← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

٣ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَقْتُ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). الثاني: أنه يبدأ بمغيب الشفق الأبيض، وهو قول أبي حنيفة (٢)، وجماعة من الصحابة والتابعين (٣)، ومن أدلتهم: ١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ القَمَرِ لِثَالِثَةٍ" (٤). وفي رواية: "كَانَ يُصَلِّيهَا بَعْدَ سُقُوطِ القَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ" (٥). وفي رواية: "كَانَ يُصَلِّيهَا مِقْدَارَ مَا يَغِيبُ القَمَرُ لَيْلَةَ ثَالِثَةٍ، أَوْ رَابِعَةٍ" (٦)، والشك فيها من شعبة، والصحيح: ليلة ثالثة كما في المتابعات والروايات الأخرى، يعني: في الليلة الثالثة من ليالي الشهر، بعد أن يغيب القمر، فالمراد مغيب الشفق الأبيض. ٢ - عن أَبي مَسْعُودٍ البدري الأَنْصَارِيَّ؛ قال: "رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي العِشَاءَ حِينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ، وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ " (٧). مغيب الشفق الأبيض.

стр. 1052

والصحيح: المذهب الأول، ولا تعارض مع الأدلة. وأما الجمع بينها فيكون كالآتي: أن المعروف من سيرة الرسول ﷺ أنه كان يؤخِّر الصلاة عن أول الوقت قليلًا، وهو الأفضل والأولى، بل ثبت أنه أخرها في أحاديث كثيرة في "الصحيحين "، وفي غيرهما إلى ثلث الليل. أ- عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ" -يَعْنِي: اليَوْمَيْنِ-، .. ففي اليوم الأول: أَقَامَ العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، … وفي اليوم الثاني: صَلَّى العِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ (١). ٢ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "وَوَقْتُ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" (٢). ٣ - عن أَبي بَرْزَةَ، يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الحَدِيثَ بَعْدَهَا" (٣). ٤ - وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ

стр. 1053

الآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ" (١). فكون الرسول ﷺ صلَّاها عند مغيب الشفق الأبيض؛ كما في حديثي النعمان وأبي مسعود؛ لأن الرسول ﷺ كان يؤخرها، وليس معناه أن العشاء عند مغيب الشفق الأبيض. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ: اشْتِرَاكُ اسْمِ الشَّفَقِ فِي لِسَانِ العَرَبِ، فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الفَجْرَ فِي لِسَانِهِمْ فَجْرَانِ كَذَلِكَ الشَّفَقُ شَفَقَانِ (٢): أَحْمَرُ، وَأَبْيَضُ، وَمَغِيبُ الشَّفَقِ الأَبْيَضِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِمَّا بَعْدَ الفَجْرِ المُسْتَدِقِّ (٣) مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ: (أَعْنِي الفَجْرَ الكَاذِبَ)، وَإِمَّا بَعْدَ الفَجْرِ الأَبْيَضِ المُسْتَطِيرِ، وَتَكُونُ الحُمْرَةُ نَظِيرَ الحُمْرَةِ، فَالطَّوَالِعُ -إِذًا- أَرْبَعَةٌ: الفَجْرُ الكَاذِبُ، وَالفَجْرُ الصَّادِقُ، وَالأَحْمَرُ وَالشَّمْسُ، وَكذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الغَوَارِبُ). يريد المؤلف أن يربط بين بياضين؛ وهما: ١ - بياض يعقب الحمرة، الذي هو مغيب الشفق الأحمر؛ كما يحدث في صلاة العشاء. ٢ - وبياض يعقبه ظلمة؛ ثم يأتي بياض آخر كما يحدث في صلاة الفجر. * فالبياض الذي في الفجر الأول يسمونه: (الفجر الكاذب)، ويشبهونه بـ: (ذنب سِرحان)، وهو الذئب؛ لأنه يخرج مستطيل الأفق، فهو يلمع، وقد ينخدع به الإنسان ثم يزول وينتهي، لا يعتد به في شيء (٤).

стр. 1054

* والبياض الذي في الفجر الثاني يسمونه: (الفجر الصادق) (١)، وهو الذي يصدق عن الصبح ويبينه؛ لأنه مستطير منتشر في السماء؛ فهو لا يكذبك مرة أُخرى، وبطلوعه تبدأ الأحكام عمومًا من صيام وغيره. * ولا خلاف بين العلماء في وقت الفجر كما سيأتي. * قوله: (وَلِذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنِ الخَلِيلِ مِنْ أَنَّهُ رَصَدَ للشَّفَقِ الأَبْيَضِ، فَوَجَدَهُ يَبْقَى إِلَى اللَّيْلِ (٢)، كُذِّبَ بِالقِيَاسِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ (٣)، وَحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ أَنَّهُ صَلَّى العِشَاءَ فِي اليَوْمِ الأوَّلِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ (٤)، وَقَدْ رَجَّحَ الجُمْهُورُ مَذْهَبَهُمْ بِمَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلّي العِشَاءَ عِنْدَ مَغِيبِ القَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ" (٥). وَرَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبَهُ بِمَا وَرَدَ فِي تَأْخِيرِ العِشَاءِ وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَقَوْلِهِ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" (٦). ورَدُّ المؤلف كلامَ الخليل في أن الشفق الأبيض يمتدُّ إلى ثلث

стр. 1055

الليل، ردٌّ في محله؛ لأن الرسول ﷺ في حديث إمامة جبريل، وفي حديث بريدة "صلى العشاء عند مغيب الشفق وفي اليوم الثاني عند آخر وقتها عند ثلث الليل" (١). وكلام المؤلف صحيح، لأنه ما يظهر لي أن الشفق يمضي إلى ثلث الليل، وهو لا يبعد كثيرًا عن الشفق الأحمر. • والخلاصة: أن الخلاف وقع في تعيين الشفق المقصود في الحديث، لأن العرب تُطلِقُه على الشفقين الأحمر والأبيض، ولذا اختلفت أحكامهم. فيستحب للفقيه أن يخرج من الخلاف، ويؤخر العشاء قليلًا، فالوقت ما بين الشفقين الأحمر والأبيض: وقت يسير لا يتجاوز اثني عشر دقيقة تقريبًا، والثابت من سيرته ﷺ في صلاة العشاء أنه كان يؤخِّرها قليلًا" فهو أولى وأفضل. وعندما يريد الفقيه أن يقرِّر مسألة من المسائل الفقهية، ويحررها على ضوء الأدلة، فينبغي له أن يكون ترجيحه على ضوء ما يرى أن الأدلة تؤيده وتدعمه، وقد تكون الأدلة كلها صحيحة، لكن يمكن تأويل بعضها، وحمله على الأدلة الأخرى. * فائدة: اختلاف العلماء في تقرير هذه المسألة بسبب اختلاف لسان العرب في ضبط بعض المصطلحات، مثل: قولهم: الفجران، ويقصدون (الكاذب والصادق)، والشفقان، ويقصدون (الأحمر والأبيض) (٢)، فالخلاف له صلة باللغة العربية. فاللغة لها شأن عظيم، وكلما تمكن طالب العلم في معرفة اللغة؛

