← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

حضر عنده فلان وفلان، وأنه شهد فلان وفلان، وأنهما عدلان، إلى آخره، ثم بعد ذلك يرسله مختومًا، وقد أشهد عليه شاهدين وقرأه عليهما. * قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِنْ أَشْهَدَهُمْ عَلَى الكِتَابَةِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): يَجُوزُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): لا يَجُوزُ، وَلا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِي العِفَاصِ (٤) وَالوِكَاءِ (٥) هَلْ يُقْضَى بِهِ فِي اللُّقَطَةِ دُونَ شَهَادَةٍ؟). العفاص والوكاء مرَّا بنا قبل فترة طويلة، ونحن ندرس كتاب اللقطة، وهو إشارة إلى ما جاء في حديث رسول الله ﷺ لما سئل عن ضالة النقدين، قال: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرِّفها حولًا كاملًا"، وفي ضالة الغنم: "إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب "، وفي ضالة الإبل: "معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر" (٦). والمراد هنا فيما يتعلق بضالة النقدين أن الإنسان إذا وجدها يعرف الوعاء، ينبغي أن يعرف الوعاء الذي هي فيه، وكذلك الحبل أو غيره مما تربط به؟ فالعفاص إنما المراد به الوعاء، سواء كان من جلد أو من غيره، والوكاء هو ما يوكأ به، وقد اشتهر بوكاء القربة، وهو الحبل الذي تربط به، ولا يشترط أن يكون من نوع معين؛ لأن الإنسان إذا تأكد من هذه

стр. 10047

الأوصاف، وجاء صاحبها ليصفها له، فإنه حينئذٍ يعطيها إياه. * قوله: (أَمْ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَهَادَةٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١): يُقْضَى بِذَلِكَ). وكذلك أحمد (٢). * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِىُّ (٣): لَا بُدَّ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)). هو في الحقيقة إذا جاء صاحبها فوصفها وصفًا دقيقًا وبيَّنها، فهذا كاف، لكن بعض العلماء يقول: في باب القضاء لا بد من الشهادة. * قوله: (وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ أَجْرَى عَلَى نَصِّ الأَحَادِيثِ، وَقَوْلُ الغَيْرِ أَجْرَى عَلَى الأُصُولِ). نعم، لأن الأحاديث ليس فيها الإشهاد، (وقول الغير أجرى على الأصول) يعني أنه في مجلس القاضي لا بد من شهادة، هذا هو مراده.

стр. 10048

* قوله: (وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا البَابِ قَضَاءُ القَاضِي بِعِلْمِهِ). هذه مسألة مهمة، قضاء القاضي بعلمه، يعني إذا علم القاضي حكمًا من الأحكام هل يقضي بعلمه؟ أو ليس له أن يقضي بعلمه، وإنما يكون قضاؤه منصبًّا وموقوفًا على البينة أو الإقرار؟ ويقصد بالبينة الشهادة، يعني وجود شاهدين، والإقرار معروف أن يقر أحد الخصمين ما هو عليه، هل يقضى بذلك أو لا؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء كثيرًا، فأكثر الفقهاء قالوا: لا يقضي بعلمه، سواءٌ كان ذلك في الحدود أو غيرها، يعني حتى في الأموال، قالوا: لا فرق أن يكون علمه قبل توليه القضاء، أو أثناء ذلك، يعني أن يكون علمه في الأمر قبل أن يكون قاضيًا أو بعد أن أصبح قاضيًا، قالوا: يحكم بالبينات لا بد من وجود بينة، وهي الشهادة، أو إقرار، قالوا: وهذا هو المعروف شرعًا، لكن ليس له أن يحكم بعلمه. وهذا قول مالك (١)، وأحمد في رواية (٢)، وقول للشافعية (٣). وأبو حنيفة (٤) له تفصيل في ذلك سيورده المؤلف، ونعلق عليه إن شاء الله.

стр. 10049

ومن قالوا من أهل العلم: "يقضي بعلمه "، استدلوا بأدلة، والذين قالوا: "لا يقضي بعلمه" أيضا استدلوا بأدلة. فالذين قالوا من أهل العلم: "يقضي بعلمه" استدلوا بقصة هند عندما جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فشكت إليه زوجها أبا سفيان، فقالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح - والشحيح هو الممسك على المال، يعني: لا ينفق، لا يبسط يده - لا يعطيني ما يكفيني وولدي من النفقة". فقال لها رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (١). قال الفريق الذي يجوز القضاء بالعلم: "إن الرسول ﷺ قضى هنا بعلمه، لأنه صدق المرأة، فقد بنى على قول المرأة، فتصديقه لها بنى عليه الحكم، وإلا لو كان الرسول ﷺ لا يقضي بعلمه لاستدعى أبا سفيان، لأنه المدعى عليه، وأحضره وسمع دعواه، ثم بعد ذلك يكون القضاء". وذهب فريق آخر - وهم أكثر العلماء: إلى أنه لا يقضي بعلمه، واستدلوا بالحديث المتفق عليه، وحديث هند السابق متفق عليه أيضًا. استدل هذا الفريق الآخر بالحديث المتفق عليه، وقد سبق ذكره قبل، وهو قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، ولعلكم تختصمون إلي فيكون بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها" (٢). محل الشاهد: "وإنما أقضي على نحو مما أسمع" و"أسمع" يقوم على البينة؛ لأن ما يسمعه هو إقرار، أو تكون شهادةً، قالوا: "فهذا دليل صريح في أنه يدل على أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه ". الفريق الأول أيضًا استدلوا ببعض المفاهيم، قالوا: "أليس القاضي

стр. 10050

له أن يعدِّل، وأن يجرح الشهود؟ قالوا: بلى. قالوا: وهذه مسألة متفق عليها؟ قالوا: نعم. قالوا: فلماذا أيضًا لا يقبل القضاء بعلمه؟ ". ثم قالوا أيضًا: "إذا كان القضاء بالشاهدين نافذًا والشهادة مظنونة؛ لأنه لا يستطيع أن يقطع القاضي بأن ما يقوله الشاهدان صدق، لكن هو يحكم بعدالتهم، ثم ينفذ الحكم، إذًا حكمهما مظنون، فالغالب أو الأصل في المسلم السلامة، والغالب أن قولهما صدق، لكنه يتطرق إليه أيضًا غير ذلك. قالوا: وقد حكم بشهادة الشاهدين وهي مظنونة، فلماذا لا يحكم بعلمه وهو أمر محقق ومقطوع به؟ لأنه شيء عُلِمَ، فهو متحقق عنده، وهو قاضٍ، فلماذا لا يقضي بعلمه؟ ". ورد عليهم القائلون بعدم الجواز فقالوا: "الاستدلال بحديث هند ليس فيه دليل، لأن رسول الله ﷺ لم يقض لها قضاءً، ولكنه أفتاها، قال لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١)، وإلا فإن القضاء يتطلب وجود الخصمين، كما في حديث علي عندما أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن، وقال: "إذا تقاضى عندك الخصمان أو رجلان، فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر، فإن ذلك يظهر لك ما في الدعوى" (٢)، أو كما قال ﷺ ". إذًا قالوا: "إن هذا يدل على أنه لا يحكم بعلمه "، وأيضًا سيذكر المؤلف الحديث الآخر في قصة أبي جهم، عندما أرسله رسول الله ﷺ

