عَنْ زَمَنِ الْكَوْنِ مَمْنُوعًا لِمَا قَدَّمْتُهُ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَصَحَّ أَنْ نَقُولَ كَانَ زَيْدٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقُومُ يَوْمَ السَّبْتِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَكَانَ أَمْسِ قَائِمًا الْيَوْمَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيَكَادُ الطَّبْعُ يَنْبُو عَنْهُ.
قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ بَيْنَهُمَا تَرَتُّبًا. هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا مُقْتَضَى مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مَمْنُوعٌ وَيَسْتَنِدُ الْمَنْعُ مَا سَبَقَ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُقَارِنًا لَا مَاضِيًا وَلَا مُسْتَقْبَلًا فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ ذَلِكَ يُؤَوَّلُ عَلَى مَعْنَى ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهُ وَالثُّبُوتُ مُقَارِنٌ لَا مُتَقَدِّمٌ وَلَا مُتَأَخِّرٌ. قَوْلُهُ فِي نَفْسِ الْقِيَامِ وَالِاتِّصَافِ بِهِ أَقُولُ أَمَّا تَغَايُرُهُمَا فَصَحِيحٌ وَأَمَّا انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فَإِنْ أُرِيدَ فِي الذِّهْنِ فَصَحِيحٌ وَإِنْ أُرِيدَ فِي الْخَارِجِ فَمَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ فِي كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا أَوْ يَقُومُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَمْنُوعٌ لِمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: كَانَ زَيْدٌ أَمْسِ قَامَ أَوَّلَ أَمْسِ أَنَا أَمْنَعُ صِحَّةَ هَذَا التَّرْكِيبِ وَمَنْ ادَّعَاهُ فَلِيَأْتِ بِشَاهِدٍ لَهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَابِلًا لِلتَّرْكِيبِ. قَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا: الْعِلَّةُ مَعَ الْمَعْلُولِ لَا وَجْهَ لِلْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَا عِلَّةٌ وَلَا مَعْلُولٌ بَلْ خَبَرٌ وَمُخْبَرٌ عَنْهُ.
قَوْلُهُ فِي الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ يُرَادُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى مَنْعِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ فِيمَا إذَا قَالَ: كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ وَالْمَنْعُ عَائِدٌ فِيهِ. قَوْلُهُ فَإِنْ قِيلَ: مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِك: كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ أَنَّهُ كَانَ أَمْسِ ثَبَتَ أَنَّهُ صَدَقَ أَوَّلَ أَمْسِ صِدْقًا نَاشِئًا عَنْ الْحَدِيثِ.
أَقُولُ هَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ كَيْفَ يُتَخَيَّلُ هَذَا وَكَيْفَ يُقَدَّرُ جَزَاءُ الشَّرْطِ الْمُسْتَقْبَلِ مَاضِيًا عَنْ زَمَانِ كَانَ بِالْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ الْمُقَارِنَةِ لِزَمَانِ الشَّرْطِ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا. أَنَّهَا جَعَلَتْ الْكَوْنِيَّةَ ثَابِتَةً لَهُ قَبْلَ إقْرَاعِهِ بَيْنَهُنَّ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَالْإِقْرَاعُ مَعْطُوفٌ بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ كَثِيرًا وَفِي غَيْرِ الْجُمَلِ دَائِمًا.
أَقُولُ: أَمَّا كَوْنُهَا جَعَلَتْ الْكَوْنِيَّةَ ثَابِتَةً لَهُ قَبْلَ إقْرَاعِهِ فَمَمْنُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ فَمَنْ تَأَمَّلَ مَا تَقَدَّمَ عَرَفَ أَنَّ الْكَوْنِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْإِقْرَاعِ؛ وَكَوْنُ الْفَاءِ مُقْتَضِيَةً لِلتَّرْتِيبِ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ الزَّمَانِيُّ بَلْ يَكْفِي التَّرْتِيبُ الْعَقْلِيُّ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِطَرِيقَيْنِ: إمَّا أَنْ نَجْعَلَ الْفَاءَ سَبَبِيَّةً لِأَنَّ كَوْنَهُ إذَا أَرَادَ
стр. 247
سَفَرًا أَقْرَعَ سَبَبٌ لِإِقْرَاعِهِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَالسَّبَبُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى السَّبَبِ عَقْلًا، وَإِمَّا أَنْ نَجْعَلَ الْفَاءَ تَفْسِيرِيَّةً عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَاعَ مُفَسِّرٌ لِمَا اقْتَضَتْهُ تِلْكَ الْكَوْنِيَّةُ، وَإِمَّا طَرِيقٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ تِلْكَ الْكَوْنِيَّةَ اقْتَضَتْ إقْرَاعًا مُطْلَقًا.
وَهَذَا إقْرَاعٌ مُقَيَّدٌ، وَبَيْنَ الْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ تَرْتِيبٌ عَقْلِيٌّ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَهُ النُّحَاةُ فِي تَرْتِيبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُجْمَلِ وَالْفَرْقُ فِي الْعَطْفِ بِالْفَاءِ بَيْنَ الْجُمَلِ وَغَيْرِهَا بَعِيدٌ وَالْحَقُّ اقْتِصَارُهَا لِلتَّرْتِيبِ فِي الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ وَالتَّقْدِيرُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ يُقْرِعُ عِنْدَ إرَادَةِ الْغَزْوِ وَإِرَادَةُ الْغَزْوِ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ عَنْ وَقْتِ الْكَوْنِ. أَقُولُ هَذَا التَّقْدِيرُ مَمْنُوعٌ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ أَوَّلَ أَمْسِ يَقُومُ أَمْسِ.
قَوْلُهُ فِي قَوْلِ كَعْبٍ:
وَكَانَ إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ
إنَّ حَمْلَهُ عَلَى الِاسْتِنَارَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَحْسَنُ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُرَادُ الْحَالَةُ الدَّائِمَةُ، وَإِعْرَابُهُ وَكَانَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مَمْنُوعٌ بَلْ هِيَ مُعْتَرِضَةٌ. قَوْلُهُ: إنَّهُ صَحَّ أَنَّ زَمَنَ الْكَوْنِ أَوْسَعُ مِنْ زَمَنِ الْفِعْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مَمْنُوعٌ بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. قَوْلُهُ يَعْنِي الْأَمْرُ بِجَلْدِ الزَّانِي إيقَاعُ الْجَلْدِ بِمَنْ هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالزِّنَا كَأَنَّهُ سَبَقَ قَلَمٌ وَتَصْحِيحُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ إيجَابُ الْجَلْدِ عَلَى مَنْ زَنَى أَوْ الْأَمْرُ بِإِيقَاعِ الْجَلْدِ.
قَوْلُهُ فَإِيقَاعُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَزْنِ أَوْ مَنْ زَنَى وُقُوعٌ هُوَ الْمَجَازُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْمَجَازَ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَالْإِيقَاعُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ، وَمَا قَصَدَهُ الْوَلَدُ مِنْ الْمَعْنَى صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْعِبَارَةَ لَمْ تُوَفِّ بِمَقْصُودِهِ. قَوْلُهُ: وَغَرَضُنَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ خَبَرَ كَانَ مُسْتَقْبَلٌ عَنْ زَمَنِ الْكَوْنِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الْغَرَضُ وَلَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَغَرَضُهُ فِي أَصْلِ الْبَحْثِ حَاصِلٌ بِدُونِهِ. قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُسْتَقْبَلًا عَنْ الْكَوْنِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا عَنْ وَقْتِ الْإِخْبَارِ أَوْ لَا وَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ؟
أَقُولُ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَوْ قُبِلَ ذَلِكَ النِّزَاعُ لَقُبِلَ قَوْلُنَا كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ قَائِمٌ فِيمَا مَضَى أَوْ الْآنَ وَكَذَلِكَ كَانَ زَيْدٌ يَقُومُ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَلَا تَنَازُعَ فِيهِ. قَوْلُهُ مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ لِلَّهِ دَرَّهُ كَيْفَ انْتَزَعَهُ وَعَجِبَ لِي كَيْفَ غَفَلْت عَنْهُ. قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِهِ لَوْ حَرْفٌ لِشَيْءٍ أَصَابَ فِي تَقْدِيرِهِ مَا نَكِرَةٌ وَلَمْ يَجْعَلْهَا مَوْصُولَةً وَلَكِنْ لَوْ قَالَ الْأَمْرُ لَكَانَ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِهِ لِشَيْءٍ لِمَا قَدَّمْنَا فَإِنَّ الْأَمْرَ يَشْمَلُ الْوُجُودَ وَالْمَعْدُومَ وَالشَّيْءُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا عَلَى الْمَوْجُودِ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ السُّنَّةِ، نَعَمْ النُّحَاةُ يُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِمَا فَالْوَلَدُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ هُوَ قِيَامُ عَمْرٍو مِنْ قَوْلِك لَوْ قَامَ زَيْدٌ لَقَامَ عَمْرٌو لَا أُسَامِحُهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّ قَدْرَهُ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ قِيَامَ عَمْرٍو مَحْكُومٌ بِهِ لَا مَحْكُومٌ عَلَيْهِ وَعَمْرٌو مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ فَقِيَامُ عَمْرٍو كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِوَاقِعٍ قَبْلَ وَقْتِ الْإِخْبَارِ
стр. 248
ضَرُورَةً أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ بِسِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَذْكُرْ الِامْتِنَاعَ فَكَيْفَ يُقَالُ رَأْيُهُ.
قَوْلُهُ: إنَّهُ كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ مُرَادِفٌ لِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ مَمْنُوعٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فَإِنَّ التَّقْيِيدَ فِيهِ دَلَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالْإِطْلَاقُ يُضَادُّهُ. قَوْلُهُ إنَّ اسْتِوَاءَهُمَا قَطْعِيٌّ يَنْبَغِي أَنْ يُنْصِفَ مِنْ نَفْسِهِ وَيَتَأَمَّلَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصِّيَغِ الثَّلَاثَةِ. قَوْلُنَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ.
وَقَوْلُنَا كَانَ زَيْدٌ إذَا قَامَ يَقُومُ ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ تُشْعِرُ دَعْوَاهُ الْقَطْعَ بِاسْتِوَائِهَا أَوْ لَا وَحِينَئِذٍ نَتَكَلَّمُ مَعَهُ. قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ الْوَلَدُ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِعَدَمِ جَوَازٍ كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ وَكَلَامُ سِيبَوَيْهِ هَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِهِ أَقُولُ: لَيْسَ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً فِيهِ وَلَا تَوَارُدًا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَيَا أَيُّهَا الْوَلَدُ الْفَاضِلُ أَيْنَ قَوْلُك هُنَا إنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ مِنْ قَوْلِك فِيمَا مَضَى إنَّهُ مُرَادِفٌ لَهُ وَالْمُرَادِفُ غَيْرُ مُرَادِفِهِ فَكَيْفَ هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ فَمَا أَسْرَعَ مَا يَنْسَى النَّاسُ إلَّا أَنْ يُعْتَذَرَ بِأَنَّ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُتَقَرِّرَانِ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ تَغَايَرَا فِي اللَّفْظِ وَالصَّرَاحَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَحِينَئِذٍ أَمْنَعُك الِاتِّفَاقَ فِي الْمَعْنَى وَسَنَدُ الْمَنْعِ مَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ فِي وَقْتٍ لَمْ يَقَعْ الْحَدِيثُ فِيهِ لَمَا صَحَّ كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ. قَوْلُهُ فِي ثُنَائِهَا إنَّ " لَوْ " وَ " إذَا " كُلٌّ مِنْهُمَا لِلشَّرْطِ.
أَقُولُ: تَسْمِيَةُ " لَوْ " حَرْفَ شَرْطٍ فِيهِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرْطِ لِمَا يُسْتَقْبَلُ لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ وَالْعَلَامَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَإِنَّمَا هِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْكَلِمَاتِ: إحْدَاهَا مَا دَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ الْمَاضِي لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ فِي الْمَاضِي وَهِيَ لَوْ، وَالثَّانِيَةُ مَا دَلَّ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ فِي الْمَاضِي لِوُجُودِ شَيْءٍ فِيهِ وَهِيَ لَمَّا، وَالثَّالِثَةُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ مُسْتَقْبَلٍ لِوُجُودِ مُسْتَقْبَلٍ آخَرَ وَهِيَ إنْ وَإِذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا. قَوْلُهُ فِي الْفِعْلَيْنِ الْوَاقِعَيْنِ بَعْدَ إذَا فِي الْمُطَابَقَةِ وَالِالْتِزَامِ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ فِي الْفِعْلَيْنِ الْوَاقِعَيْنِ بَعْدَ لَوْ إنَّ وُقُوعَهُمَا بَعْدَ لَوْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَقَعَا فِي الْمَاضِي مُطَابَقَةٌ لِأَنَّ لَوْ مَوْضُوعَةٌ لِلِامْتِنَاعِ. أَقُولُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ " لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ " دَالًّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ إنَّمَا وُضِعَتْ دَالَّةً عَلَى امْتِنَاعِ مَا يَلِيهَا وَأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِمَا لَهَا فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى امْتِنَاعِ الثَّانِي وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ امْتِنَاعُهُ مِنْ انْتِفَاءِ الْأَوَّلِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَوْ وَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ السَّبَبِ انْتِفَاءُ الْمُسَبِّبِ مَا لَمْ يَخْلُفْهُ سَبَبٌ آخَرُ كَمَا فِي قَوْلِهِ " لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ " فَعُلِمَ أَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى انْتِفَاءِ الثَّانِي لَيْسَ بِالْمُطَابَقَةِ بَلْ وَلَا بِالِالْتِزَامِ إلَّا بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ
стр. 249
الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهُ، هَذِهِ السَّبَبِيَّةُ تُسْتَفَادُ مِنْ لَامِ التَّعْلِيلِ الَّتِي فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.
وَقَوْلُهُ وَذَاكَ عَلَى أَنَّهُمَا إنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَقَعَ الْآخَرُ مَمْنُوعٌ فَقَدْ تَقُولُ: لَوْ جِئْتَنِي أَمْسِ أَكْرَمْتُك وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَاكَ إكْرَامُهُ إذَا جَاءَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَقَوْلُهُ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اسْتِلْزَامِ الثُّبُوتِ لِلثُّبُوتِ إنْ أَرَادَ فِي الْمَاضِي وَأَنَّ الْأَوَّلَ يَدُلُّ ثُبُوتُهُ عَلَى ثُبُوتِ الثَّانِي فَذَلِكَ صَحِيحٌ بِالْمُطَابَقَةِ بِالِاسْتِلْزَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْوَلَدَ فِيمَا يَقْصِدُهُ، وَإِنْ أَرَادَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَمْنُوعٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِامْتِنَاعِ لِلِامْتِنَاعِ فِي الْمَاضِي الثُّبُوتُ لِلثُّبُوتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّك تَقُولُ: " لَوْ جِئْتَنِي أَمْسِ أَكْرَمْتُك " وَقَدْ يَجِيءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْمُسْتَقْبَلِ لِذَلِكَ، وَقِيَاسُ الثُّبُوتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي الْمَاضِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَوْ صَحَّ لَزِمَ عَكْسُهُ فِي " إذَا " وَنَحْوُهُ بِأَنْ يُقَالَ: إذَا دَلَّ قَوْلُنَا " إذَا جِئْتَنِي أَكْرَمْتُك " عَلَى ثُبُوتِ الْإِكْرَامِ عِنْدَ الْمَجِيءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِلْزَامِ عَدَمِ الْمَجِيءِ لِعَدَمِ الْإِكْرَامِ فِي الْمَاضِي، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ. قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ بِزَعْمِهِ أَنَّ " لَوْ " لَهَا دَلَالَتَانِ فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهَا " كَانَ " اقْتَضَتْ مُضِيَّ الدَّلَالَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا عَدَمُ الْوُقُوعِ فِي الْمَاضِي وَالثَّانِيَةُ الْوُقُوعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَنْحَلُّ إلَى كَانَ زَيْدٌ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ صِدْقٌ لِعَدَمِ وُقُوعِ الْحَدِيثِ وَإِنْ وَقَعَ حَدِيثٌ وَقَعَ صِدْقٌ، ثُمَّ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الِاسْتِقْبَالِيَّة فِي الْمَاضِي لِأَنَّهُ يَلْزَمُ إلْغَاءُ دَلَالَةِ " لَوْ " بِالْمُطَابَقَةِ. هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنْ الدَّلَالَتَيْنِ وَهُوَ فَاسِدٌ.
قَوْلُهُ: وَإِنْ أَنْكَرَ مُنْكِرٌ جَوَازَ " كَانَ زَيْدٌ لَوْ حَدَّثَ كَذَبَ " فَلْيُنْظَرْ كَلَامُ الْعَرَبِ نَجِدْ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا نَحْنُ لَا نُنْكِرُهُ وَلَكِنَّا نُنْكِرُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الدَّلَالَتَيْنِ وَمَعْنَى قَوْلِنَا " كَانَ زَيْدٌ لَوْ حَدَّثَ كَذَبَ " أَنَّهُ اقْتَرَنَ بِالْمَاضِي عَدَمُ حَدِيثِهِ وَأَنَّ حَدِيثَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِكَذِبِهِ. قَوْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَكُنْت إذَا أَرْسَلْت طَرْفَك رَائِدًا ... لِقَلْبِك يَوْمًا أَتْعَبَتْك الْمَنَاظِرُ
أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ طَرَفَهُ إلَى شَيْءٍ فَأَتْعَبَهُ. أَقُولُ: صَحِيحٌ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ الْإِخْبَارَ فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ الْجُزْئِيَّةُ فَقَطْ بَلْ مُرَادُهُ الْحَالَةُ الدَّائِمَةُ، وَالْمِثَالُ الَّذِي قَالَهُ الْوَلَدُ فِعْلٌ مَاضٍ فِي مَسَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي فِي الْبَيْتِ تَدُلُّ عَلَى الْحَالَةِ الدَّائِمَةِ.
قَوْلُهُ بَلْ أُثْبِتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَاكَ لَوَقَعَ هَذَا. أَقُولُ: الْإِثْبَاتُ بِلَوْ لَا يَجُوزُ هُنَا لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَهُوَ ضِدُّ مَقْصُودِ الشَّارِعِ.
وَقَوْلُهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ صِفَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِنَا " كَانَ خَالِدٌ إنْ لَقِيَ أَلْفًا كَسَرَهُمْ " فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا أَقُولُهُ لَكِنِّي أَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادَ الشَّاعِرِ بَلْ مُرَادُهُ ثُبُوتُ هَذِهِ الْحَالَةِ لَهُ وَتَحْقِيقُهَا
стр. 250
وَلِذَلِكَ أَتَى بِإِذَا فَإِنْ كَانَ إذَا جَاءَتْ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لَهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ مَعْلُومَ الْوُقُوعِ أَوْ رَاجِحَهُ يُؤْتَى فِيهِ بِإِذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يُؤْتَى فِيهِ بِإِنْ.
قَوْلُهُ وَمَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ " يَوْمًا " أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ الْأَيَّامِ الْمُسْتَقْبَلَاتِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ حِكَايَةَ حَالِ مَاهِيَّتِه لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ يَوْمًا فَائِدَةٌ وَيَصِيرُ كَقَوْلِك قَامَ زَيْدٌ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الظَّرْفِ إلَّا لِقَصْدِ شَيْءٍ خَاصٍّ إمَّا الْإِبْهَامُ عَلَى السَّامِعِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. أَقُولُ: فَائِدَةُ التَّوْسِعَةِ وَالتَّعْمِيمِ يَعْنِي أَيَّ يَوْمٍ كَانَ وَهُوَ مِنْ الْأَيَّامِ الْمُسْتَقْبَلَاتِ عَنْ أَوَّلِ أَزْمِنَةِ كَانَ وَهِيَ مَاضِيَةٌ عَنْ وَقْتِ الْإِخْبَارِ لَا تُنَافِي أَنَّهَا حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ وَلَا تُسَاوِي قَوْلَك: قَامَ زَيْدٌ يَوْمًا لِعَدَمِ الْعُمُومِ فِيهِ بِخِلَافِ الْبَيْتِ فَإِنَّ الْعُمُومَ فِيهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّرْطِ فَإِنَّ الشَّرْطَ مِنْ جُمْلَةِ مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ، وَقَدْ قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: إنَّ النَّكِرَةَ إذَا وَرَدَتْ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ كَانَتْ لِلْعُمُومِ بِخِلَافِهَا فِي الْإِثْبَاتِ.
قَوْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَتًى كَانَ يُدْنِيه الْغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ ... إذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ
أَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ عِزَّةِ النَّفْسِ كَمَا قَالَهُ فَيَخْرُجُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ وَيَرْجِعُ إلَى الْقِسْمِ الَّذِي سَلَّمْنَا عَدَمَ دَلَالَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّخْصُ الْمَمْدُوحُ حَصَلَ لَهُ هَاتَانِ الْحَالَتَانِ وَجَرَّبَ فِيهِمَا فَعُرِفَ مِنْهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ
وَكُنْت امْرَأً لَا أَسْمَعُ الدَّهْرَ سُبَّةً
فَمَعْنَى كُنْت لَوْ سَمِعْت مَمْنُوعٌ لِأَنَّ " لَوْ " تَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّاعِرِ مَا يَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الثُّبُوتَ فَتَفْسِيرُهُ بِلَوْ تَحْمِيلٌ لِكَلَامِهِ مَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ.
وَقَوْلُهُ إنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ سَمِعَ سُبَّةً قَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ مِثْلِهِ فَإِنْ سَمِعَ سُبَّةً لَا عُمُومَ فِيهِ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ فِي الْإِثْبَاتِ. وَقَوْلُهُ " لَا أَسْمَعُ الدَّهْرَ سُبَّةً " فِيهِ عُمُومٌ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا. وَقَوْلُهُ: أَرْبَعَةٌ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَدْ يَسُبُّ هَيْهَاتَ بَعْدَ حَالِ الْعَرَبِ فِي حَمَاسَتِهِمْ وَأَنَفِهِمْ وَتَمَدُّحِهِمْ بِمُقَابَلَةِ الذَّنْبِ الْيَسِيرِ بِالِانْتِقَامِ الْكَثِيرِ وَهَلْ يَبْقَى لِتِلْكَ السُّبَّةِ وَقْعٌ فِي حَيْثُ مَا حَصَلَ مِنْ كَشْفِ غِطَائِهَا بِالْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ عَنْ الصِّفَةِ وَقَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إلَى مَا سَلَّمْنَاهُ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ إلَى آخِرِهِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَاهَدَهُ ﷺ تَوَضَّأَ وَلَيْسَ فِي الْقَضِيَّةِ مَا يُبْعِدُ ذَلِكَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ رَأَيْت مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ مَعْنَى الْجُمْلَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ
стр. 251
بَلْ هِيَ صِفَةٌ مَحْضَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ اسْتَفَادَهَا مِمَّا رَآهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِخِلَافِ كَانَ فَإِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى اقْتِرَانِ مَضْمُونِ خَبَرِهَا بِالزَّمَنِ الْمَاضِي وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي فِي مِثْلِ قَوْلِنَا " رَأَيْت رَجُلًا إذَا حَدَّثَ صَدَقَ " أَنَّ الْحَدِيثَ وَالصِّدْقَ حَاصِلَانِ فِي زَمَانِ الرُّؤْيَةِ بَلْ إنَّ هَذِهِ صِفَةُ الْمَرْئِيِّ. قَوْلُهُ فِي الصَّنَمِ: إذَا عَطِشَ نَزَلَ فَشَرِبَ مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُمِلَ فِي ذَلِكَ الصَّنَمِ مَا يَقْتَضِي صُورَةَ فَرَاغِ الْمَاءِ مِنْ جَوْفِهِ وَانْتِقَالِهِ مِنْ مَكَانِهِ إلَى أَسْفَلَ وَشُرْبِهِ، وَمَا الدَّاعِي إلَى تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِلَوْ.
قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
لَمْ تَظْهَرْ لِي هَذِهِ النِّسْبَةُ. قَوْلُهُ: فَقَدْ حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ وَالصِّدْقِ بَلْ عَلَى مَعْنَى مَدْلُولِ الْخَبَرِ وَهُوَ النِّسْبَةُ وَالْجَزَاءُ الْمُقَيَّدُ.
أَقُولُ أَمَّا حُصُولُ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ عَلَى مَا قَالَهُ فَمَمْنُوعٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَلْ عَلَى مُضِيِّ مَدْلُولِ الْخَبَرِ فَنَحْنُ لَا نَدَّعِي غَيْرَ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُوَ النِّسْبَةُ وَالْجَزَاءُ الْمُقَيَّدُ فَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا أَقُولُهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالنِّسْبَةِ فِعْلَ الْمُتَكَلِّمِ فَقَدْ نَبَّهْنَا فِيمَا سَبَقَ عَلَى بُطْلَانِهِ.
قَوْلُهُ: إنَّ " كَانَ " لَا تَدُلُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى الْمَشْهُورِ هُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّ مَدْلُولَهَا اقْتِرَانُ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ بِالزَّمَانِ الْمَاضِي وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ الِانْقِطَاعِ وَعَدَمِهِ، وَلَكِنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَيَّانَ قَالَ: إنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ. قَوْلُهُ إذَا قُلْنَا: لَا تَدُلُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ فَمَعْنَى كَانَ زَيْدٌ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَالصِّدْقَ سَيَقَعَانِ فِي أَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا وَقْتُ الْكَوْنِ وَآخِرُهَا مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ. أَقُولُ هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقَعْ الْحَدِيثُ وَالصِّدْقُ فِي الْمَاضِي أَصْلًا بَلْ كَانَ يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ بَعْدَ الْإِخْبَارِ كَيْفَ يُقَالُ كَانَ إذَا حَدَّثَ صَدَقَ، وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي كَانَ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ وَإِنْ قُلْنَا: إنْ كَانَ تَقْتَضِي الِانْقِطَاعَ دَلَّتْ عَلَى الْوُقُوعِ فِي أَحَدِ أَزْمِنَةٍ أَوَّلُهَا وَقْتُ الْكَوْنِ وَآخِرُهَا قُبَيْلَ الْإِخْبَارِ عَلَيْهِ اعْتِرَاضَاتٌ: أَحَدُهَا قَوْلُهُ وَقْتَ الْكَوْنِ إذَا لَمْ يُقَيَّدْ مُتَّسَعٌ إلَى وَقْتِ الْإِخْبَارِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً وَقْتُ الْكَوْنِ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ قُبَيْلَ الْإِخْبَارِ وَلِمَ قَالَ قُبَيْلَ وَإِنَّمَا آخِرُهَا وَقْتُ الْإِخْبَارِ لَا قَبْلَهُ، وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ أَحَدُ أَزْمِنَةٍ فَيُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِغْرَاقَ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ إذَا قُلْت: إنَّهَا تَقْتَضِي الِانْقِطَاعَ أَوْ لَا تَقْتَضِيهِ.
قُلْت إنْ قُلْنَا تَقْتَضِيهِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ بَعْدَ الْإِخْبَارِ هَذِهِ الْحَالَةُ وَهِيَ الصِّدْقُ فِي الْحَدِيثِ إمَّا بِاعْتِبَارِهِ الْكَذِبَ بَعْدَ الصِّدْقِ وَإِمَّا بِحُصُولِهِ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ بِخِلَافِ مَا كَانَ وَإِمَّا بِالصَّمْتِ أَوْ بِالْمَوْتِ وَنَحْوِهِ فَيَنْتَفِي الصِّدْقُ لِانْتِفَاءِ الْحَدِيثِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَقْتَضِي الِانْقِطَاعَ فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْحَالَةُ مُسْتَمِرَّةً.
قَوْلُهُ إنَّ دَعْوَايَ
стр. 252
فِي الْمُطَابَقَةِ وَالِالْتِزَامِ تَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلِيلِ فِي هَذَا التَّصْنِيفِ الَّذِي وَصَلَ إلَيْهِ. قَوْلُهُ فِيمَا يَتَبَادَرُ الذِّهْنَ وَتَقْسِيمُهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَلِلَّهِ دَرَّهُ وَنِعْمَ الْبَاطِلُ حَقُّهُ أَنْ يُرْمَى عَلَى الْكِتْمَانِ. قَوْلُهُ فِي دَعْوَايَ أَنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْتِقْبَالِيَّة إذَا وَقَعَتْ خَبَرًا لَكَانَ انْقَلَبَتْ مَاضِيَةً مَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ وَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ يَجِدُهُ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ.؟ أَقُولُ: لَيْسَ عِنْدِي إلَّا مَا قَدَّمْتُهُ وَارْتِيَاضٌ وَذَوْقٌ. قَوْلُهُ فِي قَوْلِي لَوْ قُلْنَا: إنْ كَانَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى ارْتِبَاطِ مُطْلَقِ وُقُوعٍ بِمُطْلَقِ وُقُوعٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُضِيِّ مَعْنًى لِأَنَّ هَذَا حَاصِلٌ بِدُونِهَا بَلْ لَهُ مَعْنًى وَهُوَ إمْكَانُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي الْمَاضِي عَنْ الْإِخْبَارِ لِأَنَّا لَا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ بَلْ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ. أَقُولُ: بَارَكَ اللَّهُ فِيك أَنَا قُلْت: لَوْ قُلْنَا: إنْ كَانَ إنَّمَا تَدُلُّ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ وَحِينَئِذٍ إمْكَانُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي الْمَاضِي لَمْ يَكُنْ قَبْلَ دُخُولِهَا وَهِيَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْحَصْرِ فَمِنْ أَيْنَ يُؤْخَذُ الْإِمْكَانُ وَلَمْ يُحَدَّدْ بَعْدَهَا وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا فَإِنْ اقْتَضَتْ الِانْقِلَابَ إلَى الْمُضِيِّ فَيَكُونُ كُلُّهُ مَاضِيًا وَإِلَّا فَيَكُونُ كُلُّهُ مُسْتَقْبَلًا كَمَا لَوْ لَمْ تَدْخُلْ، ثُمَّ يَلْزَمُك فِي قَوْلِنَا كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا وَكَانَ زَيْدٌ يَقُومُ أَنْ يَجُوزَ كَوْنُ الْقِيَامِ فِي الْمَاضِي أَوْ فِي وَقْتِ الْإِخْبَارِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
قَوْلُهُ فِي مَعْنَى كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ إيرَادُهُ عَلَى إطْلَاقِي حَقٌّ وَالرُّجُوعُ لِلْحَقِّ أَحَقُّ وَإِنَّنِي قَدْ ذَكَرْت التَّفْصِيلَ فِيهِ فَإِذَا صَحَّ كَلَامِي السَّابِقُ الْمُطْلَقُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ، وَأَمَّا أَنَّ التَّنَافِي الَّذِي بَيْنَ السِّينِ وَكَانَ مِثْلُهُ بَيْنَ كَانَ وَإِذَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّخْلِيصِ لِلِاسْتِقْبَالِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ إذَا فِي اقْتِضَائِهَا الِاسْتِقْبَالَ فَرْعٌ عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ مِنْ الظَّرْفِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ بِخِلَافِ السِّينِ فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِيهِ لَمْ تُوضَعْ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ فِي طَلَبِ الْفَرْقِ بَيْنَ إذَا وَإِنْ جَوَابُهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ إذَا قَدْ تَتَجَرَّدُ لِلْوَقْتِ وَتَأْتِي بِمَعْنَى إذْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ بِخِلَافِهِ.
قَوْلُهُ فِي الْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ. أَقُولُ: وَضْعُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْإِخْبَارَ بِالْفِعْلِ وَهُوَ غَيْرُ الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ فَإِرَادَتُهُمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ. قَوْلُهُ عَلَى أَنَّنِي مُوَافِقٌ عَلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ الْوَالِدُ فِي تَصْنِيفِهِ وَمَا يَقْبَلُ الذِّهْنُ غَيْرَهُ وَلَكِنْ أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْأَدَبَ بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ سَلَكَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَدَبِ بِإِخْبَارِهِ عَنْ الْمُوَافَقَةِ بِاللَّفْظِ وَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ الْجَمِيعَ وَبَالَغَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ مَا يَقْبَلُ الذِّهْنُ غَيْرَهُ ثُمَّ قَالَ مَا اقْتَضَاهُ لَهُ الْعِلْمُ مِنْ طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالِاسْتِفْهَامُ أَيْنَ هُوَ وَهَلْ مُخَالَفَةٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَأَحْسِنْ بِهَا مُخَالَفَةً فِي مُوَافَقَةٍ. قَوْلُهُ:
فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يَرُوقُ فَإِنَّمَا ... يَسُوقُ الْعَلِيُّ لِلنَّفْسِ طِيبَ نُجَارِ
وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى فَلَا غَرْوَ أَنَّنِي ... كَقَطْرَةِ عَيْنٍ لِلْبِحَارِ تُجَارِي
стр. 253
فَأَسْبِلْ عَلَيْهَا سِتْرَ مَعْرُوفِك الَّذِي ... سَتَرْت بِهِ قُدُمًا عَلَى عَوَارِي
جَوَابُهُ:
أَنَّا حَامِدُو فِي كَلَامِك كُلِّهِ ... يَرُوقُ وَمَا مِنَّا لَدَيْهِ مُجَارِي
وَإِنَّك أَنْتَ الْبَحْرُ تُعْجِزُ سَابِحًا ... أَوْ الْغَيْثُ مَنْهَلًا بِكُلِّ غِرَارِ
وَكَمْ لَك مِنْ فِكْرٍ عَوِيصٍ وَحِكْمَةٍ ... غَدَوْت بِهَا لِلْأَقْدَمَيْنِ تُبَارِي
وَنَحْنُ فَأَوْلَى بِاَلَّذِي قُلْت قَطْرَةً ... مِنْ الْعَيْنِ جَاءَتْ لِلْبِحَارِ تُجَارِي
قَوْلُهُ إنَّهُ كَتَبَهَا فِي بَعْضِ نَهَارِ الْخَمِيسِ الثَّانِي مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ. أُعِيذُهُ بِاَللَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ مِنْ شَرِّ الْعَيْنِ وَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ هَذِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَصْلًا لَوْ كَتَبَهَا الْإِنْسَانُ فِي شَهْرٍ لَأَجَادَ. وَقَدْ انْتَهَى مَا يَنْسُبُونَ كِتَابَتَهُ عَلَى كَلَامِ الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْوَالِدِ وَيَخْضَعُ لَهُ الْمُقِرُّ وَالْجَاحِدُ أَمْتَعَنِي اللَّهُ بِحَيَاتِهِ وَزَادَ فِي حَسَنَاتِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ. كَتَبْت هَذَا الْجَوَابَ الْأَخِيرَ فِي بَعْضِ يَوْمِ الْأَحَدِ وَلَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِمَنْزِلِنَا بِالدَّهْشَةِ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ دَرَسَتْ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
[كِتَابُ الْحَجِّ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: رِسَالَةٌ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ لِمَا حَصَلَ لِعُلَمَائِهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْآفَاقِيِّ إذَا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ مُعْتَمِرًا ثُمَّ قَرَنَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ مَعَ دَمِ التَّمَتُّعِ أَوْ لَا يَجِبُ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ؟
وَهَا أَنَا أُبَيِّنُ الْحُكْمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَلَوْلَا مَا بَلَغَنِي مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهَا لَمْ أَتَعَرَّضْ لَهَا فَإِنِّي لَسْت عِنْدَ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا سِيَّمَا مَعَ عُلَمَاءِ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ سَادَتُنَا وَشُيُوخُنَا؛ وَأَعْلَمُ بِالْمَنَاسِكِ وَغَيْرِهَا مِنَّا.
وَاللَّائِقُ بِمِثْلِي الْأَدَبُ مَعَهُمْ وَالِاسْتِفَادَةُ مِنْهُمْ فَإِنْ وَقَعْت مِنْهُمْ مَوْقِعًا وَحَصَلَ مِنْهَا فَائِدَةٌ فَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمَفْضُولِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ شَيْءٌ لَيْسَ عِنْدَ الْفَاضِلِ؛ وَإِنْ لَمْ تُصَادِفْ قَبُولًا فَهُمْ أَهْلُ الصَّفْحِ عَنْ جِنَايَةِ مُرْسِلِهَا، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ الْمُخْلِصِينَ الْفَائِزِينَ وَأَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ فَأَقُولُ: إنَّ الْآفَاقِيَّ إذَا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ مُعْتَمِرًا وَفَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ اعْتَمَرَ مِنْ أَذَى الْحِلِّ وَحَجَّ مِنْ سَنَتِهِ عَلَى صُورَةِ التَّمَتُّعِ أَوْ قَارِنًا وَجَبَ عَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَوَطَّنَ فِي مَكَّةَ وَلَا فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَإِذَا اعْتَمَرَ الْآفَاقِيُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ
стр. 254
مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ وَدَخَلَ مَكَّةَ فَفَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ قَرَنَ مِنْهَا فِي سَنَتِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ لِلتَّمَتُّعِ وَلَا شَيْءَ يَشِيبُ قِرَانَهُ مِنْ مَكَّةَ.
وَبَيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِقَوَاعِدَ:
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ مَنْ يَكُونُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ دَمُ جَبْرٍ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ إذَا قَرَنَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ طَاوُسٌ وَدَاوُد فَقَالَا: لَا دَمَ عَلَى الْقَارِنِ، وَفِي حَقِيقَةِ هَذَا الدَّمِ هَلْ هُوَ جَبْرٌ أَوْ نُسُكٌ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا
وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ جَبْرٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِجَبْرٍ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي دَمِ التَّمَتُّعِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ وَلَا دَمُ الْقِرَانِ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّ عَلَيْهِ دَمَ الْقِرَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيًّا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ دَمَ الْقِرَانِ دَمُ جَبْرٍ أَوْ نُسُكٍ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْحَاضِرِ؛ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُشْرَعُ لِلْمَكِّيِّ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ فَإِنْ تَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْإِسَاءَةِ وَيَنْبَنِي الْبَحْثُ مَعَهُ عَلَى مَا يَعُودُ إلَيْهِ اسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَلَيْسَ لَهُ تَمَتُّعٌ فَإِذَا تَمَتَّعَ فَقَدْ أَسَاءَ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْهُمْ بِالنُّسُكَيْنِ إنْ نَقَصَتْ عُمْرَتُهُ بِأَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَا فَعَلَ طَرَفًا مِنْ أَشْوَاطِ الْعُمْرَةِ أَوْ نَقَصَ حَجُّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ نَقَصَتْ عُمْرَتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِأَنْ أَحْرَمَ بَعْدَ مَا أَتَى بِأَكْثَرِ الطَّوَافِ مَضَى فِيهِمَا وَلَزِمَهُ دَمُ جُبْرَانٍ.
هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِهِ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ مَشْرُوعَانِ لِأَهْلِ مَكَّةَ كَمَا لِغَيْرِهِمْ وَلَكِنْ لَا دَمَ عَلَيْهِمْ فِيهِمَا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَنَجْعَلُ اسْمَ الْإِشَارَةِ عَائِدًا إلَى آخِرِ الشَّرْطِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) فِي تَفْسِيرِ الْحَاضِرِ الْمُرَادِ بِالْآيَةِ حُكِيَ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلًا قَدِيمًا إنَّهُ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، وَرَأَيْت فِي الْإِمْلَاءِ مَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ بَعُدَتْ أَوْ قَرُبَتْ فَهُوَ مِنْ الْحَاضِرِينَ فَهَذَا غَرِيبٌ فِي النَّقْلِ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَكِنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَرَدَّهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَرِيبَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَسِيرَتُهَا عَشْرَةُ أَيَّامٍ حَاضِرًا وَاَلَّذِي فِي يَلَمْلَمَ وَمَسِيرَتُهَا يَوْمَانِ لَيْسَ بِحَاضِرٍ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَهَذَا صَحِيحٌ وَيُوَافِقُ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَفِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَمَالَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَالثَّانِي صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ
стр. 255
فِي الْمُحَرَّرِ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا هُنَا الْمَسَافَةَ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لِلْبَيْتِ مُنَاسِبٌ اعْتِبَارَ مَكَّةَ، وَهُنَا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَاصَّةٌ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ كَمَا هُوَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ وَكَانَ ابْتِدَاءُ الْمَسَافَةِ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَلْحَقْنَا مَنْ فِي الْمَسَافَةِ بِمَنْ فِي الْحَرَمِ لِأَنَّ مَنْ قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ كَانَ حَاضِرًا إيَّاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هِيَ أَيْلَةُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْبَحْرِ وَإِنَّمَا هِيَ مُقَارِنَةٌ لَهُ.
