← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ومثله حديث خَبَّاب الذي ذكره المؤلف؛ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ "فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا" قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: "أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ" (١). قوله: "حَرَّ الرَّمْضَاءِ" هي الرمل الحار بحرارة الشمس (٢). قوله: "فَلَمْ يُشْكِهِمْ" من أشكى، إذا أزال شكواهم (٣). والمعنى: أن الصحابة شَكَوْا إِلَى رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة في الرمل الَّذِي اشتدت حرارته؛ فَلم يزل شكواهم. وهذان الحديثان -وما في معناهما- مَنْسُوخانِ بِأَحَادِيث الإِبْرَاد. فمن الأمور التي استُدركت على المؤلف- وخاصة في الأدلة-: أنه يسرد الأدلة، ولا يبين الناسخ والمنسوخ منها؛ فيظهر التعارض بين الأدلة. مثلًا: أنه لو ذكر الأحاديث الذي استدلَّ بها الجمهور على الإبراد؛ كحديث المغيرة، ونبَّه إلى أن حديث خباب كان في أول الأمر ثم نسخ؛ لجمع بين الأدلة، وأزال كل خلاف؛ فيذكر أنهم كانوا يصلون بالهاجرة؛ ثم بعد ذلك صاروا يؤخرونها عن شدة الحر. والأرجح في هذه المسألة: أن أداء صلاة الظهر في أول وقتها أفضل، ما لم يكن هناك حر؛ فإن كان هناك حر؛ فالأفضل الإبراد بها (٤). * قوله: (وَقَوْمٌ رَجَّحُوا هَذِهِ الأحَادِيثَ لِعُمُومِ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "وَقَدْ سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ

стр. 1017

لِأَوَّلِ مِيقَاتِهَا"، وَالحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِيهِ، أَعْنِي: "لِأَوَّلِ مِيقَاتِهَا" مُخْتَلَفٌ فِيهَا (٢)). الحديث المتفق عليه: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٣)؛ أما لفظ: "لِأَوَّلِ مِيقَاتِهَا" فليس في "الصحيحين"، وقد نبَّه عليه أيضًا المؤلف، وقال: (مُخْتَلَفٌ فِيهَا) من حيث الصحة وعدمها (٤). * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ فِي مَوْضِعَيْنِ). [الكلام على الصلاة الوسطى] قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، يأمر الله عباده في هذه الآية الكريمة بالمواظبة على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن، ومعاهدتهنَّ والالتزام بهن، وعلى الصلاة الوسطى منهنَّ (٥).

стр. 1018

وننبِّه على أن الصلوات كلها مطلوب المحافظة عليها، وهي ركن من أركان الإسلام؛ لكن قد يؤكَّدُ على المحافظة على صلاة؛ لسبب من الأسباب، كما في قوله ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ" (١). والعلماء مختلفون في المراد بالصلاة الوسطى في هذه الآية (٢). يقول أكثر العلماء: هي صلاة العصر. وأدلتهم قوية وكثيرة جدًّا؛ منها: ما نقل عن بعض الصحابة عن عليّ بن أبي طالب، وعن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وأبي أيوب، وهو أيضًا قول الإمامين أبي حنيفة (٣)، وأحمد (٤) كلهم يذهبون إلى أن المراد بالصلاة الوسطى: هي صلاة العصر، ومن أدلتهم:

стр. 1019

١ - صحَّ عن أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أنه سئلت عَنِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى، فَقَالَتْ: "كُنَّا نَقْرَأُ فِي الحَرْفِ الأَوَّلِ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَصَلَاةِ العَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) " (١)، روي كذلك عن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ (٢)، وعن حفصة (٣)، وقد نسخ في التلاوة. ٢ - عَنْ عليّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى، صَلَاةِ العَصْرِ، مَلَأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا"، ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ العِشَاءَيْنِ، بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ (٤)، وهذا نصٌّ صريح. ٣ - وعَنْ عليّ، قَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّهَا صَلاةُ الفَجْرِ، حَتَّى سَمِعْتُ

стр. 1020

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى: صَلاةِ العَصْرِ، مَلأ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا" (١). وهذا نص صريح واضح قوي. وكذلك يستدل أصحاب هذا القول بأدلة عامة، استنبط منها أن صلاة العصر لها مزايا خاصة بها؛ منها: ١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" (٢). ٢ - عَن أَبِي مُوسَى عَبْدِاللهِ بْنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ" (٣)، يعني: الفجر والعصر. ٣ - عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسلَمِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَقَالَ: "بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فِي اليَوْمِ الغَيْمِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ " (٤)، وفي رواية: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ" (٥). ٤ - "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ" (٦)، وفيه دليل للذين يقولون بأن الصلاة الوسطى هي: الفجر. ويقول فريق آخر: هي صلاة الظهر، وأدلتهم كالآتي (٧): ١ - وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ

стр. 1021

بِالهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وَقَالَ: "إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ، وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ" (١)، وشدة الصلاة على الصحابة لاشتداد الحر أثنائها؛ فورد هذا الحديث في أسباب نزول هذه الآية، وأن صلاة الظهر هي الصلاة الوسطى. وروي أيضًا عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، أنه قَالَ: "الصَّلَاةُ الوسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ" (٢)، ونقل هذا عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ (٣)، وعائشة (٤)، وأبي هريرة (٥). ٢ - وعَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ: "إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عليّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى، وَصَلَاةِ العَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ"، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: "سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٦). فهذا الدليل استنبطوا منه أن صلاة الظهر هي الصلاة الوسطى، واستدلوا بـ "الواو" التي بين قوله: "وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى"، وَ"صَلَاةِ العَصْرِ"

