← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

لا إله إلا هو العظيم، أو: الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، إلى آخر ذلك، يحلف باسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أجاب، وإذا دعي به أعطى، هذه كلها أمور خطيرة، فدائمًا تجد أن المؤمن يخاف من ذلك؛ لأن الإنسان ربما يحلف كاذبًا فيحاط به، قد تنزل به العقوبة العاجلة في هذه الحياة الدنيا، وربما تدخر له في الآخرة، فيكون ضررها أكبر. قوله: (ويزِيدُ الشَّافِعِيُّ (١): "الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ العَلَانِيَةِ). وبعض أهل العلم يزيد: "الذي يعلم السر وأخفى، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور". وكل هذه الإضافات التي يضيفها العلماء؛ لتأكيد خطورة هذا الموقف وشدته، وأن على الإنسان أن يخشى الله . قوله: (وَأَمَّا هَلْ تُغَلَّظُ بِالمَكَانِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ). إذًا هو جاء إلى المكان، هل تغلظ اليمين بالمكان؟ أو في الزمان أيضًا؟ .. هل يوم الجمعة له خصوصية في هذا المقام؟ نحن نعلم أن يوم الجمعة له فضل، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم إلا غفر له (٢)، وأيضًا له مزايا؛ فيه خُلق آدم ليدخل الجنة، وأُخرج منها … إلى آخره (٣)، له فضائل عظيمة، لكن الكلام هنا هل الأزمنة (الأوقات) تختلف من وقت إلى وقت؟

стр. 10012

كذلك الأمكنة أيضًا: هل هناك فرق بين أن يحلف إنسان في السوق أو يقف على منبر فيحلف؟ هل هناك فرق بين أن يحلف في بيت الله العتيق (يحلف بين المقام والركن) وبين أن يحلف في غيره؟ هل هناك فرق أيضًا بين أن يحلف على منبر رسول الله ﷺ وأن يحلف على غيره؟ هل تغليظ الأيمان يختص بالكافرين بأن تغلظ عليهم؟ هذه كلها مسائل يختلف فيها الفقهاء رحمهم الله تعالى. قول: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) إِلَى أَنَّهَا تُغَلَّظُ بِالمَكَانِ، وَذَلِكَ فِي قَدْرٍ مَخْصُوصٍ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٢)). أما الإمام أحمد (٣) فلا يرى تغليظها، ولكن بعض الحنابلة يرون أنها تغلظ (٤). قول: (وَاخْتَلَفُوا فِي القَدْرِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٥): إِنَّ مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ اليَمِينُ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ).

стр. 10013

والحكمة في تحديد الثلاثة أننا عرفنا أن السارق تقطع يده، ولا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا (١)، والرسول ﷺ قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم (٢)، إذًا هذه لها قيمة، فإذا كانت الثلاثة الدراهم تقطع بها اليد، واليد لا شك أنها عضو عامل في البدن، ولها مكانة، ولها حرمة، ولو اعتدى عليها إنسان بغير سبب، فإنه تقطع يده، لكن تلك اليد إذا خانت أصبحت عضوًا فاسدًا مريضًا، ينبغي أن يجتث، وأن يُزال من هذا البدن؛ ليكون باقيه صحيحًا سليمًا. قوله: (فَإِنْ كانَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵊، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى المِنْبَرِ) (٣). هذا جاء فيه أيضًا أثر، يعني عندما يقف إنسان وهو كاذب في موقف وقف فيه رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، كان يلقي ﷺ مواعظه، خطبه، كان يوجه الناس، كان يدعوهم إلى الخير، كان يبين لهم ما يجب أن يفعلوه، ويزجرهم عما لا يجوز لهم فعله، وهو المنبر الذي وقف عليه خلفاء رسول الله ﷺ ، ووقف عليه المؤمنون عامًا بعد عام، وجيلًا بعد جيل، كيف يأتي إنسان وهو يعلم أنه كاذب، وأنه على باطل، ثم يحلف في هذا المكان؟ هذا له أثر؛ لأن مثل هذا الموقف تجد أن البدن فيه يضطرب، وترتعد فيه الفرائص (٤)، فكيف تقف في موقف تُلقى فيه المواعظ، ويُوجه الناس،

стр. 10014

يُخطب فيه يوم لجمعة، ثم يأتي هذا الإنسان فيقف على هذا المنبر؛ ليحلف يمينًا بالله وهو كاذب؟! قوله: (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ (١)، فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَان، إِحْدَاهُمَا: حَيْثُ اتَّفَقَ مِنَ المَسْجِدِ، وَالأُخْرَى عِنْدَ المِنْبَرِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ القَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيمَا لَهُ بَالٌ فِي الجَامِع، وَلَمْ يُحَدِّدْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): يَحْلِفُ فِي المَدِينَةِ عِنْدَ المِنْبَرِ، وَفِي مَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي كلِّ بَلَدٍ يَحْلِفُ عِنْدَ المِنْبَرِ). تعلمون أن تلكم أماكن تضاعف فيها الحسنات، فصلاة في البيت الحرام تساوي مائة ألف صلاة، وفي مسجد رسول الله ﷺ تعدل ألف صلاة إلا في البيت الحرام، وصلاة في المسجد الأقصى تبلغ خمسمائة صلاة (٣)، وهذه كلها بينها رسول الله ﷺ ، وبين فضلها، فقال العلماء: " إن السيئات تضاعف هناك "؛ ففرق بين إنسان يرتكب معصية خارج مكة، خارج البلد الحرام، وبين آخر يرتكبها في ذلك المكان، وقد تكلم العلماء عن ذلك وبينوا خطورته (٤).

стр. 10015

قوله: (فَإِنْ كانَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵊ فَلَا خِلَافَ … ). لأن هذا ورد فيه نص كما ذكرنا قبل قليل، في الحديث الذي أخرجه أبو داود (١)، وابن ماجه (٢)، وسنده صحيح: "من حلف على منبري هذا" كما قال ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما في سواه" (٣). إذًا في الحديث: "من حلف على منبري هذا بيمين آثمة" (٤) يعني بيمينين كاذبة، أما اليمين الصادقة فلا يعاقب صاحبها؛ لأنه يريد أن يستخلص حقه بيمين آثمة، "فليتبوأ مقعده من النار" فما أشد ذلك! وما أخطره! هل يريد المؤمن أن يتبوأ مقعده من النار بسبب أمر من أمور الدنيا، بسبب حطام الدنيا التي تذهب وتزول؟ وما يبقى مع المرء في هذه الحياة إلا عمله الصالح، فإنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.

стр. 10016

قوله: (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: حَيْثُ اتَّفَقَ مِنَ المَسْجِدِ، وَالأُخْرَى عِنْدَ المِنْبَرِ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ القَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيمَا لَهُ بَالٌ … ). ولذلك قالوا حتى في أهل الذمة إذا استحلفوا، فإنهم يستحلفون في المكان الذي يكون له مهابة وخوف عندهم (١). قوله: (وَالنِّصَابُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عِشْرُونَ دِينَارًا (٢). وَقَالَ دَاوُدُ (٣): يَحْلِفُ عَلَى المِنْبَرِ فِي القَلِيلِ وَالكَثِيرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَا تُغَلَّظُ اليَمِينُ بِالمَكَانِ. وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ التَّغْلِيظُ الوَارِدُ فِي الحَلِفِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يفْهَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الحَلِفِ عَلَى المِنْبَرِ؟ أَمْ لَا؟) (٥).