وَقَدْ يَرُدُّ عَلَى هَذَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ فَقَدْ رَبِحَ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْحَاضِرِينَ. وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ بَعْضِ الْقُرَى الْقَرِيبَةِ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يُتْرِفْهُ تَرَفُهَا لَهُ تَأْثِيرٌ بِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ لَا بِرُجُوعِهِ إلَى قَرِينَةٍ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَالْغَرِيبُ فِي رُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ مَشَقَّةٌ وَتَرَفُهُ لَهُ تَأْثِيرٌ، الثَّانِي أَنَّ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ خَارِجًا عَنْ الْحَرَمِ وَأَرَادَ النُّسُكَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَ مَوْضِعَهُ إلَّا مُحْرِمًا وَلَوْ أُعْطِيَ حُكْمَ الْمُقِيمِ لَجَازَ لَهُ الْمُجَاوَرَةُ وَالْإِحْرَامُ مِنْ مَكَّةَ.
وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَالْمُحْرِمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَهْلُ ذِي طُوًى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهُوَ يُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَرَمِ غَيْرُ مَكَّةَ قَرْيَةٌ عَامِرَةٌ غَيْرُ ذِي طُوًى؛ وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ فَقَالَ: إنَّ الْغَزَالِيَّ حَكَى وَجْهًا أَنَّ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَهْلُ الْحَرَمِ خَاصَّةً وَهَذَا الْوَجْهُ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَلَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ فَلْنَعْرِضْ عَنْهُ وَنَتَكَلَّمْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ اعْتِبَارُ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ دُونَهَا فَمَنْ كَانَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ فَوْقَهَا؛ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ مُوهِمَةٌ خِلَافَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) وَعَلَيْهَا مَدَارُ الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْحُضُورَ هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الِاسْتِيطَانُ أَوْ الْإِقَامَةُ أَوْ مُجَرَّدُ الْكَوْنِ هُنَاكَ؟ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي اسْمِ الْحَاضِرِ الِاسْتِيطَانُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَسَكَنَ غَيْرَهَا ثُمَّ تَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالسَّكَنُ النَّقْلَةُ بِالْبَدَنِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إيطَانِ الْبِلَادِ وَالِانْقِطَاعِ إلَيْهَا لَا حَدَّ لِذَلِكَ إلَّا ذَلِكَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ: الْعِبْرَةُ فِيهِ بِالِاسْتِيطَانِ وَالسُّكْنَى دُونَ الْمَنْشَأِ وَالْمَوْلِدِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: لَوْ طَالَ مَقَامُ مَكِّيٍّ فِي بَلَدٍ
стр. 256
وَلَمْ يَرَ مَعَهُ أَنْ يَتَّخِذَهُ وَطَنًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مَكِّيًّا.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ: لَوْ أَنَّ مَكِّيًّا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ تَاجِرًا فَلَمَّا عَادَ مِنْ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فَهُوَ مِنْ الْحَاضِرِينَ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَوْ خَرَجَ الْمَكِّيُّ إلَى بَعْضِ الْآفَاقِ لِحَاجَةٍ ثُمَّ رَجَعَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَنَا دَمٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ عِنْدَنَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: يَلْزَمُهُ الدَّمُ. فَهَذِهِ النُّقُولُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ فِي اعْتِبَارِ الِاسْتِيطَانِ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا لَوْ كَانَ لَهُ مَسْكَنَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ فَإِنْ كَانَ مَقَامُهُ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَالْحُكْمُ لَهُ وَإِنْ اسْتَوَيَا وَكَانَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فِي أَحَدِهِمَا دَائِمًا أَوْ أَكْثَرَ فَالْحُكْمُ لَهُ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ وَكَانَ عَزْمُهُ الرُّجُوعَ إلَى أَحَدِهِمَا فَالْحُكْمُ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ فَالْحُكْمُ لِلَّذِي خَرَجَ مِنْهُ.
هَذِهِ عِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَعِبَارَةُ الْمُتَوَلِّي فَالِاعْتِبَارُ بِالْعُبُورِ عَلَى الْمِيقَاتِ، وَعِبَارَةٌ ثَالِثَةٌ حَكَاهَا الرُّويَانِيُّ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَوْضِعِ إحْرَامِهِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّذِي خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ حَالُ مَا يُحْرِمُ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ فَهُوَ مِنْ الْحَاضِرِينَ وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الْكُوفَةِ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْحَاضِرِينَ؛ وَلَوْ اسْتَوْطَنَ غَرِيبٌ مَكَّةَ فَهُوَ حَاضِرٌ وَلَوْ اسْتَوْطَنَ مَكِّيٌّ الْعِرَاقَ فَلَيْسَ بِحَاضِرٍ وَلَوْ قَصَدَ الْغَرِيبُ مَكَّةَ فَدَخَلَهَا مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا الْإِقَامَةَ وَالِاسْتِيطَانَ بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ مِنْ الْعُمْرَةِ أَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ وَالِاسْتِيطَانَ بِهَا بَعْدَ مَا اعْتَمَرَ فَلَيْسَ بِحَاضِرٍ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ حَتَّى يَكُونَ مُسْتَوْطِنًا قَبْلَ الْعُمْرَةِ. هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ نُصَّ عَلَيْهَا فِي الْإِمْلَاءِ وَتَبِعَهُ الْأَصْحَابُ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَى التَّفَاصِيلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَّا الْقِسْمَ الْآخَرَ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ؛ وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا يَدُلُّ لِاعْتِبَارِ الِاسْتِيطَانِ فَلَا يُسَمَّى حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَكُونَ مُسْتَوْطِنًا هُنَاكَ وَمَنْ اسْتَوْطَنَ غَيْرَهَا مِنْ الْآفَاقِ خَرَجَ عَنْهُ اسْمُ الْحَاضِرِ وَمَنْ اسْتَوْطَنَ ذَلِكَ الْمَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ صَارَ حَاضِرًا وَخَرَجَ عَنْهُ اسْمُ الْآفَاقِيِّ.
وَمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْآفَاقِ وَلَمْ يَسْتَوْطِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ اسْمُ الْحَاضِرِ. هَذَا مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ تَبَعًا لِلشَّافِعِيِّ، وَمِنْ الدَّلِيلِ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَذَكَرَ الْأَهْلَ كِنَايَةً عَنْ الِاسْتِيطَانِ لِأَنَّ الْأَهْلَ غَالِبًا تَكُونُ حَيْثُ الشَّخْصُ مُسْتَوْطِنًا وَلَا يَضُرُّنَا مَعَ قَوْلِنَا إنَّهُ كِنَايَةُ كَوْنِ الشَّخْصِ لَا أَهْلَ لَهُ أَوْ لَهُ أَهْلٌ لَيْسُوا مَعَهُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّ الْحَاضِرَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ
стр. 257
وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَوْطِنًا أَمْ مُسَافِرًا حَتَّى إنَّ الْآفَاقِيَّ إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ثُمَّ حَجَّ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّمُ.
قَالَ: وَإِنْ عَنَّ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ عَلَى مَنْ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَوْضِعِهِ ثُمَّ حَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَاسْتَدَلَّ لِلُزُومِ الدَّمِ بِأَنَّ الْحَاضِرَ لَا يَتَنَاوَلُهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي نَفْسِ مَكَّةَ أَوْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا حَوَالَيْهَا.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ أَخِيرًا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ أَوَّلًا، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَإِذَا صَحَّ مَا ذَكَرَهُ حَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَاسْتَبْعَدَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الثَّالِثَ جِدًّا وَهُوَ كَمَا اسْتَبْعَدَ، وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ لُزُومَهُ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ لُزُومَ الدَّمِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدُ.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ أَوَّلًا مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الِاسْتِيطَانِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ اتِّفَاقُهُمْ فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كُلُّ مَنْ بِمَكَّةَ مُقِيمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى لَوْ أَنَّ مَكِّيًّا سَافَرَ إلَى بَعْضِ الْبِلَادِ وَاسْتَوْطَنَ بِهَا أَوْ لَمْ يَسْتَوْطِنْ فَإِذَا جَاءَ إلَى مَكَّةَ وَأَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بِالْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَذَلِكَ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَكَمَا فُسِّرَ أَهْلُ مَكَّةَ بِمَنْ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَوَاقِيتِ فَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّمَتُّعِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ فِي الْمَوَاقِيتِ قَالَ ﷺ «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» «وَأَمَرَ الْمُتَمَتِّعِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ ﷺ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَوْطِنِينَ بِهَا وَلَا مُقِيمِينَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَوَاقِيتِ مُجَرَّدُ الْكَوْنِ. وَأَمَّا هُنَا فَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ.
وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَذَكَرَ أَهْلَ الشَّخْصِ كِنَايَةً عَنْ مَحَلِّ إقَامَتِهِ كَمَا سَبَقَ فَاتَّبَعْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ ذِي طِوًى حُكْمُ مَكَّةَ فِي التَّمَتُّعِ وَلَيْسَتْ حُكْمَهَا فِي الْمِيقَاتِ. فَإِنْ قُلْت: مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ هَلْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ هُوَ مُنْفَرِدٌ بِذَلِكَ وَمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وَمَا فَائِدَتُهُ؟ قُلْت: إذَا أُخِذَ تَفْسِيرُ الْغَزَالِيِّ مُطَّرِدًا مُنْعَكِسًا كَانَ الْمُرَادَ بِالتَّفْصِيلِ فَإِنَّ عَكْسَهُ يَقْتَضِي أَنْ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ أَوْ أَكْثَرَ لَيْسَ بِحَاضِرٍ مُسْتَوْطِنًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا وَيَقْتَضِي أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا خَرَجَ إلَى بَعْضِ الْآفَاقِ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ ثُمَّ رَجَعَ وَتَمَتَّعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاضِرٍ حَتَّى يَلْزَمَهُ الدَّمُ، وَهَذَا خِلَافُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ
стр. 258
الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مَا عَدَا طَاوُوسًا.
فَإِنْ قَالَ الْغَزَالِيُّ بِذَلِكَ فَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَأَمَّا طَرْدُهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْآفَاقِيَّ إذَا وَصَلَ إلَى مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَكُونُ حَاضِرًا وَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ، وَفِي تَلْوِيحِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَتَصْرِيحِ بَعْضِهِمْ مَا يُخَالِفُهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَحْصُلُ مُوَافَقَتُهُ فَإِنَّ صَاحِبَ الشَّامِلِ وَصَاحِبَ الْبَيَانِ ذَكَرَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ حَكَى عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ إنَّهُ إذَا مَرَّ بِالْمِيقَاتِ وَلَمْ يُحْرِمْ حَتَّى بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ دَمُ الْإِسَاءَةِ وَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَلَا أَدْرِي هَلْ هَذَا التَّعْلِيلُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَمْ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَظَاهِرُهُ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَأَنَّ اسْمَ الْحَاضِرِ لَا يُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَنْتَهِي إلَى هُنَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ خُنْثَى مُشْكِلٌ أَحْرَمَ وَسَتَرَ رَأْسَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ إحْرَامًا آخَرَ]
(مَسْأَلَةٌ) خُنْثَى مُشْكِلٌ أَحْرَمَ وَسَتَرَ رَأْسَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ إحْرَامًا آخَرَ وَسَتَرَ وَجْهَهُ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا فِي أَحَدِ الْإِحْرَامَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ وَهَلْ يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ إذَا سَتَرَهُمَا افْتَدَى وَهَلْ يُشْبِهُ مَا إذَا مَسَّ فَرْجَهُ وَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ مَسَّ الْآخَرَ وَصَلَّى الظُّهْرَ؟
(الْجَوَابُ) تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا وَإِنْ جَهِلَ عَيْنَهُ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ شَيْئًا وَاحِدًا مَعْلُومًا وَبِهَذَا فَارَقَ مَا إذَا مَسَّ أَحَدَ فَرْجَيْهِ وَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ الْآخَرَ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَتَوَضَّأَ بَيْنَهُمَا حَيْثُ لَا قَضَاءَ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَيْسَ وَاحِدًا مَعْلُومًا وَلَا يُقَالُ يَجِبُ قَضَاؤُهُمَا كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ لِأَنَّ الْمُدْرَكَ هُنَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْأَدَاءِ وَهُنَا تَحَقَّقَ أَدَاؤُهَا، وَيُفَارِقُ أَيْضًا مَا إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا حَيْثُ يَجِبُ قَضَاءُ الظُّهْرِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُحْدِثًا فِيهَا، وَفِي الْفِدْيَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ السَّبَبُ فِي إحْرَامٍ مُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا السَّبَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَجَهَالَةُ عَيْنِ السَّبَبِ لَا تَقْدَحُ فِي تَرْتِيبِ الْمُسَبِّبِ كَمَا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ نَامَ أَوْ بَالَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ وَإِنْ جَهِلَ عَيْنَ سَبَبِهِ.
وَأَمَّا دُخُولُهُ فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ إذَا سَتَرَهُمَا افْتَدَى فَلَا لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا فِي الْإِحْرَامِ الْوَاحِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يُشْبِهُ مَسْأَلَتَنَا أَيْضًا لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ يَمِينَيْنِ عَلَى شَيْئَيْنِ وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ حَنِثَ فِي أَحَدِهِمَا وَجَهِلَ عَيْنَهُ فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَحَدِ الْيَمِينَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ حَضَرَتْ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ) رَجُلٌ حَجَّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَأَكْمَلَ حَجَّهُ وَدَخَلَ إلَى مَكَّةَ فَحَصَلَ لَهُ عُذْرٌ عَنْ الْخُرُوجِ إلَى الْعُمْرَةِ فَقِيلَ لَهُ: طُفْ وَاسْعَ وَاحْلِقْ ثُمَّ اُخْرُجْ فَأَحْرِمْ، ثُمَّ طَافَ
стр. 259
وَسَعَى وَحَلَقَ قَاصِدًا بِذَلِكَ الْعُمْرَةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى التَّنْعِيمِ فَأَحْرَمَ الْعُمْرَةَ مِنْ مَسَاجِدِ عَائِشَةَ وَسَافَرَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ بِذَلِكَ كَمُلَتْ عُمْرَتُهُ وَجَاءَ إلَى بَلَدِهِ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إحْرَامُك بَاقٍ فَحَضَرَ يَسْأَلُ الْجَوَابَ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ إحْرَامَهُ الْأَخِيرَ مِنْ مَسَاجِدِ عَائِشَةَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِهِ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ السَّابِقِ أَفْعَالُهَا وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ وَلَمْ يَقْصِدْ أَفْعَالًا جَدِيدَةً وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَأَفْعَالُهُ الَّتِي فَعَلَهَا بِمَكَّةَ إنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا الْعُمْرَةَ بَلْ قَصَدَ بِهَا وَبِمَا يُوقِعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ النِّيَّةِ عُمْرَةً فَلَا تَصِحُّ عُمْرَةً وَلَا يَلْزَمُهُ بِهَا شَيْءٌ وَتَبْقَى الْعُمْرَةُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ قَصَدَ بِهَا الْعُمْرَةَ فَهِيَ نِيَّةٌ وَإِحْرَامٌ مِنْ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فَإِذَا أَتَى بِأَفْعَالِهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ دَمُ الْمُجَاوِرَةِ فَلَمَّا خَرَجَ إلَى التَّنْعِيمِ سَقَطَ الدَّمُ فِي وُجُوبِ إعَادَةِ الْأَعْمَالِ وَجْهَانِ: فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ فَالْإِحْرَامُ بَاقٍ أَوْ قُلْنَا بِأَنَّ الْإِحْرَامَ الْأَخِيرَ مِنْ مَسَاجِدِ عَائِشَةَ صَحِيحٌ مُوجِبٌ أَعْمَالًا أُخْرَى لَمَّا جَاوَزَ ذَلِكَ الْمَكَانَ وَصَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةٌ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا لِخَوْفِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ كَانَ الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنِ الْمُرَحَّلِ يَقُولُ: إنَّهُ كَالْمُحْصِرِ فَيَتَحَلَّلُ، وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْقُولًا لِأَنَّ الْعَرَبَ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ فِي الطَّرِيقِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ لِتَسَلُّطِهِمْ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ.
فَهَذَا الْمَعْنَى إذَا حُقِّقَ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الرَّابِعَةَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْإِحْصَارِ وَحُكْمُ الْإِحْصَارِ التَّحَلُّلُ، وَبَعْدَ الذَّبْحِ يَحْلِقُ رَأْسَهُ فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ النِّيَّةُ وَالذَّبْحُ ثُمَّ الْحَلْقُ حَصَلَ التَّحَلُّلُ وَصَارَ حَلَالًا يَحِلُّ لَهُ مَا يَحِلُّ لِلْحَلَالِ مِنْ اللِّبْسِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءٌ إذَا لَمْ تَكُنْ الْعُمْرَةُ فَرْضًا، وَالذَّبْحُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَرَمِ بَلْ أَيَّ مَكَان شَاءَ وَالْمَذْبُوحُ هُوَ الَّذِي يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَإِنْ كَانَ بَقَرًا أَوْ إبِلًا فَثَنِيٌّ وَإِنْ كَانَ مَعْزًا أَوْ ضَأْنًا وَالْخِيَرَةُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بَلْ يُفَرِّقُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا الْجِمَاعُ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ وَهُوَ جَاهِلٌ فَلَا تَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ وَكَذَا مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ أَمَّا إذَا صَدَرَ مِنْهُ حَلْقٌ أَوْ قَلَّمَ ظُفْرًا فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ. فَإِنْ قِيلَ بِإِحْرَامِهِ فَالْفِدْيَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ؛ وَتَفْصِيلُهُ إذَا تَعَدَّدَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فَالِاحْتِيَاطُ لِهَذَا الرَّجُلِ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ نَاوِيًا عِنْدَ الْمِيقَاتِ الْعُمْرَةَ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ فَيَتَخَلَّصُ بِيَقِينٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَحَلَّلَ هُنَا بِالذَّبْحِ وَالنِّيَّةِ ثُمَّ الْحَلْقِ فَأَرْجُو أَنْ يَكْفِيَهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ تَطَوُّعًا
стр. 260
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَلْ أَخَذَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْإِحْرَامَ لَمْ يَصِحَّ وَجُوِّزَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلَنَا مَوَاضِعُ لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ فِيهَا وَقَدْ ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ: أَحْرَمْت بِنِصْفِ نُسُكٍ.