стр. 1022

فقالوا: ليست زائدة؛ فيدل على أن الصلاة الوسطى صلاة أُخرى غير صلاة العصر. وخالفهم أصحاب القول الأول، فقالوا هي: زائدة، ومعنى هذا أن الصلاة الوسطى هي: العصر. وروي أيضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كَتَبْتُ مُصْحَفًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَأَمْلَتْ عليّ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ) (١)، بدون "الواو". وبقول فريق آخر: هي صلاة المغرب (٢). واستدلوا على ذلك بأنها جاءت وسطًا بين الصلوات في عدد الركعات. وذكروا أيضًا أن صلاة الظهر هي الأولى، وصلاة العصر هي الثانية، وصلاة المغرب هي الثالثة فهي الوسط، وتكون صلاة العشاء الرابعة، وتكون صلاة الفجر الخامسة، ومعنى هذا أن الصلاة الوسطى هي: الفجر (٣).

стр. 1023

ويقول فريق آخر: هي صلاة العشاء (١). ومن العلماء من قال بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العشاء. وبقول فريق آخر: هي صلاة الفجر (٢). ويستدلون بأدلتهم عامة مشتركة مع صلاة العشاء أو العصر؛ مثل: ١ - قوله ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصلَاةُ الفَجْرِ" (٣). وقالوا: هذا تنصيص على أهمية صلاة الفجر. ٢ - وعَن أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْس الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ صلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ" (٤)، يعني: الفجر والعصر.

стр. 1024

فهذه الأقوال المشهورة في تعيين الصلاة الوسطى، وهناك من تجاوزها؛ لكن أظهرها أقواها أن الوسطى هي صلاة العصر؛ ثم يليها في القوة صلاة الفجر. * قوله: (أَحَدُهُمَا: فِي اشْتِرَاكِ أَوَّلِ وَقْتِهَا مَعَ آخِرِ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ. وَالثَّانِي: فِي آخِرِ وَقْتِهَا، فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الِاشْتِرَاكِ، فَإِنَّهُ اتَّفَقَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَدَاوُدُ (٣)، وَجَمَاعَةٌ (٤) عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ العَصْرِ هُوَ بِعَيْنِهِ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَذَلِكَ إِذَا صَارَ ظِلُّ كلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلَ وَقْتِ العَصْرِ هُوَ وَقْتٌ مُشْتَرَكٌ لِلصَّلَاتَيْنِ مَعًا، أَعْنِي: بِقَدْرِ مَا يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَ رَكعَاتٍ (٥)).

стр. 1025

وقت العصر: إما أن يكون وقت فضيلة، وهو أولها بلا شك، وذلك موضع اتفاق بين العلماء، أو يكون وقت جواز (١). الخلاف في وقت صلاة العصر في أمرين: الأول: في تعيين أول وقت صلاة العصر -وهو وقت الفضيلة- تبعًا للاختلاف في تعيين آخر وقت صلاة الظهر، وهو اختلاف الحنفية مع الجمهور (٢). والثاني: في تعيين آخر وقت صلاة العصر -وهو وقت الجواز أو الضرورة- وهل يقف عند المثلين، أم أنه يتجاوز اصفرار الشمس، أم أنه يمتد إلى غروبها؟! (٣).

стр. 1026

محل الخلاف بين العلماء بسبب اختلاف توجيههم لحديث إمامة جبريل؛ فعندما صلى بالرسول ﷺ الظهر في اليوم الثاني حين كَان ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثلهِ، وهو الوقت الذي صلَّى به العصر في اليوم الأول. فهل هذا الوقت الذي صلَّى به الظهر في اليوم الثاني هو نفسه وقت العصر، أم أن هناك فصل بينهما، أم أنهما وقتان متلاصقان بحيث ينتهي هذا ويبدأ هذا؟! جمهور العلماء ومن بينهم المالكية والشافعية والحنابلة (١) يذهبون إلى أن صلاة الظهر تنتهي بالمثل، وأن العصر تبدأ بذلك الوقت. فأول وقت صلاة العصر عندهم: هو أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثله، وهذا ثبت في حديث إمامة جبريل (٢)، وفي حديث بريدة (٣) وفي غيره من الأحاديث الكثيرة وهي نص في الدلالة، ويضاف إلى ذلك الظل الذي كان موجودًا وقت الزوال؛ فإذا ما زاد أدنى زيادة؛ فإنه حينئذٍ يبدأ وقت صلاة العصر. وأما الحنفية فيذهبون إلى أن صلاة العصر تبدأ بالمثلين (٤). وبعض العلماء: لا يضيف زيادة الظلِّ الذي كان موجودًا وقت