стр. 10051

ساعيًا، فحصل بينه وبين رجل لجاج، فقام أبو جهم فضرب الرجل فشجه، أي: الذي طلب منه إخراج الزكاة، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، وطلبوا القود، فأعطى رسول الله ﷺ المعتدى عليه حتى رضي، قال: "أرضيتم؟ " قالوا: نعم، فصعد رسول الله ﷺ المنبر وخطب ﷺ الناس، قال: "أرضيتم؟ " قالوا: لا، حتى إنه همَّ المهاجرين بهم. يعني غضبوا وتأثروا، كيف ترضون ذلك؟ فنزل رسول الله ﷺ فأعطاهم، قال: "أرضيتم؟ "، قالوا: نعم. ثم صعد فوق المنبر، وقال: "أرضيتم؟ "، قالوا: نعم (١). قالوا: "وهذا الحديث فيه دلالة على أنه لا يقضي بعلمه؛ لأنه لو كان يقضي بعلمه لاكتفى رسول الله ﷺ بالرضا الأول، ولقال ﷺ : لقد سبق أن رضيتم، وانتهى الأمر، لكنه عاد وأرضاهم، ودفع لهم زيادة، فكان ذلك دليلًا على أن القاضي لا يقضي بعلمه ". أما الإمام أبو حنيفة (٢) ﵀، فقد سبق تقسيمه ما يتعلق بعلم القاضي إلى قسمين، لأنه قال: الحقوق حق لله تعالى وحق للمخلوق، فإن كان الحق حقًّا لله فلا يقضي القاضي فيه بعلمه، لأن حق الله تعالى يقوم على المسامحة، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. فقال: هذا لا يحتاج إلى أن يقضي بعلمه. أما إذا كان الحق للمخلوق فقد فصل القول في ذلك، قال: إذا كان علم القاضي قبل ولايته، فلا يحكم به، كما الحال بالنسبة للشهود، فلو رأى شهودًا قبل أن يكون قاضيًا حاكمًا فلا يعتمد على ذلك، ولكن لو كان علمه أثناء قضائه - أي: توليه القضاء - فإنه يحكم به، كالحال بالنسبة للشهود.

стр. 10052

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ القَاضِىَ يَقْضِى بِعِلْمِهِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ) (١). هذا لا شك فيه، وهذا أمر متفق عليه، وقد ذكر العلماء العلة؟ لأنه لو لم يكن كذلك للزم التسلسل أو الدوران؛ لأنه إذا جاءه الشاهدان فعدلهما، ولو لم يعدلهما يحتاج إلى من يأتي ليزكيهما ثم من يزكي هؤلاء، ثم تطول الأمور. إذًا قول القاضي أو الحاكم فصل في ذلك، وهي مسألة متفق عليها مجمع عليها كما ذكر المؤلف؟ منعًا للتسلسل. * قوله: (وَأَنَّهُ إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِضِدِّ عِلْمِهِ لَمْ يَقْضِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي إِقْرَارِ الخَصْمِ وَإِنْكَارِهِ) (٢). يعني كذلك إذا شهد الشهود خلاف علمه، فالمعتبر هو شهادة الشهود.

стр. 10053

* قوله: (إِلَّا مَالِكًا (١) فَإِنَّهُ رَأَى أَنْ يُحْضِرَ القَاضِي شَاهِدَيْنِ لِإِقْرَارِ الخَصْمِ وَإِنْكَارِهِ). زلادة في التوثق، وإلا الجمهور لا يرون ذلك. * قوله: (وَكلنَه لِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي تَغْلِيبِ حُجَّةِ أَحَدِ الخَصْمَيْنِ عَلَى حُجَّةِ الآخَرِ). نعم، عندما يأتي هذا بحجته، وهذا حجته، وينظر في ذلك، يرجح، فالفقيه الذي يدرس المسائل ويتعرف على سبب الخلاف، ينظر في دليل هؤلاء ودليل هؤلاء، ثم ينتهي إلى الراجح، وربما لا يتبين له الرجحان، فحينئذ يأخذ بالأحوط، أو يتوقف، كذلك القاضي قد لا يتبين له رجحان دعوى الخصمين حينئذٍ ينتهي إلى الإصلاح، والله تعالى يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. إذًا قد لا يتبين له الحكم، ولا يظهر له، فحينئذ ينظر في الإصلاح بينهم، ولذلك اختلف العلماء في هذه المسألة، يعني: هل للقاضي إذا عرف أن الحق مع فلان أن يصلح بينهما؟ (٢). كثير من العلماء قال: ليس له ذلك؛ لأن الحق واضح، فينبغي أن يدفع لصاحبه، لكن إذا تردد القاضي في الحكم: هل الحق مع هذا أو مع هذا؟ حينئذٍ يسعى في الإصلاح بينهما، ومعلوم أن القاضي بشر، ولذلك

стр. 10054

هو لا يعلم بواطن الأمور، وقد سبق الكلام أن قضاء القاضي لا يحل الأمور في بواطنها، وإنما هو حلال في الظاهر، فهو يحكم لهذا بحكم، ويحكم لهذا بحكم، وإذا كان رسول الله ﷺ يقول: "أقضي على نحو مما أسمع" ويقول: "لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي على نحو مما أسمع" ثم يحذر: "فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها" (١). وهو بذلك يُشرع الأحكام، ويبين المنهج الذي يسر عليه القضاة، وأن القاضي إذا حكم بحكم، أو حكم الحاكم بأمر، وكان يعلم المحكوم له أن ما يأخذه باطل، وأنه حق لأخيه المسلم، فإنه بذلك سيسأل عنه يوم القيامة؛ لأنه بذلك أكل حق أخيه بغير حق، والله حذر من ذلك وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. * قوله: (إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ فِي المَسْأَلَةِ خِلَافٌ، فَقَالَ قَوْمٌ (٢): لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ إِذَا لَمْ يَخْرِقِ الإِجْمَاعَ).