وَتَوَقَّفَ النَّوَوِيُّ فِيهِ وَتَوَقُّفُهُ قَدْ يَكُونُ مَيْلًا إلَى الْجَزْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالْبُطْلَانِ، وَالصُّورَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الْمُتَقَدِّمَةَ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا جَمِيعَ الْأَعْمَالِ لَا نِصْفَهَا وَيَسْتَحِيلُ الْتِزَامُهَا فَالْتِزَامُهَا الْتِزَامُ مَا لَا يُلْزَمُ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي فِي ذَلِكَ مَعَ إشْكَالِهِ وَلَمْ أَقُلْهُ لِيُقَلِّدَنِي أَحَدٌ فِيهِ بَلْ لِيُنْظَرْ فِيهِ وَأَنَا أَنْهَى كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَنِي فِيهِ فَلْيَأْخُذْ كُلُّ أَحَدٍ خَلَاصَهُ فِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ اللَّهِ وَيُبْعِدُهُ مِنْ مَعَاصِيهِ وَيَتَّقِي الْحَرَامَ وَالشُّبُهَاتِ عَصَمَنَا اللَّهُ مِنْهَا. «فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَذَاكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ غَرِيبٌ وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى رَبِيعَةَ مَجْهُولٌ وَالْحَارِثُ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا كُلِّهَا شَيْءٌ
وَضَعْفُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَدْ كَفَانَا مَئُونَةَ النَّظَرِ فِي مَعَانِيهَا، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ مُسْتَطِيعٍ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ إلَّا مَنْ شَذَّ فَقَالَ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ مَرَّةً، وَمُتَعَلَّقُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ» حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ: قُلْنَا رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامٌ فَكَيْفَ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ عَبْدًا وَسَّعْت لَهُ الرِّزْقَ وَصَحَحْت لَهُ جِسْمَهُ لَمْ يَفْدِ إلَيَّ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ مَرَّةً وَاَللَّهِ لَمَحْرُومٌ» خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ضَعِيفٌ وَالْمُسَيِّبُ كَثِيرُ الْغَلَطِ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا فَقَالَ لِكُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ اسْمُهُ هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ
стр. 261
«أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَحُجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَ: بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَهِيَ الِاسْتِطَاعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا مَعَ السَّبِيلِ الْآمِنَةِ الْمَسْلُوكَةِ فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ آخَرُونَ الِاسْتِطَاعَةُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] » . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ ﵃.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمَقْدِسِيُّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَلَا أَرَى بِبَعْضِ طُرُقِهِ بَأْسًا، وَأَمَّا خَلَاصُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي إلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى حَالٍ يَظُنُّ فَوَاتَهُ لَوْ أَخَّرَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَآخَرُونَ: هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ فَمُؤَخِّرُهُ يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحَجَّ لَيْسَ بِفَرْضٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَعْنَى مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي فِي الْبَيْتِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ بِأَنْ وَجَدَ مَا يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُوَافِقٌ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ وَالصِّيَامَ وَالزَّكَاةَ مِثْلُ الصَّلَاةِ مَنْ تَرَكَ فِعْلَ شَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِفَرْضِهَا فَهُوَ كَافِرٌ.
وَهُوَ مَذْهَبٌ انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنَّمَا قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَلِكَ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً هَلْ يُقْتَلُ أَوْ يُؤَدَّبُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَبْعَثَ رِجَالًا إلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَلْيَنْظُرُوا كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ جِدَةٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْحَسَنُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ عُمَرَ.
وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 262
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْحَجِّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي النِّكَاحِ، وَالصَّرُورَةُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَمَعْنَاهُ لَا فِعْلَ صَرُورَةٍ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَقَدْ ضَعَّفَ ابْنُ عَدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ إلَى الصِّحَّةِ أَقْرَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَى التَّرَاخِي فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَبَعْضُ السَّلَفِ: لَا يَصِحُّ الْحَجُّ عَنْ مَيِّتٍ وَلَا غَيْرِهِ بِحَالٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا يُحَجُّ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ: يُحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ عَنْ فَرْضِهِ وَعَنْ نَذْرِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ أَمْ لَا وَيُجْزِئُ عَنْهُ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي تَرِكَتِهِ يُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الدُّعَاءُ فِي الطَّوَافِ]
(مَسْأَلَةٌ) الدُّعَاءُ فِي الطَّوَافِ إذَا كَانَ مَأْثُورًا هَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ أَمْ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ؟ .
(الْجَوَابُ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: أَطْلَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ الدُّعَاءَ الْمَأْثُورَ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا ذِكْرٌ خَاصٌّ أَوْ دُعَاءٌ خَاصٌّ يَكُونُ هُوَ أَفْضَلَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ خَاصٌّ يَكُونُ الْقُرْآنُ أَفْضَلَ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَإِنْ كَانَ مَأْثُورًا، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ الْمَأْثُورُ عَلَى الْمَأْثُورِ بِخُصُوصِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَيَسْتَمِرُّ مَا قَالُوهُ مِنْ التَّصْحِيحِ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورُ لَا يُنَافِيه، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَلَكِنْ ثَمَّ مَوَاضِعُ طُلِبَ فِيهَا ذِكْرٌ خَاصٌّ فَلَا يُشْرَعُ تَفْوِيتُهُ بِالْقُرْآنِ وَلَا بِغَيْرِهِ بَلْ مَوَاضِعُ شُرِعَ فِيهَا الذِّكْرُ وَلَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْقُرْآنُ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
[تَنَزُّلُ السَّكِينَةِ عَلَى قَنَادِيلِ الْمَدِينَةِ]
(فَصْلٌ) لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ كِتَابٌ سَمَّاهُ (تَنَزُّلُ السَّكِينَةِ عَلَى قَنَادِيلِ الْمَدِينَةِ) وَهُوَ هَذَا قَالَ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْعَدْنَا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ سَعَادَةً لَا تَبِيدُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْهَادِي إلَى كُلِّ أَمْرٍ رَشِيدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - صَلَاةً تَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَا تَزَالُ تَعْلُو وَتَزِيدُ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ، وَبَعْدُ.
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ أَنَا فِيهِ وَمَنَّ عَلَيَّ بِهِ فَهُوَ بِسَبَبِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْتِجَائِي إلَيْهِ وَاعْتِمَادِي فِي تَوَسُّلِي إلَى اللَّهِ فِي كُلِّ أُمُورِي عَلَيْهِ فَهُوَ وَسِيلَتِي إلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا
стр. 263
وَالْآخِرَةِ وَكَمْ لَهُ عَلَيَّ مِنْ نِعَمٍ بَاطِنَةٍ وَظَاهِرَةٍ، وَأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَعَ كَلَامٌ فِي بَيْعِ الْقَنَادِيلِ الذَّهَبِ الَّتِي هِيَ بِحُجْرَتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي هِيَ عَلَى الْخَيْرِ وَالتَّقْوَى مُؤَسَّسَةٌ لِيُصْرَفَ ثَمَنُهَا فِي عِمَارَتِهَا وَعِمَارَةِ الْحَرَمِ فَحَصَلَ لِي مِنْ ذَلِكَ هَمٌّ وَغَمٌّ فَأَرَدْت أَنْ أَكْتُبَ مَا عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ وَأُقَدِّمَ حَدِيثًا صَحِيحًا يَكُونُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ أَوْضَحِ الْمَسَالِكِ فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ:
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قُلْت لَهُ: قُرِئَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَنْتَ حَاضِرٌ أَنَّ أَبَا الْوَقْتِ أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّاوُدِيُّ أَنَا ابْنُ حَمَوَيْهِ أَنَا الْفَرَبْرِيُّ أَنَا الْبُخَارِيُّ، وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ آخَرُونَ قَالُوا: سَمِعْنَا الْحُسَيْنَ بْنَ الْمُبَارَكِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إلَى الْبُخَارِيِّ وَزَادَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ أَنَا مَنْصُورٌ أَنَا الْفَارِسِيُّ وَالسُّحَامِيُّ وَالشَّادْيَاخِيُّ سَمَاعًا وَأَبُو جُدَيٍّ إجَازَةً قَالَ الْفَارِسِيُّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَأَبُو جُدَيٍّ أَنَا سَعِيدٌ الصُّوفِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ النَّسَوِيُّ.
وَقَالَ السُّحَامِيُّ وَهُوَ وَجِيهٌ وَالشَّادْيَاخِيُّ وَأَبُو جُدَيٍّ أَنَا الْحَفْصِيُّ ثنا الْكُشْمِيهَنِيُّ قَالَا أَنَا الْفَرَبْرِيُّ ح وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ الشَّافِعِيُّ أَنَا أَبِي أَنَا مُنْجِبٌ أَنَا أَبُو صَادِقٍ أَنَا كَرِيمَةُ أَنَا الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا الْفَرَبْرِيُّ أَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ بَابُ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ثنا سُفْيَانُ ثنا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جِئْت إلَى شَيْبَةَ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ثنا سُفْيَانُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْت مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إلَّا قَسَمْتُهَا. قُلْت: إنَّ صَاحِبَيْك لَمْ يَفْعَلَا قَالَ: هُمَا الْمَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا. وَبِالْإِسْنَادِ إلَى الْبُخَارِيِّ قَالَ كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] قَالَ أَئِمَّةٌ نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا وَيَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا.
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: ثَلَاثٌ أُحِبُّهَا لِنَفْسِي وَإِخْوَانِي هَذِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا وَيَسْأَلُوا عَنْهَا وَالْقُرْآنُ يَتَفَهَّمُوهُ وَيَسْأَلُوا عَنْهُ وَيَدَعُوا النَّاسَ إلَّا مِنْ خَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَبَّاسِ ثنا سُفْيَانُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْت إلَى شَيْبَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ: جَلَسْت إلَى عُمَرَ فِي مَجْلِسِك هَذَا فَقَالَ: هَمَمْت أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إلَّا قَسَمْتَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ لِمَ فَقُلْت لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاك قَالَ هُمَا الْمَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِمَا.
وَأَخْبَرَنَا الْحَافِظُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الدِّمْيَاطِيُّ أَنَا ابْنُ الْمُقَيِّرِ سَمَاعًا أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ إجَازَةً قَالَ: أَخْبَرَنَا الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ إجَازَةً قَالَ ابْنُ الْمُقَيِّرِ وَأَنَا ابْنُ نَاصِرٍ إجَازَةً أَنَا ابْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ
стр. 264
وَابْنُ الْفَرَّاءِ وَالْمَاوَرْدِيُّ سَمَاعًا قَالَ ابْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَالْفَرَّاءُ أَنَا الْخَطِيبُ سَمَاعًا.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ التُّسْتَرِيُّ قَالَ الْخَطِيبُ وَالتُّسْتَرِيُّ أَنَا أَبُو عَمْرٍو الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ ثنا أَبُو دَاوُد قَالَ بَابٌ فِي مَالِ الْكَعْبَةِ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ شَيْبَةَ يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ قَالَ قَعَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي مَقْعَدِك الَّذِي أَنْتَ فِيهِ فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ. قَالَ: قُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ: بَلَى لَأَفْعَلَنَّ قَالَ: قُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ لِمَ؟ قُلْت لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْك إلَى الْمَالِ فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ فَقَامَ فَخَرَجَ.
وَأَخْبَرَنَا الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ السَّقَطِيِّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ بَاجَا إجَازَةً أَنَا أَبُو زُرْعَةَ سَمَاعًا لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمُقَوِّمِيُّ إجَازَةً إنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا ثُمَّ ظَهَرَ سَمَاعُهُ أَنَا أَبُو طَلْحَةَ الْخَطِيبُ أَنَا ابْنُ بَحْرٍ ثنا ابْنُ مَاجَهْ قَالَ بَابُ مَالِ الْكَعْبَةِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ بُعِثَ رَجُلٌ مَعِي بِدَرَاهِمَ هَدِيَّةٍ إلَى الْبَيْتِ قَالَ: فَدَخَلْت الْبَيْتَ وَشَيْبَةُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ فَنَاوَلْتُهُ إيَّاهَا فَقَالَ: أَلَك هَذِهِ قُلْت: لَا وَلَوْ كَانَتْ لِي لَمْ آتِك بِهَا قَالَ أَمَا لَئِنْ قُلْت ذَلِكَ لَقَدْ جَلَسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَجْلِسَك الَّذِي أَنْتَ فِيهِ فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ. قُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ قَالَ وَلِمَ قُلْت لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْك إلَى الْمَالِ فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ فَقَامَ كَمَا هُوَ فَخَرَجَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ عُمْدَةٌ فِي مَالِ الْكَعْبَةِ، وَمَالُ الْكَعْبَةِ هُوَ مَا يُهْدَى إلَيْهَا أَوْ يُنْذَرُ لَهَا وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْلَطَ وَتَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الِاهْتِدَاءُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى مَكَّةَ أَمَّا إذَا كَانَ إلَى الْكَعْبَةِ نَفْسِهَا فَلَا يُصْرَفُ إلَّا إلَيْهَا وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ: وَإِنْ نَذَرَ الْهَدْيَ لِلْحَرَمِ لَزِمَهُ فِي الْحَرَمِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَدْ نَذَرَ الْهَدْيَ لِرِتَاجِ الْكَعْبَةِ وَعِمَارَةِ مَسْجِدٍ لَزِمَهُ صَرْفُهُ فِيمَا نَذَرَ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا نَذَرَ أَنْ يَجْعَلَ مَا يُهْدِيه فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبِهَا قَالَ إبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: يَنْقُلُهُ إلَيْهَا وَيُسَلَّمُ إلَى الْقَيِّمِ لِيَصْرِفَهُ إلَى الْجِهَةِ الْمَنْذُورَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ فِي نَذْرِهِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَهَذَانِ النَّقْلَانِ يُبَيِّنَانِ لَك ذَلِكَ، وَنَقْلُ الْمُهَذَّبِ أَصْرَحُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْهَدْيَ
стр. 265
وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُهْدَى إلَيْهِ وَهُنَا عَيَّنَهُ وَهُوَ الْكَعْبَةُ وَإِذَا وَجَدْنَا مَالًا فِي الْكَعْبَةِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ حَمَلْنَاهُ عَلَيْهَا عَمَلًا بِالْيَدِ كَمَا تَبْقَى أَيْدِي أَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ فَكَذَلِكَ يَبْقَى مَا فِي الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَالِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَا نُحَرِّكُهُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فَإِنْ قُلْت: فَمَا مُسْتَنَدُ عُمَرَ ﵁ فِيمَا هَمَّ بِهِ؟ قُلْت عُمَرُ ﵁ إمَامُ هُدًى وَأَبُو بَكْرٍ أَعْظَمُ مِنْهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْظَمُ مِنْهُمَا وَالْهُدَى كُلُّهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُنَا النَّظَرُ فِيمَا كَانَ سَبَبُ هَمِّ عُمَرَ ﵁ وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ لِمُجَرَّدِ مَا سَمِعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ ﵁ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمَا وَأَطْوَعُ لَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ نَظَرًا لَهُمْ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ شَيْبَةُ صَوَّبَ فِعْلَهُ وَإِنَّمَا تَرَكَاهُ لِأَنَّ مَا جُعِلَ لِلْكَعْبَةِ وَسُبِّلَ لَهَا يَجْرِي مَجْرَى الْأَوْقَافِ وَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْأَوْقَافِ وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا تَعْظِيمُ الْإِسْلَامِ وَحُرُمَاتِهِ وَتَرْهِيبُ الْعَدُوِّ؛ وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ عُمَرُ: لَوْ أَخَذْنَا مَا فِي الْبَيْتِ يَعْنِي الْكَعْبَةَ فَقَسَمْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: وَاَللَّهِ مَا ذَلِكَ لَك قَالَ: لِمَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ مَوْضِعَ كُلِّ مَالٍ وَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: صَدَقْت.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ: إنَّ عُمَرَ رَأَى أَنَّ مَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِكَثْرَتِهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ وَإِدْخَالِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْكُسْوَةِ حُكْمُ الْمَالِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ الْمَالَ الَّذِي تَجَمَّعَ وَفَضَلَ عَنْ نَفَقَتِهَا وَمُؤْنَتِهَا وَيَضَعَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا ذَكَّرَهُ شَيْبَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ بَعْدَهُ لَمْ يَعْرِضَا لَهُ لَمْ يَسَعْهُ خِلَافُهُمَا وَرَأَى أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِمَا وَاجِبٌ فَرُبَّمَا تَهَدَّمَ الْبَيْتُ أَوْ خَلَقَ بَعْضُ آلَاتِهِ فَصَرَفَ ذَلِكَ الْمَالَ فِيهِ وَلَوْ صَرَفَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لَكَانَ كَأَنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ عَنْ وَجْهِهِ الَّذِي سُبِّلَ لَهُ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَجْهَيْنِ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ لِلْمَسْجِدِ وَأَنَّهُ هَلْ يُمْلَكُ أَوْ لَا يُمْلَكُ. قُلْت أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَأَنَّهُ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَيَقْبَلُهَا قَيِّمُهُ وَيُمْلَكُ وَيُؤْخَذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ضَعِيفٌ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ أَوْ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بَلْ يَكُونُ الْوَجْهُ خَاصًّا بِالْهِبَةِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ. وَأَمَّا الْإِهْدَاءُ إلَى الْكَعْبَةِ فَأَصْلُهُ مَعْهُودٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْفِدَاءِ لَكِنَّهُ عُرِفَ بِهِ مَشْرُوعِيَّةُ هَذَا النَّوْعِ وَإِضَافَتُهُ إلَى الْكَعْبَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَسْجِدِ هَلْ هُوَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ؟ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَالْقَائِلُ بِالْأَوَّلِ لَا يُرِيدُ أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَصْرِفُونَهُ فِيمَا شَاءُوا بَلْ يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ قَطْعًا وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى جَعْلِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ الْقَابِلُونَ لِلتَّمَلُّكِ وَالْجِهَادُ لَا يَقْبَلُ التَّمَلُّكَ.
стр. 266
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْجِهَادَ إذَا كَانَ لَهُ جُبَّةٌ يُصْرَفُ فِيهَا وَيُحْتَاجُ إلَيْهِ فَذَلِكَ مَعْنَى الْمِلْكِ فَظَهَرَ بِهَا الْقَطْعُ بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِ الْكَعْبَةِ بِمَا يُهْدَى إلَيْهَا وَمَا يُنْذَرُ لَهَا وَمَا يُوجَدُ فِيهَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَامْتِنَاعِ صَرْفِهَا فِي غَيْرِهَا لَا لِلْفُقَرَاءِ وَلَا لِلْحَرَمِ الْخَارِجِ عَنْهَا الْمُحِيطِ بِهَا وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ الْمَصَالِحِ إلَّا أَنْ يَعْرِضَ لَهَا نَفْسَهَا عِمَارَةً أَوْ نَحْوَهَا فَحِينَئِذٍ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَمْوَالُ قَدْ أَرُصِدَتْ لِذَلِكَ فَتُصْرَفُ فِيهِ وَإِلَّا فَيَخْتَصُّ بِهَا الْوَجْهُ الَّذِي أَرُصِدَتْ لَهُ فَلَا يُغَيَّرُ شَيْءٌ عَنْ وَجْهِهِ فَالْمُرْصَدُ لِلْبَخُورِ لَا يُصْرَفُ فِي غَيْرِهِ وَالْمُرْصَدُ لِلسُّتْرَةِ لَا يُصْرَفُ فِي غَيْرِهَا وَالْمُرْصَدُ لِلْعِمَارَةِ لَا يُصْرَفُ فِي غَيْرِهَا وَالْمُرْصَدُ لِلْكَعْبَةِ مُطْلَقًا يُصْرَفُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَكَذَا الْمَوْجُودُ وَلَمْ يُعْلَمْ قَصْدُ مَنْ أَتَى بِهِ لَكِنَّهُ يُعَدُّ لِلصَّرْفِ.
فَإِنْ قُلْت الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إنَّمَا قَالَهُ فِي الْهَدْيِ لِلرِّتَاجِ أَمَّا الْهَدْيُ لِلْكَعْبَةِ مُطْلَقًا فَلَمْ يَذْكُرْهُ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْهَدْيِ الْمُطْلَقِ وَجْهَيْنِ قُلْت: الْوَجْهَانِ فِي الْهَدْيِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ كَعْبَةٍ وَلَا غَيْرِهَا أَمَّا الْهَدْيُ لِلْكَعْبَةِ فَهُوَ مُقَيَّدٌ. فَإِنْ قُلْت قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ يَقْتَضِي تَفْرِقَتَهُ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ كَمَا فِي الذَّبَائِحِ. قُلْت: ذَاكَ ظَاهِرٌ فِيمَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ أَعْنِي مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا فَإِنَّ الْقَرِينَةَ تَقْتَضِي أَنَّ الْإِهْدَاءَ لِأَهْلِهِ وَكَذَا فِيمَا يُهْدَى إلَى مَكَّةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُطْرَدَ فِيمَا يُهْدَى إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ غَنَمٍ وَإِبِلٍ وَبَقَرٍ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ تَقْتَضِي تَفْرِقَتَهُ وَذَبْحَهُ أَمَّا مِثْلُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَا عُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَوَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَاخْتِصَاصُ الْكَعْبَةِ بِخُصُوصِهَا بِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الَّذِي صَدَّرْنَا كَلَامَنَا بِهِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْيِيدِ مَكَانِ الْهَدْيِ الَّذِي يُهْدَى إلَيْهِ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ فِي تَعْيِينِ نَوْعِ الْهَدْيِ الَّذِي يُهْدَى هَلْ هُوَ نَعَمٌ إبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ أَوْ غَيْرُهَا وَفِي إطْلَاقِ الْهَدْيِ وَعَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِهَذَا أَوْ بِهَذَا، وَأَمَّا إطْلَاقُ الْهَدْيِ لِلْكَعْبَةِ عَنْ التَّقْيِيدِ بِمَصَارِفِهِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَكِنِّي ذَكَرْت مَا قُلْتُهُ تَفَقُّهًا وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يُعَضِّدُهُ.
(تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ الَّذِي قُلْتُهُ مِنْ الصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْكَعْبَةِ إذَا كَانَ الْمَالُ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ أَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ بِذَلِكَ مِثْلُ كَوْنِهِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، أَمَّا الْقَنَادِيلُ الَّتِي فِيهَا وَالصَّفَائِحُ الَّتِي عَلَيْهَا فَتَبْقَى عَلَى حَالِهَا وَلَا يُصْرَفُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ صَفْرَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ يَحْتَمِلُ النَّوْعَيْنِ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا صِفَتُهُمَا الَّتِي كَانَتْ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ ذَهَّبَ الْبَيْتَ فِي الْإِسْلَامِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ ذُهِّبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَبَقِيَ إلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَيُقَالُ: إنَّ الَّذِي عَمِلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى بَابِهَا صَفَائِحُ وَالْمِيزَابُ وَعَلَى الْأَسَاطِينِ الَّتِي فِي بَطْنِهَا وَالْأَرْكَانِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِي خِلَافِهِ الْأَمِينِ زِيدَ عَلَيْهَا
стр. 267
ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَأَوَّلُ مَنْ فَرَشَهَا بِالرُّخَامِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَمَّا عَمِلَ الْوَلِيدُ ذَلِكَ كَانَتْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ التَّابِعِينَ مَوْجُودِينَ وَبَقَايَا الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ لَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ. ثُمَّ جَمِيعُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَالصَّالِحُونَ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَحُجُّونَ وَيُبْصِرُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَى مَمَرِّ الْأَعْصَارِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ النَّذْرِ: سِتْرُ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبُهَا مِنْ الْقُرُبَاتِ فَإِنَّ النَّاسَ اعْتَادُوهُمَا عَلَى مَمَرِّ الْأَعْصَارِ وَلَمْ يُبْدَ مِنْ أَحَدٍ نَكِيرٌ؛ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا وَرَدَ تَحْرِيمُ لُبْسِهِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَذَكَرْنَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهِمَا وَكَانَ الْفَرْقُ اسْتِمْرَارَ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ دُونَ هَذَا فَلَوْ نَذَرَ سِتْرَ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبَهَا صَحَّ نَذْرُهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي سِتْرِ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبِهَا صَحِيحٌ وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي بَابِ الزَّكَاةِ: هَلْ يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا كَالْأَوَانِي وَأَظْهَرُهُمَا نَعَمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إكْرَامًا لِلْمُصْحَفِ. وَقَالَ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى حَظْرِهَا. وَفِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ حَرْمَلَةُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
وَفِي تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الْجَوَازُ إكْرَامًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ إذْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ ذَمُّهَا، وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ لَا يَجُوزُ وَكَلَامُ الصَّيْدَلَانِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ إلَى هَذَا أَمْيَلُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ تَحْلِيَةُ نَفْسِ الْمُصْحَفِ دُونَ عِلَاقَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ وَالْأَظْهَرُ التَّسْوِيَةُ، وَأَمَّا سَائِرُ الْكُتُبِ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ لَا يَجُوزُ، وَفِي تَحْلِيَةِ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهِمَا فِيهَا وَجْهَانِ مَرْوِيَّانِ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ تَعْظِيمًا كَمَا فِي الْمُصْحَفِ وَكَمَا يَجُوزُ سِتْرُ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ وَأَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ وَيُحْكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إذَا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَحُكْمُ الزَّكَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ نَعَمْ لَوْ جَعَلَ الْمُتَّخِذُ وَقْفًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ بِحَالٍ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ ﵀.
فَأَمَّا الْمُصْحَفُ فَمَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ فِيهِ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِلرَّجُلِ فَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ أَنَّ الْقَارِئَ فِيهِ وَالْحَامِلَ لَهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّتِي فِيهِ نَزَلَا يَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْكَعْبَةِ وَلَوْ فُرِضَ مُصْحَفٌ لَا يَنْظُرُ فِيهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ فَذَلِكَ نَادِرٌ وَلَمْ يُوضَعْ الْمُصْحَفُ لِذَلِكَ وَلَكِنْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْمُصْحَفِ جَرَيَانُهُ فِي الْكَعْبَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُصْحَفُ أَفْضَلَ لِلْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ؛ وَأَمَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَنَّ لِلْكَعْبَةِ مِنْ التَّعْظِيمِ مَا لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ أَلَا تَرَى أَنَّ سِتْرَ الْكَعْبَةِ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِي سِتْرِ الْمَسَاجِدِ خِلَافٌ فَحِينَئِذٍ الْخِلَافُ فِي الْكَعْبَةِ
стр. 268
مُشْكِلٌ وَتَرْجِيحُ الْمَنْعِ فِيهَا أَشْكَلُ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ فُعِلَ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَدْ تَوَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِمَارَةَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْوَلِيدِ وَذَهَّبَ سَقْفَهُ؛ وَإِنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ امْتِثَالُ أَمْرِ الْوَلِيدِ.
فَأَقُولُ: إنَّ الْوَلِيدَ وَأَمْثَالَهُ مِنْ الْمُلُوكِ إنَّمَا تَصْعُبُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا لَهُمْ فِيهِ غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بِمِلْكِهِمْ وَنَحْوِهِ أَمَّا مِثْلُ هَذَا وَفِيهِ تَوْفِيرٌ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَلَا تَصْعُبُ مُرَاجَعَتُهُمْ فِيهِ فَسُكُوتُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَمْثَالِهِ وَأَكْبَرَ مِنْهُ مِثْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَبَقِيَّةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ، بَلْ أَقُولُ قَدْ وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَرَادَ أَنْ يُزِيلَ مَا فِي جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ الذَّهَبِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ يَقُومُ بِأُجْرَةِ حَلِّهِ فَتَرَكَهُ، وَالصَّفَائِحُ الَّتِي عَلَى الْكَعْبَةِ يَتَحَصَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ فَلَوْ كَانَ فِعْلُهَا حَرَامًا لَأَزَالَهَا فِي خِلَافَتِهِ لِأَنَّهُ إمَامُ هُدًى فَلَمَّا سَكَتَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا وَجَبَ الْقَطْعُ بِجَوَازِهَا وَمَعَهُ جَمِيعُ النَّاسِ الَّذِينَ يَحُجُّونَ كُلَّ عَامٍ وَيَرَوْنَهَا فَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ فِيهَا عَجِيبٌ جِدًّا، عَلَى أَنَّهُ قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِذِكْرِ هَذَا الْحُكْمِ فِيهَا أَعْنِي الْكَعْبَةَ بِخُصُوصِهَا، وَرَأَيْتُهَا أَيْضًا فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الذَّخِيرَةِ الْقَرَافِيَّةِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحٌ بِالتَّحْرِيمِ.
وَهَذَا الَّذِي قُلْتُهُ كُلَّهُ فِي تَحْلِيَةِ الْكَعْبَةِ بِخُصُوصِهَا بِصَفَائِحِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهَا فَلْيُضْبَطْ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَدَّى، وَلَا أَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي التَّمْوِيهِ وَالزَّخْرَفَةِ فِيهَا لِأَنَّ التَّمْوِيهَ يُزِيلُ مَالِيَّةَ النَّقْدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا قِيَمُ الْأَشْيَاءِ، وَتَضْيِيقُ النَّقْدَيْنِ مَحْظُورٌ لِتَضْيِيقِهِ الْمَعَاشَ وَإِغْلَائِهِ الْأَسْعَارَ وَإِفْسَادِهِ الْمَالِيَّةَ، وَلَا أَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ أَيْضًا فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فِي الْقِسْمَيْنِ جَمِيعًا التَّمْوِيهَ وَالتَّحْلِيَةَ؛ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ حُسَيْنًا جَزَمَ بِحِلِّ تَحْلِيَةِ الْمَسْجِدِ بِالْقَنَادِيلِ مِنْ الذَّهَبِ وَنَحْوِهِمَا وَأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ وَهَذَا أَرْجَحُ مِمَّا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِهَا دَلِيلٌ وَالْحَرَامُ مِنْ الذَّهَبِ إنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُ الذُّكُورِ لَهُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ أَوَانِيهِ وَلَيْسَ فِي تَحْلِيَةِ الْمَسْجِدِ بِالْقَنَادِيلِ الذَّهَبِيَّةِ وَنَحْوِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى: الَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّ مَنْ كَتَبَ الْقُرْآنَ بِالذَّهَبِ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِي الذَّهَبِ إلَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى ذُكُورِ الْأُمَّةِ فِيمَا يُنْسَبُ إلَى الذُّكُورِ وَهَذَا لَا يُنْسَبُ إلَى الذُّكُورِ فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحِلِّ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى الْإِسْرَافِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ احْتِرَامٌ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْسَبُ إلَى الذُّكُورِ حَتَّى يُحْكَمَ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَسْت أَقُولُ هَذَا عَنْ رَأْيٍ مُجَرَّدٍ لَكِنِّي رَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ. هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي الْكِتَابَةِ بِالذَّهَبِ، وَفِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ لِزَوَالِ مَالِيَّةِ الذَّهَبِ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ التَّحْلِيَةِ بِذَهَبٍ بَاقٍ. فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ تَحْلِيَةَ الْكَعْبَةِ.
стр. 269
بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَائِزٌ وَالْمَنْعُ مِنْهُ بَعِيدٌ شَاذٌّ غَرِيبٌ فِي الْمَذَاهِبِ كُلِّهَا قَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْهُمْ وَلَا وَجْهَ لَهُ وَلَا دَلِيلَ يُعَضِّدُهُ، وَأَمَّا سِتْرُهَا بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الشَّامِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَأَيُّ قِيَاسٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَنْصُوصٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَنُصَّ الشَّرْعُ عَلَى شَيْءٍ يُقَاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّامِيِّ الْمَذْكُورُ إنَّمَا تَرَكْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَيَكْفِي ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَكْسُوهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَذَلِكَ مِنْ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ كُسْوَتِهَا لِأَنَّهُ لَا يُصْرَفُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ إلَّا إلَى وَاجِبٍ.
وَلْيُتَنَبَّهْ هُنَا لِفَائِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْكَعْبَةَ بَنَاهَا إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَلَمْ تَكُنْ تُكْسَى مِنْ زَمَانِهِ إلَى زَمَانِ تُبَّعٍ الْيَمَانِيِّ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: إنَّ إسْمَاعِيلَ كَسَاهَا فَفِي تِلْكَ الْمُدَدِ لَا نَقُولُ إنَّ كُسْوَتَهَا كَانَتْ وَاجِبَةً لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا تَرَكَ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، وَلَكِنْ لَمَّا كَسَاهَا تُبَّعٌ وَكَانَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ كَانَ شِعَارًا لَهَا وَصَارَ حَقًّا لَهَا وَقُرْبَةً وَوَاجِبًا لِئَلَّا يَكُونَ فِي إزَالَتِهِ تَنْقِيصٌ مِنْ حُرْمَتِهَا فَيُقَاسُ عَلَيْهِ إزَالَةُ مَا فِيهَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ صَفَائِحِ الذَّهَبِ وَالرُّخَامِ وَنَحْوِهِ وَنَقُولُ: إنَّهُ تَحْرُمُ إزَالَتُهُ وَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونُ ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ غَيْرَ وَاجِبٍ وَاسْتِدَامَتُهُ وَاجِبَةً وَمُرَادِي وُجُوبُ سِتْرِهَا دَائِمًا لِإِبْقَاءِ كُلِّ سُتْرَةٍ دَائِمًا، وَتَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ السُّتْرَةَ الَّتِي تُكْسَاهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ تَصِيرُ مُسْتَحِقَّةً لَهَا بِكُسْوَتِهَا فَلَا يَجُوزُ نَزْعُهَا لِلْإِمَامِ وَلَا لِغَيْرِهِ حَتَّى تَأْتِيَ كُسْوَةٌ أُخْرَى فَتِلْكَ الْكُسْوَةُ الْقَدِيمَةُ مَا يَكُونُ حُكْمُهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا وَلَا نَقْلُهَا وَلَا وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهَا بَيْنَ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَمَنْ حَمَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ خِلَافُ مَا يَتَوَهَّمُهُ الْعَامَّةُ وَيَشْتَرُونَهُ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْأَمْرُ فِيهَا إلَى الْإِمَامِ يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا وَعَطَاءً وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْزِعُ كُسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ فَيُوَزِّعُهَا عَلَى الْحَاجِّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا حَسَنٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ قَالَا: تُبَاعُ كُسْوَتُهَا وَيُجْعَلُ ثَمَنُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ لَا بَأْسَ أَنْ يُلْبَسَ كُسْوَتُهَا مَنْ صَارَ إلَيْهِ مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ وَغَيْرِهِمَا. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَوْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُزَالَ عَنْ الْوَقْفِ وَتَبْقَى، وَإِنَّمَا.
стр. 270
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِيهَا ذَلِكَ وَلَا مَعْنَى لِإِبْقَائِهَا بَعْدَ نَزْعِهَا وَهِيَ غَيْرُ مَوْقُوفَةٍ، أَمَّا الذَّهَبُ الصَّفَائِحُ وَالْقَنَادِيلُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُقْصَدُ بَقَاؤُهُ وَلَا يَتْلَفُ فَلَا يَأْتِي ذَلِكَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يَبْقَى، وَقَدْ قَالُوا فِي الطِّيبِ
إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ لَا لِلتَّبَرُّكِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي ذَلِكَ خِلَافًا فَإِذَا كَانَ فِي الطِّيبِ فَمَا ظَنُّك بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالُوا: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الطِّيبِ لِلتَّبَرُّكِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيَمْسَحَهَا بِهِ ثُمَّ يَأْخُذَهُ، وَاَلَّذِي اسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْكُسْوَةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَلَا بَأْسَ بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ إلَى بَنِي شَيْبَةَ فَإِنَّهُمْ حَجَبَتُهَا وَلَهُمْ اخْتِصَاصٌ بِهَا فَإِنْ أَخَذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ ذَلِكَ وَكَوْنِهِمْ مِنْ مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ.
وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَخْذَهَا وَجَعْلَهَا مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ ابْنِ الصَّلَاحِ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ أَصْلًا وَلَكِنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِالتَّفْرِقَةِ وَبَنُو شَيْبَةَ قَائِمُونَ مَقَامَهُ. هَذَا كُلُّهُ فِي الْكَعْبَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ فَلَا يَنْتَهِي إلَيْهَا فَلَا يَبْعُدُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ وَالْأَرْجَحُ مِنْهُ الْجَوَازُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلَا أَقُولُ بِهِ إنَّهُ يَنْتَهِي إلَى حَدِّ الْقُرْبَةِ وَلِهَذَا اسْتِمْرَارُ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ فِي الْأَكْثَرِ.
وَأَمَّا تَعْلِيلُ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ فِعْلِ السَّلَفِ فَعَجِيبٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَقُصَارَاهَا أَنْ تَقْتَضِيَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ أَوْ مَكْرُوهٍ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ أَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَجْزِمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَتَّى يَرِدَ نَهْيٌ مِنْ الشَّارِعِ وَإِنَّمَا وَرَدَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ «هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ، وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا اقْتَضَى لَفْظُهُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» وَقَاسَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ غَيْرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَيْهِمَا وَتَكَلَّمُوا فِي الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِقِيَاسِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَيْهِمَا الْمُقْتَضِيَةِ لِقِيَاسِ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَيْهِمَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّشَبُّهُ بِالْأَعَاجِمِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ لَا التَّحْرِيمَ وَاسْتَنَدَ مَنْ عَلَّلَ بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» .
وَتَأَمَّلْت فَوَجَدْت هَذِهِ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ لِمَشْرُوعِيَّةِ التَّحْرِيمِ بَلْ هِيَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُخَاطَبِينَ عَنْ مَنْعِهِمْ عَنْهَا وَعِلَّةٌ لِانْتِهَائِهِمْ بِمُجَازَاتِهِمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ لِبَسْطِ نُفُوسِهِمْ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ " لَا تَأْخُذْ هَذَا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَإِنِّي أَدَّخِرُهُ لَك
стр. 271
فِي وَقْتٍ أَنْفَعَ لَك مِنْ الْآنَ " فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ وَلَوْ كَانَتْ عِلَّةً مَنْصُوصَةً لَمْ يَجُزْ تَعَدِّيهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْعِلَّةُ السَّرَفُ أَوْ الْخُيَلَاءُ أَوْ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ أَوْ تَضْيِيقُ النَّقْدَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إلَيْهِ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْعِلَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَسْتَعْمِلُهُ الشَّخْصُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، أَمَّا تَحْلِيَةُ الْمَسَاجِدِ تَعْظِيمًا لَهَا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعِلَلِ وَهَكَذَا الْقَنَادِيلُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا اتَّخَذَهَا لِلْمَسْجِدِ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِعْمَالَهَا وَلَا أَنْ يَتَزَيَّنَ بِهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ جِهَتِهِ وَاَلَّذِي حَرُمَ اتِّخَاذُهَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إنَّمَا حَرُمَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْسَ تَدْعُو إلَى الِاسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمِ وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ لَهُ.
وَأَمَّا إذَا جَعَلَهَا لِلنَّفْسِ فَلَا تَدْعُو النَّفْسُ إلَى اسْتِعْمَالٍ حَرَامٍ أَصْلًا كَيْفَ تَحْرُمُ وَهِيَ لَا تُسَمَّى أَوَانِي؛ وَرَأَيْت الْحَنَابِلَةَ قَالُوا بِتَحْرِيمِهَا لِلْمَسْجِدِ وَجَعَلُوهَا مِنْ الْأَوَانِي أَوْ مَقِيسَةً عَلَيْهَا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لَا هِيَ أَوَانِي وَلَا فِي مَعْنَى الْأَوَانِي، وَقَدْ رَأَيْت فِي الْقَنَادِيلِ شَيْئًا آخَرَ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فِي أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ «تَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ» وَلَعَلَّ مِنْ هُنَا جُعِلَتْ الْقَنَادِيلُ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِلَّا فَكَانَ يَكْفِي مِسْرَجَةٌ أَوْ مَسَارِجُ تَنُّورٍ كَأَنَّهَا مَحَلُّ النُّورِ فَلَمَّا كَانَ النُّورُ مَطْلُوبًا فِي الْمَسَاجِدِ لِلْمُصَلِّينَ جُعِلَتْ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ اشْتِرَاكًا وَافْتِرَاقًا أَمَّا الِاشْتِرَاكُ فَلِإِطْلَاقِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْكَعْبَةِ وَلِأَنَّهَا بَيْتُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الِافْتِرَاقُ فَالْمَسَاجِدُ بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا وَالْكَعْبَةُ بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ إلَيْهَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ فِيهَا؛ وَقَالَ ﷺ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الَّذِي تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَيْهِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ الْكَعْبَةُ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ الَّذِي حَوْلَهَا الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الصَّلَاةِ وَفِيهِ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَالْحَرَمُ كُلُّهُ شَرِيفٌ وَمَكَّةُ أَشْرَفُهُ وَالْحَرَمُ الْمُحِيطُ بِالْكَعْبَةِ الَّذِي هُوَ مَسْجِدٌ أَشْرَفُهَا وَالْكَعْبَةُ أَشْرَفُهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مَحَلَّ الصَّلَاةِ فَهِيَ مِنْ جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ أَزْيَدُ وَهُوَ مِنْ جِهَةِ إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَزْيَدُ، وَتِلْكَ الْجِهَةُ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ فَلَا جَرَمَ كَانَتْ فِي الْحِلْيَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَحَقَّ مِنْ الْمَسْجِدِ فَضَعُفَ الْخِلَافُ فِيهَا وَقَوِيَ فِيهِ أَعْنِي فِي التَّحْلِيَةِ الَّتِي اسْتَمَرَّتْ الْأَعْصَارُ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّنْوِيرُ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَهُمْ لَيْسُوا دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ كَانَ الْمَسْجِدُ بِالْقَنَادِيلِ أَحَقَّ لَكِنْ فِي الْكَعْبَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الرُّجْحَانِ فِي التَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ فَاعْتَدَلَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَنَادِيلِ فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَنَادِيلِ لَا بَأْسَ بِهَا.