стр. 1027

الزوال، وإنما يقول: ينتهي وقت صلاة الظهر حين يصير ظل كلِّ شيء مثله، وهو الوقت الذي يبدأ به وقت صلاة العصر. ونتج عن هذا رأي لبعض العلماء منهم: عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه (١)، فقد ذهبا إلى أنه إذا صار ظلُّ كل شيء مثله، فإن ذلك الوقت صالح؛ لأن تؤدى فيه كلّ من الصلاتين: صلاة الظهر، وصلاة العصر، فهو وقت مشترك، وهي رواية كذلك عند المالكية (٢). مثلًا: لو أن رجلين أحدهما: يصلي الظهر، والآخر يصلي العصر، في الوقت الذي يصير فيه ظلُّ كل شيء مثله؛ لأدى كل منهما الصلاة في وقتها؛ لأنه وقت مشترك. فقال هؤلاء العلماء بوجود الاشتراك: لقوله في حديث جبريل: "فصلى به الظهر في اليوم الثاني، في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول" (٣). وهذا هو موضع الخلاف في هذا القدر. ولأن عدد ركعات الظهر أربع، وكذلك العصر مثلها، فإنه يجوز أن تؤدى فيه الصلاتين؛ لأنه مشترك بينهما. قوله: "فَإِنَّهُ اتَّفَقَ مَالكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ، وَجَمَاعَة"، ومعهم أحمد (٤)

стр. 1028

كذلك في هذه المسألة، لكن بعض العلماء يضيف شرطًا كما في المذهب الحنبلي، ففيه روايتان: الرواية الأولى (١): هي أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ العَصْرِ هُوَ بِعَيْنِهِ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ كما قالوا. الرواية الأخرى (٢): هو أن يزيد وقت العصر على المثل أدنى زيادة؛ لكنهم يشترطون ألا يوجد فصل بين الوقتين؛ فلا فاصل بينهما كما ذهب إلى ذلك الحنفية، ولا اشتراك كما ذهب إسحاق، وابن المبارك. * قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤)، وَدَاوُدُ (٥) فَآخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَهُمْ هُوَ الآنُ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ هُوَ زَمَانٌ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كمَا قُلْنَا أَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ (٦)، وَأَمَّا سَبَبُ

стр. 1029

اخْتِلَافِ مَالِكٍ مَعَ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ، فَمُعَارَضَةُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ فِي هَذَا المَعْنَى لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (١)، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ ﵊ الظُّهْرَ فِي اليَوْمِ الثَّانِي فِي الوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ العَصْرَ فِي اليَوْم الأَوَّلِ (٢). وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ العَصْرِ"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٣)، فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ جِبْرِيلَ جَعَلَ الوَقْتَ مُشْتَرَكًا، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكا، وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ أَمْكَنَ أَنْ يُصْرَفَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي تَجَوَّزَ فِي ذَلِكَ؛ لِقُرْبِ مَا بَيْنَ الوَقْتَيْنِ، وَحَدِيثُ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ). يرى "الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ" أنه إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله انتهى وقت الظهر، وبدأ وقت العصر؛ فلا فصل بين الوقتين ولا اشتراك بينهما. ويفسرون ما ورد في حديث إمامة جبريل بأن جبريل صلى بالرسول ﷺ في اليوم الأول حين صار ظلُّ كل شيء مثله، أي: حينما انتهى، يعني: بدأ به حين صار كلُّ شيء مثله، وفي اليوم الثاني: صلى به

стр. 1030

الظهر، أي: انتهى من صلاة الظهر حين صار ظلُّ كل شيء مثله، وبذلك لا انفصال بين الوقتين ولا اشتراك (١). وبعض العلماء: يقول إن ذلك دليل على المقاربة، فصلى جبريل به الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى به العصر في اليوم الأول دليل على تقارب الوقتين (٢). ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ العَصْرُ" (٣). فهذا دليل للجمهور الذين يرون أن وقت الظهر ليس مشتركًا مع العصر، إلا لأهل الضرورة، وهذا معروف (٤).

стр. 1031

وكذلك أيضًا: قول جبريل بعد أن صلى بالرسول ﷺ مرتين فى آخر الحديث: "يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، الوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ" (١)؛ فكونه فيما بين هذين، بين الزوال والمثل، دليل على أنه وقت العصر يعقب ذلك؛ فلينتبه. وفي كتب الشافعية (٢)، والحنفية (٣): ينصون على أن إذا صار ظل كل شيء مثله؛ فزاد أدنى زيادة -يعنى: قليل جدًا- يبدأ وقت العصر، ويكون وقت الظهر قد انتهى عند المثل. وأما حديث عبد الله بن عمر (٤)، وحديث إمامة جبريل؛ فظاهرهما التعارض: أحدهما: جعل آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر. والثاني: وضع حذا بين الصلاتين؛ فقال ﷺ : "وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ العَصْرُ"؛ وظاهر هذا الحديث نصًّا ودلالةً أن وقت الظهر ينتهي بدخول وقت العصر. ويرى المؤلف وغيره أن حديث عبد الله أقرب أن يحمل عليه حديث جبريل، من أن يحمل حديث جبريل على حديث عبد الله؛ لأن حديث جبريل يتطرق إليه الاحتمال؛ لوجود التقارب بين الوقتين.