стр. 10055

يعني قاضٍ حكم في مسألة، ثم جاء قاضٍ آخر: هل للقاضي الآخر أن ينقض حكم الأول؟ جمهور العلماء قالوا: "ليس له أن ينقض ذلك، إلا أن يكون حكم القاضي الأول قد خالف نصًّا من كتاب أو سنة أو إجماع ". وبعضهم أيضًا يضيف إلى ذلك: "أن يكون خالف قياسًا صحيحًا جليًّا"، فإذا كان كذلك، فإنه يرد، أما إذا كان قضاؤه صحيحًا، فلا ينبغي، وكذلك إذا كان مختلفًا فيه لم يعارض نصًّا. وإنما هي مسألة اجتهادية، فليس لمن يأتي بعده أن ينقض حكمه؛ لأنه لو حصل ذلك لكانت هناك جرأة على أحكام القضاء، هذا يطبق حكمًا، وهذا يأتي فينقضه، قالوا: "ولذلك لا يجوز إلا أن يكون حكمه بني على هوى، مخالفًا لنص من كتاب الله وسنة رسوله "، بل بعضهم قال: "أو كانت سنة متواترةً"، تشددًا في ذلك، حفاظًا على مكانة القضاء وأهميته. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ (١): إِذَا كَانَ شَاذًّا، وَقَالَ قَوْمٌ: يُرَدُّ إِذَا كَانَ حُكْمًا بِقِيَاسٍ. وَهُنَالِكَ سَمَاعٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ تُخَالِفُ القِيَاسَ، وَهُوَ الأَعْدَلُ). هذا الذي يذكره المؤلف، ولو كان عنون له لكان أفيد، هو: إذا جاء قاضٍ آخر ينقض حكمه أو يبقيه على ما كان؟ (٢)، قلت: حكم

стр. 10056

العلماء أن ليس له أن ينقضه، إلا أن يرى البطلان فيه، فحينئذ له أن ينقضه. * قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ القِيَاسُ تَشْهَدُ لَهُ الأُصُولُ وَالكِتَابُ مُحْتَمِلٌ وَالسُّنَّةُ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ). يعني إذا كان الكتاب محتملًا مما يجعلها مسألة اجتهادية، يعني يختلف العلماء في مفهوم الآية، في مفهوم الحديث، أو كذلك القياس لم يكن صحيحًا، مع أن القياس مختلف فيه، والمتفق عليه هو الإجماع. * قوله: (وَهَذَا هُوَ الوَجْهُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَنْ غَلَّبَ القِيَاسَ مِنَ الفُقَهَاءِ). رأينا فيما مضى - على ما أظن - أنه إذا قضى القاضي في حكم هو يخالفه (يعتقد خلافه)، فبعض أهل العلم يرون أن هذا لا يعتبر، وأن حكمه غير نافذ. * قوله: (فِي مَوْضِعٍ مِنَ المَوَاضِعِ عَلَى الأَثَرِ). هذه المسألة فيها كلام كثير للعلماء، يعني: هل يجوز أن يقدم القياس على الحديث؟ (١).

стр. 10057

هذه مسألة نسبت إلى أبي حنيفة، ولذلك أبو حنيفة سئل عن مثل هذا السؤال، وأجاب بأنه لا يقدم قياسًا على أثر، على حديث صحيح (١)، وسئل أيضًا عن أقوال الصحابة إذا حصل فيها اجتهاد، وبيَّن أنه إذا اتفقوا على قول لم نخرج عنه، وأنه إذا اختلفوا نختار من بين أقوالهم، ثم سئل عن التابعين فقال: هم رجال ونحن رجال (٢)، وأخذوا من ذلك أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان تابعيًّا، والمسألة فيها خلاف، فثمة من يقول من أهل العلم بأن أبا حنيفة من التابعين، ويستدلون بما أثر عنه أنه قال: رأيت أنس بن مالك قائمًا في مسجد البصرة يصلي، يعني أنس بن مالك صاحب رسول الله ﷺ وخادمه (٣). وكذلك أيضًا أنه روى عنه حديثًا، وهو حديث: "من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة" (٤)، فهناك من يرى أنه من التابعين، وبخاصة الحنفية؛ فإنهم يؤكدون على ذلك، وكثير من العلماء يقولون هو من أتباع التابعين كالإمام مالك، ولكن الصحيح أن أبا حنيفة ولد عام ثمانين، ونحن نعلم أن من الصحابة ﵃ من مات بعد المائة، وأنس نيف على التسعين، إذًا أبو حنيفة كان موجودًا، كان صبيًّا في زمن أنس بن مالك، وأنس أيضًا كان في الكوفة: هل رآه؟ هل سمع منه؟ هذه مسألة تحتاج إلى تحقيق، لكن الحنفية يؤكدون ذلك (٥).

стр. 10058

لكن الصحيح أنه لا ينبغي أن يقدم القياس على حديث صحيح، بل الحقيقة أن القياس الصحيح لا يعارض الحديث الصريح؛ لأن القياس إنما بني على أصل، وهذا الأصل ينبغي أن يوافق للفطرة، وتلكم الأحاديث إنما جاءت موافقة للفطرة. * قوله: (مِثْلَ مَا يُنْسَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِلَى مَالِكٍ بِاختِلَافٍ). قيل: "إن الإمام أحمد سُئل عن ذلك في تردده أو في تعدد أقواله: لعلك تأخذ بما يأخذ به أبو حنيفة؟ " فأجاب: "لا" (١). معلوم أن أبا حنيفة عاش في العراق، وفي العراق يوجد الزنادقة، ويوجد أهل البدع والضلالات، ومن أولئك من وضع حديث رسول الله ﷺ مكذوبًا، فإن أولئك الأقوام تجرؤوا على رسول الله ﷺ ، مع أنه ﷺ قال: "من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، ولذلك كانوا يضعون أحاديث - أعني أهل الأهواء والزنادقة - تتفق مع أهوائهم ومذاهبهم، فإنهم يضعون أحاديث وينسبونها إلى رسول الله ﷺ ، فكان أهل العراق يتشددون أكثر بخلاف أهل الحجاز، فلم يكن ذلك منتشرًا بينهم، ولذلك قلَّ الأخذ ببعض الأحاديث؛ تشددًا في تمحيص الأحاديث، ولكن الله كما حفظ كتابه ، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. كذلك نجد أن سنة رسول الله ﷺ قد حفظت أولًا في صدور أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم لما بدأ علم تدوين الأحاديث دونت ابتداءً كما اشتهر في

стр. 10059

عهد عمر بن عبد العزيز ﵁، وكان في مقدمة من قام بذلك الإمام الزهري التابعي المعروف المحدث (١)، ثم بعد ذلك أخذت تتسع، ثم اشتغل العلماء أيضًا بعلم الجرح والتعديل، فذبوا عن سنة رسول الله ﷺ ، فبينوا ضلالات الضالين، وكشفوا زيف الزائفين، وبينوا ما هو الحق وما هو الباطل، ما صح عن رسول الله ﷺ وما لم يصح، ثم بعد ذلك وضعوا الحديث على درجات، فهناك الحديث المشهور، وهناك الحديث المتواتر، وهناك الحديث المشهور، وهناك الحديث العزيز، إلى آخره. ثم بعد ذلك تكلموا: هذا حديث صحيح، وهذا حديث حسن، وهذا حسن لغيره. إذًا أولئك العلماء الأعلام انبروا لمثل ذلك، أولئك العلماء الذين وفقهم الله تعالى لخدمة هذا الدِّين وقفوا حياتهم وأعمارهم، وأفنوها في سبيل نصرة هذا الدِّين؛ للدعوة إليه والذب عنه، والدفاع عن بيضته، وكشف زيف الزائفين، ورد آراء أهل الضلال والأهواء، هذه بحمد الله نحن نجدها الآن، يعني نجد ذلك غذاءً شهيًّا موجودًا أمامنا، يعني ليس أمامنا فقط إلا أن نفتح الكتاب، ونرى ذلك قد بين لنا بيانًا شافيًا. * قوله: (وَاخْتَلَفَ هَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ عَلَى أَحَدٍ دُونَ بَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، أَوْ لَا يَقْضِي إِلَّا بِالدَّلِيلِ وَالإِقْرَارِ؟). يعني رجع الآن إلى أصل المسألة التي تكلمت عنها. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَأَكثَرُ أَصْحَابِهِ (٢): لَا يَقْضِي إِلَّا بِالبَيِّنَاتِ أَوِ الإِقْرَارِ).

