← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

الإسلام إنما هو الكفر، فلا تقبل شهادة كافر على مسلم، ولكن فيما يتعلق بشهادتهم في الوصية في السفر هل تقبل أو لا؟ سيأتي الخلاف فيها. * قول: (وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الكَافِرِ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ الآية). بقية الآية: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]. إذًا هذا فيما يتعلق بالسفر، هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فمن العلماء من قال بأنه تُقبل شهادة الكافر في السفر، وذكر المؤلف أبا حنيفة (١)، ومعه الإمام أحمد (٢)، ولكن الحنابلة قيدوا ذلك بألا يوجد غيره، فإن وجد غيره (يعني إن وجد مسلم)، فلا يلتفت إلى شهادة

стр. 9977

الكافر. وأما المالكية (١)، والشافعية (٢) فلم يعتدوا بها، ويرون أن الآية منسوخة (٣). * قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكرَهَا اللَّهُ تَعَالَى). هو أيضًا - كما ذكرنا - قول الإمام أحمد، لكن الحنابلة قيّدوا ذلك بألا يوجد غيره. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَرَأَوْا أَنَّ الآيَة مَنْسُوخَة). وآخرون خالفوا في نسخ الآية، وقالوا: "إن النسخ يحتاج إلى حجة، وإلى معرفة التاريخ والناسخ"، والمسألة فيها خلاف، وقد تكلم عن ذلك المفسرون. * قوله: (وَأَمَّا الحُرِّيَّةُ فَإِنَّ جُمْهُورَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا

стр. 9978

فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ (١)، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ العَبْدِ (٢)). المقصود بالعبد الرقيق، أي: الذي وضعت عليه العبودية، ونحن إذا ألقينا نظرة على الآيات أو الأدلة التي جاءت في الشهادة، نجد أنها مطلقة. قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا هو رجل، وأيضًا في الآية الأخرى. قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وأيضًا هو إذا كان من أهل العدالة، فيدخل في عموم الآية: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهكذا بقية الأدلة أيضًا في السنة، فإنها مطلقة، لكن جمهور العلماء؛ الأئمة أبا حنيفة ومالكًا والشافعيَّ قالوا: "لا تقبل شهادة العبد لسببين؛ السبب الأول: نقص مروءته، والسبب الآخر: هو نقص كماله، فلم يكن عنده من الكمال ما عند الحر؛ لأن العبد خاضع لسيده، فلا يتصرف في أمر، فلا تقبل شهادته". وفريق آخر من أهل العلم قالوا: تقبل شهادته، وأشار المؤلف إلى

стр. 9979

أهل الظاهر، ومعهم أيضًا الإمام أحمد وجماعة، وقد أثر ذلك عن بعض التابعين (١)، بل نقل عن علي ﵁، وعن أنس بن مالك من الصحابة أن شهادة العبد تقبل (٢). وقد رد القائلون بقبول شهادة العبد على القول بأن العبد لا مروءة له، بقولهم: "هذه دعوى غير مسلمة، لأن المروءة أيضًا لا تثبت لجميع الأحرار، فمنهم من عنده مروءة، ومنهم من ليس عنده مروءة، فهذه لا يختص بها العبد المملوك، وإنما يشركه فيها غيره"، قالوا: "وقد رأينا أن كثيرًا من أكابر العلماء ومن الصالحين ومن العباد كانوا رقيقًا أو كانوا أحرارًا، ولكنهم كانوا في الأصل مسترقين، ولذلك لما سُئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد: أتجوز؟ قال: أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب (٣)، وكان من العلماء الأعلام، وكان أيضًا من العلماء الأعلام من الموالي أكرم مولى ابن عباس". ومعلوم أنه قد مرت فترة في العصر الأموي كانت لهم الريادة فيما يتعلق بالعلم، إذًا هل الرق قادح في شهادة بعض على بعض؟ قال الفريق الأول الذي لا يقبل شهادة العبد: "نعم، لما هو معلوم من وجود النص". وعرفنا أن من أسباب التخفيف النقص، وأنه خفف عن العبد وعن المرأة، لوجود النقص فيهما، فقالوا: "صفة النقص مؤثرة في ذلك". والفريق الآخر قمال: "أدلة الكتاب والسنة كلها مطلقة، فلم نجد

стр. 9980

حديثًا مقيدًا، بل وجدنا ما يدل على أن شهادة العبد تقبل في سنة رسول اللّه ﷺ ، في حديث صحيح أخرجه البخاري، والترمذي (١)، والنسائي (٢)، والإمام أحمد (٣) وغيرهم (٤)، ويكفي فيه أنه خرجه البخاري في صحيحه في قصة عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول اللّه ﷺ فقال: "كيف وقد زعمت ذلك؟ " (٥). وفي رواية أن الرسول ﷺ أعرض عنه، فكررت ذلك فقال: "كيف وقد قيل؟ " (٦)، فقالوا: هذه أمة سوداء واحدة، قبلت شهادتها. ولذلك سيأتي الكلام بعد ذلك فيما يتعلق بالرضاعة، وهل تقبل شهادة امرأة واحدة في بعض الأمور، ومنها الرضاعة؟ سيأتي الكلام فيه، وسنرى أن المؤلف استشهد أو استدل بجزء من هذا الحديث، ولا شك أن كون العبد رقيقًا لا ينقصه من ذلك شيئًا، فإذا كان تقيًّا وتوفرت فيه الشروط فلا مانع أن تقبل شهادته. * قوله: (أَهْلُ الظَّاهِرِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ العَبْدِ). قلنا: وأحمد (٧)؟ فنضيف الإمام أحمد، وهو مروي عن الصحابيين علي وأنس ﵄، وعن بعض التابعين كابن سيرين (٨) وشريح (٩).

