وغيرها من الأدلة التي تحكم بكفره؛ بأن المقصود بالترك هنا: الإنكار؛ فتارك الصلاة -عندهم- الذي ترك الصلاة، وأنكر وجوبها.
ويقولون: بأنه يوجد في كلِّ مجتمع من المجتمعات الإسلامية السابقة، مَن لا يصلي ويرث ويورث، ولم يعرف أنهم كانوا يقتلون!
لكن؛ هل عرف أن هذا الشخص لا يصلي، واستقرَّ ذلك عندهم؟!
ألم يقل الرسول ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ" (١).
فكيف يحرق الرسول ﷺ عليهم بيوتهم مع أنهم كانوا يصلون، ولكنهم كانوا يتخلفون عن شهود صلاة الجماعة فقط؟! فما بالك بمن يترك الصلاة بالكلية؟!
الأمر الثاني؛ الذي فيه معنيان:
المعنى الأول: أَنَّ حكم تارك الصلاة كحُكْمِ الكَافِرِ في القَتْلِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ الكُفَّارِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا، فالمؤلف قد أنكر ثبوت الكفر الحقيقي عليه، وحمله على المجازي؛ فقال بعدها: (لَا يجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّهُ حُكْمٌ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ فِي الشَّرْعِ مِنْ طَرِيقٍ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ) مع أنه قد ثبت سابقًا أن الذي حكم عليه بالكفر الحقيقي الواضح بدون قرينة تصرفه إلى الكفر المجازي، هو الرسول ﷺ في الأدلة التي ذكرناها.
وأما (الثَّلَاثُ الَّذِينَ نَصَّ عَلَيْهِمُ الشَّرْعُ) في حلِّ دمهم كما في الحديث المتفق عليه: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
стр. 982
وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (١)، وتارك الصلاة يدخل في قوله: "وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ".
في المعنى الثاني: قولهم في حديث: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٢) في تأويل كفر تارك الصلاة على أنه كَافِرٌ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ وَالرَّدْعِ لَهُ؛ فيه مساواة بين فريضة الصلاة وبين غيرها من سائر العبادات كتركَ الزنا والسرقة ونحوها، في الوجوب والفرضية، وهذا لا يصح.
فمع خطورة السرقة والزنا وشرب الخمر، وأنها من الكبائر ولها حدود معروفة؛ لكنها أيضًا لا تصل إلى حكم الصلاة؛ فهي تختلف عن الزنا والسرقة؛ فهي ركن من أركان الدين.
وبعض العلماء: يرى أن الإيمان يخرج من الزاني أو السارق حين فعله لهذا الذنب؛ ثم إذا عدل عن جريمته وانتهى منها، وتاب رجع إليه إيمانه (٣).
وليس معنى ذلك: أنه خرج عن الدين أو كفر؛ كما يقول المعتزلة أو الخوارج.
قوله: (أَعْنِي أَنَّهُ يجِبُ عَلَيْنَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ نُقَدِّرَ فِي الكَلَامِ مَحْذُوفًا إِنْ أَرَدْنَا حَمْلَهُ عَلَى المَعْنَى الشَّرْعِيِّ المَفْهُومِ مِنِ اسْمِ
стр. 983
الكُفْرِ، وَإِمَّا أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى المَعْنَى المُسْتَعَارِ. وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الكَافِرِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مَعَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَشَيْءٌ مُفَارِقٌ لِلأصولِ، مَعَ أَنَّ الحَدِيثَ نَصٌّ فِي حَقِّ مَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ كفْرًا أَوْ حَدًّا، وَلِذَلِكَ صَارَ هَذَا القَوْلُ مُضَاهِيًا لِقَوْلِ مَنْ يُكَفِّرُ بِالذُّنُوبِ).
ويشكل على المؤلف وغيره الأدلة التي توجب عموم المغفرة للموحد، وأنه داخل تحت المشيئة طالما حافظ على التوحيد؛ لأن الكافر لا يغفر له؛ كقوله الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأحاديث الصحيحة الكثيرة جدًّا كقوله: "يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ" (١)، وقوله: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ [فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ] كتَبَهُنَّ (أي: أوجبهن) اللَّهُ عَلَى العِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (٢).
ومال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" إلى القول بأن بعض الأمور التي قد يُكفَّر بها المسلم من الممكن أن تكون أيضًا داخلة تحت المغفرة كترك الصلاة؛ فهي- وإن سمي صاحبها كافرًا وحُكِم عليه بالكفر وقُتل- لا تصل إلى حدَّ من يشرك بالله (٣).
стр. 984
وأما قوله: (وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الكَافِرٍ فِي جَمِيع أَحْكَامِهِ مَعَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَشَيْءٌ مُفَارِقٌ لِلْأُصُولِ، مَعِ أَنَّ الحَدِيثَ نصٌّ فِي حَقِّ مَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ كُفْرًا أَوْ حَدًّا، وَلذَلِكَ صَارَ هَذا القَوْلُ مُضاهِيًا لِقَوْلِ مَنْ يُكَفِّرُ بالذُّنُوب) فهذا كلام كلُّه خطأ وبعيد جدًّا عن عين الصواب، الذي يكفرُ تاركَ الصلاة ما أخذ إلا بأقوال الرسول ﷺ ؛ أمَّا الذي يكفر بالذنوب؛ فقد أخذ بأقوال أصحاب الأهواء والبدع، فشتان بين الأمرين.