стр. 10060

يعني لا يقضي بعلمه، هذا ليس قول مالك وحده، بل هو أيضًا قول الإمام أحمد، وقلنا: هو قول للشافعية (١). * قوله: (وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٢) وَشُرَيْحٌ) (٣). يعني القاضي شريحًا. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَالكُوفِيُّ (٥)، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ (٦)). الشافعي هو الإمام الشافعي، والكوفي يعني أبا حنيفة، يعني أحيانًا يقولون: أبو حنيفة، وأحيانًا يقولون: أهل الرأي، لأنهم يمثلون مدرسة الرأي، ومالك يمثل مدرسة أهل الحديث، وأحيانًا يقولون: الكوفيون،

стр. 10061

فيدخل في ذلك غير أبي حنيفة، وشيخه حماد، وشيخ شيخه إبراهيم النخعي، وهكذا. * قوله: (لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ). مع أن الشافعي له قول آخر، لكنه ليس المشهور مع الإمامين مالك وأحمد، وأحمد له رواية مع الفريق الآخر. * قوله: (وَلكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اعْتَمَدَ فِي قَوْلِهِ السَّمَاعَ وَالنَّظَرَ، أَمَّا عُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الَّتِي مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْهَا حَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ). أبو جهم مرت قصته في النكاح، لما سألت فاطمة بنت قيس رسول الله ﷺ عمن خطباها معاوية وأبي جهم، فالرسول ﷺ تكلم عن ذلك، وكان الرسول أرسله ساعيًا، ليجمع الزكاة. * قوله: (عَلَى صَدَقَةٍ فَلَاحَاهُ (١) رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ). "فلاحاه" وفي أكثر الروايات "فلاجه" (٢) من اللجاج، يعني شاجره من الشجار، يعني ارتفاع الأصوات، واختلاط بعضها بعضًا. فقد حصل خلاف؛ هذا يقول كذا وأبو جهم كذا، فتطور الخلاف والشجار بينهم، فقام أبو جهم، فضرب الرجل فشجه، بمعنى جرحه. ومعلوم أن من الشجاج ما يكون فيه قود (٣)، أي: دية، وهذا ما سيأتي في هذا الحديث. إذًا الرواية أو الأكثر عند أبي داود الرواية المعروفة، وعند الترمذي وابن

стр. 10062

ماجه ليس كما ذكر المؤلف "لاحاه"، ولكن موجودة أيضًا في رواية عند أبي داود، وإن لم تكن المعتمدة في الكتب المطبوعة "لاحاه "، وفي رواية: " فلاجه ". * قوله: (فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ (١). فَأَتَوا النَّبِيَّ ﷺ ). والمعنى متقارب. * قوله: (فَأَخْبَرُوهُ، فَأَعْطَاهُمُ الأَرْشَ (٢). ثُمَّ قَالَ ﵊: "إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ، وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ، أَرَضِيتُمْ؟ ") (٣). لم يأت المؤلف برواية أبي داود التي فيها أن النبي ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقًا، فلاجه رجلٌ في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجه … أي: أنه صُرِّح في بعض الروايات أنه حصل منه ذلك. * قوله: (قَالُوا: نَعَمْ. فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المِنْبَرَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَذَكَرَ القِصَّةَ، وَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لا).

стр. 10063

هذا الحديث فيه أن الحق يؤخذ من الإنسان كبيرًا كان أو صغيرًا، فلهذا سأل رسول الله ﷺ فأعطى القوم حتى رضوا؛ لأن الرسول عرض عليهم، ثم صعد فقال: "أرضيتم؟ " في البداية قالوا: نعم. فلما صعد قالوا: لا. فنزل، فزادهم أيضًا الحكم الآخر، بأنه يجوز أن يعطى صاحب الشجة أكثر مما يستحق عليها، وهذا سبق أن تكلمنا عنه في كتاب القصاص، وكذلك القود، يعني يجوز أن يزاد، فلو قدر أن إنسانًا قتل إنسانًا، والدية معروفة، فلو طلبوا الدية مضاعفة، فلهم أن يدفعوا ذلك، وكذلك الحال بالنسبة للشجاج. * قوله: (فَهَمَّ بِهِمُ المُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). هموا بهم، لأنهم أعلنوا أمام رسول الله ﷺ عن رضاهم، ثم لما صعد على المنبر ليبين للناس نكثوا ورجعوا عن رضاهم، فقالوا: لا، لكن انظر، رسول الله ﷺ الذي وصفه الله ﷺ بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. لم يتأتر ﷺ ، بل نزل ﷺ ودفع إليهم حتى رضوا، ثم صعد المنبر مرةً أخرى، فأعلن ذلك، فقالوا: رضينا. * قوله: (فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: "أَرَضِيتُمْ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ ﷺ ). المؤلف قال: (لم يحكم بعلمه)، لكن محل الشاهد هو أنهم قالوا: رضينا، ثم إن الرسول ﷺ صعد المنبر فقال: "أرضيتم؟ "، قالوا: لا. فرسول الله ﷺ لم يحكم بعلمه، أي: برضاهم السابق، لأنهم أعلنوا الرضا، فلهذا أصبح مجتهدًا، لكنه نزل، فبعد ذلك أخذ موافقتهم، هذا هو محل الشاهد.