стр. 1056

زادته علمًا وبصيرةً وفهمًا ودقةً بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ؛ فإن كثيرًا من الأحكام لا يمكن أن نقف على كنهها في بعض المسائل الدقيقة، إلا عندما نرجع إلى اللغة العربية. مثلًا: عدة الحيض: ثلاثة قروء، بعض العرب قال: القُرْء: الحيض، وبعضهم؛ قال القُرْء: الطُّهر (١)؛ فاختلافهم في المراد بالقُرء ترتَّب عليه عدة أحكام؛ فهنا تظهر لنا أهمية اللغة العربية، وفهم لسان العرب. ومثلًا: العينُ: تأتي بعدة معانٍ؛ منها: الجارحة المعروفة (٢)، أو الجاسوس (٣)، أو ينبوع الماء (٤)، فالمراد هنا تغير؛ فلا بد من الرجوع إلى لغة العرب ليفهم المراد (٥). فاللغة العربية تُعين الفقيه والمحدث والمفسر في فهم كتاب الله ، وسنة رسول الله ﷺ ، ومَن قرأ بعمق في القواعد الفقهية؛ لوجد أن من العلماء من يُخرِّج بعض المسائل الفرعية على بعض المسائل اللغوية. وينبغي لطالب العلم أن يكون على وعي وإدراك بلغة العرب، وأن يتعلم علوم العربية مثل: النحو والصرف؛ لأنها تقوِّم اللسان من اللحن في الكلام. وكذلك: البلاغة التي تعين في تركيب الجمل، وضمها إلى بعض. وكثيرًا من المفسرين يملؤون كتبهم بالمسائل اللغوية؛ لكن ليس معنى

стр. 1057

هذا أن العالم يجنح كثيرًا؛ ليفسر باللغة فقط، ويأتي بخيالات وبشذوذات وغرائب اللغة، وإنما القصد أن يأتي بما يعين على فهم كتاب الله، وعلى فهم النصوص الشرعية. * قوله: (وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهَا فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، قَوْلٌ: إِنَّهُ ثُلُثُ اللَّيْلِ. وَقَوْلٌ: إِنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ. وَقَوْلٌ: إِنَّهُ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ. وَبِالأَوَّلِ (أَعْنِي ثُلُثَ اللَّيْلِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَهُوَ المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ (٣)، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ القَوْلُ الثَّانِي: أَعْنِي نِصْفَ اللَّيْلِ (٤)، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَوْلُ دَاوُدَ (٥). وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ الآثَارِ، فَفِي

стр. 1058

حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ ﵊ فِي اليَوْمِ الثَّانِي ثُلُثَ اللَّيْلِ (١). وَفِي حَدِيتِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ "، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ (٢). وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (٣)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٤) عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ العِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ "، وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: "لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ أَنْ تُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى" (٥)، فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ قَالَ: ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَمِنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: شَطْرُ اللَّيْلِ). ثانيًا: آخر وقت صلاة العشاء: اختلف العلماء في تحديد آخر وقت صلاة العشاء على ثلاثة مذاهب: الأول: أنه ثلث الليل، وهو قول الشافعي (٦)، وأبي حنيفة (٧)، وهو

стр. 1059

المشهور من مذهب مالك (١)، وأحمد (٢)، وهو أقوى الأقوال؛ لأن الأحاديث تجتمع عند هذا. الثاني: أنه نصف الليل أو (شطر الليل)، وهي رواية عن مالك (٣)، وأحمد (٤). الثالث: أنه إلى طلوع الفجر، وهو قول داود (٥)، وهي رواية عن مالك أيضًا (٦)؛ فيرى أن المغرب والعشاء وقتهما يمتد إلى الفجر، وهو رأي ضعيف، ووقته: وقت ضرورة؛ لأهل الضرورة، وسيأتي الكلام عليه مفصلًا. فكما أن هناك وقت ضرورة للظهر والعصر، فالوقت بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر الثاني للعشاء وقت ضرورة كذلك. مثل: كمن يكون صبيًا فيبلغ، أو كافرًا فيسلم، أو نائمًا فيستيقظ؛ فإنه يصلي في ذلك الوقت، ويكون وقت ضرورة، وكذلك؛ مثل: المرأة التي زال عذرها من حيض أو نفاس. وهناك حديث يعتبر بمثابة قاعدة للأوقات كلها وهو حديث أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ أَنْ تُؤَخّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى" (٧).

стр. 1060

فقد وضع حذًا للتفريط في الصلاة؛ فالتفريط فيها لا ينطبق على مَن ينام، أو ينساها، أو يحول بينه وبين أدائها بعذر من مرض أو سفر أو غير ذلك من الأعذار المعروفة؛ لكن التفريط هو أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى، وهذا فيه تأكيد على أهمية أوقات الصلوات، وأنها متعينة، وواجبة وشرط في صحة الصلاة. وفي حديث أَبِي قَتَادَةَ دليل لمن ذهب أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس، وأن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر؛ ولكننا نقول: إن ذلك وقت ضرورة. وكثير من الأحاديث تلتقي مع حديث عبد الله بن عباس في إمامة جبريل، وهو أن الرسول ﷺ قال: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ العِشَاءَ إِلَى ثلث اللَّيْلِ" (١). وفي بعض الأحاديث أنه ﷺ أخَّرها فعلًا إلى ثلث الليل، وكذلك حصل ذلك في زمن الصحابة؛ بل ثبت في "الصحيحين" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أنه قَالَ: "أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثمَّ صَلَّى .. " (٢)؛ فدلَّ ذلك على أن الأفضل في صلاة العشاء هو تأخيرها عن أول وقتها إلى ثلث الليل، أو نصف الليل، شريطة ألا يدركه النوم في ذلك الوقت الذي أخَّرها إليه؛ فإن خشي الإنسان أن يدركه النوم؛ فالأولى التبكير، وألا يشق الإمام على المأمومين بتأخيرها. يقول في رحمة رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ فهذا هو منهج إلى سول ﷺ بأمته،

