Полный текст (1 159 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الْفُقَرَاءُ فِي كُلِّ سَنَةٍ رُبُعَ الْعُشْرِ فَيَكُونُ قَدْ اسْتَغْرَقَتْ الزَّكَاةُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فَيَجِبُ صَرْفُهَا إلَيْهِمْ وَلَا تُبَاعُ. فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا مَسَاغَ لِلْبَيْعِ، وَهَذَا هُوَ وَجْهُ إنْكَارِي إيَّاهَا.
وَأَمَّا الِاسْتِقْبَاحُ فَلِمَا يَبْلُغُ الْمُلُوكَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ أَنَّا بِعْنَا قَنَادِيلَ نَبِيِّنَا لِعِمَارَةِ حَرَمِهِ وَنَحْنُ نَفْدِيهِ بِأَنْفُسِنَا فَضْلًا عَنْ أَمْوَالِنَا. وَمَا بَرِحَتْ الْمُلُوكُ يَعْمُرُونَ هَذَا الْحَرَمَ الشَّرِيفَ وَيَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عِمَارَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَهُ ثُمَّ الْمَهْدِيِّ ثُمَّ الْمُتَوَكِّلِ، وَأَزَّرَ الْحُجْرَةَ بِالرُّخَامِ ثُمَّ جَدَّدَ التَّأْزِيرَ وَزِيرُ ابْنِ زَنْكِيٍّ فِي خِلَافَةِ الْمُقْتَفِي وَعَمِلَ لَهَا شُبَّاكًا مِنْ خَشَبِ الصَّنْدَلِ وَالْأَبَنُوسِ وَكَانَتْ السَّتَائِرُ الْحَرِيرُ تَأْتِي إلَيْهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ، وَفِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلَّ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَقَعَتْ نَارٌ فِي الْمَدِينَةِ فَاحْتَرَقَ الْمِنْبَرُ وَبَعْضُ الْمَسْجِدِ وَبَعْضُ سَقْفِ الْحُجْرَةِ فَكَتَبُوا إلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ فَأَرْسَلَ بِصُنَّاعٍ وَآلَاتٍ مِنْ بَغْدَادَ وَابْتَدَأَ بِعِمَارَتِهِ أَوَّلَ سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَلَمْ يَجْسُرُوا عَلَى إزَالَةِ مَا وَقَعَ مِنْ السُّقُوفِ عَلَى الْقُبُورِ حَتَّى يُطَالِعُوا الْمُسْتَعْصِمَ.
وَاشْتَغَلَ الْمُسْتَعْصِمُ بِالتَّتَارِ فَسَقَفُوا الْحُجْرَةَ؛ وَوَصَلَ مِنْ مِصْرَ آلَاتُ الْعِمَارَةِ فِي دَوْلَةِ الْمَنْصُورِ عَلِيِّ بْنِ الْمُعِزِّ أَيْبَكَ، وَوَصَلَ مِنْ الْيَمَنِ مِنْ مَلِكِهَا شَمْسِ الدِّينِ الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ الْمَنْصُورِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَسُولٍ آلَاتٌ وَأَخْشَابٌ، وَتَسَلْطَنَ بِمِصْرَ الْمُظَفَّرُ قُطُزُ وَاسْمُهُ الْحَقِيقِيُّ مَحْمُودُ بْنُ مَمْدُودٍ ابْنُ أُخْتِ جَلَالِ الدِّينِ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَأَبُوهُ ابْنُ عَمِّهِ وَقَعَ عَلَيْهِ السَّبْيُ فَبِيعَ بِدِمَشْقَ وَسُمِّيَ قُطُزَ، وَاشْتَغَلَ بِالتَّتَارِ حَتَّى كَسَرَهُمْ فِي عَيْنِ جَالُوتَ وَمَاتَ فِي دُونِ السَّنَةِ، وَتَسَلْطَنَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ، وَكَانَ صَاحِبُ الْيَمَنِ أَرْسَلَ مِنْبَرًا مِنْ صَنْدَلٍ فَقَلَعَهُ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ وَأَرْسَلَ مِنْبَرًا مِنْ جِهَتِهِ وَكَمَّلَ عِمَارَتَهُ.
وَالْمُلُوكُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ افْتِخَارًا بِهِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ:
نَفْسُ النَّبِيِّ لَدَيَّ أَعْلَى الْأَنْفُسِ ... فَاتَّبِعْهُ فِي كُلِّ النَّوَائِبِ وَائْتَسِ
وَاتْرُكْ حُظُوظَ النَّفْسِ عَنْك وَقُلْ لَهَا ... لَا تَرْغَبِي عَنْ نَفْسِ هَذَا الْأَنْفُسِ
فَرُدِّي الرَّدَى وَاحْمِيهِ كُلَّ مُلِمَّةٍ ... فَلَقَدْ سَعِدْت إذَا خُصِّصَتْ بِأَبْؤُسِ
إنْ تُقْتَلِي يُصْعَدُ بِرُوحِك فِي الْعُلَى ... بِيَدِ الْكِرَامِ عَلَى ثِيَابِ السُّنْدُسِ
وَتَرَيْنَ مَا تَرْضَيْنَ مِنْ كُلِّ الْمُنَى ... فِي مَقْعَدٍ عِنْدَ الْمَلِيكِ مُقَدَّسِ
أَوْ تَرْجِعِي بِغَنِيمَةٍ تَحْظِي بِهَا ... وَبِذُخْرِ أَجْرٍ تَرْتَجِيهِ وَتَرْأَسِي
مَا أَنْتِ حَتَّى لَا تَكُونِي فِدْيَةً ... لِمُحَمَّدٍ فِي كُلِّ هَوْلٍ مُلْبِسِ
مَا فِي حَيَاتِك بَعْدَهُ خَيْرٌ وَلَا ... إنْ مَاتَ تَخْلُفُهُ جَمِيعُ الْأَنْفُسِ
فَمُحَمَّدٌ بِحَيَاتِهِ يُهْدَى الْأَنَا ... مُ وَتَنْمَحِي سُدَفُ الظَّلَامِ الْحِنْدِسِ
وَيَقُومُ دِينُ اللَّهِ أَبْيَضَ طَاهِرًا ... فِي غَيْظِ إبْلِيسَ اللَّعِينِ الْأَنْحَسِ
стр. 282
أَعْظِمْ بِنَفْسِ مُحَمَّدٍ أَنْ تَقْتَدِي ... أَهْوِنِ بِنَفْسِك يَا أَخِي وَاخْسُسْ
نَظَمْت هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فِي كَلَامِ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] وَالْآنَ زِدْت فِيهَا لِهَذَا الْمَعْنَى الْعَارِضِ:
وَلِقَبْرِهِ أَغْلَى الْبِقَاعِ وَخَيْرِهَا ... ذَاكَ عَلَى التَّقْوَى أَجَلُّ مُؤَسِّسِ
فَبِطَيْبَةَ طَابَ الثَّرَى وَنُزِيلُهَا ... أَزْكَى قُرًى فِي كُلِّ وَادٍ أَقْدَسِ
أَفْدِي عِمَارَتَهَا وَمَسْجِدَهَا بِمَا ... أَحْوِي وَبِي كُلُّ الْبَرِيَّةِ تَأْتَسِي
إنِّي يَهُونُ عَلَيَّ بَيْعُ حُشَاشَتِي ... فِي ذَاكَ بِالثَّمَنِ الْأَقَلِّ الْأَبْخَسِ
لَوْ جَازَ بَيْعُ النَّفْسِ بِعْت وَكَانَ لِي ... فَخْرٌ بِذَاكَ الرِّقِّ أَشْرَفَ مَلْبَسِ
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ كُلَّ دَقِيقَةٍ ... عَدَدَ الْخَلَائِقِ نَاطِقٍ أَوْ أَخْرَسِ.
(فَصْلٌ) الْكَعْبَةُ وَالْحُجْرَةُ الشَّرِيفَةُ قَدْ عُلِمَ حَالُهُمَا الْأَوَّلُ بِالنَّصِّ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ؛ وَالثَّانِيَةُ بِالْإِلْحَاقِ بِهِ وَبِالْقَطْعِ بِعَظَمَتِهِمَا، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ غَيْرِهِمَا أَمَاكِنُ يُنْذَرُ لَهُمَا وَيُهْدَى إلَيْهَا وَقَدْ يُسْأَلُ عَنْ حُكْمِهَا وَيَقَعُ النَّظَرُ فِي أَنَّهَا هَلْ تَلْحَقُ بِهَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَرْتَبَتَهُمَا أَوْ لَا؟
وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ عَنْ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكَذَا عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ عَيَّنَهُ يَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا يُنْذَرُ بَعْثُهُ إلَى الْقَبْرِ الْمَعْرُوفِ بِجُرْجَانَ فَإِنَّ مَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ عَلَى مَا يُحْكَى يُقْسَمُ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعْلُومِينَ؛ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَى ذَلِكَ فَنَزَلَ النَّذْرُ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ عُرِفَ حُمِلَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرِفَ فَيَظْهَرُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ خِلَافُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ النَّذْرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّرْعُ بِخِلَافِ الْكَعْبَةِ وَالْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ.
وَالثَّانِي يَصِحُّ إذَا كَانَ مَشْهُورًا بِالْخَيْرِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ فِي مَصَالِحِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ وَلَا يَتَعَدَّاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي بُطْلَانُ النَّذْرِ لِمَا سِوَى الْكَعْبَةِ وَالْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ وَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِعَدَمِ شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا وَإِنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَالِهِ عَنْ شَيْءٍ لَهَا وَاقْتَضَى الْعُرْفُ صَرْفَهُ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهَا صُرِفَ إلَيْهَا وَاخْتَصَّتْ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ]
أَمَّا الرُّعَاةُ وَأَهْلُ السِّقَايَةِ فَلَهُمْ إذَا رَمَوْا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْفِرُوا وَيَدَعُوا الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ وَيَدَعُوا رَمْيَ يَوْمٍ وَيَقْضُوهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيه، وَهَلْ هُوَ قَضَاءٌ أَوْ أَدَاءٌ؟ سَيَأْتِي. وَهَذَا التَّأْخِيرُ مَقْطُوعٌ بِجَوَازِهِ لِلْعُذْرِ سَوَاءٌ قُلْنَا فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ يَتَدَارَكُ أَوْ لَا.
وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْيَوْمَ
стр. 283
الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَتْرُكُوا الثَّانِيَ وَيَنْفِرُوا فِي الثَّالِثِ فَيَرْمُوا الْيَوْمَيْنِ ثُمَّ لَهُمْ أَنْ يَنْفِرُوا فِيهِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَوْ لَمْ يَنْفِرُوا بَلْ رَجَعُوا إلَى الرَّعْيِ نَاوِينَ النَّفْرَ وَأَقَامُوا بِمِنًى رَمَوْا النَّفْرَ الْآخَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْمُوا أَرَاقُوا دَمًا.
وَإِنْ شَاءَ الرُّعَاةُ أَنْ يَرْعُوا نَهَارًا وَيَرْمُوا لَيْلًا جَازَ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ؛ وَهَلْ لَهُمْ تَرْكُ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ بِأَنْ يَنْفِرُوا يَوْمَ النَّحْرِ وَيَرْمُوا فِي الثَّالِثِ عَنْ الثَّلَاثَةِ؟ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ ابْنُ دَاوُد فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ بِالْجَوَازِ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الرِّعَاءِ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا سَيَأْتِي فَإِنَّ الرُّخْصَةَ لَهُمْ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي يَوْمٍ؛ وَالْبَغَوِيُّ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ تَرْكِ يَوْمَيْنِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ قَضَاءٌ، وَأَمَّا الرَّافِعِيُّ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِمْ، وَيَكُونُ الصَّحِيحُ عَلَى مُقْتَضَى تَصْحِيحِهِ الْجَوَازَ.
وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَالرِّعَاءُ بِمِنًى لَمْ يَجُزْ لَهُمْ النَّفْرُ بِخِلَافِ السُّقَاةِ. هَذَا حُكْمُ الْمَعْذُورِ وَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْذُورِ فَالْمَبِيتُ فِي حَقِّهِمْ يَتَعَيَّنُ وَلَهُمْ النَّفْرُ الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ يَتْرُكُوا الْمَبِيتَ لَيْلَتَيْ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَرَمَوْا فِي الثَّانِي وَأَرَادُوا النَّفْرَ لَمْ يُمَكَّنُوا لِأَنَّهُمْ لَا عُذْرَ لَهُمْ وَلَا أَتَوْا بِمُعْظَمِ الرَّمْيِ فَيُمَكَّنُوا حَتَّى يَرْمُوا الثَّالِثَ وَلَوْ بَاتُوا اللَّيَالِيَ كُلَّهَا وَلَكِنْ أَخَّرُوا رَمْيَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنْ خَرَجَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَاتَ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا رَمَى مَتَى ذَكَرَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نُصَّ عَلَيْهِ وَنُصَّ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ إنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ فِي يَوْمِهَا فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَرْمِ أَرَاقَ دَمًا وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ أَنَّ آخِرَهَا آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا تَفُوتُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ فَوْتًا يَجِبُ بِهِ دَمٌ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَصْحَابُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَدَارَكُ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ إذَا سَوَّى كَانَ التَّأْخِيرُ عَمْدًا أَمْ سَهْوًا، هَذَا فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. أَمَّا رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَقِيلَ: لَا يُتَدَارَكُ قَطْعًا فَعَلَى هَذَا يَنْقَضِي بِغُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ النَّحْرِ وَقِيلَ: يَمْتَدُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
فَإِنْ قُلْنَا قَضَاءً فَالتَّوْزِيعُ عَلَى الْأَيَّامِ مُسْتَحِقٌّ، وَإِنْ قُلْنَا أَدَاءً فَمُسْتَحَبٌّ صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَشَرَحَهُ الرَّافِعِيُّ بِمَعْنَى أَنَّ حُكْمَهُ أَيَّامَ مِنًى فِي حُكْمِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ وَكُلَّ يَوْمٍ لِلْوَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ كَأَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِ لِلصَّلَوَاتِ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ رَمْيُ الْيَوْمَيْنِ إلَى الثَّالِثِ بِعُذْرٍ وَغَيْرِ عُذْرٍ.
وَيُوَافِقُهُ اسْتِدْلَالُ الْمَاوَرْدِيِّ كَذَلِكَ بِالْأَضَاحِيِّ وَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ دَاوُد فِي الرِّعَاءِ. وَصَرَّحَ الْفُورَانِيُّ فِي غَيْرِهِمْ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ يَوْمٍ لِعُذْرٍ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ مُسْتَنَدٌ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ. وَإِذَا قُلْنَا: بِأَنَّ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ يُتَدَارَكُ أَدَاءً وَهُوَ الصَّحِيحُ كَغَيْرِهِ فَهَلْ يَجُوزُ أَيْضًا؟ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ يَوْمٍ إلَى يَوْمٍ يُجَوِّزُهُ الْفُورَانِيُّ عَلَى قَوْلِ الْأَدَاءِ وَنَقَلَهُ
стр. 284
الْإِمَامُ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَمَالَ الرَّافِعِيُّ إلَيْهِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ وَالْبُوَيْطِيِّ فَلْيَكُنْ هُوَ الصَّحِيحَ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ يَوْمَيْنِ فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ لَيْسَ وَقْتًا لِجَمِيعِهَا إجْمَاعًا. وَهَلْ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي رَمْيُ مَا فَاتَهُ فِي الْأَوَّلِ قَبْلَ الزَّوَالِ؟ إذَا قُلْنَا بِالْأَدَاءِ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَضَاءِ فَأَوْلَى، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّمْيِ الْمَتْرُوكِ وَبَيْنَ رَمْيِ التَّدَارُكِ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ؛ وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَدَاءِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ فَفِي الرِّعَاءِ وَالسُّقَاةِ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِمْ وَجْهَانِ وَالْخِلَافُ فِي وُجُوبِ التَّشْرِيقِ أَطْلَقَهُ وَلَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَمَّا رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَهُ فِي أَيَّامٍ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَجْزَأَ عَنْهُ رَمْيُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا بِذَلِكَ فَلَوْ رَمَى الْجَمَرَاتِ كُلَّهَا عَنْ الْيَوْمِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَهَا أَمْرًا أَجْزَأَ إنْ لَمْ يُوجَبْ التَّرْتِيبُ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ الْإِجْزَاءُ أَيْضًا وَيَقَعُ عَنْ الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ أَصْلًا.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ قَالَ: فِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَضَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الرَّمْيِ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي إلَّا بِعُذْرٍ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِعُذْرٍ إلَّا أَنَّ الْقَضَاءَ يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ بَقِيَّةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالثَّانِي أَدَاءٌ لِأَنَّ الْوُقُوفَ لَا يَقْضِي وَالرَّمْيَ تَابِعٌ لَهُ وَكَانَ مُلْحَقًا بِهِ وَلَكِنْ تُجْعَلُ الْأَيَّامُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ؛ وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ إذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ يُصَلِّي مِنْ الْغَدِ الْعِيدَ وَهَلْ هُوَ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ؟ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ تَعْلِيلِ قَوْلِ الْقُضَاةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الْفُورَانِيُّ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْمَنَاسِكِ]
(مَسْأَلَةٌ فِي الْمَنَاسِكِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ. هَذَا مُخْتَصَرٌ فِي الْمَنَاسِكِ: إذَا بَلَغَ الْمِيقَاتَ وَأَرَادَ الرَّحِيلَ مِنْهُ اغْتَسَلَ وَتَنَظَّفَ وَتَطَيَّبَ وَتَجَرَّدَ عَنْ الْمَخِيطِ وَلَبِسَ إزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ ثُمَّ يُحْرِمُ حِينَ يَسِيرُ.
يَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: نَوَيْت الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَأَحْرَمْت بِهِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك، وَيُكْثِرُ فِي طَرِيقِهِ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَسْتُرُ رَأْسَهُ بِشَيْءٍ يُعَدُّ سَاتِرًا وَلَا يَرْتَدِي بِشَيْءٍ يُحِيطُ بِهِ أَوْ بِعُضْوٍ مِنْهُ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ جَازَ سِتْرُ مَا سِوَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَلَا يَمَسُّ
стр. 285
الْمُحْرِمُ طِيبًا وَلَا مَا فِيهِ طِيبٌ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ بِبَدَنِهِ وَلَا بِثِيَابِهِ وَلَا يَشُمُّ مَشْمُومًا كَالْوَرْدِ وَنَحْوِهِ وَيَحْرُمُ دَهْنُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَإِزَالَةُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَنِكَاحٌ وَجِمَاعٌ وَصَيْدُ بَرِّيٍّ وَإِعَانَةٌ عَلَيْهِ وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ وَدَوْسُ الْجَرَادِ.
فَإِذَا بَلَغَ الْحَرَمَ قَالَ: هَذَا حَرَمُك وَأَمْنُك فَحَرِّمْنِي عَلَى النَّارِ. فَإِذَا وَصَلَ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ اغْتَسَلَ قَبْلَ دُخُولِهَا وَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْمُعَلَّى فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْتِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُسَمِّي اللَّهَ وَيَدْعُو وَيَقْصِدُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَيَتَسَلَّمُهُ وَيُقَبِّلُهُ بِغَيْرِ صَوْتٍ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشَارَ إلَيْهِ وَيَجْعَلُ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَيَطْرَحُ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَيَجْعَلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يَطُوفُ وَالْبَيْتُ عَلَى يَسَارِهِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ طَاهِرًا مُتَوَضِّئًا مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ خَارِجًا عَنْ الشَّاذَرْوَانِ وَالْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَوَقْتَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ لَا يَمْشِي فِي طَوَافِهِ بَلْ يَرْجِعُ إلَى مَوْضِعِهِ وَيَطُوفُ حَتَّى يَكُونَ بَدَنُهُ خَارِجًا عَنْ هَوَاءِ الْبَيْتِ، وَيُسْرِعُ الْمَشْيَ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى فِي الثَّلَاثَةِ الْأُولَى دُونَ الْأَرْبَعَةِ وَيُكْثِرُ فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ حَيْثُ شَاءَ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَصْعَدُ عَلَى الصَّفَا حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ فَيُكَبِّرُ وَيُحَمِّدُ وَيُهَلِّلُ وَيَدْعُو؛ ثُمَّ يَنْزِلُ وَيَمْشِي حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ قَدْرُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ ثُمَّ يَسْعَى شَدِيدًا حَتَّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ ثُمَّ يَمْشِيَ عَلَى عَادَتِهِ إلَى الْمَرْوَةِ فَيَصْعَدُ عَلَيْهَا وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيَدْعُو ثُمَّ يَرْجِعُ كَذَلِكَ إلَى الصَّفَا ثُمَّ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعًا أَرْبَعٌ مِنْهَا مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ وَثَلَاثٌ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا يَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ وَلَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ الْمَسَافَةِ الَّتِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بَلْ يَصْعَدُ عَلَى دَرَجِ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يَخْرُجُ يَوْمَ الثَّامِنِ إلَى مِنًى فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ عَلَيْهِ سَارَ وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى نَمِرَةَ فَيَنْزِلُ بِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَيَغْتَسِلُ بِهَا لِلْوُقُوفِ وَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مَجْمُوعَتَيْنِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ فِي مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يُعَجِّلُ بِالْمَسِيرِ إلَى عَرَفَاتٍ لِلْوُقُوفِ وَأَيَّ مَوْضِعٍ وَقَفَ مِنْهَا جَازَ وَأَفْضَلُهَا مَوْقِفُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمُفْتَرَشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَيَجْتَهِدُ فِي الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ
стр. 286
- ﷺ وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ كَاَلَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَيَتَنَوَّعُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءِ وَيُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ وَالِابْتِهَالِ لَهُ وَلِإِجَابَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيَتَحَقَّقَ غُرُوبُهَا.