стр. 10064

* قوله: (وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ المَعْنَى فَلِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ فِي ذَلِكَ لِلْقَاضِي). لأن القاضي إذا قضى بعلمه تلحق به التهمة، أي: يتهم في الأمر، والقاضي دائمًا ينبغي أن يبتعد عن التهم، حتى فيما يتعلق بالهدايا، المؤلف لم يعرض لها، ولكن الفقهاء يتكلمون عنها، يعني القاضي لا يقبل الهدية إلا من شخص كان بينه وبينه مهاداة؛ قريب له، أو صديق، هذا يهدي، وهذا يهدي، فهذا أمر ثابت، لكن قالوا: شريطة ألا تكون هذه الهدية قد تغيرت، بمعنى زادت، هذا لصيانة مكانة القاضي، والمحافظة عليه، وإبعاده عن مواضع الشبه والتهم؛ لأنه يفصل بين الناس في الخصومات في المنازعات، يرد الحق إلى صاحبه، يأخذ على يد الظالم، وينصف المظلوم، فوظيفته ليست بسهلة، ولذلك عرفنا أنه إذا اجتهد فأخطأ، فله أجر، هو مخطئ ومع ذلك يؤجر لحساسية القضاء وخطورته وأهميته، ولذلك ابتعد عنه كثير من أكابر العلماء ممن هم أهل للقضاء. * قوله: (وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ لِلتُّهْمَةِ تَأْثِيرًا فِي الشَّرْعِ، مِنْهَا أَلَّا يَرِثَ القَاتِلُ عَمْدًا عِنْدَ الجُمْهُورِ مَنْ قَتَلَهُ) (١). هذه معروفة ومشهورة ومرت بنا في مباحث عدة؛ فإن الإنسان إذا قتل إنسانًا فإنه لا يرثه، لا يرث القاتل المقتول، هذا فيه حديث، كذلك أيضًا لو أن رجلًا طلق امرأته في مرض موته، فإنه يعامل بنقيض قصده؛ لأنه في هذا المقام متهم بأنه أراد أن يحول بينها وبين الميراث، فيعامل بنقيض قصده، أي: يعكس. عليه الأمر، وتورث المرأة، وكذلك أيضًا شهادة الأب لابنه، والعكس، هو متهم؛ لما عند الأب من الشفقة والعطف على ولده، وهو حريص على كما يقول الشاعر:

стр. 10065

وَإِنَّمَا أَوْلَادُنَا بَيْنَنَا … أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ (١) * قوله: (وَمِنْهَا رَدُّهُمْ شَهَادَةَ الأَبِ لِابْنِهِ) (٢). يعني من مواضع التهمة، فالمؤلف يمثل هنا لمواضع التهمة، كما إذا قتل إنسان قتيلًا وكان وارثًا لا يرث؛ لأنه ربما يكون الذي دفعه إلى القتل هو إرادة أن يزيل هذا عن الطريق؛ حتى يأخذ من ماله فيرث. * قوله: (وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جُمْهُورِ الفُقَهَاءِ). وهذا من أخطر الأمور، يعني التجرؤ على دماء المؤمنين، هذه من أخطر الأمور، سواء كان قصده أن يرث، أو كانت له شبهة، أو كان متأولًا، فمن أخطر ما يقدم عليه الإنسان قتل النفس البريئة بغير حق " لأن الرسول ﷺ ذكر ذلك في السبع الموبقات بعد الإشراك باللّه، ذكر في رواية: "وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق" (٣)، فهذه أمور لا تجوز، فإذا ما تعدى إنسان فقتل آخر، وكان ممن يرثه، فإنه يحال بينه وبين ذلك؛ لأنه ربما يتنازل أولياء الدم عن القتل، فحينئذ لا يقتل، ورأيتم قصة الرجل (٤) الذي رمى ابنه بالسيف، فأصيب بجرح شديد فظل ينزف دمًا حتى مات، وفي قصة عمر عندما توسط سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك، وذهب عمر ﵁ إلى مقرهم على ماء، فإنه حكم في ذلك، ومنع الأب من الميراث، وفي رواية دعا أخاه فأعطاه، وفي رواية أعطى الأخ والأم، وغير ذلك مما هو معلوم من جمهور الفقهاء.

стр. 10066

* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ، أَمَّا مِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مَعَ زَوْجِهَا). أي: مَن أجاز قضاء القاضي بعلمه، فحجته حديث عائشة في قصة هند عندما جاءت إلى رسول الله وشكت إليه حال زوجها، وأنه لا يعطيها وولدها ما يكفيها من النفقة، فقال الرسول ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١)، أي: دون مجاوزة. هل حكم الرسول في ذلك؟ هل هو حكم أو إفتاء؟ الذين منعوا ذلك من أهل العلم - يعني منعوا حكم القاضي بعلمه - قالوا: "هذه فتوى من الرسول ﷺ ، وليست حكمًا؛ لأن القضاء لا يكون إلا بحضور الخصم ". وسنرى أن بعض هؤلاء العلماء رجعوا بعد ذلك، وقالوا: يجوز القضاء على الغائب. هذا حديث متفق عليه، وتكرر هذا الحديث معنا في كتاب النفقات، وكذلك في النكاح، وجاء هنا أيضًا. * قوله: (أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ حِينَ قَالَ لَهَا ﵊ وَقَدْ شَكَتْ أَبَا سُفْيَانَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ") (٢). ووجه الدلالة لمن قال: "يقضي بعلمه" أنه لا يوجد إقرار، والمدعى عليه غير موجود، ولا يوجد شهود. إذًا ما هي البينة؟ وما هو السبب الذي رتب عليه ﷺ ؟ هو أنه صدقها، ادعت دعوى فصدقها، فقضى بعلمه، يعني عد دعواها صدقًا، فلما صدقها حكم، فحكمه كان بعلمه.

стр. 10067

الفريق الآخر من أهل العلم يقولون: "لا .. هذه فتوى من الرسول ﷺ ، وليست قضاءً؛ لأن المحكوم عليه إنما هو موجود، ولو كان قضاءً لطلبه رسول الله ﷺ وسأله عن التقصير، ثم أمره بأن يؤدي الحق؛ لأن النفقة - كما هو معلوم - واجبة، مما يجب على الزوج تجاه زوجته، ولذلك لما خطب رسول الله ﷺ الناس في حجة الوداع قال: "استوصوا بالنساء خيرًا؛ أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (١). إذًا الرسول ﷺ بيّن ذلك، وكذلك جاء في القرآن. * قوله: (دُونَ أَنْ يَسْمَعَ قَوْلَ خَصْمِهَا، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ الَّذِي هُوَ مَظْنُونٌ فِي حَقِّهِ، فَأَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَا هُوَ عِنْدَهُ يَقِينٌ). هذا قد بيَّنته من قبل، ومعلوم أن الشاهدين عندما يأتيان عند القاضي، فليس أمام القاضي إلا أن يطلب من يزكيهما، ويشهد بأنهما عدلان، هذه هي مهمة القاضي، ولكن لا يعلم ما في قلوبهم، قد يكون من الشاهدين شاهد زور، والقاضي لا يعلم ذلك .. جاء اثنان فعدلهما، فشهادة الشاهدين مظنونة، ونحن عندنا يقين، وعندنا ظن، وعندنا شك، وعندنا ما هو دون الشك، إذًا هنا ظن، والظن يرتفع عن الشك أو الوهم، لكن ذلك أمر ليس مقطوعًا به، لكن علم القاضي إذا شاهد شيئًا أو تحقق منه هو مقطوع به، ومع ذلك يحكم بالشهادة، فهؤلاء العلماء قالوا: "إذا كان يحكم بشهادة الشاهدين، فالأحرى والأولى أن يحكم بعلمه؛ لأنه قد تحقق من ذلك به ".