стр. 10017

لم يقل أحد بوجوب الحلف، ولكن قالوا: "يجوز للحاكم أن يفعل ذلك "؛ يعني إذا رأى الحاكم المصلحة، ورأى أن في الحلف على المنبر مصلحة فعل، أو بجوار المنبر، أو بجوار الكعبة، إذا رأى أن ذلك رادع ومانع للمعتدي، وكان في ذلك تخويف وزجر له، فإنه يطلب منه ذلك، وقد اشترط في القاضي كما هو معلوم أن يكون ذا حكمة، وأن يكون ذا دربة وخبرة، فإنه ينظر في مقامات الأحوال، وفي قرائنها، وبعد ذلك يستخدم علمه وذكاءه في تلك المواقف، فكم من القضاة من استخرج حقًّا لإنسان مظلوم نتيجة قوة فراسته وعلمه ودقته في مثل هذه الأمور! قوله: (فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ - قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّغْلِيظِ فِي ذَلِكَ مَعْنًى، وَمَنْ قَالَ: لِلتَّغْلِيظِ مَعْنًى غَيْرُ الحُكْمِ بِوُجُوبِ اليَمِينِ عَلَى المِنْبَرِ - قَالَ: لا يجِبُ الحَلِفُ عَلَى المِنْبَرِ). لا شك أن المنبر له مهابة، وله مكانة، وترتعد منه الفرائص، فأي مؤمن عنده أقل شيء من إيمان يخاف في تلك المواقف، ففرق بين أن يحلف إنسان في السوق العام، وبين أن يحلف في مسجد، أو على منبر، أو أن يحلف بجوار البيت العتيق، أو كما قال الشافعي: "بين الركن والمقام"، هذه مواقف ينبغي أن يكون المؤمن فيها صادقًا، وأن يتقي الله ، وأن يخشى الله تعالى، وألا تكون أمور الدنيا دافعة له إلى أن يبيع فيها أمور الآخرة، فإن السلف ﵁ آثروا الباقية على الفانية، باعوا الدنيا بالآخرة. قال تعإلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ﴾ [التوبة: ١١١].

стр. 10018

قوله: (وَالحَدِيثُ الوَارِدُ فِي التَّغْلِيظِ هُوَ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ") (١). جاء بألفاظ عدة، منها اللفظ الذي ذكرناه، اللفظ الصحيح، وهذا أيضًا لفظ قريب جدًّا منه. قوله: (وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِالعَمَلِ، فَقَالُوا: هُوَ عَمَلُ الخُلَفَاءِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ العَمَلُ بِالمَدِينَةِ وَبِمَكَّةَ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ التَّغْلِيظُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِيجَابُ اليَمِينِ فِي المَوْضِعِ المُغَلَّظِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ). حتى أثر عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: "رأيت (أو حضرت) قاضيًا باليمن يطلب ذلك منهم" (٢)، يعني كان يغلظ الأيمان، يطلب الحلف على المنبر. قوله: (إِلا تَجَنَّبَ اليَمِينَ فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ. قَالُوا: وَكَمَا أَنَّ التَّغْلِيظَ الوَارِدَ فِي اليَمِينِ مُجَرَّدًا، مِثْلَ قَوْلِهِ ﵊: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ" (٣)). هذا حديث رواه الخمسة (٤)، وهناك أيضًا حديث صحيح متفق عليه: "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان" (٥). لا شك أن هذا أمر خطير، يحلف على يمين وهو فيها فاجر،

стр. 10019

وهو عندما حلف كان كاذبًا؛ ليقتطع (أي: ليأخذ) مال أخيه المسلم، فسيلقى الله تعالى وهو عليه غضبان، وإذا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان، فهذا هو الخسران المبين، وقد رأينا في الحديث المتفق عليه قول رسول الله ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم "، وتكلمنا عن هذا طويلًا من قبل "فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو مما أسمع " (١). فالرسول ﷺ يقضي على نحو ما يسمع، وسنعود مرة أُخرى إلى الكلام عن هذا الحديث .. هل للقاضي أن يقضي بعلمه أو يقضي بما سمع من الشهود والبينة؟ قوله: (يُفْهَمُ مِنْهُ وُجُوبُ القَضَاءِ بِاليَمِينِ، وَكَذَلِكَ التَّغْلِيظُ الوَارِدُ فِي المَكَانِ. وَقَالَ الفَرِيقُ الآخَرُ: لَا يُفْهَمُ مِنَ التَّغْلِيظِ بِاليَمِينِ وُجُوبُ الحُكْمِ بِاليَمِينِ، وَإِذْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ تَغْلِيظِ اليَمِينِ وُجُوبُ الحُكْمِ بِاليَمِينِ، لَمْ يُفْهَمْ مِنْ تَغْلِيظِ اليَمِينِ بِالمَكَانِ وُجُوبُ اليَمِينِ بِالمَكَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ). الناس يتفاوتون في هذا الأمر، فقد تجد بعض الناس له حق، فإذا قيل له: أتقسم بالله على أن هذا حقك؟ يقول: لا، وهو يعلم أنه حقه، لكن لا يريد أن يقسم على ذلك، فيتركه ويقول: أجده بعد ذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وبعض الناس تجد أنه يمتطي طرق الكذب والزور، ويحلف الأيمان، ويأخذ حق هذا، ويعتدي على هذا، وأولئك الذين حذر منهم رسول لله ﷺ : "من كانت له مظلمة عند أخيه، فليؤد إليه حقه قبل ألا يكون دينار ولا درهم" (٢) إلى آخر الحديث الطويل الذي مر بنا كثيرًا.

стр. 10020

هناك مسألة أشرت إليها قبل، وهي ما يشتهر عند الناس في الحلف على المصحف (١)، يعني على الكتاب العزيز، على القرآن، هل هذا مشروع أو لا؟ عامة العلماء قالوا: "لم يرد في ذلك نص ". وممن حكى ذلك ابن المنذر رحمه الله تعالى، لكن أثر عن الشافعي أنه قال: "رأيت قاضيًا في اليمن … " وسماه، "رأيته يطلب اليمين على المصحف" (٢)؛ للتخويف؛ لأن المصحف فيه كلام الله تعالى، فهذا الذي نقرؤه بين دفتي المصحف هو كلام الله تعالى، منه بدأ وإليه يعود، وهو ليس بمخلوق كما يدعي أهل البدع، بل هو كلام لله ، تكلم به بصوت وحرف، والله يتكلم