وَالْأَصَحُّ مِنْهُ مَا اخْتَرْنَاهُ الْجَوَازَ وَعَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ التَّحْرِيمُ وَلَا دَلِيلَ لَهُ لِأَنَّهَا لَا أَوَانِي وَلَا مُشْبِهَةٌ لِلْأَوَانِي
стр. 272
وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا نَهْيٌ وَلَا فِيهَا مَعْنَى مَا نُهِيَ عَنْهُ لَا فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا فِي الْكَعْبَةِ فَكَانَ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِهَا فِيهِمَا بَاطِلًا.
وَلَمَّا ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ الْكَعْبَةَ وَالْمَسَاجِدَ أَطْلَقُوا وَلَا شَكَّ أَنَّ أَفْضَلَ الْمَسَاجِدِ ثَلَاثَةٌ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ التَّحْلِيَةِ وَالْقَنَادِيلِ الذَّهَبِيَّةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَقُولُ بِهَا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْ يَقُولُ بِالْمَنْعِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ لَمْ يُصَرِّحُوا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِشَيْءٍ لَكِنَّ إطْلَاقَهُمْ مُحْتَمِلٌ لَهَا وَعُمُومَ كَلَامِهِمْ يَشْمَلُهَا. وَكَلَامِي هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَلْ يَعُمُّ الثَّلَاثَةَ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْمُحِيطِ بِهَا فَصَارَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَاجِدِ الْمَعْطُوفَةِ عَلَيْهَا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَتَّبَ الْخِلَافُ فَيُقَالُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَالْمَسْجِدَانِ مَسْجِدُ مَكَّةَ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ أَوْلَى مِنْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْجَوَازِ ثُمَّ الْمَسْجِدَانِ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فَمَالِكٌ يَقُولُ: الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: مَكَّةُ أَفْضَلُ فَقَدْ يَقُولُ: إنَّ مَسْجِدَهَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَقَدْ يَقُولُ: إنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ يَنْضَافُ إلَيْهِ مُجَاوَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَصَدَ تَعْظِيمَهُ بِمَا فِي مَسْجِدِهِ مِنْ الْحِلْيَةِ وَالْقَنَادِيلِ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا مَبَاحِثُ وَالْمَنْقُولُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَذْهَبِنَا وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَأَنَّ قَوْلَهُ إنَّ سِتْرَ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبَهَا مِنْ الْقُرُبَاتِ صَحِيحٌ الْآنَ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَأَنَّ السُّتْرَةَ صَارَتْ وَاجِبَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَأَمَّا كَوْنُهَا قُرْبَةً مِنْ الْأَصْلِ أَوْ صَارَتْ قُرْبَةً فَفِيهِ نَظَرٌ.
وَأَمَّا الطِّيبُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ قُرْبَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قُرْبَةٌ مِنْ الْأَصْلِ فِيهَا وَفِي كُلِّ الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَعْظَمَ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَذْهَبِنَا فِي اتِّخَاذِهَا مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ فَإِنْ وَقَفَ الْمُتَّخِذُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْقَنَادِيلِ وَالصَّفَائِحِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَطْعُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِإِبَاحَتِهَا وَمُقْتَضَاهُ صِحَّةُ وَقْفِهَا وَإِذَا صَحَّ وَقْفُهَا فَلَا زَكَاةَ، وَأَمَّا الرَّافِعِيُّ فَقَدْ رَجَّحَ تَحْرِيمَهَا وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقْفُهَا لِهَذَا الْغَرَضِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا تَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا وَتَكُونُ زَكَاتُهَا مَبْنِيَّةً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً فَلَعَلَّ مُرَادَ الرَّافِعِيِّ إذَا وُقِفَتْ عَلَى قَصْدٍ صَحِيحٍ أَوْ وُقِفَتْ وَفَرَّعْنَا عَلَى صِحَّةِ وَقْفِهَا هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَذْهَبِنَا.
وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ فَفِي التَّهْذِيبِ مِنْ كُتُبِهِمْ لَيْسَ فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ وَالْخَاتَمِ وَالْمُصْحَفِ زَكَاةٌ.
وَفِي النَّوَادِرِ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ رَوَى
стр. 273
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ مَا فِي السَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ مِنْ الْحِلْيَةِ تَبَعًا لَهُ لَا زَكَاةَ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْقُرْطُبِيِّ يُزَكِّي مَا حَلَّى بِهِ مَا خَلَا الْمُصْحَفِ وَسَيْفٍ وَخَاتَمٍ وَحُلِيِّ النِّسَاءِ وَأَجْزَاءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَذَكَرَ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا زَكَاةَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَمَا كَانَ فِي جِدَارٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَوْ تَكَلَّفَ إخْرَاجَهُ أُخْرِجَ مِنْهُ بَعْدَ أُجْرَةِ مَنْ يَعْمَلُهُ شَيْءٌ فَلْيُزَكِّهِ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ إلَّا قَدْرَ أَجْرِ عَمَلِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُحَلَّى الْمُصْحَفُ بِالْفِضَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَفِيهِ وَلَقَدْ نَهَيْت عَبْدَ الصَّمَدِ أَنْ يَكْتُبَ مُصْحَفًا بِالذَّهَبِ قَالَ: وَيُنْظَرُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ يُكْشَفُ وَلَمْ يُعْجِبْهُ أَنْ يُسْتَرَ بِالْخَيْشِ، وَلْيُنْظَرْ فِي مُوَطَّإِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسَاقَاةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُبَاعُ الْمُصْحَفُ وَفِيهِ الشَّيْءُ مِنْ الْحُلِيِّ مِنْ الْفِضَّةِ وَالسَّيْفِ وَفِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَزَلْ عَلَى هَذَا بُيُوعُ النَّاسِ بَيْنَهُمْ يَبِيعُونَهَا وَيَبْتَاعُونَهَا جَائِزَةٌ بَيْنَهُمْ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: أَمَّا تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ بِالْقَنَادِيلِ وَالْعَلَائِقِ وَالصَّفَائِحِ عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْجُدُرِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ قَالَ سَحْنُونٌ يُزَكِّيهِ الْإِمَامُ كُلَّ عَامٍ كَالْعَيْنِ الْمُحْبَسَةِ.
وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: وَحِلْيَةُ الْحُلِيِّ الْمَحْظُورِ كَالْمَعْدُومَةِ وَالْمُبَاحَةِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا يُزَكَّى كَالْمَصْكُوكِ، وَالثَّانِي: كَالْعَرَضِ إذَا بِيعَتْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ حِينَئِذٍ فَيَكْمُلُ بِهَا النِّصَابُ هُنَا.
وَالثَّالِثُ: يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ حُلِيَّ الْجَوَاهِرِ يُجْعَلُ مَكَانَ الْعَيْنِ فَيَكْمُلُ بِهَا النِّصَابُ هُنَا، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا بَأْسَ بِنَقْشِ الْمَسْجِدِ بِالْجِصِّ وَالسَّاجِ وَمَاءِ الذَّهَبِ إذَا كَانَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَكَذَا فِي سَقْفِ الْبُيُوتِ وَتَمْوِيهِهَا بِمَاءِ الذَّهَبِ؛ وَكَرِهَهُ أَبُو يُوسُفَ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْمُصْحَفُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَكَذَا الْمَسْجِدُ، وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ هَلْ نَقْشُ الْمَسْجِدِ قُرْبَةٌ أَوْ لَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لَكِنَّهُ مُبَاحٌ فَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ تَحْلِيَةَ الْمَسْجِدِ وَتَعْلِيقَ قَنَادِيلِ الذَّهَبِ فِيهِ جَائِزٌ: قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي لَا بَأْسَ بِنَقْشِ الْمَسْجِدِ بِالْجِصِّ وَالسَّاجِ وَمَاءِ الذَّهَبِ.
وَقَالَ الْوَافِي: لَا بَأْسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ غَيْرُهُ قَالَ: وَأَصْحَابُنَا جَوَّزُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ، وَمُرَادُهُ بِأَصْحَابِهِمْ الْجَمِيعُ فَأَبُو يُوسُفَ مَا يُخَالِفُ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي الْبُيُوتِ.
وَقَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَوَّزَ تَمْوِيهَ السُّقُوفِ بِالذَّهَبِ وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ كَرِهَ ذَلِكَ قَالَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمُصْحَفُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَكَذَا الْمَسْجِدُ، وَفِي الْكَافِي قِيلَ: يُكْرَهُ وَقِيلَ: هُوَ قُرْبَةٌ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ زَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَكَسَا عُمَرُ الْكَعْبَةَ وَبَنَى دَاوُد صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ الرُّخَامِ وَالْمَرْمَرِ وَوَضَعَ فِيهِ عَلَى رَأْسِ
стр. 274
الْقُبَّةِ كِبْرِيتًا أَحْمَرَ يُضِيءُ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا وَزِينَةُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ شَيْءٌ عَظِيمٌ، وَفِي ذَلِكَ تَرْغِيبُ النَّاسِ فِي الْجَمَاعَةِ وَتَعْظِيمُ بَيْتِ اللَّهِ، وَكَوْنُهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى قُبْحِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَزْيِينُ الْمَسَاجِدِ وَتَضْيِيعُ الصَّلَوَاتِ.
هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْكَافِي مِنْ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: فَإِنْ اجْتَمَعَتْ أَمْوَالُ الْمَسْجِدِ وَخَافَ الضَّيَاعَ بِطَمَعِ الظَّلَمَةِ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ يَعْنِي مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُبَاحُ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا يُبَاحُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَفِي قُنْيَةِ الْمُنْيَةِ مِنْ كُتُبِهِمْ لَوْ اشْتَرَى مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ شَمْعًا فِي رَمَضَانَ يَضْمَنُ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ ذَلِكَ الْوَقْفِ.
وَقَالَ السُّرُوجِيُّ فِي الْغَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُنْقَشَ الْمَسْجِدُ بِالْجَصِّ وَالسَّاجِ وَمَاءِ الذَّهَبِ وَكَذَا تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقِيلَ: هُوَ قُرْبَةٌ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ مِنْهُمْ مِنْ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ.
قَالَ الْأَزْرَقِيُّ: أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ تُبَّعٌ ثُمَّ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ كَسَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَكَانَ الْمَأْمُونُ يَكْسُوهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِالدِّيبَاجِ الْأَحْمَرِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْقَبَاطِيِّ أَوَّلَ رَجَبٍ وَالدِّيبَاجِ الْأَبْيَضِ فِي سَابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا تَذْهِيبُ الْكَعْبَةِ فَإِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعَثَ إلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَإِلَى مَكَّةَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَجَعَلَهَا عَلَى بَابِهَا وَالْمِيزَابِ وَالْأَسَاطِينِ وَالْأَرْكَانِ، وَذُكِرَ فِي الرِّعَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ عَنْ الزَّخْرَفَةِ، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكَعْبَةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَفِي الْمُغْنِي مِنْ كُتُبِهِمْ لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ وَلَا الْمَحَارِيبِ وَقَنَادِيلَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآنِيَةِ وَإِنَّ وَقْفَهَا عَلَى الْمَسْجِدِ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ وَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ فَتُكْسَرُ وَتُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ فَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآنِيَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ وَاقِفَهَا إنَّمَا خَرَجَ عَنْهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ وَقْفًا دَائِمًا وَلَهُ قَصْدٌ فِي ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ يَنْبَغِي رُجُوعُهَا إلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لَوْ وَقَفَ عَلَى تَجْصِيصِ الْمَسْجِدِ وَتَلْوِينِهِ وَنَقْشِهِ هَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمَ الْمَسْجِدِ وَإِعْزَازَ الدِّينِ، وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ تَزْيِينَ الْمَسَاجِدِ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَلْحَقَهُ بِتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. قُلْت: أَمَّا كَوْنُهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ وَأَمَّا كَوْنُهُ أَلْحَقَهُ بِتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَاَلَّذِي وَرَدَ «لَتُزَخْرِفُنَّهَا ثُمَّ لَا تَعْمُرُونَهَا إلَّا قَلِيلًا» فَالْمَذْمُومُ عَدَمُ الْعِمَارَةِ بِالْعِبَادَةِ أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَهُ
стр. 275
وَبَيْنَ الزَّخْرَفَةِ أَوْ الزَّخْرَفَةِ الْمُلْهِيَةِ عَنْ الصَّلَاةِ فَهِيَ الْمَكْرُوهَةُ أَمَّا التَّجْصِيصُ فَفِيهِ تَحْسِينٌ لِلْمَسَاجِدِ وَقَدْ فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ عُثْمَانُ ﵁ فَمَنْ بَعْدَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بِنَاءَ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ، وَتَحْسِينُهَا مِنْ بَابِ اخْتِيَارِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَهُوَ صِفَةُ الْقُرْبَةِ وَقَدْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ " فَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَلَا يُكْرَهُ مِنْهُ إلَّا مَا يُشْغِلُ خَوَاطِرَ الْمُصَلِّينَ فَلَا شَكَّ أَنْ يُكْرَهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ.
(فَصْلٌ) هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَنَنْتَقِلُ إلَى الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَنَقُولُ فِيهَا الْمَسْجِدُ وَالْحُجْرَةُ الْمُعَظَّمَةُ أَمَّا الْمَسْجِدُ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْمَسَاجِدِ فِي التَّحْلِيَةِ وَتَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِيهَا وَقُلْنَا: إنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا تُشَدُّ إلَيْهَا الرِّحَالُ وَمِنْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنْ كَانَتْ الرِّحَالُ تُشَدُّ إلَيْهِ وَمِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵁ بِلَا إشْكَالٍ.
وَقُلْنَا: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِأَوْلَوِيَّتِهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ مَكَّةَ أَيْضًا لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الْمَسْجِدُ الشَّرِيفُ مِنْ مُجَاوَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِذَلِكَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَمْنَعُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلْأَدَبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوبِ مُعَامَلَتِهِ الْآنَ كَمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ لَمَّا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَسْمَعُ الْوَتَدَ يُوتَدُ وَالْمِسْمَارَ يُضْرَبُ فِي الْبُيُوتِ الْمُطِيفَةِ بِهِ فَتَقُولُ: لَا تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَسْتَحِقُّ مِنْ التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَعِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَا دُونَ الْأَلْفِ، وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ. وَاخْتَلَفُوا إذَا وُسِّعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَلْ تَثْبُتُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ لَهُ أَوْ تَخْتَصُّ بِالْقَدْرِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَمِمَّنْ رَأَى الِاخْتِصَاصَ النَّوَوِيُّ ﵁ لِلْإِشَارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ «مَسْجِدِي هَذَا» وَرَأَى جَمَاعَةٌ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ وَأَنَّهُ لَوْ وُسِّعَ مَهْمَا وُسِّعَ فَهُوَ مَسْجِدُهُ كَمَا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ إذَا وُسِّعَ فَإِنَّ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ ثَابِتَةٌ لَهُ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ فِي حَيَاتِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَلَمْ يَزِدْ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَلَمْ يُغَيِّرْ صِفَةَ بِنَائِهِ، ثُمَّ زَادَ فِيهِ عُثْمَانُ
стр. 276
زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْفِصَّةِ وَهِيَ الْجِصُّ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ، ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوَلِيدُ فِي وِلَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمُبَاشَرَتِهِ وَعَمِلَ سَقْفَهُ بِالسَّاجِ وَمَاءِ الذَّهَبِ وَكَانَ الْوَلِيدُ أَرْسَلَ إلَى مَلِكِ الرُّومِ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْنِيَ مَسْجِدَ نَبِيِّنَا فَأَرْسَلَ إلَيْهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَرْبَعِينَ رُومِيًّا وَأَرْبَعِينَ قِبْطِيًّا عُمَّالًا وَشَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْعِمَارَةِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ لَهُ مِحْرَابًا وَشُرَفًا فِي سَنَةِ إحْدَى وَسَبْعِينَ ثُمَّ وَسَّعَهُ الْمَهْدِيُّ عَلَى مَا هُوَ الْيَوْمَ فِي الْمِقْدَارِ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِنَاؤُهُ.
(فَصْلٌ) أَمَّا الْحُجْرَةُ الشَّرِيفَةُ الْمُعَظَّمَةُ فَتَعْلِيقُ الْقَنَادِيلِ الذَّهَبَ فِيهَا أَمْرٌ مُعْتَادٌ مِنْ زَمَانٍ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا، وَاَلَّذِينَ ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي الْمَسَاجِدِ لَمْ يَذْكُرُوهَا وَلَا تَعَرَّضُوا لَهَا كَمَا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَمْ مِنْ عَالِمٍ وَصَالِحٍ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ قَدْ أَتَاهَا لِلزِّيَارَةِ وَلَمْ يَحْصُلُ مِنْ أَحَدٍ إنْكَارٌ لِلْقَنَادِيلِ الذَّهَبِ الَّتِي هُنَاكَ. فَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِالْجَوَازِ مَعَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَلَيْهِ مَعَ اسْتِقْرَاءِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ فَنَحْنُ نَقْطَعُ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَمَنْ مَنَعَ أَوْ رَامَ إثْبَاتَ خِلَافٍ فِيهِ فَلْيُثْبِتْهُ، وَالْمَسْجِدُ وَإِنْ فَضَّلْت الصَّلَاةَ فِيهِ فَالْحُجْرَةُ لَهَا فَضْلٌ آخَرُ مُخْتَصٌّ بِهَا يَزِيدُ شَرَفُهَا بِهِ فَحُكْمُ أَحَدِهِمَا غَيْرُ حُكْمِ الْآخَرِ، وَالْحُجْرَةُ الشَّرِيفَةُ هِيَ مَكَانُ الدَّفْنِ الشَّرِيفِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَمَا حَوْلَهُ، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وُسِّعَ وَأُدْخِلَتْ حُجَرُ نِسَائِهِ التِّسْعِ فِيهِ، وَحُجْرَةُ حَفْصَةَ هِيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ لِلسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ مُجَاوِرَةً لِحُجْرَةِ عَائِشَةَ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا ﷺ فِي بَيْتِهَا، وَتِلْكَ الْحُجَرُ كُلُّهَا دَخَلَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَّا مَا كَانَ غَيْرَ بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂ فَكَانَ لِلنِّسْوَةِ الثَّمَانِ بِهِ اخْتِصَاصٌ وَلَهُنَّ فِي تِلْكَ الْبُيُوتِ حَقُّ السُّكْنَى فِي حَيَاتِهِنَّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْبُيُوتَ التِّسْعَةَ كَانَتْ لِلنِّسَاءِ التِّسْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (بُيُوتِ النَّبِيِّ) وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا هَلْ تَكُونُ بَعْدَهُ صَدَقَةٌ وَيَكُونُ لَهُنَّ فِيهَا حَقُّ السَّكَنِ أَوْ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ؟
وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا لَهُنَّ بَعْدَهُ وَتَكُونُ قَدْ دَخَلَتْ بِالشِّرَاءِ وَالْوَقْفِ فِي الْمَسْجِدِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَاكِنِ؛ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَتَكُونُ قَدْ أُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمُهُ وَحُكْمُ صَدَقَتِهِ ﷺ جَارٍ عَلَيْهَا وَمِنْ جُمْلَةِ صَدَقَتِهِ انْتِفَاعُ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاةِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَدْفِنِ الشَّرِيفِ أَمَّا الْمَدْفِنُ الشَّرِيفُ
стр. 277
فَلَا يَشْمَلُهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ بَلْ هُوَ أَشْرَفُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَشْرَفُ مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَأَشْرَفُ مِنْ كُلِّ الْبِقَاعِ كَمَا حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي ضَمَّ أَعْضَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ أَفْضَلَ وَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ:
جَزَمَ الْجَمِيعُ بِأَنَّ خَيْرَ الْأَرْضِ مَا ... قَدْ أَحَاطَ ذَاتَ الْمُصْطَفَى وَحَوَاهَا
وَنَعَمْ لَقَدْ صَدَقُوا بِسَاكِنِهَا عَلَتْ ... كَالنَّفْسِ حِينَ زَكَتْ زَكَا مَأْوَاهَا
وَرَأَيْت جَمَاعَةً يَسْتَشْكِلُونَ نَقْلَ هَذَا الْإِجْمَاعِ.