فالأمر خطير، لعِظَم الصلاة وأهميتها، وحرمة التساهل والتفريط فيها، فكم من أناس تساهَلوا في أمر الصلاة في وقت شبابهم، وبعد أن قطعوا مسافات من العمر، عاشوا في حسرة وندم!
والذي يتدارك نفسه ويتوب إلى الله ويعود إلى الصلاة فالله يتجاوز عن السيئات.
لكن هل يضمن كل متساهل في أمر الصلاة أو تاركها أنه سيصل إلى وقت يصلي فيه؟
فلن يدري متى يتخطفه الموت، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]؛ فالله بيده الأمر؛ فقد يترك الإنسان الصلاة أوقاتٍ وأيامًا ثم تخترمه المنية ويموت على هذه الحالة.
[الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الشُّرُوطِ]
كتاب (بداية المجتهد) فيه نواقص، وكم نضيف عليه، وكم نصحح ما فيه من أقوال، ولعلي من أخبر الناس بهذا الكتاب، وأكثرهم دراسة ومعرفة به.
ولكن؛ يوجد بالكتاب ميزة يندر أن تجدها في غيره؛ فهو يقرب لك مسائل الفقه، في مقدمات وممهدات، ويعطيك تصورًا عن كل باب قبل أن تدخل فيه؛ فإذا دخلت فيه تسير على أمر واضح؛ فيجمع ما يدور في
стр. 985
الأبواب المتفرقة في مقدمة صغيرة؛ حيث يعطيك زُبدةً وملخصًا لها، وهذا أشبه ما يكون بكتب القواعد، بل هناك من سمى هذا الكتاب بـ (كتاب القواعد) واعتبره من كتب القواعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَوْقَاتِ. الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ. الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ القِبْلَةِ. الرَّابعُ: فِي سَتْرِ العَوْرَةِ وَاللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ. الخَامِسُ: فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ فِي الصَّلَاةِ. السَّادِسُ: فِي تَعْيِينِ المَوَاضِعِ الَّتِي يُصَلَّى فِيهَا مِنَ المَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُصَلَّى فِيهَا. السَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ الشُّرُوطِ الَّتِي هِيَ شُرُوظ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ. الثَّامِنُ: فِي مَعْرِفَةِ النِّيَّةِ، وَكيْفِيَّةِ اشْتِرَاطِهَا فِي الصَّلَاةِ).
الآن يذكر المؤلف شُرُوطَ الصَّلَاةِ، ومن الملاحظ أنه تكلَّم عن الطهارة في الأبواب السابقة ثم عاد مرَّة أُخرى يذكرها؛ كما يحدث في جملة من كتب الفقه؛ فيذكرون باب النجاسة في الصلاة في كتاب الصلاة، ولا يذكرون ذلك -تفصيلًا- في كتاب الطهارة، وإنما يومئ إليه، فهذه عادة الفقهاء في كتبهم حيث يكررون بحث هذه المسألة في كتاب الصلاة.
والسبب في ذلك: أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، فهي متقدمة عليها؛ لأن صحة الصلاة متوقفة على صحة الطهارة.
وعلى الصحيح: فالطهارة شرط صحة، لا شرط وجوب (١).
стр. 986
والطهارة من النجاسة تلازم المسلم في كل أحواله، فتلزمه الطهارة في بقعته، وفي ثوبه، وفي بدنه، وقد تعرض النجاسة للمسلم وهو في طهارته، ولا بد أن يعرف كيفية التعامل معها إذا عرضت له وهو طاهر.
وأما النية في الوضوء فقد ذكرناها سابقًا، وقلنا: إن الجمهور على وجوبها، وإنها شرط في صحته (١)، وخالفهم الحنفية في ذلك (٢).
وأما النية في الصلاة: فلا خلاف فيها، فالفقهاء مجمعون على أنها شرط في صحتها (٣).
стр. 987
[الباب الأول: في معرفة أوقات الصلاة]
* قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَوْقَاتِ وَهَذَا البَابُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى فَصْلَيْنِ، الأوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَوْقَاتِ المَأْمُورِ بِهَا. الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنْهَا).
إذن؛ فهناك أوقات أُمر المسلم أن يصلي فيها، وأوقات نهي أن يصلي فيها.
فأما الأوقات التي ينهى عن الصلاة فيها، فليست على الإطلاق؛ فمَن نام -مثلًا- عن صلاة أو نسيها؛ فليصلِّها متى ذكرها، سواء كان النهي وقت نهي، أو غير نهي؛ فالأمر يختلف في هذه الحال.
فالأَوْقَاتُ المَنْهِيُّ عَنْهَا؛ خمس (١): (ثلاثة متفق عليها، واثنان مختلف فيها):
فأما المتفق عليها:
١ - وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع.
стр. 988
٢ - وقت الزوال.
٣ - وقت غروب الشمس.
وأما المختلف فيها:
١ - من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.
٢ - من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وسيأتي الكلام فيها -إن شاء الله- مفصلًا.
والمؤلف -حقيقةً- قد أجاد في ذكر الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؛ فبحثها بحثًا طيبًا فيه نوع من البسط والبيان.