(فَصْلٌ) فَإِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ دَفَعَ إلَى طَرِيقِ الْعَلَمَيْنِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالشُّكْرِ فَإِذَا وَصَلَ إلَى مُزْدَلِفَةَ بَاتَ بِهَا وَأَخَذَ مِنْهَا حَصَى الْجِمَارِ وَهُوَ سَبْعُونَ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ وَيَغْتَسِلُ بِهَا لِلْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمَتَى نَفَرَ مِنْهَا قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ عَصَى وَلَزِمَهُ دَمٌ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبِيتَ بِهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَيُصَلِّي الصُّبْحَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ يَدْفَعُ إلَى مِنًى فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ آخِرُ الْمُزْدَلِفَةِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا وَقَفَ تَحْتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو وَيُحَمِّدُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ وَيُهَلِّلُهُ وَيُلَبِّي فَإِذَا اسْتَنْفَرَ سَارَ إلَى مِنًى بِسَكِينَةٍ ذَاكِرًا مُلَبِّيًا فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ.
(فَصْلٌ) فَإِذَا وَصَلَ إلَى مِنًى بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَرْمِيهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَاحِدَةٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يَرَى بَيَاضَ إبْطَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْجَمْرَةِ وَمَكَّةُ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنْ أَوَّلِ حَصَاةٍ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ وَيُكَبِّرُ ثُمَّ يَنْزِلُ حَيْثُ شَاءَ بِمِنًى ثُمَّ يَنْحَرُ إنْ كَانَ مَعَهُ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَيَلْبَسُ الْمَخِيطَ، ثُمَّ يَفِيضُ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ سَبْعًا وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى فَلَا تُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَتُهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ حَلَالًا وَبَقِيَ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِمِنًى وَالرَّمْيُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
(فَصْلٌ) فَيَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ يُصْبِحُ يَوْمَ الْحَادِيَ عَشَرَ فَيَرْمِي بَعْدَ الزَّوَالِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ كُلُّ جَمْرَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَرْمِي الْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَيَدْعُو قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا وَيَكُونُ ذَاكَ بَعْدَ أَنْ يَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا؛ وَيَفْعَلُ يَوْمَ الثَّانِي عَشَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ تَعَجَّلَ وَنَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ وَهُوَ أَفْضَلُ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ فَيَبِيتُ بِهِ لَيْلَةَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَرْمِي يَوْمَ الثَّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَغْتَسِلُ قَبْلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ
стр. 287
رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا عِنْدَمَا يَفْرُغُ مِنْ الرَّمْيِ وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ فَيَنْزِلُ بِالْمُحَصَّبِ وَهُوَ الْأَبْطَحُ الَّذِي عِنْدَ مَقَابِرِ مَكَّةَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمَنْزِلِهِ.
(فَصْلٌ) فَإِذَا كَانَ مُفْرِدًا احْتَاجَ إلَى الْعُمْرَةِ فَيَخْرُجُ إلَى التَّنْعِيمِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَسَاجِدُ عَائِشَةَ أَوْ مَا شَاءَ مِنْ الْجَبَلِ فَيَغْتَسِلُ وَيَتَطَيَّبُ وَيَلْبَسُ لِبَاسَ الْإِحْرَامِ، وَيَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: نَوَيْت الْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَأَحْرَمْت بِهَا، وَيُلَبِّي وَيَتَوَجَّهُ إلَى مَكَّةَ مُلَبِّيًا فَإِذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ وَيَطُوفُ سَبْعًا كَمَا تَقَدَّمَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْعَى سَبْعًا كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ وَقَدْ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ وَحَلَّ وَيَلْبَسُ وَيَحِلُّ لَهُ كَمَا يَحِلُّ لِلْحَلَالِ.
(فَصْلٌ) فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لِوَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ طَافَ لِلْوَدَاعِ سَبْعًا كَمَا تَقَدَّمَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ وَشَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَيَأْتِي الْمُلْتَزَمَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَيَلْزَمُهُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ الْبَيْتَ بَيْتُك وَالْعَبْدَ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِك وَبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِك حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِك فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا وَإِلَّا فَمِنْ الْآنِ قَبْلَ أَنْ يَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي وَيَبْعُدَ عَنْهُ مَزَارِي هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك وَلَا بِبَيْتِك وَلَا رَاغِبٍ عَنْك وَلَا عَنْ بَيْتِك، وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيَخْرُجُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلَا يَتَقَهْقَرُ؛ وَيَحْرُمُ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ الْحَرَمِ مِنْ تُرَابِهِ أَوْ أَحْجَارِهِ إلَى الْحِلِّ وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِصَيْدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدِنَا سَيِّدِ الْبَشَرِ ﷺ وَيُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ وَالْهَيْبَةِ وَالْإِجْلَالِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ فَإِذَا وَصَلَ الْمَسْجِدَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَسَمَّى وَصَلَّى رَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ يَقِفُ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ الْكَرِيمِ خَارِجَ الدَّرَابْزِينِ غَاضَّ الطَّرْفِ وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَيُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَنَوَّعُ بِأَدَبٍ وَهَيْبَةٍ ثُمَّ يَتَأَخَّرُ إلَى صَوْبِ يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ ثُمَّ يَتَأَخَّرُ صَوْبَ يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ ﵁ ثُمَّ يَعُودُ إلَى قُبَالَةِ الْمِسْمَارِ فَإِنَّهُ قُبَالَةَ وَجْهِهِ ﷺ فَيَدْعُو وَيَتَوَسَّلُ بِهِ إلَى رَبِّهِ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَلَا يَطُوفُ بِهِ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ الْقَدْرِ الَّذِي زِيدَ فِيهِ، وَيَزُورُ الْبَقِيعَ وَقُبُورَ الشُّهَدَاءِ وَقُبَاءَ وَيَشْرَبُ مِنْ بِئْرِ إدْرِيسَ؛ وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَلَا يَسْتَصْحِبُ شَيْئًا مِنْ الْأُكَرِ وَالْأَبَارِيقِ الَّتِي مِنْ تُرَابِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ وَدَّعَ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ وَوَدَّعَ النَّبِيَّ
стр. 288
- ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ وَيُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ بِرَسُولِك اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ: كَتَبْتُهَا بُكْرَةَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِي رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.
[كِتَابُ الضَّحَايَا]
(كِتَابُ الضَّحَايَا) (مَسْأَلَةٌ) إذَا أَهْدَى الْمُضَحِّي مِنْ أُضْحِيَّةٍ إلَى غَنِيٍّ شَيْئًا هَلْ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَى غَيْرِهِ؟ إنْ قُلْتُمْ: يَجُوزُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الرَّافِعِيِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَ الْأَغْنِيَاءَ؟
(الْجَوَابُ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: الْأَصْلُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَلَكِنِّي قَرَّرْتُهُ تَفَقُّهًا لَمَّا رَأَيْت الْمَسَائِلَ لَا تَسْتَمِرُّ إلَّا عَلَيْهِ، وَالْقَوَاعِدَ، وَالْأَدِلَّةَ تَشْهَدُ لَهُ أَنَّ أُضْحِيَّةَ التَّطَوُّعِ يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهَا بِالذَّبْحِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَصْرِفُهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفُقَرَاءُ تَمْلِيكًا، وَالثَّانِي: الْأَغْنِيَاءُ انْتِفَاعًا، وَالْمُضَحِّي أَحَدُهُمْ، وَلَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَقِسْمَتُهُ وَتَفْرِقَتُهُ، فَإِنَّ الْمُضَحِّيَ يَتَقَرَّبُ بِأُضْحِيَّتِهِ بِالذَّبْحِ، وَبِذَلِكَ تَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهَا، وَإِنْ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ
فَإِذَا أَعْطَى مِنْهَا لِلْفُقَرَاءِ كَانَ تَمْلِيكًا وَلَيْسَ الْمَعْنَى يُمَلِّكُهُمْ بَلْ يُعْطِيهِمْ كَمَا يُعْطِيهِمْ لِلزَّكَاةِ فَيَمْلِكُونَهَا مِلْكًا تَامًّا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ بِهَا، وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ التَّامُّ إلَّا بِالتَّمْلِيكِ التَّامِّ فِي ذَلِكَ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا وَبِثَمَنِهَا. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: يُمَلِّكُ الْفُقَرَاءَ أَنَّهُ يُعْطِي لَهُمْ وَيُسَلِّطُهُمْ تَسْلِيطًا تَامًّا عَلَيْهَا، وَإِذَا أَكَلَ هُوَ مِنْهَا يَأْكُلُهَا وَلَيْسَتْ عَلَى مِلْكِهِ بَلْ الْإِذْنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا أَهْدَى مِنْهَا إلَى غَنِيٍّ فَقَدْ أَحَلَّ ذَلِكَ الْغَنِيَّ مَحَلَّهُ وَرَفَعَ يَدَهُ عَمَّا أَهْدَاهُ لَهُ، فَلِلْغَنِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيُهْدِيَ أَيْضًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي هِيَ التَّمْلِيكُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ رَفْعُ يَدِهِ وَتَسْلِيطُ غَيْرِهِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مِلْكٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْ لِكَوْنِهِ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْهَا لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْهَا الْفُقَرَاءُ، فَمَقْصُودُ الْأُضْحِيَّةِ تَمْلِيكُ الْفُقَرَاءِ، وَالْإِبَاحَةُ لِلْمُضَحِّي، وَالْأَغْنِيَاءِ هَذِهِ حَقِيقَتُهَا.
وَقَدْ نَشَأَ لَنَا مِنْ هَذَا فَرْعَانِ لَمْ أَرَ فِيهِمَا نَقْلًا إلَى الْآنَ: أَحَدُهُمَا: لَوْ مَاتَ الْمُضَحِّي وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وَأَهْدَاهُ، فَمُقْتَضَى مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ عَنْهُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِوَارِثِهِ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ، وَالتَّفْرِقَةِ كَمَا كَانَ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لِلْوَارِثِ
стр. 289
ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ هُوَ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تُوَرَّثُ الْحُقُوقُ التَّابِعَةُ لِلْأَمْوَالِ كَالْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ، وَاَلَّتِي يَحْصُلُ بِهَا سَعْيٌ، أَوْ دَفْعُ عَارٍ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَهَذَا الْحَقُّ نِيَابَةٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِسْمَةِ، وَالتَّفْرِقَةِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ وَتَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِلْوَارِثِ.
(الْفَرْعُ الثَّانِي) ، وَقَدْ فَكَّرَتْ فِيهِ الْآنَ لِقَصْدِ الْأُضْحِيَّةِ عَنْ وَالِدِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَبَرْدِ مَضْجَعِهِمَا أَنَّهُ إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّضْحِيَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فَيُضَحِّي الْوَارِثُ عَنْ مُوَرِّثِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُضَحِّيَ أَوْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَهُ إنْ قُلْنَا: هَذَا الْحَقُّ يُوَرَّثُ فَيَكُونُ لِلْوَارِثِ مَا لِلْمُوَرِّثِ مِنْ الْأَكْلِ، وَالتَّفْرِقَةِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَالْفُقَرَاءِ، فَإِنَّ نِسْبَتَهُ إلَى الْأَكْلِ كَنِسْبَةِ سَائِرِ النَّاسِ، وَوِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ مَقْرُونَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُضَحِّي عَنْ الْمَيِّتِ أَمْ كَانَ الْمَيِّتُ، وَمَنْ ضَحَّى ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ التَّفْرِقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَطْعِمَةِ]
(بَابُ الْأَطْعِمَةِ) (مَسْأَلَةٌ) الزِّيَادَةُ عَلَى الشِّبَعِ حَرَامٌ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ وَإِفْسَادٌ لِلْأَبْدَانِ، وَكُنْت أَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ فِي سِوَى مَا يُعْتَادُ مِنْ الزِّيَادَةِ كَنَقْلٍ، أَوْ حَلْوَى، أَوْ نَحْوِهَا حَتَّى رَأَيْت فِي فَتَاوَى قَاضِيَ خَانْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمُجَلَّدِ الْأَخِيرِ مِنْهُ مَا نَصُّهُ: امْرَأَةٌ تَأْكُلُ الْفَتِيتَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ لِأَجْلِ السِّمَنِ قَالَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ ﵀: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ تَأْكُلْ فَوْقَ الشِّبَعِ، وَكَذَا الرَّجُلُ إذَا أَكَلَ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ لِمَصْلَحَةِ بَدَنِهِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَأْكُلْ فَوْقَ الشِّبَعِ يُمْكِنُ إذَا كَانَ غِذَاءً أَنْ يَجْعَلَ مَعَ الْغِذَاءِ حَتَّى لَا يَزِيدَ فِي الْمِقْدَارِ عَلَى الشِّبَعِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةِ الْبَدَنِ بَلْ مُجَرَّدٌ مِنْ نَقْلٍ، أَوْ حَلْوَى، أَوْ سُكَّرٍ وَلَيْمُونٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ إلَّا قَضَاءُ شَهْوَةٍ، فَأَوْلَى بِأَنْ يَتَقَيَّدَ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الشِّبَعِ، فَمَتَى زَادَ يَكُونُ حَرَامًا.
وَقَلَّ مِنْ الْمُسْرِفِينَ مَنْ يَحْتَرِزُ عَنْ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لِهَذَا، وَهَذَا السُّكَّرُ، وَاللَّيْمُونُ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ الْمُسْرِفِينَ بِهِ بَعْدَ الْأَكْلِ يَنْبَغِي إنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ الشِّبَعُ التَّامُّ أَنْ يَحْرُمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ مَنْعِ إدْخَالِ طَعَامٍ عَلَى طَعَامٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فَوْقَ الشِّبَعِ غَيْرُ الْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَمَا سِوَاهُ يَضُرُّ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ الْأَوَّلُ، فَاسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الزَّائِدَةِ إنْ اقْتَضَتْهَا ضَرُورَةٌ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ لَا تُبِيحُهَا بَلْ تَكُونُ حَرَامًا مَعَ كَوْنِهَا مُضِرَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْبَيْعِ]
(كِتَابُ الْبَيْعِ) (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ
стр. 290
وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَبَعْدُ فَإِنَّهُ وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فِي الْمُحَاكَمَاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَهِيَ أَنَّ قَرْيَةً بِالْقُرْبِ مِنْ دِمَشْقَ يُقَالُ لَهَا عُنَابَا وَرُبَّمَا يُقَالُ لَهَا مُعْبَابَا كَانَ لِبَهَادِرْآصْ ﵀ فِيهَا عَلَى مَا قِيلَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثُ سَهْمٍ مِلْكًا طَلْقًا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا، وَهِيَ جُمْلَةُ مَبْلَغِ سِهَامِ الضَّيْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَبَاقِيهَا، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ وَثُلُثَا سَهْمٍ وَقْفٌ عَلَى الْمَدْرَسَةِ الْأَمِينِيَّةِ بِدِمَشْقَ فَأَذِنَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ الشَّافِعِيُّ لِصَفِيِّ الدِّينِ الْعَتَّالِ الْحَنَفِيِّ أَنْ يُقَسِّمَهَا فَقَسَّمَهَا وَأَفْرَدَ حِصَّةَ بَهَادِرْآصْ نَاحِيَةً وَتَرَكَ الْحِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ الْمَفْرُوزَةَ وَخَلَّفَ زَوْجَتَيْنِ وَخَمْسَةَ بَنِينَ وَحِصَّةَ الْأَمِينِيَّةِ نَاحِيَةً.
وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ صَفِيُّ الدِّينِ الْمَذْكُورُ وَبَعْدَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُ، ثُمَّ مَاتَ بَهَادِرْآصْ الْمَذْكُورُ، وَتَرَكَ الْحِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ الْمَفْرُوزَةَ وَخَلَّفَ زَوْجَتَيْنِ وَخَمْسَةَ بَنِينَ وَبِنْتًا ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ وَخَلَّفَتْ ابْنَهَا عَلِيًّا أَحَدَ الْبَنِينَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِينَ خَاصَّةً فَبَاعَ عَلِيٌّ الْمَذْكُورُ حِصَّتَهُ لِلصَّلَاحِ الَّذِي كَانَ أُسْتَاذَ دَارِهِمْ ثُمَّ صَارَ أُسْتَاذَ دَارِ تنكز ثُمَّ وَقَفَهَا عَلَى مَا قِيلَ، ثُمَّ حَصَلَتْ مُنَازَعَةٌ بَيْنَ الْأَمِيرِ نَاصِرِ الدِّينِ بْنِ بَهَادِرْآصْ، وَالصَّلَاحِ الْمَذْكُورِ وَطَالَتْ وَتَنَوَّعَتْ.
ثُمَّ حَضَرَ عِنْدِي صَلَاحُ الدِّينِ الْمَذْكُورُ فَسَأَلَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ لِأَيْتَامِ زَوْجَتِهِ عَلَى الْبَائِعِ الْمَذْكُورِ بِحُكْمِ أَنَّهُ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَقَصَدَ أَنْ يَدَّعِيَ عِنْدَ الْحَنْبَلِيِّ، أَوْ الْحَنَفِيِّ وَيُبْطِلُ الْبَيْعَ فَاسْتَفْهَمْت عَنْ سَبَبِ الْإِبْطَالِ؛ إنْ كَانَ صَحِيحًا أَذِنْت فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ آذَنْ فِيهِ وَطَلَبْت كِتَابَ الْمُبَايَعَةِ فَأَحْضَرُوهُ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ شِرَاءَ الصَّلَاحِ مِنْ أَمِيرِ عَلِيِّ بْنِ بَهَادِرْآصْ جَمِيعَ الْحِصَّةِ الَّتِي فِي يَدِهِ وَمِلْكِهِ، وَهِيَ جَمِيعُ مِلْكِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا شَائِعًا مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِعُبَايَا، وَذَكَرَ حُدُودَ الضَّيْعَةِ فَقَالَ الَّذِي يَقْصِدُ الْإِبْطَالَ: إنَّ هَذَا بَاعَ مَا يَمْلِكُ، وَمَا لَا يَمْلِكُ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا بَاعَ حِصَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: جَمِيعُ الْحِصَّةِ الَّتِي بِيَدِهِ وَمِلْكِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عَارِفٌ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ حِصَّةَ أَبِيهِ وَأَنَّهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثُ سَهْمٍ، وَيَعْرِفُ أَنَّ أَبَاهُ خَلَّفَ زَوْجَتَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الثُّمُنِ، وَهَذَا يَفْهَمُهُ الْعَوَامُّ لَا يَخْفَى عَنْ أَحَدٍ وَلَا تُشْتَرَطُ الْمَعْرِفَةُ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاصْطِلَاحِ الْحِسَابِ بَلْ تَكْفِي تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي يَفْهَمُهَا الْعَوَامُّ، فَإِنَّ بِهَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ سَوَاءٌ عَرَفَ عِبَارَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهَا أَمْ لَا، ثُمَّ إنَّا نَظَرْنَا فِي قَوْلِهِ: " وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ " فَوَجَدْنَاهَا صَحِيحَةً؛ لِأَنَّ ثُمُنَ
стр. 291
الثَّمَانِيَةِ عُشْرٌ وَثُلُثُ سَهْمَيْنِ وَسُدُسُ سَهْمٍ وَثُمُنُ سَهْمٍ، وَالْبَاقِي بَعْدَ الثُّمُنِ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثُ ثُمُنِ سَهْمٍ لِكُلِّ ابْنٍ سَهْمَانِ وَثُلُثَا سَهْمٍ وَرُبْعُ سَهْمٍ فَنَصِيبُهُ وَنَصِيبُ أُمِّهِ هَذَا الْقَدْرُ الَّذِي بَاعَهُ لَا يَزِيدُ ذَرَّةً وَلَا يَنْقُصُ ذَرَّةً.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِهِ شَائِعًا، وَهُوَ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارٍ وَغَيْرُ صَحِيحٍ بِاعْتِبَارٍ: أَمَّا صِحَّتُهُ فَلِأَنَّهُ مُشَاعٌ فِي الْحِصَّةِ الْمَوْرُوثَةِ عَنْ وَالِدِهِ الْمَفْرُوزَةِ بِالْقِسْمَةِ، أَمَّا عَدَمُ صِحَّتِهِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مُشَاعًا فِي الضَّيْعَةِ كُلِّهَا، وَإِذَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الْبَائِعِ الْعَاقِلِ عَلَى الصِّحَّةِ كَانَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ فَلْيُحْمَلْ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ الضَّيْعَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ " مِنْ " وَ " فِي " فَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهَا شَائِعَةٌ فِي جَمِيعِ الضَّيْعَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: إنَّهَا أَيْ شَائِعَةٌ، وَإِنَّهَا مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشُّيُوعَ فِي الضَّيْعَةِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الشُّيُوعَ فِي حِصَّةِ أُمِّهِ، وَحِصَّةُ أُمِّهِ مِنْ الضَّيْعَةِ فَالشَّائِعُ فِيهَا هُوَ مِنْ الضَّيْعَةِ بِلَا شَكٍّ.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ عَادَةَ الشَّامِ تَقْسِمَةُ الْأَرَاضِي، وَتَبْقَى تِلْكَ النِّسْبَةُ مَحْفُوظَةً، فَهَذِهِ الْحِصَّةُ الَّتِي هِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثٌ بَعْدَ الْأُولَى يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مَا هِيَ الْآنَ حِصَّةً وَلَا مُشَاعَةً وَلَا هِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثٌ بَلْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ كَامِلَةٌ فِي نَفْسِهَا وَلَكِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِنِسْبَتِهَا الْأُولَى، فَكَذَلِكَ يُعَبِّرُونَ عَنْ بَعْضِهَا بِنِسْبَةِ الْأُولَى مِنْ الضَّيْعَةِ، وَبِذَلِكَ وَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حِصَّةِ الْبَائِعِ بِأَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ وَنِصْفِ سَهْمٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَتْ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَشَيْئًا إذَا أُخِذَتْ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ حِصَّةِ مُوَرِّثِهِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ صِحَّةُ الْعِبَارَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَبِعْ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ بَلْ مِلْكَهُ فَقَطْ، فَلَا يَجِيءُ فِيهَا خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَلَا الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ بَلْ يَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ قَطْعًا، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تَجَوُّزٌ لَطِيفٌ فِي قَوْلِهِ: مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ، وَاحْتِمَالُهُ أَوْلَى مِنْ الْحُكْمِ بِالْبُطْلَانِ، وَالتَّمَحُّلِ لَهُ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِمُوجَبِ هَذَا الْبَيْعِ، وَمُوجَبُهُ مَا قُلْنَاهُ، وَصِيَانَةُ حُكْمِ الْحَاكِمِ عَنْ النَّقْضِ وَاجِبَةٌ مَا أَمْكَنَ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) : عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا الْمَجَازُ وَلَا التَّأْوِيلُ فِي قَوْلِهِ: وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ شَائِعًا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ فَنَقُولُ: الصِّحَّةُ بِقَوْلِهِ: حِصَّتُهُ وَأَنَّهُ بَاعَهَا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا وَأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مِنْ الْوَرَّاقِ لَا تَضُرُّهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِبَارَةُ مِنْ الْبَائِعِ لَا تَضُرُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ صِيغَةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْبَيْعِ بِعْتُك حِصَّتِي، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الزَّائِدَةُ تَعْرِيفٌ لِتِلْكَ الْحِصَّةِ وَقَعَ الْغَلَطُ فِيهَا، وَالْغَلَطُ فِي التَّعْرِيفِ الَّذِي هُوَ خَبَرٌ مَحْضٌ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ كَأَنَّهُ قَالَ بِشَرْطِ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ شَائِعًا مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ قُلْنَا: لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَكِنَّهُ إخْبَارٌ، وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُ شَرَطَ، فَإِذَا بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةٌ فَخَرَجَ تِسْعَةً
стр. 292
أَوْ أَحَدَ عَشَرَ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ بَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ فَكَذَلِكَ هَذَا يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا، وَالْخِيَارُ لِلصَّلَاحِ الْمُشْتَرِي فِي نَقْصِ الْأَحْوَالِ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ.
وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْوَجْهِ سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ.
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) : لَوْ سَلَّمَ أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ بَيْعَ مِلْكِهِ وَغَيْرِهِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵄ صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي مِلْكِهِ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَيَكُونُ هُنَا الْبَيْعُ صَحِيحًا، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ بَلْ لِلصَّلَاحِ الْمُشْتَرِي فِي نَقْصِ الْأَحْوَالِ، وَهِيَ فِي جَانِبِ النَّقْصِ لَا فِي جَانِبِ الزِّيَادَةِ.
وَلَا فَرْقَ فِي الْمَضْمُومِ إلَى مِلْكِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِلْكَ الْغَيْرِ، أَوْ وَقْفًا. فَقَدْ بَانَ بِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَبِأَنَّ بِالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَلَا نُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّهُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ مِلْكِهِ وَمِلْكِ غَيْرِهِ حَتَّى يُبْطِلُوهُ عَلَى خِلَافٍ عِنْدَهُمْ، وَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَنَّ حُكْمَ بُرْهَانِ الدِّينِ الزَّرْعِيِّ حُكْمٌ بِصِحَّتِهِ إذَا كَانَ مِلْكَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ هَذَا مُوجِبُهُ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنَّ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ فَقَدْ انْدَفَعَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَيَكُونُ نَقْضُهُ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ.
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) : أَنَّ الْعِبَارَةَ الصَّحِيحَةَ أَنْ يُقَالَ: وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثِ سَهْمٍ مَنْسُوبَةً مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا هِيَ جَمِيعُ الضَّيْعَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا حَذْفٌ لِبَعْضِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) : أَنَّ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثَ سَهْمٍ الْمَنْسُوبَةَ يَصِحُّ عَلَيْهَا أَنَّهَا شَائِعَةٌ، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَلِهَذَا نَقُولُ فِيهَا: إنَّهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ كَامِلٌ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا فِي أَنْفُسِهَا فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ إلَّا بِاعْتِبَارِ نِسْبَتِهَا الَّتِي كَانَتْ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْآنَ مَقْسُومَةً غَيْرَ شَائِعَةٍ، فَكَذَلِكَ تَصِحُّ عَلَى أَرْبَعَةِ سِهَامٍ وَنِصْفِ ثُمُنِ سَهْمٍ أَنَّهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا ذَلِكَ: فَإِنَّ الضَّيْعَةَ بِكَمَالِهَا إذَا جُزِّئَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ كَانَتْ هَذِهِ الْحِصَّةُ مِنْهَا هَكَذَا، وَشِيَاعُهَا مِنْ الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَتْ.
(الْوَجْهُ السَّادِسُ) : أَنَّ الْأَرْبَعَةَ وَنِصْفَ ثُمُنِ سَهْمٍ مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ لَيْسَتْ جَامِعَةً لِمِلْكِهِ وَلِمِلْكِ غَيْرِهِ قَطْعًا بَلْ غَايَتُهَا عَلَى مَا يَتَوَهَّمُ الْخَصْمُ أَنَّهَا جَامِعَةٌ لِبَعْضِ مِلْكِهِ وَبَعْضِ غَيْرِهِ، وَهُوَ قَدْ قَالَ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ: إنَّهَا جَامِعَةٌ مِلْكَهُ فَاسْتَحَالَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَتَعَيَّنَ أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ الْحَمْلِ الْمَعْنِيِّ الَّذِي يُقْطَعُ بِتَنَاقُضِهِ.
(الْوَجْهُ السَّابِعُ) : أَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْخَصْمُ لَا يَصِحُّ مَعَهُ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ لَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا بِطَرِيقِ
стр. 293
الْمَجَازِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنًا.
(الْوَجْهُ الثَّامِنُ) : أَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ اتَّصَلَتْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَتُصَانُ عَنْ النَّقْضِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ، أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ الْإِجْمَاعِ، أَوْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَلَا يُوجَدُ، وَهَذِهِ مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِذَلِكَ يَكْمُلُ بِهَا الْغَرَضُ فِي الْمَقْصُودِ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) : فِي بَيَانِ أَنَّ حِصَّةَ أَمِيرِ عَلِيٍّ هِيَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ حِصَّةَ مُوَرِّثِهِ الْمَقْسُومَةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثُ سَهْمٍ لِلزَّوْجَتَيْنِ ثُمُنُهَا، وَهُوَ سَهْمَانِ وَسُدُسُ سَهْمٍ وَثُمُنُ سَهْمٍ لِكُلِّ زَوْجَةٍ نِصْفُهُ، وَهُوَ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَثُمُنُ سَهْمٍ وَسُدُسُ ثُمُنِ سَهْمٍ، وَالْبَاقِي بَعْدَ الثُّمُنِ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثُ ثُمُنِ سَهْمٍ مَقْسُومَةً عَلَى أَحَدَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُمْ خَمْسَةُ بَنِينَ وَبِنْتٌ؛ فَلِلْبِنْتِ سَهْمٌ وَثُلُثُ سَهْمٍ وَثُمُنُ سَهْمٍ، وَلِكُلِّ ابْنٍ سَهْمَانِ وَثُلُثَا سَهْمٍ وَرُبْعُ سَهْمٍ، فَاجْتَمَعَ لِعَلِيٍّ مِنْ أَبِيهِ سَهْمَانِ وَثُلُثَا سَهْمٍ وَرُبْعُ سَهْمٍ، وَمِنْ أُمِّهِ سَهْمٌ وَثُمُنُ سَهْمٍ وَسُدُسُ ثُمُنِ سَهْمٍ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِ الضَّيْعَةِ بِكَمَالِهَا الْأَرْبَعَةِ، وَالْعِشْرِينَ.
وَلَوْ أَخَذْتهَا مِنْ نَصِيبِ مُوَرِّثِهِ خَاصَّةً وَقَسَمْت نَصِيبَ مُوَرِّثِهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ لَكَانَتْ تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) : فِي بَيَانِ نَصِيبِ عَلِيٍّ مِنْ وَالِدِهِ، وَوَالِدَتِهِ بِطَرِيقَةِ الْفَرْضِيِّينَ: مَاتَ بَهَادِرْآصْ وَخَلَفَ زَوْجَتَيْنِ وَخَمْسَةَ بَنِينَ وَبِنْتًا فَمَسْأَلَتُهُ مِنْ ٨ وَيَصِحُّ ١٧٦ لِلزَّوْجَتَيْنِ ٢٢ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ١١ وَلِلْبِنْتِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَلِكُلِّ ابْنٍ ٢٨، وَمَاتَتْ أُمُّ عَلِيٍّ عَنْ ابْنِهَا فَقَطْ فَيَجْتَمِعُ لِعَلِيٍّ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ٣٩.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) لَوْ سَلَّمَ إلْغَاءَ قَوْلِهِ: حِصَّتِي وَتَجْرِيدَ النَّظَرِ إلَى قَوْلِهِ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ، وَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ مِلْكِهِ وَمِلْكِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ مِلْكُهُ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ وَنِصْفِ ثُمُنِ سَهْمٍ مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ شَائِعًا فَيَصِحُّ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَيَبْطُلُ فِي الْبَاقِي مُشَاعًا بَعْضُهُ مِنْ حِصَّةِ إخْوَتِهِ وَبَعْضُهُ مِنْ حِصَّةِ الْوَقْفِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا، أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَوَجَدَهُ تِسْعًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْعَشْرَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَمَا لَوْ وَجَدَ بِالْبَيْعِ عَيْبًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَكْثَرُونَ خِلَافًا فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ بَلْ قَطَعُوا بِهَا.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَخَرَجَتْ ثَيِّبًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِي الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ مَنْ حَكَى الْخِلَافَ صِحَّةُ الْبَيْعِ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ وَتَنْزِيلًا لِلْخُلْفِ فِي الشَّرْطِ، وَالْمِقْدَارِ مَنْزِلَةَ خُلْفِهِ فِي الصِّفَاتِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
стр. 294
وَإِنْ وَجَدَهُ أَحَدَ عَشَرَ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَأَنْ يُسَلِّمَهُ بِالثَّمَنِ وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى قَوْلِهِ كَمَا أَجْبَرْنَا الْبَائِعَ إذَا كَانَ دُونَ الْعَشَرَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إجْبَارُ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَلَا إجْبَارُ الْمُشْتَرِي عَلَى الرِّضَا بِمَا دُونَ الثَّوْبِ، وَالْمِسَاحَةِ مِنْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالشَّرِكَةِ، وَالتَّبْعِيضِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدَ، وَإِنْ اشْتَرَى صُبْرَةً عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ قَفِيزٍ فَوَجَدَهَا دُونَ الْمِائَةِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ مَا شَرَطَ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَوْجُودَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَةُ الثَّمَنِ عَلَى الْأَجْزَاءِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقِيمَةِ، وَيُخَالِفُ الثَّوْبُ الْأَرْضَ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ الثَّمَنِ عَلَى أَجْزَائِهَا؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ كَمْ قِيمَةُ الثَّمَنِ مُرَاعٍ النَّاقِصَةَ لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَسْقَطَهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ وَجَدْنَا الصُّبْرَةَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ قَفِيزٍ أَخَذَ الْمِائَةَ بِالثَّمَنِ وَتَرَكَ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُ مَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْأَضْرَارِ.
كَذَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، أَمَّا الْمَرَاوِزَةُ فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ وَأَجْرَوْا الْخِلَافَ فِيهِمَا، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ عِنْدَهُمْ فِي حَالَتَيْ النُّقْصَانِ، وَالزِّيَادَةِ، هَذَا إذَا قَالَ عَلِيٌّ: إنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ فَلَوْ قَالَ: وَهِيَ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إذَا خَرَجَ تِسْعَةً ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي أَنْ يُمْسِكَ الْكُلَّ، أَوْ يَرُدَّ، وَلَوْ خَرَجَ أَحَدَ عَشَرَ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ هُنَا قَوْلًا آخَرَ أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ، وَهَذَا النَّقْلُ مِنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لِلتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ، أَوْ لَا يَنْفَعُنَا فِي مَسْأَلَتِنَا هُنَا؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْمُبَايَعَةِ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ شَرْطٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ ثُمُنِ سَهْمٍ، فَلَا يَكُونُ فِي الصِّحَّةِ خِلَافٌ إلَّا عَلَى مَا قَالَهُ الَّذِي خَرَجَ وَجْهًا فِي حَالَةِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ إنْ كَانَتْ شَرْطًا وَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ الْخِلَافُ فِي الْحَالَتَيْنِ وَإِلَّا فَلَا يَجْرِي فِي الْحَالَتَيْنِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ هُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَنْصُوصُ خِلَافُهُ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ الْمَنْصُوصِ، وَالْقَائِلُ بِالْبُطْلَانِ هُوَ ابْنُ شُرَيْحٍ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مُسَاعِدًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ كَذَا لَيْسَ شَرْطًا، وَلَئِنْ قِيلَ عَلَى سَبِيلِ الْجَدَلِ فُرِّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ، وَهُوَ كَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: بِعْتُك حِصَّتِي، وَهِيَ كَذَا أَنَّ الثَّوْبَ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: بِعْتُكَهُ صَحَّ فَأَمْكَنَ جَعْلُ قَوْلِهِ: وَهُوَ كَذَا خَبَرًا لَغْوًا، وَأَمَّا الْحِصَّةُ الَّتِي لَهُ فَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَلَا تُسَلَّمُ إحَاطَةُ عِلْمِهِ بِهَا، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ بِعْتُكهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَنْظُرُ إلَى اللَّفْظِ، وَاللَّفْظُ لَا يَتَضَمَّنُ بَيَانَهَا فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ، فَإِذَا قَالَ: وَهِيَ كَذَا كَانَ هُوَ الْمُبَيِّنَ لَهَا فَلَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ، وَيَجِبُ اعْتِمَادُهُ، وَالنَّظَرُ إلَيْهِ.
قُلْنَا: جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَوْ
стр. 295
ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْبَائِعِ يَمِينٌ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا، وَقَدْ مَاتَ وَفِي انْتِقَالِ هَذِهِ الْيَمِينِ إلَى قَرِينَةٍ لِيَرُدَّهَا عَلَى الْمُشْتَرِي نَظَرٌ.
الثَّانِي: أَنَّ فِي الْمَكْتُوبِ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَتَمَسَّكَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ حِصَّتَهُ هِيَ هَذِهِ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَالتَّجَوُّزِ قَلِيلًا فِي الْعِبَارَةِ فَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الْعُمْدَةُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِيمَا يَمْلِكُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) : حَيْثُ صَحَّحْنَا وَأَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ فَهَاهُنَا قَدْ وَقَفَ الْمُشْتَرِي وَبِالْوَقْفِ يَمْتَنِعُ الْخِيَارُ وَيَنْتَقِلُ حَقٌّ مِنْ الْبَائِعِ إلَى الْآخَرِ فَيَتَعَذَّرُ إبْطَالُ الْبَيْعِ فِي حِصَّةِ الْبَائِعِ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) : أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْبَائِعَ عَالِمٌ بِحِصَّةِ، وَالِدِهِ بِلَا شَكٍّ، وَأَنَّهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثٌ، وَأَنَّهَا أُفْرِدَتْ ثُمَّ وُرِثَتْ عَنْ، وَالِدِهِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِوَرَثَةِ وَالِدِهِ عَالِمٌ بِمَقَادِيرِ أَنْصِبَائِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَنْ الْعَوَامّ وَبَيْنَ تَارِيخِ، وَالِدِهِ وَوَالِدَتِهِ وَتَارِيخِ بَيْعِهِ، وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ حِصَّتُهُ فِي يَدِهِ فَكَيْف يَكُونُ جَاهِلًا بِهَا بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِهَا وَنَصِيبِ إخْوَتِهِ مِنْ الْحِصَّةِ الْمَفْرُوزَةِ، وَالْمَوْرُوثَةِ عَنْ وَالِدِهِ الْمَنْسُوبَةِ مِنْ الضَّيْعَةِ، وَلَوْ ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ حَالِهِ لَا يُصَدِّقُهُ عَلَى ذَلِكَ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) : أَنَّ الْحِصَّةَ الْمَفْرُوزَةَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَلَيْهَا: إنَّهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثُ سَهْمٍ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا الْآنَ إذَا نُسِبَتْ مِنْ الضَّيْعَةِ كَانَتْ نِسْبَتُهَا ذَلِكَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهَذِهِ النِّسْبَةُ تَكْفِي فِي مَعْنَى الْإِشَاعَةِ فَيَصِحُّ عَلَيْهَا أَنَّهَا الْآنَ مَقْسُومَةُ مَالٍ كَامِلٍ وَيَصِحُّ عَلَيْهَا أَنَّهَا سِهَامٌ مُشَاعَةٌ مِنْ الْقَرْيَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِشَاعَةِ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ كَمَا أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهَا سِهَامًا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثَ سَهْمٍ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَحِصَّةُ الْبَائِعِ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَثُلُثُ سَهْمٍ مِنْ تِلْكَ السِّهَامِ يَصِحُّ عَلَيْهَا أَيْضًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَنَّهَا الْآنَ مُشَاعَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ، وَهِيَ مُشَاعَةٌ مِنْ أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ نَصِيبِ وَالِدِهِ الْمَفْرُوزِ بِالْقِسْمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ مَاتَ وَخَلَفَ بِنْتًا صَغِيرَةً وَأَخًا غَائِبًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَ الْحَاكِمُ التَّرِكَةَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَوَفَّى بِهِ الدَّيْنَ، ثُمَّ حَضَرَ الْأَخُ الْغَائِبُ وَأَثْبَتَ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ.
(الْجَوَابُ) يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَجِبُ تَوْفِيَتُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ مِنْ نَصِيبِ الْيَتِيمَةِ، وَالْأَخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) فِيمَنْ بَاعَ بَغْلِطَاقًا بِطُرُزٍ مُزَرْكَشَةٍ وَادَّعَى اسْتِحْقَاقَهُ رَدَّهُ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ فِي الْبَغْلِطَاقِ فَقَالَ الْبَائِعُ: هَذَا الطِّرَازُ الَّذِي هُوَ الْآنَ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي بِعْتُكَهُ بِهِ فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، أَوْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إنَّ هَذَا الطِّرَازَ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ
стр. 296
وَلَمْ أَرَ غَيْرَهُ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ.
(الْجَوَابُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي الطِّرَازِ هَلْ هُوَ الَّذِي تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي، أَوْ لَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَلَا يُسْمَعُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي: أَنَّهُ هَذَا الْمَوْجُودُ فِي الْبَغْلِطَاقِ الْآنَ، وَإِذَا ثَبَتَ بِحَيْثُ لَا بَغْلِطَاقَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ الطِّرَازِ.
أَمَّا رَدُّ الْقَبَاءِ بِدُونِهِ فَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ لَهُ الرَّدَّ وَيَأْخُذُ مِنْ الْبَائِعِ قِسْطَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي قِيمَةِ الطِّرَازِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْقَبَاءِ فَيُقَسِّطُ الثَّمَنَ عَلَى الْقِيمَتَيْنِ، وَيَغْرَمُ الْبَائِعُ مَا يَخُصُّ الْقَبَاءَ بِدُونِ الطِّرَازِ وَيُسَلِّمُ لَهُ الْقَبَاءَ مُجَرَّدًا وَبَقِيَّةَ الثَّمَنِ وَيُسَلِّمُ الْمُشْتَرِي الطِّرَازَ، وَمَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّمَنِ، قَالَ ﵁: هَذَا هُوَ الَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ الرَّافِعِيِّ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الرَّدُّ مُطْلَقًا فِي الطِّرَازِ، وَالْقَبَاءِ جَمِيعًا وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْعَيْبِ الَّذِي ثَبَتَ، وَأَمَّا كَوْنُ الْقَوْلِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي فَبَاطِلٌ.
(مَسْأَلَةٌ) الَّذِي يَظْهَرُ بِدَلَالَةِ حَدِيثِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّهُمَا إذَا تَبَايَعَا أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ لَهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «بَيْعُ الْخِيَارِ» ، وَتَأَمُّلُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ حَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ لَا عَلَى خِيَارِ الثَّلَاثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) اشْتَرَى مِلْكًا وَأَقَامَ فِي يَدِهِ مُدَّةً فَظَهَرَ مَكْتُوبٌ يَتَضَمَّنُ أَنَّ بَعْضَهُ وَقْفٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَأَخْبَرَهُ بَعْضُ عَدُوٍّ لَهُ وَأَشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِهِمْ بِالْوَقْفِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْخِيَارِ وَإِلَّا فَإِنْ عَلِمَ الْآنَ وُجُودَ الْمَكْتُوبِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مُزَوَّرًا ثَبَتَ الْخِيَارُ، وَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِلَّا فَلَا خِيَارَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ اشْتَرَى جَارِيَةً، وَلَهَا ابْنَةٌ صَغِيرَةٌ سِنُّهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَاسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ، فَهَلْ يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، أَوْ بَيْعُ ابْنَتِهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ بِرِضَاءِ، وَالِدَتِهَا أَمْ لَا؟
(الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ يَجُوزُ بَيْعُ ابْنَتِهَا الْمَذْكُورَةِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا بِالرِّضَا وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقْتَضِي جَوَازَهُ فِي هَذَا السِّنِّ فِي الْقِنَّةِ فَفِي الْمُسْتَوْلَدَةِ أَوْلَى وَلَكِنَّ الْمَنْعَ أَقْوَى لِبَقَاءِ الْحَجْرِ فَنَقُولُ فِيهَا بِالْمَنْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) فِي الْوَشْمِ النَّجِسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ مِنْ الْيَدِ هَلْ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَالْأَعْيَانِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا وَهَلْ يَكُونُ كَالثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِصِبْغٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ بَيْعُهُ صَحِيحًا عَلَى رَأْيِ الْغَزَالِيِّ دُونَ غَيْرِهِ أَمْ يُقْطَعُ فِي هَذَا بِالصِّحَّةِ لِقِلَّتِهِ؟
(الْجَوَابُ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: الَّذِي أَرَاهُ الْقَطْعَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا سَأَلْت عَنْهُ، وَإِنَّ الْوَشْمَ النَّجِسَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْوَشْمِ النَّجَسِ لَيْسَتْ مَبِيعَةً وَلَا جُزْءًا مِنْ الْمَبِيعِ، وَإِنَّمَا هِيَ وَصْفٌ لِذَلِكَ عَلَى هَذَا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: إنَّهُ لَا يُقَابِلُهَا قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْيَدَيْنِ وَصْفٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَحَدُ الْعَبْدَيْنِ
стр. 297
حُرٌّ بِلَا خِلَافٍ، وَالسَّنَدُ هُوَ جُزْءٌ، أَوْ وَصْفٌ فِيهِ خِلَافٌ
وَالْأَعْيَانُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا مَبِيعَةٌ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا مَبِيعٌ يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ، وَالصِّبْغُ النَّجِسُ فِي الثَّوْبِ كَالْجُزْءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَهُ يَكُونُ شَرِيكًا لِصَاحِبِ الثَّوْبِ كَجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَلَا يُنْكِرُ جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَمَّا يَدُ الْعَبْدِ، وَالْجَارِيَةِ فَلَا تَسِيغُ الصِّبْغَ وَلَا جُزْءَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ حَتَّى لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهَا نَجِسَةٌ كُلُّهَا لَمْ تَمْنَعْ صِحَّةَ بَيْعِ الْعَبْدِ، وَالْجَارِيَةِ الَّتِي هِيَ مِنْهُمَا فَكَيْف، وَهِيَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ وَلَا مُتَنَجِّسَةٍ، وَإِنَّمَا الْعَيْنُ النَّجِسَةُ مِنْ الْكُحْلِ وَغَيْرِهِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْوَشْمُ مُودَعٌ فِيهَا كَعَيْنٍ نَجِسَةٍ مُلْصَقَةٍ بِالْكَفِّ قَدْ الْتَصَقَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ أَبَدًا هَلْ يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ صَاحِبِ الْكَفِّ لِأَجْلِ اتِّصَالِ النَّجَاسَةِ.
وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ هَذَا، وَالْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ، وَالْمُتَنَجِّسَةِ بِمَا لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَعْيَانَ أَجْزَاؤُهَا مَقْصُودَةٌ جُمْلَتُهَا، وَلَا مَعْنَى لِجُمْلَتِهَا إلَّا مَجْمُوعُ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ. وَالْآدَمِيُّ بَلْ غَيْرُهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ صُورَتُهُ وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِأَنَّا الَّذِي نَتَكَلَّمُ فِيهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ فَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشَارُ إلَيْهِ بِأَنَّا هُوَ الْمَبِيعُ الْمُقَابَلُ بِالثَّمَنِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي الْأُصُولِ مَعْرُوفٌ. وَحَظُّنَا مِنْهُ هُنَا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الْمَبِيعَ الْمُقَابِلَ لِلثَّمَنِ الصُّورَةُ الْأَصْلِيَّةُ مَعَ الْمَعْنَى الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالنَّفْسِ وَلَا غَرَضَ لِلْفَقِيهِ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ نَفْهَمُهُ فَالْيَدُ، وَالرِّجْلُ وَنَحْوُهُمَا لَيْسَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ نَقُولُ: هِيَ أَوْصَافٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ لِأَجْلِهِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِفَقْدِهَا وَبِعَيْنِهَا وَلَا يَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ عَلَيْهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَنَجُّسُهَا أَعْنِي أَنْ تَحِلَّ فِيهَا نَجَاسَةٌ نَحْكُمُ عَلَيْهَا كُلِّهَا بِأَنَّهَا نَجِسَةٌ بِسَبَبِهَا كَمَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ بِمَا يَحِلُّ فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُخَالِطَةِ لَهُ، أَوْ الْمُجَاوِرَةِ، وَكَمَا يَتَنَجَّسُ الدُّهْنُ بِمَا لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ مِنْهُ وَكَمَا يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ بِالصِّبْغِ النَّجِسِ بَلْ غَايَةُ هَذَا نَجَاسَةٌ أُدْخِلَتْ تَحْتَ الْجِلْدِ.
وَقَدْ صَعُبَ فَصْلُهَا كَنَجَاسَةٍ مُلْصَقَةٍ فِي ظَاهِرِ الْجِلْدِ لَا يَقْصِدُهَا الْمُشْتَرِي وَلَا يُقَابِلُهَا بِشَيْءٍ فَالْمَبِيعُ الْمَقْصُودُ كُلُّهُ طَاهِرٌ؛ فَلِذَلِكَ أَقْطَعُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْوَشْمِ النَّجِسِ، وَعِنْدِي فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي تَوَقُّفٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَنْقُصْ بِهِ عَيْنٌ وَلَا قِيمَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَثْبُتُ وَيَخْتَلِفُ إذَا أَمْكَنَ فَصْلُهُ بِعَيْبٍ مُعْتَبَرٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَصْلُهُ أَصْلًا فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ مَعَ عَدَمِ نُقْصَانِ الْعَيْنِ، وَالْقِيمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[كِتَابُ الرَّهْنِ]
(كِتَابُ الرَّهْنِ) نَثْرُ الْجُمَانِ فِي عُقُودِ الرَّهْنِ، وَالضَّمَانِ (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: أَحْمَدُ اللَّهَ وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ
стр. 298
وَأُسَلِّمُ. وَبَعْدُ فَقَدْ صَنَّفْت كُرَّاسَةً سَمَّيْتهَا (عِقْدَ الْجُمَانِ فِي عُقُودِ الرَّهْنِ وَالضَّمَانِ) ثُمَّ اخْتَصَرْتهَا وَسَمَّيْتهَا (عِقْدَ الْجُمَانِ فِي عَقْدِ الضَّمَانِ) وَتَضَمَّنَتْ مَسَائِلَ مِنْهَا مَنْقُولَةٌ كَمَا هِيَ، وَمِنْهَا حَرَّرْتهَا بِفِكْرِي وَأَحْبَبْت أَنْ أُجَرِّدَ تِلْكَ الْمَسَائِلَ هُنَا مُخْتَصَرَةً غَيْرَ مَنْسُوبَةٍ لِتُسْتَفَادَ وَسَمَّيْتهَا (نَثْرُ الْجُمَانِ) وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِمَا يُرْضِيه بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَا ضَمِنَّا مَالَك عَنْ فُلَانٍ. فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُطَالَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الدَّيْنِ. وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُطَالَبُ بِجَمِيعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ قَالَ سَيِّدَاهُ: رَهَنَّاهُ بِالْأَلْفِ الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ يَكُونُ نَصِيبُ كُلٍّ مِنْهُمَا رَهْنًا بِجَمِيعِ الْأَلْفِ.
(مَسْأَلَةٌ) رَهَنَّا رَهْنًا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا فَهُوَ رَهْنَانِ مَنْ أَدَّى مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ انْفَكَّ نَصِيبُهُ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَا أَنَّ نَصِيبَ كُلٍّ مِنْهُمَا رَهْنٌ بِالْجَمِيعِ فَيَكُونُ قَدْ رَهَنَهُ بِدَيْنِهِ وَدَيْنِ غَيْرِهِ فَيَصِحُّ وَلَا يَنْفَكُّ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ.
(مَسْأَلَةٌ) عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ: أَذِنْت لَك أَنْ تَرْهَنَ الْعَبْدَ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك، وَهُوَ مِائَةٌ فَرَهَنَهُ بِهَا صَحَّ وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ إلَّا بِجَمِيعِهَا عَلَى الصَّحِيحِ. (مَسْأَلَةٌ) قَالَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ: أَذِنْت لَك أَنْ تَرْهَنَ نِصْفِي بِدَيْنِك، وَهُوَ مِائَةٌ فَرَهَنَ الْجَمِيعَ بِمِائَةٍ صَحَّ وَلَا يَنْفَكُّ إلَّا بِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ: أَذِنْت لَك أَنْ تَرْهَنَ نِصْفِي بِدَيْنِك، وَهُوَ خَمْسُونَ فَرَهَنَ الْجَمِيعَ بِمِائَةٍ فَقَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّ نَصِيبَ الْمُعِيرِ يَنْفَكُّ بِأَدَاءِ خَمْسِينَ، أَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ فَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ يَنْفَكُّ بِخَمْسِينَ، وَعِنْدِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفَكَّ إلَّا بِالْجَمِيعِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا فَكَكْنَا فِي نِصْفِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي الرَّهْنِ بِالزَّائِدِ، وَهَذَا قَدْ رُهِنَ بِنَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ رَهَنَ نِصْفَهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَنِصْفَ شَرِيكِهِ عَلَى النِّصْفِ.
(مَسْأَلَةٌ) اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ مَالِكَيْهِ، وَقَالَا لَهُ: ارْهَنْهُ عَلَى دَيْنِك، وَهُوَ مِائَةٌ فَرَهَنَهُ بِهَا لَمْ يَنْفَكَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا إلَّا بِجَمِيعِهَا عَلَى الصَّحِيحِ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ، وَكَذَا إذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: ارْهَنْ نَصِيبِي مَعَ نَصِيبِ الْآخَرِ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَالْحَالَةُ هَذِهِ: ارْهَنْ نَصِيبِي بِخَمْسِينَ فَرَهَنَ الْجَمِيعَ بِمِائَةٍ فَالْقَوْلَانِ، وَالصَّحِيحُ الِانْفِكَاكُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَدَاءِ خَمْسِينَ. (مَسْأَلَةٌ) قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: ارْهَنْ نَصِيبِي بِخَمْسِينَ فَرَهَنَ الْجَمِيعَ بِخَمْسِينَ صَحَّ وَلَا يَنْفَكُّ إلَّا بِأَدَائِهَا. (مَسْأَلَةٌ) مُشْتَرِكَانِ فِي عَبْدَيْنِ أَذِنَا فِي رَهْنِهِمَا فَتَعُودُ الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: يَتَعَدَّدُ الرَّهْنُ هُنَا لِتَعَدُّدِ الْمَرْهُونِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَا ضَمِنَّا الْأَلْفَ الَّتِي لَك عَلَى فُلَانٍ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِجَمِيعِهَا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ، وَيَأْتِي فِيهِ الْوَجْهُ الْآخَرُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي قَوْلِهِمَا ضَمِنَّا مَالَك عَلَى فُلَانٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) قَالَا ضَمِنَّا الْمَبْلَغَ الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ، وَهُوَ مِائَةٌ
стр. 299
كَانَ كَقَوْلِهِمَا: ضَمِنَّا مَالَك عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) مَسْطُورٌ عَلَى شَخْصٍ بِأَلْفٍ وَفِيهِ: وَحَضَرَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَضَمِنَّا الْمَبْلَغَ الْمَذْكُورَ كَانَ كَقَوْلِهِمَا: ضَمِنَّا الْأَلْفَ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ، وَاللَّامَ هُنَا لِلْعَهْدِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا لِلْعُمُومِ وَحَيْثُ كَانَتْ لِلْعُمُومِ كَانَ ضَمَانُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْجَمِيعِ أَوْلَى مِنْهُ حَيْثُ كَانَتْ لِلْعَهْدِ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ فِيهِمَا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي الرَّهْنِ وَصَوَّرَهُ فِي الْأَلْفِ، وَإِنْ كَانَ فِي الضَّمَانِ صَوَّرَهُ فِي لَفْظِ عُمُومٍ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَأَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ كُلٌّ مِنَّا عَلَى الْكَمَالِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْجَمِيعِ. (مَسْأَلَةٌ) قَالَا: أَلْقِ وَنَحْنُ ضَامِنَانِ كُلٌّ مِنَّا عَلَى الْكَمَالِ. لَمْ أَجِدْهَا مَنْقُولَةً وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ الشَّرْطُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّوْزِيعَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا النِّصْفُ اسْتِقْلَالًا، وَالنِّصْفُ بِطَرِيقِ الضَّمَانِ الْحَقِيقِيِّ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَخْرُجُ عَنْ ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ. (مَسْأَلَةٌ) قَالَ: أَلْقِ وَأَنَا وَهُمْ ضَامِنُونَ وَطَلَّقَ لَزِمَهُ بِالْحِصَّةِ أَيْضًا. (مَسْأَلَة) فَلَوْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ وَهُمْ ضَامِنُونَ لَزِمَهُ الْجَمِيعُ فِي الْأَصَحِّ وَاَللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[بَيْع الْمَرْهُون فِي غيبَة الْمَدْيُون]
(مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْمَرْهُونِ فِي غَيْبَةِ الْمَدْيُونِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَادِلِ فِي قَضَائِهِ الْمَانِّ بِبَعْثَةِ أَنْبِيَائِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ مَا ذَكَرَهُ ذَاكِرٌ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَبَعْدُ فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا، وَهِيَ بَيْعُ الْمَرْهُونِ فِي غَيْبَةِ الْمَدْيُونِ حَرَّكَنِي لِلْكِتَابَةِ فِيهَا أَنَّهُ سُئِلَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَنْ رَجُلٍ رَهَنَ دَارًا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ ثُمَّ غَابَ وَلَهُ دَارٌ أُخْرَى غَيْرُ مَرْهُونَةٍ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى الْغَائِبِ وَأَثْبَتَ دَيْنَهُ وَرَهَنَهُ وَكَانَتْ كُلٌّ مِنْ الدَّارَيْنِ يُمْكِنُ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا، فَتَرَكَ الْقَاضِي بَيْعَ الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ، وَبَاعَ الدَّارَ الَّتِي لَيْسَتْ مَرْهُونَةً، وَاخْتَبَطَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا فَمِنْ قَائِلٍ: إنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْهُونِ وَغَيْرِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ، وَمِنْ قَائِلٍ: إنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا قَدْ يُتَّجَهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ مُسْتَحَقٌّ وَبَيْعَ غَيْرِ الرَّهْنِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، وَلَا وَجْهَ لِبَيْعِ غَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ مَعَ إمْكَانِ الْمُسْتَحَقِّ.
فَإِنْ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ مُسْتَحَقٌّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا إذَا تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ وَمَعَ وُجُودِ مَالٍ آخَرَ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ. قُلْت: الِاسْتِحْقَاقُ تَأَخَّرَ الْآنَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَصْحَابَ لَمَّا تَكَلَّمُوا فِيمَا إذَا أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ وَأَطْلَقَ الْإِذْنَ وَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا، وَقَدْ حَلَّ قَالُوا: يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْحَقِّ مِنْ ثَمَنِهِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِلْبَيْعِ فِي حَقِّهِ بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ، فَيَصِيرُ مُطْلَقَ الْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ إلَيْهِ، فَإِنْ شَرَطَ قَضَاءَ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ فَقَدْ
стр. 300
زَادَ تَأْكِيدًا، وَهَذَا التَّعْلِيلُ عِبَارَةُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يُوَافِقُهُ، وَهَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ يُبَيِّنُ أَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ مُسْتَحَقٌّ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ امْتِنَاعٌ مِنْ الرَّاهِنِ وَلَا تَعَذُّرٌ فَإِنَّ الصُّورَةَ فِي الْإِذْنِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا امْتِنَاعٌ وَلَا تَعَذُّرٌ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِلْبَيْعِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُفِيدُ إطْلَاقَ عِبَارَةِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ. قُلْت لَا مُنَافَاةَ لِلْأَصْحَابِ ثَلَاثُ عِبَارَاتٍ ثَالِثُهَا مُسْتَحَقٌّ الْبَيْعَ إنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَهِيَ عِبَارَةُ الْمُتَوَلِّي، وَمَقْصُودُ الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ تَأَخَّرَ، وَالْبَيْعُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَفَاءِ، فَإِنْ وُجِدَ الْوَفَاءُ انْفَكَّ الرَّهْنُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِي الرَّهْنِ مَا دَامَ رَهْنًا، وَمَنْ أَطْلَقَ التَّعَذُّرَ فَمُرَادُهُ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّاهِنِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا عَدَمُ الْوَفَاءِ دُونَ التَّعَذُّرِ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ كَانَ بَيْعُ الرَّهْنِ مُسْتَحَقًّا قَبْلَ التَّعَذُّرِ لَمَا احْتَجْنَا إلَى مُرَاجَعَةِ الرَّاهِنِ وَاسْتِئْذَانِهِ، وَلَكَانَ يَجُوزُ لَنَا الْمُبَادَرَةُ بِالْبَيْعِ. قُلْت: اسْتِحْقَاقُ الْبَيْعِ مَعْنَاهُ اسْتِحْقَاقُ أَنْ يُبَاعَ فِي دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْبَيْعُ يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْمَالِكِ مِنْ رَجْعٍ لِذَلِكَ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ. فَإِنْ قُلْت: الْمُسْتَحَقُّ عَلَى الرَّهْنِ إنَّمَا هُوَ وَفَاءٌ لِلدَّيْنِ.
قُلْت لَا نُسَلِّمُ الْحَصْرَ بَلْ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: وَفَاءُ الدَّيْنِ الثَّابِتِ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَالثَّانِي تَجَدُّدٌ بِالرَّهْنِ، وَهُوَ بَيْعُ الرَّهْنِ فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يُوَفَّى مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإِنْ قُلْت: فَحِينَئِذٍ نَقُولُ: إنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَقُّ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا بَيْعُهُ، وَإِمَّا وَفَاءُ الدَّيْنِ. قُلْت: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ تُوصَفُ كُلُّ خُصْلَةٍ مِنْهُ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ وَاجِبٌ عَيْنًا قَبْلَ الرَّهْنِ فَلَا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ التَّعَيُّنُ بِالرَّهْنِ بَلْ تَجَدَّدَ بِالرَّهْنِ حَقٌّ آخَرُ مَعَهُ، وَهُوَ بَيْعُ الرَّهْنِ، وَالرَّاهِنُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ قَطْعِ هَذَا الْحَقِّ بِالْوَفَاءِ. فَإِنْ قُلْت: لَوْ كَانَ بَيْعُ الرَّهْنِ مُسْتَحَقًّا قَبْلَ الِامْتِنَاعِ لَكَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ قَبْلَ الِامْتِنَاعِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُ الرَّاهِنَ بِالْوَفَاءِ، فَإِنْ امْتَنَعَ بَاعَ الرَّهْنَ. قُلْت: إنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ فَيَبْدَأُ الْحَاكِمُ بِهِ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْوَفَاءِ، وَهُوَ إلَى خِيرَةِ الرَّاهِنِ فَكَانَتْ الدَّعْوَى بِهِ غَيْرَ مُلْزِمَةٍ، وَالدَّعْوَى بِالْوَفَاءِ مُلْزِمَةً يَلْزَمَهُ الْوَفَاءُ إمَّا مِنْ الرَّهْنِ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الرَّهْنِ إذَا اخْتَارَ الْوَفَاءَ مِنْ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ الْحَاكِمُ أَوَّلًا عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِالْوَفَاءِ وَنَحْنُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إمَّا أَنْ نَقُولَ: حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ إلَّا أَنْ يُسْقِطَهُ الرَّاهِنُ بِالْوَفَاءِ، وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ: حَقُّهُ إمَّا فِي بَيْعِهِ، وَإِمَّا فِي الْوَفَاءِ وَنَصِفُ كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِالْوُجُوبِ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ مِنْهَا مُطَالَبَةُ الْمَوْلَى بِالْعُنَّةِ، أَوْ الطَّلَاقِ إمَّا أَنْ نَقُولَ: يُطَالَبُ بِالْعُنَّةِ وَلَهُ قَطْعُ الْمُطَالَبَةِ بِالطَّلَاقِ، وَإِمَّا أَنْ
стр. 301
نَقُولَ يُطَالَبُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؛ وَمِنْهَا الْمَدْيُونُ إذَا حَضَرَ الدَّيْنُ فَامْتَنَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ مِنْ قَبْضِهِ، فَإِمَّا أَنْ نَقُولَ: يُطَالِبُهُ بِالْقَبْضِ، أَوْ الْإِبْرَاءِ، وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ: يُطَالِبُهُ بِالْقَبْضِ إلَّا أَنْ يُسْقِطَهُ بِالْإِبْرَاءِ، وَهَذَا الِاسْتِحْقَاقُ الْحَاصِلُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا شَكَّ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ قَبْلَ الرَّهْنِ مِنْ الْوَفَاءِ فَلَا يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْقَصُ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ قَبْلَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْمُهِمَّ أَنْقَصُ مِنْ الْعَيْنِ، وَهُوَ كَانَ قَبْلَ الرَّهْنِ يَسْتَحِقُّ الْوَفَاءَ عَيْنًا فَكَيْف يَنْقُصُ حَقُّهُ بِالرَّهْنِ فَثَبَتَ أَنَّ لَهُ بِالرَّهْنِ حَقًّا زَائِدًا عَلَى الْوَفَاءِ عَيْنًا مُضَافًا مَعَهُ، وَهُوَ بَيْعُ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَسْقُطَ هَذَا الْحَقُّ الثَّانِي بِالْوَفَاءِ.
فَإِنْ قُلْت: مِنْ جُمْلَةِ طُرُقِ الْوَفَاءِ بَيْعُ الرَّهْنِ فَكَيْف يَكُونُ مُعَادِلًا لِلْوَفَاءِ، وَالْوَفَاءُ مِنْ الرَّهْنِ أَحَدُ أَقْسَامِ الْوَفَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَسِيمُ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ. قُلْت: لَمْ نَجْعَلْ قَسِيمَ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ وَلَا عَادَلْنَا بَيْنَ الْوَفَاءِ وَبَيْنَ الْوَفَاءِ مِنْ الرَّهْنِ بَلْ الْوَفَاءُ بَيْعُ الرَّهْنِ، وَبَيْعُ الرَّهْنِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْوَفَاءِ، وَطَرِيقُ الشَّيْءِ مُغَايِرَةٌ لَهُ تَجُوزُ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، وَمِمَّا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَفَاءِ تَأْدِيَةُ الدَّيْنِ لِمُسْتَحِقِّهِ، أَوْ تَعْوِيضُهُ عَنْهُ إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ وَتَرَاضَيَا بِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي يُؤَدِّيه، أَوْ يُعَوِّضُهُ فِي مِلْكِهِ، أَوْ يُحَصِّلُهُ بِاقْتِرَاضٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ طُرُقِ التَّحْصِيلِ كَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الطُّرُقِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ الطُّرُقِ بَيْعُ الرَّهْنِ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الطُّرُقِ يَسْتَقِلُّ الرَّاهِنُ بِهَا إلَّا بَيْعَ الرَّهْنِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الطُّرُقِ جَمِيعِهَا مُسْتَحَقٌّ إلَّا بَيْعُ الرَّهْنِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِذَا قُلْنَا لِلرَّاهِنِ: إمَّا أَنْ تَبِيعَ الرَّهْنَ، وَإِمَّا أَنْ تُوَفِّيَ الدَّيْنَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شِئْت، وَإِمَّا أَنْ تُوَفِّيَ مِنْ النَّقْدِ الَّذِي بِيَدِك، وَإِمَّا أَنْ تَبِيعَ عَيْنًا مِنْ مَالِك غَيْرَ الرَّهْنِ وَتُوَفِّيَ مِنْهُ كَانَ تَخْيِيرًا بَيْنَ الْخَصْلَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ تَخْيِيرًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَاجِبَيْنِ عَلَيْهِ.