стр. 1032

أما حديث ابن عمر، فإنه نصٌّ في الدلالة وفي المدَّعى، لأنه قال ﷺ : "وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ العَصْرُ"؛ فجعل وقت العصر غير وقت الظهر، وهذا أوضح دلالة وأصرح في ذلك. والله قد فرض فرائض، وفرض ألا نضيعها، وحدَّ حدودًا، ونهانا عن تجاوزها، كما جاء في الحديث (١). والخلاف الذي وقع بين الجمهور والحنفية لم يكن تشهيًا؛ بل هو من الخلاف الذي أقره العلماء، وليس من الخلاف المذموم الذي ينتهي إلى التقاطع والتشاحن، أو الذي ينتهي إلى تفرقة هذا الأمة، إنما كان الخلاف للوصول إلى الحق فقط، فغايتهم كلهم ﵏ أن يصلوا إلى ما في كتاب الله ، وإلى ما في سنة رسوله ﷺ . * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَان، إِحْدَاهُمَا (٢): أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣). وَالثَّانِيَةُ (٤): أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَهَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (٥)، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: آخِرُ وَقْتِهَا قَبْلَ غُرُوبِ

стр. 1033

الشَّمْسِ بِرَكعَةٍ (١). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ مُتَعَارِضَة الظَّاهِرِ، أَحَدُهَا: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ: "فَإِذَا صَلَّيْتُمُ العَصْرَ، فَإِنَّهُ وَقْت إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ" (٢)، وَفي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "وَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ" (٣). وَالثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ، وَفيهِ "أَنَّهُ صَلَّى بِهِ العَصْرَ فِي اليَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ" (٤). وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المَشْهُورُ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" (٥)، فَمَنْ

стр. 1034

صَارَ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ جَعَلَ آخِرَ وَقْتِهَا المُخْتَارِ المِثْلَيْنِ، وَمَنْ صَارَ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو جَعَلَ آخِرَ وَقْتِهَا المُخْتَارِ اصْفِرَارَ الشَّمْسِ، وَمَنْ صَارَ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَقْتُ العَصْرِ إِلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهَا رَكعَةٌ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ كَمَا قُلْنَا. وَأَمَّا الجُمْهُورُ، فَسَلَكُوا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِذْ كانَ مُعَارِضًا لَهُمَا كُلَّ التَّعَارُضِ، مَسْلَكَ الجَمْعِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ تَتَقَارَبُ الحُدُودُ المَذْكُورَةُ فِيهِمَا، وَلذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً بِهَذَا وَمَرَّةً بِذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَبَعِيدٌ مِنْهُمَا وَمُتَفَاوِتٌ فَقَالُوا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ أَهْلِ الأعْذَارِ). اختلف العلماء في تحديد آخر وقت العصر، على ثلاثة أقوال: ١ - وقت العصر يبدأ بالمثل وينتهي بالمثلين، وهذه رواية للأئمة مالك والشافعي (١) وأحمد (٢)، وهذا ورد في حديث إمامة جبريل: مرة صلى به العصر عندما صار ظلُّ كل شيء مثله، ومرة عندما صار ظلُّ كل شيء مثليه؛ ثم قال جبريل في آخر الحديث: "يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، الوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ" (٣)؛ فكونه فيما بين هذين، أن وقت العصر محصور بين المثل والمثلين. ٢ - وقت العصر يبدأ بالمثل وينتهي باصفرار الشمس.

стр. 1035

وهي رواية للشافعي (١) ومالك (٢)، وهو الصحيح في مذهب أحمد (٣): أن وقت صلاة العصر ينتهي عندما تصفرُّ الشمس، فيبدأ من المثل وينتهي باصفرار الشمس؛ كما جاء في "صحيح مسلم" وغيره: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْن العَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ" (٤). وكما جاء في حديث أبي موسى الأشعري في "صحيح مسلم" أن الرسول ﷺ "أَخَّرَ العَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالقَائِلُ يَقُولُ قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ" (٥)، يعني: في آخر اصفرارها. والوقت ما بين المثلين وبين ما قبل الاصفرار وقت متقارب ضيق، وليس وقتًا واسعًا؛ إنما الوقت الذي هو أوسع يأتي بعد الاصفرار. تنبيه: في بعض النسخ صُحِّف اسم الصحابي إلى عبد الله بن عُمَر، وهذا خطأ، والصحيح: عبد الله بن عمرو.

стр. 1036

٣ - وقت العصر يمتد إلى ما قبل الغروب، وهو مذهب الحنفية (١)، وأهل الظاهر (٢)، والصحيح أيضًا من مذهب الشافعية (٣)، وهو رأي لبعض العلماء (٤)، ويستدلون بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ المَشْهُورِ: "وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ نَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" (٥)، وهو متفق عليه. وجعل المؤلف هذا الحديث خاصًّا باهل الأعذار، وجعل وقتهم وقت ضرورة؛ لكن أيضا من فاتته الصلاة، وصلاها في ذلك الوقت من غير عذر؛ فإنه يكون مدركًا لها في وقتها. وقصد المؤلف بالحديث المشهور هنا: هو المتفق عليه؛ لأن عادة المصنف أن يقول المشهور، ويقصد المتفق عليه، ويقول: الثابت ويقصد الذي هو في أحد "الصحيحين"، وقد يخالف ذلك أحيانًا. ولا شكَّ أن الحنفية لا يقولون: إن العصر يبدأ بالمثل وينتهي بالمثلين؛ لأنه بداية الوقت عندهم؛ فيرون أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس أو حتى أقل من ركعة؛ فقد أدركها، لا سيما أن وقت العصر ضيق عندهم. * فائدة: يفرق الحنفية بين صلاتي العصر مع المغرب وبين الفجر؛ مع أنهم يرون أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس أو حتى أقل من ركعة؛ فقد أدركها؛ فيرون أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل

стр. 1037

شروق الشمس أو أقل من ركعة؛ فقد فاتته تلك الصلاة وبطلت؛ لأنه دخل في وقت النهي عن الصلاة (١)، وهذا رأي ضعيف ومردود. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ " (٢). • مسألة: لو أن مسلمًا أدرك ركعة قبل صلاة المغرب، وليس من أهل الأعذار؛ كالرجل الذي كان نائمًا عن الصلاة فاستيقظ، ولا صغيًرا فبلغ، ولا مجنونًا فأفاق، ولا كافرًا فأسلم؛ أو كالمرأة التي كانت حائضًا أو نفساء فطهرت، ولكنه أخَّر الصلاة متعمدًا إلى ذلك الوقت؛ فأدرك ركعة قبل غروب الشمس؛ فهل يعتبر مدركًا لصلاة العصر في وقتها؛! الصحيح: أنه مدرك لها؛ لكنه قصَّر بذلك؛ لأنه تجاوز الحد الذي وُضع له، والرسول ﷺ حذَّر من تأخير صلاة العصر بقوله: "تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانٍ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا" (٣)، وهذا يحمل على الكراهة، ولا

стр. 1038

يرضى المؤمنون أن يوصموا ويوصفوا أنهم من المنافقين؛ فإنه يجد في ذلك ثقلًا وحملًا على نفسه. • مسألة: لو أن مسلمًا لم يدرك ركعة من صلاة العصر، وقد تعمَّد تركها بغير عذر حتى خرج وقتها وفاتته؛ فلا يحل له تركها، بل يجب عليه أن يصليها ويقضيها في غير وقتها؛ ولا يفهم من قولنا أنه لم يدرك الصلاة أنه يتركها مطلقًا. فهناك رأي شاذ لابن حزم في هذه المسألة: أن تارك الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها لا يقدر على قضائها أبدًا (١)، وهذا القول مخالف لجماهير العلماء. بل؛ أجمع العلماء على أن مَن ترك صلاة من الصلوات ففاته وقتها؛ فإنه يجب عليه قضاؤها، ويعتبر آثمًا في ذلك؛ لأنه فرط في ترك الصلاة، وأخَّرها عن وقتها؛ لكن تلك الصلاة لا تسقط عنه؛ لأنه مطالب بها (٢)،

стр. 1039

وهو يدخل في قول الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. ويدخل في قول الرسول ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى العِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ" (١). فلا يفهم من هذا أن من تعمَّد ترك صلاة وانتهى وقتها؛ أنها تسقط عنه، وهذا يختلف عن الذي فرط في الصلاة زمنًا طويلًا. • مسألة: لو أن مسلمًا فرَّط في أمر الصلاة وتساهل بها ومضت به السنون ولا يشعر بذنبه؛ ثم أفاق من غفلته، وأراد أن يعود إلى رشده؛ هل يقضي ما فاته من الصلوات؟! الجواب: هذه مسألة مختلف فيها بين العلماء؛ على قولين: الأول: يرى أنه يقضيها مجتهدًا ما لم يلحقه ضرر (٢).

стр. 1040

الثاني: يرى أنه لا يقضيها، حتى لا يكون ذلك منفِّرًا من الصلاة (١). • مسألة: لو أن مسلمًا أدرك من صلاة العصر أقل من ركعة؛ كتكبيرة الإحرام درك سجدة؛ هل يكون مدركًا لها؟ الجواب: هذا رأي عند الحنابلة (٢)، والشافعية (٣)، والحنفية (٤)؛ فقد

стр. 1041

صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ" (١)، وفي رواية: "فَقَدْ أَدْرَكَ" (٢). الخلاصة: أن وقت العصر أربعة أقسام (٣): الأول: وقت الفضيلة؛ وهو أول الوقت، وهو المثل. الثاني: وقت الاختيار، إلى المثلين. الثالث: وقت الجواز، إلى الاصفرار. الرابع: وقت الضرورة، إلى غروب الشمس. والراجح عندي: أن وقت العصر يبدأ من المثل إلى اصفرار الشمس؛ لأن الأدلة صحيحة وثابتة وقوية. وأن قول مَن يقول بأنه من المثل إلى المثلين: قول مرجوح، لأن حديث إمامة جبريل -وإن وضع لنا وقتًا محددًا- بقول جبريل: "الوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ " (٤)، فهذا وقت الاختيار، ووقت الفضيلة؛ لكن وقت الجواز: يمتد إلى ما بعد ذلك، ولذلك نجمع بين الأدلة ولا نهملها، لأن الأدلة الأخرى منها ما هو في "الصحيحين" أو أحدهما، وهي بلا شك أقوى سندًا مع صحة حديث جبريل. بل نقول: إن حديث إمامة جبريل يُحمَل على وقت الفضيلة والاختيار وكراهة التأخير، وإن حديث الاصفرار: يُحمَل على وقت الجواز، وإن