стр. 10021

بحرف كجر سلسلة على صفوان، والله يتكلم يوم القيامة كما في الحديث الصحيح: "ما منكم من أحد إلا ويكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان" (١). إذًا الكلام نابت لله ، وهذا الذي نقرؤه في هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو كلام الله، تكلم به ، أما أولئك الذين ضلوا السبيل، ورجعوا عن طريق الهداية، وقالوا: إنه مخلوق، فقد انبرى لهم العلماء الأعلام، وتحملوا في سبيل ذلك أذًى كبيرًا، حتى نصر الله الحق، وقمع البدعة، وانتهى أهل الفساد والضلال، ونصر الله الحق، ورفع هامة العلماء العاملين. قوله: (وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ مَفْهُومٌ مِنْ قَضِيَّةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) (٢). القضية التي أشار إليها قضية زيد بن ثابت مع ابن مطيع، اختلفا في دار عند مروان بن الحكم، ومعلوم أن مروان بن الحكم عندما بدأت الدولة الأموية بعد عصر معاوية، بعد فترة تولى مروان الحكم فترة قصيرة، وهو والد عبد الملك بن مروان الخليفة المشهور، فلما اختلفا عنده طلب مروان من زيد بن ثابت أن يحلف عند المنبر، فأبى وكان يحلف في مكانه. قوله: (وَتُغَلَّظُ بِالمَكَانِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي القَسَامَةِ (٣)،

стр. 10022

وَاللِّعَانِ (١) (٢)، وَكَذَلِكَ بِالزَّمَان). القسامة عرفناها، ومرت بنا قصة عبد الله بن سهل ومحيصة عندما ذهبا إلى خيبر يبحثان عن عمل، فافترقا في نخيل خيبر، فقتل عبد الله بن سهل، وألقي في حفيرة يعني في حفرة، أو في بئر ليست بعميقة، فلما جاء زميله محيصة وجده يتشحط في دمه، فانطلق صوب المدينة، وأخبر بذلك رسول الله ﷺ بعد أن ذهب هو وأخو عبد الله بن سهل وكذلك أيضًا حويصة، فأراد أن يتكلم أصغرهم، فقال له رسول الله ﷺ : "كبر كبر"، ثم قال لهم: " أتحلفون خمسين يمينًا؟ "، قالوا: لا، كيف نحلف على أمر لم نره ولم نشاهده، قال: " فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا؟ " (٣)، قالوا: هؤلاء كفار، فكيف تقبل أيمانهم؟ أو كما جاء في ذلك الحديث. وقد سبق ذكره مفصلًا في كتاب القسامة، ولكن الشاهد فيه هنا أنه تقبل اليمين على الطرف الآخر، وهذا سيأتي مرة أخرى في النقول. قوله: (لِأَنَّهُ قَالَ: فِي اللِّعَان أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيظِ فِيمَنْ حَلَفَ بَعْدَ العَصْرِ) (٤). معلوم في اللعان الذي أنزل الله تعالى فيه الآيات المعروفات في

стр. 10023

سورة النور، أنه لا شك أن أحد الحالفين كاذب، هذا أمر لا يختلف فيه اثنان؛ لأن هذا يدعي على امرأته أنها فعلت كذا، وهي تدعي أنه كاذب، ولذلك لما جاء هلال بن أمية الرسول ﷺ قال له: " البينة أو حد في ظهرك " (١)، وفي رواية قال له: " أربعة " يعني أربعة شهود " أو حد في ظهرك " (٢). ماذا يفعل الرجل؟ شيء شاهده بنفسه، وشق عليه ذلك، وبدأ قلبه يتفطر حزنًا، وهو يرفع يديه يسأل الله تعالى أن ينزل في شأنه قراَنًا، وقد أنزل الله تلكم الآيات التي مرت بنا في اللعان في سورة النور. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ [النور: ٦، ٧]. وقال: ﴿عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٧]، وقال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٨، ٩]. ولذلك قال رسول الله ﷺ : " انظروا إليه، فإن جاءت به كذا وكذا، فهو لفلان ". فجاءت على نحو ما ذكر رسول الله ﷺ في وصف المتهم فيه، فقال رسول الله: " لو لم يكن من كتاب الله لكان لي ولها شأن " (٣). أي: أن الكتاب قد حسم الأمر، وقرر الحكم، فلا مجال لحكم آخر، فأصبح اللعان حكمًا مستقرًّا ثابتًا. ولأن اللعان يعلم فيه تأكيدًا أن أحد المدعيين كاذب، قد يكون المدعي أو المدعى عليه كاذبًا، قال الإمام مالك ﵀: " إذا كان ذلك بعد صلاة العصر، فهذا تغليظ بالزمان " (٤)؛ لأنه زمان يخشى فيه التهديد،

стр. 10024

وفي ذلك أحاديث كثيرة كما في قصة الذي باع سلعة، فحلف بعد العصر وهو كاذب، وهو داخل في قوله ﷺ : " لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه " (١)، وهذه خسارة ليس بعدها خسارة، أن يكون ممن لا يزكيهم الله تعالى ولا يكلمهم يوم القيامة، ولا ينظر إليهم. وكذلك مَن كان معه فضل ماء، فمنعه ابن السبيل كأن يكون في طريق، أو في صحراء، أو فلاة، ومعه فضل ماء فيمر رجل عطشان يكاد يتقطع قلبه من العطش، وتزهق نفسه، ثم يطلب من أخيه المؤمن أن يقدم له شربة ماء، فيمنعه ذلك. فذكر الرسول ﷺ أن هذا أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة، ورجل منع فضل الماء، فيقول الله : " اليوم أمنعك فضلي كما منعت ما لم تعمل يداك " (٢)؛ لأن هذا الماء وهذه الخيرات التي في أيدينا، وهذه الأموال، وهذه المساكن، وهذه الأرزاق عمومًا .. من الذي أعطانا إياها؟ هو الله ، فهو الذي يرفع وهو الذي يغفر، وهو الذي يعز، وهو الذي يذل، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، والخير كله بيديه ، ولكن نحن واجبنا أن نحمد الله تعالى، وأن نشكره، حتى تتحقق لنا النعم وتزداد، فكلما شكر العبد ربه وأخلص له في ذلك فإن الله يعطيه على ذلك أجرًا عظيمًا: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. قول: (وَأَمَّا القَضَاءُ بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ). يقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق: ٢].

стр. 10025

إذًا هناك شاهدان. وقال الله تعالى في آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. هذه هي الشهادة .. لكن إذا وجد شاهد، هل يضيف إليه الإنسان يمينًا فيستحق الحق، فيثبت له الحق أو لا؟ مسألة اختلف فيها العلماء، وهذه مسألة جاءت فيها أحاديث عن رسول الله ﷺ ، والتقى الخلفاء الراشدون حولها، وقالوا بأن الشاهد واليمين يثبت بهما الحق. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَدَاوُدُ (٤)، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ المَدَنِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ (٥): يُقْضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الأَمْوَالِ).