стр. 1061

وهو الرحمة، وكم حذَّر ﷺ أن يشقَّ أحد بأمَّتِه ودعا عليه بأن يشقَّ اللهُ عليه؛ فقال: "اللهُمَّ، مَنْ وَليَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَليَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ" (١). * قوله: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ، فَاعْتَمَدُوا حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ، وَقَالُوا: هُوَ عَامٌّ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ، فَهُوَ نَاسِخٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَاسِخًا لَكَانَ تَعَارُضُ الآثَارِ يُسْقِطُ حُكْمَهَا، فَيجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَى اسْتِصْحَابِ حَالِ الإِجْمَاعِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الوَقْتَ يَخْرُجُ لِمَا بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْلُ، فَإِنَّا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الوَقْتَ عِنْدَهُ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَصْحَبَ حُكْمُ الوَقْتِ إِلَّا حَيْثُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى خُرُوجِهِ (٢)، وَأَحْسَبُ أَنَّ بِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)). ورد في ذلك كما سيأتي في أهل الأعذار ما نقل عن عبد الله بن عباس (٤)،

стр. 1062

وعبد الرحمن بن عوف ﵁ (١): "في الحائض تطهر قبل الفجر بركعة؛ فإنها تصلي المغرب والعشاء، وكذلك لو طهرت أيضًا قبل العصر بركعة المغرب بركعة؛ فإنها تصلِّي الظهر والعصر". • مسألة: لو أن امرأة أدركها أول الوقت الذي تؤدي فيه الصلاة؛ ثم بعد ذلك حاضت قبل أن تصلي الصلاة في أول وقتها هل تطالب بقضائها؟ الجواب: نعم؛ تطالب بقضائها، وفي المسألة خلاف بين العلماء (٢).

стр. 1063

فبعضهم يقول: إذا مضى في الظهر والعصر: وقت تؤدي فيه أربع ركعات، وفي المغرب: وقت تؤدي فيه ثلاث ركعات، وفي الفجر: وقت تؤدي فيه ركعتان" فإنها تقضي هذه الصلاة (١). وبعضهم يقول: لو أدركت أقل من ذلك، فإنها تقضي (٢). وبعضهم يفرق بين المسافر والحاضر، فالمسافر إن مضت مدة مثلًا من صلاة الظهر أو العصر يمكن أن يؤدي فيها ركعتي السفر يعني صلاة السفر، لأنها تقصر، للحقه عذر فإنه يطالب بذلك بعد أن يزول العذر (٣). • مسألة: لو أن مسلمًا صلَّى قبل الوقت، أتصح صلاته؛ أم تلزمه الإعادة؟ (٤).

стр. 1064

الجواب: نُقِل عن بعض الصحابة أنه صلى قبل الوقت؛ فأعاد تلك الصلاة؛ نقل ذلك عن عبد الله بن عمر (١)، وعن غيره (٢). لكن نقل عن عبد الله بن عباس ﵄ في المسافر إذا صلى الظهر قبل الزوال؛ " قال: يجزِئه (٣)، وخالفه في ذلك عامة العلماء (٤)، ولعل هذا هو

стр. 1065

الذي أشار إليه المؤلف في أول حديثه عن الأوقات. فالصلوات لا يجوز أداؤها قبل الوقت، ومَن أدَّاهَا قبل الوقت؛ فعليه أن يعيدها، لأن الوقت شرط في صحَّتها. * فائدة: حديث جبريل تكرَّر كثيرًا (١)، لأنه شاهد ودليل على جميع الأوقات، ومثله أيضًا حديث بريدة الأسلمي الذي علَّم فيه الرسول ﷺ الرجلَ الذي طلب منه أن يمكث معه يومين أيضًا (٢)، فهو شاهد على جميع الأوقات، وهناك غيرهما. * قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الفَجْرِ الصَّادِقِ وَآخِرَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ (٣)، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ

стр. 1066

القَاسِمِ (١)، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (٢) مِنْ أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الإِسْفَارُ. وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهَا المُخْتَارِ، فَذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ، وَاَكْثَرُ العِرَاقِيِّينَ (٤) إِلَى أَنَّ الإِسْفَارَ بِهَا أَفْضَلُ، وَذَهَبَ مَالِكٌ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦)، وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٧)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٨)،

стр. 1067

وَدَاوُدُ (١) إِلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ بِهَا أَفْضَلُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي طَرِيقَةِ جَمْعِ الأَحَادِيثِ المُخْتَلِفَةِ الظَّوَاهِرِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ ﵊ مِنْ طَرِيقِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَسْفِرُوا بِالصُّبْحِ، فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلأجْرِ" (٢)، وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ وَقَدْ سُئِلَ: أَيُّ الأعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ مِيقَاتِهَا" (٣)، وَثَبَتَ عَنْهُ ﵊ "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الصبْحَ فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ" (٤). وَظَاهِرُ الحَدِيثِ أَنَّهُ عَمَلَهُ فِي الأَغْلَبِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ رَافِعٍ خَاصٌّ، وَقَوْلَهُ: "الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ مِيقَاتِهَا" عَامٌّ، وَالمَشْهُورُ أَنَّ الخَاصَّ يَقْضِي عَلَى العَامِّ (٥) إِذَا هُوَ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا العُمُومِ صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَجَعَلَ

стр. 1068

حَدِيثَ عَائِشَةَ مَحْمُولًا عَلَى الجَوَازِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا تَضَمَّنَ الإِخْبَارَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ لَا بِأَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ غَالِبَ أَحْوَالِهِ ﷺ قَالَ: "الإِسْفَارُ أَفْضَلُ مِنَ التَّغْلِيسِ ". وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ العُمُومِ لِمُوَافَقَةِ حَدِيثِ عَائِشَةَ لَهُ، وَلأَنَّهُ نَصٌّ فِي ذَلِكَ أَوْ ظَاهِرٌ، وَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مُحْتَمِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَبَيُّنَ الفَجْرِ، وَتَحَقُّقَهُ، فَلَا تكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَا العُمُومِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضٌ - قَالَ: أَفْضَلُ الوَقْتِ أَوَّلُهُ). أجمع العلماء على: أن وقت صلاة الفجر: يبدأ بطلوع الفجر الصادق، وليس الفجر الكاذب الذي يطلع ضوؤه ثم يختفي (١). وقد مرَّ آنفًا أن الفجر ينقسم إلى نوعين (٢): الفجر الكاذب: وهو الفجر الأول، وهو البياض المُسْتَطِيل الدقيق في السماء، ويشبهونه ب (ذنب السِّرْحَان) يعني: الذئب؛ لأنه يمتد بعد ذلك ثم يغيب، ولا يحل أداء صلاة الصبح ولا يحرم الأكل على الصائم. والفجر الصادق: وهو الفجر الثاني، وهو البياض المُسْتَطِيرُ الذي ينتشر في السماء، الذي يأتي بعد الفجر الكاذب، ويختلط بحمرة، وبه يدخل وقت صلاة الفجر، وتترتب عليه أحكام الصلاة والصيام وغيرها من أحكام هذا الوقت؛ فهو المعتبر والمعتد به. ولذلك يقال عن الرجل الذي فيه بياض وحمرة: رجل صادق وجهه، يعني مضيء.

стр. 1069

واختلف العلماء: في آخر وقت صلاة الفجر، على قولين: الأول: أن آخر وقت الصبح: طلوع الشمس (١). الثاني: أن آخر وقت الصبح: الإسفار، وهو قول ابن القاسم، وبعض أصحاب الشافعي (٢). واختلف العلماء في التفضيل بين التغليس والإسفار (٣) بصلاة الصبح؛ على قولين: الأول: أن التغليس بصلاة الصبح أفضل، والتغليس: هو آخر ظلمة الليل، أو هو اختلاط الظلمة بالنور (٤)، وهو قول الجمهور كالمالكية والشافعية والحنابلة (٥). وهو وقت الفضيلة عند الحنابلة، ثم يأتي بعده وقت الضرورة والعذر، وربما لم يطلع المؤلف على مذهب الحنابلة. ومن أدلتهم: * عامة الأدلة التي دلت على أن الأولى هو أداء الصلاة في أول وقتها. ١ - عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعودٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيّ الأَعْمَالِ أَحَبّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؛ قَالَ: "ثُمَّ بِرّ الوَالِدَيْنِ "، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي (٦).

стр. 1070

وفسَّر العلماء قوله: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا" أنه يريد أول الوقت (١). ٢ - وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ" (٢)، وفي رِوَايَةٍ: "مُتَلَفِّفَاتٍ" (٣). وهذا دليل على أنهن كن يصلين في الظلمة. ويريد المؤلف أن يُشير إلى أن القائلين بتفضيل الإسفار يتأولون حديث عائشة هذا على أن فعله فيه ليس هو الأغلب من حاله ﷺ ؛ بل هو بعض من حاله، ولا ينكرون التغليس لكنهم يفضلون الإسفار. ٣ - وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في حديث الحج المشهور؛ قال: "ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المزدلفة حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ، حِينَ تبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ" (٤)؛ فالرسول ﷺ بأداء صلاة الصبح في أول وقتها في هذا الموقف الواحد، وعجلها. الثاني: أن الإسفار بصلاة الصبح أفضل، وهو قول الكوفيين، وأبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، وأكثر العراقيين، وهو وقت الجواز والاختيار (٥).

стр. 1071

ومن أدلتهم: ١ - عنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ" (١)، فقوله: "أَسْفِرُوا"؛ أمر من الرسول ﷺ ، وقد أُنيطت به علته، ألا وهي عِظَمُ الأجر؛ فدلَّ هذا على أن الإسفار بها أفضل. ٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ البَيْتِ، … ثُمَّ صَلَّى بِي الفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ أبَزَقَ الفَجْرُ، (٢) [بَرَقَ الفَجْرُ (٣) - أَوْ قَالَ: حِينَ سَطَعَ الفَجْرُ] (٤) ...... ثُمَّ صَلَّى بِي الفَجْرَ فَأَسْفَرَ (٥) [حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا] (٦)، ثمَّ التَفَتَ إليَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، الوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ (٧) [مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ] (٨) ". ٣ - عَنْ بُرَيْدَةَ الأسلميِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: "صَلّ مَعَنَا هَذَيْنِ "-يَعْنِي اليَوْمَيْنِ- … ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفَجْرَ، … وَصَلَّى الفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا"، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ

стр. 1072

السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ" (١). ٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" (٢). والجمع بين الأدلة: ويمكن الجمع بين الأدلة بأنه يجوز الأمرين معًا، فيجوز التغليس ويجوز الإسفار، والدليل الواضح: حديث أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيَّ؛ قال: "فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ … وَصَلَّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ، ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ كلانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ" (٣). وهو حديث صحيح، ويظهر أن المؤلف لم يقف عليه. فأكَّد هذا الحديث أن الرسول ﷺ فعل هذا، وفعل هذا، وأنه في آخر أمره استقرَّ على التغليس بها؛ فالتغليس أفضل بلا شكَّ؛ لأن

стр. 1073

النبي ﷺ لازم التغليس حتى مات، ولهذا ذكر المؤلف أنه الأغلب من فعله ﷺ ، فيحمل على الأفضلية. وليس المقصود بالتغليس هو أن يصليها المسلم بمجرد بزوق الفجر؛ بل المراد هو أن يتأكد ويحتاط في طلوع الفجر. وفي نظري أن ما ذكره المؤلف من الترجيح بين المسائل بالأدلة الأصولية لا حاجة له؛ لأن حديث أبي مسعود رفع الإشكال؛ وبه اجتمعت الأدلة، وعُمِل بها جميعًا. وأما حديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "أَسْفِرُوا بالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأجْرِ" (١). فالمراد به: التأكد والتحري والدقة والتبينَ من طلوع الفجر الصادق، والحيطة في ذلك الأمر، وليس المراد من ذلك أن الإسفار أفضل من التغليس. وكذلك نبَّهَ المؤلف على حديث رَافِعٍ، وقال: إنه (مُحْتَمِلٌ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَبَيُّنَ الفَجْرِ، وَتَحَقُّقَهُ، فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَا العُمُومِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضٌ)، وهذا قول وجيه، وهو زُبدة القول، وخلاصة المسألة، وتلتقي حوله الأدلة؛ كحديث أبي مسعود الأنصاري. وليس المراد من هذا الحديث: أن يُنتظَر بها إلى أن يأتي الإسفار، ويقرب خروج الشمس. يعني: ومما يقوي مذهب الجمهور: أن التغليس كان فعل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وفعله الصحابة رضوان الله عليهم (٢)، وهم لا يختارون في هذا المقام إلا الأفضل؛ فهم أشد الناس حرصًا على اقتفاء آثار رسول الله ﷺ ، وهم أكثر الناس مسابقة الخيرات.

