← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الكُفَّارُ سيُؤَاخَذون على أُصُول الدِّين فقط أم أنهم سيؤاخَذون أيضًا على فُرُوعِهِ (١)، فالقائلون بمؤاخَذَتهم على الأصول وَحْدها يقولون بأنَّ الكفارَ سيُعَذَّبون على تَرْكهم لأُصُول الدِّين، ولا حسابَ على الفروع، أما الآخرون فيقولون بأنهم سيعذَّبون على تَرْكهم لفُرُوع الدِّين عذابًا زائدًا على تَرْكهم لأصوله (٢)، فثَمَرة هذَا الخلَاف إنَّما هي أمرٌ أُخرَوِيٌّ، بَلْ إنَّ العلَماء قَالوا بأن ذِكْرَ هذا الخلَاف في العقيدة وأُصُول الفِقْهِ يُغْني عن ذِكْرِهِ في الفقه. قَضيَّة التَّميُّز أيضًا، النيَّة يُطْلب فيها التميُّز، ومن أهم شروط النيَّة إنَّما هو تعيُّن المنويِّ. الشَّرط الثَّانِي: تمييز المنوي (٣)، فَيَجب تعيين المنوي؛ حتَّى لا يأتي المكلَّف بما ينافيه، فلو أن إنسانًا نوَى الصَّلاة، ودَخَل فيها، ثمَّ بعد ذلك ارتدَّ، فإن ردَّته هاهنا أبطلَت صلاتَه، وكَذَلك لو أن إنسانًا نوَى الوُضُوء، ثمَّ نوى قَطْعَه، فحِينَئذٍ يَكُون قد أفسَدَ هذه النيَّة.

стр. 107

ما يَتَعلَّق بوقت نيَّة الوضوء: والعلماء في هَذَا على أقوالٍ: * مَذْهب الأحناف (١): أنَّ الأَوْلَى والمستحبَّ في حقِّ المتوضِّئ أن يستصحبَ النيَّة من حين استنجائِهِ حتى تشمل النِّيةُ الوُضُوءَ، وما يتعلَّق به. * مَذْهب الحَنَابلة (٢): أنها تَبْدأ مع الوُضُوء مُبَاشَرةً، ولا مانعَ عندَهم كَذَلك من أن تتقدَّم النيَّة على الوضوء بزمنٍ يسيرٍ. * مذهب الشافعيَّة (٣): عند دُخُول المتوضِّئ في الطهارة. * مذهب المالكيَّة: ولهم قَوْلَان في هذا: القَوْل الأوَّل (٤): الإتيان بها في أوَّل الوُضُوء عند غسل الوجه. القَوْلُ الثَّانِي (٥): الإتيان بها في أوَّل الطهارة. ولعلَّ الأَحْوَط للمكلَّف من هذِهِ الأقوال هو أن يَسْتَصحبها معه في أوَّل الطهارة.

стр. 108

الفَرْقُ بَيْنَ الإخْلَاص والنيَّة: وَالمَقْصودُ بالنيَّة هاهنا إنَّما هي النيَّة في العبادَات، والَّتي يَنْبغي أن يَصحَبها الإخلاصُ، وَهِيَ الَّتي أشَارَ إليه الله بقَوْله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فقَوْله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حال من قَوْله تَعالَي: ﴿لِيَعْبُدُوا﴾، والأحوال - كما يقول العلماء - إنما هي بمثابة الشروط، فالنيَّة في العبادات يتعيَّن فيها أن يصاحبها الإخلاص. التسمية في الوضوء: والمؤلف هاهنا لم يَذكُر التسمية في الوضوء مع أنها محلُّ خِلَافٍ بين العلماء، بَلْ إنَّ منهم مَنْ قال بوُجُوبها، وببطلان وضوء مَنْ ترَكَهَا عَامدًا، وقَدْ ذَكَرْنَا آنفًا أنَّ هذَا الكتابَ لا يتعرَّض للفُرُوع الكثيرة، وإنما يُعنَى بأُمَّهات المَسَائل التي تُؤْخذ مباشرةً من منطوق النَّصِّ أو مَفْهومه، ولذَا فإنَّنا سنَتنَاول هاهنا التَّسمية، وأقْوَال العُلَماء فيها؛ لِمَا لهَا من أهمِّيَّةٍ لا يَنْبغي إغْفَالُها، فهي مسألة متعلقة بالطَّهارة، والطَّهارة شرطٌ في صحَّة الصَّلاة الَّتي هي الرُّكن الثَّانِي من أركان الإسلام بعد الشَّهَادتين. والتَّسمية يَدُورُ كلَامُ العُلَماء فيها على ثلَاثة أقوالٍ: القول الأوَّل: أن التَّسمية مُسْتحَبَّة في الوضوء، وهو مذهب جماهير العلماء من الحنفيَّة (١)، والمالكيَّة (٢)، والشافعيَّة (٣)، وأحمد في أظهر الروايتين عنه (٤).

стр. 109

القول الثَّانِي: أنَّها وَاجبةٌ في الوضوء، وهو قول داود الظاهري (١)، والرواية الأُخرى عن الإمام أحمد (٢)، وهو كذلك قول إسحاق بن راهويه، لكنَّه ذَهَب إلى التَّفريق في تركها بين العمد والنِّسيان، فكَما أنه يبطل وضوء مَنْ تَرَكها عامدًا، فَكَذلك يُعْفَى عَمَّن تَرَكَها ناسيًا أو جاهلًا بحُكْمها (٣)؛ لحديث: " عُفِيَ عن أُمَّتي الخَطَأ، والنِّسْيان، وَمَا استُكْرِهُوا عَلَيه " (٤). ومَنْ يَقْرأ " مسَائل الإمَام أَحمد " يجد التقاءً كثيرًا بينه وبين إسحَاق بن رَاهَويه، فقَدْ كَانَا قرينين وَصَاحبين في السَّفر، حيث سافَرا إلى مكَّة، وسمعا دروس الشافعي، وسافرا إلى اليمن، وغير ذلك، ولكلٍّ منهما مكانته في الإسلام والجهاد والحديث. سبب الخلاف في المسألة: والخلافُ بَيْن العُلَماء في مسألة التَّسمية إنما مَرَدُّهُ إلى الأحاديث الواردة فيها، وهذه الأحاديث قَدْ جَمَعها الإمام البيهقيُّ في كتابه " مَعْرفة الآثَار والسُّنن " (٥)، وانتهَى إلى أنَّها في جملتها لَا تَسْلَم من المقَال عدَا

стр. 110

قوله ﷺ : " لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ " (١). وفي روايةٍ: " لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ " (٢)، فإنه حَسَّنَ إسنادَه. وقَدْ نقَل التِّرمذيُّ أن الإمامَ أحمدَ ﵀ لَمَّا سُئِلَ عن الأحاديث الواردة في التَّسمية في الوضوء، أجاب بأنَّه لم يثبت في ذلك شَيءٌ (٣)، فَوَافق الجُمْهور في قَوْلهم بالاستحباب في أظهَر الرِّوَايتين عنه، ومع ذَلكَ نجده قَدْ قال في الرِّواية الأُخرى بوُجُوب التَّسْمية. وَهُنَاك حَديث آخَرُ لا يَذْكره الفقهاء كثيرًا، وهو ما رُوِيَ عن أنسٍ ﵁ أنَّه قال: نَظَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَضُوءًا، فَلَمْ يَجِدُوا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَاهُنَا مَاءٌ ". قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ المَاءُ، ثُمَّ قَالَ: " تَوَضَّؤُوا بِاسْمِ اللهِ "، فَرَأَيْتُ المَاءَ يَفُورُ من بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَالقَوْمُ يَتَوَضَّؤُونَ، حَتَّى تَوَضَّؤُوا عَنْ آخِرِهِمْ (٤) … لكنه حديث عامٌّ. استدلال القائلين بالوُجُوب بالحديث الأول: أمَّا حَديثُ: " لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَم يُسَمِّ اللهَ "، فَقَد استدلَّ هَذَا الفريقُ بِهِ علَى وُجُوب التَّسمية، من حيث إنَّ قَوْله: " لا وُضُوءَ … "، إنَّما أُتِيَ فيه بـ " لَا " النَّافية، ثمَّ جاءت لفظة " وضوء " نكرة في سيَاق النَّفي، فأَفَادَت العُمُومَ (٥)؛

стр. 111

ليكون المَعْنى: أنه ليس يَصحُّ أيُّ وضوءٍ لم يُذكَر فيه اسمُ الله (١). استدلال الجُمْهُور: استدلُّوا بقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فالله لَمْ يَذْكُر التَّسمية في شيءٍ من الطهارات، لا في الوضوء، ولا في الغسل، ولا في التيمم، وقد أرشدنا النَّبيُّ ﷺ إلى ذلك بقوله: " تَوضَّأ كلمَا أمَرَك الله " (٢)، وحيث إنَّ أَمْرَ الله لم يرد به وُجُوب التَّسمية، فهي - إذًا - ليست واجبةً في الوضوء (٣). أمَّا حديث: " لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ " (٤)، فَقَدْ قَدَح فيه الجُمْهور بالضَّعف، بَلْ قالوا: إنَّه حتى لو ثبت، فإنَّه ليس فيه دلالة على وُجُوب التَّسمية؛ لأن قوله: " لا وُضُوءَ … " إنما يعني: لا وضوءَ كاملًا، ومنهم كذلك مَنْ فسَّره بأن " لَمْ يَذْكرِ … " إنَّما تعني: لم يَنْوِ، فمعناها النية لا التسمية.