[الفصل الأول: في الأذان]
* قوله: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَوْقَاتِ المَأْمُورِ بِهَا. وَهَذَا الفَصْلُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا؛ القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي الأَوْقَاتِ المُوَسَّعَةِ وَالمُخْتَارَةِ. وَالثَّانِي: فِي أَوْقَاتِ أَهْلِ الضَّرُورَةِ).
وقت الصلاة المأمور بها: إما أن يكون وقتًا موسعًا، وإما أن يكون وقت ضرورة (١).
أما الأوقات التي هي أوقات موسعة؛ فهي أربعة متفق على أن لها وقتان: أول وآخر؛ أي: أن لها وقتًا أول، ولها وقتًا آخر؛ فهي موسعة، ما عدا صلاة المغرب؛ ففيها الخلاف المشهور الذي سيأتي إن شاء الله.
стр. 989
أما الأوقات التي هي أوقات أهل الضرورة؛ فمثلًا: أن يبقى على غروب الشمس مقدار ركعة؛ فلو أن امرأة كانت حائضًا؛ فطهرت، أو كان كافرًا فأسلم، أو صبيًا فبلغَ، فإنه في هذه الحالة يتطهر ويصلي؛ ويُسمَّى هذا: (وقت أهل الأعذار أو الضرورة) (١).
ويدخل في أهل الأعذار: المسافرون؛ فإنهم يجمعون بين صلاة الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
* قوله: (القِسْمُ الأَوَّلُ مِنَ الفَصْلِ الأَوَّلِ مِنَ البَابِ الأَوَّلِ مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ. وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ
стр. 990
لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ أَوْقَاتًا خَمْسًا هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاة، وَأَنَّ مِنْهَا: أَوْقَاتَ فَضِيلَةٍ، وَأَوْقَاتَ تَوْسِعَةٍ (١).
وتقسيمات المؤلف الجيدة من الأشياء التي يمتاز بها هذا الكتاب.
فبدأ المؤلف يعدِّد شروط صحة الصلاة، وبدأ بـ: دخول الوقت؛ فلا تصح الصلاة إلا في وقتها؛ فكل صلاة من الصلوات الخمس لها وقتٌ لا ينبغي التفريط فيه؛ كما ورد في الحديث الصحيح: "ليس في النومِ تفريطٌ، إنما التفريطُ في اليَقَظَةِ أن تُؤخِّرَ صلاةً حتى يَدخلَ وقتُ أُخرى" (٢).
فالعلماء مجمعون على أن للصلوات الخمس أوقاتًا محددةً لا خلاف فيها، وإن اختلفوا في بعض نهايتها (٣)، وأنه لا يجوز أن تؤدَّى الصلاة إلا
стр. 991
في أوقاتها المحددة المعروفة، إلا لأهل الضرورة -على اختلاف أنواعهم- وسيأتي تفصيلهم.
* بعض الفقهاء يقول: أوقات الصلاة (١)، وبعضهم يقول: مواقيت الصلاة (٢).
فأوقات جمع: وقت (٣)، ومواقيت جمع: ميقات (٤)، وتجوز التسميتان، فلك أن تقوله: باب المواقيت، أو باب الأوقات، ولا فرق بينهما (٥).
والوقت اصطلاحًا: هو الزمن المحدد شرعًا لأداء العبادة أو لقضائها (٦).
مثلًا: وقت صلاة الظهر: من بعد زوال الشمس إلى أن يصير ظلُّ كل شيء مثله.
فهذا زمن محدد تؤدى فيه صلاة الظهر، على خلاف مع الحنفية؛ كما سيأتي بيانه.
стр. 992
ومن النحت التي قد تدور في ذهن الطالب: أن غالب الفقهاء؛ بل جلهم يبدأ عادةً بذكر ميقات صلاة الظهر، ولا يبدأون بميقات صلاة الفجر أو صلاة العصر.
والسبب:
١ - أن جبريل ﵇ بدأ بها عندما أمَّ الرسول ﷺ عند البيت مرتين، فأَمَّهُ في اليوم الأول: في أول الوقت، وفي اليوم الثاني: في آخر الوقت، ما عدا صلاة المغرب؛ فقد أَمَّه فيهما في وقت واحد (١)، ومن هنا جرى الخلاف بين الفقهاء في صلاة المغرب: هل لها وقت واحد، أم لها وقتان: مضيَّق أو موسَّع؟ (٢).
стр. 993
٢ - وأن الرسول ﷺ أيضًا عندما جاءه السائل الذي يسأل عن أوقات الصلوات؛ فقال له: "صَلِّ معنا هذَيْنِ الوقتَيْنِ" يعني: اليومين؛ فبقي معه؛ فلمَّا زالتِ الشَّمسُ صلَّى الظُّهرَ … إلى آخر حديث بريدة الطويل الذي سيأتي بيانه (١).
٣ - وأن الصحابة ﵁ أيضًا عندما كانوا يعلمون أوقات الصلوات ويبدؤون بصلاة الظهر فناسب أن يبدأ الفقهاء بها.
وليس لأنها هي الصلاة الوسطى؛ وإن كان يرى كل فريق من العلماء: أن كل صلاة من الصلوات هي الوسطى (٢).
وأَوْقَاتُ الصلاةِ على نوعين: أَوْقَاتُ فَضِيلَةٍ، وَأَوْقَاتُ تَوْسِعَةٍ.
ووقتُ الفَضِيلَةِ: هو أول وقت الصلاة.
ففي الحديث المتفق عليه: عنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا" (٣).