стр. 9981

* قوله: (لِأَنَّ الأَصْلَ إِنَّمَا هُوَ اشْتِرَاطُ العَدَالَةِ، وَالعُبُودِيَّةُ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيز فِي الرَّدِّ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ مِنْ كتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ). هذا التعليل الذي ذكره المؤلف، هو حجة للإمام أحمد وأهل الظاهر، ونحن عرضنا ما يتعلق باحتجاج الجمهور بالمروءة، وكذلك النقص، وكيف أجاب عنها الفريق الآخر من أهل العلم، وقالوا: إن المروءة أيضًا قد تختلف بالنسبة للحر. وأظن أن حديث عقبة بن الحارث نص في المسألة. * قوله: (وَكَأَنَّ الجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ العُبُودِيَّةَ أَثَز مِنْ أَثَرِ الكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ). أبدًا، فالرق لا علاقة له بالكفر، فعندما يتحول الكافر إلى مسلم، فإن التوبة تجب ما قبلها، وقد عرفنا ذلك في أحاديث كثيرة، ولذلك يقول رسول اللّه ﷺ : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (١)، فالانتقال إلى الإسلام ينهي كل شيء. * قوله: (وَأَمَّا التُّهْمَةُ الَّتِي سَبَبُهَا المَحَبَّةُ). الإنسان قد يحب، إن المحب لمن يحب مطيع؛ فالإنسان إذا أحب إنسانًا فربما تدفعه محبته إلى أن يميل معه، وربما تدفعه محبته إلى أن يغطي عيوبه، وربما تدفعه محبته إلى أن يقلب الحق باطلًا من أجل محبوبه، ولكن من الناس من لا تأخذه في اللّه لومة لائم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]. وجاء أيضًا فيما يتعلق بالأبناء والآباء أن الإنسان لا ينبغي أن يصرف ذلك عن قول الحق، لكن لا شك أن الأب متهم في ابنه، لأن الأب عنده

стр. 9982

من الشفقة ومن الرحمة ومن الحنان بالنسبة لابنه ما يجعله يقف، لا يود أن يمسه شيء، وكذلك العكس، وكذلك بالنسبة للزوجين، فعندهما من قوة العلاق" والرابطة التي أشار اللّه تعالى إليها في قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. ربما تكون التهمة دافعة للإنسان إلى أن يكتم الشهادة، أو أن يغير فيها، أو أن يميل إلى الجانب الآخر. * قوله: (فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي إِسْقَاطِ الشَّهَادَةِ (١). وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ شَهَادَةِ العَدْلِ بِالتُّهْمَةِ لِمَوْضِعِ المَحَبَّةِ أَوِ البِغْضَةِ الَّتِي سَبَبُهَا العَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ). فقد تكون ثمة محبة، كما بين الأب وابنه، وربما تكون عداوة كما تكون بين الخصمين المتنازعين المختلفين، ربما يشهد هذا على ذاك؛ لأنه مختلف، ولذلك جاء في الحديث: "لا تجوز شهادة متهم ولا ظنين" (٢). * قوله: (فَقَالَ بِرَدِّهَا فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ (٣)، إِلَّا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِي

стр. 9983

مَوَاضِعَ عَلَى إِعْمَالِ التُّهْمَةِ، وَفِي مَوَاضِعَ عَلَى إِسْقَاطِهَا). ردها جمهور العلماء بالنسبة للأب، لأن الرسول ﷺ يقول: "أنت ومالك لأبيك" (١). ويقول: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن أولاده من كسبه" (٢)؛ فالولد جزء منه، وكسبه أيضًا إنما هو متعلق به، كأنه يدافع عن نفسه، ولذلك جاءت الشبهة. * قول: (وَفِي مَوَاضِعَ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَأَعْمَلَهَا بَعْضُهُمْ، وَأَسْقَطَهَا بَعْضُهُمْ، فَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ رَدُّ شَهَادَةِ الأَبِ لِابْنِهِ وَالِابْنِ لِأَبِيهِ). ردها؛ لأنه متهم، وإن كان الأب عدلًا معروفًا بالصلاح وبالتقوى وبالورع وبالزهد وبشدة الخوف من اللّه ، ولكنه بالنسبة لابنه هو متهم. * قوله: (وَكَذَلِكَ الأُمُّ لِابْنِهَا، وَابْنُهَا لَهَا). شفقة الأم إن لم تكن أكثر من الأب، فلا تقل. * قوله: (وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ التُّهْمَةِ فِي شَهَادَتِهِمْ شَهَادَةُ الزَّوْجَيْنِ أَحَدِهِمَا لِلآخَرِ). فمعلوم أن الزوجين يتوارثان ولا يحجبهما أحد، نعم هناك حجب نقصان؛ فالزوج قد ينتقل من النصف إلى الربع، لوجود فرع وارث، والزوجة تنتقل من الربع إلى الثمن؛ لوجود فرع وارث يحجبها حجب

стр. 9984

نقصان، لكن لا يوجد حجب حرمان، إذًا هناك توارث، وهناك علاقة، وهناك بذل بينهما، فكل منهما يبذل نفسه للآخر، إذًاا لشبهة قوية وقائمة، وما لم يكن هناك خلاف بين الزوجين، فلا يرضى زوج ولا زوجة أن يشهد ضد الآخر، إِلَّا أن يكون هناك ما يجعله لقوة خشيته للّه لا يبالي في سبيل أن يشهد بالحق. إذًا التهمة موجودة، وليس هذا على إطلاقه، فقد يوجد من يجعل الحق نصب عينيه ويقدمه على كل أحد، ولكن الشبهة أيضًا قائمة. * قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (١) رَدَّهَا وَأَبَا حَنِيفَةَ) (٢). وأحمد (٣). * قوله: (وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ (٤)،، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالحَسَنُ (٥). وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا لَهُ) (٦) هذا التفريق لا حجة عليه.

стр. 9985

إذًا عرفنا أن الأئمة الثلاثة ردوها؛ أبا حنيفة ومالكًا وأحمد، والشافعي اعتبرها. * قوله: (وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ (١)، وَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى إِسْقَاطِ التُّهْمَةِ فِيهِ شَهَادَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ (٢)). أما شهادة الأخ لأخيه قالوا: "لا تهمة فيها؛ فالأخ مهما كان وإن وجدت رابطة قرابة بينه وبين أخيه، فالشبهة ضعيفة". يعني إن وجدت، فاعتبروا أن الشبهة ضعيفة، ولذلك تقبل الشهادة. * قوله: (مَا لَمْ يَدْفَعْ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ عَارًا .. عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ) (٣). هذا عند المالكية، قالوا: "لا. إذا كانت المعرة تشمله، وكذلك أيضًا