стр. 112

محل التَّسْمية: تَأْتِي بعد النِّيَّة مباشرةً. كيفيَّة التَّسْمية: عند الحنابلة: يَكْتفي المكلَّف بقَوْل: " بِسْمِ الله " (١). عند الشَّافعيَّة: يَقُولُ المكلَّف: " بسم الله الرَّحمن الرَّحيم " (٢). وتجدُرُ الإشارة هاهنا إلى أن الشافعيَّة والحنابلة ممَّن يَقُولون بمذهب الجمهور في استحباب التَّسمية، وعدَم وجوبها. وعَلَيه، فالمكلَّف عند الشافعيَّة (٣) حتى لو قال: " بسم الله "، يَبْقى الأمر هَيِّنًا لا إشكال فيه. * فائدة: بعد أن تحدَّثنا في مسألة التَّسمية، وَاطَّلَعْنا على قَولَي العُلَماء فيها، بَقِيَ أن نُنبِّه على أنَّ الإنسانَ عندما تُقَابله قضيةٌ، يَكُون أداؤها سهلًا لا مشقَّة فيه؛ كقضيَّة التَّسمية، لكنها من الأهميَّة بمكانٍ بحيث إنَّها تتعلَّق بشَرْطٍ يرتبط بركنٍ من أركان الإسلام، فحِينَئذٍ يَجْدر به أن يَتَبيَّن الدَّليل لا أن يَركَنَ إلى قول أكثر العُلَماء؛ لأنَّ رأي الأكثرين ليس بالضَّرورة أَنْ يكون راجحًا، بَلْ ربَّما يكون مرجوحًا، كَمَا هو الحَال - مثلًا - في مَسْألة زَكَاة الحليِّ التي يَتَرجَّح فيها مَذْهب الأحناف بأنَّ في الحلي زكاةً (٤)، بالرَّغْم من

стр. 113

انفراد الأحناف بهذا الرَّأي، بَلْ أحيانًا تَكُونُ القوَّة ظاهرةً للفَقِيهِ في رأي من الآرَاء، لكنَّه يُخَالفه إلَى الرَّأي الآخَر، ويَسْلك مَسْلك الاحتياط؛ عملًا بقَوْل الرَّسُول ﵊: " دَعْ ما يَريبك إلى ما لَا يَريبكَ " (١). وَكَذَلك الحَال هاهنا في مَسْألة التَّسمية، فَإنَّ مَنْ يتأمَّل المسألَةَ، يجد الخلافَ فيها، إنَّما هو في شيءٍ يسيرٍ لا مشقَّة في فعلِهِ، لكن بفعلِهِ تطمئنُّ النفس، ولا يَتَسرَّب إليها الشكُّ والحيرةُ، والطُّمانينة تتحقَّق في هذه المسألة عند الأخذ بقول مَنْ يقولون بأن التسمية مطلوبةٌ؛ لأن هذَا هُوَ الأحوط.

стр. 114

قال المصنف رحمه الله تعالى: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الأحْكَامِ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي غَسْلِ اليَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا فِي إِنَاءِ الوُضُوءِ). " اليد "، أرَاد بها الجنس، وإلَّا فالقَصد غَسل اليدين وليس يدًا واحدةً. قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ بِإِطْلَاقٍ، وَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةَ اليَدِ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِلشَّاكِّ فِي طَهَارَةِ يَدِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ. وَقِيلَ: إِنَّ غَسْلَ اليَدِ وَاجِبٌ عَلَى المُنْتَبِهِ مِنَ النَّوْمِ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ نَوْمِ اللَّيْلِ وَنَوْمِ النَّهَارِ، فَأَوْجَبُوا ذَلِكَ فِي نَوْمِ اللَّيْلِ وَلَمْ يُوجِبُوهُ فِي نَوْمِ النَّهَارِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ). ذكر المؤلف ﵀ مذهب أحمد، إذًا دعوى الذين يَقُولُون بأنَّ الإمام أحمد ﵀ ليس فقيهًا - دعوى باطلة، ولكن - كَمَا قُلْت - المؤلف ﵀ قد اعتمدَ وعَوَّل في نَقْل المَذَاهب على كتاب "الاستذكَار" لابْن عَبْد البَر، وابن عبد البَر قيل عنه: إنه - إلى جانب ابن جريرٍ الطَّبري - يرَى أن الحديث غلب على الإمام أحمد، وهَذَا أيضًا يحتاج إلى تَحْقِيقٍ. قوله: (فَتَحَصَّلَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ: إِنَّهُ سُنَّةٌ بِإِطْلَاقٍ)، هَذَا أمرٌ جَيِّدٌ، انْظُرُوا بعد أن ذكر المُؤلِّف الأقوال عادَ ليُلخِّصها. قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ اسْتِحْبَابٌ لِلشَّاكِّ. وَقَوْلٌ: إِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى المُنْتَبِهِ مِنَ النَوْمِ، وَقَوْلٌ: إِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى المُنْتَبِهِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ نَوْمِ النَّهَارِ). " الثابت ": المقصود به ما في البخاريِّ ومسلمٍ، أو ما في أحدهما،

стр. 115

وقَدْ يكون الحديث ثابتًا وليس فيهما، لكن هذا مصطلح خاصٌّ بالمؤلف ﵀، ليس هذا مصطلح المُحدِّثين، يَعْني: ليسَ هذا اصطلاحًا للمحدثين إنَّما هو مصطلح اختارَه لنفسِهِ، وسَار عليه. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الثَّابِتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الإِنَاءَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ". وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: " فَلْيَغْسِلْهَا ثَلَاثًا "). وَيرِدُ سؤالٌ آخَر: بعد غَسْل الكَفَّين، هل إذا جئتَ لتَغْسلَ اليد بعد ذلك، هَلْ تَقْتصر على ما بعد الكفَّين أو لَا بُدَّ من غَسْلهما؟ الصَّحيحُ أن اليدَ تُغْسل جميعًا، فلننتبه لهَذَا. قوله: (فَمَنْ لَمْ يَرَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى مَا فِي آيَةِ الوُضُوءِ مُعَارَضَةً، وَبَيْنَ آيَةِ الوُضُوءِ - حَمَلَ لَفْظَ الأَمْرِ هَاهُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الوُجُوبِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الوُضُوءِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ لَفْظِ البَيَاتِ نَوْمَ اللَّيْلِ، أَوْجَبَ ذَلِكَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فَقَطْ، وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَهِمَ مِنْهُ النَّوْمَ فَقَطْ، أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى كلِّ مُسْتَيْقِظٍ مِنَ النَّوْمِ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا، وَمَنْ رَأَى أَنَّ بَيْنَ هَذِهِ الزّيَادَةِ وَالآيَةِ تَعَارُضًا، إِذْ كَانَ ظَاهِرُ الآيَةِ المَقْصُودُ مِنْهُ حَصْرُ فُرُوضِ الوُضُوءِ - كَانَ وَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ أَنْ يُخْرِجَ لَفْظَ الأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهِ الَّذِي هُوَ الوُجُوبُ إِلَى النَّدْبِ). المؤلفُ ﵀ اعْتَبر أن سببَ الخلاف هو المعارضة بين الحديث وبين الآية، فهناك من العلماء مَنْ يرى تعارضًا، فما وجه المعارضة؟ يقولون: إن الآية دْكرت أمورًا أربعةً ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، هل ذكرت الآيةُ غسلَ اليَدَين قبل إدخال الإناء؟

стр. 116

الحَديثُ فيه زيادةٌ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ "، " فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الإنَاءَ "، إذًا هذه هناك من يقول: إنها زيادة على ما في الكتاب، ورأى أن الأَمر محمولٌ على الاستحباب، وأنه مندوبٌ، فلا وجوبَ هنا، ومن رأى أنه لا تعارضَ بين الكتاب والسُّنة، بل الآيات جاءت مجملةً، فجاءت السُّنة لتبيينها. إذًا، الذين يقولون بأنها سنةٌ، يقولون: لم تذكر في آية الوضوء، فلو كانت واجبةً لذُكِرَتْ، لكنها لم تُذْكر، فدلَّ علَى عدَم وجوبها. ويقول الآخرون: لا، هي وإن لم تُذْكر، فالسُّنة بيانٌ لكتاب الله ، والرسول ﷺ أمرَ بذلك، وأكد عليه " فَلْيَغْسِلْ "، " فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ ". * قوله: (وَمَنْ تَأَكَّدَ عِنْدَهُ هَذَا النَّدْبُ لِمُثَابَرَتِهِ ﵊ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: إِنَّهُ مِنْ جِنْسِ السُّنَنِ، وَمَنْ لَمْ يَتَأَكَّدْ عِنْدَهُ هَذَا النَّدْبُ، قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ المَنْدُوبِ المُسْتَحَبِّ). " هَذَا النَّدْبُ "، كلُّ اسمٍ محلى بـ " أَلْ " يقَع بعد اسم إشارةٍ يكون بدلًا أو عطفَ بيانٍ، فتُعْطيه حكم الأول، فـ " هَذَا " في محلِّ رفعٍ، فالَّذي بعده يَنْبغي أن ترفعَه. * قوله: (وَهَؤُلَاءِ غَسْلُ اليَدِ عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ الحَالِ إِذَا تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهَا، أَعْنِي مَنْ يَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَمَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ نَدْبٌ، وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ عِلَّةً تُوجِبُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ، كانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مَنْدُوبًا لِلْمُسْتَيْقِظِ مِنَ النَّوْمِ فَقَطْ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ عِلَّةَ الشَّكِّ، وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِلشَّاكِّ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّائِمِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ حُكْمُ اليَد فِي الوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ حُكْمُ المَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، إِذْ كَانَ المَاءُ مُشْتَرَطًا فِيهِ الطَّهَارَةُ، أَمَّا مَنْ نَقَلَ مِنْ غَسْلِهِ ﷺ يَدَيْهِ