стр. 1074

ولا شكَّ أن أداء صلاة الفجر في أول وقتها، والتغليس بها أفضل من التأخير والإسفار بها؛ لكن من يؤخرها إلى الإسفار، لا يكون مقصرًا، وإنما عدل عما هو أفضل. * فائدة: ينبغي أن يلحظ الأمام أحوال المأمومين: فإذا عرف من أحوال الذين يصلون معه في مسجده أنهم ممن يبادرون إليه؛ فينبغي أن يبادر بالصلاة ويغلس بها، ولا يشق عليهم. وإذا أحسَّ بتأخر بعض الناس؛ فالأولى له أن يؤخر الصلاة ويسفر بها -ولو قليلًا-، حتى يدرك الناس صلاة الجماعة، وهو لا يزال -بعدُ- في وقت الاختيار؛ فسدِّدُوا وقاربوا. وقد نقل عن الإمام أحمد -رحمة الله-: أن الإمام لا بد أن يلحظ أحوال المأمومين: إن جاؤوا مسفرين متأخرين؛ فإنه يسفر بهم، وإن جاؤوا مغلسين؛ فإنه يغلس بهم (١). * فائدة: وابن القاسم من أئمة المالكية المشهورين، وهو صاحب مالك، ونشر كثيرًا من فقهه في (المدونة) (٢)، وأصل (المدونة): أسئلة سألها الإمام أسد بن الفرات (٣) لابن القاسم، وأجابها على مذهب الإمام مالك؛

стр. 1075

فلمَّا ارتحل الإمام سحنون (١) بها، عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيرًا، وأسقط، ثم رتبها سحنون، وبوبها. وأحيانًا ابن القاسم يجيب عن مسائل توقف الإمام مالك، وأحيانًا يتكلم بالرأي المحض، إلى غير ذلك، وهو الذي يقصده المؤلف. ولا يقصد ابن قَاسم مُحمد بن قَاسم الغَزِّي الشَّافِعِي؛ لأنه من متأخري الشافعية، وهو من أعيان المذهب الشافعي (٢). * فائدة: لم يختلف العلماء بأن أداء الصلوات في أول أوقاتها أفضل، ولا يرون إثمًا على الذي يؤخرها إلى وقت الاختيار. ولو أخَّر المسلم الصلوات التي يفضل أداؤها في أول أوقاتها إلى آخر أوقاتها، لا يكون آثمًا أيضًا في ذلك (٣). مثلًا: أداء صلاة الظهر أفضل في أول وقتها؛ إلا في شدة الحر؛ فالأفضل حينها الإبراد؛ فمن صلاها في وقت اشتداد الحر؛ فلا يعتبر آثمًا، ومن أبرد بها وأخَّرها؛ فلا يعتبر آثمًا، كذلك. فالذي أخَّر الصلاةَ عن أول وقتها إلى آخر وقتها بنية أدائها؛ فلا إثم عليه. وأما الذي أخَّر الصلاةَ عن أول وقتها إلى آخر وقتها دون نية أدائها؛ فإذا فمات فإنه يأثم. مثلًا: رجل أخَّر صلاة الظهر، وهو ينوي أن يؤديها في آخر وقتها؛ فمات قبل ذلك؛ فإنه لا يأثم في هذا؛ لأنه أخَّرها إلى وقت يجوز لها أن

стр. 1076

يصليها فيه، ولا دَخْلَ له فيما يتعلَّق بالوفاة؛ لأن ذلك أمر خارج عن إرادته، وإنما هو أمر الله وإرادته؛ فاللّه هو الذي يتوفى الأنفس. • ومن الفوائد أيضًا: قوله: "وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ بِهَا أَفْضَلُ ". ذكر المؤلف في هذا الموضوع الإمام أحمد؛ لأنه ليس له منهج مستقر في ذلك، ولا يفهم منه أنه لا يرى أن الإمام أحمد من الفقهاء؛ لكنه يكثر النقل من كتاب (الاستذكار) لابن عبد البر، وقد نصَّ على أنه متأثر به؛ فإن ذكر ابن عبد البر الإمام أحمد ذكره. ومنها أيضًا: حديث: "أَسْفِرُوا بِالصُّبْحِ، فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ" (١). رواية من الروايات، وهناك رواية أُخرى مختصرة، وهي الأسهل للحفظ، وهي قوله ﷺ : "أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ" (٢). ومن المآخذ التي تؤخذ على هذا الكتاب أنه قد يفوت جملة من الأدلة؛ بل أحيانًا يقول: "لو صح الحديث "، وهو في "الصحيحين" أو أحدهما؛ لكن الكتاب له مزايا وحسنات كثيرة. وفي قوله: "وَالمَشْهُورُ أَنَّ الخَاصَّ يَقْضِي عَلَى العَامِّ " (٣). تكلم المؤلف في قضية أصولية، وهو ما يتعلَّق بالعموم والخصوص؛ فهو ممن اشتغل في المنطق وتعمق فيه؛ فربما يعتري هذا الكتاب بعض الغموض في بعض عباراته ومسائله.

стр. 1077

والمؤلف يتكلم عن مسألة: هل يقضى بالعموم على الخصوص؛ أم بالخصوص على العموم؟! (١). أو هل يقضى بالمطلق على المقيد، أم بالمقيد على المطلق؟! أو هل الخاص يخص العام أم لا؟ الرأي الصحيح عند الأصوليين: أن العام يُخَصُّ، فهناك آيات خُصَّتْ بآيات، وآيات خُصَّتْ بأحاديث (٢). مثلًا: يقول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وجاء في الحديث الصحيح: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُحِلَّتْ لنَا مَيْتَتَان، وَدَمَان. فَأَمَّا المَيْتَتَان: فَالحُوتُ وَالجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَان: فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ" (٣). والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا. * والمراد بقوله: "إنَّ الخَاصَّ يَقْضِي عَلَى العَامِّ ": أن الخاص يخصُّ العام (٤)؛ فقد يشكل على البعض معنى "يَقْضِي عَلَى العَامِّ" هل يذهبه؟!