стр. 9986

إذا كانت الشهادة يترتب عليها ثبوت الدعوى بما يمس الشاهد، بأن يتعلق بنسبه، أو يتعلق بأمر مرده إليه؛ فإنه بذلك قد لا يشهد؛ لأن الأمر يمسه، فهو بذلك يدفع عن نفسه لا عن أخيه". * قوله: (وَمَا لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا إِلَى أَخِيهِ يَنَالُ بِرَّهُ وَصِلَتَهُ) (١). ما لم يكن أيضًا - عند المالكية - تحت تربيته، نشأ في كنف أخيه، رباه منذ الصغر حتى أصبح رجلًا سويًّا، يغذيه، يقوم على شؤونه، رباه تربية طيبة، تولى أمره، فهو بذلك ربما تدفعه تلك الأعمال وتلكم الصلة والقربة ألا يشهد على أخيه. * قوله: (مَا عَدَا الأَوْزَاعِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ (٢). وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ العَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ). العدو يشهد ولا تقبل شهادته، لأنه لا تقبل شهادة عدو، فهو يود أن يذل خصمه وعدوه، إِلَّا أن تكون هناك مخافة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]. ولكن الغالب على النفوس الضعف في ذلك المقام، فدائمًا تجد الإنسان ما لم يكن عنده خوف من اللّه وتقوى، وربط ما سيحصل منه بأمور الآخرة وإدراك ما يترتب على ذلك، فإنه ربما تزل قدمه، ويشهد على خصمه بأمر، ولا يكون ذلك صحيحًا؛ لأنه يريد الإيقاع به. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ (٣)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:

стр. 9987

تُقْبَلُ (١)، فَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِالتُّهْمَةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ (٢) " (٣)). لا تقبل شهادة خصم (يعني إنسان خاصم إنسانًا)، قالوا: والمراد هنا في أمور الدنيا، في الحقوق الدنيوية، أما الخصومه في أمور الآخرة فشيء آخر، بمعنى أن هذا إنسانٌ تقي، فهو يأخذ على ذاك أنه كسول فى صلاته تحصل منه بعض الأمور التي لا تجوز شرعًا، ولذلك حصل بينهم خصومة بسبب ذلك، ددعه إلى مخاصمة الآخر غَيْرتُه على دين اللّه ، قالوا: فهذا لا يؤثر لكن إذا كانت الخصومة في أمور الدنيا، فهذه هي التي لها تأثير. * قوله: (وَمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَدَوِيِّ عَلَى حَضَرِيٍّ" (٤)). الحديث الأول منقطع عند مالك، وهو في المراسيل عند أبي داود، ولذلك يعد ضعيفًا، فيضعف الاحتجاج به، والحديث الآخر هو:

стр. 9988

قوله: (قَوْلِهِ ﵊: "لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَدَوِيِّ عَلَى حَضَرِيٍّ "). الحديث عند أبي داود، وهو: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ". لكن الجمهور يرون ثبوت ذلك، الأئمة الثلاثة؛ أبو حنيفة والشافعي وأحمد (١)، يقولون: "هي ثابتة"، والإمام مالك (٢) هو الذي يدفعه، وله وجهة: أولًا: يقول الإمام مالك: إن البدوي الغالب عليه الجفاء، بمعنى أنه جافٍ مبتعدٌ عن الناس، هو يعيش مع بهيمة الأنعام، ويتنقل من مكان إلى مكان. ثانيًا: يقول مالك: إن البدوي يغلب عليه الجهل في أمور الدِّين، والشهادة تحتاج إلى تثبت وإدراك للمسؤولية، ولذلك ردت شهادة الصغير؛ لأنه لا يدرك ما يدركه الكبير، ولأنه لا يلحقه إثم، ولذلك يعتنى بأمر الشهادة، وكما رأينا بعض الشهادات تحتاج إلى أن تكون العناية فيها أكثر والعدد أكبر، إذًا علة من منع ذلك هو أن من يكون في البادية في الغالب يكون من صفته الجفاء، وكذلك أيضًا الجهل بأحكام الدِّين، وهذا أمر مشاهد؛ لبعدهم عن ذلك. أما إذا كان البدوي ممن تعلم وممن أدرك، فهو لا يشمله ذلك، وكذلك قال بعضهم: إذا وجدت الشروط التي ذكرت في الشهود وتوفرت فيه، فهو كغيره، ولذلك قالوا: "من بدا جفا، ومن تتبع الصيد فتن". يعني الذين يجرون وراء الصيد ربما قد يذهب حياته وراء

стр. 9989

طير صغير، يركب سيارته ويميل هنا وهنا، وربما ينتهي به الأمر إلى أن يغادر هذه الحياة، وتجد أنه يقطع الفيافي والقفار وربما لا يدرك إلا وقد مضى به الزمن، يحتاج لكي يعود إلى بيته إلى ساعات وساعات، ولذلك من تبع الصيد فتن، ولو سألت أي إنسان من المولعين بالصيد لقال: نعم، هذه حقيقة." ومن بدا جفا" وهذه أيضًا بالتجربة معروفة، فأنت تجد طبيعة الحضري تختلف عن طبيعة البدوي الذي ابتعد عن الناس، لكن البدوي ليس هو البدوي الذي كان بدويًّا ثم دخل المدن، فهذا أصبح من الحضر، والبدوي لا بد أن يكون أصله من تلك القبائل. قوله: (لِقِلَّةِ شُهُودِ البَدَوِيِّ مَا يَقَعُ فِي المِصْرِ). جاء بها بعبارة ألطف، يعني ليس عنده ما يدركه الحضري، قال الشاعر: ومارست الرجال ومارسوني (١) هو يعيش في هذا المجتمع، ويعرف ألوان الناس، والبدوي له مزايا، تجد أنه على الفطرة، ولذلك الرسول ﷺ لما جاء له بتلك الأَمَةِ سألها: " أين الله؟ " قالت: في السماء (٢). إذًا البدوي دائمًا تجد فيه الصراحة، والصدق، لم يتعود اللف والدوران، لكن ربما تجد الذي يعيش في المدينة إلى جانب أنه عنده أشياء، فإن عنده أشياء تميز البدوي فيها عليه؛ فالبدوي تجد فيه الشجاعة والصلابة والصراحة، ولذلك كان الصحابة ﵁ يسرون إذا جاء البدوي إلى المدينة؛ ليسأل رسول الله ﷺ عن أمور يتخوفون من السؤال عنها (٣). قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ

стр. 9990

تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. إن الرسول ﷺ نهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال (١). قوله: (فَهَذِهِ هِيَ عُمْدَتُهُمْ مِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى فَلِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ تَأْثِيرَهَا فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ القَاتِلُ المَقْتُولَ) (٢). لا يرث؛ لأنه متهم هنا بقتل إنسان، ربما يكون الدافع له إلى القتل هو أن يرث؛ فيعامل بنقيض قصده، ومثله أيضًا الذي يطلق زوجته في مرض الموت، يطلقها طلاقًا بائنًا، فهو متهم بأنه أراد أن يحرمها من الميراث، فقال العلماء: "يعامل بنقيض قصده "، والمراد بالمرض مرض الموت، كالذي يعبر عنه بالمرض المخوف. قوله: (وَعَلَى تَوْرِيثِ المَبْتُوتَةِ (٣) فِي المَرَضِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ) (٤).

стр. 9991

هذا هو الذي أشرت إليه، يعني المرأة المطلقة طلاقًا بائنًا، يعني بت طلاقها. قوله: (وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، وَهُمْ شُرَيْحٌ (١)، وَأَبُو ثَوْر (٢)، وَدَاوُدُ (٣) فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَبِ لِابْنِهِ فَضْلًا عَمَّنْ سِوَاهُ، إِذَا كَانَ الأَبُ عَدْلًا. وَعُمْدَتُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾). هؤلاء العلماء نظروا إلى أن المؤمن يمنعه الإيمان من أن يحيد، لكن لا ننسى الشفقة ولا العاطفة، قال: وعمدتهم قول الله تعالى … قوله: (وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي إِجْزَاءَ المَأْمُورِ بِهِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الإِجْمَاعُ (٤) مِنْ شَهَادَةِ المَرْءِ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: رَدُّ الشَّهَادَةِ بِالجُمْلَة، إِنَّمَا هُوَ لِمَوْضِعِ اتِّهَامِ الكَذِبِ، وَهَذِهِ

стр. 9992

التُّهْمَةُ إِنَّمَا اعْتَمَلَهَا الشَّرْعُ فِي الفَاسِقِ، وَمَنَعَ إِعْمَالَهَا فِي العَادِلِ، فَلَا تَجْتَمِعُ العَدَالَةُ مَعَ التُّهْمَةِ، أَمَّا النَّظَرُ فِي العَدَدِ وَالجِنْسِ). قصده بالعدد عدد الشهود، وبالجنس جنسهم، فهناك ذكر، وهناك أنثى، وهناك حر، وهناك عبد. قوله: (فَإِنَّ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الزّنَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ ذُكُورٍ) (١). وهذا بنص الكتاب والسُّنة. قال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]. في سورة النور، وفي نفس السورة أيضًا: قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ [النور: ٤]. إذًا ذكر في موضعين فى سورة النور، والرسول ﷺ في قوله لهلال: "البينة أو حد في ظهرك" (٢)، وفي بعض الروايات: " أربعة أو حد في ظهرك " (٣). يعني إما أن تأتي بأربعة شهود أو حد في ظهرك، حتى نزلت الآيات بحكم الملاعنة.

стр. 9993

قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَثْبُتُ جَمِيعُ الحُقُوقِ مَا عَدَا الزِّنَا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكرَيْنِ (١) مَا خَلَا الحَسَنَ البَصْرِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ تَشْبِيهًا بِالرَّجْمِ) (٢). وهذا رد، ولا نقول بأنه أراد أن يرد ما في الكتاب، وإنما هذا فهم له، ولكن الكتاب نص في ذلك. قوله: (وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾). وأشهدوا ذوي عدل منكم، فهذا نص. قوله: (وَكُلٌّ مُتَّفِقٌ أَنَّ الحُكْمَ يَجِبُ بِالشَّاهِدَيْنِ غَيْرَ يَمِينِ المُدَّعِي إِلا ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ) (٣).

стр. 9994

إذًا الشهادة بالنسبة للمشهود عليهم تنقسم إلى قسمين، وربما تنقسم إلى ثلاثة؛ القسم الأول ما يختص به الزنا، وذلك لخطورة الأمر، كما نبهنا إلى ذلك من قبل؛ فهذا يترتب عليه أمور، من أهمها أنه قد يكون هذا الإنسان محصنًا، فيترتب عليه ذهاب نفسه، وربما يكون بكرًا يتعلق الأمر بسمعته وعرضه أيضًا، وبعرض المرأة المقابلة، ولذلك نجد أن هذا الدِّين الحنيف يحرص تمامًا على أن يصون أعراض الناس، وأن يصون أنسابهم؛ لذلك شدد في الشهادة. ورأينا قصة عمر ﵁ عندما نهر الشاهد الرابع، وقال له: "اتق الله" (١)، ولذلك وضع أيضًا إلى جانب كونهم أربعةً أن يكونوا شاهدوا وعاينوا ذلك، لا بد أن ينص، وإن لم يحصل فإن الأمر يرجع عليهم، وتقام العقوبة عليهم، فيجلدون جلد القذف. أما بالنسبة للشهادات الأُخرى فإن الله تعالى نص عليها؛ سواء كان ذلك في الأمتعة، أو كان في الأموال. قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وأشهدوا ذوي عدل منكم، فهذا نص في كتاب الله . قول: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَثْبُتُ الأَمْوَالُ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ ذَكرٍ وَامْرَأَتَيْنِ (٢)).