стр. 117

قَبْلَ إِدْخَالِهَا فِي الإِنَاءِ فِي أَكْثَرِ أَحْيَانِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُكْمِ اليَدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ غَسْلُهَا فِي الابْتِدَاءِ مِنْ أَفْعَالِ الوُضُوءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُكْمِ المَاءِ، أَعْنِي أَلَّا يَنْجُسَ أَوْ يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ إِنْ قُلْنَا إِنَّ الشَّكَّ مُؤَثَرٌ). الحديث هنا يتعلق بمسألة مهمةٍ، ألا وهي غَسْلُ اليدين قبل إدخالهما في الإناء. أولًا: أخَذنا النية التي هي عَقْد العزم، ثمَّ بعد ذلك انتقلنا إلى التسمية، والآن نبدأ في الشُّرُوع في الوضوء، ولا شَكَّ أن المدخلَ إلى هذَا الوضوء من الناحية العملية لا القولية إنما هو غَسْل اليدين، فنَحْن أخَذنا ما يتعلق بالناحية القولية (النية)، وَهي عَزْم القَلب، وإنْ كنَّا لا نرى أن يُصرح بها، ثمَّ يأتي بعد ذلك التسمية. وَهُنَا الحَديثُ عن غسل اليَدَين قبل إدْخَالهما في الإناء، فأَكْثَرُ العُلَماءِ يَذْهبون إلى أنَّ غسلَ اليدين قبل إدْخَالِهِما في الإناء إنَّما هو مُسْتحبُّ، أَيْ: سُنَّة، وهَذَا هو مَذْهب جَمَاهير العُلَماء كما ذكَر المؤلف، ومن هؤلاء الحنفية والمالكية. ملحوظة: ليس شرطًا عندما نقول: هذا مذهب المالكية أو الحنابلة أو الشافعية … أنه لا يوجد قولٌ آخر في المذهب، فلو أننا أردنا أن نتتبع الأقوال أو الروايات والأوجه لمَا استطعنا، لكنَّنا دائمًا نأخذ بمُجْمل المذهب، أو المشهور في المذهب. إذًا، الأئمَّة أبو حنيفَة ومالك والشافعي، وهي إحدى الروايتين أيضًا عن الإمام أحمد، يَذْهبون إلى أن غسلَ اليدين قبل إدْخَالهما في الإناء إنما هو سُنَّة، هذا هو القول الأول، وهو القول المشهور، ولا يلزم من أن يكون القول مشهورًا أن يكون هو الصحيح كما قلنا، فلا يلزم أن يكون الحقُّ مع الكثرة، كذلك أيضًا لا يلزم أن يكون القول المشهور هو الصحيح، قد يكون القول المشهور في المذهب وهو غير صحيحٍ، مثلًا:

стр. 118

مذهب الحنابلة والقول المشهور والمعروف بالنسبة لجلد الميتة " كل جلد ميتةٍ دُبغَ أَوْ لم يُدْبَغْ فهو نجسٌ "، لكن الرِّواية التي تُرَى مرجوحةً أو ضعيفةً هي التي تلتقي مع جماهير العلماء وهي الصحيحة؛ لوُرُود الأحاديث: " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ " (١)، " إِذَا دُبغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ " (٢)، " هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا " (٣). إذن، لا يلزم من أن يكون القول المشهور في أي مذهب من المذهب أن يكون هو الصحيح. إذًا، القول الأول وهو قول جمهور العلماء (الأئمة الثلاثة، وهي رواية عن الإمام أحمد)، أن غسلَ اليدين قبل إدخالهما في الإناء سُنَّة. القَوْلُ الثَّانِي: إنَّ غسلَ اليَدَين قبل إدخَالهما في الإناء واجبٌ حالَة القيَام من النوم مطلقًا، وهذا قول داود، ومعه أيضًا غيره من العلماء وإن كانوا قلةً. القول الثالث: أنَّ غسلَ اليدين يجب على المُنْتبه من نوم الليل دون نوم النهار … وهذه هي الرواية القوية في مذهب أحمد، وهذا أيضًا قد رُوِيَ عن بعض الصحابة، عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵁، وعن الحسن البصري من التابعين. القول الرابع الذي أشَار إليه المؤلف: هي قضية الشك، والمالكية لهم رأيٌ في هذه المسألة في قضيَّة غسل اليدَين قبل الغمس فيه، رواية فِي المَذْهب على أنَّ الأمرَ بالغسل تعبديٌّ، ولذَلكَ لا يُفرِّقون بين الشَّكِّ من النجاسة، وبين غيرها، يرون أن الأمر مستحبٌّ، لكن لا يرونه واجبًا. إذًا، الأقوالُ الَّتي تَهمُّنا هنا أقوالٌ ثلاثةٌ: القَوْلُ الأوَّل: أنَّ غسل اليدين قبل إدْخَالهما في الإناء سُنَّة.

стр. 119

القَوْل الثَّانِي: أنَّ ذلكَ وَاجبٌ على القائم من النوم مطلقًا، سواء كان نوم ليل أو نوم نهار، وهو قول داود الظاهري، بَلْ هو مذهب الظاهريَّة. القَوْل الثَّالث: أنه يجب على المنتبه من نوم الليل دون غيره. وكلُّ اختلَاف العُلَماء يَدُور حول الحديث الذي أورَده المؤلف بجميع رواياته، فإنَّه في هذا الحديث المتفق عليه، وهناك رواياتٌ قد ينفرد بها مسلمٌ أو غيره: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الإِنَاءَ ". فيِ بعض الرِّوايات: " ثَلَاثًا "، وَفِي بَعْضها: " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "، وَفِي لفظة " ثَلَاثَا "، و" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " نكتة فقهية، فَالنَّجَاسَة في هذا المقام ليست النجاسة التي نُسمِّيها الخبث، لكن النجاسة هنا إنما هي نجاسة معنويةٌ، لا نشاهدها، فيقولون: إذا جاء العدد في نجاسةٍ غير عينيةٍ، فإنه يشير إلى أن هذا الحكمَ غير واجبٍ، وإنما هو مندوبٌ .. هذا رأيٌ لبعض العلماء استنبطوه من عدة أحاديث، ومنها هذا الحَديث. إذًا، الخلاف - كما قلنا - يدور حول هذا الحديث: " فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الإِنَاءَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، وَهَذا هُوَ سِرُّ الخلَاف، هذه جملةٌ نُسَمِّيها في النحو جملةً تعليليةً، وهي التي عُلِّل بها الحكم، " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ". إذًا، الحُكْمُ هو الأَمْرُ بالغسل، وعندنا علَّة الحكم، هِيَ: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ". جَاءَ في رواية مُسْلمٍ: " فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدهُ "، فاجتمع في هذا الحديث شيئان: ١ - أمر: " فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ". ٢ - ونهيٌ " فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ " (١)، وهُمَا متمسَّك الذين قالوا بأن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء واجب، ثم انقسموا إلى قسمين:

стр. 120

١ - منهم مَنْ فهم مِنْ لفظ البيات أن المراد بالنوم الذي يجب غسل اليدين منه هو نوم اللَّيل؛ لأنَّ البياتَ لغةً لا يُطْلق إلَّا عليه. ٢ - ومنهم مَنْ فَهِمَ من ذلك النوم مطلقًا، وهما أهل الظاهر، فقالوا: كل مَنْ قام من النوم يجب عليه أن يغسل يديه. إذًا، الخلاف يدور حول " فَلْيَغْسِلْ "، و" فَلَا يَغْمِسْ "، فيقولون: " فَلْيَغْسِلْ " هذا أمر، والأَمْرُ يَقْتضي الوُجُوبَ، ولا صارفَ له، ويُعَارضهم الفريق الآخر فى هَذِهِ القضية، فيقولون: هذا أمر، والأمرُ يقتضي الوجوبَ، ورواية مسلم: " فَلَا يَغْمِسْ "، هذا نهي، والنهي يقتضي تحريمَ المنهي عنه، إذن، يحرمُ أن يُدْخِلَ الإنسان يدَه في الإناء قبل أن يغسلها. إذًا، هذَا هو رأيُهُم من حيث الجملة الذين قالوا بالوجوب، ثم انقسم هؤلاء الذين قالوا بالوجوب - كما قلنا - إلى قسمين: ١ - فمنهم مَنْ قال: هذا خاصٌّ بنوم الليل، وزَادُوا على ذلك حديثًا آخر لم يَتَعرَّض له المؤلف، وهو حديث: " إذا اسْتَيْقَظَ أحدُكُم من النوم ليلًا " (١)، إذًا " من النَّوْم ليلًا "، دلَّ على أن المقصودَ بالنوم إنما هو نوم الليل. وفي روايةٍ: " إذا استيقظ أحدُكم من نوم الليل "، إذًا نوم الليل هو المقصود، وهذا الذي يُقوِّيه رواية الإمام أحمد الأُخرى التي أخذوها عن الإمام ﵀. إذًا، هناك مَنْ يَقُولُ: هذه اليد مأمورٌ بغسلها، ونُهِينَا عن غمسها في الإناء عند القيام من النوم، والأصل في النوم أن يُطْلق ولا يخص، فالنوم يطلق على نوم الليل ونوم النهار. وَرَأينا أنَّ الَّذين أوجَبوا غسلَ اليدين قبل إدخالهما في الإناء استدلوا بقوله: " فَلْيَغْسِلْ "، وكذلك: " فَلَا يَغْمِسْ "، فَقَالوا: هذا أمرٌ، والأمرُ يقتضي الوجوبَ، أَيْ: يجب على كل مُتَوضئٍ ألَّا يدخلَ يدَه في الإناء حتى

стр. 121

يغسلَها ثلاثًا، إذا قام من نوم الليل أو إذا قام من النوم مطلقًا، الأول: عند الحنابلة في روايةٍ، والآخر: عند أهل الظاهر. إذًا، لماذا اتَّجَه جمهور العلماء إلى أن الحديث لا يدل على الوجوب، وأن النهي في رواية مسلمٍ أيضًا ليست دليلًا على التحريم؟ قالوا: لأنَّ الجملةَ التعليلية التي جاءت بعد ذلك تدلُّ على عدم الوجوب، قالوا: لأن الذي ورد فيها العلة لم تأتِ مقطوعًا بها، وإنما جاءت بصيغة الشَّكِّ: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، معنى هذا أن علَّة المنع هو الشكُّ. قالوا: والشكُّ لا يقتضي وجوبًا في الحكم استصحابًا لأصل الطهارة. وأريد أن أُنبِّه أنَّ العلماءَ مجمعون من حيث الجملة على أن غسلَ اليدين قبل إدخالهما الإناء مستحبٌّ مطلقًا وإنْ لم يكن من النوم، هذا من حيث الجملة، لكن من حيث التفصيل فقَدْ رأيتم الخلاف، وكل الَّذين وصفوا وضوءَ رسول الله ﷺ كما في حديث عثمان بن عفان المتفق عليه، وفي حديث عبد الله بن زيد، وفي حديث عليٍّ الذي في السُّنن وهو صحيح، كلها ذكرت أن الرسول ﷺ دعَا بإِنَاءٍ، فأفرغَ على يدَيه، فغَسل كفَّيه ثلاث مراتٍ، ثمَّ أَدْخَلهما في الإناء … ولم يكن ﷺ قائمًا من نومه. قَالَ الجُمْهور: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ". قالوا: التَّعليلُ هنا مَشْكوكٌ فيه، والشَّكُّ هنا ينقل الحُكْمَ من الوُجُوب إلى غَيْره، قَالوا: لأنَّ الشَّكَّ لا يَقْتضي وُجُوبًا في الحكم، يَعْني: لا يَقْتضي وُجُوبَ الحكم؛ استصحابًا لأصل الطهارة، فالأصل في المؤمن أنه طاهر، لأن الرسول ﵊ قال: " إنَّ المؤمن لا ينجس "، وكَوْنه قام من النَّوم فَهَذا لا يدلُّ على نجاستِهِ. يَقُولُ الإمامُ الشافعيُّ ﵀ في تعليل هذا الحديث: إن أهل الحجاز بلادهم حارةٌ، وكانوا يقتصرون على الاستجمار. يعني: كانوا يستنجون بالحِجَارَةِ -يعني: يُطْلق الاستنجاء على الاستنجاء بالماء، وعلى الاستنجاء بالحجارة، وبعضهم يغلف فيقول: الاستجمار بالحجارة، وهذا