أَمَّا الثَّالِثَةُ، وَالرَّابِعَةُ فَلَا تَجِبُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا مُسْتَحَقًّا. وَسَنَزِيدُ هَذَا بَيَانًا وَتَقْرِيرًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي تَقْرِيرِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنْ قُلْت يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَيَّرَ الرَّاهِنُ إلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ، وَالْآخَرُ أَيُّ طَرِيقٍ شَاءَ مِنْ طُرُقِ التَّحْصِيلِ؛ إمَّا بَيْعُ الرَّهْنِ، وَإِمَّا بَيْعُ غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَإِمَّا تَحْصِيلُهُ بِجِهَةٍ أُخْرَى بَلْ لَا يَكُونُ الْوَاجِبُ إلَّا وَفَاءَ الدَّيْنِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ وَجَمِيعُ الطُّرُقِ وَسَائِلُ إلَيْهِ.
قُلْت يَرُدُّهُ اتِّفَاقُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَفَاءِ يَبِيعُ الْقَاضِي الرَّهْنَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ مِنْ اسْتِوَاءِ الطُّرُقِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ وَغَيْرَهُ مَعَ امْتِنَاعِ الرَّاهِنِ وَحُضُورِهِ وَلَا قَائِلَ بِهِ نَعْلَمُهُ، وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ مُسْتَحَقٌّ.
стр. 302
فَإِنْ قُلْت: سَلَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى، وَهِيَ أَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ مُسْتَحَقٌّ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ، وَهِيَ أَنَّ بَيْعَ غَيْرِ الرَّهْنِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ. قُلْت: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَحَقًّا لَكَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَهُ عِنْدَ حُضُورِ الرَّاهِنِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْوَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ. فَإِنْ قُلْت، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ لَكِنَّ الْفِقْهَ يَقْتَضِيه؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا اقْتَضَى التَّوْثِقَةَ، أَمَّا وَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فَيَتَخَيَّرُ الْقَاضِي فِي بَيْعِهِ وَبَيْعِ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَهْنٌ. قُلْت هَذَا مَعَ كَوْنِهِ مُجَانِبًا لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ اقْتَضَى الشَّيْئَيْنِ؛ التَّوْثِقَةَ، وَالْبَيْعَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَفَاءِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْقَاضِي إنَّمَا يَبِيعُ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَبِيعُ غَيْرُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَيَبِيعُ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ.
فَإِنْ قُلْت: أَلَيْسَ الرَّهْنُ وَغَيْرُهُ طَرِيقًا لِوَفَاءِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ، وَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ فَيَجِبُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا لِوَفَاءِ الدَّيْنِ وَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّهْنُ وَغَيْرُهُ. قُلْت: كَوْنُ الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ طَرِيقًا صَحِيحٌ، وَكَوْنُ وَسِيلَةِ الْوَاجِبِ وَاجِبَةً صَحِيحٌ، وَاسْتِوَاءُ الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ قَدْ عَيَّنَ الرَّهْنَ لِلْوَفَاءِ بِرَهْنِهِ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ امْتَنَعَ وَلَمْ يَكُنْ رَهْنٌ كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ مَا شَاءَ مِنْ أَمْوَالِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الرَّهْنِ. قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَهْنٌ لَيْسَ بَيْعُ بَعْضِ الْأَمْوَالِ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَخَيُّرِ الْقَاضِي، وَلَا حَاجَةَ هَهُنَا لِتَعَيُّنِ الرَّهْنِ بِتَعْيِينِ الرَّاهِنِ، وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ وَلَا رَهْنَ كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُتْلِفَ أَمْوَالَهُ، وَعِنْدَ الرَّهْنِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَالْأَصْحَابَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الدَّيْنِ ضَامِنٌ وَلَا رَهْنَ جَازَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْ الضَّامِنِ، وَالْأَصِيلِ، وَلَوْ كَانَ بِالدَّيْنِ ضَامِنٌ وَرَهْنٌ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يُطَالِبُ الضَّامِنَ، وَالْأَصِيلَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَهْنٌ، وَالثَّانِي لَا يُطَالِبُ الضَّامِنَ بَلْ يُبَاعُ الرَّهْنُ، فَكَانَ جَازَ أَنْ يَخْتَلِفَ الْحَالُ فِي الضَّامِنِ بَيْنَ حَالَةٍ وَعَدَمِهَا جَازَ أَنْ يَخْتَلِفَ فِي بَيْعِ الْحَاكِمِ بَيْنَ حَالَةِ الرَّهْنِ وَعَدَمِهَا بَلْ هُوَ فِي الْحَاكِمِ أَظْهَرُ لَا يُعْتَقَدُ خِلَافُهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الضَّمَانِ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِيهَا بَقَاءُ الْخِيَرَةِ. فَإِنْ قُلْت هَلْ نَقُولُ: إنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ يَنْحَصِرُ فِي الرَّهْنِ؟ .
قُلْت: لَا، وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَتَعَلَّقَ بِكَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْقِيقٍ فَنَقُولُ: أَمَّا الدَّيْنُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ بَاقٍ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّهْنِ وَلَا مُنَازَعَةَ فِي هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ، وَكَانَ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْلَ الرَّهْنِ الْمُطَالَبَةُ بِمُطْلَقِ الْوَفَاءِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، وَهَذَا لَا يَنْقَطِعُ بِالرَّهْنِ بَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بَعْدَهُ بِهِ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ
стр. 303
ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ.
وَهُوَ يَمْنَعُ إطْلَاقَ الِانْحِصَارِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةٌ بِبَيْعِ هَذِهِ الْعَيْنِ بِخُصُوصِهَا عِنْدَ الِامْتِنَاعِ عَنْ الْوَفَاءِ وَتَجَدَّدَتْ لَهُ هَذِهِ الْمُطَالَبَةُ بِالرَّهْنِ بِلَا إشْكَالٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَبِيعُ غَيْرَهَا عَيْنًا، وَكَذَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَمِنْ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ تَوَهَّمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الِانْحِصَارَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ قَالَ: لَا يُكَلَّفُ تَحْصِيلُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِمَعْنَى لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا قَبْلَ الرَّهْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ مُقْتَضَى الرَّهْنِ تَوْفِيَةُ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِتَجَدُّدِ الْمُطَالَبَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بَقِيَ هُنَا شَيْئَانِ آخَرَانِ هُمَا مِنْ تَتِمَّةِ الْبَحْثِ.
أَحَدُهُمَا: إذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ نَقْدٌ لَهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ بَيْعِ الرَّهْنِ هَلْ نُجْبِرُهُ فِي ذَلِكَ إذَا طَلَبَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا نُجْبِرُهُ بَلْ يُبَاعُ الرَّهْنُ اتَّجَهَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ الِانْحِصَارِ. وَلَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْأَصْحَابُ فَالْوَجْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ وَاجِبٌ فَالْعُدُولُ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْبَيْعِ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُوَافِقُهُ بَلْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَالْفِقْهُ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ.
لِلثَّانِي إذَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ نَقْدٌ وَلَهُ أَعْيَانٌ غَيْرُ الرَّهْنِ يُمْكِنُ بَيْعُهَا فَهَلْ يَتَخَيَّرُ الْقَاضِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّهْنِ كَمَا قَبْلَ الرَّهْنِ، أَوْ يَتَعَيَّنُ بَيْعُ الرَّهْنِ وَلَا يُبَاعُ غَيْرُهُ، فَإِنْ ثَبَتَ الْأَوَّلُ بَطَلَ الْقَوْلُ بِالِانْحِصَارِ، وَإِنْ ثَبَتَ الثَّانِي سَاغَ إطْلَاقُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَنْحَصِرْ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ غَيْرُ الرَّهْنِ لِوُجُودِ طَرِيقٍ سَوَاءٌ إلَى الْوَفَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا حَقَّ لَهُ فِي بَيْعِ غَيْرِ الرَّهْنِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بَيْعُهُ وَلَا انْحِصَارَ بَلْ لَا حَقَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ الَّذِي لَيْسَ بِمُرْتَهِنٍ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِ الْمَدْيُونِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ الْوَفَاءُ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ حَقُّهُ فِي الْوَفَاءِ وَلَا نَقْدَ بِيَدِهِ صَارَ الْبَيْعُ وَسِيلَةً إلَى حَقِّهِ فَيَكُونُ حَقًّا لَهُ أَيْضًا.
قُلْت لَمْ يَتَعَيَّنْ الْبَيْعُ فَقَدْ يَحْصُلُ الْوَفَاءُ بِالْإِقْرَاضِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الطُّرُقِ. فَإِنْ قُلْت: بِفَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ طَرِيقٌ إلَى الْبَيْعِ قُلْت: انْحِصَارُ الطُّرُقِ فِي الْبَيْعِ لَيْسَ مِنْ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ الْوَاقِعُ فَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ لَامْتَنَعَ عَلَى الْمَدْيُونِ أَنْ يَبِيعَ وَيَعْتِقَ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَجْرٍ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ جَازَ الْبَيْعُ لَا يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغَيْرِ وَكُلُّ مَوْضِعٍ تَعَلَّقَ لَا يُجَازُ الْبَيْعُ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْبَيْعَ لَمَا بَاعَهُ الْقَاضِي فِي حَقِّهِ. قُلْت: لَا نُسَلِّمُ بَلْ الْقَاضِي إذَا ثَبَتَ حَقُّهُ وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إلَيْهِ غَيْرَ الْبَيْعِ يَبِيعُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ لَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِهِ بِخُصُوصِهِ. فَإِنْ قُلْت: الْقَوْلُ بِأَنَّ بَيْعَ
стр. 304
غَيْرِ الرَّهْنِ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَى التَّعْيِينِ، أَوْ لَا يُسْتَحَقُّ لَا عَلَى التَّعْيِينِ وَلَا عَلَى الْإِبْهَامِ قُلْت: لَا يُسْتَحَقُّ لَا عَلَى التَّعْيِينِ وَلَا عَلَى الْإِبْهَامِ، وَهَذَا مَقَامٌ يَنْبَغِي أَنْ يُتَمَهَّلَ فِيهِ فَإِنَّ لِبَائِعِ الرَّهْنِ عَيْنًا، وَبَيْعُ غَيْرِهِ عَيْنًا وَأَحَدُهُمَا مُبْهَمٌ، وَتَحْصِيلُ الدَّيْنِ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَتْ وَوَفَاءُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ، فَأَمَّا بَيْعُ الرَّهْنِ عَيْنًا فَقَدْ بَيَّنَّا اسْتِحْقَاقَهُ، وَأَحَدُهُمَا عَلَى الْإِبْهَامِ إنْ أَخَذَ مِنْ جِهَةِ شُمُولِهِ لِلرَّهْنِ الْمُسْتَحَقِّ فَهُوَ مُسْتَحَقٌّ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ جَانِبِ غَيْرِ الرَّهْنِ، فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ بَيْعًا، وَإِنْ أَخَذَ الطَّرِيقَ الْأَعَمَّ مِنْهُ، وَمِنْ الِاقْتِرَاضِ وَغَيْرِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِالِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَاجِبِ.
وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ صَاحِبِ الدَّيْنِ إنَّمَا حَقُّهُ فِي الْوَفَاءِ، وَالْوَاجِبِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاسْتِحْقَاقُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا كَانَ لِلْآدَمِيِّينَ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا يَمْلِكُونَ الْمُطَالَبَةَ، وَالْمُطَالَبَةُ إنَّمَا هِيَ بِالْوَفَاءِ، فَالطُّرُقُ لَيْسَ مُسْتَحَقَّةً لِصَاحِبِ الدَّيْنِ
فَإِنْ قُلْت: فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْعُ الْمَرْهُونِ. قُلْت: إنَّمَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِإِثْبَاتِ الرَّاهِنِ الْحَقَّ فِيهِ بِرَهْنِهِ لَا لِكَوْنِهِ طَرِيقًا لِلْوَفَاءِ الْمُسْتَحَقِّ. فَإِنْ قُلْت: سَلَّمْنَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَنَّ الرَّهْنَ بَيْعُهُ مُسْتَحَقٌّ، وَبَيْعُ غَيْرِهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ لَكِنَّ قَوْلَكُمْ: لَا وَجْهَ لِبَيْعِ غَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ مَعَ إمْكَانِ الْمُسْتَحَقِّ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْبُرْهَانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ظُهُورِ وَجْهِهِ عِنْدَكُمْ عَدَمُهُ، وَوَجْهُهُ أَنْ نَقُولَ: إنَّ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ لَا نَعْنِي بِهِ الْوُجُوبَ الْمُتَعَيِّنَ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلرَّاهِنِ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِهِ، وَالْوَاجِبُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ هُوَ الْوَفَاءُ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ فَيُوَفِّيه مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَرَادَ.
وَقَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ فِي الْعُدُولِ عَنْ الرَّهْنِ إلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ بَيْعُ غَيْرِ الرَّهْنِ أَسْرَعَ فَفِيهِ تَعْجِيلٌ بِالْحَقِّ الْوَاجِبِ، وَفِي ذَلِكَ تَبْرِئَةُ ذِمَّتِهِ وَحُصُولُ مَصْلَحَةِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَتُهُمَا بِأَنْ يَكُونَ إبْقَاءُ الرَّهْنِ أَصْلَحَ لِلرَّاهِنِ وَنَحْنُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ مُسْتَحَقٌّ لَكِنَّ الْوَفَاءَ أَيْضًا مُسْتَحَقٌّ، وَهُوَ الْأَصْلُ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْمُطَالَبَةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَطْلُبُ بَيْعَ الرَّهْنِ، وَهُوَ إنَّمَا يُبَاعُ لِحَقِّهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ بَيْعَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى طَلَبِ الْوَفَاءِ كَانَ الْقَاضِي مُخَيَّرًا فِي الْوَفَاءِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ. قُلْت: الِاسْتِحْقَاقُ مَعْنَاهُ تَعَلُّقُ الْحَقِّ، وَالْوُجُوبِ لَكِنَّ لِلرَّاهِنِ إسْقَاطَهُ بِالْوَفَاءِ كَمَا سَبَقَ، فَإِذَا لَمْ يُوَفِّ تَعَيَّنَ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ الْوَفَاءُ فَعِنْدَ الِامْتِنَاعِ إنَّمَا يَبِيعُ الْقَاضِي مَا وَجَبَ بَيْعُهُ، وَغَيْرُ الرَّهْنِ لَمْ يَجِبْ بَيْعُهُ لِمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّهُ بِرَهْنِهِ كَمَنْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ فَلَيْسَ مُمْتَنِعًا الْوَفَاءُ مِنْهُ حَيْثُ عَرَضَهُ بِالرَّهْنِ لِلْبَيْعِ، فَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ الْوَفَاءِ مِنْهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ
стр. 305
وَكَّلَ فِي بَيْعِهِ، وَلِأَنَّ الرَّاهِنَ يُطَالَبُ أَوَّلًا بِالْوَفَاءِ، فَإِنْ امْتَنَعَ يُطَالَبُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ، فَإِنْ امْتَنَعَ يُبَاعُ.
هَكَذَا رَتَّبَ الرُّويَانِيُّ فَالْبَيْعُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ طَلَبِ الْمُرْتَهِنِ بَيْعَ الرَّهْنِ، وَبِذَلِكَ تُرِكَ طَلَبُ مُطْلَقِ الْوَفَاءِ، فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَالْقَاضِي إنَّمَا يَنُوبُ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيمَا يُوَجَّهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الدَّعْوَى بَيْعُ الرَّهْنِ لَا مُطْلَقُ الْوَفَاءِ، وَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ بَيْعِ الرَّهْنِ مَقْصُودٌ بِالذَّاتِ وَاسْتِحْقَاقَ بَيْعِ غَيْرِ الرَّهْنِ لَوْ ثَبَتَ وَسِيلَةٌ إلَى الْحَقِّ وَكَانَ الْمَقْصُودُ أَوْلَى وَلِأَنَّ فِي بَيْعِ غَيْرِ الرَّهْنِ مَفْسَدَةٌ لَيْسَتْ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُتْلِفُ الثَّمَنَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَيَتْلَفُ مِنْ كِيسِ الرَّاهِنِ، وَالرَّهْنُ بَاقٍ بِحَالِهِ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَحَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدَيْنِ.
[بَيْع الرَّهْن وتلف الثَّمَن]
وَإِذَا بِيعَ الرَّهْنُ وَتَلِفَ الثَّمَنُ سُلِّمَتْ الْعَيْنُ الْأُخْرَى وَلَا حَائِلَ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا؛ وَالْمَصَالِحُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا السَّائِلُ مُتَعَارِضَةٌ يُقَابَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَفَانَا الْأَصْحَابُ مُؤْنَةَ ذَلِكَ وَقَطَعُوا بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ امْتِنَاعِ الرَّاهِنِ.
فَإِنْ قُلْت: هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ حُضُورِ الرَّاهِنِ أَمَّا عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَتَخَيَّرُ وَيَفْعَلُ الْمَصْلَحَةَ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْغَائِبِ، وَقَدْ تَكُونُ مَصْلَحَتُهُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ وَبِنَفْسِهِ وَلَا تَفْرِيطَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْحَاضِرِ الْمُمْتَنِعِ، فَإِنَّهُ مُفَرِّطٌ تَارِكٌ لِحَقِّهِ مِنْ الرَّهْنِ.
قُلْت الْحَاكِمُ إمَّا يَنُوبُ عَنْ الْغَائِبِينَ فِيمَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانُوا حَاضِرِينَ لَأَلْزَمَهُمْ إيَّاهُ فَفِي ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَهُمْ فِي الْبَيْعِ، أَمَّا فِيمَا لَا يَلْزَمُهُمْ فِي الْحُضُورِ وَلَا تَدْعُو حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ فَلَا، فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْغَائِبِينَ. فَإِنْ قُلْت: الْغَائِبُ لَيْسَ مُمْتَنِعًا بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّاكِتِ فَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ. قُلْت: هَذَا يَحْتَاجُ إلَى شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ: فَإِنَّ الَّذِي عُهِدَ أَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ مُوَلِّيَهُ الْغَائِبَ، وَذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِ وَيَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّا نَقُولُ: إنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَكِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ فِي الْحُضُورِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ بِالْغَيْبَةِ، أَوْ الِامْتِنَاعِ بَاعَهُ الْقَاضِي بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيه الْغَائِبِ، فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ هَلْ هُوَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ؟ وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ وَلَسْت أَنْقُلُهُ. فَإِنْ قُلْت: مَا تَقُولُ أَنْتَ فِي ذَلِكَ؟ قُلْت: الَّذِي أَرَاهُ وَيَتَرَجَّحُ عِنْدِي أَنَّ لِلْحَاكِمِ بَيْعَ مَا يَرَى بَيْعَهُ مِنْ الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ.
وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْحَاكِمَ هَلْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْغَائِبِ، أَوْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْغَائِبِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ غَيْرَ الرَّهْنِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ لَهُ مَا فِيهِ
стр. 306
الْمَصْلَحَةُ بِخِلَافِ الْحَاضِرِ، وَقَدْ رَأَيْت كَلَامَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَيْهِ قَالَ الْقَفَّالُ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْأَجِنَّةِ بِخِلَافِ الْغَائِبِينَ وَاتَّفَقَ كَلَامُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنْ الْغَائِبِينَ فِي الْحِفْظِ، وَالْقَبْضِ، وَالْقِسْمَةِ وَنَحْوِهَا.
وَقَالَ الْقَفَّالُ الْكَبِيرُ الشَّاشِيُّ: إنَّ الْقَاضِيَ مَنْصُوبٌ لِلْغُيَّبِ، وَالْحُضُورِ مَعًا، وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي تَحْلِيفِ الْقَاضِي غَرِيمَ الْغَائِبِ أَنَّ الْحَاكِمَ قَائِمٌ مَقَامَ الْغَائِبِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَإِذَا كَانَتْ الضَّالَّةُ فِي يَدِ الْوَالِي فَبَاعَهَا، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلِسَيِّدِ الضَّالَّةِ ثَمَنُهَا، وَإِنْ كَانَتْ الضَّالَّةُ عَبْدًا فَزَعَمَ سَيِّدُ الْعَبْدِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ قُلْت: قَوْلُهُ: وَفَسَخْت الْبَيْعَ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الْأُمِّ: فَإِذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ الضَّوَالَّ، فَإِنْ كَانَ لَهَا حِمًى وَإِلَّا بَاعُوهَا، وَدَفَعُوا أَثْمَانَهَا لِأَرْبَابِهَا، وَمَنْ أَخَذَ ضَالَّةً وَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ فَلْيَذْهَبْ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةً وَيُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَقْبِضَ لَهَا تِلْكَ النَّفَقَةَ مِنْهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا إلَّا الْيَوْمَ، وَالْيَوْمَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقَعُ مِنْ ثَمَنِهَا مَوْقِعًا، فَإِذَا جَاوَزَ أَمَرَ بِبَيْعِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ إذَا رَأَى الْقَاضِي الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ لَهُ ذَلِكَ، وَمِنْ الدَّلِيلِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أَمَرَ فِي الضَّوَالِّ بِمَعْرِفَتِهَا ثُمَّ تُبَاعُ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنُهَا، فَكَمَا يَقُومُ الْقَاضِي مَقَامَهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، كَذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ لِيَنْفَكَّ بِهِ الرَّهْنُ وَتَنْدَفِعَ مُطَالَبَةُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِهِ، وَلَا نُفَرِّقُ بِأَنَّ الضَّوَالَّ فِي يَدِ الْقَاضِي فَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا صَحِيحٌ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ أَيْضًا لَهُ وِلَايَةُ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَتَخْلِيصُ الْمَرْهُونِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَبَيْعُ غَيْرِهِ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَفْظُ ابْنِ الصَّبَّاغِ فَإِنْ قِيلَ: الْحَاكِمُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي أَنَّ الْقَائِلَ يُحْبَسُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ.
وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَيْسَتْ وِلَايَةً مُطْلَقَةً فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْحِفْظِ، وَالْقَبْضِ، وَالْقِسْمَةِ وَنَحْوِهَا، وَبَيْعُ غَيْرِ الْمَرْهُونِ لِحِفْظِ الْمَرْهُونِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ دَيْنِ الْغَائِبِ وَبَيْعِ مَالِهِ فِي ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، فَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ بَيْعِ الرَّهْنِ وَبَيْعِ غَيْرِهِ فَعَلَ الْقَاضِي مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ كَمَا إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ بَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ لِحِفْظِ ثَمَنِهِ وَبَيْنَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَالَ الْغَائِبِ يُخَالِفُ حَالَ الْمُمْتَنِعِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَ الرَّهْنِ فِي الْغَيْبَةِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ فِي الِامْتِنَاعِ. قُلْت: لَا بَلْ حُكْمُ الِامْتِنَاعِ، وَالْغَيْبَةِ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا فِي الِامْتِنَاعِ
стр. 307
لَا يَنُوبُ الْقَاضِي عَنْهُ فِي فِعْلِ مَصْلَحَتِهِ لِحُضُورِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَيْعُ الْمَرْهُونِ وَفِي الْغَيْبَةِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ، وَالْقَاضِي يَنُوبُ عَنْ الرَّاهِنِ فِيمَا لَهُ، وَهُوَ دَفْعُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِأَنْ يَبِيعَ غَيْرَ الرَّهْنِ وَيُوَفِّيَهُ لِقَطْعِ مُطَالَبَتِهِ بِبَيْعِ الرَّهْنِ كَمَا يَفْعَلُهُ الرَّاهِنُ فِي حُضُورِهِ. فَإِنْ بَاعَ الْقَاضِي الرَّهْنَ كَانَ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَقَطْ وَاتَّجَهَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَسُقُوطِ مُرَاجَعَةِ الرَّاهِنِ لِلتَّعَذُّرِ، وَإِنْ بَاعَ غَيْرَ الرَّهْنِ كَانَ لِحَقِّ الرَّاهِنِ، وَاتَّجَهَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ وَتَزْوِيجِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ فِي غَيْبَةِ الْمَوْلَى مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الرَّبِيعَيْنِ، فَكَانَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَنْ بَعْضِ مَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُخْبِطِينَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّوَابَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ قُلْت: هَلْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ يَنْحَصِرُ فِي الرَّهْنِ، أَوْ لَا؟ قُلْت: لَا، وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ وَسَوَاءٌ ثَبَتَ الِانْحِصَارُ أَمْ لَا، فَالْمَأْخَذُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ يَطَّرِدُ. فَإِنْ قُلْت: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ إذَا بِيعَ الرَّهْنُ فَالْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِثَمَنِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءُ حَقِّهِ حَاصَّ غُرَمَاءُ الرَّاهِنِ بِمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ غَيْرَ مَرْهُونٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَاصَّهُمْ قَبْلَ بَيْعِ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَوُقِفَ مَالُ غَرِيمِهِ حَتَّى يُبَاعَ رَهْنُهُ ثُمَّ يُحَاصَّهُمْ بِمَا فَضَلَ عَنْ رَهْنِهِ هَلْ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِلْقَوْلِ بِالِانْحِصَارِ، أَوْ عَدَمِ الِانْحِصَارِ، أَوْ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ. قُلْت: أَمَّا الِانْحِصَارُ فَفِيهِ تَعَرُّضٌ لِبُطْلَانِهِ بِقَوْلِهِ: وَوُقِفَ مَالُ غَرِيمِهِ حَتَّى يُبَاعَ رَهْنُهُ، وَلَوْ كَانَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِعَيْنِ الْمَرْهُونِ لَمْ يُوقَفْ مَالُ غَرِيمِهِ حَتَّى يُبَاعَ رَهْنُهُ إذْ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي الذِّمَّةِ، وَالرَّهْنِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِ الرَّهْنِ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لَهُ، فَإِنْ قُلْت: قَوْلَهُ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُحَاصَّهُمْ قَبْلَ بَيْعِ رَهْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ غَيْرُ الرَّهْنِ.
قُلْت: لَا بَلْ؛ لِأَنَّهُ مَتَى حَاصَّهُمْ قَبْلَ بَيْعِ رَهْنِهِ مَعَ بَقَاءِ رَهْنِهِ ظَلَمَهُمْ بِأَخْذِ زِيَادَةٍ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ غَرِيمَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسُونَ لِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ، وَالْمَالُ كُلُّهُ تِسْعُونَ، وَالرَّهْنُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ، فَإِذَا قَدَّمْنَا الْمُرْتَهِنَ أَخَذَ أَرْبَعِينَ وَسُدُسَ الْبَاقِي، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ، وَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُ الْمُحَاصَّةَ أَوَّلًا لَأَخَذَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَكَمَالُ دَيْنِهِ عَلَى الرَّهْنِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْغَرِيمِ الْآخَرِ.
فَإِنْ قُلْت: الْغَرِيمُ الْآخَرُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الرَّهْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ لَا حَقَّ لَهُ فِي غَيْرِ الرَّهْنِ مِنْ أَعْيَانِ الْمُفْلِسِ. قُلْت: بَلَى، فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ أَنْ يَقْدُمَ بِمِقْدَارِ دَيْنِهِ، وَالْغَرِيمُ الْآخَرُ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّ الْمُرْتَهِنُ بِمَا لَيْسَ بِرَهْنٍ مَا يَفْضُلُ بِدَيْنِهِ عَنْ الرَّهْنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ فَلِذَلِكَ تَوَقَّفْنَا عَنْ الْمُحَاصَّةِ، وَالْقِسْمَةِ حَتَّى يُبَاعَ الرَّهْنُ فَلَا تَعَرُّضَ فِي ذَلِكَ لِمَسْأَلَتِنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْت
стр. 308
قَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ يَقْبِضُ دَيْنَ الْغَائِبِ وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي جِهَتِهِ وَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وِلَايَةً عَلَى الْغَائِبِ. قُلْت: لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُ بِمَا فِيهِ حِفْظٌ لِحَقِّهِ وَبِالْبَيْعِ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ قَبْضِ دَيْنِ الْغَائِبِ، فَأَمَّا أَنْ نَقُولَ بِالْقَطْعِ بِهِ، وَإِنْ تَرَدَّدْنَا فِي قَبْضِ دَيْنِ الْغَائِبِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ لِوُجُوبِ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِ الرَّهْنِ عَلَى الرَّهْنِ، وَهِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ أَعْنِي أَنَّ بَيْعَ غَيْرِ الرَّهْنِ اقْتِضَاءُ بَيْعِ الرَّهْنِ الْمُسْتَحَقِّ بِخِلَافِ قَبْضِ دَيْنِ الْغَائِبِ الَّذِي لَا حَاجَةَ إلَيْهِ قَضِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهَا ضَرُورَةٌ وَلَا حَاجَةٌ، وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ: يَجْرِي هُنَا خِلَافٌ كَمَا جَرَى فِي قَبْضِ دَيْنِ الْغَائِبِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لَا وَجْهَ لَهُ.
فَإِنْ قُلْت لَا شَكَّ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَبِيعُ مَالَ الْغَائِبِ بِغِبْطَةٍ، وَإِنْ كَثُرَتْ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ. قُلْت: هَذَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى الْغَائِبِ مَنُوطَةٌ بِالْحَاجَةِ لَا بِالْمَصْلَحَةِ، وَبَيْعُ غَيْرِ الرَّهْنِ هُنَا دَعَتْ إلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَالْعَبْدُ الْآبِقُ، وَالضَّالُّ إذَا بَاعَهُ لِيَحْفَظَ ثَمَنَهُ إمَّا أَنَّ تَعَلُّلَهُ بِالْحَاجَةِ، وَإِمَّا أَنَّ الْآبِقَ صَارَ فِي قَبْضَةِ الْقَاضِي فَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ أَخَصُّ مِنْ بَقِيَّةِ أَمْوَالِ الْغَائِبِ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِي يَدِ الْقَاضِي فَبَيْعُ الْقَاضِي مَنُوطٌ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا اسْتِيلَاؤُهُ عَلَيْهِ كَالْآبِقِ، وَالضَّالِّ مَعَ حَاجَةٍ مَا، أَوْ
مَصْلَحَةٍ
، وَالثَّانِي تَوَجُّهُ حَقٍّ عَلَيْهِ كَدَيْنِ الْغَرِيمِ الْمَطَالِبِ، وَبِمُطَالَبَتِهِ أَيْضًا يَحْصُلُ لِلْقَاضِي تَسَلُّطٌ عَلَى الْأَمْوَالِ يُصَيِّرُهَا كَأَنَّهَا فِي يَدِهِ، وَبَيْعُ غَيْرِ الرَّهْنِ لِأَجْلِ تَبَعِيَّةِ الرَّهْنِ أُخِذَ سَبَبُهَا مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَكَانَ أَقْوَى لِاجْتِمَاعِ حَقِّ الرَّهْنِ، وَحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ قُلْت: هَلْ تَقُولُونَ ذَلِكَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ بَيْعُ الرَّهْنِ أَمْ لَا، وَهَلْ يُفَرَّقُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَقْدٌ أَمْ لَا.
قُلْت: إذَا كَانَ هُنَاكَ نَقْدٌ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ فَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا إذَا كَانَ حَاضِرًا أَنَّهُ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ، وَيُلْزَمُ الرَّاهِنُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ هُنَا فِي الْغَائِبِ إذَا وَجَدَ الْقَاضِي لَهُ نَقْدًا مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَطَالَبَ الْمُرْتَهِنَ بِهِ وَفَّاهُ مِنْهُ، وَأَخَذَ الرَّهْنَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا مَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ فَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِي بَيْعِ غَيْرِ الرَّهْنِ غَائِبًا كَانَ الرَّاهِنُ، أَوْ حَاضِرًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ بَيْعُ الرَّهْنِ أَرْوَجَ، أَوْ مُسَاوِيًا، وَطَلَبَهُ الْمُرْتَهِنُ فَلَا شَكَّ فِي إجَابَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ بِبَيْعِ غَيْرِ الرَّهْنِ، وَتَوْفِيَتِهِ فَيَجُوزُ لِلرَّاهِنِ، وَلِلْقَاضِي فِي غَيْبَتِهِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ، وَذَلِكَ حَقٌّ لِلرَّاهِنِ لَا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْعُ غَيْرِ الرَّهْنِ أَرْوَجَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: إنَّا نَطْلُبُ الْمُبَادَرَةَ بِالْوَفَاءِ فَهَلْ يَجِبُ تَعْجِيلًا بِوَفَاءِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالرَّهْنِ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْأَصْحَابُ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ، وَإِطْلَاقُ كَلَامِ
стр. 309
الْإِمَامِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ لِلثَّانِي، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ غَيْبَةِ الرَّاهِنِ، وَحُضُورِهِ فَكُلُّ مَا أَوْجَبْنَاهُ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ فِيهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَكُلُّ مَا جَوَّزْنَاهُ لَهُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ فِيهِ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَبَيْعُ الرَّهْنِ حَقٌّ لِلْمُرْتَهِنِ يَفْعَلُهُ الْقَاضِي بِطَلَبِهِ، وَلَا يَفْعَلُهُ بِدُونِ طَلَبِهِ، وَبَيْعُ غَيْرِ الرَّهْنِ لَيْسَ حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ، وَالْقَاضِي يَفْعَلُهُ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ، وَقَدْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَ الرَّهْنِ، أَوْ الْوَفَاءَ تَخْلِيصًا لِلرَّهْنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَمَنْعًا لَهُ مِنْ بَيْعِهِ، وَتَبْرِئَةً لِذِمَّةِ الْغَائِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمْ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَرَهَنَ عَلَيْهِ كَرْمًا، وَحَلَّ الدَّيْنُ، وَهُوَ غَائِبٌ، وَأَثْبَتَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْإِقْرَارَ، وَالرَّهْنَ، وَالْقَبْضَ، وَغَيْبَةَ الرَّاهِنِ الْمَدْيُونِ، وَنَدَبَ الْحَاكِمُ مِنْ قَوْمِ الْمَرْهُونِ وَثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ قِيمَتَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَأَذِنَ فِي تَعْوِيضِهِ لِلْمُرْتَهِنِ عَنْ دَيْنِهِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّعْوِيضِ ثَلَثُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ يَوْمُ التَّعْوِيضِ يَوْمَ التَّقْوِيمِ الْأَوَّلِ؟
(الْجَوَابُ) يَسْتَمِرُّ التَّعْوِيضُ، وَلَا يَبْطُلُ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ مَهْمَا كَانَ التَّقْوِيمُ الْأَوَّلُ مُحْتَمَلًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي دَيْنٍ وَاجِبٍ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْبَيِّنَةِ الْمُعَارِضَةِ وَلِأَنَّ فِعْلَ هَذَا الْمَأْذُونِ كَفِعْلِ الْحَاكِمِ وَفِعْلُ الْحَاكِمِ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ، أَوْ لَا.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ إلَّا بِمُسْتَنَدٍ، وَالْبَيِّنَةُ الْمُعَارَضَةُ بِأُخْرَى فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ مُسْتَنَدًا بَلْ أَقُولُ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَبِعْ حَتَّى قَامَتْ هَذِهِ، وَحَصَلَ التَّعَارُضُ، وَلَمْ يَحْصُلْ إلَّا مَنْ يَشْتَرِيه بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ بِيعَ بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ، وَلَا يُنْتَظَرُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُتْرَكُ بِالشَّكِّ، وَوُجُوبُ الْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ بَعْدَ الطَّلَبِ يَقِينٌ، وَالزِّيَادَةُ الْمُنْتَظَرَةُ لِحَقِّ الْمَدْيُونِ مَشْكُوكٌ فِيهَا، وَهُوَ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِالْوَفَاءِ، وَلِمَا قُلْنَاهُ أَدِلَّةٌ، وَشَوَاهِدُ بِالِاعْتِبَارِ مِنْهَا مَا هُوَ قَوِيٌّ صَالِحٌ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ وَفِيهَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ لِيَنْظُرَ، أَوْ يُجِيبَ عَنْهُ: مِنْهَا مَا حَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ﵀ فِيمَا إذَا أَفْلَسَ رَجُلٌ، وَأَرَادَ الْحَاكِمُ قِسْمَةَ مَالِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يُؤَخِّرُ قِسْمَةَ الْعَيْنِ الْمَشْهُودِ بِهَا بَلْ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَأَبُو إِسْحَاقَ ﵀ اسْتَشْهَدَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْحُكْمِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ.
وَقَالَ: إنَّ الْمُدَّعِيَ بِهِ لِغَائِبٍ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً حَيْثُ حَكَمْنَا لِلْمُدَّعِي، وَأَوْرَدَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَيْنَا أَنَّ هَذَا حُكْمٌ لِلْخَارِجِ فَأَجَابَ، وَاسْتَشْهَدَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَاسَ عَلَيْهَا فَكَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ يَبِيعُ الْعَيْنَ الَّتِي قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ فِيهَا أَنَّهَا لِغَائِبٍ، وَيُقَسِّمُهَا بَيْنَ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ.
وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الْبَيِّنَةِ لِعَدَمِ حُضُورِ صَاحِبِهَا، وَتَوَقَّفَ ثُبُوتُ كَوْنِهَا لَهُ عَلَى دَعْوَاهُ، أَوْ دَعْوَى وَكِيلِهِ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا يَبِيعُ الْمَرْهُونَ بِمُطَالَبَةِ
стр. 310
الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى زِيَادَةٍ غَيْرِ مَوْثُوقٍ بِهَا لَمْ تَثْبُتْ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهَا لِغَائِبٍ قَوِيٌّ، وَهُنَا لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا تَوَهُّمَ الزِّيَادَةِ، فَإِذَا جَازَ الْبَيْعُ مَعَ ظَنِّ الْبُطْلَانِ الْقَوِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَثْبُتْ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ فَلَأَنْ يَجُوزَ مَعَ الْوَهْمِ الضَّعِيفِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو إِسْحَاقَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُفَرَّعَةً عَلَى أَنَّهُ فِي بَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ بِالْيَدِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا إذَا قُلْنَا: لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْمِلْكِ، فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِمِلْكِهِ وَبَيِّنَةُ الْغَائِبِ فَغَايَةُ الْأَمْرِ لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ، وَأَقَامَهَا أَنْ يَتَعَارَضَا، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُفْلِسِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ، وَعَلَى هَذَا لَا اسْتِشْهَادَ بِهَا لَا فِي مَا قَصَدَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَلَا فِيمَا قَصَدْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهَا عَلَى مَا أَوْرَدَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ تَفْرِيعًا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْيَدِ.
وَقَدْ يُنْكِرُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا فِي نَظَائِرِهَا مِنْ التَّرِكَاتِ الْمُخَلَّفَةِ حَيْثُ يَكُونُ شُهُودٌ يَشْهَدُونَ بِأَعْيَانٍ مِنْهَا الْغَائِبُ، وَالْإِقْدَامُ عَلَى بَيْعِهَا صَعْبٌ، وَكُنْت أَوَدُّ لَوْ قِيلَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ يُنَصِّبُ عَنْ الْغَائِبِ مَنْ يَدَّعِي لَهُ، وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ، وَيَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْفَظَ أَمْوَالَ الْغَائِبِينَ، وَهَذَا الطَّرِيقُ فِيهِ أَسْهَلُ مِنْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بُطْلَانُهُ، وَأَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ، وَأَخْتَارُهُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْته مُحْتَجًّا بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ يَتَوَهَّمُ بُطْلَانَ الْبَيْعِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا كَلَامَ الْأَصْحَابِ فِيمَا قُلْنَاهُ فَمَا ظَنُّك بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَجَعَلْتهَا عُمْدَةً فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَإِنْ كُنْت لَا أُوَافِقُ عَلَيْهَا، وَأُفَرِّقُ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَرْقًا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ مَا أَقُولُهُ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَقِسْمَةُ عَيْنٍ يَشْهَدُ بِهَا عَدْلَانِ لِغَائِبٍ مِنْ غُرَمَائِهِمْ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُمْ فِيهِ خَطَرٌ لَا عِظَمُ مَحْذُورٍ.
ثُمَّ إنَّهُمْ قَطَعُوا فِيمَا إذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي فِي يَدِهِ لِغَائِبٍ، وَقُلْنَا: إنَّهَا تُسْمَعُ لِانْصِرَافِ الْخُصُومَةِ عَنْهُ إنَّهَا لَا تُسْمَعُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ حَتَّى لَا يُحْكَمَ لَهُ بِهَا، وَقَالُوا فِيمَا إذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَطَالَبْته فَقَالَ: أَحَلْتُ عَلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ غَائِبٌ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً هَلْ تَثْبُتُ الْحَوَالَةُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ إذَا قَدِمَ وَجْهَانِ فَلِمَ لَا يَأْتِي الْوَجْهَانِ هُنَا فِيمَا إذَا أَقَامَهَا الْحَاضِرُ لِانْصِرَافِ الْخُصُومَةِ عَنْهُ، أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمُفْلِسِ فَلَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ لَا مُدَّعٍ هُنَاكَ لَا أَصْلًا، وَلَا تَبَعًا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْحَوَالَةِ شَهِدَتْ عَلَى الْمُحِيلِ شَهَادَةً صَحِيحَةً لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَتَبِعَهَا ثُبُوتُ حَقِّ الْمُحْتَالِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالشَّهَادَةُ بِمِلْكِ الْغَائِبِ عَلَيْهَا مَقْصُودُهَا بِالْوَضْعِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ، وَانْصِرَافُ الْخُصُومَةِ تَبَعٌ فَلَا جُرْمَ سُمِعَتْ بَيِّنَةُ الْحَوَالَةِ فِي مَوْضِعِهَا.
وَاخْتُلِفَ
стр. 311
فِي سَمَاعِهَا فِيمَا تَتْبَعُهُ، وَفِي الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ لَمْ تُسْمَعْ فِي مَوْضِعِهَا قَطْعًا، وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَتْبَعُهُ وَلَك أَنْ تُعَبِّرَ بِعِبَارَتَيْنِ مِنْ عِبَارَاتِ الْأُصُولِيِّينَ إحْدَاهُمَا: أَنَّ التَّابِعَ لَا يُسْتَتْبَعُ، وَالثَّانِي: أَنَّ مَا يَكُونُ بِالذَّاتِ لَا يَكُونُ بِالْغَيْرِ. (وَمِنْهَا) : أَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ، وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِيَ مَالَ الْمَدْيُونِ إلَّا بِدُونِ قِيمَتِهِ يَجِبُ الْوَفَاءُ مِنْهُ.