стр. 9995

وأيضًا في السنة: "شاهداك أو يمينه" (١) قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]). لأن الله تعالى عندما ذكر آية الدَّيْنِ، والدَّيْنُ خطورته معلومة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. هذه أطول آية في القرآن عمومًا، وهي في سورة البقرة، ثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ومن هنا بيَّن الفرق بين الرجل والمرأة؛ لأنه قال هنا: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ثم لما جاء شأن المرأة قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 9996

إذًا قد تضل عن الحق، وربما تنسى، فتذكرها صاحبتها، ومن هنا نتبين ما يتميز به الرجل عن المرأة في هذا المقام. قوله: (فَالَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ (١) أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الحُدُودِ). ولا في القصاص؛ لخطورتهما؛ لأن القصاص فيه ذهاب للنفس، والحدود أيضًا إنما فيها إقامة الحد، وهذا الحد أيضًا قد يكون فيه قتل، كما في حد الحرابة، وربما يكون فيه قطع، وربما يكون الحد فيه رجم، أو ربما يكون فيه جلد، إلى غير ذلك. والمرأة ضعيفة في هذا المقام، ولذلك اشترط كونهم رجالًا، وقد مر ذلك في الزنا، عندما قال بعض العلماء خلافًا للجمهور (الأئمة الأربعة): " تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين "، وبيّنا أن ذلك ضعيف، وأنه لا أصل له، وقلنا: إن ما يتعلق بالشهود بالنسبة للزنا جاء بلفظ المذكر. فقال: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]. قوله: (لَا مَعَ رَجُلٍ وَلَا مُفْرَدَاتٍ (٢). وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٣): تُقْبَلُ

стр. 9997

إِذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَكَانَ النِّسَاءُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى ظَاهِرِ الآيَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): تُقْبَلُ فِي الأَمْوَالِ وَفِيمَا عَدَا الحُدُودَ مِنْ أَحْكَامِ الأَبْدَان مِثْلِ الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالنِّكَاحِ وَالعِتْقِ، وَلَا تُقْبَلُ عِنْدَ مَالِكٍ (٢) فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ البَدَن). يعني: هل تقبل شهادتهن في الأمور الأُخرى مثل الوكالة وغيرها؟ يعني: هل في الأموال عمومًا أو ما يؤول إلى الأموال كالوقف؟ قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي قَبُولِهِنَّ فِي حُقُوقِ الأبْدَانِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَالِ، مِثْلَ الوِكَالَاتِ وَالوَصِيَّةِ). وهو قال بها. قوله: (الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالمَالِ فَقَطْ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ القَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ: يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَان. وَقَالَ أَشْهَبُ، وَابْنُ المَاجِشُون: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَان) (٣).

стр. 9998

هذه فيها خلاف في كل المذاهب، ليس في مذهب مالك وحده، فبعض العلماء قالوا: تقبل؛ لأن هذه أموال أو آلت إلى أموال، كالوصية والوقف والبيع والإجارة، وغير ذلك، كلها تعود إلى ما يتعلق بالأموال (١). قوله: (وَأَمَّا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُفْرَدَاتٍ، أَعْنِي النِّسَاءَ دُونَ الرِّجَالِ، فَهِيَ مَقْبُولَة عِنْدَ الجُمْهُورِ فِي حُقُوقِ الأَبْدَانِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ غَالِبًا) (٢). نعم هناك أمور لا يطلع عليها الرجال، ولا يمكن أن يطلع عليها، فالمرأة عورة، والرجل لا يطلع عليها، لكن المرأة تطلع عليها، وسَنُبيِّنُ شيئًا من هذا إن شاء الله.

стр. 9999

قوله: (مِثْلَ الوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ). مثل الولادة، وكذلك أيضًا الاستهلال، يعني كيف استهل هذا الغلام، وكذلك أيضًا ما يتعلق بالعيوب التي تكون في المرأة، مثل الرتق، يعني هل هي امرأة رتقاء كما يدّعي زوجها؟ لأن الرتقاء لا يستطيع أن يجامعها زوجها، هل هي فيها مرض البرص في داخل بدنها؟ فالذي يطلع على ذلك النساء، هل هي بكر أو ثيب؟ فهذه أمور لا يطلع عليها إلا النساء، فإنهن بذلك ينفردن، فتقبل شهادتهن. قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إِلَّا فِي الرَّضَاعِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ إِلَّا مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ حُقُوقِ الأَبْدَانِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ) (١). وهذا قول فيه ضعف، لأنه قبلت شهادة أمة سوداء - كما ذكرناه وسيأتي بها المؤلف - لأنه عنده من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء. قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ شَهَادَتِهِنَّ مُفْرَدَاتٍ فِي هَذَا الجِنْسِ اخْتَلَفُوا فِي العَدَدِ المُشْتَرَطِ فِي ذَلِكَ مِنْهُنَّ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): يَكْفِي فِي ذَلِكَ امْرَأَتَانِ. قِيلَ: مَعَ انْتِشَارِ الأَمْرِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ). مع انتشار الأمر، يعني مع اشتهاره.

стр. 10000

قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَيْسَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ عَدِيلَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ امْرَأَتَيْنِ، وَاشْتَرَطَ الاثْنَيْنِيَّةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَكْفِي بِذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ (٢). وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَةَ المَرْأَةِ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَأَحْسَبُ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ أَوْ بَعْضَهُمْ لَا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مُفْرَدَاتٍ فِي كلِّ شَيْءٍ كمَا يجِيزُونَ شَهَادَتَهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي كُلِّ شَيْءٍ (٣)، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا شَهَادَةُ المَرْأَةِ الوَاحِدَةِ بِالرَّضَاعِ). عاد إلى هذه المسألة: هل تقبل شهادة المرأة الواحدة في الرضاعة؟ الجواب: نعم، تقبل عند الشافعية والحنابلة، دون خلاف. قول: (فَإِنَّهُمْ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِيهَا (٤)؛ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي المَرْأَةِ الوَاحِدَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِالرَّضَاعِ: "كيْفَ وَقَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ "). يعني جاء المؤلف بجزء يسير، وبلفظ عند مالك، هذا الحديث الذي أشرت إليه قبل قليل في قصة عقبة بن الحارث عندما تزوج أم يحيى قال: جاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ (أي ما قالته تلك المرأة)، فقال الرسول ﷺ : " كيف، وقد زعمت ذلك " (٥). وفي بعض الروايات أن الرسول ﷺ أعرض عنه، ولما