стр. 10026

كذلك قول الخلفاء الأربعة (١)؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵁، وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن وشريح، وأكثر العلماء يقولون: "يثبت الحق بالشاهد واليمين ". قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ العِرَاقِ (٣): لا يُقْضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي شَيْءٍ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ) (٤). (وبه قال الليث) ليس من أصحاب مالك، إلا إذا كان يقصد الليث من المالكية، وأما الليث بن سعد فهذا إمام مستقل، إمام مصر قبل الشافعي، ولعله يقصد أحد أتباع الإمام مالك، أثر عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة الذي عرف واشتهر بأنه هو الذي أخرج فقه الإمام أبي حنيفة، وكان إلى جانب أبي يوسف الذي يفوقه ويكبره في السن، كان من أئمة المذهب أيضًا، وكانا إمامين أيضًا وصلا فى درجة الاجتهاد، يقول محمد بن الحسن: "لو وجدت قضاءً بشاهد ويمين لنقضته " (٥)، ولذلك أخذ عليه العلماء ذلك. وسيأتي الكلام عليه عندما نمر بالأحاديث، ونبين بطلان هذا القول، لأن رسول الله ﷺ قد قضى

стр. 10027

بالشاهد واليمين (١)، والخلفاء الراشدين قد قضوا، فلا ينقض قضاؤهم. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا البَابِ تَعَارُضُ السَّمَاعِ). يقصد بالسماع الأدلة الواردة في ذلك، يعني المسموعة عن رسول الله ﷺ ، التي نقلت إلينا، ولا شك أن المقصود بذلك الأحاديث الصحيحة، وقد جاء في ذلك أحاديث صحيحة، منها حديث ابن عباس في صحيح مسلم، وعن أصحاب السنن وأحمد. قوله: (أَمَّا القَائِلُونَ بِهِ، فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِآثَارٍ كَثِيرَةٍ). هم أكثر الفقهاء، أو أكثر العلماء عمومًا؛ من الصحابة، والتابعين، وفيهم الأئمة الثلاثة؛ مالك، والشافعي، وأحمد. قوله: (مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ). يقصد بالآثار هنا الأحاديث، وهذا مصطلح أصبح معروفًا عند أهل الحديث، فالحديث: ما رفع إلى رسول الله ﷺ ، والأثر: ما أثر عن الصحابة ﵁ (٢)، فإن الحديث يسمى أثرًا كذلك، ولكن هذا مصطلح اصطلح عليه العلماء في فترة من الفترات، فأصبح معروفًا، لكن لو قلت عن الحديث: إنه أثر، فذلك قول صحيح. قوله: (وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَدِيثُ

стр. 10028

جَابِرٍ) (١). إذًا أحاديث كثيرة، وغير هذه المذكورة وردت أن الرسول ﷺ قضى بالشاهد واليمين. قوله: (إِلا أَنَّ الَّذِي خَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَفْظُهُ: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) (٢). (قضى باليمين مع الشاهد)، أو (قضى بالشاهد مع اليمين) إذًا هذا في مسلم، وعند غير مسلم أيضًا، عند بعض أصحاب السنن (٣)، وهو كذلك عند الإمام أحمد (٤)، ولكن يكفي أنه في صحيح مسلم. قوله: (وَلَمْ يُخَرِّجْهُ البُخَارِيُّ). المؤلف أراد أن ينبه إلى أن الحديث ليس متفقًا عليه، وإنما هو مما انفرد به الإمام مسلم، فلم يشركه فيه البخاري، ومعلوم أن هناك أحاديث اتفق عليها الشيخان؛ البخاري ومسلم، وأحاديث تفرد بها الإمام مسلم، وأحاديث أُخرى تفرد بها الإمام البخاري، ولكن ما اجتمعا عليه لا شك أنه أقوى الأحاديث، وما انفرد به البخاري أقوى مما انفرد به مسلم، على القول بتقديم صحيح البخاري على صحيح مسلم، وهو الصحيح، وهو الأرجح. تَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ … لَدَيَّ وَقَالُوا أَيُّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ

стр. 10029

فَقُلْت: لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً … كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ (١). قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّمَا اعْتَمَدَ مُرْسَلَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ") (٢). معلوم أن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى يعنى بالمراسيل، وهذا المرسل الذي ذكر أنه أخذ به الإمام مالك - يعني في "الموطأ" - هو أيضًا عند الترمذي (٣)، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤)، وقال عنه الإمام الشافعي: "إن هناك من وصله "، إذا هو مختلف فيه .. هل هو مرسل أم لا؟ (٥) الإمام مالك أخرجه من طريق مرسلة، وقد وصله بعض العلماء، والأدلة التي مرت كافية، ومنها حديث الإمام مسلم. قوله: (لِأَنَّ العَمَلَ عِنْدَهُ بِالمَرَاسِيلِ وَاجِبٌ). ومعلوم أن من العلماء من كتب كتابة مستقلة، ألف كتبًا في المراسيل، كالإمام أبي داود، فله كتابه المعروف بـ " المراسيل " (٦). قوله: (وَأَمَّا السَّمَاعُ المُخَالِفُ لَهَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]).

стр. 10030

ما معنى السماع المخالف؟ يقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وليس في القرآن رجل ويمين، أو شاهد ويمين، إذًا يرى هؤلاء العلماء أن الآية معارضة للقول باليمين والشاهد، ولذلك قالوا بأننا لو قلنا أو عملنا بأحاديث الشاهد واليمين، لكان ذلك زيادة على ما في الكتاب العزيز، والزيادة على ما في الكتاب العزيز إنما هي نسخ، وهذا معروف في مذهب الحنفية، وقاله محمد بن الحسن من الحنفية، لكن جمهور العلماء لم يسلموا ذلك، قالوا: من قال إن الزيادة نسخ (١)، فنحن نقول إن هذا بيان، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فهل كل ما جاء من أحكام موجود في الكتاب العزيز؟ إن السنة جاءت موافقة للكتاب العزيز في أحكام، وتفرد الكتاب في أحكام، وتفردت السنة في أحكام، وقد مرت بنا أمثلة ونماذج من ذلك، واللّه تعالى عندما ذكر المحرمات، قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. إلى آخر الآية، لم يرد في ذلك النهي عن الجمع، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. لكنه لم يأتِ النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، فأين جاء ذلك؟ جاء في سنة رسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله ﷺ

стр. 10031

قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١) ومعلوم أن الخوارج عندما جاؤوا إلى عمر بن عبد العزيز (٢)، واعترضوا عليه في بعض الأمور، وقالوا: نحن نأخذ بما في كتاب الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. نافحهم عمر بن عبد العزيز، فسألهم عن الصلاة، ثم بعد ذلك عن أوقاتها، وعددها، وركعاتها وعن الزكاة، وأنصبتها، ومقاديرها، وقالوا: ننظر في ذلك ثم نجيب، فعادوا إليه بعد ذلك، وقالوا: ذلك ذكره رسول الله. قال: وهذا الذي قلتم عنه ذكره رسول الله ﷺ ، قالوا: نجد ذلك في سنة رسول الله ﷺ وفي إجماع المسلمين. قال: وهذا أيضًا الذي أنكرتموه هو موجود في سنة رسول الله ﷺ وأجمع عليه المسلمون. ولذلك فالدين لا ينبغي ألا يكون المؤمن فيه متنطعًا، وليس الدين بالرأي، ولذلك يقول علي ﵁: " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه " (٣)، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ [آل عمران: ٧]). فمن رزقه الله تعالى فقهًا في الدين ومعرفةً فيه، يختلف عمن قرأ العلوم قراءةً سطحيةً، فمن العلماء من عنده من الفقه ما يجعله يغوص في أعماقه، ومن الناس من يستخرج من كنوز الآيات والأحاديث