стр. 994
وفي بعض الروايات عن أُمِّ فَرْوَةَ -وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا" (١).
ووقتُ التوسعة: هو الذي يكون بعد أول وقت الصلاة.
فأول وقت الصلاة: وقت فضيلة؛ ثم يسير بعد ذلك الوقت: وقت اختيار، إلى أن يضيق؛ فيسير وقت جواز.
وقد يكون وقت الصلاة: وقت ضرورة عند جمع الصلوات كالظهر والعصر معًا.
وستأتي أدلة تدلُّ على أن الرسول ﷺ كان يصلي الظهر في أول الوقت، وأحيانًا كان يؤخر الصلاة عند اشتداد الحر.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حُدُودِ أَوْقَاتِ التَّوْسِعَةِ وَالفَضِيلَةِ، وَفيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ، المَسْأَلَةُ الأُولَى: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ الَّذِي لَا تَجُوزُ قَبْلَهُ هُوَ الزَّوَالُ (٢)، إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا رُوِيَ عَنِ
стр. 995
ابْنِ عَبَّاسٍ (١)، وَإِلَّا مَا رُوِيَ مِنَ الخِلَافِ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي).
* الواقع أن العلماء أجمعوا على أن أول وقت صلاة الظهر: هو زوال الشمس، وهذا ليس محل خلاف بينهم؛ فالمسألة محل إجماع وليست محل اتفاق؛ لأن الاتفاق دون الإجماع (٢).
* وآخر وقت الظهر (٣): إذا صار ظلُّ كل شيء مثله، وهو مذهب الجمهور، وخالفهم الحنفية، فقالوا: إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه.
* ومعنى زوال الشمس: ميل الشمس عن كبد السماء، وهذه هي علامة دخول وقت الظهر (٤).
فعلامة الزوال أن يستمرَّ الظل في القصر إلى أن يقف؛ ثم يعود في الامتداد والرجوع مرة أُخرى، والمقصود: أنه يضاف إلى الظل الذي كان موجودًا إلى وقت الزوال، يعني: مثل ظل الشيء يضاف إليه الظل الذي كان موجودًا عند الزوال وهو صغير جدًا. كما ورد في حديث جبريل أنه أم الرسول ﷺ في اليوم الأول حين صار ظل الفيء مثل الشراك، والشراك: سير النعل الذي يكون في أعلاه (٥)، وهذا يعني: أنه قليل جدًا.
стр. 996
ويستدلون بأدلة منها:
قول الله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، و (دلوك الشمس): زوال الشمس، على الراجح (١).
والتطبيق العملي الذي فعله جبريل ﵇ عندما أمَّ الرسول ﷺ .
والتطبيق العملي الذي فعله الرسول ﷺ عندما علَّم أصحابه وقت صلاة الظهر، وكان كذلك عند زوال الشمس.
• مسألة:
أومأ المؤلف هنا إلى خلاف شاذٍّ عن ابن عباس في صلاة الجمعة، وهي رواية كذلك عند الحنابلة (٢)، وهي أنه يجوز تقديم وقت صلاة الجمعة قبل الزوال، ولهم أدلة يتمسكون بها، وما هي إلا مفهومات أحاديث، فكانوا يخرجون ويمشون تحت الحيطان؛ ليتتبَّعوا الظل، وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله في صلاة الجمعة.
والراجح: مذهب جمهور العلماء الذين يقولون: إن صلاة الجمعة تُصلَّى بعد الزوال؛ لأنه أحوط، ولأن الرسول ﷺ كان يبادر بها من أول الزوال (٣).
إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ أَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ هُوَ المِثْلُ، وَأَوَّلَ وَقْتِ العَصْرِ المِثْلَانِ، وَأَنَّ مَا بَيْنَ المِثْلِ وَالمِثْلَيْنِ لَيْسَ يَصْلُحُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَبِهِ قَالَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّد (١)، وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ الأَحَادِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ "أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَفِي اليَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَه؛ ثُمَّ قَالَ: "الوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ"" (٢)).
قوله: (فَقَالَ مَالِل وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ)، وكذلك الإمام أحمد (٣) أيضًا معهم في قولهم هذا، فمن الاستدراكات على هذا الكتاب أنه في الغالب لا يذكر مذهب الإمام أحمد.
وأبو حنيفة له قولان (٤):
стр. 999
القول الأول: أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظّهْرِ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ أَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ.
القول الثاني: أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ هُوَ المِثْلُ، وَأَوَّلَ وَقْتِ العَصْرِ المِثْلَانِ، وَأَن مَا بَيْنَ المِثْلِ وَالمِثْلَيْنِ لَيْسَ يَصْلُحُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فمَا بَيْنَ المِثْلِ وَالمِثْلَيْنِ: هو فاصل بينهما، وقد وافقه الصاحبان: أبو يوسف القاضي، ومحمد الشيباني، على قوله هذا، ولم يوافقاه على الأول.
ففي حديث إمامة جِبْرِيلَ: أنه صلى بالرسول ﷺ : الظهر في اليوم الأول: حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ بِقَدْرِ الشِّرَاكِ.
والعصر في اليوم الأول: حِينَ كَانَ ظِل كُلِّ شَيءٍ مِثْلِهِ.
والظهر في اليوم الثاني: حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلِهِ، في الوقت الذي صلى به العصر في اليوم الأول.