стр. 122

هو المقصود - يقول: بلادهم حارة، ويقتصرون على الاستنجاءِ بالحجارة، فربما لو نامَ أحدهم، وَقَعتْ يده على موضع نجاسةٍ، وَنُنبِّه على بعض النُّكَت التي وَرَدتْ في هذا الحديث في قضية الكناية التي كنى بها، حَيْث قَالَ: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، ولم يَقُلْ: وَقَعتْ على ذَكَره أو على دُبُره، فهَذَا من الأساليب التي تسلكها الشريعة الإسلامية في أمر الكنايات، فإن الشريعة الإسلامية لا تُصرِّح في الأمور التي لا تحتاج إلى تَصْرِيحٍ إلا إذا اقتضى الأمر ذلك، إذا لم يفهم السَّامعُ ذَلكَ، فَإنَّ الشَّريعةَ الإسلَاميَّة حِينَئذٍ تُنبِّه، ولو أردنا أن نستعرضَ بعضًا من نُصُوص الكتاب والسُّنة لوجدنا أمثلةً كثيرةً من ذلك، فالله تعالى يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذه كنايةٌ. ويقول : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ويقول بعد ذلك أيضًا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾، كَمَا ورد في الآية: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. ويقول : ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، إلى غير ذلك من الأدلة. أيضًا ورَد في السُّنة قوله ﵊: " لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَبَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ "، عندما أرادت المرأة أن ترجع إلى رفاعة، قال ﷺ : " لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ "، لكنه في مقام التصريح نجد أن الشَّريعة الإسلامية تصرح بذلك. وهُنَاك قصَّة مَاعِزٍ عندما جاء إلى الرَّسُول ﵊ معترفًا بالذَّنب الذي ارتكب، وطلب من الرسول ﵊ أن يُطهِّره، والرسول ﷺ يُعْرض عنه، فينتقل من مكانٍ إلى مكانٍ ويقول: " لعَلَّك قبَّلتَ "، " لعلَّك غَمزتَ " … إلى آخره إلى أن رأى أن الرجل مقبل، وأنه يريد التطهيرَ، وأن قلبَه قد عذَّبه، وأن ضميره صحا، وأن خشية الله دفعته إلى طلب ذلك، وهناك قاعدةٌ فقهيَّة معروفةٌ هي: " الضَّرر يُزَال "، وهذه القاعدة تَتفرَّع عنها قواعد عدة، منها: " الضرورة تُقدَّر

стр. 123

بقدرها "، فمثلًا: قد يأتي إليك إنسان ليخطب منك أختًا أو ابنةً أو قريبةً أنت وليُّ أمرها، فتحتاج إلى أن تتحرَّى عن هذا الإنسان، فتذهب إلى شخصٍ لتسأله عن هذا الخاطب، هذا الذي تذهب إليه لتسأله ينبغي أن يكون دقيقًا في إجابتِهِ، فإنه يكتفي بالإشارة، فإن كان يعرف عيبًا في هذا المسلم، فلا يَنْبغي أن يجلسَ يذكر عيوبَه منذ أَنْ كان صغيرًا، وعَلَيْه أَنْ يَقُولَ: هُوَ لَا يصلح لَكَ إلَّا إذا اضطرَّ إلَى ذَلكَ في هذا المقام، فإنه حِينَئذٍ يُنِّبه إلى ذلك. إذن، نجد أن هذا الحديث فيه كنايةٌ " فَإِنَّ أَحَدَكمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، ما ذَكَر المواضعَ التي تترفع عنها الشريعة الإسلامية. وهناك قضيةٌ معروفةٌ في الفقه في قصة عمر بن عبد العزيز - تَعْلمون أن العلماء يضمُّونه للخلفاء، فيجعلونه الخليفة الخامس عندما تولى الخلافة، وتعلمون مواقف الخوارج وخروجهم على الأئمة، ومقاتلتهم للإمام علي بن أبي طالب ﵁، وخروجهم عليه، وتكفيرهم للمسلمين، وما فعلوه من سفك الدماء وغير ذلك - ذهب اثنان من الخوارج إلى عمر بن عبد العزيز، وناقشاه في بعض القضايا، ومما ناقشاه قالوا: إنَّكمْ تَقُولون برجم الزانيين، وتقولون بتحريم الجمع بين المرأة وعمَّتها، وبين المرأة وخالتها، ولا نجد ذلك في كتاب الله! وهَذَا ممَّا يفيدنا في أدب البحث، يعني: إذا أردتَ أن تناقش إنسانًا جدليًّا، فلا ينبغي أن تنتزع الحجة من جوابه، فعُمَر بن عبد العزيز يَسْتطيع أن يرد عليهم، لكنه وجَّه إليهم سؤالًا معاكسًا، فَقَال لهم: الله فرض الصلوات؟ قالوا: بلى. قال: أين نجد عدد الصلوات وفرائضها وشروطها وأركانها؟ وأين نجد أنصبة الزكاة؟ وما يتعلق بالصيام والحج؟ أين محل ذلك في كِتَابِ الله، أرشداني إليه؟ قالوا: ليس ذلك في كِتَابِ الله. قال: أين هو؟ قالوا: فعل ذلك رسول الله، وفَعَله المسلمون.

стр. 124

قال: وما سألتم عنه فَعلَه رسول الله ﷺ ، وفَعَله المسلمون. هُنَاك آيةٌ خطَب فيها عمر ﵁ على المنبر وهي: ﴿الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيَا فَارْجُمُوهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾، هذه كانت في سورة الأحزاب، وهذا مما يُنْسخ لفظًا، ويبقى حكمًا. فالخوارج وقفوا عند آية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقالوا: هذا غير مَوْجُودٍ في كِتاب الله (الرجم)، إذًا أنتم خرجتم على كِتَابِ الله، إذًا أنتم خالفتم، فيَنْبغي أن نُقَاتلكُمْ. ومنَ المصَائب التي وقَع فيها الخوارجُ أنَهمْ كانوا يستحلون دماء المسلمين، يعني: كانوا يستحلُّون دماء المسلمين، ولا يستحلون دماء الوثنيين؛ لأنهم يرون أن الوثني كافرٌ أصليٌّ، وأن هذا المسلم مرتدٌّ في نظرهم، وهذه من المصائب التي جرَّتهم إلى الويلات، وجروها إلى المسلمين. نقول ونحن في هذه المناسبة: ينبغي أن يُدرَّس العلم كما قال الله : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، والرَّسُولُ ﷺ أشارَ أيضًا إلى هذا الأمر (قضية الفقه) في حديث معاوية المتفق عليه: " مَنْ يُرِدِ الله به خيرًا، يفقهه في الدِّين "، وقال في قصة الصغير الذين تعرفونه في الصلاة: " وليؤمكم أكبرهما "، وفي روايةٍ: " أكثركما "، وَذَهَب العُلَمَاءُ إلى أنَّ الأَوْلَى في قضيَّة الإمام أن يكونَ أكثر فقهًا، وكان أفقههم صغيرًا في السنِّ، كان يقف في طريق الركبان، فيَسْألهم عن المسائل، ولذَلكَ كانوا يُقدِّمونه في الصلاة، واشْتَروا له ثوبًا يَسْتُرُ به عورتَه. أقول: إنَّ جمهور العلماء قالوا بعد اتفاق الكل على أن غسل اليدين مستحبٌّ: هي سُنَّةٌ. وأحمد ﵀ في روايةٍ قال: هي واجبةٌ من نوم الليل. وأَهْلُ الظَّاهر قالوا: واجبة من النوم مطلقًا.

стр. 125

فالذين قالوا: واجبة من قيام الليل، ذَكَر المؤلف أن دليله هو لفظ: " البيات "، والصحيح أنه بالإضافة إلى هذا أنه ورد حديث أيضًا: " إذَا استيقظَ أحدُكُم من النوم ليلًا "، فنصَّ على نوم الليل، والآخرون أهل الظاهر أخذوا بلفظ: " الليل ". فالجُمْهورُ قالوا: هناك ما يَصْرف الأمرَ والنهيَ عن وجهيهما، وهو الجملة التعليلية " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، فيقولون: دائمًا الحكم يُبْنى على علةٍ، فالحكمُ يُقرَّر لوجود عِلَّةٍ، هذه العلَّة غير مَقْطوعٍ فيها، إذًا الحكم هنا مشكوكٌ، فيه، إذن لا ينبغي أن نَقُولَ بوجوبه؛ لأن القول بالوجوب يحتاج إلى دليلٍ قاطعٍ، والدليلُ هنا غير قاطعٍ؛ لأنَّ العلَّة هنا مترددةٌ، ولذلك قال الشافعي ﵀: " إن بلاد الحجاز كَانت حارة "، فعلَّل ذلك التعليلَ المعروفَ. إذًا، الأقوالُ ثلاثةٌ: ١ - قولٌ يرى أنها سُنَّة، يعني: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء سُنَّةٌ. ٢ - وقولٌ يرى وُجُوبَ ذلك مطلقًا، عملًا بروايات هذا الحديث: " فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الإِنَاءَ ". ٣ - ومنهم مَنْ فَهم من ذلك أن المقصودَ هو نوم الليل، أولًا: من لفظ " البيات "، وثانيًا: لوُجُود بعض الروايات وإن لم تكن في " الصحيحين ": " إذا استيقظَ أحدُكُم من النوم ليلًا ". أيهم الأحوط للمسلم في هذا؟ لا شكَّ أن الأحوط أيضًا في هذا المقام هو أن يغسل يديه، فحتى لو قلنا بأنها مستحبةٌ، فقد يُتَسامح أيضًا في هذا الأَمْر، ويُتَساهل فيه، وخصوصًا أنه ورد حديث: " إذا استيقظ أحدكم من النوم ليلًا "، وفي روايةٍ أُخرى: " إذا استيقظ أحدُكُم من نوم الليل "، إذًا: معناه نوم الليل، كما ورد التصريح في بعض الروايات، وفي رواياتٍ حسَّنها بعض العلماء.