стр. 10032

الكثير، وقد مرت بنا الإشارة إلى من هو المجتهد، إن المجتهدين أنواع، هناك مطلق، وهناك مجتهد منتسب، وهناك مجتهد في المذهب، وهناك مجتهد في آيات، إلى آخره. فليس العلماء كلهم على درجة واحدة، ولذلك قال العلماء: "ليس التعلم بالتمني "، يعني ليس كل إنسان يدعي العلم .. ليس الإسلام بالتمني، ولا بـ (ليت)، فلا يمكن لإنسان أن ينال العلم بـ (ليت) و (لو أني)، يعني: (لو أني فعلت كذا، يا ليتني فعلت كذا). لَيتَ وهل يَنفعُ شيئًا ليتُ … ليتَ شَبابًا بُوعَ فاشتريتُ (١) فالإنسان لو تمنى أن يعود إليه الشباب لا يعود، ولا ينال العلم بالتمني، كما قال العلماء، وإنما هو بالتردد على الأبواب في الليل الداجي، في البحث والتنقيب والدراسة وسهر الليالي، ومجالسة العلماء، والأخذ منهم، وكم من أناس يتمنون أن يكونوا علماء مثل فلان، فيقال للواحد منهم: هل أنت فعلت كما فعل فلان؟ كم أنفقت من وقتك؟ كم بذلت من جهدك؟ كم أمضيت من عمرك في طلب العلم؟ هل أنت طلبت العلم؟ وإن كنت طلبته فهل أخلصت في طلب العلم؟ كان السلف ﵁، بل من أصحاب رسول الله ﷺ من كان يسافر من بلد إلى آخر، فأحد أصحاب رسول الله ﷺ سافر من المدينة إلى الشام ليأخذ حديثًا واحدًا من أحاديثه (٢) ﷺ ، وهذا من الرحلة في طلب العلم،

стр. 10033

ونحن الآن أصبح العلم لنا ميسرًا يأتي إلينا، يعني نجده في المساجد، في المدارس، لكن فيما مضى كان أحدهم يسافر في طلب العلم على راحلة إن أسعفته النفقة، وماشيًا إن ضاقت به النفقة، نجد أنه يقطع الفيافي والقفار، ويتخطى السهل والوعر، ويعاني المشكلات، وربما تقابله المخاطر وهو في طريقه في سبيل العلم، ومع ذلك صبروا على ذلك، وإن العلم مع ذلك كله لا بد في تحصيله من تقوى الله، ولذلك قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وكان الشافعي يقول: شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي … فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلمَ نورٌ … ونُورُ اللهِ لا يؤتى لعاصي (١) فإذا كان الإمام الشافعي يقول ذلك القول، فكيف بغيره؟ ولما جلس أمام الإمام مالك تلميذ له يقرأ عليه "الموطأ" قال له: "أيها الشاب، إني أرى فيك نجابةً وذكاءً"؛ فأوصاه بتقوى الله (٢). ولقد أخذ الإمام الشافعي بوصية شيخه الإمام مالك، وهكذا كان العلماء والصالحون يوصي بعضهم بعضًا، بل كان السلف ﵁ إذا جاء أحد العلماء

стр. 10034

الصالحين أوصوا أبناءهم بأن يلازموه، وهكذا كان الإمام أحمد ﵀ إذا جاء إليه أحد العلماء كالإمام الشافعي، أوصى أولاده بأن يرابطوا عنده، وأن يلازموه؛ ليستفيدوا من علمه، من سيرته، من أخلاقه، من منهجه في هذا الدِّين الحنيف، ولذلك لما أكثر الإمام أحمد من ذكر الإمام الشافعي، ومن الثناء عليه والدعاء، سئل: من هو الإمام الشافعي؟ قال: "ذلكم كالعافية للبدن، والشمس بالنسبة للإنسان والحيوان ". أو كما قال (١) ﵁. هكذا كان العلماء، هكذا كانوا يربون أبناءهم على الخير، فإذا شب أحدهم عن الطوق وأصبح رجلًا سويًّا تجد أنه تغذى بنور الإيمان والعلم، فكان قدوةً طيبةً في شبابه، فيدخل ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه، شاب مشى في طاعة الله. قوله: (قَالُوا: وَهَذَا يَقْتَضِي الحَصْرَ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ نَسْخٌ، وَلَا يُنْسَخُ القُرْآنُ بِالسُّنَّةِ الغَيْرِ مُتَوَاتِرَةٍ، وَعِنْدَ المُخَالِفِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ بَلْ زِيَادَةٌ لَا تُغَيِّرُ حُكْمَ المَزِيدِ). وهكذا جاءت السنة بكثير من الأحكام التي ليست في الكتاب، فقالوا: هذه زيادة وليست نسخًا، فكيف ننتقل إلى النسخ؟ قوله: (وَأَمَّا السُّنَّة فَمَا خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ). إن السُّنة ينسخ بها الكتاب (٢)، والله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ

стр. 10035

الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وجاء في الحديث: "أحلت لنا ميتتان ودمان" (١). ثم بينهما الرسول ﷺ . إذًا السنة تنسخ الكتاب، ولكن المراد ما صح من سنة رسول الله ﷺ ؛ لأن هذا الكتاب جاء عن طريق رسول الله ﷺ ، والذي جاء بهذه السنة هو رسول الله، فهي سنته، وهذه أحكام، وهذه أحكام، لكن القرآن أحكام أمرنا الله وتعبدنا بتلاوته، فتلاوة القرآن إنما هي عبادة، ولذلك فإن كل حرف تقرؤه في القرآن لك فيه حسنة إلى سبعمائة. قوله: (قَالَ: "كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﵊. وما أجمل هذا أن تحصل خصومة بين اثنين فيرفعا أمرهما إلى رسول الله ﷺ ! ولا شك أن قضاء رسول الله ﷺ نافذ، والنزول عند حكمه واجب، واللّه تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. هذا هو التحكيم. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥].

стр. 10036

لا يترددون، لا يشكون في حكم رسول الله، بل هو حكم حق، بل هو فصل الخطاب، ومع ذلك قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ومعنى ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾: بيِّنٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. هذا هو التسليم، ولذلك لما نزلت الآية التي في سورة المائدة، التي فيها تحريم الخمر، وقال الله تعالى في آخرها بعد أن قال : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]. إلى آخر الآية، قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]. قال الصحابة عندئذ: "انتهينا، انتهينا"، سلموا أمرهم لله، هكذا ينزل المؤمنون على حكم الله ، وعلى حكم رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. لا شك بأن هذا القرآن وسنة رسوله ﷺ فيهما حياة للقلوب، فيهما طمأنينة للنفوس، فمن تغذى من القرآن تغذى غذاءً لا شك أنه يبعد عنه كل سقم، ومن تربى في مدرسة رسول الله ﷺ ، ونهل من سنته، فإنه كذلك سيكون بإذن الله تعالى من السعداء؛ لأنه تربى في مدرسة رسول الله ﷺ التي خرجت من مشكاة النبوة، ولذلك كان الصحابة ﵁ يتلقفون أحاديث رسول الله، فيعملون بها ويدعون إليها، وينقلونها للأجيال بعدهم. قوله: (فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ! " فَقُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، وَلَا يُبَالِي! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ") (١).