والعصر في اليوم الثاني: حِينَ صَارَ ظِل كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ.
وقال للرسول ﷺ في آخر الحديث: "يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، الوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ" (١).
• مسألة:
هل الوقت الذي صلَّى فيه العصر في اليوم الأول، وصلى فيه الظهر في اليوم الثاني، عندما يصير ظلُّ كلِّ شيء مثله هو وقت محدد؛ كما يقول -مثلًا- المالكية (٢): وقت مشترك تؤدى فيه صلاة الظهر والعصر، ولو قام
стр. 1000
اثنان أحدهما: يصلي الظهر، والآخر: يصلي العصر؛ هل كل منهما يصلي الصلاةَ في وقتها أم لا؟
الجواب:
من العلماء من يرى أنه من وقت الظهر من الزوال إلى أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثله؛ ثم بعد ذلك يدخل وقت العصر هذا يخص الظهر؛ ثم بعد المثل يدخل وقت العصر والظهر تشترك معها في ذلك، هذا روي عن عطاء وطاوس من التابعين، وإن اختلفوا في تفصيل ذلك، فعطاء: يقف بذلك إلى ما قبل الغروب (١)، وطاوس: يرى إن ذلك إلى الليل إلى أن تغرب الشمس (٢)، ومثل ذلك في المغرب والعشاء (٣).
ووجهة هؤلاء:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ، وَالعِشَاءِ، فِي المَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ" (٤)، وفي رواية: "وَلَا سَفَرٍ". قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "كَي لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ"، وفي رواية: "التَّوَسُّعَ عَلَى أُمَّتِهِ" (٥)، وهذا سيأتي الكلام عنه إن شاء الله في موضعه.
الشفق الأبيض (١)، وهذه من المسائل التي فيها خلاف بين العلماء؛ فهل صلاة العشاء تكون بعد مغيب الشفق الأحمر، أو بعد مغيب الشفق الأبيض؟! (٢).
وبعضر المحققين: يرى أن الفرق بينهما ليس كبيرًا ولا يتجاوز اثنتي عشرة دقيقة؛ لكن الشفق الأحمر أولًا يغيب؛ ثم يبقى بياض ثم يتبعه؛ فالشفق: رقة الحمرة فيكون أمرًا بين البياض والحمرة (٣).
стр. 1003
"بَزَقَ الفَجْرُ": طلع الفجر (١)، والمراد بالفجر هو الفجر الصادق؛ فهناك فجران (٢):
الفجر الكاذب: وهو البياض المُسْتَطِيل الدقيق في السماء، ويشبهونه بـ (ذنب السِّرْحَان) يعني: الذئب. لا يحل أداء صلاة الصبح ولا يحرم الأكل على الصائم (٣).
والفجر الصادق: هو البياض المُسْتَطِيرُ الذي ينتشر في السماء، الذي يأتي بعد الكاذب، وبه يدخل وقت صلاة الفجر (٤).
стр. 1004
وجبريل ﵇ صلى بالرسول ﷺ الظهر في اليوم الثاني، في الوقت الذي صلى به العصر في اليوم الأول.
وصلى به المغرب في اليوم الثاني، في الوقت الذي صلاه به في اليوم الأول، ولذا يقول كثير من العلماء: إن للمغرب وقتًا واحدًا.
وصلى به العشاء في اليوم الثاني، عندما مضى ثلث الليل، أو نصفه.
وثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَخَّرْتُ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ نِصْفِ اللَّيْلِ" (١).
وثبت أن الرسول ﷺ كان يصلي الفجر بغَلَس -تارةً (٢)، ويصلي الفجر ويسفر بها تارةً (٣).
• مسألة:
أيهما أفضل في صلاة الفجر التغليس أم الإسفار؟! (٤).
الجواب:
الراجح: أن الأفضل هو التغليس؛ لأن آخر الأمرين من الرسول ﷺ
الحنفية، هو صاحب "الأسرار المعروفة" الدبوسي (١)، ثم بعد ذلك تابعه من جاء بعده من الحنفية، ولا أدري إن سُبق إلى ذلك.
ومن التنبيهات الهامة التي نشير إليها: دقة العلماء وعمقهم في الاستنباط، كيف استطاع علماء الحنفية أن يستخرجوا الدليلَ من هذا الحديث، وكيف بنَوْا وجه الدلالة منه؛ ليقوى مذهبهم، بأن صلاة الظهر تنتهي عندما يصير ظلُّ كل شيء مثليه، وهو أول وقت صلاة العصر!!
وإن لم نوافق الحنفية في استدلالهم؛ لأن أدلة الجمهور نصٌّ في المسألة، وأدلتهم مفهومة إلا أننا أعجبنا باجتهادهم ونظرهم للأدلة.
شرح الحديث:
"إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ": مثلكم.
"أَهْلُ التَّوْرَاةِ": هم اليهود.
"أَهْلُ الإِنْجِيلِ": هم النصارى.
"ثُمَّ عَجَزُوا": لم يستطيعوا المواصلة، فلم يكمل اليهود والنصارى العمل.
* فَائدةٌ:
* غضبت اليهود والنصارى بكثرة العمل على كثرة علمهم، وقلة أجورهم، وسألوا عن السبب؛ فأجابهم الله: "هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيءٍ؟ "؛ قالوا: لا.