стр. 126

إذًا، الأَوْلَى في هذا المقام أن نقولَ بأنه يَنْبغي العناية بغسل اليدين عمومًا، وينبغي أن يتأكد ذلك، ويُقَال بوجوبِهِ عند القيام من النوم، وخاصةً نوم الليل؛ لوجود الحديث القائم في ذلك. ونحن حَقيقةً في هذا المقام لا نُرجِّح مذهبًا؛ لكَوْننا نميل إليه أو كذا، وستمر بنا مسائل سنُرجِّح فيها مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، لكن هنا في هذا المقام وجدنا أن الأمر مترددٌ، وكونهم يقولون: إن العلةَ هنا مبنيةٌ على الشك غير مقطوعٍ بها، أيضًا نحن نخرج من هذا الشك إلى أمرٍ مقطوعٍ فيه. ولو أنَّ إنسانًا بعدَ هذه الأقوال غَمسَ يدَه في إناءٍ قبل أن يغسلَها، فَعَلى مَذْهَبِ جمهور العلماء هذا لا يضرُّ، لكن على مذهب الآخرين يُفَصِّلون القَول في ذلك أيضًا، لا نظن أن المسألة فيها إجمالٌ، فالذين يقولون بوُجُوب غسلهما قبل إدخالهما يقولون: إنْ كان المَاءُ كثيرًا، فلا تأثير؛ لأن الرسول ﵊ قال: " إذا بلَغ المَاءُ قُلَّتين لَمْ يحمل خبثًا "، فإذا كانت النجاسة التي هي أكبر من غسل اليدين لا تؤثر في الماء الكثير، فما بالك بغمس اليدين! إذًا، إذا كان الماء كثيرًا، فلا يتأثر بالنجاسة، فإن كانت قليلة، فلا يتأثر بها عند الجمهور، ويتأثر بها عند غيرهم. هل يُرَاق الماء أو لا يُرَاق؟ هذه أيضًا مسألةٌ أُخرى فرعيةٌ، بعضهم يقول: يُرَاق الماء؛ لأنه ورَد في حديثٍ الأمر بإراقته، لكن الحقيقة أن هذا الحديث ضعيفٌ. إذًا، غَمْسُ اليدِ أو اليدين في الإناء قبل غسلهما في حقِّ القائم من النوم منهيٌّ عنه، أما غَيْر القائمين من النوم، فالعُلَماء مُجْمِعُونَ على أنَّ غَسْلَهما مستحبٌّ، لكن الكلام في القيام من النوم. فجمهور العلماء يَرَون أن غمسهما لا يؤثر؛ سواءٌ كان الماء قليلًا أو كثيرًا.

стр. 127

الذين قالوا بالوجوب يقولون: يؤثر، بل هو ينجس الماء، بل هناك من قال بأنه لو غمس يديه في الإناء وتوضأ، لبطلت صلاته، وهذا نُقِلَ عن بعض العلماء، منهم إسحاق والحسن. يَرِدُ سؤالٌ أيضًا: الحديثُ وَرَد فيه: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ". إذًا: هذَا الحكمُ جاء مقرونًا بعفَته، فـ " لا يدري " هذه كما قلنا كنايةٌ لم يصرح بها، فإذا كان على درايةٍ أين باتت يده، فلو قُدِّر أن إنسانًا - مثلًا - لفَّ يديه في كيسٍ أو في خرقةٍ أو في منديلٍ، فحفظه من أن يقع فيهما أي شيء، واطمأن على أنهما لم يقربا نجاسةً، سواء كانت في الجسم أو في غيره، فهل يتغير الحكم أو لا؟ جُمْهورُ العلَماء يرون استحبابَ غسل اليدين، فلا إشكالَ عندهم، لَكن بالنسبة للفريق الآخر يقول: لا يتغير الحكم؛ لأن قوله: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، هو عامٌّ، فلا ينبغي أن نقصرهُ على أمرٍ فيما لو حفظت اليد أو ما حفظت، أصلًا غسل اليَدَين مستحبٌ، فالرَّسُولُ ﷺ كان يغسلهما، أو يلازم ذلك، إذن يقولون: هذا لا تأثير له. لَكن لمَّا تذهب إلى الفريق الآخر كالشافعية - مثلًا - يقولون: لا، إذا حفظ -يعني: لفَّ يديه - تبقى طهارتهما متيقَّنةً، والآخرون يقولون: لا، وإن كانت متيقَّنةً، فالعلة هنا تعبديةٌ، وهنا يأتي السِّرُّ الذي أشار إليه المؤلف ﵀ هنا، فقال: إن من العلماء مَنْ يرى أن في الأمر تعبدًا، وهذا علَّل به بَعْضُ المالكيَّة وبَعْضُ الحنابلة. مَسْألةٌ أُخرى: لَوْ أنَّ إنسانًا - مثلًا - وجد ماءً في إناءٍ كبيرٍ، أو في صخرةٍ، يعني: هي مدورةٌ معمولةٌ ليجمع فيه الماء، يعني: حوض من الماء لا يستطيع أن يميلَه فيغسل يديه، أو هذه صخرة وسطها الماء، فما الحكم هنا؟ يغمس يديه أم لا؟ هُنَاك مَنْ يمنع ذَلكَ، يَقُولُ: لا يغمس يدَيه في الإناء، قالوا: يأخذ بفمِهِ، فالفم ليس فيه نجاسةٌ، فهو طاهرٌ، والتعليل جاء مرتبطًا باليد " فَإِنَّ

стр. 128

أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، فهو يأخُذُ بفمِهِ، أو يأخذ بطرف ثوبِهِ، أو أي شيءٍ. إذا لم يجد ذلك، فما الحكم؟ قالوا: يستعين بغيره، فيأخذ له الماء، المهم أنه لا بدَّ من أن يغسل يديه " ليلتزم توجيه الرسول ﵊. ثم بعد ذَلكَ يَزْداد الخِلَافُ فيما إذا لم يجد ما يغرف به الماء، أو لم يجد مَنْ يعينُهُ في هذا المقام ماذا يفعل؟ هل يغمس يديه وبعد ذلك يصلي، أو أنه يتيمم، وهذه فروع كثيرة لا نريد أن نتعرض لها. ومن الفوائد التي أيضًا في هذا الحديث كما ترون: " فَلْيَغْسِلْ يدَيه ثلاثًا ". غسل اليدين جاء أحيانًا مقيدًا بأمرٍ، وورَدَ في الإناء الذي يلغ فيه الكلب أنه يُغْسل سبعًا آخرهن بالتراب، هذا أمرٌ مقيَّد، وألحق به بعض العلماء الخنزير، وقالوا: يأخذ حكمه، لكن هنا " فَلْيَغْسِلْهَا ثلاثًا "، هذا يفهم منه فائدةٌ أُخرى، وهي أن الإنسان يغسل يديه ثلاثًا بالنسبة للنجاسة المتحقَّقة والمتوهمة، فالنَّجَاسةُ هنا غير متحقق وقوعها، يعني: غير مقطوع بها في هذا المقام " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يدُهُ "، إلا إذا قلنا: إنَّ الأمرَ تعبديٌّ، فلعلَّ اليدَ وَقَعتْ على نَجَاسةٍ، ففي هذا المقام أخذ العلماء أيضًا من هذا " فليغسلها ثلاثًا " أن النجاسة وإن لم يكن مقطوع بها، فإنَّه ينبغي أن تُغْسل في مثل هذه الحال. وأَكْثَرُ العلماء يذهبون إلى أن النجاسة المتوهمة (يعني: غير المقطوع بها) إنما هي تغسل، وخالف في ذلك المالكية وقالوا: يُكْتفى بالرش في مثل هذه المسائل. ورد في الحديث: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، يعني: بعض العلماء فَهِمَ من هذا أن المراد أن القصد باتت يدُهُ فقط في المحل الذي هو محل النجاسة المعروف، لكن جاء في بعض الروايات: " فَإِنَّهُ لَا

стр. 129

يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ مِنْهُ " (١)، فلا يلزم أن تكون في هذا المقام. قَدْ نَظنُّ نحن أن ما يتعلَّق بغسل اليدين إنما هو أمرٌ سهل (يعني: غَسْل اليدين قبل إدخالهما في الإناء)، لكن الأمر أكثر من ذلك في الواقع، ولذلك الرسول ﵊ أكَّد ذلك الأمر، وأرشد إليه، وقال: " فَلْيَغْسل يدَه ثلاثًا "، " فَلْيَغْسل يدَه ثلَاث مرَّات "، " فَلَا يَغْمس يدَه في الإنَاء "، " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ". وقد علمنا أن العلماءَ أخذوا منه عدة نكت، منها: أن المستحب في بعض الأمور التي لا يُوجَد فيها لَبْسٌ، أي: إذا كانت واضحةً للمخاطب ولا للسامع، فإنه يُكنَّى في تلك الأمور التي يكون المقام مناسبًا فيها، فهنا لم يرد في الحديث تنصيصٌ على موضعي النجاسة، وقلنا: هذا هو أسلوب القرآن كما ذكرنا ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، إذًا، هذا دليلٌ، وأيضًا الحديث الذي أوردناه. نقول: إنَّ العُلَماء قد اختلفوا في هذه المسألة: * جماهير العلماء على أن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء إنما هو مستحبٌّ، وليس واجبًا. * ومنهم مَنْ أوجب ذلك من نوم الليل. * ومنهم من عمَّم ذلك في النوم مطلقًا. * ومنهم من استحبَّ ذلك للشاكِّ لا لغير الشاكِّ. والواقع أن الأحاديثَ لم تفرق بين شاكٍّ وغير شاكٍّ، فإن الوارد في الأحاديث التي وصفت لنا وضوء رسول الله ﷺ تبين فيها أنه ﵊ كان يغسل يديه قبل أن يُدْخلهما في الإناء. * ما المراد باليد في قوله: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "؟