стр. 1078

لا، هو لا يذهبه كليًّا، لكنه يخصص بعض أفراده؛ كما أن أيضًا المقيد يقيد أيضًا المطلق. ويناقش المؤلف في كتابه الأقوال والآراء ويعرضها؛ ومن مزايا صاحب الكتاب أنني ما لاحظتُ أنه يتعصب لمذهبه المذهب المالكي؛ لكنه يحاول دائمًا الوصول إلى الحق، وإن كان يندر فيه أن يرجح. وقد بدأ أول الكتاب بالترجيح بين المسائل؛ ثم بعد ذلك عاد وأطلقها، ولذلك سمى هذا الكتاب (المجتهد) ثم بعد ذلك (بداية المجتهد)؛ فكأن المؤلف قد وضعه للمجتهدين، وللمبتدئين من طلاب العلم. وهناك أجزاء من هذا الكتاب لم تكن مضافة إليه في الأصل؛ كـ (كتاب الحج)؛ لذا نجد أن المؤلف توسع فيه أكثر من غيره؛ لأنه كان كتابًا مفردًا؛ ثم بعد ذلك بدا له أنه يضيفه إلى هذا الكتاب؛ فضمَّه إليه، وله تعليق في آخر هذا الكتاب. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الإِسْفَارُ، فَإِنَّهُ تَأَوَّلَ الحَدِيثَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لِأَهْلِ الضَّرُورَاتِ (١) أَعْنِي قَوْلَهُ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ " (٢)، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا فَعَلَهُ الجُمْهُورُ فِي العَصْرِ، وَالعَجَبُ أَنَّهُمْ عَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ فِي هَذَا، وَوَافَقُوا أَهْلَ الظَّاهِرِ (٣)، وَلِذَلِكَ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُطَالِبُوهُمْ بِالفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ). قوله: "وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الإِسْفَارُ … " ليس

стр. 1079

الأمر كما ذكره المؤلف، ما تأولوا ذلك على أنه لأهل الأعذار. يشير المؤلف إلى قول ابن القاسم والإصطخري من الشافعية، وهي رواية للحنابلة، وهو أن نهاية وقت الفضيلة والاختيار لصلاة الفجر هو الإسفار؛ ثم يأتي بعد ذلك وقت أهل الأعذار والضرورة بعد الإسفار، وهذا هو قصد المؤلف. ثم يريد المؤلف أن يقيم دعوى على الجمهور؛ لماذا فرقوا بين وقتي العصر والفجر؛ فقالوا: إن آخر وقت العصر الذي هو بمقدار ركعة، بعد اصفرار الشمس، أو بعد المثلين على قول؛ وقت ضرورة (١)، وقال الجمهور هنا: إن آخر وقت الفجر الذي هو بمقدار ركعة، عند الإسفار، وقت ضرورة؟! فهو يريد أن يحتج عليهم في الفجر بما فعلوه في العصر. والجواب: أنه لا حجة؛ لأن في صلاة العصر ورد التحذير من الرسول ﷺ لمن يؤخرها بقوله: "تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى فَرْنَيِ الشَّيْطَانٍ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا" (٢)، ولم يرد ذلك في صلاة الفجر؛ فلا ينبغي أن يحتج على الجمهور بهذا. وللجمهور أقوال في آخر وقت العصر؛ منها: الأول: أن وقت العصر ينتهي بالاصفرار (٣). الثاني: وجعلوا ما بين الاصفرار إلى الغروب، خاص لأهل الأعذار أن من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر (٤).

стр. 1080

وسيأتي هذا -إن شاء الله- في أوقات أهل الأعذار. وما ذكره المؤلف من احتمال أن يحتج أهل الظاهر على الجمهور، أنه احتجاج -لو قُدِّرَ- في غير محله، وغير مسلَّم به. وأقول: بأن أهل الظاهر أدركوا ذلك؛ فلم يحتجوا به على الجمهور. • فوائد: * أجمع العلماء على: - أن وقت صلاة الظهر: يبدأ بزوال الشمس (١). - وأن وقت صلاة المغرب: يبدأ بغروب الشمس (٢). - وأن وقت صلاة الفجر: يبدأ بطلوع الفجر الصادق، وليس الفجر الكاذب الذي يطلع ضوؤه ثم يختفي (٣). * ووقع الخلاف بين العلماء (٤): - في أول وقت صلاة العصر، وفي آخره. - في أول وقت صلاة العشاء، وفي آخره. - في آخر أوقات جميع الصلوات. ومن علامات المؤمن الصالح: المحافظة على هذه أوقات الصلوات؛ فاللّه يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨].

стр. 1081

ومن العلماء من قال: إن في هذه الآية دليل على الأوقات كلها؛ فقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: تشمل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: هو إشارة إلى وقت صلاة الفجر، وأشير إلى الصلاة بالقراءة؛ لأنها تطول فيها (١). وقد مرَّت بنا الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي وردت في تعليم جبريل رسول الله ﷺ الصلاة ومواقيتها، وما ذاك لأهمية الصلاة وأهمية أدائها في وقتها، لأن جبريل نزل؛ فبين للرسول ﷺ أوقاتها طبقها تطبيقًا عمليًا عند بيت الله الحرام مرتين، ثم جاء بعض الأعراب لرسول الله ﷺ يسألوه عن أوقات الصلوات؛ فبين لهم ذلك تطبيقًا عمليًّا، حتى لا يلتبس عليهم الأمر ولا تشتبه عليهم المسائل، ثم جاء الصحابة بعد ذلك، فأخذوا يبينون ويوضحون لمن يأتيهم سائلًا عن أوقات الصلوات. والصلاة أمرها عظيم، وقد أوجبها بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]، وينبغي الاهتمام بها وعدم التساهل في أمر من أمورها، لأنها الركن الثاني بعد الشهادتين، وهي الوسيلة التي يناجي فيها المرء ربه، ويطَّرِحُ فيها بين يديه، يُمَرِّغُ أشرف ما في بدنه وهو الوجه، فيضع على الأرض ذلًا وخضوعًا للّه ، وورد في الحديث الصحيح: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكثِرُوا الدُّعَاءَ" (٢). وكل مسلم يخرج إلى صلاته متطهرًا" يكتب الله له الحسنات في خطواته إليها؛ لأنه خرج مستجيبًا لنداء الله ، فإذا سمع نداء المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح؛ هرع إلى المسجد، ومشى بسكينة ووقار، وذلك خير له؛ فإذا دخل المسجد صلى، فإذا جلس فهو في حكم