стр. 10037

"من حلف على يمين" يعني أقسم على يمين " هو فيها فاجر" يعني كاذب. " من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم "، وفي الحديث الآخر: " إنما أنا بشر؛ فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها " (١). هو بالخيار. إذًا الرسول ﷺ كان يحكم ولا يعلم الغيب؛ لأن الذي يعلم الغيب هو الله، وهنا أيضًا من حلف على يمين، أقسم بالله ، مع أن واجب المسلم ألا يحلف بالله إلا وهو صادق. إذًا " من حلف على يمين يقتطع بها "، أي: يأخذ بها "مال امرئ مسلم وهو فاجر" لكن إذا حلف وهو صادق، فذلك حقه؛ لأنه يريد أن يصل إلى حقه، وأن يأخذه، أما إذا حلف وهو فاجر - يعني كاذبًا - لقي الله تعالى وهو عليه غضبان، فهي خسارة لا شك. قوله: (قَالُوا: فَهَذَا مِنْهُ ﵊ حَصْرٌ لِلْحُكْمِ وَنَقْضٌ لِحُجَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ ﷺ أَلَّا يَسْتَوْفِيَ أَقْسَامَ الحُجَّةِ لِلْمُدَّعِي، وَالَّذِينَ قَالُوا بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ هُمْ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ اليَمِينَ هِيَ حُجَّةُ أَقْوَى المُتَدَاعِيَيْنِ شُبْهَةً، وَقَدْ قَوِيتْ هُنَا حُجَّة المُدَّعِي بِالشَّاهِدِ كمَا قَوِيتْ فِي القَسَامَةِ). (كما قويت في القسامة) (٢): القسامة كما هو معلوم: أن يلقى إنسان قتيلًا في مكان ما في الصحراء، أو بين قريتين، أو بين حيين، وليس هناك شهود، ليس هناك دليل، فتطلب أيمان مغلظة أن يقسم هؤلاء خمسين يمينًا، فإن لم يفعلوا نقلت الدعوة إلى الطرف الآخر، فطلب منهم ذلك، كما رأينا في قصة عمر ﵁ عندما قضى بين أهل الحيين، فقضى بالحكم على أقربهما، ونذكر قصة عبد الله بن سهل وقتله. قوله: (وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي القَضَاءِ بِاليَمِينِ مَعَ المَرْأَتَيْنِ، فَقَالَ

стр. 10038

مَالِكٌ (١): يَجُوزُ، لِأَنَّ المَرْأَتَيْنِ قَدْ أُقِيمَتَا مَقَامَ الوَاحِدِ). وقال الشافعي (٢)، وأحمد (٣). * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لَهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُقِيمَتْ مَقَامَ الوَاحِدِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ، لَا مُفْرَدَةً، وَلَا مَعَ غَيْرِهِ). عرفنا من قبل ما تختص به المرأة، فالمرأة أولًا لا تقبل شهادتها في الحدود، ولا في القصاص، ولكنها تقبل في الأموال كما في آية الدين، وأما شهادتها فيما يؤول إلى المال ففيه خلاف، والصحيح أنها تقبل، ولكن هناك أمور لا يطلع عليها الرجال، وإنما يطلع عليها النساء - كما ذكرنا قبل - مثل الاستهلال والولادة، وكذلك أيضًا ما يتعلق بانتهاء العدة، وكذلك العيوب الخفية، من الرتق (٤)، والثيوبة (٥)، والبكارة (٦)؛ فهي أمور لا يطلع عليها الرجال، فمن الذي ينظر فيها ويتأكد؟ فإذا أريد أن يعرف هل هذه البنت بكر أو ثيب، فمن ينظر في ذلك هي المرأة. وكان العلماء رحمهم الله تعالى يرجعون إلى النساء في أحكام الحيض، يسألونهن؟ لأن المرأة تطبق، والعلم إنما يؤخذ من الأحاديث، لكن أحكام الحيض تختلف وتتنوع، فهذه مبتدئة، وهذه غير مبتدئة، هذه

стр. 10039

انضبطت مواعيد حيضتها، وتلك في مواعيدها اضطراب، هذه مميزة، وهذه غير مميزة، إذًا هناك أشكال كثيرة، فالعادة محكَّمة، يرجع إليها في مثل هذا الأمر. * قوله: (وَهَلْ يُقْضَى بِاليَمِينِ فِي الحُدُودِ الَّتِي هِيَ حَقّ لِلنَّاسِ مِثْلَ القَذْفِ وَالجِرَاحِ؟ فِيهِ قَوْلَان فِي المَذْهَبِ) (١). وعند الشافعي وأحمد أنه لا يقضى فيها. قال المصنف ﵀:

стр. 10040

(الفَصْل الثَّالثُ النُّكُولُ (١) وَأَمَّا ثُبُوتُ الحَقِّ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ). إذا طلب من الإنسان البينة، فلم يجد، يطلب من ذاك اليمين، فإذا رفض اليمين هل يحكم للمدعى عليه بمجرد النكول؟ هذه المسألة مختلف فيها. القصد من النكول: هو أن المدعى عليه يتوقف، يمتنع عن اليمين، وهذه قال جمهور العلماء فيها: "فيها حجة للمدعي؛ لأنه إذا نكل المدعى عليه، فمعنى ذلك أن المدعي على حق، وأن هذه تقوي حجته، وأن المدعى عليه لو كان على حق لما توقف عن اليمين ". وهذا حقيقة ليس شرطًا، فبعض الناس يتورع عن اليمين، حتى وإن كان معه الحق، ولكن من حيث التطبيق العملي للقضاء، فالظاهر حينئذٍ أنه ينبغي له أن يحلف، وهذا لا يضره، ولا يأثم بذلك، بل هو حلف؛ ليأخذ حقه من خصمه. * قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢)،

стр. 10041

وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الحِجَازِ وَطَائِفَةٌ مِنَ العِرَاقِيِّينَ: إِذَا نَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يجِبْ لِلْمُدَّعِي شَيْءٌ). وهذه رواية الإمام أحمد (٢)، أي: الحنابلة. * قوله: (بِنَفْسِ النُّكُولِ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ المُدَّعِي أَوْ يَكُونَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ). وهي الرواية الأُخرى للإمام أحمد (٣)، وهي في الحقيقة أظهر في المذهب. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ الكُوفِيِّينَ (٤): يُقْضَى لِلْمُدَّعِي عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفْسِ النُّكُولِ، وَذَلِكَ فِي المَالِ بَعْدَ أَنْ يُكَرِّرَ عَلَيْهِ اليَمِينَ ثَلَاثًا. وَقَلْبُ اليَمِينِ عِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي يُقْبَلُ