стр. 130

ليسَ في الأحاديث ذكرٌ لمَوْضع اليد، فاليد قد تُطْلق ويقصد بها الكفُّ، وقد تكون أكثر من ذلك، فهل اليد إذا أُطْلقَت تنصرف إلى الكفِّ فقط؟ الواقع أن اليدَ عندما تُطْلق إنما هي تنصرف إلى الكفِّ الذي ينتهي إلى المفصل، والأدلة على ذلك كثيرةٌ: * منها قول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وفي التيمم يقول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. إذن، وَرَد ذِكْرُ اليد، ولم يُحدِّد الموضعَ الذي تُمْسح فيه اليد، وتَعْلَمون أن الوضوءَ إنما هو إلى المرفق، بل إن العلماء دققوا في ذلك، وسيأتي الخلاف في غسل اليدين إلى المرفقين كما في الآية، هل الغاية داخلةٌ في المغيَّا، بمعنى: هل يدخل المرفق أو أننا نقف عند الحدِّ، وأن الصحيح أنه إدخال المرفقين، ثم يرد بعد ذلك لو قُطعت يد إنسان من المرفق من المفصل، فهل ينتقل الحكم إلى الطرف الآخر، لأنه ملاصقٌ لمَحلِّ الواجب، وسوف يأتي أن هَذَا هو الصحيح. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، والسارق إنما تُقْطع يده من مفصل الكف، والتيمم إنَّما هو كما ورد في الحديث: " فَضَرب بيديه على الأرض، فمسح بهما وجهه وكفيه ". إذًا، يقيننا أنَّ الكتابَ والسُّنةَ متلازمان، وأن السُّنةَ إنَّما جَاءَتْ لأُمُورٍ، منها بيان تلكم الأحكام، وتفسير ما جاء مجملًا في كتاب الله ، وإننا قد نبَّهنا إلى ذلك عدة مرات، وسنكرر التنبيه على ذلك كلما جاءت مناسبة؛ لنردَّ على أولئك الذين يدعون أنه لا حاجة للسُّنَّة، وأن ما في كتاب الله إنما هو كَافٍ، وأن الأحكام فيه واضحةٌ، وقد رأيتم ما دار من حوارٍ يسيرٍ بين عمر بن عبد العزيز وبين الخارجِيَّين

стр. 131

اللذين أتيا إليه، فألزمهما عن طريق اعترافهما، وَجَعلهما يعترفان بما وقعا فيه، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يجادلَ بالتي هي أحسن، يَعْني: أن يكون حكيمًا ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، والبصيرةُ أن يكونَ الإنسانُ عالمًا بما يتكلم به، وأن يكون أيضًا حكيمًا فيما يتكلم فيه، يَقُولُ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ويقول الله تعالى في آخر سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. إذًا، " اليَدُ " جَاءَتْ مُجْملةً: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، فَالَّذي حَدَّدها إنما هي سُنَّة الرسول ﵊ " لأنه طبَّق ذَلكَ تطبيقًا عمليًّا، فإنه قطعَ اليد من المفصل، وسُنَّة الرسول قد تكون قولًا، وقد تكون فعلًا، وقد تكون تقريرًا. ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، الأَمْرُ بالنسبة للوجه واضحٌ، وهُوَ أن يأتي الإنسان ويمسح وجهه، لكن الوضوء بالنسبة لليدين إنما يغسلهما إلى المرفقين، فهل ما في التيمم هو كالذي في الوضوء؟ لا، ونعرف ذلك عن طريق سُنَّة الرسول ﵊، فالسُّنَّة هي لتي بَيَّنت وَحدَّدت لنا الموضعَ الذي يُنْتهى إليه في حالة غمس اليدين، ولَا يَقْصد أن يدخل الذراع، لَا، إنما القصد في ذلك الكفان " لأن الكفين هما اللذان يتوضأ بهما. " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ "، يَعْني: ليسَ لَه أن يَغْمِسَ هذه اليد الَّتي سيتوضَّأ بها، ونحن نعلم أن الإنسان يتناول وضوءه بيده اليُمْنى. إذن، عَرَفنا أن المرادَ باليد إذا أُطْلقَتْ: الكف الذي يَنْتهي عند المفصل، لكنه إذا أُرِيدَ أكثر من ذلك، فإنه يُنَصُّ عليه، ولذلك نجد في قول الله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فهنا لمَّا خَرَجت اليد عن المعروف، جاء تَقْييدها ووَصْفها بأنها إلى المرفقين، ولم تأتِ مطلقةً، وفعلُ الرسول ﵊ جاء موافقًا لذلك.

стр. 132

* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الأَرْكَانِ: اخْتَلَفُوا فِي المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ فِي الوُضُوءِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ). " المضمضة ": إدخال الماء في الفم. و" الاستنشاق ": جذب الماء إلى الأنف. والعلماء ﵏ يُكْثرون من كلمة: المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ فالمضمضة هي إدارةُ المَاء في الفم، هذه هي المضمضة، وعند المبالغة فيها إنَّما يُتَجاوز ذلك إلى ما قبل الحَلْق، هذه هي المبالغة، ويُدَار الماءُ في الفم. أمَّا " الاستنشاق "، فهو كما قلنا: جَذْبُ الماء إلى الأنف، والمبالغة في ذلك كَمَا ورد في الحديث: " وَبَالغ في الاسْتنشَاق إلَّا أن تَكُونَ صائمًا "، إنَّما هو إيصالُ المَاء إلى الخياشيم، والخياشيمُ هِيَ جَمْعُ خيشومٍ، هذَا فيما يتعلَّق بصِفَتِهِمَا. هل المضمضة والاستنشاق من حيث الحكم محل اتفاقٍ بين العلماء أو لا؟ للعلماء فيهما أقوالٌ. * قوله: (قَوْلٌ: إِنَّهُمَا سُنَّتَانِ فِي الوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (١)، وَالشَّافِعِيِّ (٢)، وَأَبِي حَنِيفَةَ) (٣).

стр. 133

فَمِنَ العُلَماء وهُمُ الأكثر: مَنْ يذهب إلى أن المضمضةَ والاستنشاقَ إنَّما هما سُنَّتان، وليستا بوَاجبَتَين، وأَصحَابُ هذا القول هم الحنفية والمالكية والشافعية، يذهبون إلى أنهما سُنَّةٌ، وفي هذا المقام ينبغي أن نُنَبِّه إلى أمرٍ مهمٍّ؛ وهو أن الحديث هنا عن المضمضة والاستنشاق في الوضوء، فلو خرجنا إلى الغسل لَوَجدنا أن الحنفيةَ ينفصلون عن المالكية والشافعية فيوجبونهما. ولهذا الرأي أدلة، فهل هذه الأدلة محل تسليمٍ أو لا؟ يقولون: الله أمَرَ بأمورٍ أربعةٍ هي فرائض الوضوء، فقال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ولم نجد في الآية ذِكْرًا للمضمضة والاستنشاق، فلو كانت المضمضة والاستنشاق واجبتين لذُكرتَا في الآية، لكنهما غير مَذْكُورَتين فيها، فدلَّ ذَلكَ على عدَم الوجوب. قالوا: وأمَّا ما وَرَد في سُنَّة الرسول ﵊، فإنها محمولةٌ على الاستحباب، ثم يُسْندون أو يُعضِّدون دليلهم الأول بقول الرسول ﵊ لذلك الأعرابيِّ الذي لم يُحْسن صلاته، قال له: " توضَّأ كما أمَرك الله " (١)، فَقَالوا: ذَلكم الرَّجل في أمسِّ الحاجة لأنْ يعرف الوضوء، والوضوء شرطٌ من شرائط الصلاة، والرسول ﵊ لم يَذْكر في هذا المقام الذي يحتاج إلى بيانٍ المضمضةَ والاستنشاقَ، بل ردَّ ذلك الرجل إلى الآية، فقال له: " تَوضَّأ كما أمَرك الله ". والله لم يَأمر في الآية بالمضمضة والاستنشاق. وعليه " فإنَّ المضمضة والاستنشاق ليستا وَاجبَتَين. وبَعْضُهُم يضيف إلى ذَلكَ دليلًا آخر فيَقُول: ولأنَّ المضمضمة والاستنشاق ليستا محل اتفاقٍ بين العلماء على وجوبهما، بل أكثرهم يذهبون إلى عَدَم الوجوب، فعدمُ الاتفاق على وجوبهما دليلٌ على أنهما غير واجبتين.

стр. 134

* قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُمَا فَرْضٌ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِى لَيْلَى (١)، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ) (٢). وَمنهم: مَنْ يوجب المضمضة والاستنشاق (٣). وبَسْتدلُّون بأَدلَّةٍ: يَقُولُونَ: إنَّ الله تَعَالَى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ والوجه في اللغة مأخوذٌ من المواجهة، والمضمضة محلها الفم، وهو في وَجْهه، والاستنشاق محلُّه الأنف، وهو في الوجه. وهناك خلافٌ بين العُلَماء في أمر المواجهة، فالجمهورُ يَقُولون: لم تحصل مواجهة؛ لأن الفم والأنف عضوان داخلان فيما يتعلق بغسلهما؛ لأن الذي يمضمض ويغسل إنما هو داخل الفم وداخل الأنف، وهذان لا تحصل بهما المواجهة، ويستدلُّون بقوله ﵊: " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْثُرْ " (٤). " فَلْيَجْعَلْ "، هذا أمرٌ، والفعل المضارع حينما تقترن به لام الأمر يكون أحد صور الأمر، فقالوا: هذا أمرٌ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، والرسول ﵊ طبَّق المضمضة والاستنشاق فعلًا. واعتُرِضَ على هذا الاستدلال بأنَّ الاستنثار ليس واجبًا.