стр. 10001

كرر قال: "كيف، وقد قيل" (١). إذًا قالوا: "هذا دليل على قبول شهادتها، وأن الرسول ﷺ أومأ إلى اعتبار الشهادة". قوله: (وَهَذَا ظَاهِرُهُ الإِنْكَارُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ) (٢). ومعلوم ما يترتب على قضية الرضاعة من الحرمة، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحتاط في هذا الأمر؛ لأنه إذا قيل بأن المرأة قد أرضعت الزوجين - مثلًا - فحينئذ يكون أخًا لها .. هذه مسألة تحتاج إلى التثبت والتبين؛ لأنه يصير محرمًا لها، فكيف يتزوج إحدى محارمه؟ إذًا ينبغي التثبت في ذلك، وأيضًا ينبغي لمن يؤدي الشهادة في مثل ذلك أن يكون متثبتًا مما يقول؛ لأن فيه تفريقًا بين زوجين. إذًا المسألة ذات جانبين؛ ينبغي لمن يشهد أن يتقي الله، وأن يكون على حق، وألا يكون الدافع له هو الفرية والكذب؛ حتى يفرق بينهما، بأن تكون المرأة قد غارت أو أرادت أن تنتقم من أحد الشخصين، فربما قالت ذلك وأشاعته انتقامًا، وكذلك ينبغي في حق من عرف ذلك أن يخشى الله ويتقي. * * *

стр. 10002

قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي الأَيْمَانِ وَأَمَّا الأَيْمَانُ). الآن سيدخل المؤلف فيما يتعلق بالأيمان، والأيمان أيضًا تعتبر في هذا المقام، ولذلك جاء حديث رسول الله ﷺ : " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " (١)، وفي رواية ليست في الصحيحين: " اليمين على من أنكر" (٢)؛ لأنه يأتي إنسان فيدعي على آخر حقًّا، فذاك ينكره، أما لو ادعى شخص على آخر حقًّا واعترف به، فلا يحتاج الأمر أن يرفع إلى القضاء؛ لأن بعض الناس يؤدي الحقوق التي عليه، فهو يعترف بما عليه، ولكن بعض الناس ألد خصم، يجحد الحق ويغمطه، ولذلك يحتاج إلى أن يرفع الأمر إلى السلطان، والسلطان هو الذي يبت في ذلك، وهو الذي يأخذ حقوق الناس بعضهم من بعض. قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهَا الدَّعْوَى عَنِ المُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ) (٣).

стр. 10003

يعني إذا ادعى شخص أن له حقًّا عند أحد، فهو يطالب بالبينة .. هل عندك شهود يكونون بينة؟ فإن لم يستطع أن يأتي يبقى بعد ذلك اليمين، واليمين على المدعى عليه الذي هو ينكر الدعوى، فما عليه إلا أن يحلف، وحينئذ تبطل الدعوى، ولا يثبت عليه حق من الحقوق، وإلا " لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " (١). فكم من أناس سيطر الشر على نفوسهم، وغلب على قلوبهم، وسار همهم هو جمع المال من أقرب طريق، ومن الناس من تكون نفسه مليئة بالشر، فهو يريد أن يؤذي الآخرين، وأن يلحق بهم الضرر، فهو ربما يدعي عليهم دعوى، وربما يرميهم بفدية، ولذلك جعل الله هذا القضاء؛ ليحكم بين الناس بالعدل، فينصف المتخاصمين، فيعطي هذا حقه ويعطي الآخر حقه أيضًا، وينصف المظلوم، فيأخذ الحق له من الظالم، ويأخذ على يد السفيه، ويأخذ على يد الظالم، ويوقفه عند حده.

стр. 10004

قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَثْبُتُ بِهَا حَقُّ المُدَّعِي، فَقَالَ مَالِكٌ (١): يَثْبُتُ بِهَا حَقُّ المُدَّعِي فِي إِثْبَاتِ مَا أَنْكَرَهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِبْطَالِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ إِذَا ادَّعَى الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ إِسْقَاطَهُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ المُدَّعِي أَقْوَى سَبَبًا وَشُبْهَةً مِنَ المُدَّعَى عَلَيْهِ). مر بنا مرات أن الإمام مالكًا أحيانًا يقلب الدعوى، يعني التي في الحديث، فإذا وجدت شبهة قوية تقلب " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " فتصير معكوسة؛ لأنه يرى أن الشبهة التي مع المدعى عليه - مثلًا - أقوى، فهو يطالب بالبينة. ولكن الجمهور يخالفون المالكية في ذلك، وأعني بالجمهور الأئمة الثلاثة، وهذا الذي يشير إليه المؤلف في هذا المقام. قوله: (وَقَالَ غَيْرهُ) (٢). المقصود بـ "غيره ": الأئمة الثلاثة. يعني الجمهور. وكان الأولى أن يقول: " وقال الجمهور".

стр. 10005

قوله: (لَا تَثْبُتُ للْمُدَّعِي بِاليَمِينِ دَعْوَى سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ عَنْ نَفْسِهِ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، أَوْ إِثْبَاتِ حَقٍّ أَنْكَرَهُ فِيهِ خَصْمُهُ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: " البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ") (١). واللفظ المعروف في الصحيحين: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " (٢). وعند البيهقي: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (٣)، والمعنى واحد، لكن لفظ الصحيحين: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه "، والدعوى لا تقوم إلا على ركنين: مدعٍ ومدعى عليه، ولو أن المدعى عليه أقر لانتهى الأمر، لكنه ينكر ذلك، هذا يقول: لي حق عندك؛ وهذا يقول: غير صحيح، لا شيء لك عندي، أو حقك أعطيتك إياه، وانتهى الأمر. قوله: (هَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَمُدَّعٍ؟ أَمْ إِنَّمَا خُصَّ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاليَمِينِ؛ لِأَنَّ المُدَّعِيَ فِي الأَكثَرِ هُوَ أَضْعَفُ شُبْهَةً مِنَ المُدَّعَى عَلَيْهِ وَالمُدَّعِي بِخِلَافِهِ؟). لأن الأصل في المدعى عليه البراءة حتى تثبت الحجة عليه، ولذلك