стр. 10042

فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، وَشَاهِدٌ وَيمِين. وَقَلْبُ اليَمِينِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ فِي كللِّ مَوْضِعٍ يَجِبُ فِيهِ اليَمِينُ). يستدلون بالحديث الذي أخرجه الدارقطني والبيهقي: "أن رسول الله ﷺ رد اليمين على طالب الحق " (١)، يعني على المدعي، والحديث تكلم فيه بعض العلماء (٢)، ولكن بعض أهل العلم عدوه حجة أن الرسول ﷺ رد اليمين، فإذا ثبت ذلك يكون حجةً صريحةً في هذا الأمر. * قوله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (٣): أَرُدُّهَا فِي غَيْرِ التُّهْمَةِ، وَلَا أَرُدُّهَا فِي التُّهْمَةِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ (٤) فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ هَلْ تَنْقَلِبُ؟ أَمْ لا؟ قَوْلانِ؛ فَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنْ تَنْقَلِبَ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ فِي القَسَامَةِ اليَمِينَ عَلَى اليَهُودِ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ بِالأَنْصَارِ" (٥)). وكذلك الحديث الذي أشرت إليه، وهو نص، ولكن ضعفه بعض العلماء، ومن حجة مالك ﵀ أن الحقوق عنده إنما تثبت بشيئين؛ فالقسامة قلب فيها الأمر، والرسول ﷺ طلب أولًا من أخي عبد الله بن سهل وحويصة ومحيصة أن يحلفوا خمسين يمينًا، فقال: "إذن يحلف

стр. 10043

لكم يهود". قالوا: يا رسول الله، قوم كفار. فبعد ذلك وداهم رسول الله ﷺ (١). * قوله: (وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَنَّ الحُقُوقَ عِنْدَهُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِشَيْئَيْنِ: إِمَّا بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ، وَإِمَّا بِنُكُولٍ وَشَاهِدٍ، وَإِمَّا بِنُكُولٍ وَيمِينٍ. أَصْلُ ذَلِكَ عِنْدَهُ اشْتِرَاطُ الاثْنَيْنِيَّةِ فِي الشَّهَادَةِ). يعني اثنين اثنين. * قوله: (وَلَيْسَ يَقْضِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِشَاهِدٍ وَنُكُولٍ وَعُمْدَةُ مَنْ قَضَى بِالنُّكُولِ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا كانَتْ لِإِثْبَاتِ الدَّعْوَى، وَاليَمِينَ لِإِبْطَالِهَا، وَجَبَ إِنْ نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ أَنْ تُحَقَّقَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى. قَالُوا: وَأَمَّا نَقْلُهَا مِنَ المُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى المُدَّعِي فَهُوَ خِلَافٌ لِلنَّصِّ). ولكن الرسول ﷺ قال: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " (٢)، ولكن هذا أبي أن يحلف، فقال العلماء، كالحنابلة والشافعية قالوا: "امتناعه عن اليمين دليل على أن الحق عنده، فهي قرينة قوية تدل على صدق المدعي، فترد اليمين إليه، فيحلف، فيأخذ حقه من هذا الممتنع عن اليمين ".

стр. 10044

* قوله: (لِأَنَّ اليَمِينَ قَدْ نُصَّ عَلَى أَنَّهَا دَلَالَةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَذِهِ أُصُولُ الحُجَجِ الَّتِي يَقْضِي بِهَا القَاضِي. وَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي هَذَا البَابِ أَنَّهُ يَقْضِي القَاضِي بِوُصُولِ كِتَابِ قَاضٍ آخَرَ إِلَيْهِ) (١). هذه مسألة مهمة، يعني قضية كتاب القاضي إلى القاضي، يعني: هل يعتمد أولًا كتاب القاضي إلى القاضي؟ قد سبق - فيما أظن - أننا تناولنا مسألة، وهي: هل يجوز أن يكون قاضيان في بلد؟ ورأينا اختلاف العلماء، فمنهم من قال: "لا يجوز"، ومنهم من قال: "يجوز اثنان "، ومنهم من قال: "يجوز أكثر"، وهذا هو الصحيح، لأن الحاجة تقتضي ذلك، وهو الواقع الآن، لكن المراد هنا إذا كتب القاضي إلى قاضٍ آخر، هناك معلومة الكتاب يبدأ بـ (باسم الله)، وأنه حضر مثلًا عندي فلان وفلان في قضية كذا واختصما، وأنه حضر الشاهدان " فلان وفلان، ويبدو لهم كذا، يعني يكتب جميع الشروط التي ينبغي أن تكون في الدعوى. * قوله: (لَكِنَّ هَذَا عِنْدَ الجُمْهُورِ مَعَ اقْتِرَانِ الشَّهَادَةِ بِهِ، أَعْنِي: إِذَا أَشْهَدَ القَاضِي الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَهُ الحُكْمُ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَنَّ الحُكْمَ ثَابِتٌ عِنْدَهُ، أَعْنِي: المَكْتُوبَ فِي الكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى القَاضِي الثَّانِي. فَشَهِدَا عِنْدَ القَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ كتَابُهُ، وَأَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ بِثُبُوتِهِ (٢)، وَقَدْ

стр. 10045

قِيلَ: إِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِخَطِّ القَاضِي، وَأَنَّهُ كَانَ بِهِ العَمَلُ الأَوَّلُ). الحديث هنا مرتبط بكتابة القاضي، وهي مسألة تناولناها فيما مضى، فيما يتعلق بما إذا كتب القاضي إلى قاض، وبيَّنا أن الكتابة إنما تعتمد إذا كتب القاضي في حالة ولايته، ووصلت إلى القاضي الآخر في حالة ولايته، وأنه لا فرق بين تبادل الكتابات بين قاضي المصر - أي: قاضي المدينة - وقاضي القرية، وبين قاضي المدينة وقاضي المدينة، وبين قاضي القرية وقاضي القرية، وهكذا، وأن هناك شروطًا ينبغي أن تكون متوافرة في كتابة القاضي: هل يشترط أن تكون بخط القاضي، وأن يختمها، وأن يستشهد عليها شاهدين، وأن يوقع عليه؟ اشترط جمهور العلماء هذه الشروط، ورأوا أنها إنما تثبت ذلك الأمر؟ لما يترتب عليه من الحقوق، وبيَّنا جزءًا من الصيغة التي يتم بها ذلك، أن كتاب القاضي كغيره يبدأ بـ (باسم الله)، وأن رسول الله ﷺ يقول: "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله " (١)، وفي بعض الروايات "باسم الله، فهو أقطع" (٢)، وأبتر وممحوق البركة، يكتب بذلك، ويبيِّن أنه