وهكذا الظن في الله، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال تعالى في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي،
стр. 1007
وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا" (١)، ومن يظلم في هذه الدنيا فسيحاسب على ظلمه لا شكَّ، وفي الحديث: "المُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ" (٢).
فما هضمهم الله من حقِّهم شيئًا، وما بخسهم، بل وفَّاهم بذلك؛ فهو يجازي الناس على عملهم، ولا يظلمهم، ثم أجابهم: "فَهُوَ فَضْلِي أُوتيهِ مَنْ أَشَاءُ".
ومثله: حديث "ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ" (٣).
فقد نجد رجلين من الصالحين، هذا يعمل صالحًا، وهذا يعمل صالحًا، لكن يعطي الله مِبئنهَ الأولَ مالًا، فينفق منه آناء الليل وأطراف النهار" فتزداد حسناته وترتفع درجاته عن الآخر، وهذا أيضا من فضل الله على خلقه.
ثم إن العبرة ليست بكثرة العمل، وإنما بتحسين هذا وتقديمه كما أراد طالبه، قال الله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] فقد يعمل الإنسان أعمالًا كثيرة، ولكن لا يقبلُ الله منها إلا القليل، لأن صاحبها غير محسن في أكثرها (٤)؛ فقد يختلف الناس في الصلاة بين خاشع، وغافل؛ والخشوعِ في الصلاة علامة ثبات القلب؛ ولذا قال سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ لما رَأَى رَجُلَا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ: "إِنّي لَأَرَى هَذَا لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ" (٥)؛ فكلما خشع في الصلاة ازداد تواضعًا ووقارًا وأجرًا وقُربًا
стр. 1008
من الله، ولذلك يقول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقد يحسِّنُ العبد عملَه القليل، ويمتاز على غيره، وقد تكون كثرة العمل مع حسنه ترفع الدرجات، لكن قد يكون القليل من العمل مع الإخلاص وصدق النية والصفاء والتوجه إلى الله سبحان وتعالى يرفع صاحبه أكثر.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي الجَنَّةِ" (١).
فالمرأة الأولى كان عملها كثيرًا ومع ذلك لم ينجها، والمرأة الأخرى كان عملها قليلًا، وربما كانت تقتصر على الواجبات منه كانت خيرًا منها، وأنجاها الله به.
قوله: " (فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ) "، ويضاف إليهم أحمد (٢).
استدلال الحنفية من الحديث
وجهة دلالة الحنفية من حديث: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ" أنه يدلُّ على أن المسلمين أقلُّ من غيرهم؛ فلو قلنا: إن صلاة العصر تبدأُ من المثل إلى الغروب أو إلى حتى المثلين؛ لكان هذا الوقت أطول من وقت الزوال إلى المثل، وهذا يخالف ما أرشد إليه الرسول ﷺ .
стр. 1009
وأجابهم جمهور العلماء بأجوبة عدة؛ منها (١):
الأول: أن حديث إمامة جبريل نصٌّ في: أن وقت الظهر يبدأ بالزوال، وينتهي عند المثل.
الثاني: أن قوله ﷺ : "الوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ" في حديث إمامة جبريل؛ لأنهم يقولون: إن وقت الظهر يبدأ بالزوال وينتهي بالمثلين؛ فلو قلنا: وقت العصر يبدأ بالمثلين لما انطبق هذا القول على مذهب الحنفية؛ لأن الوقت ما بين هذين الوقتين؛ كما قال رسول الله ﷺ ، وهذا من الأدلة القوية التي يرد بها على الحنفية.
الثالث: أنه ﷺ ذكر هنا صلاة العصر، ولم يذكر وقت العصر، وصلاة العصر -كأي صلاة- لا بد أن يتهيأ المسلم لها بالطهارة، وقد يصلي ركعتين؛ ثم ينتظر الأذان والإقامة، وكل هذا يسبق الصلاة، وتأخذ هذه الأعمال من هذا الوقتِ إلى حين يأتي وقت الصلاة.
الرابع: أنه ربما كان قصد الرسول ﷺ أن عمل اليهود والنصارى مجتمعًا كان أكثر من عمل المسلمين، ومع ذلك أعطوا قيراطًا قيراطًا، وهذا السبب من أكثر الأسباب التي يذكرها العلماء.
стр. 1010
الخامس: أن الحديث ورد مضربًا للمثل، القصد منه: التمثيل؛ فلا يمكن أن ندع أدلةً قطعية صحيحةً، وهي نص في المدعى، تدلُّ على أول الوقت وآخره، ثم نأخذ بمفهوم حديث جاء مضربًا للمثل، وهناك كلام أيضًا للعلماء غير ذلك، ولكن هذا التعليل من أقوى التعليلات في نظري، في الرد على الحنفية في استدلالهم بهذا الحديث.
* فائدة:
أول ما بدأ الفقه كان مسائل جزئية؛ ثم بدأت تتسع، وأخذ الأئمة يتوسعون في مسائله ويجتهدون فيها؛ ثم جاء تلاميذهم؛ فخرجوا على مسائلهم؛ ثم بعد ذلك أخذ العلماء يبحثون عن أدلة وعلل الأحكام، ويزيدون في التخريج؛ ثم بعد ذلك خرجت كتب الخلاف والأدلة.