стр. 10006

"لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى أناس دماء رجال وأموالهم" (١)، فما أكثر الذين يدعون ذلك! ما أكثر الذين يغمطون (٢) الحق ويريدون أن يأخذوا أموال الناس! وربما يكون الدافع عند بعض الناس هو الحسد، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤]. والحسد نار تتأجج في صدر صاحبه، ولذلك كان الجاحظ في كتابه الأدبي المعروف يقول: " الحسد يفسد الجسد" … ثم جاء بحديث رسول الله ﷺ : " دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء " (٣). فإذا ما امتلأ قلب العبد بالحسد والبغضاء، فإنه جحيم يشتعل في صدره، يريد أن يخرج تلك النار، فيضرّ بها الآخرين، لكن المسلم الحق إذا رأى أخاه في نعيم، فإنه يحمد الله ، وأيضًا في الوقت نفسه يسأل الله تعالى أن يعطيه من الفضل الذي أعطاه ذلك الآخر، ولا يحسده. قوله: (فَمَنْ قَالَ: هَذَا الحُكْمُ عَامٌّ فِي كُلِّ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا العُمُومِ خُصُوصًا - قَالَ: لَا يَثْبُتُ بِاليَمِينِ حَقٌّ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقٌّ ثَبَتَ (٤). وَمَنْ قَالَ: إِنَّمَا خُصَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذَا الحُكْمِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ أَقْوَى شُبْهَةً - قَالَ: إِذَا اتُّفِقَ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعٌ تَكُونُ فِيهِ شُبْهَةُ

стр. 10007

المُدَّعِي أَقْوَى، يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ) (١). هذا الذي قلنا فيه إن مالكًا عكس القضية، وكذلك المالكية. قوله: (وَاحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِالمَوَاضِعِ الَّتِي اتَّفَقَ الجُمْهُورُ فِيهَا عَلَى أَنَّ القَوْلَ فِيهَا قَوْلُ المُدَّعِي مَعَ يَمِينِهِ، مِثْلَ دَعْوَى التَّلَفِ فِي الوَدِيعَةِ (٢)، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِنْ وُجِدَ شَيْءٌ بِهَذه الصِّفَةِ، وَلِأُولَئِكَ أَنْ يَقُولُوا: الأَصْلُ مَا ذَكَرْنَا إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الِاتِّفَاقُ. وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ اليَمِينَ الَّتِي تُسْقِطُ الدَّعْوَى أَوْ تُثْبِتُهَا هِيَ اليَمِينُ بِاللَّهِ). هي اليمين بالله، أما اليمين بغير الله فلا تجوز: "من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك" (٣). ولذلك أُثر عن أحد الصحابة قوله: " لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا " (٤).

стр. 10008

لأن الحلف بالله كاذبًا هذا يعتبر معصيةً، ولكن أن يحلف بغير الله، هذا شرك، ولا شك أن الشرك أخطر، ولذلك ثبت أيضًا في الحديث: " لا تحلفوا بآبائكم " (١)، وفي الحديث الآخر: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت " (٢). فما أكثر الذين يحلفون بآبائهم أو بأمهاتهم أو بشرف فلان أو بالنبي، أو غير ذلك، هذه كلها لا تجوز؛ لأن الحلف لا يجوز إلا بالله أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، هذا الذي ينبغي أن يفعله المسلم، فإنه مهما عظمت مكانة الإنسان، سواء كانت تلك المنزلة عظيمة عند الله تعالى كالحال بالنسبة للأنبياء، أو كانت أيضًا عظيمة عند الناس بالنسبة لمقام هذا الشخص، بأن يكون ذا مكانة وشرف وعز، فلا يجوز أن يحلف بذلك الشخص؛ لأن الحلف معناه التعظيم، والذي يستحق أن يعظم، والذي يستحق أن يرفع هو الله ، ولذلك من حلف بغير الله فقد نقل حكمًا من الأحكام الخاصة بالله إلى غيره، وذلك لا يجوز، ولذلك لا ينبغي أن يتساهل في هذا الأمر، فكثير من الناس يقول مثلًا: والنبي، فإذا قلت له وبينت له يجيبك بالكلام نفسه؛ لأن هذا أمر تعوده، ولكن على الإنسان إذا وقع في خطأ من الأخطاء أن يتوب، وإن كان ذلك شركًا أصغر، وليس بشرك أكبر، والشرك الأصغر أيضًا فيه خطورة، ولذلك ينبغي للمسلم ألا يقع في مثل هذه الأمور. قوله: (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) (٣). وسنرى أيضًا هل يمكن تعظيم اليمين بالزمان والمكان؟ يعني هل الأشهر الحرم لها حرمة أكثر من غيرها بالنسبة للأيمان؟ هل المكان له أيضًا حرمة أكثر، كأن يحلف بالكعبة، أو يحلف على منبر رسول الله، أو

стр. 10009

يقف على منبر في جامع من الجوامع فيحلف؟ (١) وهل يجوز الحلف الذي يكثر بين الناس ويتردد: أحلف لك على كتاب الله؟ يعني يأخذ القرآن لكريم، ثم يقول: أحلف بالكتاب (٢).

стр. 10010

ردَّ العلماء ذلك، وقالوا: "هذا لم يثبت فيه شيء". وقد تجد بعض الناس عندما يشتد الخلاف بينهم وتضعف الثقة، يقول بعضهم لبعض: أحلف لك على كتاب الله؛ وهذا لم يثبت فيه شيء، وجاء في قضية المنبر، وفي غيرها آثار، وهذه إن شاء الله سنتناولها لاحقًا. قوله: (وَأَقَاوِيلُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فِي صِفَتِهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ (١): الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا). وهذا موضع اتفاق بين العلماء .. يعني أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وله أن يزيد الحي القيوم، وأيضًا بعض العلماء يقول: العظيم، وكل ما زاد؛ لأن المسلم ترتعد فرائصه لو حلف المؤمن حقًّا بالله وهو كاذب؛ لأنه يدرك أن هناك اليمين الغموس (٢) التي تغمس صاحبها في النار، هي اليمين الكاذبة، وبعض الناس يتساهل في ذلك، ويحلف ولا يهمه؛ ليقتطع مال امرئ مسلم، وكذلك لا يهمه أن يشهد زورًا، فهذه من الأمور الخطيرة؛ لأنك عندما تحلف بالله فكأنك بتعظيمك لله بينت أنك على حق، وأن هذا الذي تقوله صحيح، وأنك وثقت هذا القول بأن حلفت بالله . فيقول الحالف: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، أو: بالله الذي