стр. 135

ورُدَّ هذا الاعتراض: من العلماء مَنْ يوجبه، ومنهم الحنابلة في روايةٍ لهم، ويَسْتدلُّون بحَدِيثٍ آخَر بالنسبة للمضمضة - والمُؤلِّف ﵀ لم يعرض له - وهو حديث صحيح في " سنن أبي داود ": " إذا توضَّأت فمَضْمِضْ " (١)، قالوا: وهذا أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب، وهذا حديث صحيح ينبغي التسليم له، والأخذ به. ويَسْتدلُّون بحديث عائشة ﵂ أن الرسول ﵊ قال: " المَضْمَضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه " (٢). وفي حديث أبي هريرة: " تمضمضوا واستنشقوا " (٣)، وهذا أيضًا أمرٌ، والأمرُ يَقْتضي الوجوب. ويستدلُّون بقوله ﷺ : " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا " (٤)، قالوا: هذا أمرٌ، وأمرٌ بالمبالغة، فإذا كانت المبالغة قد أُمِرَ بها، والعلماء مجمعون على أنها غير واجبةٍ، فما بالك بالاستنشاق؟! وسننبه على قضية المبالغة إن شاء الله، وسنربطها بقاعدة فقهية. * فائدة: للإمام أحمد ثلاث روايات في هذه المسألة: * رواية مع الجمهور: أن المضمضة والاستنشاق سُنَّتان، وهذه ليست مشهورةً. * رواية قوية، أو إحْدَى الروايتين المشهورتين أو المعروفتين أنهما واجبتان.

стр. 136

* رواية بوُجُوب الاستنشاق دون المضمضة (١). * قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّ الاسْتِنْشَاقَ فَرْضٌ، وَالمَضْمَضَةَ سُنَّةٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ (٢)، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ) (٣). ومنهم مَنْ يُفَرِّقُ بينهما، فيُوجب الاستنشاق دون المضمضة، ويعلِّلون بأنَّ ما وَرَد في الاستنشاق إنَّما هو أكثر، أو أنه من أمر الرسول ﵊، وما يتعلق بالمضمضة إنما هو من الفعل، وسنبين القول الصحيح في ذلك، وأنَّ هَذَا رأي غير مُسَلَّمٍ. قالوا: فُرِّقَ بينهما؛ لأنَّ الاستنشاقَ وردت فيه أحاديثُ كثيرةٌ، منها حديث: " فلينثر "، والحديث الذي ذَكَرناه: " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْثُرْ "، " وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تكونَ صَائمًا "، وهُنَاك أدلةٌ كثيرةٌ وردت في الاستنشاق، فقالوا: إن الاستنشاقَ وَرَد من قوله ﵊، والمضمضة وَرَدتْ من فعلِهِ ﵊، وَيعْتبرون أن ما جاء قولًا أقوى مما جاء فعلًا؛ لأن القول إنما يأتي أحيانًا بصيغة الأمر، والأصل في الأمر إنما هو الوجوب ما لم يوجد صارفٌ.

стр. 137

مناقشة الجمهور: ما وَجدتُ الجمهورَ عَرَضُوا لحديث: " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْثُرْ " - فيما اطَّلعتُ عليه من كتبهم - وإنما يُركِّزون على حديثين؛ حديث عائشة ﵂: " المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه "، ولقولون بأن هذا الحديثَ فيه ضعفٌ. ويقولون في حديث أبي هريرة: " تمضمضوا واستنشقوا ": إنه حديثٌ ضعيفٌ. نقول: نُسَلِّمُ ضعفَ الدليلين، بل هذا أمرٌ لا خلاف فيه، وَلَكن ما بالُكُم بالأحاديث الأُخرى التي بعضها في " الصحيحَين ": " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْثُرْ "، وَحَديث فِي المَضْمَضة: " إذَا تَوضَّأت، فَمَضْمض "، وهو في " سنن أبي داود "، وهو حديثٌ صحيحٌ. وهذِهِ الأحاديثُ إنما جاءت بيانًا لقول الله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، والسُّنَّة إنما جاءت بيانًا لما وَرَد مُجْمَلًا في كتاب الله ، والله تعالى هو الذي أرشد إلى هَذَا الأمر بقوله في آياتٍ متعددةٍ؛ كقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، والبيان إنما يكون قولًا وفعلًا. وقد تُخصِّص السُّنَّة بعضَ الآيات العامة أو تفصلها، ومَنْ أراد أن يعرف ذلك مفصلًا فليرجع إلى ما يُعْرَف بـ " تاريخ التشريع "؛ فإن الذي كتبوا في هذا الموضوع قد فَصَّلُوا القول فيه. القَوْلُ الأَوْلَى: ننتهي إلى أن الأَوْلَى هو أنه ينبغي الأخذ بقول مَنْ يقول بوجوب المضمضة والاستنشاق؛ لوجود الأدلة التي تدعم هذا القول، ولا نرى ما يبطلها؛ ولأنه الأحوط، والرسول ﵊ يَقُول: " دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك " (١)، وهذا من المقام الذي يَشُكُّ فيه الإنسان، فهو

стр. 138

إذا لم يتمضمض أو يستنشق، فإنه في هذه الحالة حِينَئذٍ لا يطمئن إلى وضوئِهِ، وبالتَّالي يشكُّ في صَلَاتِهِ، ولا ننسَى أن من العلماء مَنْ قال بأنَّ مَنْ ترك الاستنشاق، بطل وضوؤه، وإذا بطل وضوؤُهُ، لم تصحَّ صلاتُهُ، وأي مسلمٍ يُقْدم على مثل هذا الأمر؟! إذًا، الأَوْلَى ألا نتوقَّف، ولم يُنْقل ولَا في حديثٍ واحدٍ من أقوال الرَّسُول ﵊، ولا من أفعالِهِ أنه ترك المضمضة والاستنشاق. ألا يكفينا أن نَقْتدي بفِعْلِ الرسول ﵊؟! فيَنْبغي أن نقفَ عند هذا الأمر، ولا نَتسَامح أو نتساهل فيه، وهذا أيضًا ليس هناك ما يُبْعده من أن يكون داخلًا في عُمُوم قَوْل الله تَعَالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. * قَوْله: (وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ فِي كَوْنِهَا فَرْضًا أَوْ سُنَّةً: اخْتِلافُهُمْ فِي السُّنَنِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، هَلْ هِيَ زِيَادَةٌ تَقْتَضِي مُعَارَضَةَ آيَةِ الوُضُوءِ أَوْ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذ الزِّيَادَةَ إِنْ حُمِلَتْ عَلَى الوُجُوبِ، اقْتَضَتْ مُعَارَضَةَ الآيَةِ، إِذِ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَأْصِيلُ هَذَا الحُكْمِ). عندما نَقِفُ عند قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولا نتجاوز هذا الحدَّ، نقول: زائدة، لكن الوجه هو ما تَحْصل به المواجهة من حيث اللغة، فما المانع أن نخرج من ذلك المضمضة والاستنشاق، الخلاف إنما هو في داخل الأنفِ وداخل الفم. * وقوله: (وَتَبْيِينُهُ، أَخْرَجَهَا مِنْ بَابِ الوُجُوبِ إِلَى بَابِ النَّدْبِ). يُرِيدُ المؤلِّف ﵀ أن يَقُولَ: المُرَادُ من هذه الآية تأصيلُ الحُكْمِ، أي: بيان الفروض التي هي أُصُولٌ في هذه المسألة، والأصول هنا إنما هي أربعةٌ: غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، على خلافٍ فيه سيأتي، وغسل الرِّجْلين إلى الكعبين، والخلاف فيهما شاذٌّ لا يعتدُّ به.

стр. 139

فَمَنْ يَقُولُ بأنَّه ينبغي أن نقصرَ ما في الآيَةِ على الفرائض ولا نتجاوزه، فما زاد عن هذه الأمور الأربعة إنَّما هي تدخل في أبواب السُّنَن، ولا يَنْبغي أن نلْحقها في الفرائض، فهو يتخذ هذا القول له. * قوله: (وَمَنْ لَمْ يَرَ أَنَّهَا تَقْتَضِي مُعَارَضَةً، حَمَلَهَا عَلَى الظَّاهِرِ مِنَ الوُجُوبِ). والواقعُ أنها لا تَقْتضى معارضةً؛ لأنَّ هذه سُنَّةٌ، وهذا كتابٌ، والسُّنَّة بتَوْجِيهٍ من الله، وهي بيان للكتاب، والبيانُ جَاء عن طريق قول وفعل الرسول ﷺ ، فأي معارضةٍ بينهما؟ لا معارضةَ، بَلْ هو بيانٌ وتفصيلٌ، وقد رَأَيْنا ذلك في أحكامٍ كثيرةٍ جدًّا. * قوله: (وَمَنِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الأَقْوَالُ وَالأَفْعَالُ فِي حَمْلِهَا عَلَى الوُجُوبِ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ). مراد المؤلف ﵀ أن يقول: مَنْ تساوت عنده الأقوال والأفعال؛ يعني: أقوال الرَّسول ﷺ في الأحاديث التي ذكرنا، كقوله: " فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْثُرْ "، وقَوْله: " إذا تَوضَّأت فمَضْمِضْ "، وبَيْن ما ورد أو نُقِلَ إلينا من وَصف وضوئِهِ ﷺ ، والَّذي وَرَدتْ فيه ملازمتُهُ للمَضْمضة والاستنشاق، ولم يُفرِّق بينهما، فهو يَرَى وُجُوبَهما. قلنا: إنَّنا لا نجد فرقًا، فلا إشكالَ، ولا معارضة في كون الأحاديث التي وردت في الاستنشاق أكثر من التي وردت في المضمضة، خصوصًا الأحاديث التي وردت قولًا، لكن كونها أكثر لا يُخْرج المضمضة من أن تكون أيضًا متعينةً. * قوله: (وَمَنْ كانَ عِنْدَهُ القَوْلُ مَحْمُولًا عَلَى الوُجُوبِ، وَالفِعْلُ مَحْمُولًا عَلَى النَّدْبِ، فَرَّقَ بَيْنَ المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ). ولعلَّ المؤلف ﵀ وغيره من بعض الفقهاء لَمْ يقفوا على الحديث الذي أوردته، وهو قوله ﵊: " إذا تَوضَّأت فمَضْمِضْ "، فهذا أمرٌ، وليس فعلًا، وبه يترجَّح قول القائلين بوُجُوبهما معًا، ولو انضمَّ