стр. 1042

حديث أبي هريرة: يُحمَل على وقت الضرورة لأهل الأعذار، وبهذا نجمع بين الأدلة، ونسلك مسلك الجمع كالجمهور، ولا يكون بينها تعارض كما ذكر المصنف. وينبغي للفقيه أن ينظر للنصوص كلها، ويحاول أن يجمع بينها، فكلما أمكن الجمع بين الأدلة والأخذ بها مجتمعة، والتوفيق بينها كان أفضل وأولى من الأخذ ببعضها وترك بعضها الآخر. ولا شكَّ أن المحافظة على أداء الصلوات في أوقاتها أمر مطلوب ومتعين، وكلما أمكن الإنسان أن يؤدي الصلاة في أول وقتها فذلك أفضل وخير له، ما عدا صلاتين اختلف العلماء فيهما، وهما: صلاة الظهر (١)؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالإبراد (٢) بها في حالة اشتداد الحرِّ، وصلاة العشاء (٣)؛ لأن الرسول ﷺ صلَّاها متأخرًا، ورغب في تأخيرها كما صحَّ عنه في كتير من الأحاديث. فهذه الشريعة بنيت على التيسير والتخفيف ورفع الحرج ومراعاة مصالح الناس، ولم تبن على عكس ذلك. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي المَغْرِبِ؛ هَلْ لَهَا وَقْتٌ مُوَسَّعٌ كسَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌ غَيْرُ مُوَسَّعٍ، وَهَذَا هُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ (٤) وَعَنِ الشَّافِعِيِّ (٥)، وَذَهَبَ

стр. 1043

قَوْمٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّع، وَهُوَ مَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٣)، وَدَاوُدُ (٤)، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا القَوْلُ عَنْ مَالِكٍ (٥) وَالشَّافِعِيِّ (٦)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَةُ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ (٧) فِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ أَنَّهُ صَلَّى المَغْرِبَ فِي اليَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ

стр. 1044

وَاحِدٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ: "وَوَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ " (١)، فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ جَعَلَ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ جَعَلَ لَهَا وَقْتًا مُوَسَّعًا، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الشَّيْخَان حَدِيثَ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ: (أَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ) الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ ﵊ عَشْرَ صَلَوَاتٍ مُفَسَّرَةَ الأوْقَاتِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ، وَالَّذِي فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مَوْجُود أَيْضًا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِي، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٢)، وَهُوَ أَصْلٌ فِي هَذَا البَابِ. قَالُوا: وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِالمَدِينَةِ عِنْدَ سُؤَالِ السَّائِلِ لَهُ عَنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ كَانَ فِي أَوَّلِ الفَرْضِ بِمَكَّةَ). وقت صلاة المغرب: يبدأ بغروب الشمس، بالإجماع (٣)، واختلفوا في آخر وقتها. للإمام مالك ثلاث روايات في مسألة آخر وقت صلاة المغرب بين التوسع والتضييق، وقد يكون أكثر من تكلَّم فيها من الأئمة:

стр. 1045

الرواية الأولى (١): أن صلاة المغرب ليس لها إلا وقت واحد، وهو: غروب الشمس، ومقدار هذا الوقت: أن يؤذن المؤذن ويتطهر المسلم ويصلي ركعتين ثم يصلي المغرب، فوقتها مضيق وليس بموسع، وهذه أشهر رواية عنه، ووافقه الشافعي في الجديد، وأكثر الشافعية (٢)، ودليلهم: حديث إمامة جبريل، الذي فيه أنه (صَلَّى بِالنَّبِيِّ عَشْرَ صَلَوَاتٍ مُفَسَّرَةَ الأوْقَاتِ) يعني: في يومين، وقد سبق ذكره. الرواية الثانية (٣): أن الوقت يتجاوز ذلك، وأنه يمتد إلى مغيب الشفق الأحمر، وهي رواية للشافعية، وهو قول أبي حنيفة وأحمد كذلك، وأبي ثور وداود، وقول أكثر العلماء (٤)، وهو الراجح، وأدلتهم كثيرة جدًّا؛ منها: أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، … وذكر منها: وإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ" (٥). ٢ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "وَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ" "صحيح مسلم" (٦).

стр. 1046

٣ - عن أَبِي مُوسَى الأشعريِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ "أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، وفي الحديث أنه: أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ ". "صحيح مسلم " (١). ٤ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "وَوَقْتُ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ (٢) " "صحيح مسلم" (٣)، وفي رواية أبي داود: "فَوْرُ الشَّفَقِ" (٤). ٥ - عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ " -يَعْنِي اليَوْمَيْنِ- … ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ المَغْرِبَ

стр. 1047

حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، … فَلَمَّا أَنْ كَانَ اليَوْمُ الثَّانِي صَلَّى المَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ ". وهو في "صحيح مسلم " (١). فبين ﷺ له الأوقات؛ ففي اليوم الأول: صلى المغرب عند مغيب الشمس، وفي اليوم الثاني: صلى المغرب عند مغيب الشفق. والمراد بالشفق في جميع الأحاديث: هو الشفق الأحمر (٢). ومغيب الشفق، أو فوره، أو ثوره، أو سقوطه: بمعنى واحد وهو: ذهاب ضوئه وحمرته (٣). الرواية الثالثة: وقت المغرب يمتدُّ إلى طلوع الفجر، وتُؤوّلَ ذلك بأن هذا لأهل الأعذار؛ عند الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء، وصلاتي الظهر والعصر، ووافقه طاوس وعطاء (٤). وهذه الأدلة المذكورة في روايتي مالك كلها صحيحة، وإن تعارض بعضها، فالأولى أن نجمع بينها، ولا نهملها، لأن الإعمال أولى من الإهمال، ولا يُرجح بين حديثين، ولا يُبحث عن الناسخ والمنسوخ منهما ما دام الجمع ممكنًا (٥).