стр. 10068

* قوله: (وَخَصَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَا يَحْكُمُ فِيهِ الحَاكِمُ بِعِلْمِهِ، فَقَالُوا: لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الحُدُودِ، وَيَقْضِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَخَصَّصَ أَيْضًا أَبُو حَنِيفَةَ (١) العِلْمَ الَّذِي يَقْضِي بِهِ، فَقَالَ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ الَّذِي عَلِمَهُ فِي القَضَاءِ، وَلَا يَقْضِي بِمَا عَلِمَهُ قَبْلَ القَضَاءِ). لماذا؟ قالوا: "لأن الشهادة التي علمها قبل القضاء لا يحكم بها، فكذلك علمه قبل الحكم فيقاس عليها". يعني: اعتبروا الشهادة الأصل، والحكم بالعلم مقيسًا عليه، مع أن هذا أقوى؛ لأنه حقيقة وهي ظن، ولكن هكذا دائمًا في مثل هذه الأمور يؤخذ بالحيطة؛ حتى لا يلحق القاضي - كما ذكر المؤلف، وذكر غيره - في قضائه التهمة والشك؛ لأنه ربما يكون نسف حكم شهادة الشاهدين، وحكم بعلمه، فيكون له غرض وهوى، إلى آخره. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعِلْمِهِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ) (٢).

стр. 10069

هذه قصة قديمة معروفة، كانت بين الرجلين، استعدى الرجل عمر ﵁ على أبي سفيان في حد كان بينهما، فقال عمر: "إني لأذكره كأنه أمامي ". ثم بعد ذلك جاء أبو سفيان فتنكر لذلك، فشد عليه عمر، وتبين الأمر، فقال عمر: "الحمد لله الذي نصرني على أبي سفيان بالإسلام ". وقال أبو سفيان أيضًا: "الحمد لله الذي أذلني لعمر بالإسلام ". هكذا فالإسلام دائمًا يعلو ولا يعلى عليه، والإنسان عندما يخضع لأحكام الإسلام لا يقال: بأنه ذل، ولكنه استكان واستسلم لأحكامه، فعمر نصره الله على أبي سفيان بالإسلام، فقال أبو سفيان: "أذلني الله، وأخضعني لعمر بالإسلام ". قالوا: إن عمر في هذه القصة حكم بعلمه؛ لأنه قال: "كأني أذكرها تمامًا". وهذه قصة طويلة ذكرها ابن عبد البر الذي نقل عنه المؤلف، وابن قدامة في المغني، وهي موجودة في أكثر المصنفات (١). * قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٢): يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي المَجْلِسِ، أَعْنِي: بِمَا يَسْمَعُ، وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ). قال الرسول ﷺ : "شاهداك ". كما في قصة الحضرمي والكندي، عندما اختلفا في أمرِ، قال الرسول ﷺ : "شاهداك أو يمينه" (٣)، "ليس لك منه إلا ذاك ". يعني: ليس فيه إلا الشاهدان أو اليمين. فقالوا: "لا يحكم بعلمه ".

стр. 10070

* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ - كَمَا قُلْنَا - وَقَوْلُ المُغِيرَةِ هُوَ أَجْرَى عَلَى الأُصُولِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لَا يَقْضِي إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ الوَاقِعَةُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الوَاقِعِ بِصِدْقِ الشَّاهِدِينَ). لأن هذه الشريعة قامت أصلًا على مصدرين لا ينضبان، لا ينتهيان؛ كتاب الله ، هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله تعالى تبيانًا لكل شيء، والذي جعله الله قطب هذه الشريعة الذي تدور عليه، والذي نزله على محمد ﷺ ؛ ليحكم بين الناس فيما جاء به هذا الكتاب. هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله كتاب هداية وكتاب توجيه وإرشاد، هذا الكتاب الذي أخذ بأيدي العرب رعاة الشاة والغنم، فأصبحوا سادة العالم وقادتهم، هذا القرآن العظيم الذي حول حالهم من الذل إلى العزة، ومن الوضاعة إلى الرفعة والمجد، فكانوا بعد ذلك سادة العالم وقادتهم. هذا الكتاب الذي تركه فينا رسول الله ﷺ مع سنته، وقال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا". هذا الكتاب العظيم الذي ما تمسك المسلمون به في عصر من العصور، ولا في دهر من الدهور، ولا في عهد من العهود، إلا كانت لهم العزة، وكانت لهم المكانة، وكان لهم الظفر، وصاروا حيث لا تفل قناتهم، ولا يهزم جمعهم. ولكن كلما تخلى المسلمون عن هذا الكتاب، أو تباعدوا عنه، أو ضعف تعلقهم بأهدابه، ضعفت أيضًا قيمتهم، وهانوا في أعين الناس، وتساهلوا في أمرهم، وكانت لهم الذلة والمهانة. إذًا عزة المؤمنين إنما هي بالكتاب العزيز؛ فقد أعز الله المؤمنين الأولين حين بُعِث محمد بن عبد الله ﷺ وحيدًا في أمة مشركة تخضع وتذل وتستكين وتسجد للأشجار والأوثان والحجارة، ثم أخذوا يستلون تلك

стр. 10071

السخائم، وتلك العادات القبيحة، وهذه الشركيات والوثنيات من قلوبهم، فحولهم إلى خير أمة أخرجت للناس. هكذا فعل رسول الله ﷺ بهذا القرآن، بهذا النور العظيم، الذي أنزله الله تعالى، ألم يأن للمؤمنين أن يعودوا إلى هذا الكتاب وأن يحكموه فيما بينهم، وأن يعملوا بسنة رسول الله ﷺ ، فيجعلوها منهجهم ونبراسهم ودستورهم الذي يعتمدون عليه في كل أمورهم؟ إنهم لو فعلوا ذلك بحق لعادوا كما كانوا، فإنهم لا يقلون عن غيرهم إلا ببعدهم عن الكتاب، وأما لو عادوا إليه لعادت إليهم العزة، وكان الله معهم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، إن الله مع الذين يحافظون على هذا الكتاب ويعملون بما فيه، ويتمسكون بأهداب سنة رسول الله ﷺ . * * * قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفصل الرابع فِي الإِقرَارِ) * قوله: (وَأَمَّا الإِقْرَارُ إِذَا كَانَ بَيِّنًا، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الحُكْمِ بِهِ) (١).

стр. 10072

نعم .. الإقرار لا بد أن يكون بينًا، ولذلك فيما يتعلق بالزنا .. ماذا فعل رسول الله ﷺ مع ماعز وقد جاء إليه معترفًا؟ قال: "يا رسول الله، ارتكبت ذنبًا". قال: "ما فعلتَ؟ "، قال: "زنيت ". فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم انتقل إلى الجانب الآخر، فبدأ رسول الله يلقنه: "نعلك قبلت، لعلك غمزت؟ " ثم بعد ذلك سأل عنه: "أبه جنون؟ " إلى أن وصف له الرسول ﷺ تلكم الجريمة إلى آخره (١). كما جاء في الحديث. قال: نعم. فأقيم عليه الحد. إذًا الإقرار لا بد أن يكون واضحًا، لا يكون نتيجة إكراه وإذلال للإنسان، ولا يكون الإقرار محتملًا؛ لأنه يترتب عليه حكم الله . * قوله: (وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَنْ يَجُوزُ إِقْرَار مِمَّنْ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا كَانَ الإِقْرَارُ مُحْتَمَلًا رُفِعَ الخِلَافُ) (٢).