стр. 140

هذا الحديثُ إلى أدلة الفريق الثالث الذي يوجبهما، لتَقوَّى هذا المذهب، وهو أيضًا أسلم المذاهب الثلاثة وأحوطها. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ المَضْمَضَةَ نُقِلَتْ مِنْ فِعْلِةِ ﵊، وَلَمْ تُنْقَلْ مِنْ أَمْرِهِ). وهذا غير صحيحٍ كما قلنا؛ لحديث: " إذا تَوضَّأت فَمَضْمِضْ "، وحديث: " تَمَضْمَضوا وَاسْتَنْشقوا "، وحديث: " المَضْمَضة والاستنشاق من الوُضُوء الذي لا بدَّ منه ". وهناك كلامٌ وجدالٌ للعُلَماء في حديث: " تَمَضْمَضُوا واسْتَنْشقُوا "، وحديث أبي هريرة - كما ذكرنا - للعلماء كلامٌ فيه من حيث ضَعْف السَّند، وحديث عائشة ﵂ أيضًا الذي فيه: " المضمضة والاستنشاق من الوُضُوء الذي لا بدَّ منه "، لكن حديث: " إذا توضأت فمضمض " يبقى ثابتًا صحيحًا لا اعتراضَ عليه. * قوله: (وَأَمَّا الاسْتِنْشَاقُ، فَمِنْ أَمْرِهِ ﵊ وَفِعْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ). أَوْرَد المؤلف ﵀ الحديثَ المتفقَ عليه، وجاء في صحيحي البخاري ومسلم بعدة رواياتٍ، اختار المؤلف ﵀ منها هذه الرواية. * قوله: (خَرَّجَهُ مَالِكٌ فِي " مُوَطَّئِهِ " (١)، وَالبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " من حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " (٢). وخرَّجه مسلمٌ أيضًا (٣)؛ فهُوَ حَديثٌ متفقٌ عليه، وفي كُتُب السُّنن أيضًا، لكننا نكتفي بعَزْوه إلى " الصَّحيحَين ".

стр. 141

كيفية المضمضة والاستنشاق: وَصْفُ المضمضة: هُوَ إدخَال الماء إلى الفم وإدارته، والمبالغة: أن تقدم ذلك إلى جهة الحلق دون أن يصلَ إليه. والاستنشاق: جَذْبُ الماء بالهواء عن طريق النَّفَس، فإن بالغت، فتوصل ذلك إلى الخياشيم، وقد ورد في الحديث: " وبَالِغْ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا ". يبقى هنا فيما يتعلق بالمضمضة والاستنشاق مسألتان: المسألة الأولى: ما يتعلق بكيفية المضمضة والاستنشاق. وعندما نعود إلى أَحَاديث الرسول ﷺ في وَصْفِ وضوئِهِ، نجد أنه تمضمضَ واستنشقَ، ففي بعضها أنه غرف غرفةً واحدةً، وبَعْضها أنها أكثر من ذلك، فهل يقتصر على غرفةٍ واحدةٍ، فَيُكْتَفى بها أيضًا في المضمضة والاستنشاق؟ ثمَّ هَلْ يُؤْخذ للمَضْمضة جزءٌ، ثمَّ بعد ذلك يمجُّهُ ويطرحه، ثم بعد ذلك يستنشق، وهكذا، .. فيتمها بغرفةٍ واحدةٍ مشتركةٍ بينهما؟ مع أن العلماءَ متفقون من حيث الجملة على أن المضمضة تقدم، أو أنه يأخُذ لهما ثلاث غرفاتٍ، يُشركُ بينهما في كل غرفةٍ، أو أنه يفصل بينهما، فيتمضمض ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا، فيكون ذَلكَ ست غرفاتٍ، فِي هذا تفصيل للعُلَماء، ولا خلافَ بَيْنهم في أنَّ أيَّ طريقةٍ سَلَكها المسلم فهي صحيحةٌ. المسألة الثانية: قضيةٌ مهمةٌ تتعلَّق بالقواعد الفقهية، ويجب دائمًا أن نربط الفقه بها.

стр. 142

مرَّ في أثناء كلامنا حديث: " وَبَالغ في الاستنشاق إلَّا أَنْ تكونَ صائمًا "، والحديث فيه الحضُّ على المُبَالغة في الاستنشاق، وفي حديثٍ آخر الحضُّ على المَضْمَضة والمبالغة فيها، ولا خلاف بين العلماء في أنه يُسْتحبُّ المُبَالغةُ في المضمضة والاستنشاق إلا للصَّائم، فلماذا مُنِعَ الصائم من ذلك؟ مُنِعَ خشيةَ أن يتسرب الماء إلى جوفه فيفطر؛ فهذه هي العلة. وأَخَذ العلماءُ قاعدةً معروفةً من مثل هذا الحديث - وليس من هذا الحديث وحده - بل من عدة نُصُوصٍ، فَقَالوا: " دَرْءُ المَفَاسد مقدمٌ علَى جَلْب المَصَالح ". فالمَضمَضَةُ والاستنشاقُ أُمِرْنَا بأن نبالغَ فيهما إلَّا أن يكونَ أحدُنَا صائمًا، فلا يفعل ذلك، والسَّبب: درءًا للمفسدة الَّتي هي أكبر من المصلحة، فالمبالغةُ مصلحةٌ، لكن المفسدة المُتَرتبة على ذلك أكبر، فيَنْبغي تَرْكها. * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ تَحْدِيدِ المَحَالِّ). ومسألة تحديد المحالِّ مهمةٌ جدًّا، وقَدْ يكون خفاؤها على بعض الناس أكثر من المَضْمَضة والاستنشاق. * قوله: (اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الوَجْهِ بِالجُمْلَةِ مِنْ فَرَائِضِ الوُضُوءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وَاخْتَلَفُوا مِنْهُ فِي ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ). وكَأنَّ المؤلِّف يميل إلى أن المضمضة والاستنشاق غير واجبتين، ولذلك فصلهما عن الوجه، وبعض العلماء يُدْخلهما ضمن الحديث عن الوجه، فيَجْعلهما مقدمةً للحديث عنه، فهنا تكلم عن المضمضة والاستنشاق، ثم بعد ذلك انتقل إلى الوجه. إذًا، لا خلَافَ بين العُلَماء - رَحمَهم الله تَعالَى - على أن غسلَ الوجه فرضٌ، بَلْ إنَّهمْ أَجْمَعوا على ذَلكَ، ودليل ذَلكَ أمورٌ ثلاثةٌ: أولًا: قوله الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾.

стр. 143

ثانيًا: مَا وَرَدَ من الأحَاديث عن الرَّسُول ﵊ التي وصفت لنا فعلَه. ثالثًا: إجمَاعُ العُلَماء علَى ذَلكَ، فالمَسْألةُ مُجْمعٌ علَيها، وليست محل نقاشٍ، ولا جدالٍ، ولا محل تفصيلٍ (١). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْهُ فِي ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي غَسْلِ البَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ العِذَارِ (٢) وَالأُذنِ). و" العِذَارُ ": هُوَ الشعر الَّذي علَى العظم النائي الذي هو سمت (٣) صماخ (٤) الأذن، فهذا البياض وَاجبٌ غسله عند أكثر العُلَماء؛ كالحنفية (٥)، والشَّافعيَّة (٦)، والحنابلة (٧)، وذكر المؤلِّف ﵀ أنَّ مذهبَ

стр. 144

المالكيَّة فيه روايتان (١)، والذي أعرفه أنَّ الصحيحَ من مذهبهم إنَّما هو روايتهم مع جمهور العلماء (٢). * قوله: (وَفِي غَسْلِ مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَفِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ). والمراد بـ " مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ ": اللحية الطويلة؛ لأن اللحية على نوعين، والمؤلف هنا لم يفصلها: ١ - لحيةٌ خفيفةٌ. ٢ - ولحيةٌ كثيفةٌ. ولكل واحدةٍ منهما حكمٌ، وقد يظن الإنسان أن الحديث عن اللحية لا يختلف، لا، فاللحية الخفيفة سنبين حدَّها، وكيف وَصَفها العُلَماء، فقَدْ ذكروا لها أمورًا ثلاثةً سَنعُودُ إلى شَرْحها. * قوله: (فَالمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ البَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ العِذَارِ وَالأُذُنِ مِنَ الوَجْهِ). ممَّا ينبغي أن يلتفتَ إليه: أنه لا يلزم من كلمة " المشهور " في أي مذهبٍ من المذاهب أن يكون هذا المذهب المشهور هو الصحيح، بَلْ قد تجدَ رواية ضعيفة في مذهبٍ من المذاهب وتكون هي الصحيحة، وهي التي تلتقي مع الأدلة، فلا يلزم أن تكون رواية اشتهرت في مَذْهبٍ،

стр. 145

وعُرِفَتْ، وأخَذ بها كَثيرٌ من الأصحاب أن تكون هي الصحيحة، لا، ففَرْقٌ بين " الصحيح " وبين " المشهور ". * قوله: (وَقَدْ قِيلَ فِي المَذْهَبِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الأَمْرَدِ وَالمُلْتَحِي (١)، فَيَكُونُ فِي المَذْهَبِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ). " قِيلَ في المذهب "، تعني أنه قولٌ ضعيفٌ، وهذا المذهب الذي يقول عنه: " قِيلَ "، هو الصحيح في نظري، وهو الذي أخذ به جماهير العلماء. وأنا لم أقف على أحدٍ فيما أعرف من أهل الفقه - خلال دراستي واطلاعي على كثيرٍ من كتب الفقه - فرَّق بينهما إلا هذه الرواية عن مالكٍ ﵀، وهُوَ قولٌ لأَبي يُوسُف صاحب أبي حنيفة الإمام القاضي المعروف (٢). وَسَببُ تَفْريقهما بين الأمرد والملتحي: هو المواجهة؛ فإن الأمردَ لا يوجد عنده فاصلٌ؛ فتحصل المواجهة، وغير الأمرد لا تحصل له مواجهةٌ؛ لوجودِ فاصلٍ … وهذا التعليل في نظري فاسدٌ وضعيفٌ، والصَّحيحُ هو مذهب جماهير العلماء في هذه المسألة. * قوله: (فَيَكُونُ فِي المَذْهَبِ فِي ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ). الجمهور (الحنفية، والشافعية، والحنابلة): البياض الذي بين العِذار وبين الأذن يجب غسله. رواية للمالكية: خالفوا فيها، وفي نظري ضعيفة، لا أعني: ضعيفة في المذهب، وإنما أعني من الناحية الفقهية.
следующие страницы →