стр. 10011

لا إله إلا هو العظيم، أو: الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، إلى آخر ذلك، يحلف باسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أجاب، وإذا دعي به أعطى، هذه كلها أمور خطيرة، فدائمًا تجد أن المؤمن يخاف من ذلك؛ لأن الإنسان ربما يحلف كاذبًا فيحاط به، قد تنزل به العقوبة العاجلة في هذه الحياة الدنيا، وربما تدخر له في الآخرة، فيكون ضررها أكبر. قوله: (ويزِيدُ الشَّافِعِيُّ (١): "الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ العَلَانِيَةِ). وبعض أهل العلم يزيد: "الذي يعلم السر وأخفى، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور". وكل هذه الإضافات التي يضيفها العلماء؛ لتأكيد خطورة هذا الموقف وشدته، وأن على الإنسان أن يخشى الله . قوله: (وَأَمَّا هَلْ تُغَلَّظُ بِالمَكَانِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ). إذًا هو جاء إلى المكان، هل تغلظ اليمين بالمكان؟ أو في الزمان أيضًا؟ .. هل يوم الجمعة له خصوصية في هذا المقام؟ نحن نعلم أن يوم الجمعة له فضل، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم إلا غفر له (٢)، وأيضًا له مزايا؛ فيه خُلق آدم ليدخل الجنة، وأُخرج منها … إلى آخره (٣)، له فضائل عظيمة، لكن الكلام هنا هل الأزمنة (الأوقات) تختلف من وقت إلى وقت؟

стр. 10012

كذلك الأمكنة أيضًا: هل هناك فرق بين أن يحلف إنسان في السوق أو يقف على منبر فيحلف؟ هل هناك فرق بين أن يحلف في بيت الله العتيق (يحلف بين المقام والركن) وبين أن يحلف في غيره؟ هل هناك فرق أيضًا بين أن يحلف على منبر رسول الله ﷺ وأن يحلف على غيره؟ هل تغليظ الأيمان يختص بالكافرين بأن تغلظ عليهم؟ هذه كلها مسائل يختلف فيها الفقهاء رحمهم الله تعالى. قول: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) إِلَى أَنَّهَا تُغَلَّظُ بِالمَكَانِ، وَذَلِكَ فِي قَدْرٍ مَخْصُوصٍ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٢)). أما الإمام أحمد (٣) فلا يرى تغليظها، ولكن بعض الحنابلة يرون أنها تغلظ (٤). قول: (وَاخْتَلَفُوا فِي القَدْرِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٥): إِنَّ مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ اليَمِينُ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ).

стр. 10013

والحكمة في تحديد الثلاثة أننا عرفنا أن السارق تقطع يده، ولا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا (١)، والرسول ﷺ قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم (٢)، إذًا هذه لها قيمة، فإذا كانت الثلاثة الدراهم تقطع بها اليد، واليد لا شك أنها عضو عامل في البدن، ولها مكانة، ولها حرمة، ولو اعتدى عليها إنسان بغير سبب، فإنه تقطع يده، لكن تلك اليد إذا خانت أصبحت عضوًا فاسدًا مريضًا، ينبغي أن يجتث، وأن يُزال من هذا البدن؛ ليكون باقيه صحيحًا سليمًا. قوله: (فَإِنْ كانَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵊، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى المِنْبَرِ) (٣). هذا جاء فيه أيضًا أثر، يعني عندما يقف إنسان وهو كاذب في موقف وقف فيه رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، كان يلقي ﷺ مواعظه، خطبه، كان يوجه الناس، كان يدعوهم إلى الخير، كان يبين لهم ما يجب أن يفعلوه، ويزجرهم عما لا يجوز لهم فعله، وهو المنبر الذي وقف عليه خلفاء رسول الله ﷺ ، ووقف عليه المؤمنون عامًا بعد عام، وجيلًا بعد جيل، كيف يأتي إنسان وهو يعلم أنه كاذب، وأنه على باطل، ثم يحلف في هذا المكان؟ هذا له أثر؛ لأن مثل هذا الموقف تجد أن البدن فيه يضطرب، وترتعد فيه الفرائص (٤)، فكيف تقف في موقف تُلقى فيه المواعظ، ويُوجه الناس،

стр. 10014

يُخطب فيه يوم لجمعة، ثم يأتي هذا الإنسان فيقف على هذا المنبر؛ ليحلف يمينًا بالله وهو كاذب؟! قوله: (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ (١)، فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَان، إِحْدَاهُمَا: حَيْثُ اتَّفَقَ مِنَ المَسْجِدِ، وَالأُخْرَى عِنْدَ المِنْبَرِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ القَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيمَا لَهُ بَالٌ فِي الجَامِع، وَلَمْ يُحَدِّدْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): يَحْلِفُ فِي المَدِينَةِ عِنْدَ المِنْبَرِ، وَفِي مَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي كلِّ بَلَدٍ يَحْلِفُ عِنْدَ المِنْبَرِ). تعلمون أن تلكم أماكن تضاعف فيها الحسنات، فصلاة في البيت الحرام تساوي مائة ألف صلاة، وفي مسجد رسول الله ﷺ تعدل ألف صلاة إلا في البيت الحرام، وصلاة في المسجد الأقصى تبلغ خمسمائة صلاة (٣)، وهذه كلها بينها رسول الله ﷺ ، وبين فضلها، فقال العلماء: " إن السيئات تضاعف هناك "؛ ففرق بين إنسان يرتكب معصية خارج مكة، خارج البلد الحرام، وبين آخر يرتكبها في ذلك المكان، وقد تكلم العلماء عن ذلك وبينوا خطورته (٤).

стр. 10015

قوله: (فَإِنْ كانَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵊ فَلَا خِلَافَ … ). لأن هذا ورد فيه نص كما ذكرنا قبل قليل، في الحديث الذي أخرجه أبو داود (١)، وابن ماجه (٢)، وسنده صحيح: "من حلف على منبري هذا" كما قال ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما في سواه" (٣). إذًا في الحديث: "من حلف على منبري هذا بيمين آثمة" (٤) يعني بيمينين كاذبة، أما اليمين الصادقة فلا يعاقب صاحبها؛ لأنه يريد أن يستخلص حقه بيمين آثمة، "فليتبوأ مقعده من النار" فما أشد ذلك! وما أخطره! هل يريد المؤمن أن يتبوأ مقعده من النار بسبب أمر من أمور الدنيا، بسبب حطام الدنيا التي تذهب وتزول؟ وما يبقى مع المرء في هذه الحياة إلا عمله الصالح، فإنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.
следующие страницы →