(وَمِنْهَا) إذَا تَلِفَ الْمَغْصُوبُ الْمِثْلِيُّ، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَفِي وُجُوبِ تَحْصِيلِهِ وَجْهَانِ رَجَّحَ كُلًّا مِنْهُمَا مُرَجِّحُونَ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ، فَإِنْ قُلْنَا بِهِ لَا يُرَدُّ عَلَيْنَا هُنَا؛ لِأَنَّا لَا نَلْتَزِمُ جَوَازَ الْبَيْعِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ تَأْكِيدًا لِلْمُدَّعِي، وَهُوَ صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي صُورَةِ مَسْأَلَتِنَا حَيْثُ اعْتَقَدْنَا أَنَّهُ ثَمَنُ الْمِثْلِ بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى، وَأَطْرَحْنَا الشَّكَّ الْحَاصِلَ بِمُعَارَضَةِ الثَّانِيَةِ لَهَا فَلْتَكْفِ دَعْوَانَا فِي ذَلِكَ، وَأَنَّا إنَّمَا نَقُولُ بِالصِّحَّةِ حَيْثُ اعْتَقَدَ الْبَائِعُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ ثَمَنُ الْمِثْلِ، أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ، وَلَكِنْ تَعَارَضَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ، وَطَالَبَ الْمُسْتَحِقُّ، وَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَدْفَعُ زَائِدًا فَيَتَعَيَّنُ الْبَيْعُ، أَمَّا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّا لَا نَلْتَزِمُ ذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ أَمَرَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِيه إلَّا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ لَمْ يُرْهَقْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِخِلَافِ الْمُسَلَّمِ، وَالْغَصْبِ، وَالْمَدْيُونِ، وَلَوْ اشْتَرَى الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا، وَقُلْنَا يَصِحُّ، وَيُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَلَا يُرْهَقُ لِلْبَيْعِ بَلْ يُحَالُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهُ إلَّا أَنْ يَتَيَسَّرَ مَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهُ، وَنَحْوُهُ. كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ فِي فَرْعٍ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ عَنْ أَحَدٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِهِ كَمَا إذَا أَسْلَمَ فِي يَدِهِ، وَإِنْ كُنْت لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ بِالشِّرَاءِ مُتَعَرِّضٌ لِالْتِزَامِ إزَالَتِهِ.
(وَمِنْهَا) مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِيمَا إذَا أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً فَقَضَى بِهَا ثُمَّ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً مُعَارِضَةً لَهَا، فَالْأَصَحُّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ يُقْضَى لِلدَّاخِلِ، وَتُرَدُّ الْعَيْنُ إلَيْهِ، وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ لِلْخَارِجِ، وَفِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ، وَوَجْهٌ مُفَصَّلٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَنَ بِالْحُكْمِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ فَيَتَأَكَّدُ، وَلَا يُنْقَضُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ نُقِضَ.
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: أَشْكَلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَتَرَدَّدَ جَوَابِي فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيِي عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَمْ بَعْدَهُ. فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ، أَوْ بِالْوَجْهِ الْمُفَصَّلِ فَلَا إشْكَالَ فِي اسْتِقْرَارِ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَعَدَمِ جَوَازِ الْحُكْمِ بِبُطْلَانِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، وَهُوَ أَنَّهُ يُنْقَضُ، وَتُرَدُّ الْعَيْنُ إلَى ذِي الْيَدِ فَقَدْ يَشْكُلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ
стр. 312
الْفُقَهَاءِ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّ قِيَاسَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَأْخَذَ الْعِرَاقِيِّينَ بِالْقَوْلِ فِي النَّقْضِ أَنَّهُ حُكْمٌ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي مَعَهَا تَرْجِيحٌ، وَلَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا لَوَجَبَ الْحُكْمُ لِذِي الْيَدِ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ حُكْمَهُ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَانْكَشَفَ أَنَّ هُنَاكَ أَمْرَيْنِ: بَيِّنَةً، وَيَدًا كَانَتَا مَوْجُودَتَيْنِ عِنْدَ الْحُكْمِ، وَلَوْ عَلِمَهُمَا الْحَاكِمُ الشَّافِعِيُّ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لِذِي الْيَدِ، وَهُوَ الْآنَ حَكَمَ بِذَلِكَ رُجُوعًا إلَى الصَّوَابِ، وَلَيْسَ تَعَارُضًا مَحْضًا بِلَا تَرْجِيحٍ حَتَّى يُقَالَ بِالتَّسَاقُطِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَثَرُهُ التَّوَقُّفُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ، وَالرُّجُوعَ إلَى الْيَدِ وَحْدَهَا، وَلَيْسَ هُنَا كَذَلِكَ؛ وَلِهَذَا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا تُرَدُّ، وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ لَمْ نَرَهُمْ قَالُوا بِتَحْلِيفِ الْمُدَّعِي، وَذَلِكَ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ الرَّاجِحَةِ بِالْيَدِ فَلَا تَعَارُضَ يُوجِبُ التَّسَاقُطَ، وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ، وَيَتَسَاقَطَانِ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ بِالْيَدِ، وَهِيَ مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَأْخَذَيْنِ لَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ تَعَارُضٌ مَحْضٌ بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا قَالَ بِالتَّعَارُضِ تَسَاقَطَتَا، وَصَارَا كَمَا إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بِالْقِيمَةِ، وَكَانَ قَدْ صَدَرَ بَيْعٌ، وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيهِ، وَأَنْ لَا يَحْكُمَ بِبُطْلَانِهِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ، وَهَذَا هُنَا مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ زَمَنٌ يَنْتَظِرُ فِيهِ عَدَمَ ثُبُوتِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عِنْدَنَا لَا تُرَجَّحُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ، وَلَا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ فَقَدْ أَيِسَ مِنْ ثُبُوتِ أَنَّهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ فَيَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِهِ، وَهَذَانِ الْمَأْخَذَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي نَقْضِ الْحُكْمِ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَهُ يَجِبُ ضَبْطُهُمَا، وَأَيْضًا الْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ تَشْهَدُ بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ هُوَ حَاصِلٌ عِنْدَهَا، وَقْتَ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا حَيْثُ، وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَالشَّهَادَةُ بِهِ خَبَرٌ مَحْضٌ.
وَأَمَّا التَّقْوِيمُ فَإِنَّهُ حَدْسٌ، وَتَخْمِينٌ، وَالْحَدْسُ الْمُتَجَدِّدُ بَعْدَ الْبَيْعِ لَمْ يَبِنْ قَبْلَهُ فَلَا تَعَارُضَ حِينَ الْبَيْعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْصُلَ التَّعَارُضُ فِي الْقِيمَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَبَعْدَهُ فَبَعْدَهُ لَا تَعَارُضَ أَصْلًا، فَإِنَّ الْحَدْسَ الثَّانِيَ شَيْءٌ جَدِيدٌ يُشْبِهُ الْإِنْشَاءَ لَيْسَ كَاشِفًا عَنْ أَمْرٍ سَابِقٍ بِخِلَافِ ظُهُورِ بَيِّنَةٍ بِأَمْرٍ سَابِقٍ كَانَ مُقَارِنًا لِلْحُكْمِ مَانِعًا، وَهَذَا الْمَعْنَى جَدِيرٌ بِأَنْ يُتَفَهَّمَ، وَيُضْبَطَ، وَيُعْلَمَ أَنَّ الشَّاهِدَ بِالْقِيمَةِ شَهَادَتُهُ تَابِعَةٌ لِتَقْوِيمِهِ، وَتَقْوِيمُهُ حَدْسٌ مِنْهُ جَدِيدٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ يَتَغَيَّرُ حَدْسُهُ بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ، وَشَهَادَتُهُ بِهَا تَابِعَةٌ لَهَا، وَلِهَذَا الْمُجْتَهِدُ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي، وَلَا يَصِيرُ كَمَا لَوْ حَصَلَ تَعَارُضُ الْأَمَارَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَالتَّقْوِيمُ كَالِاجْتِهَادِ سَوَاءٌ.
فَإِنْ قَالَ شَاهِدُ الْقِيمَةِ: أَنَا أَعْلَمُ الْآنَ لَوْ قَوَّمْتهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ لَقَوَّمْتهَا بِأَزْيَدَ. قُلْنَا: ظَنٌّ مِنْك الْآنَ عَلَى تَقْدِيرٍ لَا يُدْرَى لَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ كَيْفَ
стр. 313
يَكُونُ حَالُك، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي بَيْعِ صُبْرَةٍ إلَّا لِتَخْمِينٍ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ نَعَمْ قَدْ يَتَّفِقُ هَذَا فِي الْأُمُورِ الْمَقْطُوعِ بِهَا كَمَا إذَا عَلِمَ الْآنَ أَنَّ سِعْرَ الْقَمْحِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي أَكْثَرُ مِنْهُ فِي هَذَا الْعَامِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَمِثْلُ هَذَا لَا بَأْسَ بِقَبُولِهِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْمُحْتَمَلَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ، فَلَا أَرَى أَنَّ شَهَادَةَ الْقِيمَةِ تُسْمَعُ بِهَا إلَّا فِي، وَقْتِهَا حَتَّى لَوْ انْفَرَدَتْ بَيِّنَةٌ، وَحَدَسَتْ أَنَّ قِيمَةَ الْعَيْنِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، أَوْ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ كَذَا لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَالْأَحْوَالِ.
وَمِثْلُ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْعِرَاقِيُّونَ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِيمَا لَوْ كَانَ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ ثَالِثٌ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الدَّاخِلِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَكَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمئِذٍ يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي، وَتُنْزَعُ مِنْ يَدِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهَا كَمَا لَوْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ، أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا الْفَرْعُ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ، وَلَا مُتَعَلِّقَ فِيهِ لِمَنْ يَقْصِدُ إبْطَالَ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَتِنَا.
(وَمِنْهَا) مَا هُوَ فِي الْفَتَاوَى الْمَجْمُوعَةِ مِنْ فَتَاوَى الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيِّ ﵀ نَصُّهَا: مَسْأَلَةٌ: مِلْكٌ اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ عَلَى يَتِيمٍ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ عَلَى الْيَتِيمِ بِذَلِكَ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمَذْكُورَةِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّ قِيمَتَهُ حِينَئِذٍ مِائَتَانِ فَهَلْ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَيُحْكَمُ بِفَسَادِ الْبَيْعِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ بَعْدَ التَّمَهُّلِ أَيَّامًا، وَبَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ أَنَّهُ يُنْقَضُ الْحُكْمُ؛ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى الْبَيِّنَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ مِثْلُهَا، أَوْ أَرْجَحُ، وَقَدْ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَتَبَيَّنَ إسْنَادُ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ فَهُوَ كَمَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ إسْنَادَ مَانِعٍ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ مُتَعَارِضٌ، وَلَيْسَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ قَالَ: وَفِي مَسْأَلَةِ الْمُهَذَّبِ وَجْهٌ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ، وَغَيْرُهُ يَطْرُدُهُ هَهُنَا. انْتَهَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاحِ ﵀
وَلَقَدْ كَانَ وَرِعًا مَكْفُوفَ اللِّسَانِ فَلِذَلِكَ لَا أُحِبُّ أَنْ أَقُولَ: إنَّهُ لَمْ يُصِبْ، وَلَكِنَّ بَيَانَ الْحَقِّ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْبَيْعِ لِلْحَاجَةِ لَا لِلْغِبْطَةِ كَمَا يَقْتَضِيه قَوْلُ الْمُسْتَفْتِي أَوَّلًا كَمَا يَقْتَضِيه الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْقِيمَةِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ السُّؤَالِ لِلْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْبَيْعَ فِي الدَّيْنِ، نَعَمْ تُفَارِقُ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ مَسْأَلَتَنَا فِي شَيْءٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ فِي مَسْأَلَتِنَا هُوَ مَأْذُونُ الْحَاكِمِ فِي الْبَيْعِ إذْنًا خَاصًّا فَبَيْعُهُ كَبَيْعِ الْحَاكِمِ حَتَّى لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً عَلَى الْقِيمَةِ بَلْ قَوْلُ الْحَاكِمِ كَافٍ، وَالْبَائِعُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ قَيِّمُ الْيَتِيمِ، وَهُوَ لَمْ يَنْصِبْ الْبَيْعَ غَبْنًا، وَإِنَّمَا نَصَّبَ لِفِعْلِ مَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ فَلَا يُقْبَلُ
стр. 314
قَوْلُهُ فِي شُرُوطِ الْبَيْعِ مِنْ الْحَاجَةِ، أَوْ الْغِبْطَةِ، أَوْ الْمَصْلَحَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَالْوَصِيِّ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ إذَا عَرَفْت ذَلِكَ، فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَالْحُكْمِ بِهِ دُونَ الْقِيمَةِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّقْوِيمَ حَدْسٌ، وَتَقْوِيمٌ، وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّعَارُضُ إلَّا إذَا كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَتَكَلَّمْنَا فِي ذَلِكَ كَلَامًا شَافِيًا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ هَهُنَا، فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ، وَهُوَ الْحَقُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا تَعَارُضَ أَصْلًا، وَهَذَا تَخْمِينٌ جَدِيدٌ لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا الْمُعَارَضَةَ فَهِيَ مُعَارَضَةٌ لِلْبَيِّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَتْ رَاجِحَةً عَلَيْهَا حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْمَسْأَلَةِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْمُهَذَّبِ، وَغَيْرِهِ فَكَيْف نُلْحِقُهَا بِهِ.
وَكَيْفَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ رَاجِحٍ، وَمَعَنَا بَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ وُجِدَ دَلِيلَانِ مُتَعَارِضَانِ فِي حُكْمٍ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُنْقِضَهُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ تَعَارُضَ الدَّلِيلَيْنِ مَانِعٌ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْحُكْمِ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِنَقْضِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ يَكُونُ تَرَجَّحَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَحَدُهُمَا فَحَكَمَ بِهِ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُقْدِمُ عَلَى الْحُكْمِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ لَا نُقْدِمُ نَحْنُ عَلَى نَقْضِهِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ بَلْ بِمُرَجِّحٍ قَاطِعٍ حَتَّى يُنْقَضَ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَا يُوجَدُ.
وَقَوْلُهُ: وَقَدْ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ لَمْ يَبِنْ خِلَافُهُ بَلْ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ بِأَنَّ إشْكَالَ الْأَمْرِ عَلَيْنَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إشْكَالِ الْأَمْرِ عَلَيْنَا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ الِابْتِدَاءِ أَنْ يُوجِبَ النَّقْضَ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ أَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ كَمَا لَوْ تَعَارَضَتَا قَبْلَ الْحُكْمِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِأَنَّهُ بَعْدَ نَقْضِ الْحُكْمِ هَلْ يَحْكُمُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَيَتَوَقَّفُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّا نَحْكُمُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَيِّمَ إنْ بَاعَ، وَأَشْكَلَ عَلَيْنَا الْحَالُ أَنْ نَحْكُمَ بِبُطْلَانِ بَيْعِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بَلْ نَتَوَقَّفُ لَا نَحْكُمُ بِصِحَّةٍ، وَلَا بِبُطْلَانِ لَكِنْ إلَى أَيِّ غَايَةٍ، وَهُوَ فِيمَا إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ سَهْلٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ، وَاحِدَةٌ فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا.
أَمَّا إذَا قَامَتْ بَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ فَإِنَّهُ يَصْعُبُ؛ لِأَنَّا نَبْقَى لَا إلَى غَايَةٍ، وَحَاجَةُ الْيَتِيمِ إلَى الْبَيْعِ حَاقَّةٌ، فَالْوَجْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِأَقَلِّهِمَا مَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَرْغَبُ بِزِيَادَةٍ بَعْدَ إشْهَارِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَيِّمِ فِي أَنَّهُ أَشْهَرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ ثَمَنُ الْمِثْلِ كَمَا أَنَّ الْوَكِيلَ، وَعَامِلَ الْقِرَاضِ، وَالْبَائِعَ عَلَى الْمُفْلِسِ إذَا بَاعَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ بَاعُوا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ فِيمَا يَظْهَرُ لَنَا، وَإِنْ لَمْ نَجِدْهُ مَنْقُولًا؛ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ: إنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ، وَادَّعَى عَلَى الْقَيِّمِ، وَالْوَصِيِّ أَنَّهُمَا بَاعَا الْعَقَارَ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ حَاجَةٍ، أَوْ غِبْطَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يُكَلَّفُ الْقَيِّمُ، وَالْوَصِيُّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، أَوْ الْحَاجَةِ، وَالْغِبْطَةِ الَّتِي هِيَ مُسَوِّغَةٌ لِلْبَيْعِ؛ كَمَا يُكَلَّفُ الْوَكِيلُ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ عَلَى الْوَكَالَةِ، أَمَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ
стр. 315
فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْبَيْعِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ جَائِزٌ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي صِفَتِهِ، وَدَعْوَى صِحَّتِهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي فَسَادَهُ.
وَلَقَدْ كُنْت أَسْتَشْكِلُ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ فِي تَكْلِيفِ الْقَيِّمِ إثْبَاتَ الْمَصْلَحَةِ فِي الْعَقَارِ، وَغَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْوَكِيلِ حَتَّى ظَهَرَ لِي هَذَا الْمَعْنَى، وَغَيْرُ الرَّافِعِيِّ ذَكَرَ الْحَاجَةَ، وَالْغِبْطَةَ فِي الْعَقَارِ وَالرَّافِعِيُّ ذَكَرَ الْمَصْلَحَةَ، وَأَطْلَقَ فِي الْعَقَارِ، وَفِي غَيْرِهِ، فَأَمَّا فِي الْعَقَارِ فَيُمْكِنُ حَمْلُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْحَاجَةِ، أَوْ الْغِبْطَةِ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْعَقَارِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ مُطْلَقُ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنْ اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ الْإِبْقَاءَ، وَجَبَ الْإِبْقَاءُ، وَإِنْ اقْتَضَتْ الْبَيْعَ جَازَ الْبَيْعُ، وَالْقَيِّمُ مَنْصُوبٌ لِفِعْلِ الْمَصْلَحَةِ لَا لِلْبَيْعِ بِخُصُوصِهِ، وَمَأْذُونُ الْقَاضِي فِي بَيْعٍ يَتَعَيَّنُ بَيْعُهُ لَيْسَ مَنْصُوبًا لِلْمَصْلَحَةِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ إثْبَاتُهَا بَلْ ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ نَائِبُ الشَّرْعِ مُؤْتَمَنٌ فَهُوَ يُرَاعِي ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ حَسَبَ مَا يَظْهَرُ لَهُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا يَمِينٍ، وَالْقَيِّمُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْبَيِّنَةِ، أَوْ الْيَمِينِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاحِ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فَهُوَ حُكْمٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنْ يَنْقُضَ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، وَيَصِيرُ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَعِيدًا، وَأَيْضًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
(وَمِنْهَا) مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ إنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَشَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، وَهَذَا لَهُ مَأْخَذَانِ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَقَلَّ مُتَيَقَّنٌ، وَالزَّائِدَ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ بِالشَّكِّ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَا مُتَعَارِضَيْنِ فِي الزَّائِدِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ قَبْلَ الْحُكْمِ لَا يُحْكَمُ، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَا يُنْقَضُ، وَالضَّابِطُ فِيهِ دَائِمًا لَا نَفْعَلُ شَيْئًا بِالشَّكِّ فَحَيْثُ تَحَقَّقْنَا أَقْدَمْنَا، وَحَيْثُ شَكَكْنَا أَحْجَمْنَا.
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَخِرِ الدَّعَاوَى أَنَّ الَّتِي شَهِدَتْ بِالْأَقَلِّ رُبَّمَا اطَّلَعَتْ عَلَى عَيْبٍ، وَهَذَا لَوْ تَحَقَّقْنَا كَانَ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالْحُكْمِ بِأَنَّ الْقِيمَةَ هِيَ الْأَقَلُّ، وَعَلَى هَذَا سَوَاءٌ أَحَصَلَ التَّعَارُضُ قَبْلَ الْحُكْمِ أَمْ بَعْدَهُ لَا اعْتِبَارَ بِالزَّائِدِ بَلْ الْأَقَلُّ هُوَ الْقِيمَةُ، وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِهَا حَيْثُ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ لِلْحَاجَةِ، أَوْ لِلْمَصْلَحَةِ النَّاجِزَةِ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يُنْقَضُ.
(وَمِنْهَا) مَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَقْوَالَ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ قَالَ: وَإِنَّمَا تَتَعَارَضُ الْبَيِّنَتَانِ إذَا تَقَابَلَتَا حِينَ التَّنَازُعِ، فَلَوْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِأَنْ يَدَّعِيَ زَيْدٌ عَبْدًا فِي يَدِ خَالِدٍ فَأَنْكَرَهُ فَأَقَامَ زَيْدٌ الْبَيِّنَةَ، وَقُضِيَ لَهُ بِهِ، وَسُلِّمَ لَهُ ثُمَّ حَضَرَ عَمْرٌو، وَادَّعَاهُ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فَهَلْ تُعَارَضَ بَيِّنَةُ زَيْدٍ، وَبَيِّنَةُ عَمْرٍو مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعِيدَ بَيِّنَةُ زَيْدٍ الشَّهَادَةَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، وَحَدِيثِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا
стр. 316
بَيِّنَةُ قَدِيمِ الْمِلْكِ أَوْلَى فَقَدْ تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ قَائِمَةٌ حِينَ التَّنَازُعِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُمَا سَوَاءٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا بِلَا إعَادَةٍ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ قَائِمَةٌ بِحَالِهَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِحَقٍّ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْحَاكِمُ لِلْبَحْثِ، فَإِذَا بَحَثَ لَمْ تُجَدَّدْ الشَّهَادَةُ كَذَلِكَ هَهُنَا.
وَالثَّانِي: لَا يُقْطَعُ التَّعَارُضُ إلَّا بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى لَمْ تَقَعْ الْمُقَابَلَةُ حِينَ التَّنَازُعِ وَالْجُرْجَانِيُّ ﵀ مُصَرِّحٌ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الدَّاخِلَ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا لِلْخَارِجِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ فَيُرَدُّ إلَيْهِ جَازِمًا بِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِنَّمَا حَكَى الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَتِنَا الْمَذْكُورَةِ الَّتِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فِيهَا مِنْ ثَالِثٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ إذَا قُلْنَا: بَيِّنَةُ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ أَوْلَى لَعَلَّهُ اخْتِيَارُهُ، فَإِنَّ لِلْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ أَسْبَقَ تَارِيخًا بِلَا يَدٍ، وَلِلْآخِرِ بَيِّنَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ، وَيَدٌ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا تَقْدِيمُ الْيَدِ.