стр. 1048

والجمع بين هذه الأدلة -التي ظاهرها التعارض- غير متعذر؛ بل هو ممكن وميسور. وأما الجمع ببنها فيكون كالآتي: ١ - تأوَّل أكثر العلماء حديث إمامة جبريل على أن ما ورد فيه من وقت للصلوات: هو وقت الفضيلة والاختيار وكراهة تأخير الصلوات، وما ورد في الأحاديث الأخرى هو وقت الجواز أو الضرورة؛ فلا تعارض بين الأدلة. ٢ - الأحاديث التي فيها امتداد للشفق متأخرة وهي صريحة الدلالة عن حديث إمامة جبريل؛ فحديث إمامة جبريل كان في أول الإسلام، وأحاديث بريدة وغيره كانت بالمدينة؛ فلا شك أن أحاديثهم مقدَّمة على حديث جبريل. فالصلاة أول ما فُرِضَت فرضت بمكة عندما عُرج برسول الله ﷺ إلى السماء، وبعدها نزل جبريل؛ ليعلم رسول الله ﷺ أوقات الصلوات الخمس؛ فكان حديث جبريل. وبعد انتشار الإسلام كانت الأعراب تأتي من البادية إلى المدينة لتسأل رسول الله ﷺ ؛ فكان يعلمهم ويبين لهم الإسلام أحسن بيان؛ فهي أصرح وأبين وأدلّ على المراد من غيرها. • الخلاصة: أن العلماء مجمعون على أن الأفضل في صلاة المغرب هو أن تُصلَّى

стр. 1049

في أول وقتها، وأنه لا ينبغي تأخيرها؛ لكن لا يعتبر من يؤخرها عن أول وقتها أنه قد تجاوز الحدَّ، وأخطأ؛ لأنه لا يزال في وقت قد أبيح له أن يؤخرها إليه. * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا مِنْ وَقْتِ العِشَاءِ الآخِرَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِهِ، وَالثَّانِي فِي آخِرِهِ. أَمَّا أَوَّلُهُ، فَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَجَمَاعَةٌ (٣) إِلَى أَنَّهُ مَغِيبُ الحُمْرَةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ مَغِيبُ البَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الحُمْرَةِ (٤)). * وقع الخلاف بين العلماء في أول وقت صلاة العشاء، وفي آخره. أولًا: أول وقت صلاة العشاء: لا خلاف في: أن صلاة العشاء تبدأ بعد مغيب الشفق؛ كما في النصوص الواردة آنفًا.

стр. 1050

وسبب الخلاف: هو اختلافهم في ماهية الشفق، فالشفق شفقان (١): الشفق الأول: هو الحُمرة، وهي التي تظهر أولًا في السماء ثم تنتهي، وُيُسمَّى (الشَّفَقَ الأحمرَ). الشفق الثاني: هو البَياض، الذي يظهر في السماء بعد الشفق الأحمر، ويسمى: (الشَّفَقَ الأبيضَ). فاختلف العلماء في أول وقت صلاة العشاء على مذهبين: الأول: أنه يبدأ بمغيب الشفق الأحمر، وهو قول الجمهور، كمالك والشافعي وأحمد (٢)، وجماعة من الصحابة والتابعين (٣)، ومن أدلتهم: ١ - عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ غَيْرُكُمْ "، قَالَ: وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلَّا بالمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. وهو في "الصحيحين" (٤)، و"الشَّفَقُ ": هو الحُمرة (٥). ٢ - وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الشَّفَقُ الحُمْرَةُ، فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ" (٦)، يعني: العِشَاءَ.

стр. 1051

٣ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَقْتُ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). الثاني: أنه يبدأ بمغيب الشفق الأبيض، وهو قول أبي حنيفة (٢)، وجماعة من الصحابة والتابعين (٣)، ومن أدلتهم: ١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ القَمَرِ لِثَالِثَةٍ" (٤). وفي رواية: "كَانَ يُصَلِّيهَا بَعْدَ سُقُوطِ القَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ" (٥). وفي رواية: "كَانَ يُصَلِّيهَا مِقْدَارَ مَا يَغِيبُ القَمَرُ لَيْلَةَ ثَالِثَةٍ، أَوْ رَابِعَةٍ" (٦)، والشك فيها من شعبة، والصحيح: ليلة ثالثة كما في المتابعات والروايات الأخرى، يعني: في الليلة الثالثة من ليالي الشهر، بعد أن يغيب القمر، فالمراد مغيب الشفق الأبيض. ٢ - عن أَبي مَسْعُودٍ البدري الأَنْصَارِيَّ؛ قال: "رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي العِشَاءَ حِينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ، وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ " (٧). مغيب الشفق الأبيض.