стр. 1082

المصلي أيضًا، وبذلك قد استجاب لأمر الله ونزل على أحكامه؛ فما خرج إلا رجاء الثواب من الله . إننا لنجد المصلين يعيشون في اطمئنان نفس، وراحة بال، وسعادة فكر، تغمرهم السعادة، وترى النور يضيء في وجوههم إذا كانوا مخلصين في صلواتهم؛ لأن هذه الصلاة متى أعطاها حقها فإنه يدخل في قولى الله نجِتيلأَ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ولا شك أن الإنسان إذا التزم هذه الصلاة؛ فأداها بشروطها وأركانها وواجباتها؛ فلا شك أن الصلاة حينها تكون مدرسةً في توجيه الإنسان، ومدرسة في تعليمه، وستردعه عن كل ما يعيبه أو يشينه. وللصلاة ثمرات عظيمة لو تكلمنا عن فوائدها وما فيها من حكم؛ لطال بنا المقام. قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثاني من الفصل الأول من الباب الأول) انتهى المؤلف-رحمة الله- من أوقات التوسعة -كالأوقات الخمسة- التي ذكرها الله بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقد مرت في كثير من الأحاديث السابقة، كحديث إمامة جبريل من طريق عبد الله بن عباس (١)،

стр. 1083

وغيره، وكذلك حديث بريدة (١)، وأبي قتادة (٢)، وغيرها (٣) وقد بينت أوقات التوسعة: وهي الأوقات التي لا يجوز للإنسان من غير عذر أن يؤخِّر الصلاة فيها حتى يخرج وقتها. وعلى ذلك: من أخَّر صلاة العصر -مثلًا- إلى ما قبل غروب الشمس بركعة؛ فعليه أن يؤديها ويكون مدركًا لوقتها، لكنه يأثم بتأخيرها. ويكون الأثم على ما إذا أخرها إلى آخر الوقت بدون عذر.

стр. 1084

* قوله: (فَأَمَّا أَوْقَاتُ الضَّرُورَةِ، وَالعُذْرِ، فَأَثْبَتَهَا كَمَا قُلْنَا فُقَهَاءُ الأمْصَارِ (١)، وَنَفَاهَا أَهْلُ الظَّاهِر (٢)، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِك). إذا أطلق المؤلف "فقهاء الأمصار" فإنما يقصد بهم الأئمة الأربعة، وهم بذلك الجمهور قال: "إذا قلت الجمهور فأعني: الأئمة الأربعة عدَا أحمد"؛ وسبب ذلك هو عدم معرفته الدقيقة بمذهب أحمد. * قوله: (وَقَدْ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَثْبَتُوهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، أَحَدُهَا: لِأَيِّ الصَّلَوَاتِ تُوجَدُ هَذِهِ الأَوْقَاتُ، وَلِأَيِّهَا لَا؟ وَالثَّانِي: فِي حُدُودِ هَذِهِ الأَوْقَاتِ). لعلَّ القارئ يلاحظ أن الحنفية (٣) قد خالفوا؛ فهم لا يرون أن الجمع بين الصلاتين أمر معروف، ويتأولون ما ورد في الأحاديث من ثبوت الجمع وصحته بأنه جمع صوري، ومعنى ذلك: أن تأخر أداء الصلاة الأولى إلى آخر وقتها؛ ودخول وقت الثانية وأداؤها أيضًا، يكون المصلي هكذا قد صلى كل واحدة من الصلاتين في وقتها؛ فالأولى في آخر الوقت، والثانية في أول الوقت، وهذا لا شك رأي ضعيف، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في صلاة المسافر. وقوله: "لأي الصلوات توجد هذه الأوقات"؛ فلا شك أن هذا ليس لكل الصلوات، فهي ثابتة للصلوات التي ثبت فيها الجمع [كالظهر

стр. 1085

والعصر، والمغرب والعشاء]، أما صلاة الفجر فلا تلتقي مع غيرها في الوقت. وقوله: (وَالثَانِي: في حُدُودِ هَذِهِ الأَوْقَاتِ،) يقصد بها أوقات الضرورة لا الأوقات الواجبة التي مرت. * قوله: (وَالثَّالِثُ: فِيمَنْ هُمْ أَهْلُ العُذْرِ الَّذِينَ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ إلا"وْقَاتِ، وَلِأَيِّهَا لَا؟ وَفِي أَحْكَامِهِمْ فِي ذَلِكَ أَعْنِي: مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَمِنْ سُقُوطِهَا). أهل العذر هم أهل الضرورة، ولا شكَّ أنه يأتي في مقدمتهم: الحائض، والنفساء، وكذلك الكافر إذا أسلم، والصبي أيضًا إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والمسافر، والناسي، والنائم، فهؤلاء كلهم يدخلون ضمن أهل الأعذار. * قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اتَّفَقَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ) (٢). وأحمد (٣) أيضًا. * قوله: (عَلَى أَنَّ هَذَا الوَقْتَ هُوَ لِأَرْبَعِ صَلَوَاتٍ: لِلظُّهْرِ، وَالعَصْرِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَالمَغْرِبُ وَالعِشَاءُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ

стр. 1086

اشْتِرَاكهِمَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ) (١). هناك أمران محل خلاف بين المالكية من جانب والشافعية والحنابلة من جانب آخر وهو: أن الإمام مالك (٢) يرى وجود قدر مشترك بين الظهر والعصر تؤدَّى فيه أربع صلوات؛ لما ورد في حديث إمامة جبريل: "عندما صلى بالرسول ﷺ اليوم الأول العصر حين صارَ ظلُّ كلِّ شيء مثله، وهو الوقت الذي صلى به الظهر أيضًا في اليوم الثاني " (٣). فهنا وقت مشترك بينهما، وذاك ما ذهب إليه المالكية. قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ اشْتِرَاكهِمَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا الوَقْتَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعَصْرِ فَقَطْ، وَاِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا وَقْتٌ مُشْتَرَكٌ "، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ). يرى الإمام أبو حنيفة أن الوقت المشترك هو العصر فقط، كصاحب العذر حين تخرج وقت الصلاة الأولى وما زال بعذره؛ وكالحائض مثلًا إذا زال حيضها؛ أي: طهرت في آخر وقت العصر؛ فلا تُطالب بالظهر؛ لخروج وقت الظهر وهي معذورة، ومثلها بقية أهل الأعذار.