وَقَالَ لِي قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسُ الدِّينِ السُّرُوجِيُّ الْحَنَفِيُّ: طَالَعْت فِي مَذْهَبِنَا خَمْسِينَ تَصْنِيفًا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا تَعَرُّضًا لِذَلِكَ وَقَالَ لِي ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَنَا وَلَكُمْ أَدِلَّةً فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَذَكَرْت أَنَا أَدِلَّةً أُخْرَى، وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي قَالَ: إنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ ذَكَرَهَا وَقَفْت عَلَيْهَا وَوَقَفْت عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَمَاكِنِ عَلَى بَعْضٍ وَقَالَ: إنَّ الْأَمَاكِنَ وَالْأَزْمَانَ كُلَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ وَيُفَضَّلَانِ بِمَا يَقَعُ فِيهِمَا لَا بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهِمَا وَيَرْجِعُ تَفْضِيلُهُمَا إلَى مَا يُنِيلُ اللَّهُ الْعِبَادَ فِيهِمَا مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَأَنَّ التَّفْضِيلَ الَّذِي فِيهِمَا أَنَّ اللَّهَ يَجُودُ عَلَى عِبَادِهِ بِتَفْضِيلِ أَجْرِ الْعَامِلِينَ فِيهِمَا فَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ ﵀.
وَأَنَا أَقُولُ: قَدْ يَكُونُ لِذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ لِأَمْرٍ آخَرَ فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ فَإِنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْمَلَائِكَةِ وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْمَحَبَّةِ لَهُ وَلِسَاكِنِهِ مَا تَقْصُرُ الْعُقُولُ عَنْ إدْرَاكِهِ وَلَيْسَ لِمَكَانِ غَيْرِهِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ الْأَمْكِنَةِ، وَلَيْسَ مَحَلَّ عَمَلٍ لَنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْجِدًا وَلَا لَهُ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ بَلْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهَذَا مَعْنًى غَيْرُ تَضْعِيفِ الْأَعْمَالِ فِيهِ وَقَدْ تَكُونُ الْأَعْمَالُ مُضَاعَفَةً فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيٌّ وَأَعْمَالَهُ فِيهِ مُضَاعَفَةٌ أَكْثَرُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَلَا يَخْتَصُّ التَّضْعِيفُ بِأَعْمَالِنَا نَحْنُ فَافْهَمْ هَذَا يَنْشَرِحْ صَدْرُك لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ تَفْضِيلِ مَا ضَمَّ أَعْضَاءَهُ ﷺ بِاعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا قِيلَ إنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُدْفَنُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ، وَالثَّانِي تَنَزُّلُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَاتِ عَلَيْهِ وَإِقْبَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْفَضْلَ لَيْسَ لِلْمَكَانِ لِذَاتِهِ لَكِنْ لِأَجْلِ مَنْ حَلَّ فِيهِ إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَهَذَا الْمَكَانُ لَهُ شَرَفٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ وَعَلَى الْكَعْبَةِ وَلَا يَلْزَمُ مَنْ مَنَعَ تَعْلِيقَ قَنَادِيلِ الذَّهَبِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْكَعْبَةِ الْمَنْعُ مِنْ تَعْلِيقِهَا هُنَا، وَلَمْ نَرَ أَحَدًا قَالَ بِالْمَنْعِ هُنَا، وَكَمَا أَنَّ الْعَرْشَ أَفْضَلُ الْأَمَاكِنِ الْعُلْوِيَّةِ وَحَوْلَهُ قَنَادِيلُ.
كَذَلِكَ هَذَا الْمَكَانُ أَفْضَلُ الْأَمَاكِنِ الْأَرْضِيَّةِ فَيُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَنَادِيلُ
стр. 278
وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِنْ أَشْرَفِ الْجَوَاهِرِ كَمَا أَنَّ مَكَانَهَا أَشْرَفُ الْأَمَاكِنِ فَقَلِيلٌ فِي حَقِّهَا الذَّهَبُ وَالْيَاقُوتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ مَوْجُودًا هُنَا فَزَالَتْ شُبْهَةُ الْمَنْعِ، وَالْقِنْدِيلُ الذَّهَبُ مِلْكٌ لِصَاحِبِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ فَإِنْ وَقَفَهُ هُنَاكَ إكْرَامًا لِذَلِكَ الْمَكَانِ وَتَعْظِيمًا صَحَّ وَقْفُهُ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَقِفْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى إهْدَائِهِ صَحَّ أَيْضًا، وَخَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِقَبْضِ مَنْ صَحَّ قَبْضُهُ لِذَلِكَ وَصَارَ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ الْمَكَانِ كَمَا يَصِيرُ الْمُهْدَى لِلْكَعْبَةِ مُسْتَحِقًّا لَهَا وَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ لِهَذَا الْمَكَانِ كَالْمَنْذُورِ لِلْكَعْبَةِ؛ وَقَدْ يُزَادُ هُنَا فَيُقَالُ: إنَّهُ مُسْتَحَقُّ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ بِمَوْتِهِ عَمَّا كَانَ فِي مِلْكِهِ وَجَعْلِهِ صَدَقَةً بَعْدَهُ أَمَّا هَذَا النَّوْعُ فَلَا يُمْتَنَعُ مِلْكُهُ لَهُ وَهُوَ الَّذِي فِي أَذْهَانِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذَا لِلنَّبِيِّ ﷺ هَذَا إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ وَقْفًا، وَإِنْ جَعَلَهُ وَقْفًا فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إمَّا نَفْسُ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ كَالْكَعْبَةِ وَإِمَّا النَّبِيُّ ﷺ نَفْسُهُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: الْوَقْفُ حَيْثُ صَحَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ وَمَنْفَعَةُ تَزْيِينُ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِهِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّرْعِ وَتَذْهَبُ مَنْفَعَةُ ذَلِكَ الذَّهَبِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ يَصِيرُ إلَيْهَا وَإِذَا قَامَتْ الْقِيَامَةُ زَالَتْ الزِّينَةُ؟ فَنَقُولُ: مَنْفَعَتُهُ فِي الدُّنْيَا الزِّينَةُ وَالتَّعْظِيمُ لِمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَقَاءِ ذِكْرِ الْمُهْدِي لَهُ فَيُذْكَرُ بِهِ وَذَلِكَ مَقْصُودٌ ﴿لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] وَإِذَا قَامَتْ الْقِيَامَةُ تَحَدَّثُوا بِهِ وَرُبَّمَا يَجِيءُ ذَلِكَ الذَّهَبُ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا فِيهِمَا وَهُوَ يُحَلِّي أَهْلَ الْجَنَّتَيْنِ بِمَاءِ الذَّهَبِ وَالْجَنَّتَيْنِ بِالْفِضَّةِ فَرُبَّمَا يَأْتِي بِذَلِكَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِعَيْنِهِمَا فَيُحَلِّي بِهِمَا صَاحِبَهُمَا جَزَاءً لَهُ أَوْ أَحَدًا مِنْ حَشَمِهِ وَمَنْ عِنْدَهُ فَيُسَرُّ بِذَلِكَ أَوْ يُسَرُّ بِمُشَاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي تِلْكَ الدَّارِ، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: إنَّهُ مَلَكَ الْحُجْرَةَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ أَيْضًا كَمَا لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الْكَعْبَةِ وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْمَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ مِلْكِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ لَهَا إمَّا مُكَلَّفٌ وَإِمَّا يَنْتَهِي لِلتَّكْلِيفِ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ.
وَأَمَّا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ سَحْنُونٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُزَكِّيهِ كُلَّ عَامٍ كَالْعَيْنِ الْمُحْبَسَةِ فَعَجِيبٌ.
(فَصْلٌ) مِمَّنْ صَنَّفَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَبُو الْحُسَيْنِ يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ فَقَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى الْفَرْوِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِجْمَرَةٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهَا تَمَاثِيلُ مِنْ
стр. 279
الشَّامِ فَدَفَعَهَا إلَى سَعْدٍ جَدِّ الْمُؤَذِّنِينَ فَقَالَ: اُجْمُرْ بِهَا فِي الْجُمُعَةِ وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ: فَكَانَ سَعْدٌ يُجَمِّرُ بِهَا فِي الْجُمُعَةِ وَكَانَتْ تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حَتَّى قَدِمَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمَدِينَةَ وَالِيًا سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ فَأَمَرَ بِهَا فَغُيِّرَتْ وَجُعِلَتْ صَلَاحًا وَهِيَ الْيَوْمَ بِيَدِ مَوْلًى لِلْمُؤَذِّنِينَ قَالَ أَبُو غَسَّانَ: هُمْ دَفَعُوهَا إلَيْهِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدِ الْقَرَظِ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدِ الْقَرَظِ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ أَيْضًا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ فَلَوْ سَلِمَ مِمَّنْ دُونَهُ كَانَ جَيِّدًا، وَالْمِجْمَرَةُ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّهَا إذَا احْتَوَى عَلَيْهَا حَرَامٌ.
وَيَقْتَضِي اشْتِرَاطُهُمْ الِاحْتِوَاءَ أَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ غَيْرُ حَرَامٍ لَكِنَّ الْعُرْفَ دَلَّ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ احْتَمَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْمَسْجِدِ تَعْظِيمًا لَهُ فَتَكُونُ الْقَنَادِيلُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى إذْ لَا اسْتِعْمَالَ فِيهَا.
(فَصْلٌ) إذَا كَانَتْ الْقَنَادِيلُ فِي الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُعَظَّمَةِ فَلَا حَقَّ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ كَمَا لَا حَقَّ لَهُمْ فِي مَالِ الْكَعْبَةِ وَكَذَا لَا حَقَّ فِيهَا لِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ عِمَارَةِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَرَمِهِ الْخَارِجِ عَنْ الْحُجْرَةِ كَمَا لَا حَقَّ فِيهَا لِلْفُقَرَاءِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْحُجْرَةِ وَالْمَسْجِدِ فَلَا يَكُونُ الَّذِي لِأَحَدِهِمَا مُسْتَحِقًّا لِلْآخَرِ وَلَا لَهُ حَقٌّ فِيهِ، وَأَمَّا الْحُجْرَةُ بِعَيْنِهَا لَوْ فُرِضَ احْتِيَاجُهَا إلَى عِمَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ مِنْ الْقَنَادِيلِ فِيهَا؟
الَّذِي يَظْهَرُ الْمَنْعُ، وَلَيْسَتْ الْقَنَادِيلُ كَالْمَالِ الْمَصْكُوكِ الْمُعَدِّ لِلصَّرْفِ الَّذِي فِي الْكَعْبَةِ لِأَنَّ ذَاكَ إنَّمَا أُعِدَّ لِلصَّرْفِ وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ فَمَا أُعِدَّتْ لِلصَّرْفِ وَإِنَّمَا أُعِدَّتْ لِلْبَقَاءِ وَلَيْسَ قَصْدُ صَاحِبُهَا الَّذِي أَتَى بِهَا إلَّا ذَلِكَ سَوَاءٌ أَوْقَفَهَا أَمْ اقْتَصَرَ عَلَى إهْدَائِهَا فَتَبْقَى مُسْتَحِقَّةً لِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الْخَاصَّةِ وَهِيَ كَوْنُهَا مُعَلَّقَةً يُتَزَيَّنُ بِهَا، وَالْعِمَارَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَيْهَا الْحُجْرَةُ أَوْ الْحَرَمُ إنْ كَانَ هُنَاكَ أَوْقَافٌ تُعَمَّرُ مِنْهَا وَإِلَّا فَيَقُومُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ طَيِّبَةً قُلُوبُهُمْ فَالنَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَاَلَّذِي قَالَتْهُ الْحَنَابِلَةُ: إنَّهُ إذَا بَطَلَ وَقْفُهَا يُصْرَفُ إلَى مَصَالِحِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ قَطْعًا، وَاَلَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لِلْمَسْجِدِ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ لَا يَأْتِي هُنَا لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا لَا يَقْصِدُ وَاهِبُهُ جِهَةً مُعَيَّنَةً أَمَّا لَوْ قَصَدَ جِهَةً مُعَيَّنَةً فَيَتَعَيَّنُ كَمَا قَالُوا فِي الْإِهْدَاءِ لِرِتَاجِ الْكَعْبَةِ أَوْ لِتَطْيِيبِهَا إنَّهُ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا إذَا وَهَبَ لِرَجُلٍ دِرْهَمًا لِيَصْرِفَهُ فِي شَيْءٍ عَيَّنَهُ حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ خِلَافٌ لِأَنَّ ذَاكَ فِي الْهِبَةِ لِخُصُوصِ عَقْدِهَا وَكَوْنِهَا لِمُعَيِّنٍ آدَمِيٍّ يَقْضِي ذَلِكَ، وَهُنَا الْإِهْدَاءُ لِمَا يَقْصِدُ مِنْ الْجِهَاتِ فَأَيُّ جِهَةٍ قَصَدَهَا تَعَيَّنَتْ وَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا.
стр. 280
فَصْلٌ) بَعْدَ تَعْلِيقِ هَذِهِ الْقَنَادِيلِ فِي الْحُجْرَةِ وَصَيْرُورَتِهَا لَهَا بِوَقْفٍ أَوْ مِلْكٍ بِإِهْدَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ هِبَةٍ لَا يَجُوزُ إزَالَتُهَا لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُهَا فِي الْأَوَّلِ وَاجِبًا وَلَا قُرْبَةً صَارَتْ شِعَارًا وَيَحْصُلُ بِسَبَبِ إزَالَتِهَا تَنْقِيصٌ فَيَجِبُ إدَامَتُهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ اسْتِدَامَتُهَا وَاجِبَةٌ وَابْتِدَاؤُهَا غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ وَقْفٌ وَلَا تَمْلِيكٌ وَلَكِنْ أَحْضَرَهَا صَاحِبُهَا وَعَلَّقَهَا هُنَاكَ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ بِقَصْدِ تَعْظِيمِ الْمَكَانِ وَانْتِسَابِهِ إلَيْهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُزِيلَهَا مَا أَمْكَنَهُ عَدَمُ إزَالَتِهَا لِأَنَّ الشِّعَارَ الْحَاصِلَ بِهَا وَالنَّقْصَ الْحَاصِلَ بِزَوَالِهَا مَوْجُودٌ هُنَاكَ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الَّتِي خَرَجَ عَنْهَا فَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ تَغْيِيرِهَا أَوْ تَغْيِيرِ عَقْدِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] هَذَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ فِي الظَّاهِرِ مِنْهَا إذَا عُلِمَ مِنْهُ بِأَنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي يَدِهِ أَوْ أُشْهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عِنْدَ تَسْلِيمِهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ وَأَحْضَرَهَا لِنَاظِرِ الْمَكَانِ أَوْ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ وَتَسَلَّمَهَا مِنْهُ كَمَا عَادَةُ النُّذُورِ وَالْهَدَايَا ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُهَا زَاعِمًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ عَنْهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ مَا اقْتَضَاهُ فِعْلُهُ وَقَرَائِنُهُ مِنْ الْإِهْدَاءِ كَمَا لَوْ أَهْدَى هَدِيَّةً وَأَقْبَضَهَا ثُمَّ جَاءَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ التَّمْلِيكَ فَإِنَّ الْفِعْلَ الظَّاهِرَ الدَّالَّ عَادَةً وَعُرْفًا مَعَ الْقَرَائِنِ كَاللَّفْظِ الصَّرِيحِ.
(فَصْلٌ) سَبَبُ كَلَامِي فِي ذَلِكَ أَنَّنِي سَأَلْت عَنْ بَيْعِ الْقَنَادِيلِ الذَّهَبِ الَّتِي بِالْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُعَظَّمَةِ وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَصَدَ بَيْعَهَا لِعِمَارَةِ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ عَلَى سَاكِنِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَالرَّحْمَةِ فَأَنْكَرْتُهُ وَاسْتَقْبَحْتُهُ: أَمَّا إنْكَارُهُ فَمِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَنَادِيلَ وَإِنْ كَانَتْ وَقْفًا صَحِيحًا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهَا، وَمَنْ يَقُولُ مِنْ الْحَنَابِلَةِ بِبَيْعِ الْأَوْقَافِ عِنْدَ خَرَابِهَا أَوْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي الِاسْتِبْدَالِ إنَّمَا يَقُولُ بِذَلِكَ إذَا كَانَ يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُ الْوَاقِفِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
وَأَمَّا هُنَا فَقَصْدُ الْوَاقِفِ إبْقَاؤُهَا لِمَنْفَعَةٍ خَاصَّةٍ وَهِيَ التَّزْيِينُ فَبَيْعُهَا لِلْعِمَارَةِ مُفَوِّتٌ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا لِلْحُجْرَةِ كَالْمِلْكِ لِلْمَسْجِدِ فَكَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ قَصْدَ الْآتِي بِهَا ادِّخَارُهَا لِهَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِنْ جَهِلَ حَالَهَا فَيُحْمَلُ عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ فَيَمْتَنِعُ الْبَيْعُ أَيْضًا، وَإِنْ عُرِفَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ فَأَمْرُهَا لَهُ وَلَيْسَ لَنَا تَصَرُّفٌ فِيهَا، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهَا مِلْكٌ لِمَنْ لَا تُرْجَى مَعْرِفَتُهُ فَيَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَمَعَاذَ اللَّهِ لَيْسَ ذَلِكَ وَاقِعًا وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِضَرُورَةِ التَّقْسِيمِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُتَسَلَّطُ عَلَى بَيْعِهَا لِلْعِمَارَةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْفِقْهِ وَجْهٌ مِنْ الْوُجُوهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ هَذِهِ مِمَّا يَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ فَفِي هَذِهِ الْمُدَدِ قَدْ مَلَكَ
стр. 281
الْفُقَرَاءُ فِي كُلِّ سَنَةٍ رُبُعَ الْعُشْرِ فَيَكُونُ قَدْ اسْتَغْرَقَتْ الزَّكَاةُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فَيَجِبُ صَرْفُهَا إلَيْهِمْ وَلَا تُبَاعُ. فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا مَسَاغَ لِلْبَيْعِ، وَهَذَا هُوَ وَجْهُ إنْكَارِي إيَّاهَا.