وَالثَّانِي السَّبْقُ، وَالثَّالِثُ يَتَعَارَضَانِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ إذَا قُلْنَا: هُمَا سَوَاءٌ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِمَا، أَوْ لَا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَا إذَا أَقَامَ الدَّاخِلُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ لِلْخَارِجِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّعَارُضُ إلَّا بِالْإِعَادَةِ لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْإِعَادَةُ هَلْ نَقُولُ إنَّهَا تُنْزَعُ بِمُقْتَضَى الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ، فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَكَانَ هَذَا خُصُومَةً جَدِيدَةً بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الدَّاخِلُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ كَالِاسْتِدْرَاكِ لِمَا فَاتَهُ.
فَإِنْ صَحَّ هَذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّا إذَا قَضَيْنَا لِشَخْصٍ بِبَيِّنَةٍ، وَانْتَزَعْنَا الْعَيْنَ مِنْ الَّتِي هِيَ فِي يَدِهِ ثُمَّ جَاءَ أَجْنَبِيٌّ يَدَّعِيهَا عَلَى مَنْ حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً لَا تَكُونُ مُعَارِضَةً لِلْأُولَى بِمُجَرَّدِهَا بَلْ إنْ شَهِدَتْ بِهَذَا الْمُدَّعَى بِالْمِلْكِ الْآنَ، وَلَمْ تُعَارَضْ قَضَى لَهُ، وَإِنْ عُورِضَتْ فَكَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، فَإِنْ أَسْنَدَتْ الْمِلْكَ إلَى مَا قَبْلَ الْحُكْمِ لَهُ فَهُوَ مَحَلُّ كَلَامِ الْجُرْجَانِيِّ ﵀ فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي شَهِدَتْ بِأَنَّ الْمِلْكَ الْمُدَّعَى مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْحُكْمِ إنْ كَانَتْ لِمَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ يُقْضَى بِهَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ خِلَافًا لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ لِأَجْنَبِيِّ فَفِي الْقَضَاءِ بِهَا، وَجْهَانِ.
وَهَلْ الْأَصَحُّ مِنْهُمَا الْقَضَاءُ، أَوْ لَا إنْ أَخَذْنَا بِإِطْلَاقِ التَّرْجِيحِ بِالْيَدِ فَلَا يُقْضَى؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَحْكُومَ لَهُ الْآنَ صَاحِبُ يَدٍ، وَإِنْ خَصَّصْنَا تَكُونُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ أَسْنَدَتْ الْمِلْكَ إلَى مَا قَبْلَ هَذِهِ فَتَصِيرُ كَاَلَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ فَيُقْضَى لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنَّ الْمَأْخَذَ هُنَا بِبَيِّنَةٍ بِالْيَدِ السَّابِقَةِ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا نَعَمْ هُنَا تَرْجِيحٌ آخَرُ، وَهُوَ سَبْقُ التَّارِيخِ لَكِنَّ هَذَا السَّبَقَ يُعَارَضُ فِيهِ بِبَيِّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَا، وَجْهَ لِلتَّرْجِيحِ بِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ
стр. 317
لَا نَقْضِي لِهَذَا الْمُدَّعِي الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ يَدٌ، وَإِنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا كَانَ لِذِي الْيَدِ لِأَجْلِ تَرْجِيحِ بَيِّنَتِهِ بِيَدِهِ.
وَمِنْ هُنَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَلَا نَحْكُمُ بِبُطْلَانِهِ؛ لِأَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ خَالٍ عَنْ التَّرْجِيحِ فَيَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّا لَوْ عَلِمْنَا بِذَلِكَ لَكَانَ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَرْجِيحًا لَهَا، وَالْمُقَدَّرُ خِلَافُهُ، وَمِنْهَا لَوْ ادَّعَى الصَّبِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ بَيْعًا بِلَا مَصْلَحَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى الْأَبِ، أَوْ الْجَدِّ صُدِّقَا بِيَمِينِهِمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى الْوَصِيِّ صُدِّقَ الصَّبِيُّ بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيِّ بَيِّنَةٌ.
وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَهُوَ قَوِيٌّ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي غَيْرِهِ، وَصَغَى أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إلَى هَذَا، وَأَمِينُ الْحَاكِمِ كَالْوَصِيِّ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَالْحَاكِمُ نَفْسُهُ يَقْبَلُ قَوْلَهُ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ: إنَّ قَوْلَ الْحَاكِمِ فِي الرَّدِّ مَقْبُولٌ فَلْيَكُنْ هَذَا مِثْلَهُ أَيْضًا، فَإِنَّهُ نَائِبُ الشَّرْعِ، أَمَّا نَائِبُهُ فَقِسْمَانِ أَحَدُهُمَا الْمَنْصُوبُ مُطْلَقًا.
وَهُوَ الْمُسَمَّى بِأَمِينِ الْحَاكِمِ، وَنَاظِرِ الْأَيْتَامِ فَهَذَا مَنْصُوبٌ لِمَصْلَحَةِ الْأَيْتَامِ فَعَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ يَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعٍ مُعَيَّنٍ كَمَسْأَلَتِنَا فَهَذَا كَالْوَكِيلِ عَنْ الْحَاكِمِ، وَقَوْلُهُ كَفِعْلِ الْحَاكِمِ إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ﵀: إنَّ الْحُكْمَ فِيمَا إذَا رَفَعَ بَيْعُهُمْ الْعَقَارَ إلَى الْحَاكِمِ كَذَلِكَ فَلَا يُمْضِي عَلَى الْأَصَحِّ غَيْرَ الْأَبِ، وَالْجَدِّ مِنْ غَيْر أَنْ يَسْأَلَ، وَأَرَادَ بِغَيْرِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ الْوَصِيَّ، وَأَمِينَ الْحَاكِمِ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يُمْضِي بَيْعَهُمَا إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْغِبْطَةِ، أَوْ الضَّرُورَةِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ إبْطَالٍ فَصَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ فَمَمْنُوعٌ بَلْ يَطْلُبُ الْبَيِّنَةَ، وَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمَصْلَحَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَجِبُ مُرَاجَعَتُهُ فِيهِ، وَلَمْ يُرَاجَعْ، وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِبَارَةَ الْأَصْحَابِ فِي الْعَقَارِ الْغِبْطَةُ، أَوْ الضَّرُورَةُ، وَعِبَارَةَ الرَّافِعِيِّ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الْعَقَارِ، وَغَيْرِهِ
لِلْمَصْلَحَةِ
، وَهِيَ فِي الْعَقَارِ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهَا عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَمَّا فِي غَيْرِ الْعَقَارِ فَلَا يَشْتَرِكَانِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ الْمَصْلَحَةُ فَقَدْ تَكُونُ بَعْضُ الْأَعْيَانِ بَقَاؤُهَا أَصْلُحُ.
وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَالرَّافِعِيُّ يَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ بَيَانُ الْمَصْلَحَةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلْبَيْعِ فِي الْكُلِّ كَمَا يَقُولُهُ غَيْرُهُ فِي الْعَقَارِ، وَفِيهِ عُسْرٌ، وَنَشَأَ لَنَا مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: بِعْ هَذَا إنْ رَأَيْت فِي بَيْعِهِ مَصْلَحَةً فَلَهُ بَيْعُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إلَى رَأْيِهِ، وَلَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ إنْ كَانَ بَيْعُهُ مَصْلَحَةً فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ يُعَذَّرُ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ
стр. 318
إذَا جَهِلَهَا، وَلَكِنَّ جَهْلَهُ لَا يَقْتَضِي تَصْحِيحَ التَّصَرُّفِ، أَمَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ كَالْمَصْلَحَةِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: بِعْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِمَا تَرَاهُ ثَمَنَ الْمِثْلِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الثَّانِي لَا فِي الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْفَرْقُ، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ثَمَنِ الْمِثْلِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ مُسَوِّغٍ لِلْبَيْعِ بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ.
وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ فَالِاخْتِلَافُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوَّلًا يُشْبِهُ الِاخْتِلَافَ فِي الصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بَلْ هُنَا أَوْلَى حَتَّى لَا يَجِيءَ اخْتِلَافٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَمِينٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ بَاعَ جَارِيَةً لِرَجُلٍ، وَرَهَنَهَا عَلَى الثَّمَنِ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ، وَالرَّهْنَ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عِتْقَ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ قَبْلَ الْمُقَايَلَةِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، وَزَوَّجَهَا لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الْوَلَاءِ، وَالْمُشْتَرِي مُعْسِرٌ.
(الْجَوَابُ) إنْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا، وَالْجَارِيَةُ لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ، وَالْعِتْقُ، وَالتَّزْوِيجُ صَحِيحَانِ، وَالْإِقَالَةُ بَاطِلَةٌ، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، أَوْ حَالًّا، وَلَكِنْ بَعْدَ الْقَبْضِ فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ، وَالْعِتْقُ غَيْرُ نَافِذٍ لِاعْتِبَارِهِ، وَالتَّزْوِيجُ بَاطِلٌ، وَالْمُقَايَلَةُ صَحِيحَةٌ فَيَسْقُطُ الثَّمَنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ رَهَنَ عَيْنًا عَلَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، وَغَابَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ فَأَحْضَرَ الرَّاهِنُ الدَّيْنَ، وَهُوَ دَرَاهِمُ إلَى الْحَاكِمِ، وَطَلَبَ مِنْهُ قَبْضَهَا لِيَفُكَّ الرَّهْنَ هَلْ لِلْحَاكِمِ ذَلِكَ، أَوْ لَا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا؟
(الْجَوَابُ) لَهُ ذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ قَالَ: قَالَ أُخْبِرْنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ عَلَى نُجُومٍ إلَى أَجَلٍ فَأَرَادَ الْمُكَاتَبُ تَعْجِيلَهَا لِيُعْتَقَ فَامْتَنَعَ أَنَسٌ مِنْ قَبُولِهَا، وَقَالَ: لَا آخُذُهَا إلَّا عِنْدَ مَحِلِّهَا فَأَتَى الْمُكَاتَبُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ أَنَسًا يُرِيدُ الْمِيرَاثَ، وَكَانَ فِي الْحَدِيثِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بِأَخْذِهَا مِنْهُ فَأَعْتَقَهُ.
[فَصْلٌ مُنَبِّهُ الْبَاحِثِ فِي دَيْنِ الْوَارِثِ]
(فَصْلٌ) مُنَبِّهُ الْبَاحِثِ فِي دَيْنِ الْوَارِثِ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵀ فِي دَيْنِ الْوَارِثِ مُصَنَّفٌ سَمَّاهُ مُنَبِّهُ الْبَاحِثِ كَبِيرٌ اخْتَصَرَهُ فَقَالَ: وَمِنْ خَطِّهِ نَقْلٌ يُسْقِطُ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ مَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ يُشْبِهُ أَزْيَدَ مِنْ الدَّيْنِ إنْ لَمْ يَزِدْ الدَّيْنُ عَلَى التَّرِكَةِ، وَمِمَّا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهُ مِنْهُ إنْ زَادَ، وَيَنْتَقِلُ لَهُ نَظِيرُهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَيُقَدِّرُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُ ثُمَّ أُعِيدَ إلَيْهِ عَنْ الدَّيْنِ، وَيَرْجِعُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بِبَقِيَّةِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ
стр. 319
حِصَصِهِمْ، وَقَدْ يُفْضِي الْأَمْرُ إلَى التَّقَاصِّ إذَا كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثَيْنِ، فَإِذَا كَانَ الْوَارِثُ حَائِزًا، أَوْ لَا دَيْنَ لِغَيْرِهِ، وَدَيْنُهُ مُسَاوٍ لِلتَّرِكَةِ، أَوْ أَقَلُّ سَقَطَ، وَإِنْ زَادَ سَقَطَ مِقْدَارُهَا، وَبَقِيَ الزَّائِدُ، وَمَأْخَذُ التَّرِكَةِ فِي الْأَحْوَالِ إرْثًا، وَيُقَدِّرُ أَنَّهُ أَخَذَهَا دَيْنًا؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْمِلْكِ أَقْوَى، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ، وَجِهَةُ الدَّيْنِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إقْبَاضٍ، أَوْ تَعَوُّضٍ، وَهُمَا مُتَعَذِّرَانِ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مِلْكُهُ لَكِنَّا نُقَدِّرُ أَحَدَهُمَا، وَإِلَّا لَمَا بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ تَقْدِيرًا مَحْضًا لَا وُجُودَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ دَيْنِ الْحَائِزِ دَيْنُ أَجْنَبِيٍّ قَدَّرْنَا الدَّيْنَيْنِ لِأَجْنَبِيَّيْنِ فَمَا خَصَّ دَيْنَ الْوَارِثِ سَقَطَ، وَاسْتَقَرَّ نَظِيرُهُ كَدِينَارَيْنِ لَهُ، وَدِينَارٍ لِأَجْنَبِيٍّ، وَالتَّرِكَةُ دِينَارَانِ فَلَهُ دِينَارٌ، وَثُلُثٌ إرْثًا، وَسَقَطَ نَظِيرُهُ، وَبَقِيَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ثُلُثَا دِينَارٍ، وَيَأْخُذُ الْأَجْنَبِيُّ ثُلُثَيْ دِينَارٍ، وَيَبْقَى لَهُ ثُلُثٌ.
وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ اثْنَيْنِ لِأَحَدِهِمَا دِينَارَانِ، وَلِلْآخَرِ دِينَارٌ فَلِصَاحِبِ الدِّينَارَيْنِ مِنْ دِينَارِهِ الْمَوْرُوثِ ثُلُثَاهُ، وَمِنْ دِينَارِ أَخِيهِ ثُلُثُهُ، وَالثُّلُثُ الْبَاقِي مِنْ دِينَارِهِ يُقَاصِصُ بِهِ أَخَاهُ فَيَجْتَمِعُ لَهُ دِينَارٌ، وَثُلُثٌ، وَلِأَخِيهِ ثُلُثَانِ، وَمَجْمُوعُهُمَا دِينَارَانِ، وَهُوَ اللَّازِمُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ، وَمِقْدَارِ التَّرِكَةِ، وَلَوْ كَانَ زَوْجٌ، وَأَخٌ، وَالتَّرِكَةُ أَرْبَعُونَ، وَالصَّدَاقُ عَشَرَةٌ فَلَهَا عَشَرَةٌ إرْثًا، وَسَبْعَةٌ، وَنِصْفٌ مِنْ نَصِيبِ الْأَخِ دِينَارٍ، وَسَقَطَ لَهَا دِينَارَانِ، وَنِصْفٌ نَظِيرَ رُبْعِ إرْثِهَا ازْدَحَمَ عَلَيْهِ جِهَتَا الْإِرْثِ، وَالدَّيْنِ، وَلَوْ قُلْنَا: السَّبْعَةُ وَالنِّصْفُ مِنْ أَصْلِ التَّرِكَةِ يَسْقُطُ رُبْعُهَا الْمُخْتَصُّ بِهَا، وَهَلُمَّ جَرَّا إلَّا أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ عَادَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الِاثْنَيْنِ، وَنِصْفٌ لَكَانَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَلَزَادَ إرْثُهُ، وَنَقَصَ إرْثُهَا عَمَّا هُوَ لَهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَأْخُوذُ، وَسَوَاءٌ أَعُطِيَتْ الدَّيْنَ أَمْ لَا، أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَالْحَاصِلُ لَهَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَنِصْفٌ، وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَهُوَ أَوْضَحُ، وَأَسْهَلُ، وَيَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ التَّرِكَةَ لَا تَنْتَقِلُ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَدَقُّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّرِكَةَ تَنْتَقِلُ قَبْلَ، وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَدَّعِيَ، وَلَا تَحْلِفَ إلَّا عَلَى النِّصْفِ، وَالرُّبْعِ، وَكَذَا لَا تَتَعَرَّضُ، وَلَا تَقْبِضُ، وَلَا تُبْرِئ إلَّا مِنْ ذَلِكَ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالِانْتِقَالِ حَجَرُوا عَلَى الْوَارِثِ فِيهَا كَالرَّهْنِ، وَقِيلَ كَأَرْشٍ، وَقِيلَ كَحَجْرِ الْمُفْلِسِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا، أَوْ أَقَلَّ مِنْ التَّرِكَةِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ أَزْيَدَ فَهَلْ نَقُولُ: التَّرِكَةُ مَرْهُونَةٌ بِجَمِيعِهِ، أَوْ بِقَدْرِهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُ الْوَارِثَ أَدَاؤُهُ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَلَا تَخْفَى فَائِدَةُ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ التَّرِكَةِ، وَمَنْ تَخَيَّلَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالِطٌ، وَهَذَا الرَّهْنُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَارِثِ
стр. 320
فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَتَعَدَّدُ الْغَرِيمُ فِي الْأَصَحِّ.
[بَيْع التَّرِكَة قَبْل وفاء الدِّين]
وَفِي بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْبُطْلَانُ، وَإِذَا بِيعَتْ، وَقُسِّمَتْ أَثْمَانُهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُقَارِنًا تَبَيَّنَ الْبُطْلَانُ، وَإِنْ حَدَثَ رَدٌّ بِعَيْبٍ، أَوْ تَرَدٍّ فِي بِئْرٍ، وَنَحْوِهِ فَلَا بَلْ يُفْسَخُ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ الْوَارِثُ بِقَضَائِهِ، وَإِذَا أَبْطَلْنَاهُ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِهِ بِشِبْهِ الْإِرْثِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي حِصَّتِهِ نِسْبَةُ إرْثِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ فَقِيَاسُهُ سُقُوطُ الْجَمِيعِ.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ اللُّزُومِ مَحَلُّهُ إذَا وَضَعَ الْوَارِثُ يَدَهُ عَلَيْهِ لِيَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْت: مَا ادَّعَيْته مِنْ السُّقُوطِ، وَبَيَّنَ مَعْنَاهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِسْنَادِ إلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِلَّا فَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ بِالسُّقُوطِ يَتَفَاوَتُ الْمَأْخُوذُ، وَظَنَّ آخَرُونَ أَنْ لَا سُقُوطَ أَصْلًا. قُلْت: أَمَّا مَنْ ظَنَّ أَنْ لَا سُقُوطَ فَكَلَامُهُ مُتَّجَهٌ إذَا قُلْنَا: التَّرِكَةُ لَا تَنْتَقِلُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالِانْتِقَالِ فَلَا، وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ التَّفَاوُتَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، أَمَّا كَلَامُ الْأَصْحَابِ الدَّالُّ عَلَى مَا قُلْنَا فَفِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الْخَرَاجِ إذَا خَلَفَ زَوْجَةً حَامِلًا، وَأَخًا لِأَبٍ، وَعَبْدًا فَجَنَى عَلَيْهَا فَأَجْهَضَتْ قَالُوا يَسْقُطُ مِنْ حَقِّ كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَّةِ مَا يُقَابِلُ مِلْكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى مِلْكِهِ حَقٌّ، وَذَكَرُوا طَرِيقَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ السُّقُوطِ إحْدَاهُمَا طَرِيقَةُ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَسْقُطُ نَصِيبُ الْأَخِ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ مِلْكِهِ، وَمِنْ نَصِيبِ الْأُمِّ مَا يُقَابِلُ مِلْكَهَا، وَهُوَ الرُّبْعُ، وَيَبْقَى لَهَا سُدُسُ الْغُرَّةِ تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى قِيَاسِ الْفِدَا، وَأَصَحُّهُمَا طَرِيقَةُ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ حَقِّهَا مِنْ الْغُرَّةِ رُبْعُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَابِلُ لِمِلْكِهَا، وَمِنْ حَقِّهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ يَبْقَى لَهَا سُدُسُ الْغُرَّةِ، وَلَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ سُدُسِهَا، وَالْوَاجِبُ فِي الْفِدَاءِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، وَرُبَّمَا لَا تَفِي حِصَّتُهَا بِأَرْشِهَا، وَتَفِي حِصَّتُهُ بِأَرْشِهِ، فَإِذَا سَلَّمَتْ تَعَطَّلَ عَلَيْهِ مَا زَادَ، وَلَمْ يَتَعَطَّلْ عَلَيْهَا مِثَالُهُ الْغُرَّةُ سِتُّونَ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ الْعِشْرُونَ، وَسَلَّمَا ضَاعَ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ، وَصَارَ لَهُ خَمْسَةٌ، وَلَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ صِحَّةُ طَرِيقِ الْغَزَالِيِّ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي فِي الْإِجَارَةِ أَجَّرَ دَارًا مِنْ أَبِيهِ بِأُجْرَةٍ قَبَضَهَا، وَاسْتَنْفَقَهَا، وَمَاتَ عَقِيبَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَعَنْ ابْنٍ آخَرَ، وَقُلْنَا: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي نَصِيبِ الْمُسْتَأْجِرِ فَمُقْتَضَى الِانْفِسَاخِ فِيهِ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ الْأُجْرَةِ سَقَطَ مِنْهَا نِسْبَةُ إرْثِهِ، وَهُوَ الرُّبْعُ، وَيَرْجِعُ عَلَى أَخِيهِ بِالرُّبْعِ هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي كَيْفِيَّةِ الرُّجُوعِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ، وَعَلَى السُّقُوطِ فَمِنْ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ يُؤْخَذُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّقُوطِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ دَلِيلِهِ، وَقَدْ كَمُلَ غَرَضُنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَبَقِيَتْ فَائِدَةٌ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ بِالرُّجُوعِ فِي مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ، وَوِرَاثَةِ الْمُسْتَأْجِرِ اعْلَمْ أَنَّ بَيْعَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا تَقْتَضِي الِانْفِسَاخَ قَطْعًا، وَمِنْ
следующие страницы →