стр. 1087

ثم يقيسون خروج وقت العصر على خروج وقت المغرب فيقولون: لأن الحائض لو فاتها وقت العصر، ودخل وقت المغرب لما طُولبت بذلك؛ فكذلك الحال بالنسبة لصلاة العصر. وحجة الحنفية: أن وقت الظهر قد خرج دون أن يُلزَم صاحب العذر بصلاة فيه، وزال عذره في وقت الصلاة الثانية، وكذلك أيضًا صلاة المغرب مع العشاء إذا خرج وقتها؛ فلا تجب قياسًا على مَن فاته وقت العصر كليًّا ودخل عليه وقت المغرب؛ فإنه لا يصلي صلاة العصر. قوله: (فَمَنْ تَمَسَّكَ بِالنَّصِّ الوَارِدِ فِي صَلَاةِ العَصْرِ أَعْنِي: الثَّابِتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" (١)، وَفَهِمَ مِنْ هَذَا الرُّخْصَةَ، وَلَمْ يجِزْ الِاشْتِرَاكَ فِي الجَمْعِ لِقَوْلِهِ ﵊: "لَا يَفُوتُ وَقْتُ صلَاةٍ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى" (٢)، وَبمَا سَنَذْكُر بَعْدُ فِي بَابِ الجَمْعِ مِنْ حُجَجِ الفَرِيقَيْنِ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ هَذَا الوَقْتُ إِلَّا لِصَلَاةِ العَصْرِ فَقَطْ، وَمَنْ أَجَازَ الِاشْتِرَاكَ فِي الجَمْعِ فِي السَّفَرِ قَاسَ عَلَيْهِ أَهْلَ الضَّرُورَاتِ). أراد المؤلف بقوله: "حتى يدخل وقت الصلاة"؛ أي: حتى يحضر وقتها، ولا بد أن ننظر في أحكام المسافر خاصة في أبواب الجمع بين الصلاتين حتى يتضح الأمر؛ فقد فسر المؤلف حقيقة الخلاف وعلته بين

стр. 1088

الجمهور والحنفية هناك؛ وإنما هو خلاف في جواز الجمع بين الصلاتين وعدمه، وهذا هو أصل سبب الخلاف. قوله: (وَلمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ فِي بَابِ الجَمْعِ مِنْ حُجَجِ الفَرِيقَيْنِ). وهؤلاء هم الجمهور. قوله: (لِأَنَّ المُسَافِرَ أَيْضًا صَاحِبُ ضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ، فَجَعَلَ هَذَا الوَقْتَ مُشْتَرَكًا لِلظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ). ومعلوم أن المسافر من أهل الأعذار، بل هو في مقدمة أهل الأعذار. فجعل هذا الوقت مشتركًا بين الظهر والعصر؛ لأنهما يشتركان في الجمع، وكذلك بين المغرب والعشاء، فبين الظهر والعصر إلى ما قبل غروب الشمس بركعة، وسيأتي خلاف مالك في ذلك، وبالنسبة للمغرب والعشاء إلى ما قبل الفجر بركعة. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الوَقْتِ المُشْتَرَكِ لَهُمَا، فَقَالَ مَالِكٌ (١): هُوَ لِلظُّهْرِ وَالعَصْرِ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ بِمِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكعَاتٍ لِلظُّهْرِ لِلْحَاضِرِ وَرَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ إِلَى أَنْ يَبْقَى لِلنَّهَارِ مِقْدَارُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلْحَاضِرِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ).

стр. 1089

اختلف مالك والشافعي (١) في آخر الوقت المشترك لهما، وذهب الإمام أحمد (٢) إلى ما ذهب إليه الشافعي في هذا المقام، فكل ما ذكره عن الإمام الشافعي يوافقه فيه الإمام أحمد إلا في حالة واحدة، وهي هذه المسألة: فيما إذا بقي على المغرب أقل من ركعة؛ فالإمام أحمد (٣) ينفرد عن الشافعي في هذه المسألة، وتفصيلها كالآتي: قال مالك: "هو للظهر والعصر من بعد الزوال بمقدار أربع ركعات للظهر للحاضر وركعتين للمسافر"، وهناك مسألتان ذكرهما الإمام: الأولى: من أدرك صلاة الظهر مثلًا ثم طرأ عليه عذر بعد مرور ركعتين بالنسبة للمسافر، أو أربع ركعات للحاضر؛ فهل يلزمه قضاء صلاة الظهر إذا زال العذر؟ وهذه المسألة سيرجئها المؤلف عند الكلام فيمن أدرك جزءًا من وقت العصر؛ فهل يلزمه أن يؤدي الصلاتين معًا؟ وما مقدار ذلك؟

стр. 1090

يشترط الإمام مالك (١) أن يدرك المصلي ما مقداره من الوقت خمس ركعات، فإن أدرك أربعًا فأقل فلا يصلي للعصر. أما الشافعي وأحمد فيريان: أن مَن أدرك ركعة من العصر من أهل الأعذار قبل أن تغرب الشمس؛ فإنه يصلي الظهر والعصر معًا، ثم يحصل الخلاف بعد ذلك بين الشافعية والحنابلة فيما حتى لو أدرك تكبيرة الإحرام. قوله: (وجَعَلَ الوَقْتَ الخَاصَّ لِلظُّهْرِ إِنَّمَا هُوَ مِقْدَارُ أَرْبَعِ رَكعَاتٍ لِلْحَاضِرِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَإِمَّا رَكعَتَانِ لِلْمُسَافِرِ، وَجَعَلَ الوَقْتَ الخَاصَّ بِالعَصْرِ إِمَّا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ المَغِيبِ لِلْحَاضِرِ، وَإِمَّا ثِنْتَانِ لِلْمُسَافِرِ؛ أَعْنِي: أَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ الوَقْتَ الخَاصَّ فَقَطْ). أما آخر الوقت فيرى الإمام مالك: أن حديث: "مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" (٢)؛ خاص بالعصر وحده؛ لأن مقدار ركعة سيدخل به الوقت وهو يصلي هذه الصلاة؛ لكن لو أدرك وقتًا من الممكن أن يؤدي خمس ركعات بأن يصلي الظهر والعصر معًا فيصلي الظهر أربع ركعات، وينتهي ثم يدخل في العصر فيدرك مقدار ركعة منها، ثم بعد ذلك يتمها، وهذا خلاف لما ذهب إليه الحنفية حيث يرون: أن مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فإنه مدرك للعصر، وخالفوا فيمن أدرك ركعة قبل طلوع الفجر فليس مدركًا للفجر؛ لأنه
следующие страницы →