فكتب الأدلة جاءت متأخرة، ولذلك الدبوسي من أول مَن كتب في مسائل الخلاف في الفقه، وكتابه: "الأسرار المعروفة"، يعنى فيه بالأدلة النقلية، والأدلة العقلية والمناقشات، والكتاب كبير، وقد طبع منه أجزاء متفرقة، ولا يزال مخطوطًا، وهو مِن أول ما كُتب في الأدلة وأقواه، ولا يستطيع أن يتعمق فيه إلا طالب العلم الذي درس الفقه بدقة.
* قوله: (قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: "وَلَيْسَ كمَا ظَنُّوا وَقَدِ امْتَحَنْتُ الأمْرَ فَوَجَدْتُ القَامَةَ تَنْتَهِي مِنَ النَّهَارِ إِلَى تِسْع سَاعَاتٍ وَكَسْرٍ"؛ قَالَ القَاضِي: "أَنَا الشَّاكُّ فِي الكَسْرِ، وَأَظُنُّهُ قَالَ: وَثُلثٍ" (١)، وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِاتِّصَالِ الوَقْتَيْنِ، (أَعْنِي: اتِّصَالًا -لَا بِفَصْلٍ- غَيْرَ مُنْقَسِمٍ) قَوْلُهُ عَلَيْهِ
стр. 1011
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا يَخْرُجُ وَقْتُ صَلَاةٍ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى"، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِثٌ (١)).
وقد ذكر المؤلف عن ابن حزم أنه حسب الساعات، وعدَّها، ووجد كلامهم غير منضبط، وغير صحيح.
وأيضًا ممن أخذ ذلك على الحنفية الإمام الجليل ابن عبد البر صاحب شارح "الموطإ" في كتابيه "الاستذكار" (٢)، و"التمهيد" (٣) بيد أن الحنفية خالفوا في ذلك جماهير العلماء، وقد تمسكوا بحديث لا دلالة فيه على صحة مذهبهم.
ويبدو أن المؤلف أورد حديث: "لَا يَخْرُجُ وَقْتُ صَلَاةٍ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى" (٤) بمعناه لا بلفظه؛ لأن الحديث الثابت المعروف الذي في "صحيح مسلم" قوله ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيَّ النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى
стр. 1012
مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِه لَهَا، فَإِذَا كلانَ الغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا" (١)؛ فالحديث الذي أورده المؤلف صحيح المعنى؛ بلا شك.
* فائدة:
الغرض من وضع علامات الترقيم في الكتابة؛ كالفواصل والنقاط والشرط وعلامات الاستفهام والتعجب، هو إرشاد القارئ وإفهامه للمكتوب متى يقف، ومتى يستأنف؛ ففوائدها عظيمة وكان النساخ في القديم يهتمون بها جدًّا.
* قوله: (وَأَمَّا وَقْتُهَا المُرَغَّبُ فِيهِ وَالمُخْتَارُ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لِلْمُنْفَرِدِ أَوَّلُ الوَقْتِ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ الوَقْتِ قَلِيلًا فِي مَسَاجِدِ الجَمَاعَاتِ (٢)).
يرى مالك أن المنفرد يستحب له أداء صلاة الظهر في أول وقتها؛ لأنه لا مشقة عليه، فيسير عليه أن يهيئ نفسه للصلاة في أول وقتها؛ فهو يختار مكانه في الظلِّ، ويحضر وضوءه، وغيرها؛ فلا يرى وجهًا لتأخيره الصلاة عن أول وقتها.
أما الذي يصلي في الجماعة فإنه يخرج إلى المسجد، وربما يخرج في شدَّة الحرِّ، وربما يكون المسجد بعيدًا، وقد لا يجد من يدله، وفي هذا حرج عليه ومشقة، ولذلك رأى استحباب تأخير أداء صلاة الظهر عن أول وقتها، مع أن بعض العلماء لا يرى لهذا التفريق وجهًا.
стр. 1013
ولا يفهم من هذا المذهب أن مالكًا يرى ترك صلاة الجماعة؛ هذه مسألة أُخرى.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "أَوَّلُ الوَقْتِ أَفْضَلُ إِلَّا فِي شِدَّةِ الحَرِّ" (١)، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ (٢)).
وكذلك أحمد (٣)؛ فيرى الإمامان الشافعي وأحمد أن أداء صلاة الظهر في أول وقتها أفضل إلا في شدَّة الحرِّ؛ فيستحب تأخيرها حتى يلطف الجو؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أَبْردُوا بِالظُّهْرِ؛ فَاِنَّ شِدَّة الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" (٤)، وقَالَ: "أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ" (٥)، وقَالَ: "أَبْرِدُوا عَنِ الحَرِّ فِي الصَّلَاةِ" (٦)، وعن أبي برزة الأسلمي؛ قال: "كَانَ ﷺ يُصَلِّي الهَجِيرَةَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ" (٧).
стр. 1014
فالجمهور على استحباب تأخيرها عن أول وقتها حتى يلطف الجو، لأن مالكًا معهم أيضًا في هذه المسألة من حيث الجملة.
وتسمَّى صلاة الظهر بالظهر، وسبب تسميتها بذلك: لظهورها وبروزها في وسط النهار (١).
وتسمى بالهَجِير؛ لأنها تصلى في الهاجرة، وفي وقت انتصاف النهار، وتسمى بالأُولَى (٢).