وَأَمَّا الِاسْتِقْبَاحُ فَلِمَا يَبْلُغُ الْمُلُوكَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ أَنَّا بِعْنَا قَنَادِيلَ نَبِيِّنَا لِعِمَارَةِ حَرَمِهِ وَنَحْنُ نَفْدِيهِ بِأَنْفُسِنَا فَضْلًا عَنْ أَمْوَالِنَا. وَمَا بَرِحَتْ الْمُلُوكُ يَعْمُرُونَ هَذَا الْحَرَمَ الشَّرِيفَ وَيَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عِمَارَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَهُ ثُمَّ الْمَهْدِيِّ ثُمَّ الْمُتَوَكِّلِ، وَأَزَّرَ الْحُجْرَةَ بِالرُّخَامِ ثُمَّ جَدَّدَ التَّأْزِيرَ وَزِيرُ ابْنِ زَنْكِيٍّ فِي خِلَافَةِ الْمُقْتَفِي وَعَمِلَ لَهَا شُبَّاكًا مِنْ خَشَبِ الصَّنْدَلِ وَالْأَبَنُوسِ وَكَانَتْ السَّتَائِرُ الْحَرِيرُ تَأْتِي إلَيْهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ، وَفِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلَّ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَقَعَتْ نَارٌ فِي الْمَدِينَةِ فَاحْتَرَقَ الْمِنْبَرُ وَبَعْضُ الْمَسْجِدِ وَبَعْضُ سَقْفِ الْحُجْرَةِ فَكَتَبُوا إلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ فَأَرْسَلَ بِصُنَّاعٍ وَآلَاتٍ مِنْ بَغْدَادَ وَابْتَدَأَ بِعِمَارَتِهِ أَوَّلَ سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَلَمْ يَجْسُرُوا عَلَى إزَالَةِ مَا وَقَعَ مِنْ السُّقُوفِ عَلَى الْقُبُورِ حَتَّى يُطَالِعُوا الْمُسْتَعْصِمَ.
وَاشْتَغَلَ الْمُسْتَعْصِمُ بِالتَّتَارِ فَسَقَفُوا الْحُجْرَةَ؛ وَوَصَلَ مِنْ مِصْرَ آلَاتُ الْعِمَارَةِ فِي دَوْلَةِ الْمَنْصُورِ عَلِيِّ بْنِ الْمُعِزِّ أَيْبَكَ، وَوَصَلَ مِنْ الْيَمَنِ مِنْ مَلِكِهَا شَمْسِ الدِّينِ الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ الْمَنْصُورِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَسُولٍ آلَاتٌ وَأَخْشَابٌ، وَتَسَلْطَنَ بِمِصْرَ الْمُظَفَّرُ قُطُزُ وَاسْمُهُ الْحَقِيقِيُّ مَحْمُودُ بْنُ مَمْدُودٍ ابْنُ أُخْتِ جَلَالِ الدِّينِ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَأَبُوهُ ابْنُ عَمِّهِ وَقَعَ عَلَيْهِ السَّبْيُ فَبِيعَ بِدِمَشْقَ وَسُمِّيَ قُطُزَ، وَاشْتَغَلَ بِالتَّتَارِ حَتَّى كَسَرَهُمْ فِي عَيْنِ جَالُوتَ وَمَاتَ فِي دُونِ السَّنَةِ، وَتَسَلْطَنَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ، وَكَانَ صَاحِبُ الْيَمَنِ أَرْسَلَ مِنْبَرًا مِنْ صَنْدَلٍ فَقَلَعَهُ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ وَأَرْسَلَ مِنْبَرًا مِنْ جِهَتِهِ وَكَمَّلَ عِمَارَتَهُ.
وَالْمُلُوكُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ افْتِخَارًا بِهِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ:
نَفْسُ النَّبِيِّ لَدَيَّ أَعْلَى الْأَنْفُسِ ... فَاتَّبِعْهُ فِي كُلِّ النَّوَائِبِ وَائْتَسِ
وَاتْرُكْ حُظُوظَ النَّفْسِ عَنْك وَقُلْ لَهَا ... لَا تَرْغَبِي عَنْ نَفْسِ هَذَا الْأَنْفُسِ
فَرُدِّي الرَّدَى وَاحْمِيهِ كُلَّ مُلِمَّةٍ ... فَلَقَدْ سَعِدْت إذَا خُصِّصَتْ بِأَبْؤُسِ
إنْ تُقْتَلِي يُصْعَدُ بِرُوحِك فِي الْعُلَى ... بِيَدِ الْكِرَامِ عَلَى ثِيَابِ السُّنْدُسِ
وَتَرَيْنَ مَا تَرْضَيْنَ مِنْ كُلِّ الْمُنَى ... فِي مَقْعَدٍ عِنْدَ الْمَلِيكِ مُقَدَّسِ
أَوْ تَرْجِعِي بِغَنِيمَةٍ تَحْظِي بِهَا ... وَبِذُخْرِ أَجْرٍ تَرْتَجِيهِ وَتَرْأَسِي
مَا أَنْتِ حَتَّى لَا تَكُونِي فِدْيَةً ... لِمُحَمَّدٍ فِي كُلِّ هَوْلٍ مُلْبِسِ
مَا فِي حَيَاتِك بَعْدَهُ خَيْرٌ وَلَا ... إنْ مَاتَ تَخْلُفُهُ جَمِيعُ الْأَنْفُسِ
فَمُحَمَّدٌ بِحَيَاتِهِ يُهْدَى الْأَنَا ... مُ وَتَنْمَحِي سُدَفُ الظَّلَامِ الْحِنْدِسِ
وَيَقُومُ دِينُ اللَّهِ أَبْيَضَ طَاهِرًا ... فِي غَيْظِ إبْلِيسَ اللَّعِينِ الْأَنْحَسِ
стр. 282
أَعْظِمْ بِنَفْسِ مُحَمَّدٍ أَنْ تَقْتَدِي ... أَهْوِنِ بِنَفْسِك يَا أَخِي وَاخْسُسْ
نَظَمْت هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فِي كَلَامِ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] وَالْآنَ زِدْت فِيهَا لِهَذَا الْمَعْنَى الْعَارِضِ:
وَلِقَبْرِهِ أَغْلَى الْبِقَاعِ وَخَيْرِهَا ... ذَاكَ عَلَى التَّقْوَى أَجَلُّ مُؤَسِّسِ
فَبِطَيْبَةَ طَابَ الثَّرَى وَنُزِيلُهَا ... أَزْكَى قُرًى فِي كُلِّ وَادٍ أَقْدَسِ
أَفْدِي عِمَارَتَهَا وَمَسْجِدَهَا بِمَا ... أَحْوِي وَبِي كُلُّ الْبَرِيَّةِ تَأْتَسِي
إنِّي يَهُونُ عَلَيَّ بَيْعُ حُشَاشَتِي ... فِي ذَاكَ بِالثَّمَنِ الْأَقَلِّ الْأَبْخَسِ
لَوْ جَازَ بَيْعُ النَّفْسِ بِعْت وَكَانَ لِي ... فَخْرٌ بِذَاكَ الرِّقِّ أَشْرَفَ مَلْبَسِ
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ كُلَّ دَقِيقَةٍ ... عَدَدَ الْخَلَائِقِ نَاطِقٍ أَوْ أَخْرَسِ.
(فَصْلٌ) الْكَعْبَةُ وَالْحُجْرَةُ الشَّرِيفَةُ قَدْ عُلِمَ حَالُهُمَا الْأَوَّلُ بِالنَّصِّ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ؛ وَالثَّانِيَةُ بِالْإِلْحَاقِ بِهِ وَبِالْقَطْعِ بِعَظَمَتِهِمَا، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ غَيْرِهِمَا أَمَاكِنُ يُنْذَرُ لَهُمَا وَيُهْدَى إلَيْهَا وَقَدْ يُسْأَلُ عَنْ حُكْمِهَا وَيَقَعُ النَّظَرُ فِي أَنَّهَا هَلْ تَلْحَقُ بِهَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَرْتَبَتَهُمَا أَوْ لَا؟
وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ عَنْ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكَذَا عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ عَيَّنَهُ يَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا يُنْذَرُ بَعْثُهُ إلَى الْقَبْرِ الْمَعْرُوفِ بِجُرْجَانَ فَإِنَّ مَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ عَلَى مَا يُحْكَى يُقْسَمُ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعْلُومِينَ؛ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَى ذَلِكَ فَنَزَلَ النَّذْرُ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ عُرِفَ حُمِلَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرِفَ فَيَظْهَرُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ خِلَافُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ النَّذْرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّرْعُ بِخِلَافِ الْكَعْبَةِ وَالْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ.
وَالثَّانِي يَصِحُّ إذَا كَانَ مَشْهُورًا بِالْخَيْرِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ فِي مَصَالِحِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ وَلَا يَتَعَدَّاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي بُطْلَانُ النَّذْرِ لِمَا سِوَى الْكَعْبَةِ وَالْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ وَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِعَدَمِ شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا وَإِنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَالِهِ عَنْ شَيْءٍ لَهَا وَاقْتَضَى الْعُرْفُ صَرْفَهُ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهَا صُرِفَ إلَيْهَا وَاخْتَصَّتْ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ]
أَمَّا الرُّعَاةُ وَأَهْلُ السِّقَايَةِ فَلَهُمْ إذَا رَمَوْا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْفِرُوا وَيَدَعُوا الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ وَيَدَعُوا رَمْيَ يَوْمٍ وَيَقْضُوهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيه، وَهَلْ هُوَ قَضَاءٌ أَوْ أَدَاءٌ؟ سَيَأْتِي. وَهَذَا التَّأْخِيرُ مَقْطُوعٌ بِجَوَازِهِ لِلْعُذْرِ سَوَاءٌ قُلْنَا فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ يَتَدَارَكُ أَوْ لَا.
وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْيَوْمَ
стр. 283
الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَتْرُكُوا الثَّانِيَ وَيَنْفِرُوا فِي الثَّالِثِ فَيَرْمُوا الْيَوْمَيْنِ ثُمَّ لَهُمْ أَنْ يَنْفِرُوا فِيهِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَوْ لَمْ يَنْفِرُوا بَلْ رَجَعُوا إلَى الرَّعْيِ نَاوِينَ النَّفْرَ وَأَقَامُوا بِمِنًى رَمَوْا النَّفْرَ الْآخَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْمُوا أَرَاقُوا دَمًا.
وَإِنْ شَاءَ الرُّعَاةُ أَنْ يَرْعُوا نَهَارًا وَيَرْمُوا لَيْلًا جَازَ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ؛ وَهَلْ لَهُمْ تَرْكُ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ بِأَنْ يَنْفِرُوا يَوْمَ النَّحْرِ وَيَرْمُوا فِي الثَّالِثِ عَنْ الثَّلَاثَةِ؟ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ ابْنُ دَاوُد فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ بِالْجَوَازِ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الرِّعَاءِ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا سَيَأْتِي فَإِنَّ الرُّخْصَةَ لَهُمْ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي يَوْمٍ؛ وَالْبَغَوِيُّ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ تَرْكِ يَوْمَيْنِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ قَضَاءٌ، وَأَمَّا الرَّافِعِيُّ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِمْ، وَيَكُونُ الصَّحِيحُ عَلَى مُقْتَضَى تَصْحِيحِهِ الْجَوَازَ.
وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَالرِّعَاءُ بِمِنًى لَمْ يَجُزْ لَهُمْ النَّفْرُ بِخِلَافِ السُّقَاةِ. هَذَا حُكْمُ الْمَعْذُورِ وَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْذُورِ فَالْمَبِيتُ فِي حَقِّهِمْ يَتَعَيَّنُ وَلَهُمْ النَّفْرُ الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ يَتْرُكُوا الْمَبِيتَ لَيْلَتَيْ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَرَمَوْا فِي الثَّانِي وَأَرَادُوا النَّفْرَ لَمْ يُمَكَّنُوا لِأَنَّهُمْ لَا عُذْرَ لَهُمْ وَلَا أَتَوْا بِمُعْظَمِ الرَّمْيِ فَيُمَكَّنُوا حَتَّى يَرْمُوا الثَّالِثَ وَلَوْ بَاتُوا اللَّيَالِيَ كُلَّهَا وَلَكِنْ أَخَّرُوا رَمْيَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنْ خَرَجَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَاتَ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا رَمَى مَتَى ذَكَرَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نُصَّ عَلَيْهِ وَنُصَّ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ إنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ فِي يَوْمِهَا فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَرْمِ أَرَاقَ دَمًا وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ أَنَّ آخِرَهَا آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا تَفُوتُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ فَوْتًا يَجِبُ بِهِ دَمٌ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَصْحَابُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَدَارَكُ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ إذَا سَوَّى كَانَ التَّأْخِيرُ عَمْدًا أَمْ سَهْوًا، هَذَا فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. أَمَّا رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَقِيلَ: لَا يُتَدَارَكُ قَطْعًا فَعَلَى هَذَا يَنْقَضِي بِغُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ النَّحْرِ وَقِيلَ: يَمْتَدُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
فَإِنْ قُلْنَا قَضَاءً فَالتَّوْزِيعُ عَلَى الْأَيَّامِ مُسْتَحِقٌّ، وَإِنْ قُلْنَا أَدَاءً فَمُسْتَحَبٌّ صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَشَرَحَهُ الرَّافِعِيُّ بِمَعْنَى أَنَّ حُكْمَهُ أَيَّامَ مِنًى فِي حُكْمِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ وَكُلَّ يَوْمٍ لِلْوَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ كَأَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِ لِلصَّلَوَاتِ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ رَمْيُ الْيَوْمَيْنِ إلَى الثَّالِثِ بِعُذْرٍ وَغَيْرِ عُذْرٍ.
وَيُوَافِقُهُ اسْتِدْلَالُ الْمَاوَرْدِيِّ كَذَلِكَ بِالْأَضَاحِيِّ وَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ دَاوُد فِي الرِّعَاءِ. وَصَرَّحَ الْفُورَانِيُّ فِي غَيْرِهِمْ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ يَوْمٍ لِعُذْرٍ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ مُسْتَنَدٌ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ. وَإِذَا قُلْنَا: بِأَنَّ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ يُتَدَارَكُ أَدَاءً وَهُوَ الصَّحِيحُ كَغَيْرِهِ فَهَلْ يَجُوزُ أَيْضًا؟ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ يَوْمٍ إلَى يَوْمٍ يُجَوِّزُهُ الْفُورَانِيُّ عَلَى قَوْلِ الْأَدَاءِ وَنَقَلَهُ
стр. 284
الْإِمَامُ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَمَالَ الرَّافِعِيُّ إلَيْهِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ وَالْبُوَيْطِيِّ فَلْيَكُنْ هُوَ الصَّحِيحَ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ يَوْمَيْنِ فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ لَيْسَ وَقْتًا لِجَمِيعِهَا إجْمَاعًا. وَهَلْ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي رَمْيُ مَا فَاتَهُ فِي الْأَوَّلِ قَبْلَ الزَّوَالِ؟ إذَا قُلْنَا بِالْأَدَاءِ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَضَاءِ فَأَوْلَى، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّمْيِ الْمَتْرُوكِ وَبَيْنَ رَمْيِ التَّدَارُكِ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ؛ وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَدَاءِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ فَفِي الرِّعَاءِ وَالسُّقَاةِ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِمْ وَجْهَانِ وَالْخِلَافُ فِي وُجُوبِ التَّشْرِيقِ أَطْلَقَهُ وَلَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَمَّا رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَهُ فِي أَيَّامٍ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَجْزَأَ عَنْهُ رَمْيُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا بِذَلِكَ فَلَوْ رَمَى الْجَمَرَاتِ كُلَّهَا عَنْ الْيَوْمِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَهَا أَمْرًا أَجْزَأَ إنْ لَمْ يُوجَبْ التَّرْتِيبُ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ الْإِجْزَاءُ أَيْضًا وَيَقَعُ عَنْ الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ أَصْلًا.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ قَالَ: فِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَضَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الرَّمْيِ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي إلَّا بِعُذْرٍ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِعُذْرٍ إلَّا أَنَّ الْقَضَاءَ يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ بَقِيَّةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالثَّانِي أَدَاءٌ لِأَنَّ الْوُقُوفَ لَا يَقْضِي وَالرَّمْيَ تَابِعٌ لَهُ وَكَانَ مُلْحَقًا بِهِ وَلَكِنْ تُجْعَلُ الْأَيَّامُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ؛ وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ إذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ يُصَلِّي مِنْ الْغَدِ الْعِيدَ وَهَلْ هُوَ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ؟ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ تَعْلِيلِ قَوْلِ الْقُضَاةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الْفُورَانِيُّ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْمَنَاسِكِ]
(مَسْأَلَةٌ فِي الْمَنَاسِكِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ. هَذَا مُخْتَصَرٌ فِي الْمَنَاسِكِ: إذَا بَلَغَ الْمِيقَاتَ وَأَرَادَ الرَّحِيلَ مِنْهُ اغْتَسَلَ وَتَنَظَّفَ وَتَطَيَّبَ وَتَجَرَّدَ عَنْ الْمَخِيطِ وَلَبِسَ إزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ ثُمَّ يُحْرِمُ حِينَ يَسِيرُ.
يَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: نَوَيْت الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَأَحْرَمْت بِهِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك، وَيُكْثِرُ فِي طَرِيقِهِ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَسْتُرُ رَأْسَهُ بِشَيْءٍ يُعَدُّ سَاتِرًا وَلَا يَرْتَدِي بِشَيْءٍ يُحِيطُ بِهِ أَوْ بِعُضْوٍ مِنْهُ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ جَازَ سِتْرُ مَا سِوَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَلَا يَمَسُّ
стр. 285
الْمُحْرِمُ طِيبًا وَلَا مَا فِيهِ طِيبٌ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ بِبَدَنِهِ وَلَا بِثِيَابِهِ وَلَا يَشُمُّ مَشْمُومًا كَالْوَرْدِ وَنَحْوِهِ وَيَحْرُمُ دَهْنُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَإِزَالَةُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَنِكَاحٌ وَجِمَاعٌ وَصَيْدُ بَرِّيٍّ وَإِعَانَةٌ عَلَيْهِ وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ وَدَوْسُ الْجَرَادِ.
فَإِذَا بَلَغَ الْحَرَمَ قَالَ: هَذَا حَرَمُك وَأَمْنُك فَحَرِّمْنِي عَلَى النَّارِ. فَإِذَا وَصَلَ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ اغْتَسَلَ قَبْلَ دُخُولِهَا وَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْمُعَلَّى فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْتِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُسَمِّي اللَّهَ وَيَدْعُو وَيَقْصِدُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَيَتَسَلَّمُهُ وَيُقَبِّلُهُ بِغَيْرِ صَوْتٍ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشَارَ إلَيْهِ وَيَجْعَلُ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَيَطْرَحُ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَيَجْعَلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يَطُوفُ وَالْبَيْتُ عَلَى يَسَارِهِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ طَاهِرًا مُتَوَضِّئًا مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ خَارِجًا عَنْ الشَّاذَرْوَانِ وَالْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَوَقْتَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ لَا يَمْشِي فِي طَوَافِهِ بَلْ يَرْجِعُ إلَى مَوْضِعِهِ وَيَطُوفُ حَتَّى يَكُونَ بَدَنُهُ خَارِجًا عَنْ هَوَاءِ الْبَيْتِ، وَيُسْرِعُ الْمَشْيَ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى فِي الثَّلَاثَةِ الْأُولَى دُونَ الْأَرْبَعَةِ وَيُكْثِرُ فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ حَيْثُ شَاءَ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَصْعَدُ عَلَى الصَّفَا حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ فَيُكَبِّرُ وَيُحَمِّدُ وَيُهَلِّلُ وَيَدْعُو؛ ثُمَّ يَنْزِلُ وَيَمْشِي حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ قَدْرُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ ثُمَّ يَسْعَى شَدِيدًا حَتَّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ ثُمَّ يَمْشِيَ عَلَى عَادَتِهِ إلَى الْمَرْوَةِ فَيَصْعَدُ عَلَيْهَا وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيَدْعُو ثُمَّ يَرْجِعُ كَذَلِكَ إلَى الصَّفَا ثُمَّ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعًا أَرْبَعٌ مِنْهَا مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ وَثَلَاثٌ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا يَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ وَلَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ الْمَسَافَةِ الَّتِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بَلْ يَصْعَدُ عَلَى دَرَجِ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يَخْرُجُ يَوْمَ الثَّامِنِ إلَى مِنًى فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ عَلَيْهِ سَارَ وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى نَمِرَةَ فَيَنْزِلُ بِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَيَغْتَسِلُ بِهَا لِلْوُقُوفِ وَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مَجْمُوعَتَيْنِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ فِي مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يُعَجِّلُ بِالْمَسِيرِ إلَى عَرَفَاتٍ لِلْوُقُوفِ وَأَيَّ مَوْضِعٍ وَقَفَ مِنْهَا جَازَ وَأَفْضَلُهَا مَوْقِفُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمُفْتَرَشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَيَجْتَهِدُ فِي الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ
следующие страницы →