стр. 10046

حضر عنده فلان وفلان، وأنه شهد فلان وفلان، وأنهما عدلان، إلى آخره، ثم بعد ذلك يرسله مختومًا، وقد أشهد عليه شاهدين وقرأه عليهما. * قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِنْ أَشْهَدَهُمْ عَلَى الكِتَابَةِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): يَجُوزُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): لا يَجُوزُ، وَلا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِي العِفَاصِ (٤) وَالوِكَاءِ (٥) هَلْ يُقْضَى بِهِ فِي اللُّقَطَةِ دُونَ شَهَادَةٍ؟). العفاص والوكاء مرَّا بنا قبل فترة طويلة، ونحن ندرس كتاب اللقطة، وهو إشارة إلى ما جاء في حديث رسول الله ﷺ لما سئل عن ضالة النقدين، قال: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرِّفها حولًا كاملًا"، وفي ضالة الغنم: "إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب "، وفي ضالة الإبل: "معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر" (٦). والمراد هنا فيما يتعلق بضالة النقدين أن الإنسان إذا وجدها يعرف الوعاء، ينبغي أن يعرف الوعاء الذي هي فيه، وكذلك الحبل أو غيره مما تربط به؟ فالعفاص إنما المراد به الوعاء، سواء كان من جلد أو من غيره، والوكاء هو ما يوكأ به، وقد اشتهر بوكاء القربة، وهو الحبل الذي تربط به، ولا يشترط أن يكون من نوع معين؛ لأن الإنسان إذا تأكد من هذه

стр. 10047

الأوصاف، وجاء صاحبها ليصفها له، فإنه حينئذٍ يعطيها إياه. * قوله: (أَمْ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَهَادَةٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١): يُقْضَى بِذَلِكَ). وكذلك أحمد (٢). * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِىُّ (٣): لَا بُدَّ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)). هو في الحقيقة إذا جاء صاحبها فوصفها وصفًا دقيقًا وبيَّنها، فهذا كاف، لكن بعض العلماء يقول: في باب القضاء لا بد من الشهادة. * قوله: (وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ أَجْرَى عَلَى نَصِّ الأَحَادِيثِ، وَقَوْلُ الغَيْرِ أَجْرَى عَلَى الأُصُولِ). نعم، لأن الأحاديث ليس فيها الإشهاد، (وقول الغير أجرى على الأصول) يعني أنه في مجلس القاضي لا بد من شهادة، هذا هو مراده.

стр. 10048

* قوله: (وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا البَابِ قَضَاءُ القَاضِي بِعِلْمِهِ). هذه مسألة مهمة، قضاء القاضي بعلمه، يعني إذا علم القاضي حكمًا من الأحكام هل يقضي بعلمه؟ أو ليس له أن يقضي بعلمه، وإنما يكون قضاؤه منصبًّا وموقوفًا على البينة أو الإقرار؟ ويقصد بالبينة الشهادة، يعني وجود شاهدين، والإقرار معروف أن يقر أحد الخصمين ما هو عليه، هل يقضى بذلك أو لا؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء كثيرًا، فأكثر الفقهاء قالوا: لا يقضي بعلمه، سواءٌ كان ذلك في الحدود أو غيرها، يعني حتى في الأموال، قالوا: لا فرق أن يكون علمه قبل توليه القضاء، أو أثناء ذلك، يعني أن يكون علمه في الأمر قبل أن يكون قاضيًا أو بعد أن أصبح قاضيًا، قالوا: يحكم بالبينات لا بد من وجود بينة، وهي الشهادة، أو إقرار، قالوا: وهذا هو المعروف شرعًا، لكن ليس له أن يحكم بعلمه. وهذا قول مالك (١)، وأحمد في رواية (٢)، وقول للشافعية (٣). وأبو حنيفة (٤) له تفصيل في ذلك سيورده المؤلف، ونعلق عليه إن شاء الله.

стр. 10049

ومن قالوا من أهل العلم: "يقضي بعلمه "، استدلوا بأدلة، والذين قالوا: "لا يقضي بعلمه" أيضا استدلوا بأدلة. فالذين قالوا من أهل العلم: "يقضي بعلمه" استدلوا بقصة هند عندما جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فشكت إليه زوجها أبا سفيان، فقالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح - والشحيح هو الممسك على المال، يعني: لا ينفق، لا يبسط يده - لا يعطيني ما يكفيني وولدي من النفقة". فقال لها رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (١). قال الفريق الذي يجوز القضاء بالعلم: "إن الرسول ﷺ قضى هنا بعلمه، لأنه صدق المرأة، فقد بنى على قول المرأة، فتصديقه لها بنى عليه الحكم، وإلا لو كان الرسول ﷺ لا يقضي بعلمه لاستدعى أبا سفيان، لأنه المدعى عليه، وأحضره وسمع دعواه، ثم بعد ذلك يكون القضاء". وذهب فريق آخر - وهم أكثر العلماء: إلى أنه لا يقضي بعلمه، واستدلوا بالحديث المتفق عليه، وحديث هند السابق متفق عليه أيضًا. استدل هذا الفريق الآخر بالحديث المتفق عليه، وقد سبق ذكره قبل، وهو قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، ولعلكم تختصمون إلي فيكون بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها" (٢). محل الشاهد: "وإنما أقضي على نحو مما أسمع" و"أسمع" يقوم على البينة؛ لأن ما يسمعه هو إقرار، أو تكون شهادةً، قالوا: "فهذا دليل صريح في أنه يدل على أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه ". الفريق الأول أيضًا استدلوا ببعض المفاهيم، قالوا: "أليس القاضي

стр. 10050

له أن يعدِّل، وأن يجرح الشهود؟ قالوا: بلى. قالوا: وهذه مسألة متفق عليها؟ قالوا: نعم. قالوا: فلماذا أيضًا لا يقبل القضاء بعلمه؟ ". ثم قالوا أيضًا: "إذا كان القضاء بالشاهدين نافذًا والشهادة مظنونة؛ لأنه لا يستطيع أن يقطع القاضي بأن ما يقوله الشاهدان صدق، لكن هو يحكم بعدالتهم، ثم ينفذ الحكم، إذًا حكمهما مظنون، فالغالب أو الأصل في المسلم السلامة، والغالب أن قولهما صدق، لكنه يتطرق إليه أيضًا غير ذلك. قالوا: وقد حكم بشهادة الشاهدين وهي مظنونة، فلماذا لا يحكم بعلمه وهو أمر محقق ومقطوع به؟ لأنه شيء عُلِمَ، فهو متحقق عنده، وهو قاضٍ، فلماذا لا يقضي بعلمه؟ ". ورد عليهم القائلون بعدم الجواز فقالوا: "الاستدلال بحديث هند ليس فيه دليل، لأن رسول الله ﷺ لم يقض لها قضاءً، ولكنه أفتاها، قال لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١)، وإلا فإن القضاء يتطلب وجود الخصمين، كما في حديث علي عندما أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن، وقال: "إذا تقاضى عندك الخصمان أو رجلان، فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر، فإن ذلك يظهر لك ما في الدعوى" (٢)، أو كما قال ﷺ ". إذًا قالوا: "إن هذا يدل على أنه لا يحكم بعلمه "، وأيضًا سيذكر المؤلف الحديث الآخر في قصة أبي جهم، عندما أرسله رسول الله ﷺ
следующие страницы →