стр. 1052

والصحيح: المذهب الأول، ولا تعارض مع الأدلة. وأما الجمع بينها فيكون كالآتي: أن المعروف من سيرة الرسول ﷺ أنه كان يؤخِّر الصلاة عن أول الوقت قليلًا، وهو الأفضل والأولى، بل ثبت أنه أخرها في أحاديث كثيرة في "الصحيحين "، وفي غيرهما إلى ثلث الليل. أ- عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ" -يَعْنِي: اليَوْمَيْنِ-، .. ففي اليوم الأول: أَقَامَ العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، … وفي اليوم الثاني: صَلَّى العِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ (١). ٢ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "وَوَقْتُ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" (٢). ٣ - عن أَبي بَرْزَةَ، يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الحَدِيثَ بَعْدَهَا" (٣). ٤ - وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ

стр. 1053

الآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ" (١). فكون الرسول ﷺ صلَّاها عند مغيب الشفق الأبيض؛ كما في حديثي النعمان وأبي مسعود؛ لأن الرسول ﷺ كان يؤخرها، وليس معناه أن العشاء عند مغيب الشفق الأبيض. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ: اشْتِرَاكُ اسْمِ الشَّفَقِ فِي لِسَانِ العَرَبِ، فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الفَجْرَ فِي لِسَانِهِمْ فَجْرَانِ كَذَلِكَ الشَّفَقُ شَفَقَانِ (٢): أَحْمَرُ، وَأَبْيَضُ، وَمَغِيبُ الشَّفَقِ الأَبْيَضِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِمَّا بَعْدَ الفَجْرِ المُسْتَدِقِّ (٣) مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ: (أَعْنِي الفَجْرَ الكَاذِبَ)، وَإِمَّا بَعْدَ الفَجْرِ الأَبْيَضِ المُسْتَطِيرِ، وَتَكُونُ الحُمْرَةُ نَظِيرَ الحُمْرَةِ، فَالطَّوَالِعُ -إِذًا- أَرْبَعَةٌ: الفَجْرُ الكَاذِبُ، وَالفَجْرُ الصَّادِقُ، وَالأَحْمَرُ وَالشَّمْسُ، وَكذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الغَوَارِبُ). يريد المؤلف أن يربط بين بياضين؛ وهما: ١ - بياض يعقب الحمرة، الذي هو مغيب الشفق الأحمر؛ كما يحدث في صلاة العشاء. ٢ - وبياض يعقبه ظلمة؛ ثم يأتي بياض آخر كما يحدث في صلاة الفجر. * فالبياض الذي في الفجر الأول يسمونه: (الفجر الكاذب)، ويشبهونه بـ: (ذنب سِرحان)، وهو الذئب؛ لأنه يخرج مستطيل الأفق، فهو يلمع، وقد ينخدع به الإنسان ثم يزول وينتهي، لا يعتد به في شيء (٤).

стр. 1054

* والبياض الذي في الفجر الثاني يسمونه: (الفجر الصادق) (١)، وهو الذي يصدق عن الصبح ويبينه؛ لأنه مستطير منتشر في السماء؛ فهو لا يكذبك مرة أُخرى، وبطلوعه تبدأ الأحكام عمومًا من صيام وغيره. * ولا خلاف بين العلماء في وقت الفجر كما سيأتي. * قوله: (وَلِذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنِ الخَلِيلِ مِنْ أَنَّهُ رَصَدَ للشَّفَقِ الأَبْيَضِ، فَوَجَدَهُ يَبْقَى إِلَى اللَّيْلِ (٢)، كُذِّبَ بِالقِيَاسِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ (٣)، وَحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ أَنَّهُ صَلَّى العِشَاءَ فِي اليَوْمِ الأوَّلِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ (٤)، وَقَدْ رَجَّحَ الجُمْهُورُ مَذْهَبَهُمْ بِمَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلّي العِشَاءَ عِنْدَ مَغِيبِ القَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ" (٥). وَرَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبَهُ بِمَا وَرَدَ فِي تَأْخِيرِ العِشَاءِ وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَقَوْلِهِ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" (٦). ورَدُّ المؤلف كلامَ الخليل في أن الشفق الأبيض يمتدُّ إلى ثلث

стр. 1055

الليل، ردٌّ في محله؛ لأن الرسول ﷺ في حديث إمامة جبريل، وفي حديث بريدة "صلى العشاء عند مغيب الشفق وفي اليوم الثاني عند آخر وقتها عند ثلث الليل" (١). وكلام المؤلف صحيح، لأنه ما يظهر لي أن الشفق يمضي إلى ثلث الليل، وهو لا يبعد كثيرًا عن الشفق الأحمر. • والخلاصة: أن الخلاف وقع في تعيين الشفق المقصود في الحديث، لأن العرب تُطلِقُه على الشفقين الأحمر والأبيض، ولذا اختلفت أحكامهم. فيستحب للفقيه أن يخرج من الخلاف، ويؤخر العشاء قليلًا، فالوقت ما بين الشفقين الأحمر والأبيض: وقت يسير لا يتجاوز اثني عشر دقيقة تقريبًا، والثابت من سيرته ﷺ في صلاة العشاء أنه كان يؤخِّرها قليلًا" فهو أولى وأفضل. وعندما يريد الفقيه أن يقرِّر مسألة من المسائل الفقهية، ويحررها على ضوء الأدلة، فينبغي له أن يكون ترجيحه على ضوء ما يرى أن الأدلة تؤيده وتدعمه، وقد تكون الأدلة كلها صحيحة، لكن يمكن تأويل بعضها، وحمله على الأدلة الأخرى. * فائدة: اختلاف العلماء في تقرير هذه المسألة بسبب اختلاف لسان العرب في ضبط بعض المصطلحات، مثل: قولهم: الفجران، ويقصدون (الكاذب والصادق)، والشفقان، ويقصدون (الأحمر والأبيض) (٢)، فالخلاف له صلة باللغة العربية. فاللغة لها شأن عظيم، وكلما تمكن طالب العلم في معرفة اللغة؛
следующие страницы →