стр. 10073

الإقرار لا يكون من مجنون؛ لأن المجنون قد رفع عنه القلم، وكذلك لا يكون من الصغير؛ لأنه أيضًا غير مكلف، فلا يكون الإقرار إلا من إنسان في كامل الإرادة، يعني: يكون الإنسان في كامل عقله، لا يكون مغشيًّا عليه، ولا يكون نائمًا، فلا يؤتى إلى إنسان نائم وهو يحلم بالليل، ويذكر كلامًا فيه اعتراف، فيقال: فلان اعترف بأنه فعل كذا؛ أو إنسان أغشي عليه، فبدأ يهذي (١) ببعض الكلمات، فيقال: قال كذا؛ ويقال: قال كذا، ما نطق به لسانه فهو موجود في قلبه؛ إذ اللسان دليل على ما في القلب، فهو يعبر عنه؛ فهذا كله لا يعتد به في الإقرار. * قوله: (أَمَّا مَنْ يَجُوزُ إِقْرَار مِمَّنْ لَا يَجُوزُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ). وهذا قد سبق بيانه ببيان: من الذي يجوز إقراره؟ وما الشروط التي يتحقق معها الإقرار؟ * قوله: (وَأَمَّا عَدَدُ الإِقْرَارَاتِ المُوجِبَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الحُدُودِ). الحنابلة (٢) قمالوا: "لا بد من أن يقر أربعًا في الزنا، وتلك الحال

стр. 10074

بالنسبة للشهادة"؛ والجمهور قالوا: "يكفي مرة واحدة" (١). والذين قالوا: "يقر أربعًا" استدلوا بقصة ماعز، بأن الرسول ﷺ كرر عليه ذلك أربع مرات. وجاء في رواية أن أبا بكر كان في مجلس رسول الله ﷺ ، وقال: "إن أقررت في مجلس رسول الله أربعًا أقام عليك الحد" (٢). أما الذين قالوا: "يكفي مرة"، فاستدلوا بحديث: "اغدوا يا أنيس لامرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٣). فلم يذكر عددًا، وإنما يطبق الرجم على أقل ما يكون به الاعتراف من عدد المرات، وهو مرة واحدة. وهم كذلك مختلفون في السرقة: أيكفي فيها أن يقر مرة واحدة، أم لا بد من مرتين؟ فالجمهور قالوا: "يكفي مرة" (٤)، وهناك من قال: "لا بد

стр. 10075

من أن يقر مرتين" (١)؛ ليتأكد من ذلك، ويتحقق، وذلك كله بحمد الله سبق بيانه والحديث عنه. * قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الإِقْرَارَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامِلٌ فِي المَالِ) (٢). فبالنسبة للمال، لا خلاف فيه، لكن الخلاف في الزنا، وفي السرقة. * قوله: (وَأَمَّا المَسَائِلُ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ قِبَلِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ، وَأَنْتَ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَقِفَ عَلَيْهِ فَمِنْ كتُبِ الفُرُوعِ). يريد المؤلف أن يقول: هذا كتاب إنما هو كتاب أصول، كتاب جمعت فيه أمهات المسائل التي نطق بها النص، وهي التي أخذت من لفظ النص، أو مما هو قريب من النص، مما يكون ظاهرًا، لكنني لا آتي بالمسائل التي تخرج على النصوص، ولا بالجزئيات والفروع الكثيرة التي تلحق بذلك، فهذه محلها إنما هو كتب الفروع، وكما سبق في كتاب القذف أنه قال: "إن أنسأ الله في عمري، فسأكتب كتابًا في فروع مذهب مالك ".

стр. 10076

قال المصنف ﵀: (البَابُ الرَّابعُ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ أَوْ لَهُ) * قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَقْضِي؟ وَلمَنْ يَقْضِي؟). على من يقضي؟ هو لا شك أمامه خصمان، فهو يقضي على هذا، أو على هذا، فخصم يدعي دعوى، والآخر ينكرها، لأنه لو اعترف بها الآخر قضي الأمر، ولكن هذا يدعي، وهذا ينكر، فهذا يقال له: ائت ببينة، فإذا لم يأت ببينة، يقال للآخر: احلف بالله. وقد سبق بيان موضع الأيمان، وبيان هل تغلظ أو لا؟ فهناك من قال: "تغلظ "، كالإمامين مالك (١)، والشافعي (٢). والشافعي قال: "تغلظ في المدينة وفي المساجد". أما الإمام مالك فقال: "يقف على منبر رسول الله ﷺ ". وقد مر ذلك كله. وأما الحنفية (٣)، والحنابلة (٤) فلا يرون تغليظ الأيمان، ولهؤلاء العلماء حججهم، ولأولئك العلماء أدلتهم، وقد سبق بيان ذلك.

стр. 10077

* قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي لِمَنْ لَيْسَ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ) (١). يقضي لمن لا يتهم عليه، أما الذي يتهم عليه فهل يحكم عليه؟ فيه خلاف سيأتي. يعني: هل يقضي لأبيه؟ هل يقضي لابنه؟ هو متهم، والتهمة المقصودة هي الحياد في حكمه، والميل فيه؛ لأجل القرابة التي تربطه بأحد الخصمين. والواجب على المسلم ألا يميل مع أحد، وإن كان أقرب الناس إليه، ولذلك رسول الله ﷺ ماذا قال في قصة المخزومية التي كانت تستعير الحلي فتسرقها؟ وقد ذكر الجمهور - كما سبق بيان ذلك - أنها كانت تستعير وتسرق، وأنها سرقت ملحفة من بيت رسول الله ﷺ ، وهذه القصة قد سبق الحديث عنها.

стр. 10078

والشاهد أنه لما توثق في أمر المخزومية، وكان لها مكانة وشهرة، وكان لقومها عظيم المكانة، ورسول ﷺ الله أنكر على أسامة شفاعته لتلك المرأة، وكان أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه، قال: "أتشفع في حد من حدود الله؟! إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، وأيم الله … " (١)، وفي رواية: "والله! لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٢). لم يقل: "تُقْطع "، ولكن قال: "لَقَطَعْتُ يدها"، فما كانت تأخذه في الله لومة لائم. فالناس سواء لا يختلفون في الحق القريب منهم والبعيد، ولذلك قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فهذا هو واجب المؤمن، وهذا هو الشأن في القاضي، يعدل بين الناس دائمًا. لكن لماذا قال العلماء: "لا يحكم "؟ .. حتى يبعد عن مواضع التهم. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَائِهِ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عَلَى مَنْ لا تَجُوزُ عَلَيْهِ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ).

стр. 10079

فقال مالك (١)، وأبو حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) والحنابلة أيضًا: "لا يجوز قضاؤه على من لا تجوز شهادته له ". وقال بالجواز قوم، وهم أبو يوسف (٥) من الحنفية، وكذلك أبو ثور (٦)، وابن المنذر (٧)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٨).

стр. 10080

* قوله: (لِأَنَّ القَضَاءَ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ). لماذا قالوا: "لا يجوز"؟ قالوا: "لأن شهادته لهذا لا تجوز" فلما لم تقبل شهادة الأب لابنه والعكس، قالوا: "كذلك حكمه له لا يقبل ". والآخرون قالوا: "لا يجوز". لماذا؟ قالوا: "لأنه يعد أجنبيًّا" يعني كغيره، فكما أنه يحكم على الأجنبي، فكذلك هذا. * قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَقْضِي؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَتَّهُ يَقْضِي عَلَى المُسْلِمِ الحَاضِرِ (١)، وَاخْتَلَفُوا فِي الغَائِبِ وَفِي انقَضَاءِ عَلَى أَهْلِ الكِتَابِ). يعني هل يقضى على الغائب؟

стр. 10081

هذه المسألة الأُولى صورتها أن هناك خصمين، أحدهما، حاضر: والآخر غائب، فقام الشخص الحاضر وادعى على الآخر الغائب دعوى، ورفع أمره إلى القضاء، فهل يقضي القاضي بذلك أو لا؟ أكثر العلماء قال: "يقضي". * قوله: (فَأَمَّا القَضَاءُ عَلَى الغَائِبِ فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ) (٢). مالك والشافعي وأحمد (٣). * قوله: (قَالَا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ البَعِيدِ الغَيْبَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَا يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ (٥)، وَقَدْ قِيلَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَقْضِي فِي الرَّبَاعِ المُسْتَحَقَّةِ) (٦).

стр. 10082

ما الرباع (١)؟ هي الدور، كما جاء في حديثٍ لما قيل لرسول الله: "أتسكن في دارك؟ " قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ " (٢)؛ لأنه لا يرث المسلم الكافر، فلما مات أبو طالب، لم يرثه الرسول ﷺ ، ولكن ورثه عقيل؛ لأن عقيلًا كان على دينه، فلم يرث رسول الله ﷺ من أبي طالب. فالمراد بالرباع الدور. * قوله: (قَالَا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ). هل يجوز القضاء على الغائب؟ لا خلاف بين العلماء في القضاء على الحاضر؛ لأن القضاء إنما يقوم على ركنين؛ مدعٍ ومدعى عليه، فإن حضر كل منهما مجلس القضاء ترتب على ذلك الحكم، فإن المدعي يطالب بالبينة، ثم إذا لم تكن له بينة، ينتقل الأمر إلى المدعى عليه، وذلك كله إذا لم يقر المدعى عليه بالحكم، فإذا أقر المدعى عليه بما ادعي عليه به، انتهى الأمر، ولكن إذا أنكر ذلك، فإن المدعي يطالب بالبينة، فإذا لم تكن له بينة انتقل الحكم إلى المدعى عليه، فإنه يطلب منه اليمين؛ لأن الرسول ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه (٣).

стр. 10083

وفي رواية في غير الصحيحين: "اليمين على من أنكر" (١). يعني من رفض الدعوى وهو المدعى عليه، فلم يقر بما ادعي عليه. لأنه لا يلزم دائمًا أن يكون المدعي على حق، فهناك من يدعي الباطل، وهناك من يدعي الحق، ولكن من يدعي أمرًا من الأمور، سواء كان متعلقًا بالأموال أو الدماء أو غيرها، فعليه أن يأتي بالبينة. أما فيما يتعلق بالغائب، فهناك مدعٍ حاضر وغائب مدعى عليه .. فهل يصدر الحكم على الغائب أو لا؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فمن العلماء - وهم الجمهور، الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد .. وسيذكرهم المؤلف - من قال: "يقضي على الغائب "، ومعنى ذلك أنه حين يدعي إنسان على غائب دعوى، فإذا ما استكملت الشروط والبينات، فهل للقاضي أن يقضي على الغائب أو ليس له ذلك؟ ذكرنا أن جمهور العلماء قالوا: "نعم ". وأبو حنيفة قال: "لا يقضى على غائب ". ولكل من الطرفين حجة أو أدلة يتمسك بها. * قوله: (قَالا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ البَعِيدِ الغَيْبَةِ). (قالا) يعني مالكًا والشافعي، وذكرنا أنه قول لأحمد أيضًا. (البعيد الغيبة) أما القريب الغيبة، فإنه يُدْعَى، ولكن هناك من يختفي، وهذا له حكم، ولم يتعرض له المؤلف، يعني قد يكون الإنسان قريبًا فيتوارى عن الأنظار حتى لا يحكم عليه، فمثل هذا يحكم عليه، وإن كان قريبًا، فكم من الناس يختفي إذا علم أن الحق عليه وليس له، تراه يتوارى عن الأعين ويختفي، فمثل هذا أيضًا تقام عليه الدعوى، وللقاضي أن يحكم عليه.

стр. 10084

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ). وأيضًا قال به ابن أبي ليلى (١)، والقاضي شريح (٢)، وهي رواية أُخرى للإمام أحمد (٣). * قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَقْضِي فِي الرَّبَاعِ المُسْتَحَقَّةِ) (٤). قلنا: الرباع هي الدور، وذلك لما قيل إلى رسول الله ﷺ بعد فتح مكة: "أتنزل في دارك؟ " قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع ". والرباع المراد بها الدور. * قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى القَضَاءَ حَدِيثُ هِنْدٍ المُتَقَدِّمُ). حجة جمهور العلماء الذين قالوا: "يقضى على الغائب" دليلان: الدليل الأول: ما أشار إليه المؤلف، وهو حديث هند بنت عتبة في قصتها مع زوجها أبي سفيان، وهو حديث متفق عليه.

стр. 10085

والدليل الآخر: هو دليل عقلي لم يعرض له المؤلف. أما حديث هند، فإنها شكت إلى رسول الله ﷺ زوجها أبا سفيان، فقالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي ". يعني من النفقة. فقال لها ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١). الشاهد أن أبا سفيان لم يكن حاضرًا، وقد حكم عليه الرسول ﷺ ، بأن أذن لزوجته هند أن تأخذ ما يكفيها وولدها، وقيد ذلك بالمعروف، يعني من النفقة. فقالوا: هذا دليل على أنه يقضى على الغائب، إذ لو لم يكن جائزًا لما قضى عليه رسول الله ﷺ ، وقد سبق الحديث قبل عن هذه المسألة، وقلنا بأن من العلماء من قال بأن هذه فتوى من الرسول ﷺ ، وليست قضاء. * قوله: (وَلَا حُجَّةَ فِيهِ). وأما المعقول الذي لم يعرض له المؤلف من حجة الجمهور، فإنهم قالوا: لو كان الخصم موجودًا لقضي عليه لقيام البينة، فكذلك إذا لم يكن موجودًا، وكانت البينة قائمة، فإنه يقضى عليه غائبًا، كما لو كان حاضرًا. * قوله: (لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا عَنِ المِصْرِ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ القَضَاءَ قَوْلُهُ ﵊: "فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِحَسَبِ مَا أَسْمَعُ" (٢)). قوله: "لم يكن غائبًا عن المصر" هذا ليس مسلَّمًا لاحتمال أن يكون
следующие страницы →