* فائدة:
وكذلك يرى الإمامان الشافعي (٣)، وأحمد (٤) أن تأخير أداء صلاة العشاء أفضل؛ لأن الرسول ﷺ أخَّر صلاة العشاء، وقال: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأخَّرْتُ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ نِصْفِ اللَّيْلِ" (٥)، وثبت عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَّرَ العِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى نَامَ القَوْمُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا، ثُمَّ نَامُوا، ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا"، قَالَ قَيْسٌ: فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ وَلَمْ يَذْكرْ أَنَّهُمْ تَوَضَّؤوا" (٦)، وقد ذكرنا هذا أيضًا في كتاب الوضوء.
* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَوَّلُ الوَقْتِ أَفْضَلُ بِإِطْلَاقٍ لِلْمُنْفَرِدِ
стр. 1015
وَالجَمَاعَةِ، وَفِي الحَرِّ وَالبَرْدِ (١) وإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ إلا"حَادِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ ثَابِتَيْنِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: "إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" (٢)، وَالثَّانِي: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ" (٣). وَفِي حَدِيثِ خَبَّابٍ: "أَنَّهُمْ شَكَوْا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِهُمْ"، خَرَّجَهُ مُسْلِم. قَالَ زُهَيْرٌ رَاوِي الحَدِيثِ: قُلْتُ لِأبِي إِسْحَاقَ شَيْخِهِ: أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ (٤)، فَرَجَّحَ قَوْمٌ حَدِيثَ الإِبْرَادِ؛ إِذْ هُوَ نَصٌّ، وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ؛ إِذْ لَيْسَتْ بِنَصٍّ).
فمن العلماء من ذهب إلى أن أول الوقت أفضل مطلقًا، ومنهم من فرَّق بين الأوقات، كما ذكرنا (٥).
بل إن بعض العلماء فضَّل أداءَ صلاة الظهر في أول وقتها حتى لو اشتدَّ الحرُّ فيها، وذلك لما روي عن زيدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وَقَالَ: "إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ، وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ" (٦)، وشدة الصلاة على الصحابة لاشتداد الحر أثنائها.
стр. 1016
ومثله حديث خَبَّاب الذي ذكره المؤلف؛ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ "فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا" قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: "أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ" (١).
قوله: "حَرَّ الرَّمْضَاءِ" هي الرمل الحار بحرارة الشمس (٢).
قوله: "فَلَمْ يُشْكِهِمْ" من أشكى، إذا أزال شكواهم (٣).
والمعنى: أن الصحابة شَكَوْا إِلَى رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة في الرمل الَّذِي اشتدت حرارته؛ فَلم يزل شكواهم.
وهذان الحديثان -وما في معناهما- مَنْسُوخانِ بِأَحَادِيث الإِبْرَاد.
فمن الأمور التي استُدركت على المؤلف- وخاصة في الأدلة-: أنه يسرد الأدلة، ولا يبين الناسخ والمنسوخ منها؛ فيظهر التعارض بين الأدلة.
مثلًا: أنه لو ذكر الأحاديث الذي استدلَّ بها الجمهور على الإبراد؛ كحديث المغيرة، ونبَّه إلى أن حديث خباب كان في أول الأمر ثم نسخ؛ لجمع بين الأدلة، وأزال كل خلاف؛ فيذكر أنهم كانوا يصلون بالهاجرة؛ ثم بعد ذلك صاروا يؤخرونها عن شدة الحر.
والأرجح في هذه المسألة: أن أداء صلاة الظهر في أول وقتها أفضل، ما لم يكن هناك حر؛ فإن كان هناك حر؛ فالأفضل الإبراد بها (٤).
* قوله: (وَقَوْمٌ رَجَّحُوا هَذِهِ الأحَادِيثَ لِعُمُومِ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "وَقَدْ سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ
стр. 1017
لِأَوَّلِ مِيقَاتِهَا"، وَالحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِيهِ، أَعْنِي: "لِأَوَّلِ مِيقَاتِهَا" مُخْتَلَفٌ فِيهَا (٢)).
الحديث المتفق عليه: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٣)؛ أما لفظ: "لِأَوَّلِ مِيقَاتِهَا" فليس في "الصحيحين"، وقد نبَّه عليه أيضًا المؤلف، وقال: (مُخْتَلَفٌ فِيهَا) من حيث الصحة وعدمها (٤).
* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ فِي مَوْضِعَيْنِ).
[الكلام على الصلاة الوسطى]
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، يأمر الله عباده في هذه الآية الكريمة بالمواظبة على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن، ومعاهدتهنَّ والالتزام بهن، وعلى الصلاة الوسطى منهنَّ (٥).
стр. 1018
وننبِّه على أن الصلوات كلها مطلوب المحافظة عليها، وهي ركن من أركان الإسلام؛ لكن قد يؤكَّدُ على المحافظة على صلاة؛ لسبب من الأسباب، كما في قوله ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ" (١).
والعلماء مختلفون في المراد بالصلاة الوسطى في هذه الآية (٢).
يقول أكثر العلماء: هي صلاة العصر.
وأدلتهم قوية وكثيرة جدًّا؛ منها: ما نقل عن بعض الصحابة عن عليّ بن أبي طالب، وعن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وأبي أيوب، وهو أيضًا قول الإمامين أبي حنيفة (٣)، وأحمد (٤) كلهم يذهبون إلى أن المراد بالصلاة الوسطى: هي صلاة العصر، ومن أدلتهم: